فَقَدَتْ ألوان التصنيع الحسية -عند شعراء اليتيمة ومن جاء بعدهم- قيمتها كزينة وزخرف؛ فقد استحالت إلى تكلف وتصنع خالص. على أنه كان ينجم بين الشعراء أحيانًا من يرفض الإغراق في التصنع ويعنى بصفاء تعبيره كأبي فراس الحمداني والشريف الرضي، ولا بد أن نخص كلا منهما بكلمة قصيرة لما حازا من شهرة.
أَبُو فِرَاسٍ الْحَمْدَاني:
هو الحارث بين سعيد بن حمدان، ولد سنة ٣٢٠ للهجرة، وكان أبوه حينئذٍ واليًا على الموصل، أما أمه فكانت رومية، ولم تكد الحياة تتقدم به حتى قُتل أبوه غدرًا؛ فكفلته أمه، ورعاه ختنه وابن عمه سيف الدولة؛ فلما استقل بحلب كان ساعده الأيمن فعيَّنه واليًا على مَنْبَج وحرَّان وأعمالهما. وما زال ينازل الروم معه حتى أصابوا منه غرَّة سنة ٣٥١ فأسروه وظل في أسرهم أربع سنوات كان يكاتب في أثنائها ابن عمه ليفدِيه، وهو يتراخي في فدائه، حتى لا يفك عنه أسره دون بقية الأسرى من المسلمين الذين وقعوا في قبضة الروم، وظل سيف الدولة يتحين الفرص حتى كانت سنة ٣٥٥ فافتداه هو وغيره منهم. وسرعان ما توفِّي سيف الدولة فحدَّثت أبا فراس نفسُه بالثورة على ابنه أبي المعالي؛ لكن جنده تغلبوا عليه وقتلوه سنة ٣٥٧.
نحن إذن بإزاء بطل من أبطال الحمدانيين، وقد استيقظت فيه شاعريته منذ مطالع شبابه، واتجه بها إلى الغزل والفخر بأسرته والاعتداد بشجاعته وغنائه في الحروب هو وآله، وقراعهم لكتائب الروم وغير الروم على شاكلة قصيدته المشهورة:
سَيَذكُرُني قَومي إِذا جَدَّ جِدُّهُم ... وَفي اللَيلَةِ الظَلماءِ يُفتَقَدُ البَدرُ
وفخره يمتلئ بالحيوية؛ لأنه يصوِّر فيه واقعًا لا وهمًا من أوهام الخيال. وجرَّته شيعيته -والحمدانيون جميعًا شيعة- إلى نظم قصائد في آل البيت يتعرض فيها أحيانًا لخصومهم العباسيين. وخير أشعاره جميعًا رومِيَّاته التي نظمها في أسْرِهِ والتي كان يرسل بها إلى سيف الدولة معاتبًا لتقاعسه عن فدائه، وهي تكتظ بالحنين إلى الأهل والشكوى من الدهر والرفاق، ومن روائعها قصيدته التي
стр. 387
يخاطب فيها أمه١ والأخرى التى يرئيها بها رثاء حارا٢. وهو بارع في تصوير أحاسيسه ومشاعره، سواء تحدث إلى ابن عمه وهو في أسره٣ أو خاطب حمامة تنوح٤، أو صور ليلة من ليالى حبه٥. غير أن شعره في جملته لا يصعد إلى الأفق الذى يحلق فيه المتنبى، لسبب بسيط وهو أنه أمير مترف، يتناول شعره كما يتناول حياته في يسر وسهولة.
الشريف الرضى:
هو محمد بن الحسين الموسوى، ولد ببغداد سنة ٣٥٩ للهجرة، وكان أبوه نقيب العلويين وعسى بتخريجه على كبار الأساتذة في عصره من أمثال ابن جنى، الذى لا نشك في أنه دفعه دفعًا إلى حفظ شعر المتنبى ومحاكاته؛ إذ كان يعجب به إعجابًا شديدًا. وكان الرضى شاعرًا بارعًا كما كان عالمًا بارعًا، وله مؤلفات كثيرة في تفسير القرآن الكريم وغيره. ولما توفى أبوه عينه بهاء الدولة البويهى نقيبًا للأشراف العلويين سنة ٣٩٧ ثم خلع عليه لقبى الرضى والشريف، وظل موقرا مهيب الجانب إلى أن توفي سنة ٤٠٦.
وهو في شعره يكثر من مديح الخلفاء العباسين لعصره وأمراء بنى بويه ووزرائهم؛ إلا أنه يتوقر في مديحه ولا يسف إلى مغالاة أو غلو، بل يحتفظ بكرامته، وهى كرامة ترد إلى طيب محتده ومكانته في بيته وعصره، وكل من يقرأ ديوانه يحس الصلة واضحة بينه وبين المتنبي؛ فقد كان يحتذي شعره احتذاء، ولعل ذلك ما جعله يكثر من الفخر والاعتداد بنفسه، كما أكثر من نقد الأخلاق وأحوال المجتمع والناس من مثل قوله:
وخلائق الدنيا خلائق مومس ... للمنع آونة وللإعطاء
طورًا تبادلك الصفاء وتارة ... تلقاك تنكرها من البغضاء
стр. 388
واستمر يشكو من الدهر كأن يقول:
فأينَ من الدَّهرِ استماعُ ظلامتي ... إذا نظرتْ أيامُهُ في المظالمِ
ولم أدرِ أنَّ الدَّهرَ يخفضُ أهلِهُ ... إذا سكنت فيهم نفوسُ الضَّرَاغِمِ
وهي شكوى ترددت كثيرًا في هذا العصر عند الشريف وغيره من الشعراء؛ فقد كان هناك من الكآبة في الحياة الإسلامية العامة؛ بسبب ما أصابها من اضطراب سياسي واجتماعي، ما جعل الشعراء يرددون هذا اللحن، وكان الشريف من أكثر الشعراء ترديدًا له متأسيًا -كما قلنا- في صنيعه بالمتنبي، وأكثرَ مثلَهُ من الحِكَم في شعره كقوله:
إذا أنت فتَّشْتَ القلوبَ وجدتَهَا ... قلوبُ الأعادي في جسومِ الأصادقِ
وأيضًا فقد قلَّده في غزله بالأعرابيات وما ينطوي معها من ذكر العِيس والبِيد كقوله:
وعْجنا العيسَ توسعنا حَنِينًا ... تُغَنِّينا ونوسعها بكاء
وقوله:
حَيِّيا دون الكثيبِ ... مرتَعَ الظَّبي الرَّبيب
ولهذه الغزليات حيز واسع في ديوانه، وهو يطبعها بطوابع من العفة والطهر، ودائمًا يردد ذكر مواضع نجد والحجاز فمعشوقاته دائمًا حجازيات. وله في ذلك قطع رائعة مثل مقطوعته المشهورة.
يا ظبية َالبانِ ترعَى في خمائله ... ليهْنِك اليوم أن القلب مَرعَاك
وتوسع في هذا الموضوع كما توسع في الحكم؛ غير أنه ينبغي إذا ذكرنا المتنبي معه أن نضعه في مرتبة متخلفة عنه؛ إذ يتفوق المتنبي عليه في جمال التعبير وقوته. وعلى كل حال كان الشريف يحاكي المتنبي ويلفِّق كثيرًا من معانيه وحكمه في نماذجه؛ وقد عم التلفيق من حوله في هذه العصور؛ إذ نرى الشعراء يلفقون نماذجهم من الخواطر الموروثة والأفكار المطروقة. ولعل مهيار خير شاعر يصور هذا الجانب في الشعر العربي؛ إذ لم يكن يستعين على شعره بثقافة ولا فلسفة، وكان أجنبيًّا عن اللغة، وحاول أن يطيل في قصائده، فظهر تلفيقه مكشوفًا، ولذلك سنقف عنده في الفصل التالي حتى نتمثل هذا الجانب الفني من صناعة الشعر العربي تمثلًا واضحًا.
стр. 389
الفصل الثالث: التصنع والتلفيق
ميهار أصله وتشيعه ومزاجه
...
الفصل الثالث: التَّصَنُّعُ والتَّلْفيقُ
في كلِّ نادٍ نازحٌ غائبُ ... لها حديث بكم حاضرُ
تعرِضُ أيَّام التهاني بها ... ما تعرِضُ المعشوقةُ العاطر
تميس منها بين أيّامكم ... خاطرة يتبعها الخاطرُ
لثَّمَها التحصينُ عن غيركم ... وهي على أبوابِكُم سافرُ
مهيار
١- مهيار، أصلُه وتشيُّعُهُ ومِزَاجُهُ:
قلنا في آخر الفصل السابق: إن الشعر العربي انتهى إلى ظاهرة عامة من التَّلفيق في خواطره وصنع عباراته وأساليبه، ولعل خير شاعر يفسر هذا الجانب هو مهيار بن مرزويه الدَّيلمي الفارسي الأصل، ولد في بغداد على ما يظهر حول سنة ٣٦٠ للهجرة ونشأ مجوسيًّا على دين آبائه، وعني أبوه بتعليمه العربية؛ فلما شبَّ التحق كاتبًا بالدواوين. ولزم الشريف الرضي، وأسلم على يديه سنة ٣٩٤ وعليه تخرج في الشعر١، وهو فيه تلميذ له حقًّا؛ سواء في مدائحه أو في غزله الحجازي أو البدوي، وإن كنا نلاحظ عنده أنه شديد الزُّلْفى وأنه لا يكاد يترك أميرًا بويهيًّا ولا خليفة ولا وزيرًا ولا عينًا من أعيان بلدته إلا ويمدحه. وليس في ديوانه أثر واضح لفارسيته سوى شعوبية تتردد في تضاعيفه، وقد ذكر في مديحه لفخر الملك نار السَّذق، وهو عيد مجوسي للنار، فقال:
وكل نار على العشَّاقِ مضرمةٌ ... من نَارِ قلْبي أو من ليلةِ السَّذقِ
стр. 390
وما زال ببغداد حتى توفي سنة ٤٢٨. ويقول أبو الفرج الجوزي إنه لما أسلم صار رافضيًّا غاليًا، يذكر الصحابة بما لا يصلح، وينقل أن شخصًا قال له: يا مهيار، انتقلت بإسلامك في النار من زاوية إلى زاوية، قال وكيف ذاك؟ قال لأنك كنت مجوسيًّا فأسلمت فصرت تسب الصحابة١. ونرى من ذلك أن مهيار كان أجنبيًّا عن اللغة، وسنرى أنه كان لذلك تأثير واسع في صناعة الشعر عنده؛ إذ كان يضل -في أحوال كثيرة- التعبير عن المعاني الدقيقة، فيسقط إلى ألوان من الإسفاف تذيع سر المهنة عنده، ولذلك كان لا يحسن التعبير الحاد عما في نفسه. وليس من شك في أن هذا الجانب يعد عنده موضع طرافة بالقياس إلى غيره من شعراء الفرس الأولين كبشار وأبي نواس؛ فقد نشئوا نشأة عربية وتثقفوا باللغة تثقفًا، جعلهم ينسلخون عن وراثاتهم وسلائقهم اللُّغوية الخاصة، أما مهيار فقد سلمت له نشأة فارسية أو قل مجوسية؛ ولذلك كانت قصائده تمتلئ بنوافذ يشرف منها الإنسان على فارس، ولولا أنه أخذ نفسه بالأسلوب العربي وتخرج على يد شاعر عربي أصيل؛ وهو الشريف الرضي؛ لكان لفارسيته وأجنبيته عن اللغة العربية أثر أوسع مما نرى الآن في ديوانه. وكان يشعر بهذا الجانب شعورًا متأصلًا في أعماق نفسه، ولعل ذلك ما جعله يقول في وصف أشعاره:
حلىً من المعدنِ الصريحِ إذا ... غشَّ تجارُ الأشعارِ ما جلَبوا
تشكرُها الفرسُ في مديحك للـ ... معنى وتَرضى لسانها العَرَبُ
فمهيار كان يشعر شعورًا عميقًا بفارسيته، وكان يرى أن لهذه الفارسية سمات خاصة في شعره، وهو يرجع هذه السمات إلى ما يسميه المعنى؛ ولكن كلمة المعنى واسعة، ولعل خيرًا من ذلك أن نسميها الروح الفارسية؛ فليس في معاني مهيار ما يمكن أن نسميه فارسيًّا. على أن هناك جانبًا مهمًّا كان يؤثر في شعر مهيار تأثيرًا واسعًا وهو ما يمتاز به من مزاج خاص، وهو مزاج فيه رقة وحدَّة في الحس، وقد نَمَّاه ما انتهت إليه الحضارة العربية من ترف شديد حتى لينقلب إلى ضرب غريب من الدماثة والليونة ما يزال ينتشر في جميع أطراف شعره.
