← Адаб

Адаб · id 8666

الفن ومذاهبه في الشعر العربي

شوقي ضيف

Полный текст (574 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

للثعالبي١. والحق أن الحركة الأدبية في الأندلس صيغت صياغة على شكل الحركة الأدبية في المشرق، وقد نعجب من ذلك الآن، ولكن من يتعمق دراسة الأندلس يعرف سرعة الاتصال بينها وبين المشرق؛ فعلماؤها وأدباؤها يرحلون إليه كما يرحل إليها علماؤه وأدباؤه، ومن لم يذهب من المشرق إلى الأندلس أرسل إليه بآثاره، أو نقلها إليه هؤلاء الأندلسيون الذين يجوبون الأقطار الشرقية للبحث عن المنابع الهامة للأدب والثقافة، ولعل من الغريب أن يعرف القارئ أن كتابي "البيان والتَّبَيُّن" و"التربيع والتدوير" نقلًا في حياة الجاحظ إلى الأندلس٢ وأرسل أبو الفرج الأصبهاني لعبد الرحمن الناصر نسخة من كتابه "الأغاني" كما نُقِل ديوان المتنبي في حياته إلى الأندلس نقله ابن الأشج الذي قابل المتنبي في الفسطاط عام ٣٤٦ للهجرة، وبذلك استطاع ابن هانئ المعاصر له أن يتأثره تأثرًا واضحًا. ويذكر صاحب الذخيرة أن ابن شهيد كان يستعير معاني أبي العلاء في بعض أشعاره٣ فإذا عرفنا أن ابن شهيد توفي عام ٤٢٦ للهجرة؛ بينما توفي أبو العلاء عام ٤٤٩ عرفنا إلى أي حد كانت سرعة الاتصال بين الأندلس والمشرق. ومن يقرأ في الذخيرة ويتابع الأدباء والشعراء في تقليدهم لأدباء المشرق وشعرائه يخيل إليه أن القوم قد حبسوا أنفسهم داخل الإطار العام للأدب العربي، فهم يضعون المشرق نصب أعينهم يتخذون منه مُثُلَهُم الأدبية العُليا، وقد كتب ابن شهيد رسالة "التوابع والزوابِع" وذكر فيها أسماء شياطين الشعراء الذين أجازوه، وكلهم من شعراء المشرق الذين نعرفهم، أمثال أبي نواس وأبي تمام والبحتري والمتنبي٤، وكان الأندلسيون حتى عصر ابن خلدون لا يزالون يقولون: "إن أصول علم الأدب وأركانه أربعة دواوين، وهي أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرد، وكتاب البيان والتبيين

стр. 457

للجاحظ، وكتاب النوادر لأبي علي القالي البغدادي"١، وليس في هذه الأصول والأركان شيء لأهل الأندلس. وما أظننا نسرف إذا قلنا بعد ذلك إن الأندلسيين كانوا يعيشون على تقليد أهل المشرق، ولعل ذلك ما جعل صاحب الذخيرة يقول فيهم: "إن أهل هذا الأفق أَبَوْا إلا متابعة أهل المشرق يرجعون إلى أخبارهم المعتادة رجوع الحديث إلى قتادة، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب، أو طن بأقصى الشام والعراق ذباب، لجثوا على هذا صنمًا، وتلوا ذلك كتاب محكمًا "٢.

стр. 458

٣- الشِّعْرُ في الأَنْدَلُسِ: رأينا الأندلس تؤسس حياتها العقلية والأدبية على أسس مشرقية، وجعلها ذلك تعيش في فنها وشعرها داخل الإطار المشرقي العام؛ إذ كانت الفكرة الأساسية عند من يريد أن يكتب شعرًا أن يكون شعره على نمط الشعر عند المشارقة من القدماء أو العباسيين. ومعنى ذلك أن الشاعر الأندلسي لم يحاول أن يخضع الشعر العربي لشخصيته؛ بل رأيناه هو يخضع له، فهو يخضع لموضوعاته المعروفة في المشرق كما يخضع لأفكاره ومعانيه وأخيلته وأساليبه ولعل من المهم أن نعرف أنه مرت على الأندلس فترة طويلة قبل أن تجد شاعرًا ممتازًا تستطيع أن تلقى به شعراء المشرق، وأكبر الظن أن ذلك يرجع إلى كثرة ما كان فيها من فتن وثورات وخصومات فكأنها لم تهدأ لنفسها حتى تستطيع أن تنتج شاعرًا ممتازًا إذ كانت دائمًا في حروب داخلية يثيرها العرب وما بين المضرية واليمنية عندهم من خصومات قديمة، ثم يثيرها ما كان يقوم بين العرب وبين البربر من جهة، ثم بينهم وبين المسيحيين الشماليين من جهة أخرى. ومهما يكن فقد كانت مُثُل الأندلسيين في الشعر هي نفس مثل المشارقة، ومع ذلك فنحن لا نكاد نعرف للأندلس شاعرًا ممتازًا في القرنين الثاني والثالث

