أو يقول:
لَعَمرُكَ ما الدُّنيا بِدارِ إِقامَةٍ ... وَلا الحَيُّ في حالِ السَلامَةِ آمِنُ
وَإِنَّ وَليدًا حَلَّها لَمُعَذَّبٌ ... جَرَت لِسِواهُ بِالسُعودِ الأَيامِنُ
أو يقول:
عجبت للأم لما مات واحدها ... بكت وساعدها ناس يبكونه
هم أسارى مناياهم فما لهم ... إذا أتاهم أسيرٌ لا يفكَّونه
أو يقول:
نمسي ونضحى في ضلالاتنا ... وما على الغبراء إلا سفيه
فنسأل الواحد إنقاذنا ... من عالم السوء الذي نحن فيه
أو يقول:
خسست يا أمُّنا الدُّنيا فأفِّ لنا ... بني الخسيسة أوباشٌ أخساءُ
وعلى هذا النمط استمر أبو العلاء يهاجم هذا العالم بكل ما فيه؛ فقد كان يتراءى له في صورة حمقاء منكرة، وتمادى به تشاؤمه فهجا آدم وحواء والناس جميعًا:
إن مازت الناسَ أخلاقٌ يعاشُ بها ... فإنهم عند سوءِ الطبعِ أسواء
أو كان كل بني حواء يشبهني ... فبئس ما ولدت للناس حواءُ
وكان لحواء وبناتها حظ واسع من هذا الهجاء؛ فهن أصل هذا البلاء في الأرض وأصل هذا النسل الذي يعيش في دار النحس والشقاء:
فليت حواء عقيمًا غدتْ ... لا تلد النَّاس ولا تحبَلُ
بل ليت الناس يمتنعون عن النسل والزواج حتى يتحطم هذا العالم الذي يسير هذه السيرة العرجاء في توزيع الحظوظ والأرزاق:
لو أن كل نفوس الناس رائية ... كرأي نفس تناهت عن خطاياها
لعطلوا هذه الدنيا فما ولدوا ... ولا اقتنوا واستراحوا من رزاياها
إذن ما قام هذا العالم الفاسد، الذي لا يستطيع أبو العلاء أن يفهم له
стр. 422
نظامًا! إنه شر خالص! وليس لهذا الشر من دواء إلا أن يتحطم فنستريح الراحة الكبرى، فإن لم يتحطم هذا العالم من نفسه فلنحطمه نحن بأيدينا هذا التحطيم السلبي، فنعطل الزواج والتناسل، ولعله من أجل ذلك كان يهاجم المرأة هجومًا عنيفًا، كأن يقول:
ومن صفات النساء قِدمًا ... أن لسن في الوُدِّ منصفاتِ
وما يبين الوفاءُ إلا ... في زمنِ الفقدِ والوفاةِ
أو يقول:
ألا إن النساءَ حبالُ غيٍ ... بهن يضيعُ الشرفُ التليدُ
ويستمر أبو العلاء في ترديد هذا السخط على الحياة والناس الذي يحيون فيها من رجال ونساء. والإنسان لا يتابعه في لزومياته حتى تكثر في سمعه هذه الأنغام التي تدل على أنه مغيظ من الناس جميعًا غيظًا شديدًا؛ فهو حنق عليهم ضيق بهم وبكل شيء فيهم حتى تقواهم ودينهم:
نادتْ على الدينِ في الآفاقِ طائفةٌ ... يا قوم من يشتري دينًا بدينارِ
جنوا كبائرَ آثامٍ وقد زعموا ... أن الصغائرَ تجني الخلدَ في النَّارِ
ويقول في بعض الوعاظ والنساك:
بخِيفةِ اللهِ تعبدتنا ... وأنت عينُ الظالمِ اللَّاهي
تأمرُنا بالزُّهدِ في هذه الدُّنيا ... وما همُّك إلا هِي
ويقول:
توهمتَ يا مغرورُ أنك ديِّنٌ ... علي يمين اللهِ ما لك دينُ
تسير إلى البيتِ الحرامِ تنسكًا ... ويشكوك جارٌ بائسٌ وخَدينُ
ويقول أيضًا:
سبِّح وصلِّ وطفْ بمكةَ زائرًا ... سبعين لا سبعًا فلست بناسِكِ
وكما يهاجم الوعاظ والنساك وغيرهم من علماء الدين يهاجم المتصوفة أيضًا هجومًا عنيفًا، وكان يسخر خاصة من الرقص الذي شاع بينهم في عصره على
стр. 423
نحو ما نعرف الآن في حلقات الذكر. يقول:
تزيّوا بالتَّصوف عن خداعٍ ... فهل زُرْتَ الرِّجالَ أو اعتميت١
وقاموا في تواجدهم فداروا ... كأنهم ثمالٌ من كُمَيتِ٢
ويقول أيضًا:
تستروا بأمورٍ في ديانتِهم ... وإنما دينُهم دينُ الزناديقِ
نكذبُ العقلَ في تصديقِ كاذبِهِم ... والعقلُ أولى بإكرامٍ وتصديقِ
وهكذا استمر أبو العلاء يرى الدنيا هذه الرؤيا السوداء، وتجمعت ظلمات كثيرة من حوله بعضها فوق بعض؛ فالدنيا آلام وعذاب ونكبات ونوائب، بل هي شر مستطير يجب أن نتخلص منه فنخرج من هذا العالم الموحش المظلم، ونستريح من متاعبه وآلامه:
حياتي تعذيبٌ وموتي راحةٌ ... وكل ابنِ أنثى في التُّرَابِ سجينُ
ولا شك في أن أبا العلاء بتشاؤمه وسخطه على الدنيا والناس من حوله يثير في أنفسنا ضروبًا من الشفقة عليه؛ إذ كان يتجرع الحياة غصص خالصة. ولو أنه أخذ نفسه بالرضا والتسليم فاقتنع بحظه وحظ الناس من حوله، وما في دنيانا من نصب وعذاب لاستراح وأوى إلى ظل ظليل، ولكنه لم يرضَ ولم يسلِّم ولم يقتنع فسعر نفسه وأودى بها في هذا الجحيم المظلم من الإحساس بالشقاء والتعاسة وما ينطوي فيهما من تشاؤم شديد، وظل في هذا الجحيم يصارع الناس ويصارع الحياة حتى صرعته.
стр. 424
٤- اللُّزومِيَّاتُ وفلسفةُ أبي العَلاءِ:
من يقرأ اللزوميات ويتتبع سيرة أبي العلاء يرى أنه كان يسلك منهجًا واضحًا في معيشته وعقله وتفكيره؛ فهو يبدأ فيقيد لذائذه، ويحدد نفسه بقوانين
стр. 425
صارمة في مطعمه وملبسه، إذا كان يختار خشن الثياب والطعام، وقص ذلك في شعره فقال إن طعامه العدس والتين أو كما يسميهما البُلسَن والبلَس فهما يقنعانه، وهما غذاؤه في حياته، وهو غذاء يجد فيه راحته النفسية؛ لأنه غذاء زاهد متقشف يرفض لذائذ الحياة وما ينطوي فيها من لذائذ الطعام:
يقنعني بلسن يمارس لي ... فإن أتتني حلاوة فبلس
فَلُسَّ ما اخترت أن أروحَ من ... يسارِ قارونَ عفَّةٌ وفَلَس١
ويقول الرحالة ناصر خسرو -وقد مر بالمعرة في حياة أبي العلاء: إنه "تزهد فلبس بسيطًا ولزم بيته وقوتُهُ نصفُ مَنٍّ مِنْ خبز الشعير"٢. ويقول القفطي: "لم يكن أبو العلاء من ذوي الأحوال في الدنيا؛ وإنما خلف له وقف يشاركه فيه غيره من قومه، وكانت له نفس تشرف عن تحمل المنن فمشى حاله على قدر الموجود، فاقتضى ذاك خشن الملبوس والمأكل والزهد في ملاذ الدنيا، وكان الذي يحصل له في السنة مقدار ثلاثين دينارًا، قدر منها لمن يخدمه النصف وأبقى النصف الآخر لمئونته؛ فكان أكله العدس-إذا أكل- مطبوخًا، وحلاوته التين، ولباسه خشن الثياب من القطن، وفرشه من لباد في الشتاء وحصيرة من البردي في الصيف، وترك ما سوى ذلك"٣.