стр. 391
٢- تَلْفِيقُ مِهْيَار لنماذِجِهِ:
كان مهيار أجنبيًّا عن اللغة؛ ولكن هذا الجانب لم يعطنا ثروة فكرية واسعة في شعره بل كان شأنه شأن غيره يلفق قصائده على طريقة الشعراء الذين عاصروه وجاءوا من بعده، وهو تلفيق لا يعتمد عنده على الثقافة كما رأينا عند المتنبي؛ إنما هو تلفيق داخلي إن صح هذا التعبير، إذ نرى الشعراء عاجزين عن التجديد إلا في حدود ما سبقهم من أفكار وخواطر، وهم لذلك ما يزالون يتناقلونها فيما بينهم، حتى يحدثوا لأنفسهم تلك النماذج التي كانوا يسمونها قصائد، ومن السهل أن يقرأ الإنسان لأي شاعر في تلك العصور ويرد ما يقرؤه إلى من سبقه من الشعراء، وحقًّا قد يستعين بعضهم على إخفاء هذا الجانب عنده بما يحققه لنفسه من الأسلوب العربي الأصيل كما نجد عند الشريف الرضي؛ ولكنا لا ننتقل إلى تلميذه مهيار حتى يكشف لنا كشفًا واضحًا عن تلك المهارة الحديثة في الفن العربي، وذلك أنه كان يعمد إلى تطويل نماذجه، فانبسطت الأبيات واتضح التلفيق، وانظر إلى هذه الفكرة عند المتنبي:
أَثافٍ بِها ما بِالفُؤادِ مِنَ الصَّلى ... وَرَسمٌ كَجِسمي ناحِلٌ مُتَهَدِّمُ١
وهي فكرة أخذها عن أبي تمام؛ ولكنه أبقى لها حدة الأسلوب العربي إذ أخرجها في بيت واحد دون أن يتكلف التطويل؛ غير أننا لا نصل إلى مهيار حتى نراه يعرضها في أبيات كثيرة، وما فائدة الزمن وما فائدة التطور الذي أصاب الشعر العربي بعد القرن الثالث، إن لم يلفق الشاعر من البيت الواحد القديم أبياتًا كثيرة حديثة، وانظر كيف تحولت هذه الفكرة عند مهيار إلى تلك الأبيات:
стр. 392
هل عند هذا الطَّلَلِ الماحِلِ ... من جَلَدٍ يُجِدي على سائلِ
أصمُّ، بل يسمعُ؛ لكنَّهُ ... من البلى في شُغُلٍ شاغلِ
وقفتُ فيه شبحًا ماثلًا ... مرتفدًا من شبحٍ ماثِلِ
ولا ترى أعجبَ من ناحلٍ ... يشكو ضنا الجسمِ إلى ناحلِ
لهفَكِ يا دارُ ولهفي على ... قَطينِك المحتمِل الزَّائلِ٢
قلبيَ للأَحْزانِ بعد النَّوى ... وأنتِ للسَّافي وللنَّاخلِ٣
مثلُكِ في السُّقمِ ولي فضلةٌ ... بالعقلِ والبَلوى على العَاقِلِ
فإنك ترى أن أساس الفكرة في هذه الأبيات هو أنه رسم يبكي رسْمًا، وهي فكرة المتنبي بل هي فكرة أبي تمام من قبله، وكل ما جاء به مهيار من جديد أنه عمد إلى التطويل والتفصيل؛ ولكن ألا يشعر القارئ على الرغم مما وفِّق إليه مهيار من إحكام الصوت في هذه القطعة أن الأبيات لا تبلغ من التأثير ما يريده لها مهيار؛ فقد تقاربت الأفكار وأصبح الأسلوب هادئًا ليس فيه عنف العاطفة ولا حدة التعبير الأصيل في الشعر، أصبح كأنه أسلوب نثر؛ فهو يعتمد على المقارنة والتفصيل. وهو يعتمد أيضًا على شيء آخر يفسده، وهو ما فيه من تكرار للألفاظ، وهو تكرار لم نتعوَّده في الشعر قبل القرن الرابع؛ إذ يدنو به إلى حال من الابتذال، قد لا تبدو واضحة في تلك القطعة، ولكن ارجع إلى ديوان مهيار، فستراها منتشرة هناك، وستراها تصيب شعره بضروب من الركاكة والإسفاف، وهل تستريح الأذن في تلك القطعة نفسها إلى كلمة "الفضلة" أو كلمة "البلوى" ومثلهما كثير في شعر مهيار؛ إذ كان يدخل فيه كلمات كثيرة غير شعرية، حتى ليصبح أصلًا في قصائده أن تنتشر في نسيجها تلك الرقع التي لا تكسبها جمالًا إلا جمالًا غير شعري، وانظر إلى فكرة ضلال القلب وراء الحبيب، وهي فكرة معروفة من قبله، وقد أعجب بها مهيار، وذهب يلفق منها أبياتًا كثيرة في ديوانه كأنه يقول:
стр. 393
نشدتُكِ يا بانةَ الأَجْرعِ ... متى رفعَ الحيُّ من لَعْلَعِ١
وهل مرَّ قلبيَ في التابعيـ ... ن أم خارَ ضعفًا فلم يَتْبَعِ
لقد كان يُطمُعني في المُقام ... ونيّتُهُ نيَّةُ الْمُزْمعِ
وسِرْنا جميعًا وراء الْحُمُول ... ولكن رجعتُ ولم يرجِعِ
فأنّتُهُ لكِ بين القلوبِ ... إذا اشتبهت أنَّةُ الموجَعِ
وشكوى تدلُّ على سُقْمِهِ ... فإن أنتِ لم تُبصري فاسمعي
فقد أطال مهيار الفكرة ودار حولها هذا الدوران الذي يبعدها عن طبيعة الأفكار الغنائية؛ ولكن ما للأفكار الغنائية ومهيار؟ إنه يريد أن يجدد فلا يجد عنده ثروة فكرية يستعين بها على ما يريد، وإذن يعمد إلى تطويل الأفكار القديمة وبسطها كل البسط؛ غير أنه حين صنع ذلك ضل منه أسلوب الشعر الغنائي في الطريق، فقد طالت الأفكار، ولم يعد لها شيء من اللذع والحدة. وما أشبه أسلوب مهيار بالسهل المنبسط الذي لا تجد فيه سوى نبات واحد فإذا بك تملُّه وتسأمه لما فيه من تكْرار وعدم تنوع. وحقًّا أن أسلوب مهيار أسلوب منبسط فلا نتوء فيه لفكرة أو صورة غير هذا التفصيل الممل الذي ينفِّر الإنسان من متابعته والنظر طويلًا في ديوانه؛ إلا أن يكون باحثًا يحترف البحث؛ فلا يهمه أن يقرأ شعرًا تتقد فيه العاطفة، ويلذع فيه الأسلوب، وهل يجد الإنسان شيئًا من اللذع أو الحدة أو الطرافة في تلك الأبيات وخاصة البيتين الأخيرين؟ وهل كلمة "إذا اشتبهت" كلمة شعرية؟ وهل نستريح إلى التعبير عن الارتحال بالارتفاع كما يقول في البيت الأول؟ وهل نستريح لكلمة النية؟ ألا نحس في ذلك كله بضروب من خبو العاطفة وضعف الأسلوب.
والحق أن مهيار لم يكن يعرف العبارة الحادة في الشعر العربي معرفة دقيقة؛ لأنه أجنبي دخيل على اللغة، وهو لم ينزح إلى البادية كما نزح إليها أبو نواس، ولا تعلَّم الفصاحة من شيوخ بني عقيل كما تعلمها بشار؛ فلم تتعمق فيه السليقة
стр. 394
العربية، وصار إذا أراد التعبير عن فكرة جاءها من بعيد وبعد لفٍّ طويل؛ فانكشفت عيوبه في التلفيق. على أنه يحسن بنا أن نشير إلى أن مهيار استحوذ على إعجاب كثير ممن عاصروه وجاءوا من بعده واستمر ذلك إلى عصرنا الحديث، وأكبر الظن أنه يحسن أن لا يسرف المعجبون به على أنفسهم، فيتخذوه مثلًا من أمثلة البلاغة العربية؛ لأنه يضل التعبير العربي الدقيق، واقرأ له هذه القطعة.