стр. 459

للهجرة سوى يحيى بن الحكم الغزال شاعر الأمير عبد الرحمن الثاني "٢٠٦- ٢٣٨هـ" وقد سفر بينه وبين أمراء أوربا وقدم في بعض هذه السفارات على أحد أمراء النورمان في جزائر الدانمارك، وأثبت ابن دحية بعض أشعاره في "المطرب" وهي أشعار جيدة. وأهم منه ابن عبد ربه صاحب كتاب "العقد الفريد" المتوفى عام ٣٢٨ للهجرة، فقد تعلق بصنع الشعر وترك فيه ديوانًا لم يصلنا؛ غير أن ما نقله ياقوت وابن خلِّكان عنه يدل على أنه متكلف في شعره كقوله: يا ذا الذي خط العذارُ بوجهِِهِ ... خطين هاجا لوعةً وبلابلا ما صح عندي أن لحظك صارمٌ ... حتى لبست بعارضيكَ حَمَائلا وواضح في هذا التصوير من تكلف إذا وصف اللحظ بالسيف الصارم، وكان التشبيه حتى الآن طبيعيًّا؛ ولكنه أراد أن يبعد فزاد تلك البقية التي تجعل العذارين حمائل للسيف، أرأيت إلى هذا البعد في الخيال وهذا التكلف؟ ومع ذلك فقد كان لابن عبد ربه قطع أخرى لا يبدو فيها هذا التكلف الشديد كقوله: وبدت لي فأشرقَ الصبحُ منها ... بين تلك الجيوبِ والأطواقِ يا سقيمَ الجفونِ من غيرِ سَقَمٍ ... بين عينيك مصرعُ العشَّاقِ إن يوم الفراقِ أفظعُ يوم ... ليتني مت قبل يومِ الفِراقِ وله قطع أخرى أكثر من هذه رقة وسهولة. ولعله من المهم أن نعرف أن الشعر الأندلسي يفقد الوحدة منذ ابن عبد ربه؛ إذ نجد الشاعر الواحد يتكلف في قطعة ويخفف من تكلفه في أخرى، فتحار أهو من مذهب الصانعين أم هو من مذهب المتصنعين أم هو من مذهب المصنعين، فقطعة فيها صنعة وثانية فيها تصنُّع وثالثة فيها تصنيع على غير نظام أو نسق معين. ولذلك كان الباحث يضطرب في الحكم على الشارع الأندلسي؛ فبينما يحكم عليه بأنه من ذوق الصانعين إذا به يجد عنده نموذجًا من ذوق المصنعين أو المتصنعين، وكذلك الأمر إن هو حكم عليه بأحد الذوقين الآخرين. وقد يكون من أسباب ذلك أن هذه المذاهب كانت تتفارق في المشرق مفارق واضحة، إذ توجد مع التطور في الحياة والحضارة، فالصانعون يسبقون المصنعين ويأتي

стр. 460

المتصنعون من ورائهم، أما في الأندلس فإنه يوجد هناك تطور بين هذه المذاهب؛ إذ بدأت نهضة الشعر هناك متأخرة عن نشوء هذه المذاهب في المشرق، فكان الشعراء يحاكونها جميعًا في غير نظام ولا نسق واضح. ونحن نقف قليلًا عند شاعرين مهمين ظهرًا بعد ابن عبد ربه في القرن الرابع، وهما ابن هانئ الأندلسي وابن دراج القَسْطَلي. ابْنُ هانِئٍ الأَنْدلُسي: هو أبو القاسم محمد بن هانئ١، وهو عربي الأصل إذ ينسب إلى المهلب بن أبي صفرة الأزدي الذي اشتهر بحروبه وانتصاراته على الخوارج وفي خراسان لعصر بني أمية. ويسمى ابن هانئ الأندلسي تمييزًا له من ابن هانئ الحكمي المكنى بأبي نواس الشاعر المعروف. وقد ولد بإشبيلية عام ٣١٦ للهجرة، وكان أبوه قد هاجر إليها من المهدية في شمالي إفريقيا وعني بابنه وبتربيته، ولم يلبث أن تدفق الشعر على لسانه؛ فلمع اسمه، وقربه منه حاكم بلدته. غير أنه أكثر من الانهماك في الملاذ، وأظهر استهتارًا وزندقة، ونقم عليه أهل إشبيلية ذلك، وامتدت نقمتهم إلى الحاكم الذي يرعاه، فنصحه أن يبتعد عنهم مدة، فولى وجهه نحو المغرب وعمره سبعة وعشرون عامًا. وكانت جيوش الفاطميين تتوغل فيها بقيادة جوهر الصقلي، فألم به وقدَّم إليه إحدى مدائحه، لكنه لم يثبه الثواب الذي كان ينتظره، فتركه إلى جعفر ويحيى ابني علي، وكانا واليين على الزاب في المغرب الأوسط للمعز الفاطمي، فأجزلا له في العطاء، وسمع به المعز فطلبه منهما، وقدم عليه ابن هانئ، فبالغ في الإنعام عليه، حتى تحول إليه بقلبه، وآمن بعقيدته الشيعية وكل أصولها المذهبية. وخرج مع المعز حين فتح مصر ينشده مدائحه، ولكنه عاد ليحضر أولاده وأهله، ووصل بهم إلى برقة، ونفجأ بقتله فيها سنة ٣٦٢ وربما دبَّر هذا القتل بعض خصوم المعز هناك حتى لا ينعم بهذه التحفة النادرة.