وكل هذا يدل على أن أبا العلاء كان يأخذ نفسه بحياة خشنة زاهدة، ولعل ذلك ما جعله ينفر من مديح الرؤساء طلبًا للجوائز والمكافآت. يقول في مقدمة سقط الزند: ولم أطرق مسامع الرؤساء بالنشيد ولا مدحت طلبًا للثواب؛ وإنما كان ذلك على معنى الرياضة وامتحان السُّوس، فالحمد لله الذي ستر بغُفَّة٤ من قوام العيش، ورزق شعبة من القناعة أوفت على جزيل الوَفْر". فهو لا يمدح طلبًا للنوال، وماذا يفيده النوال؟ لقد رفض كل شيء وعاش عيشة الكفاف والزهد، وكان يصنع ذلك عن عمد وقصد إليه. روى الرواة أن
стр. 426
"المستنصر صاحب مصر بذل له ما ببيت المال بالمعرَّة من المال؛ فلم يقبل منه شيئًا، وقال:
لا أطلبُ الأرزاقَ والمولى ... يفيضُ على رزقي
إن أُعْطَ بعضَ القوت أعـ ... لم أنّ ذلك فوق حقي"١
لم يكن أبو العلاء يطلب مالًا ولا عطاء؛ لأنه كان زاهدًا في حياته متقشفًا يكفيه القليل الذي يقيم أوده، أما ما دون ذلك فهو ينبذه، وماذا نريد من الدنيا وهي تنتهي بنا إلى الفناء وتسوقنا إلى الموت سوقًا حاملين ما نحمل من أثقال كروب وآلام! إن علينا أن نقوِّي أنفسنا بالزهد حتى نلقى هذا المصير المحتوم:
لا تشرفنَّ بدنيا عنك معرضة ... فما التشرُّفُ بالدُّنيا هو الشَّرَفُ
واصرف فؤادَك عنها مثلما انصرفتْ ... فكلنا عن مغانيها سننصرفُ
يا أمَّ دفرٍ٢ لحاك اللهُ والدةً ... فيك العناءُ وفيك الهمُّ والسَّرفُ
لو أنك العِرسُ أوقعتُ الطلاق بها ... لكنَّك الأمُّ ما لي عنكِ منصرفُ
واستمر أبو العلاء نحو خمسة وأربعين عامًا يصرخ في الناس بهذه الدعوة الحارة إلى الزهد والتقشف؛ وبدأ بنفسه فسنَّ لها قوانين من الزهد صارمة التزمها طوال حياته؛ فلم يتعلق بشيء من زخارف الدُّنيا وزينتها؛ بل رفضها فيم رفض ورفض معها متاع الأولاد والزواج لا لسبب سوى هذا الحرمان الذي كان يأخذ نفسه به، وفي ذلك يقول:
لو أنَّ بنيَّ أفضلُ أهلِ عصري ... لما آثرتُ أن أحظى بنسلِ
وفي امتناعه عن الزواج والنسل ما يجعلنا نرى جانبًا من تشاؤمه الأسود الذي ضرب ظلماته على حياته وجميع أفكاره، ولعل ذلك ما جعله يوصي بأن يكتب على قبره:
هذا جَنَاهُ أبي علـ ... يَّ وما جنيتُ على أحدْ
وحقًّا أن أبا العلاء لم يجن على أحد لا من حيث النسل والزواج فقط بل أيضًا من
стр. 427
حيث حاجاته في الحياة؛ فقد كان زاهدًا فيها زهدًا شديدًا، وكان لا يريد أن يتصل منها بشيء لا بأزواج وأولاد ولا بغير أزواج وأولاد، وهاجم فكرة الزواج والنسل في شعره كثيرًا كقوله الذي أنشدناه:
فليت حَوَّاءَ عقيمًا غدت ... لا تلد الناسَ ولا تَحْبَلُ
كان أبو العلاء برمًا بالحياة وكان يراها سلسلة آلام؛ فأكثر من نقدها ونقد الذين يعيشون فيها. وأعجب بعض الناس هذا النغم الذي يردده أبو العلاء، وراعهم أنه كان صاحب عقل حرٍّ بالنسبة لأهل عصره فهو يهاجم أصحاب الأديان؛ فذهبوا إلى أنه كان فيلسوفًا، وحشروه في زمرة الفلاسفة، ومن العجب أن نجد مثل نيكلسون١ وهيار٢ يذهبان هذا المذهب، وليس لرأيهما ولا لمن تبعهما أي دليل على هذه الفلسفة إلا إذا كنا نعد كل زاهد يدعو إلى الزهد والتقشف في الحياة فيلسوفًا. وزهد أبي العلاء وما يُطوى فيه من نظر جريء إلى مسائل الدين لا يكفي لنعده فيلسوفًا بالمعنى اليوناني لهذه الكلمة إنه لم يعرف عنه أنه كان ملخصًا للفلسفة اليونانية على نحو ما صنع الفارابي وغيره من جماعة الفلاسفة المسلمين، وهو أيضًا لم يعرف عنه أنه نَمَّى مذهبًا من مذاهب الفلسفة اليونانية، ولذا كان من الخطأ أن يجعل بعض النقاد أبا العلاء فيلسوفًا بالمعنى اليوناني لهذه الكلمة، وهو لم يلخِّص الفلسفة اليونانية؛ فضلًا عن أن يكون من المنمِّين لها ولا كان من المتعلقين بمذهب من مذاهبها.
وأكبر الظن أن شبهة فلسفة أبي العلاء جاءت من أنه كان نباتيًّا يحرم على نفسه أكل اللحم واللبن والبيض والسمك وعسل النحل، وفي ذلك يقول:
غدوت مريض العقل والرأي فالقنى ... لتعلمَ أنباء الأمور الصحائح
فلا تأكلن ما أخرج الماء ظالِمًا ... ولا تبغِ قوتًا من غريض الذَّبائحِ٣
стр. 428
وأبيض أمات أرادت صريحه ... لأطفالها دون الغواني الصرائح١
ودع ضربَ النَّحْلَ الذي بَكَرَت له ... كواسبُ من أزهار نبت فوائح٢
والمراد بالأبيض اللبن.
والمعروف أن أبا العلاء ترك أكل اللحم ومشتقاته رحمة بالحيوان. روى الرواة أن سائلًا سأله: "لم لا تأكل اللحم؟ فقال: أرحم الحيوان، قال: فما تقول في السباع التي لا طعام لها إلا لحوم الحيوان؟ فإن كان الخالق الذي دبَّر ذلك فما أنت بأرأف منه، وإن كانت الطبائع المحدثة؛ لذلك فما أنت بأحذق منها، ولا هي أنقص عملًا منك". ويعلق ابن الجوزي على هذه الرواية فيقول: "لقد كان يمكنه أن لا يذبح رحمة؛ فأما ما ذبحه غيره فأي رحمة قد بقيت في ترك أكله"٣. على كل حال كان أبو العلاء نباتيًّا وقد صد عن أكل اللحم ودعا إلى ذلك، وله حوار طريف مع داعي الدعاة في هذه المسألة يرجع إليه القارئ في ترجمته بياقوت، ولكن هل هذه النباتية في أبي العلاء تجعلنا نزعم أنه فيلسوف؟ إنها طريقة في الحياة وليست طريقة في التفكير. على أننا إذا أردنا تصحيح القياس وجب لكي نثبت فلسفته عن هذه المقدمة أن نكون على يقين من أن هذه النباتية يونانية أو أنها مذهب فلسفي من مذاهب اليونان، وليست النباتية من مذاهب اليونان ولا من فلسفتهم؛ إنما هي مذهب هندي يرجع إلى البراهمة، وقد قص علينا ذلك كل من ترجموا لأبي العلاء، يقول ابن الأنباري: "يحكى عنه أنه كان برهميًا وأنه وصف لمريض فروج، فقال: استضعفوك فوصفوك"٤ ويقول ابن الجوزي: "كان ظاهر أمر أبي العلاء يدل على أنه يميل إلى مذهب البراهمة؛ فإنهم لا يرون ذبح الحيوان ويجحدون الرسل"٥ ويقول ياقوت عنه: "كان متهما في دينه، يرى رأي البراهمة: لا يرى إفساد الصورة، ولا يأكل لحمًا، ولا يؤمن بالرسل والبعث والنشور"٦. ويقول أبو الفداء:
стр. 429
"نُسب أبو العلاء إلى التمذهب بمذهب الهنود لتركه أكل اللحم خمسًا وأربعين سنة، وكذلك البيض واللَّبن، وكان يحرِّم إيلام الحيوان"١ ويقول ابن فضل الله العمري: "ترك أبو العلاء أكل لحوم الحيوان وعموم ما يجري مجراها من الأعسال والألبان ومال في هذا إلى رأي الحكماء! وقال بمذهب البراهمة في تجنُّب إراقة الدماء"٢. ويقول السلفي: "من عجيب رأي أبي العلاء تركه تناول كل مأكول لا تنبته الأرض شفقة على الحيوانات حتى نسب إلى التبرهم، وأنه يرى رأي البراهمة في إثبات الصانع وإنكار الرسل، وفي شعره ما يدل على هذا المذهب"٣ وواضح من هذه النصوص أن العرب لم يصلوا بين نباتية أبي العلاء وفلسفة اليونان، إنما وصلوا بينها وبين التبرهم والبراهمة، فهي ليست شيئًا يونانيًّا. ومن الخطأ أن يعتمد عليها بعض الباحثين في إثبات فلسفة أبي العلاء، وهي لا تمت مباشرة إلى اليونان وفلسفتهم.
والحق أن أبا العلاء ليس فيلسوفا بالمعنى اليوناني لهذه الكلمة إلا إذا توسعنا في معناها وجعلنا كل شخص يفكر تفكيرًا حرًّا فيلسوفًا أي محبًّا للحكمة. آخذًا بقوانين العقل غير متقيد بعرف الناس ولا بما يعتنقون من آراء وأفكار. إذن يكون أبو العلاء فيلسوفًا، ومن أهم مما يميزه ما نراه عنده من تشاؤم شديد؛ فالعالم مليء بالشر وأيضًا ما نراه عنده من شكوك.
يقول التبريزي: "إن أبا العلاء سألني يومًا ما الذي تعتقد؟ فقلت في نفسي: اليوم أقف على اعتقاده، فقلت له: ما أنا إلا شاك، فقال: وهكذا شيخك"٤. وأقرَّ أبو العلاء بهذا الشك في إحدى رسائله إلى داعي الدعاة إذ يقول: "قد بدأ المعترف بجهله المقر بحيرته والداعي إلى الله سبحانه أن يرزقه ما قلَّ من رحمته"٥. ويظهر أنه كان لمحنة أبي العلاء في بصره أثر في تكييف هذا الشك العلائي؛ فقد كان يضيق بما أصابه من هذا الشر في بدء حياته ولم يستطع له
стр. 430
تفسيرًا فرجع يشك في بعض الحقائق، حتى ليشك في الشك نفسه، وهذا مصدر ما نجد عنده من تناقض يعتري آراءه وليس من شك في أن اللزوميَّات ترينا أبا العلاء حائرًا حيرة شديدة؛ فالدُّنيا كلها وما وراءها ظلام وسواد ولجج واسعة من الحيرة:
الحمدُ للهِ قد أصبحتُ في لججٍ ... مكابدًا من همومِ الدَّهر قاموسًا١
واتسعت هذه اللجج عليه ولم يستطع أن يقاومها ولا أن يخرج منها، فمكث فيها تائهًا حائرًا، واستمر يقص علينا في لزومياته قصة هذا الطوفان، فقد أطبقت عليه الأمواج من كال جانب وكأنما أفسدت عليه جميع الطرق والمناهج:
قد ترامت إلى الفساد البرايا ... واستوت في الضَّلالة الأديانُ
أنا أعمى فكيف أهدَى إلى المنـ ... ـهج والناسُ كلُّهم عميانُ
ولم يستطع أبو العلاء حقًّا أن يهتدي إلى المنهج في كثير من المسائل والمشاكل فشك واتسع عليه الشك حتى جعله لا يؤمن بيقين، وعبر عن ذلك في مرثيته لأبيه تعبيرًا واضحًا؛ إذ يقول:
طلبت يقينًا من جهينة عنهمُ ... ولم تخبريني يا جهينُ سوى الظن٢ُّ
فإن تعهديني لا أزال مسائلًا ... فأني لم أعطَ الصحيحَ فأستغني
ويقول أيضًا:
أما اليقينُ فلا يقينَ وإنَّما ... أقصى اجتهادي أن أظنَّ وأحدِسا
فأبو العلاء يطلب اليقين فلا يجد إلا الظن والحدس، وإذن فمن الخطأ أن يأتي باحث فيراه يقول رأيًا فيظنه يقينًا، ثم يراه يخرج عنه فيقول: إنه مضطرب متناقض؛ فإن أبا العلاء لم يكن صاحب يقين في رأي من الآراء؛ بل هو صاحب ظن وحدس وشك، وهو يعمم هذا الشك في كل شيء، سوى إيمانه بربه؛ إذ يقول:
стр. 431
أثبَتُّ لي خالقًا حكيمًا ... ولست من معشرٍ نُفاةِ
فأبو العلاء لم يكن يشك في ربه؛ إذ كان يرى كل شيء حوله يشهد بوجوده، وهو كذلك لم يكن يشك في عقله، بل لقد كان يؤمن به إيمانًا شديدًا، يقول في بعض شعره:
كذب الظن لا إمام سوى العقـ ... ـل مشيرًا في صبحه والمساءِ
ويقول أيضًا:
وشاور العقل واترك غيره هدرًا ... فالعقل خير مشير ضمَّه النَّادي
إلا أن هذا العقل كان قاصرًا ولم يستطع أن يفسر له أسرار الكون وما فيه من حقائق الخير والشر ومن هنا اعترف كما مر بنا آنفًا أنه لا يكاد يوجد يقين وأن مبلغ علم الإنسان أن يظن ويحدس، وكأن العقل يضطر أحيانًا إلى التوقف دون اليقين عند أسوار الظن والحدس. وآمن -خاصة في المسائل الشرعية- أن العقل ينبغي أن لا يجمح وأن لا يحاول الخروج على الشرع بل يكون تابعًا له، يقول:
وجدنا اتِّباع الشرع حزمًا لذي النُّهى ... ومن جرب الأيام لم ينكر النَّسخا
وقد توقف بعض الباحثين عند أبيات في اللُّزوميات رآه فيها يهاجم الديانات فظن أنه يهاجمها حقًّا، وهو إنما يهاجم أصحابها، يقول:
هفتِ الحنيفةُ والنصارى ما اهتدت ... ويهود حارت والمجوسُ مضلِّلَة
اثنان أهلُ الأرضِ ذو عقل بلا ... دين وآخرُ دين لا عقلَ لهُ
ويقول:
دينٌ وكفرٌ وأنباءٌ تقالُ وفُرْ ... قانٌ ينصُّ وتوراةٌ وإنجيلُ
في كل جيلٍ أباطيلٌ ملفَّقةٌ ... فهل تفرد يومًا بالهدى جيلُ
وواضح أن أبا العلاء إنما يهاجم في البيتين الأولين أصحاب الديانات الذين توزعتهم الفرق والأهواء فأهدروا عقولهم؛ حتى عمت الحيرة والتبس الأمر، وهو في البيتين التاليين إنما ينص على أنه لا يوجد جيل يخلو من الكفر والضلال. وليس في ذلك هجوم على الأنبياء ولا هجاء كما ظن بعض المعاصرين.