يالُواة الديون هل في قضايا الـ ... حسن أن يَمْطُلَ الغنيُّ الفقيرا
لي فيكم عهدٌ أُغيرَ عليهِ ... يومَ سلعٍ ولا أسمِّي المغيرا١
احذروا العارَ فيهِ، والعارُ أن يمـ ... سي ذمامي في رعيهِ مخفورا
أو فردُّوا على حيرانَ أعْشَى ... ناظرًا فقد أخذتموه بَصِيرا
أنا ذاك اعتبدتُ قلبي وانفقـ ... تُ دموعي عليكُمُ تبْذِيرا
فاحفظوا في الإسارِ قَلْبًا تمنَّى ... شَغَفًا أن يموتَ فيكم أَسِيرا
وقتيلًا لكم ولا يشتكِيكُمْ ... هل رأيتم قبلي قتيلًا شكورا
ولعل القارئ شعر بغرابة هذه العهود التي يغار عليها وتسلب؛ فنحن نعرف أن العهود تنقض، أما أن يغار عليها وتسلب فهذا تعبير جديد غير مألوف؛ ولكن مهيار يريد التجديد في التعبير، بل هو فارسي قد ينسى الكلمة الأصيلة في اللغة. وانظر بعد ذلك فسترى التلفيق واضحًا، إذ يعمد إلى التفصيل في أفكاره والاتساع في عباراته، ولذلك كان يكثر عنده الحشو والإسهاب الممل؛ وما هذا العار الذي يذكره مجملًا ثم يفصله؟ وانظر إلى البيت الرابع وما فيه من تقديم الصفات على الموصوف. وليس ذلك كل شيء فيه بل انظر إلى القافية كيف اجتلبت لتكميل البيت، لقد اجتلبت هي وما دخلت فيه من تعبير كما اجتلبت قافية البيت الثاني وتعبيرها. والحق أن هذه الأبيات وألفاظها جميعًا مجتلبة، أو هي بعبارة أدق ملفقة أريد بها أن تحدث نموذجًا
стр. 395
من الشعر؛ وإلا فما هذه العبارات في الأبيات التالية من مثل: إنفاق الدموع تبذيرًا، وموت قلبه فيهم أسيرا؟!
ونحن لا نرتاب في أن كثيرًا مما يؤذينا في هذه القطعة وأمثالها في ديوان مهيار إنما يرجع إلى أنه لم تكن له سليقة عربية إذ تعلم اللغة من الكتب؛ ولذلك لم يكن يعرف كيف ينظم السلك العربي، وكيف يرتب فرائده، وأين يضع الكبرى، وأين يضع الصغرى، ومن ثم انتشر عنده التلفيق على حين ينطوي عند غيره من الشعراء، ولا يظهر واضحًا بتلك الصورة الواسعة التي نراها عند مهيار. واقرأ هذه الأبيات:
مَن دلَّ رباتِ العيونِ النُّجُلِ ... أن القلوبَ غرضٌ للمُقَلِ
فما رمت سوداءُ منها أسوَدًا ... فغيرُ أن يجرَحَ إن لم يقتلِ
باعَ رخيصًا لبَّهُ يوم اللِّوى ... موكل أحشاءَه بالكلَلِ
حكمُ هوىً مسلَّط إذا جنى ... لم يعتذر وإن قضى لم يعدل
دَمِي وقد حُرِّم إلا بدمٍ ... على اللِّوى لِمْ حلَّ يا ذاتَ الحُلى
سيقتْ لبلبالِكِ بابليَّة ... مالكِ يا خالقةَ السِّحرِ ولي
زعمتِ لا يُبلِي هواك جسدي ... بَلَى وحبِّيك بلَى لقد بَلِي
فإنك تحس إحساسًا واضحًا بأن مهيار يلفق القصائد تلفيقًا؛ فهو يجمع لها الألفاظ والأفكار من هنا وهناك؛ وإلا ففيم هذا الاستفهام الذي بدأ به هذه الأبيات؟ وفيم هذه السهام المكسرة في القلوب إن لم تعرف العيون مكان الرمية؟! إن كل ما هنالك أنه جاء بالمقل والعيون النجل. أما البيت الثاني ففيه سواد وفيه تكلف متعب في التعبير وخاصة في شطره الأخير. وانظر إلى البيت الثالث وهذا الانتقال من القتل إلى البيع، ثم انظر بعد ذلك إلى التكلف في الجناس بين موكل وكلل، وهو جناس باهت لا نشعر إزاءه بطرافة فنية لا من جهة صوتية ولا من أي جهة مادية أخرى. وانظر إلى جناسه بعد ذلك بين: حل وذات الحلى، ثم بين: بلبال وبابلية، ثم بين: بلَى وبلِي في البيت الأخير. إننا لا نستطيع أن نفهم أن هذه الجناسات هي نفس الجناسات التي كنا نعجب
стр. 396
بها عند شعراء القرن الثالث، إنها جناسات باهتة لا نحس إزاءها بأنها تعبر عن جمال وفن كما كان ذلك الشأن في القديم.
على أن هذا الجانب الباهت في شعر مهيار يعم في جميع جوانب قصائده ونماذجه؛ بحيث يمكن أن نقول إنها قصائد أو نماذج باهتة، فليس فيها ما يسر العين والأذن فضلًا عما يسر العقل والذهن إلا قليلًا.
واقرأ في مهيار طويلًا ثم سلْ نفسك ماذا حصلت عليه فستجدك قلما تحصل على شيء رائع من فن أو شعر؛ بل أنا أومن بأنك لن تستطيع أن تديم النظر فيه طويلا، فسيفجؤك ملل وسأم يحولان بينك وبين الاستمرار في القراءة، فقد أصبح الشعر تلفيقًا خالصًا سواء في صوره أم في ألوانه أم في أفكاره، وهو تلفيق كان مهيار يعتمد على دفع المشقة فيه بالتقليد، ولكن أي تقليد؟! إنه هذا التقليد الذي لا يشعُّ إلا مللًا وسأمًا غريبين، وكأنما أجدب التفكير الفني، ولم يعد من الممكن أن يتحول إلى التصنيع القديم وما كان فيه من زخرف حسي وعقلي.
стр. 397
٣- تطويلُ مِهْيَار لقَصَائِدِهِ:
لم يقف مهيار بتلفيقه عند تطويل الأفكار المطروقة والخواطر الموروثة في أسلوبه المنبسط؛ بل راح يحاول تحقيق ذلك من طرق أخرى، هي إدخال مراسيم الرسائل في قصائده، حتى يستطيع أن يطيل فيها طولًا شديدًا. وإن الإنسان ليشعر شعورًا واضحًا إزاء كثير من نماذجه بأنها قد ألفت كما تؤلف الرسائل؛ فهي تبدأ في العنوان بتلك الكلمة: "وكتب إلى ... "، وينتقل الإنسان من هذا العنوان إلى القصيدة فإذا هي قد ألفت على نمط أسلوب الرسائل وما تعارف عليه أصحابها من ولعهم بما يسمَّى: براعة الاستهلال، وكان السابقون يعرفون لمهيار إحسانه في هذا الجانب. يقول ابن حجَّة الحموي: "ومن ألطف البراعات وأحسنها براعة مهيار الدَّيلمي؛ فإنه بلغه أنه
стр. 398
وُشِيَ به إلى ممدوحه فتنصل من ذلك بألطف عذر، وأبرزه في معرض التغزل والنسيب؛ فقال:
أما وهواها حلفَةً وتَنصُّلا ... لقد نقَلَ الواشي إليها فأمْحَلا
وما أحلى ما قال بعده:
سعى جُهْدَه لكن تجاوز حدَّهُ ... وكثَّر فارتابتْ ولو شاء قلَّلا
ومهيار كما يبدأ قصائده ببراعة الاستهلال نراه يختمها بالدعاء على نمط ما يصنع الكتاب برسائلهم، وانظر إليه يقول في نهاية إحدى قصائده:
فلا قَلَصتْ عني سحائبُ ظلِّكم ... فمنها مُرِذٌ تارة وسَكُوبُ١
ولا عدِمتَكم نعمةٌ خُلقتْ لكم ... ودنيا لكم فيها الحياةُ تطيبُ
يزوركُم النَّيروزُ مقتبَلَ الصِّبا ... وقد دبَّ في رأسِ الزَّمانِ مَشِيبُ
تصَوَّحُ أغصانُ الأعادي وغصنُكم ... من السَّعد ريَّانُ النباتِ رطيبُ٢
دعاءٌ حِيالي فيه ألفُ مؤمِّنٍ ... تَوافقُ منهم ألسنٌ وقلوبُ
وماذا بقي لأسلوب الكتاب في رسائلهم؟ إن مهيار يبدأ قصائده ببراعة الاستهلال ويختمها بالدعاء، وكأنه يؤلف رسالة من الرسائل، وكيف يطيل قصائده إن لم يستخدم معرفته بمراسيم الرسائل في هذا الطول وينقل إلى القصيدة كل ما يمكنه من هذه المراسيم؟
على أن هذا الجانب من التجديد عند مهيار لم يضف للشعر جمالًا، بل أضاف إليه هلهلة وإسفافًا؛ فإن مهيار حين عدل بالشعر إلى مراسيم النثر استعار له ما يُطْوى في هذه المراسيم من الحشو وكثرة التَّكْرار والاعتراض، وعمَّم ذلك في نماذجه، حتى ليؤذينا إيذاء شديدًا، وانظر كيف يعتمد على الاعتراض في صنع أبياته:
أقولُ وقد تعرَّمَ جُرحُ حالي ... وسُدَّ على مَطالِعيَ السَّراحُ٣
وكاشفني وكان مجاملًا لي ... عَبوسُ الوجهِ من زمني وَقاحُ
стр. 399
وقد منعت غضارَتها وجفَّت ... على أخلاقها الأيدي الشِّحاحُ
غدًا يا نفسُ فانتظري أناسًا ... هُمُ فرَجٌ لصدركِ وانشراحُ
فقد فصل بين أقول ومتعلقاتها بنحو ثلاثة أبيات، جاء بها حشوًا، لا لشيء سوى أن يطيل في نموذجه، وأن يحقق الكَمَّ الذي يريده لقصيدته؛ فإذا الإنسان لا يقرأ في شعر، وإنما يقرأ في نثر أو رسالة من الرسائل. ونحن لا نرتاب في أن مهيار حين خرج بنماذجه وقصائده إلى التطويل فيها، وجلب مراسيم الرسائل لم يستطع أن يشفع ذلك بجمال فني لا من جهة حسية ولا من وجهة عقلية إلا قليلا جدًّا، وكان ابن الرومي يطيل من قبله في قصائده ولكن الطول عنده كان مفهومًا؛ إذ كان يستخدم فيه ثقافته ومنطقه، فإذا المعاني تتسع عنده اتساع الرقاقة في قوله يصف خبَّازًا:
ما أَنسَ لا أنس خبازًا مررتُ بِهِ ... يدحو الرقاقةَ وشك اللَّمح بالبصرِ١
ما بين رُؤيتها في كفِّهِ كُرَةً ... وبين رؤيتِها قوراء كالقَمَرِ٢
إلا بمقدارِ ما تنداحُ دائرةٌ ... في لُجَّةِ الماءِ يُرْمَى فيه بالحجَرِ٣
فابن الرومي كان يخبز معانيه خبزة عقلية إن صح هذا التعبير، أما مهيار فلم يكن يطيل في شعره بدافع عقلي؛ إنما كان يطيل من أجل الطول نفسه؛ ولذلك فقد الشعر عنده كل ما يحمل من حرارة العاطفة وتوهجها، لولا ما كان يسلكه فيه من أقواس موسيقية.