стр. 461

ومن يرجع إلى ديوانه يجد أكثره في المديح، ومعانيه فيه هي نفس المعاني التي نلقاها في الشعر العربي عند العباسيين ومن قبلهم، وإن كنا نلاحظ في مديحه للمعز وقوفًا طويلًا عند صفاته الإمامية، وشعره في هذه الناحية مرجع مهم لمن يبحثون في العقيدة الفاطمية وكل ما كان يؤمن به دعاتهم من صفات عُلْوية في الإمام؛ إذ كانوا يؤمنون بأنه معصوم وأنه عالم بالظاهر والباطن وأنه يكون شفيعًا لأوليائه يوم القيامة، ولا يزالون به حتى يضعوه فوق البشر ويضفون عليه من القدسية والجلال ما يجعله روحًا من الله، بل ما يجعله سبب الوجود وعلة الحياة. وتكثر هذه المعاني وما يتصل بها في شعر ابن هانئ كثرة مفرطة كقوله١: وما كُنْهُ هذا النورِ نورِ جبينه ... ولكنَّ نورَ اللهِ فيه مشاركُ وقوله٢: ولله علمٌ ليس يحجبُ دونَكُمْ ... ولكنَّهُ عن سائرِ الناسِ محجوبُ وقوله٣: مؤيدٌ باختيارِ اللهِ يصحبُهُ ... وليس فيما أراه اللهُ من خَلَلِ وقد شهدتُ له بالمعجزات كما ... شهدت لله بالتوحيدِ والأزلِ وقوله٤: أرى مدحه كالمدح لله إنه ... قنوتٌ وتسبيحٌ يحطُّ به الوزْرُ وقوله٥: هو علَّةُ الدُّنيا ومن خُلقت له ... ولعلة ما كانت الأشياءُ وقوله٦: ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ ... فاحكمْ فأنتَ الواحدُ القهارُ وقوله حين نزل المعز بمدينة رقادة بجوار القيروان٧:

стр. 462

حلّ برقادةَ المسيحُ ... حلَّ بها آدم ونوحُ حلَّ بها الله ذو المعالي ... وكلُّ شيءٍ سواه ريحُ فالمعز في رأيه تحل فيه أرواح الأنبياء، بل يحل فيه الله -تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا- ومرَّ بنا شيء من هذه المبالغات عند المتنبي، وكان شيعيًّا غير أن ابن هانئ تجاوز فيه كل حد مردِّدًا عقيدة الشيعة الإسماعيلية في إمامهم، وكان هو نفسه من تابعيه ومريديه، ولعل هذا نفسه ما جعل المعز يأسف ويتحسر عليه حين بلغته وفاته. ولسنا أول من يربط بينه وبين المتنبي؛ فقد كان الأندلسيون أنفسهم يسمونه متنبي المغرب، ومن يقرأ ديوانه يجده يحتذي على مثاله، في كثير من أشعاره. غير أنه لا يستقي منه وحده فقد كان يعجب أيضًا بمذهب المصنعين، وفسح في شعره لأخيلة وصور كثيرة كقوله في فاتحة إحدى مدائحه للمعز١: فُتِقَتْ لكم ريحُ الجلاد بعنبرِ ... وأمدكم فلقُ الصباحِ المسْفِرِ٢ وجنيتُم ثمرَ الوقائع يانعًا ... بالنَّصرِ من ورق الحديد الأخضرِ٣ فقد تصور الجلاد وعراك الأبطال ريحًا عاصفًا يفوح منه العنبر والطيب، وهو يهبُّ في الصباح المشرق، وبالغ في التصور والتكلف ما شاء حتى تخيل السيوف شجرًا له ورق وثمر، وهم يجنون منه النصر والظفر. فتصوير المصنعين عنده ينتهي إلى هذه المبالغات الغريبة. ومن الحق أنه كان يحسن في هذا الباب، ولعل ذلك ما يجعل قصائده في وصف أساطيل المعز تروع قارئها لما يجد عنده من تفنن في التصوير، وهو لا يقف بهذا التفنن عند المديح ووصف الأساطيل بل يذيعه في ضروب شعره الأخرى من غزل وغير غزل، كمقطوعته المشهورة ٤: فتكتاتُ طرفُك أم سيوفُ أبيكِ ... وكئوسُ خمرٍ أم مراشفُ فيكِ فهو إذن يخلط في شعره بين مذهبي التصنيع والتصنع، ومما لا شك فيه أنه كان معجب بالمتنبي وأنه كان يستوحيه في كثير من قصائده ومعانيه،