стр. 432
ولا نستطيع أن نخرج من كل ذلك بأن أبا العلاء كان زنديقًا أو ملحدًا كما قال بعض القدماء، والواقع أنهم تطرفوا حينما أضافوا إلى أبي العلاء الزندقة والإلحاد ملتمسين ذلك في أبيات حملوها على معنى مخالف لما قصده، وهي قليلة جدًّا في لزومياته؛ إذ كثرتها تحميد وتقديس وتمجيد في الله. على أننا إذا تطرقنا مع هؤلاء السابقين وجعلنا أبا العلاء زنديقًا أو ملحدًا لم يكن هناك ما يبرر أن نزعم بأنه فيلسوف؛ لأن الإلحاد والزندقة ليسا هما الفلسفة فالفلسفة شيء والإلحاد والزندقة شيء آخر، وإلا سقط من تاريخ الفلسفة كثير من الفلاسفة المسيحيين والمسلمين.
والحق أن أبا العلاء كان مفكرًا حرَّ الفكر وكان زاهدًا صادق الزهد وكان شديد التشاؤم؛ غير أنه لم يستطع أن يخرج من ذلك إلى إحداث نظرية معينة أو منهج معين يمكن أن نسميه "المنهج الفلسفي لأبي العلاء" إلا إذا كنا ممن يلتقطون بعض الأقوال للشعراء ويحاولون أن يحملوها أكثر من مدلولها، ثم يستخرجوا لهم فلسفة ذات أصول وفروع متشابكة. ونحن بهذه الطريقة نستطيع أن نجعل أبا العلاء فيلسوفًا، كما نستطيع أن نجعل المتنبي وأبا تمام وأبا العتاهية فلاسفة بأفكار معدودة وآراء محصورة جاءت في أشعارهم. والحق أن في ذلك كله مبالغة في البحث يؤدي إليها عادة غلو الباحث في الإعجاب بالشاعر الذي يبحثه، وكان من حسن حظ أبي العلاء أن غالى كثير من المعاصرين الذين عنوا ببحثه؛ فأثبتوه فيلسوفًا لما رأوا عنده من تشاؤم وحيرة وشك وزهد، ولكن هل يكفي التشاؤم أو الزهد أو الحيرة لنعد شخصًا فيلسوفًا؟ أما نحن فلا نشك في أن أبا العلاء لو كان فيلسوفًا حقًّا لفلسف تشاؤمه في الحياة فجعله في شكل كلية عامة، وطبق هذه الكلية على الجزئيات المختلفة تطبيقًا شاملًا، إذن كان يتساءل كيف نحكم على الأشياء وما أدواتنا في المعرفة، هل هي الحس أو الفكر أو هما جميعًا.
ولكنه لم يصنع شيئًا من ذلك، إنما كل ما صنعه أنه استراح إلى العقل في الحكم على الأشياء وألقى عليه العبء كله، ولو أنه صاحب عقل فلسفي لشك في هذا العقل نفسه وامتحنه وأخضعه للتجربة على نمط، يحلل فيه المعرفة في الطبيعة وما وراء
стр. 433
الطبيعة. وكنا ننتظر منه أن يتساءل هل يمكن للعقل أن يعرف ما وراء الطبيعة من مسائل البعث والنشور أو لا يمكن؟ وإذا ثبت إمكان ذلك فهل طريقنا إليه العقل أو الشعور؟ وهل يمكن للعقل أن يحكم في قضايا ما وراء الطبيعة كما يحكم في قضايا الطبيعة؟ وهل أحكام العقل المجرد تكون صوابًا دائمًا، أو أنها معرضة للخطأ؟ كل ذلك لا نجد له أثرًا عند أبي العلاء؛ لأنه لم يكن فيلسوفًا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، وآية ذلك أنه لم يترك أي نظرية فلسفية معللة أو موضحة، وكيف له بصنع نظريات؟ إنه لم يكن يفكر التفكير الفلسفي الذي يقوم على صنع كليات؛ إنما كان يفكر تفكيرًا أدبيًّا يقوم على تشاؤم وسخط، وهو يعرض هذا التفكير في آراء متفرقة وأفكار مفككة، لا يطرد لها نظام ولا سياق فكري متماسك.
стр. 434
٥- صياغةُ اللُّزُومِيَّاتِ:
من يقرأ اللُّزوميات وينظر فيها نظرة فنية من حيث الصياغة والتنسيق يلاحظ أن جوانب كثيرة منها واهية؛ إذ استغرقها أبو العلاء بالتَّكرار حتى كاد أسلوبه أن يسقط في غير موضع من مواضعها، نعم إنه وفق في بعض أبياتها ولكن الكثرة الغالبة يعمها الإسفاف والضعف، وكأني به نسى أسلوب الشعر الذي كان يعرفه في سقط الزَّند، وهل يستطيع الإنسان أن يؤمن بأن اللُّزوميات أنشأها أبو العلاء بعد ديوان "سقط الزند" بنفس صورة صياغته؟! على أنه ينبغي أن نعرف أن سقط الزند لا يعتبر مثلًا أعلى في الصياغة الفنية للشعر العربي، فديوان كديوان المتنبي يتفوق عليه في هذا الجانب، ولعله من أجل ذلك كان يسميه أبو العلاء: معجز أحمد، واستمر في سقط الزند دون هذا المعجز إلا في مراثيه؛ فقد أظهر فيها تفوقًا نادرًا من حيث الصياغة وخاصة مرثيته:
غير مجدٍ في ملتي واعتقادي ... نوحُ باكٍ ولا ترنُّم شادِ
وإن هذه القصيدة لتتفوق على كل ما كتبه في لزومياته، ولعلنا لا نبالغ إذا
стр. 435
قلنا إنه يسود فيها الخلل والضعف في البناء. وكان القدماء أنفسهم يعرفون فرق ما بين الديوانين؛ فالذهبي يقول: إن السقط جيد بخلاف اللُّزوميات١، وفي غير موضع نجدهم يشيدون بالسقط٢، وحقًّا ما يقوله "نيكلسون" من أن أبا العلاء يدين بشهرته في المشرق إلى مجموعة أشعاره الأولى المسماه بسقط الزند٣؛ فإن أبا العلاء الشاعر إنما نلقاه في السقط، أما في اللزوميات فلا بد من إضافة وصف آخر غير وصف الشاعر، نسميه أبا العلاء الواعظ أو الزاهد أو المتشائم أو نحو ذلك من أوصاف تعبر عن موضوع الديوان، أما كلمة الشعر والشاعر فمن الصعب أن نضيفهما إليه. يمكن أن نسميه الناظم ولكن من الصعب أن نعطيه لقب الشاعر، أو نسمي ما في اللزوميات شعرًا، وربما كان ذلك يرجع من بعض الوجوه إلى أنه لم يتأنَّ ولم يتمهل في صنع اللزوميات. روى ابن فضل الله العمري في مسالك الأبصار عن بعض القضاة أنه قال: "بينما أنا عند أبي العلاء المعري في الوقت الذي يملي فيه شعره المعروف بلزوم ما لا يلزم؛ فأملى في ليلة واحدة ألفي بيت. كان يسكت زمانًا ثم يملي قريبا من خمسمائة بيت ثم يعود إلى الفكرة والعمل إلى أن أكمل العدة المذكور"٤. وقد سقنا هذه الرواية لندل بها على أن أبا العلاء لم يكن يعني بتجويد شعره وتحبيره في اللزوميات فهو لا يعطيه المهلة الكافية للصقل والانتخاب والتنقيح، ثم التأليف والتنسيق، فخرج شعره مهلهلًا ضعيف النسج ليس فيه شيء من حبكه التعبير ولا جمال التصوير إلا في القليل الأقل. وليس هذا فقط هو كل الأسباب، فهناك سبب آخر ربما كان أهم من السبب السابق، وهو الطريقة التي أخرج بها أبو العلاء لزومياته، أو بعبارة أدق الغاية التي أرادها للزومياته؛ فقد كان -فيما يظهر- يريد أن يخرجها في شكل خطب وعظ وإرشاد، يقول في مقدمتها: "إنها تمجيد لله الذي شرف عن التمجيد ووضع المنن في كل جيد، وبعضها
стр. 436
تذكير للناسين وتنبيه للرقدة الغافلين وتحذير من الدنيا". فهو يقصد بها إلى الوعظ، وهي لذلك تمتلئ بما تمتلئ به أساليب الوعظ من التكرار الممل، ومن أجل ذلك كنا نشعر حين قراءتنا للزوميات بملل وسأم شديد؛ لأن الشاعر يتنقل بين أفكار يبدئ فيها ويعيد، وقد أخرجها في أسلوب واهٍ، ليس فيه جمال فني ولا طرافة فنية إلا قليلًا.