وحقًّا إن مهيار تسلم له بعض قطع من نماذجه يوفر لها من القيم الصوتية ما نعجب به؛ ولكن ذلك لا يسري إلى أكثر شعره وأغلبه، بل إنه لا يسري إلى بقية القصائد التي قد نستجيد منها هذه القطع، فما يزال يهجم علينا منه هذا التلفيق وهذا الحشو، وكأني به حينما بسط نماذجه كل البسط أصبح الجمال الفني عنده مهوَّشًا لا روعة فيه ولا تنسيق.
стр. 400
٤- الميوعةُ في غَزَلِ مِهْيَار:
كما أن مهيار لم يكن يسعفه التعبير الحاد في اللغة، كذلك لم يكن يسعفه الشعور الحاد؛ ففي شعره ضرب من الميوعة واللِّيونة وخاصة في غزله؛ إذ يحس الإنسان دائمًا بأن فيه إفراطًا في الحس والشعور والرقة، بل إنه لتنساب منه ألوان من الذلة والضراعة، فقد خُلِقَ -كما يقول- رقيق القلب١، وإنها لرقة تخرج به عن الحدود المألوفة، حتى لنرى أنفاس الخزامي تَخِزه٢، وإنه لوخز غريب، ولكن لا غرابة فيه، فمهيار يتكلف الليونة والدماثة والحس الحاد والشعور المفرط؛ فإذا شعره يفقد ما يمكن أن يكون في العواطف من حرارة وقوة. إنه شعر يمتلئ بالميوعة والرقة المفرطة ولعل ذلك ما جعله يقول في وصف قصائده:
في كلِّ نادٍ نازحٌ غائبُ ... لها حديثٌ بكم حاضرُ
تعرض أيام التّهاني بها ... ما تعرضُ المعشوقة العاطرُ
تميسُ منها بين أيامكم ... خاطرةٌ يتبعها الخاطرُ٣
لثَّمها التحصين عن غيركم ... وهي على أبوابكم سافرُ
فهو يعترف بأن قصائده -حتى في المديح- كأنها المعشوقة العاطر. إنها من جنس المعشوقات اللائي يتشاجين ويتموجن ويرضين في لبوس الغضب ويغضبن في لبوس الرضا.
لم يكن مهيار يعتمد في شعره وغزله على قوة ولا ما يشبه القوة؛ بل كان يعتمد على هذه الليونة والدماثة وما يفضيان إليه من ميوعة شديدة؛ وهي ميوعة لا تطويها أصالة في التعبير ولا طرافة في التفكير، وإنما ينشرها هذا التلفيق.
стр. 401
الذي أشرنا إليه، واقرأ هذه الأبيات:
وبجَرْعاء الحمى قلبي فَعُجْ ... بالحمى فاقرأْ على قلبي السَّلاما١
وترجَّل فتحدَّث عجبًا ... أن قلبًا سار عن جسمٍ أقاما
قُلْ لجيران الغَضَا آه على ... طيب عيشٍ بالغضا لو كان داما٢
نصلُ العامَ وما ننساكُمُ ... وقُصَارى الوجد أن نَسْلُخَ عاما
حمِّلوا ريح الصَّبا نشركم ... قبل أن تحمل شيحًا وثُماما٣
وابعثوا أشباحَكُم لي في الكَرى ... إن أذنتم لجفوني أن تناما
فإنك ترى الليونة والميوعة التي يصاب بها الشعراء الوجدانيون حين يصبح الشعر تلفيقًا فتراهم يتهالكون ولا يكادون يتماسكون، وقد كرر الحمى وكرر القلب تكرارًا لا نحس فيه جمالًا؛ وانظر إلى البيت الثاني، ألا تحس بشيء من التكلف في هذا الترجل؛ لكأنه جاء بهذا البيت ليعبر عن الطباق بين سار وأقام؛ ولكنه طباق باهت. وهكذا مهيار دائمًا في استخدام ألوان التصنيع؛ إذ نحس كأنها فقدت عنده أصباغها أو فقدت ألوانها، إن كان من الممكن أن يفقد لون لونه. ويستمر فيعبر عن دماثته وليونته بأنه لا ينسى محبيه، مهما طال به العهد؛ وقصارى الوجد عنده أن يسلخ عامًا؛ وها هو ذا أخيرًا لا ينام، إلا إذ أذن له هؤلاء المحبون، وهو إن نام يطلب أشباحهم في الكرى، ألا تحس في ذلك كله ما نشير إليه من ليونة الغزل عند مهيار، وما هذا الإذن الذي يصطنعه ليدل على منتهى ما يمكن من حساسية في الشعور ورقة في العواطف؟ وانظر إلى هذه الأبيات:
لم تزل تخدع العيونَ إلى أن ... علَّقت دمعةً على كلِّ ماقِ
ما أعفَّ النفوسَ يا صاحبي شكـ ... واي لولا غرامةُ الأحداقِ
وبنفسي المحلُّ ليس رفيقًا ... للسَّوافي ولا لتيه الرِّفاق٤
стр. 402
في مكان الوحشِ العواطلِ تلقى الـ ... إنسَ فيه حَواليَ الأعْنَاقِ
يتعرَّضن ما لهن من اللَّمْـ ... س نفورٌ ولا من الصَّيدِ واقي
كل محبوبة إلى الحقب مُسْتَنَّـ ... ـة لبسِ الخلخالِ عند الساقِ١
فإنك ترى دموعًا معلَّقة بمآقيه، وهي دموع تؤذينا إيذاء شديدًا، وأي دموع هذه التي تعلق تعليقًا؟ أليس فيها تصنع شديد ومبالغة مفرطة عن شعوره؟ ويستمر فإذا صواحبه لَسْنَ من هذا النوع المحصن الممنع الذي تحميه السيوف والرماح، والذي كان يتغنى به الشعراء من أمثال أبي تمام والمتنبي؛ بل هن من نوع آخر لا يصد ولا ينفر؛ إنهن يتعوجن كمهيار في حبهن ويتهالكن. وانظر أخيرًا كيف ختم هذه الأبيات بتلك الصور الملفقة التي أراد أن يجدد بها فذكر أن صواحبه يلبسن الخلخال عند الساق، وهل في هذه الفكرة شعر أو ما يشبه الشعر؟ إنما هي ثرثرة أصحاب الشعور المائع؛ إذ يعمدون إلى التلفيق في الصور تلفيقًا غريبًا، واقرأ هذه الأبيات:
قالوا صحوت من الجنون به ... من ربد جنته على عقلي
وسعَى بِيَ الواشي وكان وما ... يسطيعني بيدٍ ولا رِجْلِ
فكأنهنّ بما أذِنَّ له ... يَلبسن أقراطًا من العَذلِ٢
فإنك تراه يعلق اليد والرجل في البيت الثاني كما علق الدموع في الأبيات السابقة، وكما علِّقت أقراط العذل في البيت الثالث، وقد عاد للتعبير بالإذن؛ فدلَّ على هذا الشعور المصطنع وهذه الرقة المفرطة. وارجعْ إلى هذه المقطوعة من الفخر التي تُغَنَّى في العصر الحديث، والتي يبدؤها على هذه الشاكلة:
أُعْجِبَتْ بي بين نادي قَومِها ... أُمُّ سعدٍ فمضَتْ تسألُ بي
فإنك ترى منه محبًّا غريبًا يسوق الحديث مع صواحبه في طريقة غير مألوفة، ألست تراه يقول إنها هي التي تعجب به؟ وحقًّا كان مهيار شاعرًا من شعراء الحب؛ ولكنه شاعر من طراز آخر غير الطراز الذي نعرفه عند العرب، طراز
стр. 403
يظهر الإفراط في الحس والشعور؛ بل هو طراز مائع ليِّن ليونة شديدة، وقد انتشر هذا الطراز بعد مهيار واستمر إلى عصرنا الحديث، وهو طراز ظهر في الشعر العربي حين أترفت الحضارة، وأترف الحس والشعور على هذا النمط الذي نرى فيه مهيار يقول:
غار المحبونَ من أبصارِ غيرهِمُ ... ضداً وغِرْتُ على لمياءَ من بصري
وإنها لغيرة غير مألوفة، فعهدنا بالمحبين أن يغاروا حقًّا، ولكنا لم نعهد أحدًا يغار من نفسه بل يغار من بصره. لقد كان خليقًا به أن يحمد هذا البصر، وإن كان يريد أن يُبْعِد في التعبير والتفكير فليسلك إلى ذلك طريقًا آخر، فيه قرب، ليقل لها: إنه يريد أن يظل له بصره حتى يراها به، ولكن مهيار كان يريد شيئًا آخر غير إظهار الدقة في الشعور، كان يريد أن يعبر عن ليونة وميوعة فإذا هو لا يغار قط من غيره؛ بل هو يغار من بصره حتى يعلن إلى صاحبته ما اشتمل عليه من رهافة حسه، بل من مرض حسه وما أصابه من هذه الميوعة الشديدة، وانظر إليه يقول:
وحبّي لذكركِ حتى لَثَمْـ ... ـتُ مسلَكَه من فمِ العَاذِلِ
فإنك ترى صورة أخرى لا تقل غرابة عن سابقتها، فها هو ذا مهيار يلثم فم العاذل حين يذكر له صاحبته، أرأيت إلى هذا التصنع لإظهار الإفراط في الشعور، بل لإظهار تلك الميوعة التي أخذت ترسخ أصولها وتستقر في هذا الديوان الضخم عند مهيار، واقرأ فيه ما استطعت أن تقرأ فإنك ستشرف دائمًا على هذه الميوعة الشديدة.
стр. 404
٥- غزلُ مِهْيَار والعناصرُ البدَوِيَّةُ:
على أن هناك جانبًا آخر مهمًّا في غزل مهيار، هو ما نراه عنده من تشبثه بالعناصر البدوية وحشدها في قصائده، بحيث لا يمر غزل في قصيدة دون أن
стр. 405
نحس بأنه لشاعر يقيم في نجد أوفي الحجاز؛ فدائمًا صاحبته أمامه أو الرَّباب أو لمياء أو سعدى، ودائمًا هي من سكان: مِنَى أو الخِيف أو قباء أو سَلْع، وهو لذلك يكثر من ذكر الأماكن الحجازية والنجدية من مثل: أُحد وجُمَع وسَلَم ونُعمان والألال والمحصَّب وإضم وزمزم، إلى جَمٍّ من هذه الأمكنة التي تُنْشَر في مطالع قصائده، وهو إلى ذلك ما يزال يعنى بالحديث عن الأطلال عناية شديدة. وقد يعجب الإنسان لمزاوجة مهيار بين ميوعته في غزله وبين ارتفاعه بهذا الغزل عن حياته المتحضرة إلى الحياة المبتدية وما فيها من شظف العيش وخشونة الحياة، وحقًّا إن ذلك يشعر بشيء من التناقض عنده؛ غير أنها حالة عامة انتشرت في الشعر العربي لهذه العصور وعرفت عند مهيار وغيره كالمتنبي، وكان يعنى في نسيبه مثله بالبدويات على نحو ما مر بنا في الفصل السابق.
وأكبر الظن أن هذه الحال من التبدي في الغزل تسربت للشعراء من تأثرهم بأساليب المتشيعة والمتصوفة في شعرهم الخاص، إذا كان هؤلاء ينحون بغزلهم منحى بدويًّا، يعبرون فيه بالأماكن النجدية والحجازية، وكأنهم يريدون أن يعطوه بذلك ضربًا من العبادة والقداسة، وهم لذلك يتشبثون خاصة بالأماكن المقدسة في الحجاز. وقد ربطنا سابقًا بين المتنبي وأساليب المتصوفة؛ أما مهيار فقد رأينا في أول هذا الفصل أنه كان متشيعًا بل كان من غلاة الرافضة، وقد نحا بغزله هذا المنحى الذي يعبر فيه هذا التعبير الواسع عن حبه، على الرغم مما قد يظن بأن هذه العناصر البدوية تقيد في خواطره وأفكاره. والحق أنها أعطت للغزل عند مهيار وعند غيره من الشعراء ضربًا من الاتساع في التعبير عن الوجدان والعاطفة، وماذا نطلب في الغزل؟ ألسنا نطلب التعبير عن الحب والعواطف؟ وهو تعبير ليس من الضروري له أن يرتبط بحياة الشعراء الحاضرة؛ إنما هي العاطفة ينوِّع الشعراء في التعبير عنها، هم قد يعبرون بعناصر حاضرة، وقد يرجعون إلى عناصر قديمة تشع منها ضروب مختلفة من المشاعر والأحاسيس.
ولعل من الغريب أن نجد جماعة من النقاد المعاصرين يتلومون من يذهب
стр. 406
هذا المذهب من استخدام العناصر البدوية القديمة في الشعر، كأنما التعبير عن العاطفة تعبير يقيده الحاضر، وما الحاضر؟ إن العاطفة أوسع من أن تقيد بمكان خاص أو زمان خاص، وربما كان التعبير بالعناصر الماضية يعطيها من الاتساع في التعبير ما لا يعطيها التعبير بالعناصر الحاضرة، وما لنا نذهب بعيدًا؟! إن التعبير العاطفي إنما هو ضرب من الرمز عما في نفوسنا، ومن حق الشعراء أن يرمزوا إليه بالعناصر الماضية أو العناصر الحاضرة، وربما وجدوا في العناصر الماضية ما يسعفهم بالتعبير عما في نفوسهم تعبيرًا أدق وأعمق عمق هذه العناصر في الماضي والقديم. وأكبر الظن أن ذلك ما دعا أصحاب التصوف والتشيع إلى أن يرتبطوا في شعرهم بتلك العناصر؛ فقد اتخذوها للتعبير عن عواطفهم العميقة، واستطاعوا أن يحدثوا بها ضربًا من الشعر الرمزي في اللغة العربية.
على كل حال كان مهيار يكثر من العناصر البدوية في شعره، سواء منها ما يتصل بأسماء صواحبه أو أماكنهن أو ما في هذه الأماكن من النباتات والأشجار والأودية والرياح، كأن يقول في مطلع إحدى قصائده:
بَكَرَ العارِضُ تحدُوه النُّعامَى ... فسقاكِ الرَّيَّ يا دارَ أُماما١
وتمشَّتْ فيك أرواحُ الصَّبا ... يتأرَّجنَ بأنفاسِ الخُزامَى٢
فإنك تراه يتشبث منذ المطلع بهذه العناصر القديمة، وهي لا شك تعطي غزله ضربًا من الاتساع في التعبير، وانظر إليه يقول في قصيدة أخرى تلك القطعة الجيدة المعروفة:
سَل طريقَ العيسِ من وادي الغضا ... كيف أغسقتَ لنا رَأْدَ الضُّحى٣
ألشيءٍ غير ما جيراننا ... نفضوا نجدًا وحَلّوا الأَبطحا
يا نسيمَ الصُّبحِ من كاظمةٍ ... شدَّ ما هِجتَ الجوَى والبُرَحا
الصَّبا إن كان لا بدَّ الصَّبا ... إنها كانتْ لِقَلْبي أرْوَحا
стр. 407
يا نداماي بسلْعٍ هل أرى ... ذلك الْمَغْبَقَ والمصْطَبَحا١
اذْكُرونا قد ذكرَنا عهدَكُم ... ربَّ ذكَرى قرَّبتْ مَن نَزَحا
واذكروا صبًّا إذا غنى بكم ... شرب الدَّمعَ وعافَ القَدَحَا
ولا يروعك الآن ما تجد في هذه القطعة من موسيقى جيدة؛ فهي لا تطَّرد له في بقية قصيدته فضلًا عن قصائده الأخرى؛ إنما هي أبيات وقطع تأتي نادرة في ديوانه تستقيم له الموسيقى فيها ويستقيم له التعبير على أن جمال هذه القطعة في الواقع يأتي قبل كل شيء مما فيها من تواجد وحنين، وهو لا ينقلب إلى تلك الميوعة التي نعرفها في مهيار، ولذلك يقع منا موقعًا طريفًا. وحقًّا إننا لا ننكر الوجد في الغزل ولكننا ننكر الميوعة وما يطوى فيها من ليونه وتخنث. ولعل أهم شيء جعل مهيار لا يسقط في غزله سقوطًا تامًّا هذه العناصر البدوية التي كان يستعين بها في شعره والتي كانت تطوى في داخلها جانبًا من الشعور بالألم والحزن. وهو شعور جاء مهيار من تشيعه؛ فالشيعة دائمًا محزونون، وهم لذلك دائمًا يشعرون بالألم، وقد تسرب هذا الألم وتسرب هذا الحزن إلى غزل مهيار فشع منه حنين وتواجد بل إغراق في الحنين والتواجد، وكأنما نقرأ في ديوان مهيار لشاعر متشيع، بل نحن نقرأ حقًّا لشاعر متشيع يحز الألم في صدره، وهو ألم يفضي به إلى هذا التواجد في الحب، ولعل ذلك ما جعل المتصوفة يغنون بغزله، فهم يذكرون أن من سماعهم قوله٢:
مَنْ ناظرٌ لي بين سَلعٍ وقُبَا ... كيف أضاءَ البرقُ أم كيف خَبَا٣
نبَّهَني وميضُه ولم تَنمْ ... عيني ولكن رَدَّ عقلًا عَزَبا
برقٌ لهُ قد صار قلبي خافقًا ... واستبردتْه أضلعي مُلْتهبا
يا لَبعيدٍ من مِنىً دَنَا به ... يوهمني الصدقَ بُرَيْقٌ كَذَبا
стр. 408
ولَنسيمِ سَحَرٍ بحاجرٍ ... رَدَّتْ به عهدَ الصِّبَا ريحُ الصَّبا١
أليَّة ما فتح العطَّارُ عن ... أعبقَ منه نَفَسًا وأطيبا
سل مَن يدُلُّ الناشدين بالغضا ... على الطَّريدِ ويردُّ السَّلَبا
أراجعٌ لي والمُنَى هَلْهَلَةٌ ... فطالعٌ نجمُ زمانٍ غَرَبا
وطوفةٌ بين القِبابِ بِمنىً ... لا خائفًا عينًا ولا مرتَقبَا
وليس من شك في أن هذه المقطوعة تمثل روح المتصوفة لا بما فيها من الأماكن الحجازية فقط؛ بل بما في داخلها من التواجد في الحب. وهذا الجانب عند مهيار يجعلنا نلتفت إلى أن التشيع والتصوف أصبحا منذ القرن الرابع أصلين مهمين من أصول الشعر العربي؛ فهما يدخلان في المواد التي تكونه، إما لأن الشاعر من المتصوفة أو من المتشيعة، أو لأنه يستعير من هاتين البيئتين في شعره، كما رأينا عند المتنبي؛ إذ أدخل كثيرًا من مواد التصوف وعناصره في ألفاظ شعره وعباراته. وهذا هو سر ما نجده من صلة واضحة بين الشعر العربي العام وشعر المتشيعة والمتصوفة، وهل هناك من فارق بين مقدمات مهيار وشعر شاعر متصوف كابن الفارض؟ إن القصيدة عندهما جميعًا تُملأ بهذا التواجد في الحب، ثم بتلك البقع الحجازية وما تنشره في الشعر من حنين عاطفي غريب. وحقًّا امتاز المتصوفة باتساع الرمز في التعبير عن حبهم الإلهي، ولكن أي رمز؟! إنهم كانوا يرمزون بنفس هذه المواد البدوية والعناصر القديمة التي كانت تتخذ أيضًا كرمز عند شعراء الحب الإنساني، فتعبر هذا التعبير الفسيح الذي ينطلق فيه الخيال ويسبح فيه الشعور والوجدان.