والحق أن أبا العلاء لم يستطع أن ينهض بالصياغة الفنية في لزومياته إذا كان يعتمد على تكرار الأفكار، وإن الإنسان ليخيل إليه أن هناك مجموعة من الأفكار ما يزال ينظمها أبو العلاء على قوافٍ وحروف مختلفة، وهو يغاير في القافية أوفي الحرفين الأخيرين؛ ولكنه قلما حاول أن يغاير في المعاني والأفكار، ولذلك يستطيع الباحث أن يقرأ طائفة من مقطوعات اللزوميات ويترك الأخرى؛ لأنه قلما يجد جديدًا إلا ما يخضع له أبو العلاء من قيود في ألفاظه وقوافيه.
ليس في اللزوميات غالبًا جمال في الصياغة ولا تنويع في الأفكار؛ إنما فيها بدء وإعادة وتكرار غريب للمعاني، وهي معانٍ عامة وكثيرًا ما ينقصها العمق والابتكار، وما يزال المعري ينظمها على حرف من الحروف كالباء ثم يعود إلى حرف آخر كالتاء، وهو ينظمها مرة على حرف الباء أو غيرها مضمومة، ثم يعود مرة أخرى أو مرارًا فينظمها على حرف الباء أو غيرها من الحروف مكسورة أو منصوبة أو ساكن. ومن أجل ذلك التكرار والإعادة كنا نمل متابعة أبي العلاء في لزومياته؛ إذ ما يزال يجتر أفكارًا محفوظة يكررها على قواف وأوزان مختلفة. ولعل ما يصور ذلك تصويرًا واضحًا رسالته المسماه باسم "ملقى السبيل" حيث نجده يصوغ المعنى نثرًا، ثم يصوغه شعرًا على هذا النمط؛ إذ يقول: "كم يجني الرجل ويخطئ، ويعلم أن حتفه لا يبطئ:
إن الأنام ليخطئو ... ن ويغفر الله الخطيئةْ
كم يبطئون عن الجميـ ... ل وما مناياهم بطيئةْ
وعلى هذه الصورة التي نجدها في "ملقى السبيل" كان أبو العلاء ينظم في لزومياته ولم يكن ينظم المعنى نثرًا، ثم ينظمه شعرًا، بل كان ينظمه شعرًا، ثم يعود
стр. 437
فينظمه أيضًا شعرًا؛ ولكن على قافية جديدة، وقيود لفظية جديدة، وهذا كل ما يصنعه من تغيير، وهو تغيير قلما يضيف طرافة في التفكير؛ إذ يدخل عليه أبو العلاء هذا التَّكرار الذي يصيب الصياغة في اللزوميات بضروب واسعة من الابتذال.
وأكبر الظن أننا لا نبعد حين نقول: إن أبا العلاء كان واعظًا في لزومياته، ولذلك لم يحسن صوغ أفكاره في الأساليب الخاصة بالشعر؛ لأن الوعظ من طبيعته التكرار، وهو يلائم النثر، ولا يلائم الشعر، ومن ثم كان الخطباء والوعاظ يتخذون النثر أداة للتعبير عن أفكارهم ومعانيهم المكررة، فإذا جاء خطيب أو واعظ واتخذ الشعر أداته في الخطابة أو الوعظ كان لا بد له أن يسقط في استخدام هذه الأداة الجديدة مهما تكن مقدرته البيانية. ومن أجل ذلك لم يكن غريبًا أن نجد أبا العلاء يخفق في استخدام الشعر أداة لوعظه وتشاؤمه الذي نعرفه في اللزوميات، وخاصة أنه أطال هذا الوعظ والتشاؤم وامتد به نفسه إلى عشرات الصفحات بل مئات الصفحات، فبدا في أساليبه هذا الانهيار والسقوط وما يتبعهما من ابتذال؛ بحيث لا نجد ما يعجب حاستنا الفنية إلا في النادر؛ فالأفكار عارية لا يحول بينها وبين الإسفاف حائل، ولذلك قلما نحس في أثناء قراءتنا اللزوميات ببهجة فنية، إذ لم يستطع أبو العلاء أن ينهض بصياغتها إلا هذا النهوض القاصر الذي يعود بالشعر وكأنه يشبه أساليب الوعظ والإرشاد.
стр. 438
٦- اللَّوازمُ الدائمةُ في اللُّزوميَّاتِ:
لم يوفر أبو العلاء مجهودًا واسعًا في إحكام صياغته؛ إذ كان مشغول عنها بعقد ولوازم غريبة في لزومياته، فهو يصعب على نفسه الممرات إلى شعره، ويتقيد بلوازم دائمة يتبعها في صناعته، ولعل أهم هذه اللوازم ما أشار إليه في مقدمة ديوانه؛ إذ يقول: "وقد تكلفت في هذا التأليف ثلاث كُلَف: الأولى أنه ينتظم حروف المعجم عن آخرها، والثانية أنه يجيء رويُّة بالحركات الثلاث وبالسكون بعد ذلك، والثالثة أنه لزم مع كل روي فيه شيء لا يلزم من باء أو
стр. 439
تاء أو غير ذلك من حروف". ونحن نلتفت من هذه الكلف إلى أن اللزوميات ليست ديوانًا بالمعنى المألوف عند العرب، ولعل ذلك ما جعل أبا العلاء يسميها في مقدمته لها تأليفًا، وسماها مرة أخرى كتابًا، وحقًّا إنها ألفت على شكل التأليف والكتب؛ فقد قسِّمت إلى أبواب وقسمت الأبواب إلى فصول وهل هناك ديوان قبل اللزوميات نظم شعرًا ووُزِّع -على هذا الطراز- إلى أبواب وفصول كما يصنع أصحاب النثر بتآليفهم وكتبهم؟!
ومهما يكن فاللزوميات أول ديوان في اللغة العربية يؤلَّف على طريقة خاصة يذكرها الشاعر في مقدمته ويطبقها على أبياته بيتًا بيتًا. وهذه الطريقة يحددها أبو العلاء بثلاث كلف؛ ولكن لنحذر هذا التحديد، فهي أكثر من ذلك وأوسع، ولست أجد كلمة تعبر عن هذه الكلف الكثيرة ككلمة اللزوميات التي يظهر أنها استعيرت للديوان من كتب المناطق لتدل على ما فيه من نسب ومعادلات بين ألفاظه وقوافيه. وإذن فتصنع المعري في اللزوميات لا يقف عند الكلف العروضية بل يتعداها إلى كلف أخرى كان يشغل بها هذا الفراغ الطويل الذي امتد إلى نحو خمسين عامًا قضاها حبيس بيته ونظره وأفكاره المظلمة في الحياة والكون، وعبر عن ذلك أجمل تعبير؛ إذ يقول:
أراني في الثلاثة من سُجُوني ... فلا تسأل عن الخبر النَّبيثِ١
لفقدي ناظري ولزوم بيتي ... وكونِ النفسِ في الجسمِ الخبيثِ
وذهب يحبس أفكاره في هذه السجون العروضية السابقة ولم يكتف بها؛ إذ أراد أن ينوع فيها كما تنوعت سجونه، واستعان بثقافته على ما يريد من هذا التنويع، ولعل أهم ثقافة سجن في قيودها آثاره هي الثقافة اللغوية؛ إذ نراه يتصنع الإغراب في ألفاظه، وعمَّم ذلك في جميع أشعاره وكتاباته، حتى ليشعر الإنسان في أحوال كثيرة بأنه يقرأ في متن من متون اللغة العويصة، ولقد كان المظنون أن يبتعد بها الإغراب في اللغة عن اللزوميات، فإن ما فيها من وعظ لا تلائمه الألفاظ الغريبة إذ هو يوجه عادة إلى الجماهير وهي لا تعرف
стр. 440
الألفاظ العويصة، ولكن أبا العلاء اتخذ هذه الألفاظ الغريبة لازمة دائمة في صناعة لزومياته ولم يستطع أن يتخلص منها، وقد أضاف إليها لازمة أخرى دائمة هي لازمة الجناس.
ولعل من الطريف أن أبا العلاء استطاع أن يستخدم هذا الجناس استخدامًا مزدوجًا فهو يأتي به غالبًا ليعبر عن جناس من جهة وليعبر عن لفظ غريب من جهة أخرى. كان أبو العلاء يستخدم الجناس استخدامًا لغويًّا يريد به أن يدلَّ على مهارته في اللغة قبل أن يدل على مهارته في استخدام لون قديم من ألوان التصنيع. ولم يكتفِ أبو العلاء بما أحدثه بين الجناس والألفاظ الغريبة من مزاوجة؛ بل راح يصعب على نفسه؛ إذ نراه يطلبه بين حَشْوِ البيت والقافية، حتى يحدث هذه القيم المعقدة في قوافيه؛ فهو يلتزم فيها حرفين أو أكثر، وهو يلتزم فيها اللفظ الغريب، وهو أخيرًا يلتزم الجناس بينها وبين ألفاظ البيت، أرأيت إلى هذا التعقيد؟ إنه تعقيد ينسينا تعقيد المتنبي لموسيقاه الداخلية الذي عرضنا له في غير هذا الموضع، بل هو ينسينا تعقيد المهلبي لملاعقه في طعامه؛ فالمهلبي إنما كان يكرر الوسيلة فقط، أما أبو العلاء فإنه يستطيع أن يعقدها تعقيدًا شديدًا على هذا النمط الذي نقرؤه في هذه الأبيات:
عَذيري مِنَ الدُّنيا عَرَتني بِظُلمِها ... فَتَمنَحَني قُوَّتي لِتَأخُذَ قُوَّتي
وَجَدتُ بِها ديني دَنِيًّا فَضَرَّني ... وَأَضلَلتُ مِنها في مُروتٍ مُروَّتي١
أخوتُ٢ كما خاتتْ عقابٌ لو انني ... قدرتُ على أمرٍ فَعُدَّ أخوَّتي
وأصبحتُ في تِيهِ الحياةِ مناديًا ... بأرفعِ صوتي أين أطلبُ صوَّتي٣
ومازال حوتي٤ راصدي وهو آخذي ... فما لمتابي ليس يغسل حوَّتي
رآني ربُّ الناس فيها متابعًا ... هوايَ فويحي يوم أسكن هوَّتي
أبَوْتك٥ يا إثمي ومن لي بأنني ... أتيتك فاشكرْ لا شكرتَ أبوَّتي
стр. 441
يكره الألفاظ إكراهًا على أن تؤدي هذا الجناس المفتعل الذي لا يحوي جمالًا ولا روعة فنية، وأي جمال أو روعة فنية في المجانسة بين قوت وقوتي ومروت ومروتي وأخوت وأخوتي وصوتي وصوَّتي وحوتي وحوَّتي وهواي وهوَّتي وأبوت وأبوتي؟ لكأنما عجز الشعر في هذه العصور عن أداء الجناس القديم الذي كنا نجده في القرن الثالث إلا أن يخرج إلى هذه الفنون من الالتواء والتعقيد، وانظر إلى الواو المشددة التي ختم بها أبو العلاء أبياته؛ فإنها تظهرنا على صناعته في اللزوميات؛ إذ كان يريد أن يثبت مهارته في النظم على جميع الحروف، فإذا هو يقع في مثل هذه الواو المشددة الغريبة، ولكن أي غرابة فيها؟ أَلَأَنَّها تحوي تعقيدًا وتصعيبًا؟ لقد كان التعقيد والتصعيب بدع هذه العصور، فما يزال الشاعر يعصب في فنه ووسائله وأبوابه التي يدخل منها إلى صناعته، فإذا أبو العلاء يطلب النظم على جميع الحروف ساكنة ومتحركة حركاتها المختلفة، ولكنه لا يزال يجد سهولة في الممرات التي ينفذ منها إلى شعره؛ وإذن فليصعب على نفسه أكثر من ذلك، وليطلب المجانسة بين القافية وحشو البيت حتى يحدث صعوبة، لعل أحدًا لا يستطيع أن يقلدها في فنه، أو يحاكيها في نماذجه، وكأني به رأى أن هذه الصعوبة لا تزال في دائرة الإمكان فحاول أن يدخلها في دائرة المستحيل قليلًا، وما تطور الشعر عنده إن كانت وسائله لا يزال يقدر عليها غيره من الشعراء؟ إن الفن الصحيح في رأيه هو الذي تتميز وسائله وأدواته بالعسر والمشقة؛ فإذا كان يحسن بالشاعر أن يجانس بين القافية وبين لفظة في البيت فليطلب ذلك في مكان يتعسر على غيره ولا ينقاد له. كان ذلك يدور بنفس أبي العلاء فذهب يبحث كيف يستحدث في الجناس صعوبة تبلغ به ما يريد من العسر والمشقة، وهداه بحثه -بعد كثير من التجربة والاختبار- إلى أن الحيز الذي يستطيع به أن يشق على نفسه وغيره بوضع جناسه فيه هو أول البيت وآخره؛ فهو لا يجانس بين القافية وحشو البيت، فإن هذا الجناس ربما كان لا يزال ممكنًا، إنما هو يجانس بين القافية وبين أول لفظة في البيت كما نرى في مثل قوله:
أتراكَ يومًا قائلًا عن نيَّةٍ ... خلصتْ لنفسِك يا لجوجُ ترَاكِ١
стр. 442
أدَرَاكَ١ دهرُك عن تقاك بجهده ... فدراكِ من قبل الفواتِ دراكِ
أَبَرَاكِ٢ ربُّك فوق ظهر مطيَّة ... سارت لتبلغ ساعة الإبراك
أفَرَاكِنٌ أنا للزمانِ بمحصدٍ ... بانت عليه شواهدُ الإفراكِ٣
أشرَاكَ٤ ذنبُك والمهيمنُ غافرٌ ... ما كان من خطأٍ سوى الإشراكِ
فإنك تلاحظ في هذه الأبيات أن المعري عرف كيف يصعب طريقه إلى نظم هذه المقطوعة، فقد ضيق الباب بل الأبواب التي يمر منها إلى صناعة البيت، وأبى إلا أن يظهر هذا التضييق في أول كلمة يبدؤه بها؛ إذ أقام هذا الجناس المتعب بينها وبين القافية.