стр. 409
٦- الْمَدِيحُ عندَ مِهْيَار وتحوُّلُه إلى شعرِ مناسباتٍ:
ونحن نعود فنقرر أن هذه العناصر البدوية السابقة في شعر مهيار هي كل ما كان يحميه من السقوط؛ فقد أصبح الشعر عنده ضربًا من التلفيق والطول.
стр. 410
الشديد، وهو طول ما يزال به حتى يحدث السأم والملل؛ إذ لم يكن يستعين عليه بثروة عقلية، إنما كان يستعين عليه ببسط الأسلوب ونشره، وارجع إلى الموضوع العام الذي يشغله في ديوانه، ونقصد شعر المديح فإنك تراه يفقد أصباغه العقلية القديمة التي رأيناها عند أبي تمام، بل هو يفقد أصباغه الحسية، وكأني به يتحول كما تحول الغزل إلى ضرب من المديح الباهت؛ بل إن الغزل لم يسقط عند مهيار كما سقط المديح؛ لأنه عرف كيف يستعين عليه بالعناصر البدوية القديمة، وما يمكن أن تعطيه من اتساع في التعبير، أما المديح فلم يستطع أن يحول بينه وبين هذا السقوط. وهذا هو ما يجعلنا نذهب إلى أن الشعر العربي أخذ يركد منذ القرن الرابع، فلم يعد فيه من جديد رائع سوى أن تتجمع مواده القديمة، وهي مواد أثرية إن لم تعن بها الأيدي الحديثة فقدت كل ما لها من روعة فنية.
والحق أن مهيار لم يستطع أن ينوع في معاني المديح؛ إذ كانت تنقصه الثقافة، وكان ينقصه العمق، وهو كذلك لم يستطع أن يحتفظ للعبارة بمنطق العرب الأصيل، كما احتفظ لها الشريف الرضي والمتنبي وأمثالهما، بل لقد ذهب يطيل فيها ويسرف في هذا الطول، بما كان يبسط من الأفكار والصور القديمة، وأضرَّ هذا الصنيع بقصائده لأن الشعر الغنائي حين يبسط كل البسط تصبح خطوطه مهوشة وألوانه مضطربة.
لم يكن مهيار يحكم التعبير في قصيدة المديح؛ إذ كان لا يزال يطيل فيها هذا الطول الممل الذي ينتهي بها إلى ما يشبه الرسالة من الرسائل؛ فهي تبدأ ببراعة الاستهلال، وتنتهي بالدعاء، وتمتلئ بينهما بالحشو وما يطوى من تفكك وتلفيق، وكأنما أجدبت الحضارة العربية أو أجدب التفكير الفني؛ فليس هناك من جديد سوى هذا الأسلوب المنبسط الذي ينشر الفكرة المطوية في أبيات كثيرة. ولعل من الطريف أن نذكر هنا ما رواه صاحب الأغاني عن عبد الملك بن مروان من أنه كان يقول للشعراء: "تشبهونني مرة بالأسد ومرة بالبازي ومرة بالصقر، ألا قلتم كما قال كعب الأشقري:
стр. 411
ملوكٌ ينزلونَ بكلِّ ثَغْرٍ ... إذا ما الهامُ يوم الرَّوعِ طَارا١
رِزانٌ في الأمورِ ترى عليهم ... من الشيخ الشمائلَ والنِّجارا٢
نجومٌ يُهتدى بهم إذا ما ... أخو الظَّلماءِ في الغمراتِ حارا٣
ولو أن عبد الملك عاش إلى عصر مهيار ووجده ومن حوله من الشعراء يبدئون ويعيدون في صور المديح المحفوظة لكان ذلك أشد إيذاء لنفسه. على أننا نلاحظ أن هذه المعاني التي ذكرها لكعب الأشقري وأمثالها قد تُدوولت واستنفدت في العصر العباسي؛ بحيث لا نصل إلى مهيار حتى نجد الشاعر العربي يقصر عمله على تلفيقها لجميع الممدوحين في مختلف المناسبات بدون تفريق، ومن غير اختلاف في التطبيق.
ونحن لا نتلوم مهيار وغيره من الشعراء لاستعارتهم في المديح الصور المحفوظة والأفكار الموروثة، ولكنا نتلومهم؛ لأنهم لم يستطيعوا أن يضيفوا إلى هذه الصور والأفكار ثروة زخرفية من التصنيع العقلي والحسي، كما كان الشأن عند أبي تمام، وهل نستطيع أن نقرن قصيدة لمهيار بقصيدة عمورية وما رأينا هناك من مزج أبي تمام بين عناصر الثقافات المختلفة حتى استوت له موسيقاه الرائعة في تلك القصيدة؟ وأكبر الظن أننا لا نبعد إذا قلنا إن من أهم الأسباب في خمود قصيدة المديح لهذه العصور أنها فقدت غالبًا الحادث الخطير الذي تنشد فيه والذي يكسبها ضربًا من الحيوية والقوة على نحو ما نرى عند أبي تمام حين مدح المعتصم بقصيدة عمورية، وعلي نحو ما نرى عند المتنبي في مديحه لسيف الدولة حين كان يصف وقائعه مع الروم؛ غير أنا لا نتقدم بعد المتنبي إلى مهيار حتى يصبح المديح عملًا رسميًّا يقال في المناسبات كتهنئة بنيروز أو عيد أو وزارة، ولم يعد هناك -إذا نحن استثنينا الحروب الصليبية- من البواعث والحوادث الهامة ما يدفع إلى نظمه، وما يعطيه حدة أو قوة، واستمر ذلك شأنه حتى العصر الحديث،
стр. 412
ومهما يكن فقد أصبحت قصيدة المديح عند مهيار وغيره من شعراء هذه العصور غالبًا قصيدة مناسبة، ولم يعد لها شيء من اللذة والروعة الفنية، وبذلك تحول شعر المديح في اللغة العربية إلى ما يمكن أن نسميه شعر التهاني أو شعر المناسبات؛ فقد انطفأت منه كل شعلة يمكن أن تندفع منها حرارة أو ينبعث منها توهج؛ ولم يبق فيه ولا في غيره من موضوعات الشعر سوى هذا التلفيق الذي وصفناه عند مهيار، ولعل ذلك كان أحد الأسباب التي جعلت المعري ينفر في لزومياته من هذا الشعر الذي لا نجد فيه أفكارًا نادرة ولا ثروة زخرفية واسعة.
стр. 413
الفصل الرابع: التعقيد في التصنع
أبو العلا نشأته وحياته وثقافته
...
الفصل الرابع: التَّعْقيدُ في التَّصنُّيعِ
أراني في الثلاثة من سجوني ... فلا تسأل عن الخبرِ النبيثِ
لفقدي ناظري ولزوم بيتي ... وكون النفس في الجسمِ الخبيثِ
أبو العلاء المعري
١- أبو العَلاءِ نشأتُهُ وحياتُهُ وثقافتُهُ:
رأينا الشعر عند مهيار يصبح ضربًا من التلفيق الخالص، وكأنما جمد الشعر العربي وأصبح من الصعب أن يتحول إلى طرائف جديدة إلا ما رأينا عند المتنبي من تصنعه لصيغ الثقافات المختلفة وما يطوي هذا التصنيع من تعقيد. ونحن لا نمضي بعد المتنبي إلى النصف الثاني من القرن الرابع ثم القرن الخامس حتى نجد شاعرًا شاميًّا يبلغ بهذا التعقيد غايته، وهو أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعروف باسم المعري نسبة إلى معرة النُّعمان، وهي بلدة بين حلب وحماة، وكان يكنى أبا العلاء، وذكر ذلك في شعره إذ يقول:
دُعيتُ أبا العلاء وذلك مَيْنٌ ... ولكنَّ الصحيح أبو النزُولِ
وقد ولد أبو العلاء سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، ولم يبلغ الرابعة من عمره حتى اعتلّ علة الجدري التي ذهب فيها بصره، وأشار إلى ذلك في إحدى رسائله إلى داعي الدعاة؛ إذ يقول: "وقد علم الله أن سمعي ثقيل، وبصري عن الإبصار كليل، وقضي علي وأنا ابن أربع، لا أفرِّقُ بين البازل والرُّبع"١
وكان يقول: "لا أعرف من الألوان إلا الأحمر لأني ألبست في الجدري ثوبًا مصبوغًا بالعُصْفُر، لا علق غير ذلك"٢
стр. 414
وقد خرج أبو العلاء من بيت علم وشعر وقضاء؛ فآباؤه كانوا يتولون قضاء المعرة، وتحدث عنهم ياقوت في ترجمته له حديثًا مستفيضًا، ذكر لهم فيه طرفًا من أشعارهم، وكان لهذا الميراث العلمي أثره في تربية المعرى؛ إذ جعله يميل للبحث والدرس، وأيضًا فإن فقد بصره حدد موقفه، وجعله يطلب العلم ويشغف به، وبدأ أبو العلاء بهذا الدرس والتحصيل في المعرة؛ إذ تتلمذ على أبيه ومن في بلدته من تلامذة ابن خالويه. يقول القفطي: "ولما كبر أبو العلاء ووصل إلى سن الطلب أخذ العربية عن قوم من بلده كبني كوثر ومن يجري مجراهم من أصحاب ابن خالويه وطبقته، وقيد اللغة عن أصحاب ابن خالويه أيضًا، وطمحت نفسه إلى الاستكثار من ذلك؛ فرحل إلى طرابلس الشام وكانت بها خزائن كتب وَقَفَها ذوو اليسار من أهلها، فاجتاز باللاذقية ونزل دير الفاروس، وكان به راهب يشدو شيئًا من علوم الأوائل، فسمع منه أبو العلاء كلاما من أوائل أقوال الفلاسفة حصل له به شكوك لم يكن عنده ما يدفعها به، فعلق بخاطره ما حصل به الانحلال وضاق عطنه عن كتمان ما تحمله من ذلك حتى فاه به في أول عمره وأودعه أشعارًا له١"
وقد يكون القفطي ألقى بخبر لقاء أبي العلاء لراهب دير الفاروس دون تثبت، تعليلًا لأبيات وضعت على لسانه، وليست في اللُّزوميات ولا سقط الزَّند تجري على هذه الصورة.