لقد كان الشعراء من قبل المعري يلتزمون رويًّا واحدًا في شعرهم، ولكنه رأى ذلك شيئًا سهلًا، وهو يريد الصعوبة والتعقيد فاشترط على نفسه أن ينظم على رويَّين، وكأنه أحسَّ بأن النظم لا يزال سهلًا، فذهب يبالغ في الصورة التي يمكنه أن يعقده فيها، وما زال يبالغ حتى انتهى إلى هذه الصورة من الجناس بين أول البيت وآخره والغريب أنه لم يكن يصنع ذلك في بيت واحد أو أبيات متفرقة من مقطوعاته التي يطلبه فيها، بل نراه يعممه في جميع أبياتها.
وكان إذا جنح إليه في مقطوعة طوَّلها وتجاوز بها المعتاد حتى يثبت مقدرته ومهارته في صنع هذا الجناس اللغوي الذي ما يزال يعقد فيه حتى يخرج على هذا النحو المركب؛ فهو يلتزمه في أول البيت وفي آخره، وهو يسرف على نفسه فيلتزمه في المقطوعات الطويلة أحيانًا. وحقًّا أن المعري أسرف على نفسه إسرافًا شديدًا حين جنح إلى هذا النوع من الجناس؛ ولكن كيف يثبت مقدرته على التعقيد في الشعر إن لم ينزلق إلى هذه الممرات الصعبة يجعلها طريقه إلى شعره
стр. 443
وصناعته؛ فقد أصبح الفن صعوبة وتعقيدًا خالصين، وأصبحت مهارة الشاعر أن يصيب في شعره حظًّا من هذه الصعوبة أو ذلك التعقيد فإذا المعري يلتمس هذا الجناس الغريب. وأكبر الظن أن خير وصف يمكن أن يضاف إليه أنه جناس لُغوي؛ فقد تحول الجناس عند المعري عن وجهته الأولى، وأنه بديع مستطرف، إلى وجهة لُغوية يريد بها الشاعر أن يثبت مقدرته اللغوية في استخدام الغريب من الألفاظ، واقرأ هذا البيت:
ذوَي كالرَّوضِ روضُك يوم شُبَّتْ ... جمارٌ من لَظَى أسفٍ ذَوَاكِ
فقد استطاع أبو العلاء أن يلفق جناسًا أشد صعوبة من ضروب الجناس السابقة؛ إذ ألفه من كلمة وحرف في كلمة أخرى، وكأنه يريد أن يخطو بالشعر خطوة جديدة في سبيل التعقيد؛ فإذا هو يجانس بين القافية وبين ذوي الأولى وحرف الكاف التالي لها، أرأيت كيف أصبح الجناس عند أبي العلاء عبثًا لغويًّا لا يراد به شيء أكثر من التصعيب والتعقيد؟ وهل هناك شيء أطرف في رأي أبي العلاء ومعاصريه من أن يستخرج أحدهم عقدة جديدة في الشعر؟ بل إنه يلتزم عقدًا كثيرة؛ فإذا هو يقيد نفسه في قوافيه، وإذا هو يرجع إلى ثقافته اللغوية يستمد منها ألفاظه الغريبة التي يستخرج منها هذا الجناس المعقد بين القافية وحشو البيت، وكأني به يرى ذلك ممكنًا فيجانس بين القافية وأول البيت، ثم يرى أن ذلك لا يزال ممكنا أيضًا، فيفكر طويلًا حتى يقع على هذا الجناس بين القافية والكلمة الأولى في البيت وما يجاورها من حرف أو حرفين.
وليس من شك في أن ذلك كله كان مباعدة لأسلوب الوعظ، وكأني باللزوميات إنما جاءت لتحدث هذه الصعوبات والتعقيدات في الشعر وما يطوَى فيها من شعب ومنعطفات؛ أما الوعظ وأما الزهد فقد كانا يأتيان تابعين لهذا العمل المعقد تعقيدًا شديدًا، وإن الإنسان ليخيل إليه كأن اللزوميات بنيت بناية لغة قبل أن تبنى بناية زهد، وهل كان المعري يَطْلب بلوازمه في قوافيه أوفي ألفاظه أن يؤدي حاجة من وعظ؟ لقد كان يؤدي بهذه اللوازم حاجة لغوية؛ فالثقافة اللغوية أهم شيء فكَّر فيه في أثناء عمل لزومياته.
стр. 444
٧- اللَّوَازمُ العَارضةُ في اللُّزُومِيَّاتِ:
هذه اللوازم الدائمة في اللزوميات كانت ترافقها لوازم عارضة تظهر من حين إلى حين، نقصد بهذه اللوازم العارضة ما كان يجنح إليه أبو العلاء من تصنعه لألفاظ الثقافات المختلفة من عروض ونحو وفقه، ولعله أول من وسع استعارة الشعراء لاصطلاحات العلوم والفنون، ومن قبله كان المتنبي يتصنع لذلك، ولكنه لم يسرف فيه إسراف المعري الذي ذهب يطرز شعره بألفاظ العلوم والفنون؛ بل إننا لنراه يدخل مسائلها في آرائه، وكأنه يريد منها الحجة والدليل على ما يذهب إليه من فكرة أو رأي، وانظر إليه يستخدم العروض في التدليل على أفكاره فيقول:
إذا ابنا أبٍ واحدٍ أُلْفيا ... جوادًا وعَيرًا فلا تعجبِ١
فإن الطويلَ نجيبُ القَريضِ ... أخوهُ المديدُ ولَمْ يُنْجِبِ٢
فإنك تراه يصف أحوال الناس بأوصاف الطويل والمديد ويتصورهم على هذا النحو من التصور العروضي؛ فالنجيب طويل وغير النجيب مديد، أرأيت إلى هذا التجديد؟ لقد جمد الشعر العربي ولم يبقَ فيه إلا هذه الانحرافات التي يأتي بها الشعراء من أوعية الثقافة؛ فإذا أبو العلاء يقول:
بقائي الطويلُ وغيِّي البسيطُ ... وأصبحتُ مضطربًا كالرَّجزِ
أرأيت إلى حياة أبي العلاء كيف تتحول إلى أوزان العروض؟ ولم يكن أبو العلاء يلجأ إلى ذلك ليقرر فكرة الفيثاغوريين عن الكون وائتلافه الموسيقي؛ إنما هو يلجأ إليه ليثبت معرفته بالعروض ومصطلحاته، وكأنه المرآة المستقيمة التي يستطيع الفيلسوف أن يرى فيها أحوال الناس مقيسة مقدرة على خير ما يكون القياس والتقدير، ولست أشك في أن أبا العلاء كان يعجب إعجابًا شديدًا بهذه الآلة الحديثة التي عثر عليها والتي يقيس بها أحوال الناس والحياة، ويظن
стр. 445
أنها تفسِّرها! وأكبر الظن أنه كان يعرف عجزها وأنها لا تستطيع ذلك؛ ولكنه يلجأ إليه ليحرز انتصارًا جديدًا في تعقيد الفن وتصعيبه.