في اللاذقية فتنةٌ ... ما بين أحمَدَ والمسيحْ
هذا بناقوسٍ يدُقُّ ... وذا بمئذنةٍ يصيحُ
كل يعززُ دينَهُ ... ليت شعري ما الصحيحُ
ويظهر من اللزوميات أن أبا العلاء كما درس العلوم اللغوية والشرعية درس المسيحية واليهودية في أثناء تطوافه بالشام وأدياره. ولما بلغ الثلاثين سأل ربه إنعامًا ورزقه صوم الدهر فلم يفطر في السنة والشهر إلا في العيدين٢ وفي
стр. 415
سن السادسة والثلاثين رحل إلى بغداد، ولقي علماءها من أمثال الربعي والواجكا والسكري والمرتضي١، وقد لقيه الأول والأخير لقاء سيئًا، وفارقها وهو يقول:
رحلتُ فلا دُنْيا ولا دينَ نلتَهُ ... وما أَوبَتي إلا السفاهةُ والخرقُ
ولما عاد إلى المعرة التزم ثلاثة أشياء: "نبذة كنبذة فتيق النجوم وانقضابًا من العالم كانقضاب القائبة٢ من القوب وثباتًا في البلد أن حال أهله من خوف الروم"٣. وسَمَّى نفسه رهين المحبسين، يعني حبس نفسه في المنزل، وحبس بصره عن الرؤية٤. ومكث في هذين المحبسين نحو خمسين عامًا ألِفَ خلالها تلك الكتب الكثيرة التي رواها له ياقوت في معجمه، وهي تدل على أنه كان واسع الثقافات سعة شديدة؛ فهو يعرف الديانات والمعتقدات المختلفة كما يعرف الفلسفة والتنجيم والتاريخ والتصوف، وما يطوى في ذلك من ثقافات يونانية وفارسية وهندية، وعني عناية خاصة بالثقافة اللغوية فألَّف في النحو والعروض، وتصنع للغريب في جميع آثاره. وليس من المبالغة أن نزعم أنه كان إمامًا ممتازًا من أئمة اللغة؛ فليس هناك شاذة لغوية إلا وهو يعرفها ويسلكها فيم يكتب من نثر أو نظم، وكان السابقون يلاحظون مهارته في هذا الجانب؛ فالصفدي يعدد من رزقوا السعادة في أشياء لم يأت بعدهم من نالها ويذكر منهم أبا العلاء في الاطلاع على اللغة. ويقول التبريزي: "ما أعرف أن العرب نطقت بكلمة ولم يعرفها المعرى" وكانوا يقرنونه إلى ابن سِيدَة اللغوي المعروف. ويقولون: "كان بالمشرق لغوي وبالمغرب لغوي في عصر واحد لم يكن لهما ثالث وهما أبو العلاء وابن سيدة"٥ وحقًّا أن أبا العلاء كان مثقفًا ثقافة لغوية واسعة، وكان يضيف إليها هذا الخليط المضطرب من ثقافاته الكثيرة وخاصة ما اتصل بالثقافة الفنية من الشعر إذا كان يعنى عناية شديدة بجمع الأفكار والصور
стр. 416
القديمة وحشدها في أشعاره وكتاباته على نحو ما نرى في الفصول والغايات واللزوميات، وكأنه كان يؤلف شعره للمثقفين خاصة فهو يجمع لهم فيه كل ما يعرفونه من ضروب الثقافات وألوان المعرفة، وخاصة المعرفة الفنية وما يطوى فيها من صور غريبة ولفظ غير مألوف حتى يستولي على أفئدتهم بهذه الطرائف النادرة التي كانت تعد بدعًا جديدًا في هذه العصور، والتي كان الناس والنقاد يقيسون بها مهارة الشاعر وإبداعه.
стр. 417
٢- ذَكَاءُ أبي العَلاءِ وحفْظُهُ:
كان أبو العلاء ذكيًّا ذكاء شديدًا سريع الخاطر دقيق الحس حتى ليروي المصيصي الشاعر أنه كان يلعب بالشطرنج والنرد١!! وروى الرواة أن أبا محمد الخافجي الحلبي دخل عليه وسلَّم ولم يكن يعرفه؛ فرد ﵇ وقال: هذا رجل طوال، ثم سأله عن صناعته فقال: اقرأ القرآن؛ فقال: اقرأ علي شيئًا منه فقرأ عليه عشرًا، فقال له: أنت أبو محمد الخفاجي الحلبي؟ فقال نعم، فسئل عن ذلك فقال: أما طوله فعرفته بالسلام، وأما كونه أبا محمد فعرفته بصحة قراءته وأدائه بنغمة أهل حلب؛ فإنني سمعت بحديثه٢. وذكر القِفْطي أنه كان له سرداب إذا أراد الأكل نزل إليه وأكل مستترًا، ثم يقول: إنه نزل إليه يومًا وأكل شيء من رُبٍّ أو دِبْس٣ ونقط على صدره منه يسير وهو لا يشعر به؛ فلما جلس للإقراء لمحه بعض الطلبة فقال: يا سيدي أكلت دبسًا فأسرع بيده إلى صدره ومسحه وقال نعم، لعن الله النهم، فاستحسن منه سرعة فهمه بما على صدره، وأنه الذي أشعر به٤. وليس من شك في أن هذا كله يدل على أن أبا العلاء كان مرهف الحس إرهافًا شديدًا، وهو إلى
стр. 418
ذلك كان سريع الحفظ أيضًا سرعة شديدة، روى ابن فضل الله العمري في مسالك الأبصار أنه لما دخل بغداد أرادوا امتحانه؛ فأحضروا دستور الخراج الذي في الديوان وجعلوا يوردون ذلك عليه مياومة، وهو يسمع إلى أن فرغوا؛ فابتدأ أبو العلاء وسرد عليهم كل ما أوردوه عليه١. ويروي القفطي أنه كان يحفظ ما يمر بسمعه، وأن رجلًا من اليمن وقع إليه كتاب في اللغة سقط أوله وأعجبه جمعه وترتيبه فكان يحمله معه ويحج؛ فإذا اجتمع بمن فيه أدب أراه إياه وسأله عن اسمه واسم مصنفه، فلا يجد أحدًا يخبره بأمره، واتفق أن وجد من يعلم حال أبي العلاء فدله عليه، فخرج الرجل بالكتاب إلى الشام ووصل إلى المعرة واجتمع بأبي العلاء وعرفه ما حاله، وأحضر الكتاب وهو مقطوع الأول؛ فقال له أبو العلاء: اقرأ منه شيئًا، فقرأ عليه فقال له أبو العلاء: هذا الكتاب اسمه كذا ومصنفه فلان، ثم قرأ عليه من أول الكتاب إلى أن وصل إلى ما هو عند الرجل؛ فنقل عنه النقص، وأكمل عليه تصحيح النسخة، وانفصل إلى اليمن فأخبر الأدباء بذلك، وقد قيل إن هذا الكتاب هو ديوان الأدب للفارابي اللغوي، وهو مضبوط على أوزان الأفعال"٢.
كان أبو العلاء قوي الحافظة -على ما يظهر- قوة شديدة، وكان لا يقرأ عليه كتاب إلا حفظ منه أطرافًا حتى ليروي الرواة أنه لما ذهب إلى بغداد طلب أن تعرض عليه الكتب التي في خزائنها؛ فكان كلما قرئ عليه شيء حفظه، وهم يروون أنه كان يحفظ المحكم والمخصص وأنه أملاهما من صدره٣! ولا تقف القصص بحفظ أبي العلاء عند نصوص اللغة العربية وكتبها، بل إنها لتمتد فتزعم أنه كان يحفظ ما يسمعه بين رجلين بالفارسية أو بالأذربية٤.
وربما كان كثير من هذه القصص مبالغ فيه ولكنها مع ذلك تدل على أن الرجل اشتهر في عصره بحدة الذكاء وسرعة الحفظ. يقول ابن العديم: "كان أبو العلاء على غاية من الذكاء والحفظ، وقيل له: بم بلغت هذه الرتبة في العلم؟ فقال: ما سمعت شيئًا إلا حفظته، وما حفظت شيئًا فنسيته"٥.
стр. 419
٣- اللُّزُومياتُ وتشاؤمُ أبي العَلاءِ:
بدأ أبو العلاء حياته الفنية في الشعر بتقليد المتنبي إذا كان يتعصب له تعصبًا شديدًا١. وسقط الزَّند هو خير ما يفسر هذا الطور من تقليده؛ إذ نراه ينظم على طريقة المتنبي السابقة، فهو يعتد بالغريب والشاذ في التراكيب، كما يعتد بالتصنع لألفاظ الثقافات المختلفة والتغني بالفيافي والحكم والأمثال والفخر بنفسه وذم الدهر والشكوى منه على نحو ما رأينا عند المتنبي؛ إذ كان يردد جميع النغم الذي سمعناه عنده. وكان لا يضيف إلى ذلك جديدًا إلا عنايته الواسعة بالجناس. وما يزال أبو العلاء على هذه الحال من التقليد حتى يتبين نفسه فيستقل عن المتنبي ويؤلف لزومياته، وهي من طراز جديد إذ نراها تتضمن نقدًا للحياة الاجتماعية مع دعوة واسعة إلى الزهد والتقشف ورفض الدنيا، يسوده في ذلك كله تشاؤم واسع؛ فالحياة كلها آلام ونصب وعذاب، وكان الشعراء قبل أبي العلاء يعنون بهذا الجانب وخاصة أبا العتاهية والمتنبي، أما أبو العتاهية فله مقطوعات كثيرة في ذم الدنيا والدعوة إلى الزهد فيها؛ لأنها دائمًا مشوبة بالأكدار، وأما المتنبي فقد أشاع في ديوانه -وأكثره مديح- ضربًا واسعًا
стр. 420
من التشاؤم يعمه نقد شديد للحياة الاجتماعية، وبيان لما في الدنيا من آلام وتفكير في حقائق الحياة والموت. وليس من شك في أننا إذا أردنا أن نبحث عن أصول الأفكار في اللزوميات وجدناها جميعًا عند المتنبي على نحو ما مر بنا في غير هذا الموضع.
وإذن فموضوع اللزوميات ليس جديدًا وما نرى فيها من تشاؤم ودعوة إلى الزهد في الحياة وسرد للحكم والعظات، كل ذلك ليس جديدًا خالصًا؛ فقد وجد قبل أبي العلاء؛ غير أن من الحق أن نشهد بأنه كبَّره ووسعه واستطاع أن يخرجه في ديوان خاص به يؤلفه على الحروف الهجائية، ويملؤه بهذا التشاؤم الواسع وما ينطوي فيه من وصف للدنيا بأنها دار آلام وعذاب؛ وقد ذهب يستعرض الحياة فيها من جميع جوانبها وينقدها نقدًا ساخرًا في جرأة وصراحة صريحة كأن يقول في نقد الحياة السياسية:
وأرى ملوكًا لا تحوط رعيةً ... فعلام تؤخذُ جزيةٌ ومكوسُ
أو يقول في نقد حكام عصره:
يسوسون الأمورَ بغير عقلٍ ... وينفُذُ أمرُهم فيقالُ ساسَه
فَأُفَّ مِنَ الحَياةِ وَأُفَّ مِنّي ... وَمِن زَمَنٍ رِئاسَتُهُ خَساسَةْ
أو يقول:
ملَّ المقام فكم أعشارُ أمَّةً ... أمرت بغير صلاحها أمراؤها
ظلموا الرعية واستجازوا كيدَها ... فعدوا مصالحاها وهم أجَرَاؤها
فإذا ترك الحياة السياسية نظر في الحياة العامة للناس وما يسودها من رياء ونفاق وما يعمها من حب للمادة، وما ينطوي فيها من شر؛ فإذا هو ساخط على الدنيا والناس من حوله سخطًا شديدًا، وإذا هو ينقلب عليهم حنقًا مغيظًا يذمهم ويذم الدنيا معهم ذمًّا شنيعًا، كأن يقول:
يَحسُنُ مَرأى لِبَني آدَمٍ ... وَكُلُّهُم في الذَوقِ لا يَعذبُ
أَفضَلُ مِن أَفضَلِهِم صَخرَةٌ ... لا تَظلِمُ النَّاسَ وَلا تَكذِبُ
стр. 421
أو يقول:
لَعَمرُكَ ما الدُّنيا بِدارِ إِقامَةٍ ... وَلا الحَيُّ في حالِ السَلامَةِ آمِنُ
وَإِنَّ وَليدًا حَلَّها لَمُعَذَّبٌ ... جَرَت لِسِواهُ بِالسُعودِ الأَيامِنُ
أو يقول:
عجبت للأم لما مات واحدها ... بكت وساعدها ناس يبكونه
هم أسارى مناياهم فما لهم ... إذا أتاهم أسيرٌ لا يفكَّونه
أو يقول:
نمسي ونضحى في ضلالاتنا ... وما على الغبراء إلا سفيه
فنسأل الواحد إنقاذنا ... من عالم السوء الذي نحن فيه
أو يقول:
خسست يا أمُّنا الدُّنيا فأفِّ لنا ... بني الخسيسة أوباشٌ أخساءُ
وعلى هذا النمط استمر أبو العلاء يهاجم هذا العالم بكل ما فيه؛ فقد كان يتراءى له في صورة حمقاء منكرة، وتمادى به تشاؤمه فهجا آدم وحواء والناس جميعًا:
إن مازت الناسَ أخلاقٌ يعاشُ بها ... فإنهم عند سوءِ الطبعِ أسواء
أو كان كل بني حواء يشبهني ... فبئس ما ولدت للناس حواءُ
وكان لحواء وبناتها حظ واسع من هذا الهجاء؛ فهن أصل هذا البلاء في الأرض وأصل هذا النسل الذي يعيش في دار النحس والشقاء:
فليت حواء عقيمًا غدتْ ... لا تلد النَّاس ولا تحبَلُ
بل ليت الناس يمتنعون عن النسل والزواج حتى يتحطم هذا العالم الذي يسير هذه السيرة العرجاء في توزيع الحظوظ والأرزاق:
لو أن كل نفوس الناس رائية ... كرأي نفس تناهت عن خطاياها
لعطلوا هذه الدنيا فما ولدوا ... ولا اقتنوا واستراحوا من رزاياها
إذن ما قام هذا العالم الفاسد، الذي لا يستطيع أبو العلاء أن يفهم له
стр. 422
نظامًا! إنه شر خالص! وليس لهذا الشر من دواء إلا أن يتحطم فنستريح الراحة الكبرى، فإن لم يتحطم هذا العالم من نفسه فلنحطمه نحن بأيدينا هذا التحطيم السلبي، فنعطل الزواج والتناسل، ولعله من أجل ذلك كان يهاجم المرأة هجومًا عنيفًا، كأن يقول:
ومن صفات النساء قِدمًا ... أن لسن في الوُدِّ منصفاتِ
وما يبين الوفاءُ إلا ... في زمنِ الفقدِ والوفاةِ
أو يقول:
ألا إن النساءَ حبالُ غيٍ ... بهن يضيعُ الشرفُ التليدُ
ويستمر أبو العلاء في ترديد هذا السخط على الحياة والناس الذي يحيون فيها من رجال ونساء. والإنسان لا يتابعه في لزومياته حتى تكثر في سمعه هذه الأنغام التي تدل على أنه مغيظ من الناس جميعًا غيظًا شديدًا؛ فهو حنق عليهم ضيق بهم وبكل شيء فيهم حتى تقواهم ودينهم:
نادتْ على الدينِ في الآفاقِ طائفةٌ ... يا قوم من يشتري دينًا بدينارِ
جنوا كبائرَ آثامٍ وقد زعموا ... أن الصغائرَ تجني الخلدَ في النَّارِ
ويقول في بعض الوعاظ والنساك:
بخِيفةِ اللهِ تعبدتنا ... وأنت عينُ الظالمِ اللَّاهي
تأمرُنا بالزُّهدِ في هذه الدُّنيا ... وما همُّك إلا هِي
ويقول:
توهمتَ يا مغرورُ أنك ديِّنٌ ... علي يمين اللهِ ما لك دينُ
تسير إلى البيتِ الحرامِ تنسكًا ... ويشكوك جارٌ بائسٌ وخَدينُ
ويقول أيضًا:
سبِّح وصلِّ وطفْ بمكةَ زائرًا ... سبعين لا سبعًا فلست بناسِكِ
وكما يهاجم الوعاظ والنساك وغيرهم من علماء الدين يهاجم المتصوفة أيضًا هجومًا عنيفًا، وكان يسخر خاصة من الرقص الذي شاع بينهم في عصره على
стр. 423
نحو ما نعرف الآن في حلقات الذكر. يقول:
تزيّوا بالتَّصوف عن خداعٍ ... فهل زُرْتَ الرِّجالَ أو اعتميت١
وقاموا في تواجدهم فداروا ... كأنهم ثمالٌ من كُمَيتِ٢
ويقول أيضًا:
تستروا بأمورٍ في ديانتِهم ... وإنما دينُهم دينُ الزناديقِ
نكذبُ العقلَ في تصديقِ كاذبِهِم ... والعقلُ أولى بإكرامٍ وتصديقِ
وهكذا استمر أبو العلاء يرى الدنيا هذه الرؤيا السوداء، وتجمعت ظلمات كثيرة من حوله بعضها فوق بعض؛ فالدنيا آلام وعذاب ونكبات ونوائب، بل هي شر مستطير يجب أن نتخلص منه فنخرج من هذا العالم الموحش المظلم، ونستريح من متاعبه وآلامه:
حياتي تعذيبٌ وموتي راحةٌ ... وكل ابنِ أنثى في التُّرَابِ سجينُ
ولا شك في أن أبا العلاء بتشاؤمه وسخطه على الدنيا والناس من حوله يثير في أنفسنا ضروبًا من الشفقة عليه؛ إذ كان يتجرع الحياة غصص خالصة. ولو أنه أخذ نفسه بالرضا والتسليم فاقتنع بحظه وحظ الناس من حوله، وما في دنيانا من نصب وعذاب لاستراح وأوى إلى ظل ظليل، ولكنه لم يرضَ ولم يسلِّم ولم يقتنع فسعر نفسه وأودى بها في هذا الجحيم المظلم من الإحساس بالشقاء والتعاسة وما ينطوي فيهما من تشاؤم شديد، وظل في هذا الجحيم يصارع الناس ويصارع الحياة حتى صرعته.
стр. 424
٤- اللُّزومِيَّاتُ وفلسفةُ أبي العَلاءِ:
من يقرأ اللزوميات ويتتبع سيرة أبي العلاء يرى أنه كان يسلك منهجًا واضحًا في معيشته وعقله وتفكيره؛ فهو يبدأ فيقيد لذائذه، ويحدد نفسه بقوانين
стр. 425
صارمة في مطعمه وملبسه، إذا كان يختار خشن الثياب والطعام، وقص ذلك في شعره فقال إن طعامه العدس والتين أو كما يسميهما البُلسَن والبلَس فهما يقنعانه، وهما غذاؤه في حياته، وهو غذاء يجد فيه راحته النفسية؛ لأنه غذاء زاهد متقشف يرفض لذائذ الحياة وما ينطوي فيها من لذائذ الطعام:
يقنعني بلسن يمارس لي ... فإن أتتني حلاوة فبلس
فَلُسَّ ما اخترت أن أروحَ من ... يسارِ قارونَ عفَّةٌ وفَلَس١
ويقول الرحالة ناصر خسرو -وقد مر بالمعرة في حياة أبي العلاء: إنه "تزهد فلبس بسيطًا ولزم بيته وقوتُهُ نصفُ مَنٍّ مِنْ خبز الشعير"٢. ويقول القفطي: "لم يكن أبو العلاء من ذوي الأحوال في الدنيا؛ وإنما خلف له وقف يشاركه فيه غيره من قومه، وكانت له نفس تشرف عن تحمل المنن فمشى حاله على قدر الموجود، فاقتضى ذاك خشن الملبوس والمأكل والزهد في ملاذ الدنيا، وكان الذي يحصل له في السنة مقدار ثلاثين دينارًا، قدر منها لمن يخدمه النصف وأبقى النصف الآخر لمئونته؛ فكان أكله العدس-إذا أكل- مطبوخًا، وحلاوته التين، ولباسه خشن الثياب من القطن، وفرشه من لباد في الشتاء وحصيرة من البردي في الصيف، وترك ما سوى ذلك"٣.
وكل هذا يدل على أن أبا العلاء كان يأخذ نفسه بحياة خشنة زاهدة، ولعل ذلك ما جعله ينفر من مديح الرؤساء طلبًا للجوائز والمكافآت. يقول في مقدمة سقط الزند: ولم أطرق مسامع الرؤساء بالنشيد ولا مدحت طلبًا للثواب؛ وإنما كان ذلك على معنى الرياضة وامتحان السُّوس، فالحمد لله الذي ستر بغُفَّة٤ من قوام العيش، ورزق شعبة من القناعة أوفت على جزيل الوَفْر". فهو لا يمدح طلبًا للنوال، وماذا يفيده النوال؟ لقد رفض كل شيء وعاش عيشة الكفاف والزهد، وكان يصنع ذلك عن عمد وقصد إليه. روى الرواة أن