وليست اصطلاحات العروض فقط هي التي يمكن أن تفسر مشاكل الحياة، بل تشركها اصطلاحات أخرى من النحو والصرف، وانظر كيف يفسر الصلة بين الأصول والفروع تفسيرًا صرفيًّا فيقول:
وفي الأصلِ غشٌّ والفروعُ توابعٌ ... وكيف وفاءُ النَّجل والأبُ غادرُ
إذا اعتلَّت الأفعالُ جاءت عليلةً ... كحالاتها أسماؤها والمصادرُ
فالأصول والفروعُ وما بينهما من وراثات، كل ذلك نستطيع أن نجد له تفسيرًا لا في الفلسفة، بل في الصرف؛ فالأفعال إذا كانت عليلة تبعتها مشتقاتها لا تستطيع حولًا عنها ولا خلاصًا منها، وعلى هذا النحو تتبع الفروع الأصول، إن كانت سليمة سلمت، وإن كانت معتلة اعتلت، أرأيت إلى الصرف كيف يمكن أن نستخرج منه تفسيرًا وتصويرًا لمشاكلنا؟ إنه أحد المفاتيح الصغيرة التي عثر عليها أبو العلاء وجاء يستخرج منها وصف أحوالنا، وليس الصرف فقط هو الذي نجد فيه هذه المفاتيح؛ بل إننا نجدها كما رأينا في العروض، ونجدها أيضًا في النحو، وانظر إليه؛ إذ يقول:
سِرٌّ سيعلنُ والحياةُ معارةٌ ... ولتقضينَّ بها ديونُ المعسِرِ
كخبيء نعم وبئس يخبأُ فيهما ... ويكونُ ذاك على اشتراطِ مفسِّرِ
أرأيت إلى حقائقنا؟ إننا لا نتشابه فيها فقط، بل إننا نتشابه فيها مع مسائل النحو والعروض والصرف، وليس من شك في أن هذا الصنيع لا يضيف طرافة للشعر إلا عند أصحاب هذه الفنون، وهل حقًّا يمكن أن تفسر هذه الفنون ومصطلحاتها مشاكلنا، إنها مملؤءة بكثير من المشاكل التي تحتاج هي الأخرى إلى ما يفسرها!
ومهما يكن فإن أبا العلاء غلا غلوًّا شديدًا حين جعل هذه المعارف لوازم في شعره وإن تكن لوازم عارضة تأتي من حين إلى حين. قد نفهم أن يبالغ
стр. 446
في التشديد على نفسه فيصطنع منهجًا جديدًا في قوافيه يعقد به موسيقاه؛ ولكن لا نستطيع أن نفهم هذا التصنع لاصطلاحات النحو والصرف والعروض، وكان يلح في طلبه إلحاحًا شديدًا. أليس يدل ذلك على أن التفكير الفني لم يعد يدخل فيه شيء طريف وأن الشعراء قد أحسوا إحساسًا ما بإجدابهم؛ فانطلقوا يتكلفون في شعرهم هذه الكلف التي لا تفصح عن جمال فني سوى هذا التعقيد الذي يدخله الشعراء من ممرات وأبواب كثيرة، تارة من ممرات موسيقية معقدة وتارة من أبواب بديعية ملفقة، وأخيرًا من هذه المسالك العلمية التي لا تضيف طرافة إلى الشعر أكثر من ذكر بعض الألفاظ وبعض المسائل والمصطلحات، ومع ذلك فقد كانت هذه المسالك تعدُّ بدعًا طريفًا في القرن الرابع وما تلاه من قرون، وأخذ أبو العلاء يوسع استخدامها؛ فهو لا يقتصر بها على ما مضى من فنون، بل هو يطلبها أيضًا في الفقه والدراسات الدينية، فإذا هو يقول:
حيرانُ أنت فأيُّ النَّاسِ تتَّبعُ ... تجري الحظوظُ وكلٌّ جاهلٌ طبعُ١
والأمُّ بالسُّدس عادتْ وهي أرأفُ من ... بنتٍ لها النصفُ أو عرسٍ لها الرُّبُعُ
فإنك تراه يخلط مسائل الدين الخاصة بتشاؤمه وما يرى في الحياة من مشاكل تؤديه إلى الشك والحيرة. وعلى هذا النمط ما يزال أبو العلاء يتعرض في اللزوميات لمسائل العلوم والفنون المختلفة يتخذ منها الحجج والأدلة على ما يزعمه من أفكار وآراء، وإنه ليكثر من ذلك كثرة مفرطة؛ حتى ليحس من يقرأ في لزومياته بأنه يقرأ في كتاب ثقافة لا في ديوان شعر. ولقد كان حريًّا به أن ينحِّي عن شعره هذه القيود الثقافية العارضة، ويكتفي بقيوده الدائمة السابقة، ولكنه يريد أن يصعب عمله وأن يسلك إليه أضيق الممرات والأبواب؛ فإذا هو يلتزم ما يلزم مرارا، مرة في حروف قوافيه وحركاتها، ومرة في ألفاظه الغريبة، ومرة في جناساته المعقدة، وأخيرًا في هذه اللوازم العارضة، حتى ليصبح الشعر لوازم خالصة.
стр. 447
وعبث أن نبحث بعد ذلك عن جديد في الشعر؛ فقد اندفع الشعراء بعد أبي العلاء في هذه الممرات الضيقة، كما نجد عند الحريري وعند غيره من الشعراء ممن وقف عندهم صاحب معاهد التنصيص يروي لهم مقطوعات تقرأ طردًا وعكسًا، أو يلتزم الشاعر فيها الحروف المهملة أو الحروف المعجمة إلى غير ذلك من عبث لا يفيد الشعر شيئًا١. وكأني بالشعر العربي ارتفع به العباسيون إلى القمة ثم أخذ يسقط رويدًا رويدًا؛ فإذا هو قصائد تلفق تلفيقًا، وقلما احتوت جمالًا من زخرف أو فكر. وحتى ألوان التصنيع القديمة أصابها ما أصاب لون الجناس عند المعري، إذا تحولت إلى صور هندسية، قلما يجد الإنسان فيها طرافة إلا تعقيدًا يقضي على كل ما يبعثه الشعر من لذة شعرية أو متعة فنية.
стр. 448
الكتاب الثالث: المذاهب الفنية في الأندلس ومصر
الفصل الأول: الأندلس والمذاهب الفنية
الأندلس
...
الكتاب الثالث: المذاهب الفنية في الأندلس ومصر
الفصل الأول: الأندلسُ والمذاهبُ الفَنِّيَّةُ
في أرض أندلس تلتذ نعماء ... ولا تفارق فيها القلب سراء
وكيف لا تبهج الأبصار رؤيتها ... وكل روض بها في الوشي صنعاء
أنهارها فضة والمسك تربتها ... والخز روضتها والدر حصباء
ابن سفر المريني
١- الأَنْدلسُ:
من يرى مخطط الأندلس وكثرة ما يجري فيها من أنهار يصب بعضها في المحيط الأطلسي وبعضها في البحر المتوسط يحس جمال هذه البلاد وجمال مناظرها وأوضاعها الطبيعية، وقد أفاض مؤرخو العرب في وصف مشاهدها كما أفاض الشعراء في التغني بمناظرها يقول ابن سعيد: "ميزان وصف الأندلس أنها جزيرة قد أحدقت بها البحار فأكثرت فيها الخصب والعمارة من كل جهة؛ فمتى سافرت من مدينة إلى مدينة لا تكاد تنقطع من العمارة ما بين قرى ومياه ومزارع، ومما اختصت به أن قراها في نهاية من الجمال لتصنيع أهلها في أوضاعها وتبييضها لئلا تنبو العيون عنها؛ فهي كما قال بعض الشعراء فيها:
لاحت قُراها بين خضرةِ أيكِهَا ... كالدُّرِّ بين زبرجدٍ مكنونِ١
ويقول ابن اليسع: "إنه لا يتزود فيها أحد ما حيث سلك لكثرة أنهارها وعيونها، وربما لقي المسافر فيها في اليوم الواحد أربع مدائن ومن المعاقل والقرى ما لا يحصى، وهي بطاح خضر وقصور بيض"٢.
وهذه البلاد نزلتها أمم مختلفة قبل دخول العرب فيها، نزلها أول الأمر
стр. 449
قبائل البَسْك والسَّلت والجلالقة من الشمال من بلاد الغال، كما نزل بها كثير من البربر سكان إفريقية الشمالية، ثم نزل بها بعد ذلك الفينيقيون؛ إذ استعمرت قرطاجنة بعض جهاتها. وكان ذلك قبل الميلاد بقرون، وكان هذا الاستعمار سببًا في أن تنبهت لها روما؛ فلما وقعت بينها وبين قرطاجنة الحرب المعروفة رأيناها تعمد إلى هذه البلاد تستولي عليها في أوائل القرن الثالث الميلادي وتسميها إسبانيا اسمها المعروف. ومنذ الوقت أصبحت إسبانيا ولاية رومانية، وكان لروما تأثير واسع فيها فرأيناها تتخذ اللاتينية لغة لها كما تتخذ المسيحية دينها بحيث لا يفد عليها العرب حتى تكون كثرة أهلها من المسيحيين.
وليست هذه الأحداث هي كل ما مر بالأندلس قبل الفتح العربي؛ فقد لقيت أحداثًا أخرى لعلها أكثر عنفًا من الأحداث السابقة ونقصد غارات "الفندال" عليها من الشمال وقد نزلوا بها وأسسوا على نهر الوادي الكبير مملكة سموها باسمهم "مملكة الفندال" ومنها أخذت كلمة "فندلس" التي نطق بها العرب "أندلس" وسموا بها هذه البلاد. وأغار عليها بعد الفندال جماعات القوط في القرن الخامس الميلادي.
وأخيرًا فتحها العرب في أواخر القرن السابع الميلادي عام ٩٢ للهجرة، ولم يكن الجيش الفاتح عربيًّا خالصًا بل كانت كثرته من البربر، واستمر العرب والبربر جميعًا ينزلون الأندلس بعد الفتح ويستقرون بها بحيث استطاعوا أن يعرِّبوها وأن يجعلوها ولاية عربية في أول الأمر، ثم سرعان ما تصبح بعد ذهاب عبد الرحمن الداخل إليها قبل منتصف القرن الثاني للهجرة بقليل دولة عظيمة تنافس بعاصمتها قرطبة بغدادَ وما يتصل بها. على أن هذه الدولة الكبيرة لم يمضِ عليها نحو قرنين ونصف حتى رأيناها تنقسم إلى شعب وفروع كثيرة؛ فتصبح كل مدينة كبيرة فيها إمارة مستقلة بنفسها لها ملك وللملك وزراؤه وشعراؤه في هذا النظام المعروف باسم نظام ملوك الطوائف.
ولا تلبث هذه الإمارات أن تضعف تحت ضغط المسيحيين في الشمال بسبب تنابذها وتخاصمها، ويستغيث ملوكها بدولة المرابطين في المغرب،
стр. 450
فتمد ذراعها لمساعدتهم سنة ٤٨٤ للهجرة وسرعان ما تستولي عليهم. وتخلفها دولة الموحدين فتتحول الأندلس إليهم منذ سنة ٥٤١. ولا نمضي في القرن السابع الهجري طويلًا حتى تأخذ هذه الدولة في الضعف؛ بينما تأخذ المدن الأندلسية في السقوط واحدة وراء الأخرى بيد المسيحيين. وينحاز المسلمون في ركن ضيق بالجنوب هو مملكة غرناطة، يشيدون فيه قصور الحمراء التي لا تزال تتألق به إلى اليوم، ويدافعون عنها دفاعًا مجيدًا نحو قرنين ونصف، حتى إذا لم يبقَ في كنانتهم سهم أسلموها مولين وجوههم إلى بطاح المغرب بعد أن ظلوا هناك ثمانية قرون، شادوا فيها صرح حضارة ومدنية باهرة.
стр. 451
٢- شخصيَّةُ الأَنْدَلُسِ:
لعل أهم ما يميز الأندلس ترفها ونعيمها ووصف شعرائه لطبيعتها وحسن مناظرها؛ فقد ذهبوا يتغنون بمشاهدها ومواطن الجمال والفتنة فيها، ويشيدون بها أيما إشادة ابن سفر المريني:
في أرضِ أندلسَ تلتذُّ نعماءُ ... ولا تفارقُ فيها القلبَ سرَّاءُ
وكيف لا تبهجُ الأبصارَ رؤيتَهَا ... وكلُّ روضٍ بها في الوَشي صنعاءُ
أنهارُها فضةٌ والمسكُ تربتُهَا ... والخزُّ روضتُها والدَّرُّ حصباءُ
وتفنَّن الأندلسيون تفننًا واسعًا في هذا الجانب وبذلك تركوا مادة كبيرة في شعر الطبيعة وساقهم ترفهم إلى وصف الخمر مع وصف الزهر ثم وصف مجالس الشراب وما ينطوي فيها من قيان. واستتبع ذلك الترف -عندهم- غناء واسعًا كان من آثاره ظهور الموشحات والأزجال. وهذه هي الصورة العامة لشخصية الأندلس، وهي شخصية رشحت لها البيئة والطبيعة.
أما السكان فقد كانوا من عناصر متباينة على نحو ما قدمنا، وجعلهم هذا التباين لا يهدءون ولا يستقرون، بل دائمًا ثورات وحروب داخلية. وأكبر الظن أن هذه الثورات والحروب هي التي جعلت الأندلس لا تستفيد كثيرًا
стр. 452
من الحضارات القديمة التي اتصلت بها سواء الحضارة الفينيقية أو الحضارة الرومانية.
ونحن لا نبالغ إذا قلنا بأن شخصية الأندلس في الأدب العربي ليست من القوة كما ينبغي؛ وخاصة إذا أهملنا جانب البيئة، فمما لا شك فيه أن هذا الجانب أثَّر أثرًا واضحًا في طبيعة الأدب الأندلسي شعره ونثره. غير أننا إذا تركنا هذا الجانب لم نكد نجد شيئًا آخر؛ فقد كانت الكتلة الأندلسية تنساق نحو تقليد المشرق بكل ما فيه، وحتى شعر الطبيعة عندهم لم يأتوا فيه بجديد سوى الكثرة، أما بعد ذلك فصورته كله بما فيها من أفكار وأخيلة وأساليب هي الصورة المشرقية. ونحن لا نغلو إذا قلنا: إن الأدب الأندلسي مدين في نهضته للتراث العربي العام، وهو تراث كان مشتركًا بين الأقاليم العربية كلها لا يختص به إقليم دون إقليم، وكأني بالأندلس لم تجد من الوقت ما تتعمق به الثقافة الرومانية التي تثقفتها قديْمًا على الرغم من اتخاذها اللاتينية، فلما جاء العرب لم يجدوها تحرز تراثًا لاتينيًّا واسعًا تستطيع أن تحتفظ به لنفسها وتدمجه في التراث العربي العام. وما أراني أبعد إذا قلت إن الأندلس كانت تستمد نهضتها وحياتها من بغداد شأنها في ذلك شأن الأقاليم الأخرى. وكان يمكن أن يقوم بينها وبين المشرق فوارق وحواجز لو أنها بدأت حياة عقلية مستقلة عن حياة المشرق تعتمد على ترجمة ما تعرفه من آثار لاتينية؛ غير أنها لم تتجه هذه الوجهة، بل غرقت إلى آذانها في الثقافة العربية العامة التي نهضت بها بغداد، وآية ذلك أنها لم تقم بها حركة ترجمة كالتي قامت في بغداد فقد كانت تقرأ الثقافات الأجنبية فيما يأتيها من هناك.
وإن الإنسان ليخيل إليه أن الأندلس كانت تقلد المشرق في جميع جوانب الحياة، كما كان الشأن في "أميركا" الحديثة حين هاجر أهلها من أوربا؛ فإنهم ظلوا يستمدون من قارتهم القديمة ما شكَّلوا به حياتهم وعلمهم وفنهم. وهذا نفسه ما حدث بالأندلس؛ فقد سمى العرب هناك بعض البلدان التي نزلوها بأسماء بلدان المشرق، على نحو ما صنع الأوربيون حين نزلوا في أمريكا، فكما سمى
стр. 453
هؤلاء نيوأورليانس ونيويورك ونحوهما، سمى العرب في الأندلس بلدانًا قديمة باسم دمشق وقنسرين وحمص وفلسطين، وأخذوا يعيشون على نمط يشبه نمط معيشة العرب في المشرق، واتصل ذلك بحياتهم في جميع ضروبها ومظاهرها من سياسية واجتماعية وعقلية وفنية. أما حياتهم السياسية فقد حاولوا أن يجعلوها كالحياة السياسية في بغداد إذ نرى الناصر يلقب نفسه بالخليفة١، ويلقب أمراء الطوائف أنفسهم بالرشيد والمأمون والمتوكل والناصر والمنصور والمعتمد، يقول ابن شرف القيرواني٢:
مما يزهِّدني في أرضِ أندلُس ... أسماءُ معتضدٍ فيها ومعتمدِ
ألقابُ مملكةٍ في غير موضِعِها ... كالهر يحكي انتفاخًا صولةَ الأسدِ
أما الحياة الاجتماعية فقد عم التأثر فيها كل شيء؛ إذ نرى الخلفاء يهتمون بالغناء والموسيقى على نحو ما رأينا في بلاط هارون الرشيد والمأمون، وبدأت هذه الموجة مع وفود زرياب عام ٢٠٦ للهجرة على الأندلس، وكان قد تعلم فن الموسيقى والغناء على إسحاق الموصلي، ثم رحل إلى الأندلس. ويذكر له صاحب نفح الطيب تأثرًا واسعًا في الحياة الاجتماعية لا يقف عند الغناء وما عرف به من إنشاء مدرسة هناك ثم ما كان من إصلاحه للعود وزيادته وترًا على أوتاره يمثل النفس، بل يمتد إلى جوانب أخرى؛ فقد شرع للناس ضروب من البِدْع البغدادي في الزينة والطعام والشراب والاستقبال، فهم يروون أنه سن لهم أن تكون أواني الشرب من زجاج وكانت من ذهب وفضة، كما سن لهم ما يحسن أن يلبسوه ويأكلوه، وكيف يتزين النساء، وكيف يصففن شعورهن إلى غير ذلك من وسائل الحياة الاجتماعية والتأنق فيها٣.
أما الحياة الفنية، ونقصد حياة العمارة والبناء فيظهر أن الأندلس تأثرت صورة الزخرف العربي العام، إذ يقولون إن زخرفة قصر الحمراء -المعروف
стр. 454
بغرناطة، والذي يشغل مكانة خاصة ممتازة بين المخلدات الأندلسية- تتصل بتقاليد الفن الإسلامي العام، وبالأخص فن ما بين النهرين أكثر منها بالتقاليد الإسبانية والإفريقية١.
أما الحياة العقلية؛ فقد كان التأثر فيها بالمشرق بينًا واضحًا، وقد تتبع صاحب نفح الطيب في ثبتين طويلين من رحلوا من الأندلس إلى المشرق للتزود بالعلم ومن رحلوا من المشرق إلى الأندلس طلبًا للثروة أو للمجد العلمي والشهرة، وأقبل الأندلسيون على هؤلاء العلماء الوافدين عليهم يأخذون عنهم ويتعلمون، كما نرى في حياة أبي على القالي وأماليه التي أملاها هناك. وكنت الأندلس بطيئة -على ما يظهر- في تلقي الحياة العقلية من المشرق لكثرة ما كان فيها من فتن وخصومات.
والحق أن الأندلس أبطأت في حركتها العقلية، وإنه لينبغي أن نحترس من هذا الفصل الذي عقده "صاعد" في كتابه طبقات الأمم، يستعرض فيه العلم في الأندلس، ويذكر أسماء جماعة كانوا في القرن الرابع كأبي عبيد البلنسي؛ فإن هؤلاء لم يكونوا علماء بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة؛ إنما كانوا مثقفين بالثقافة العربية العامة التي لم تكن تتجاوز عندهم شيئًا من الرياضيات والطبيعيات وبعض المعارف الطبية. وأسرعت الأندلس إلى الاهتمام بالثقافة الدينية، بل كادت أن لا تشغل نفسها بشيء سواها، يقول صاحب نفح الطيب: "وقراءة القرآن بالسبع، ورواية الحديث عندهم رفيعة، وللفقه رونق ووجاهة ولا مذهب لهم إلا مذهب مالك". ويقول: "كل العلوم لها عندهم حظ إلا الفلسفة والتنجيم، فإنه كلما قيل فلان يقرأ الفلسفة أو يشتغل بالتنجيم أطلقت عليه العامة اسم زنديق، وقيدت عليه أنفاسه فإن زلَّ في شبهة رجموه بالحجارة أو حرقوه قبل أن يصل أمره للسلطان، أو يقتله السلطان تقربًا للعامة، وكثيرًا ما يأمر ملوكهم بإحراق كتب هذا الشأن إذا وجدت، وبذلك تقرب المنصور
стр. 455
ابن أبي عامر لقلوبهم أول نهوضه"١. والمنصور بن أبي عامر هو أهم وزير للأمويين في القرن الرابع؛ إذ توفي عام ٣٩٢ للهجرة، ويقول ابن عذاري بصدده: "وكان المنصور أشد الناس في التغير على من عنده شيء من الفلسفة والجدل في الاعتقاد والتكلم في شيء من قضايا النجوم وأدلتها والاستخفاف بشيء من أمور الشريعة وأحرق ما كان في خزائن الحكم -الخليفة الأموي- من كتب الدهرية والفلاسفة بمحضر كبار العلماء"٢
وليس من شك في أن ذلك كله كان سببًا في بطء الحياة العقلية وتأخر نموها في الأندلس، ونحن نعرف أن أول فيلسوف أندلسي هو ابن باجة المتوفى عام ٥٣٣ للهجرة؛ فالأندلس لم تتعمق الفلسفة إلا في عصر متأخر، ولعلها من أجل ذلك اعتنقت مذهب مالك وفضلته على غيره من المذاهب؛ لأنه لم يكن معقدًا بفلسفة، ولاحظ ذلك ابن خلدون، وعلل له ببداوة أهل الأندلس وأنهم لم يكونوا يعانون الحضارة التي لأهل العراق؛ فآثروا هذا المذهب لمناسبة البداوة بينهم وبين أهل الحجاز٣. ويمكن أن نعلل بنفس العلة لعدم اتساع موجة التفكير الإباحي الماجن عندهم على نحو ما نعرف في المشرق، كما أنه لم يظهر عندهم شاعر متفلسف متشائم كأبي العلاء.
وإذا تركنا الحياة العقلية في الأندلس إلى الحياة الأدبية وجدنا ظاهرة التقليد للمشرق واضحة جلية؛ إذ تصاغ الكتب الأدبية عند الأندلسيين على شكل الكتب الأدبية عند المشارقة، يصاغ "العقد الفريد" على شكل "عيون الأخبار" ويراه الصاحب بن عبَّاد فيقول هذه بضاعتنا ردت إلينا، ويصاغ كتاب "الحدائق" لأبي فرج الجياني في أهل زمانه على شكل كتاب "الزهرة" للأصبهاني"٤، ويصاغ كتاب "الذخيرة" لابن بسام على شكل كتاب "اليتيمة"
стр. 456
للثعالبي١. والحق أن الحركة الأدبية في الأندلس صيغت صياغة على شكل الحركة الأدبية في المشرق، وقد نعجب من ذلك الآن، ولكن من يتعمق دراسة الأندلس يعرف سرعة الاتصال بينها وبين المشرق؛ فعلماؤها وأدباؤها يرحلون إليه كما يرحل إليها علماؤه وأدباؤه، ومن لم يذهب من المشرق إلى الأندلس أرسل إليه بآثاره، أو نقلها إليه هؤلاء الأندلسيون الذين يجوبون الأقطار الشرقية للبحث عن المنابع الهامة للأدب والثقافة، ولعل من الغريب أن يعرف القارئ أن كتابي "البيان والتَّبَيُّن" و"التربيع والتدوير" نقلًا في حياة الجاحظ إلى الأندلس٢ وأرسل أبو الفرج الأصبهاني لعبد الرحمن الناصر نسخة من كتابه "الأغاني" كما نُقِل ديوان المتنبي في حياته إلى الأندلس نقله ابن الأشج الذي قابل المتنبي في الفسطاط عام ٣٤٦ للهجرة، وبذلك استطاع ابن هانئ المعاصر له أن يتأثره تأثرًا واضحًا. ويذكر صاحب الذخيرة أن ابن شهيد كان يستعير معاني أبي العلاء في بعض أشعاره٣ فإذا عرفنا أن ابن شهيد توفي عام ٤٢٦ للهجرة؛ بينما توفي أبو العلاء عام ٤٤٩ عرفنا إلى أي حد كانت سرعة الاتصال بين الأندلس والمشرق.
ومن يقرأ في الذخيرة ويتابع الأدباء والشعراء في تقليدهم لأدباء المشرق وشعرائه يخيل إليه أن القوم قد حبسوا أنفسهم داخل الإطار العام للأدب العربي، فهم يضعون المشرق نصب أعينهم يتخذون منه مُثُلَهُم الأدبية العُليا، وقد كتب ابن شهيد رسالة "التوابع والزوابِع" وذكر فيها أسماء شياطين الشعراء الذين أجازوه، وكلهم من شعراء المشرق الذين نعرفهم، أمثال أبي نواس وأبي تمام والبحتري والمتنبي٤، وكان الأندلسيون حتى عصر ابن خلدون لا يزالون يقولون: "إن أصول علم الأدب وأركانه أربعة دواوين، وهي أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرد، وكتاب البيان والتبيين
стр. 457
للجاحظ، وكتاب النوادر لأبي علي القالي البغدادي"١، وليس في هذه الأصول والأركان شيء لأهل الأندلس. وما أظننا نسرف إذا قلنا بعد ذلك إن الأندلسيين كانوا يعيشون على تقليد أهل المشرق، ولعل ذلك ما جعل صاحب الذخيرة يقول فيهم: "إن أهل هذا الأفق أَبَوْا إلا متابعة أهل المشرق يرجعون إلى أخبارهم المعتادة رجوع الحديث إلى قتادة، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب، أو طن بأقصى الشام والعراق ذباب، لجثوا على هذا صنمًا، وتلوا ذلك كتاب محكمًا "٢.
стр. 458
٣- الشِّعْرُ في الأَنْدَلُسِ:
رأينا الأندلس تؤسس حياتها العقلية والأدبية على أسس مشرقية، وجعلها ذلك تعيش في فنها وشعرها داخل الإطار المشرقي العام؛ إذ كانت الفكرة الأساسية عند من يريد أن يكتب شعرًا أن يكون شعره على نمط الشعر عند المشارقة من القدماء أو العباسيين. ومعنى ذلك أن الشاعر الأندلسي لم يحاول أن يخضع الشعر العربي لشخصيته؛ بل رأيناه هو يخضع له، فهو يخضع لموضوعاته المعروفة في المشرق كما يخضع لأفكاره ومعانيه وأخيلته وأساليبه ولعل من المهم أن نعرف أنه مرت على الأندلس فترة طويلة قبل أن تجد شاعرًا ممتازًا تستطيع أن تلقى به شعراء المشرق، وأكبر الظن أن ذلك يرجع إلى كثرة ما كان فيها من فتن وثورات وخصومات فكأنها لم تهدأ لنفسها حتى تستطيع أن تنتج شاعرًا ممتازًا إذ كانت دائمًا في حروب داخلية يثيرها العرب وما بين المضرية واليمنية عندهم من خصومات قديمة، ثم يثيرها ما كان يقوم بين العرب وبين البربر من جهة، ثم بينهم وبين المسيحيين الشماليين من جهة أخرى.
ومهما يكن فقد كانت مُثُل الأندلسيين في الشعر هي نفس مثل المشارقة، ومع ذلك فنحن لا نكاد نعرف للأندلس شاعرًا ممتازًا في القرنين الثاني والثالث
стр. 459
للهجرة سوى يحيى بن الحكم الغزال شاعر الأمير عبد الرحمن الثاني "٢٠٦- ٢٣٨هـ" وقد سفر بينه وبين أمراء أوربا وقدم في بعض هذه السفارات على أحد أمراء النورمان في جزائر الدانمارك، وأثبت ابن دحية بعض أشعاره في "المطرب" وهي أشعار جيدة. وأهم منه ابن عبد ربه صاحب كتاب "العقد الفريد" المتوفى عام ٣٢٨ للهجرة، فقد تعلق بصنع الشعر وترك فيه ديوانًا لم يصلنا؛ غير أن ما نقله ياقوت وابن خلِّكان عنه يدل على أنه متكلف في شعره كقوله:
يا ذا الذي خط العذارُ بوجهِِهِ ... خطين هاجا لوعةً وبلابلا
ما صح عندي أن لحظك صارمٌ ... حتى لبست بعارضيكَ حَمَائلا
وواضح في هذا التصوير من تكلف إذا وصف اللحظ بالسيف الصارم، وكان التشبيه حتى الآن طبيعيًّا؛ ولكنه أراد أن يبعد فزاد تلك البقية التي تجعل العذارين حمائل للسيف، أرأيت إلى هذا البعد في الخيال وهذا التكلف؟ ومع ذلك فقد كان لابن عبد ربه قطع أخرى لا يبدو فيها هذا التكلف الشديد كقوله:
وبدت لي فأشرقَ الصبحُ منها ... بين تلك الجيوبِ والأطواقِ
يا سقيمَ الجفونِ من غيرِ سَقَمٍ ... بين عينيك مصرعُ العشَّاقِ
إن يوم الفراقِ أفظعُ يوم ... ليتني مت قبل يومِ الفِراقِ
وله قطع أخرى أكثر من هذه رقة وسهولة. ولعله من المهم أن نعرف أن الشعر الأندلسي يفقد الوحدة منذ ابن عبد ربه؛ إذ نجد الشاعر الواحد يتكلف في قطعة ويخفف من تكلفه في أخرى، فتحار أهو من مذهب الصانعين أم هو من مذهب المتصنعين أم هو من مذهب المصنعين، فقطعة فيها صنعة وثانية فيها تصنُّع وثالثة فيها تصنيع على غير نظام أو نسق معين.
ولذلك كان الباحث يضطرب في الحكم على الشارع الأندلسي؛ فبينما يحكم عليه بأنه من ذوق الصانعين إذا به يجد عنده نموذجًا من ذوق المصنعين أو المتصنعين، وكذلك الأمر إن هو حكم عليه بأحد الذوقين الآخرين. وقد يكون من أسباب ذلك أن هذه المذاهب كانت تتفارق في المشرق مفارق واضحة، إذ توجد مع التطور في الحياة والحضارة، فالصانعون يسبقون المصنعين ويأتي
стр. 460
المتصنعون من ورائهم، أما في الأندلس فإنه يوجد هناك تطور بين هذه المذاهب؛ إذ بدأت نهضة الشعر هناك متأخرة عن نشوء هذه المذاهب في المشرق، فكان الشعراء يحاكونها جميعًا في غير نظام ولا نسق واضح. ونحن نقف قليلًا عند شاعرين مهمين ظهرًا بعد ابن عبد ربه في القرن الرابع، وهما ابن هانئ الأندلسي وابن دراج القَسْطَلي.
ابْنُ هانِئٍ الأَنْدلُسي:
هو أبو القاسم محمد بن هانئ١، وهو عربي الأصل إذ ينسب إلى المهلب بن أبي صفرة الأزدي الذي اشتهر بحروبه وانتصاراته على الخوارج وفي خراسان لعصر بني أمية. ويسمى ابن هانئ الأندلسي تمييزًا له من ابن هانئ الحكمي المكنى بأبي نواس الشاعر المعروف. وقد ولد بإشبيلية عام ٣١٦ للهجرة، وكان أبوه قد هاجر إليها من المهدية في شمالي إفريقيا وعني بابنه وبتربيته، ولم يلبث أن تدفق الشعر على لسانه؛ فلمع اسمه، وقربه منه حاكم بلدته. غير أنه أكثر من الانهماك في الملاذ، وأظهر استهتارًا وزندقة، ونقم عليه أهل إشبيلية ذلك، وامتدت نقمتهم إلى الحاكم الذي يرعاه، فنصحه أن يبتعد عنهم مدة، فولى وجهه نحو المغرب وعمره سبعة وعشرون عامًا. وكانت جيوش الفاطميين تتوغل فيها بقيادة جوهر الصقلي، فألم به وقدَّم إليه إحدى مدائحه، لكنه لم يثبه الثواب الذي كان ينتظره، فتركه إلى جعفر ويحيى ابني علي، وكانا واليين على الزاب في المغرب الأوسط للمعز الفاطمي، فأجزلا له في العطاء، وسمع به المعز فطلبه منهما، وقدم عليه ابن هانئ، فبالغ في الإنعام عليه، حتى تحول إليه بقلبه، وآمن بعقيدته الشيعية وكل أصولها المذهبية. وخرج مع المعز حين فتح مصر ينشده مدائحه، ولكنه عاد ليحضر أولاده وأهله، ووصل بهم إلى برقة، ونفجأ بقتله فيها سنة ٣٦٢ وربما دبَّر هذا القتل بعض خصوم المعز هناك حتى لا ينعم بهذه التحفة النادرة.