стр. 463

ونراه ينفذ مثله في الرثاء إلى ذم الدهر والشكوى من الحياة كقوله في رثاء غلام١: وهب الدهر نفيسًا فاسترد ... ربما جادَ بخيلٌ فحسدْ كلما أعطَى فوفَّى حاجةً ... بيدٍ شيئًا تلقَّاه بيدْ خاب من يرجو زمانًا دائمًا ... تعرف البأساءَ منه والنكدْ فإذا ما كدَّر العيش نَمَا ... وإذا ما طيب الزاد نفدْ وعلى هذا النحو كان يقتدي بالمتنبي تارة، ويقتدي بالمصنعين تارة أخرى؛ فهو لا يثبت عند مذهب بعينه. ونستطيع أن نسلك في اقتدائه بالمتنبي عنايته في شعره بالغريب والقوافي الشاذة فهو ينظم على الثاء والخاء ونحوهما من الحروف الصعبة حتى يثبت تفوقه. وإذا كنا لاحظنا في غير هذا الموضع على المتصنعين أنهم كانوا إذا عمدوا إلى التصنيع لفوا ولفقوا فإننا نلاحظ ذلك نفسه عند ابن هانئ، إذ كان يأتي المعاني والأخيلة من بعيد، وكان يستر ذلك بما تعوده من ضخامة التعبير. روى الرواة أن أبا العلاء كان إذا سمع شعره يقول: ما أشبِّهه إلا برحىً تطحن قرونًا لأجل القعقعة التي في ألفاظه، ويزعم أنه لا طائل تحت تلك الألفاظ٢. وما هذه القعقعة وما يندرج فيها من عدم الطائل والفائدة إلا ما نشير إليه من طنطنته بالألفاظ والأساليب الضخمة، فإذا ما بحثنا هذه الأساليب لم نجد شيئًا غير التلفيق واللف وإتيان المعنى من بعيد، ولعل ذلك ما جعل ابن رشيق يقول عنه: "وفرقةٌ أصحاب جلبة وقعقعة بلا طائل معنى إلا القليل النادر كأبي القاسم بن هانئ ومن جرى مجراه فإنه يقول أول مذهبته: أصاخت فقالتْ وقعُ أجردشيظَمِ ... وشامت، فقالت: لمع أبيض مخذمِ٣ وما ذعرت إلا بجرسِ حُلِيِّها ... ولا رمقت إلا بُرى في مخدَّمِ٤ وليس تحت هذا كله إلا الفساد وخلاف المراد، ما الذي يفيدنا أن تكون

стр. 464

هذه المنسوب بها لبست حليها فتوهمته بعد الإصاخة والرمق وقع فرس أو لمع سيف؛ غير أنها مغزوَّة في دارها، أو جاهلة بما حملته من زينتها، ولم يخف عنا مراده أنها كانت تترقبه، فما هذا كله؟ ١" ونحن نرى من هذا النص أن ابن رشيق يلاحظ على ابن هانئ شيئين: الشيء الأول أنه قد تعلق بمعنى لا طرافة فيه، والشيء الثاني أنه لفَّ طويلا حول تعبيره عن فكرته قبل أن يؤديها، وكأني به تأثر قول المتنبي: يَرَونَ من الذُّعرِ صوتَ الرِّيَاحِ ... صهيلَ الجيادِ وخفقَ البُنُودِ فالمتنبي يقول إن أعداء الممدوح فروا منه، وهم يظنون في أثناء فرارهم أن صوت الرياح صهيل الجياد وخفق البنود لشدة فزعهم وخوفهم، فجاء ابن هانئ ونقل هذا المعنى من وصف الحرب إلى شعر الغزل ودار حوله هذا الدوران الطويل؛ فإذا صاحبته تتوهم لخوفها أن صوت حليها وقع أقدام فرسه، وأن لون خلخالها لون سيفه، أرأيت إلى هذا التكلف في التعبير؟ إنه لم يجلبه فن ولا زينه إنما جلبه تصنع ابن هانئ وتلفيقه للصور والأفكار العباسية وما يشفعه بها من نقل ولف ودوران. على أننا نعود فنلاحظ مرة أخرى أن هذا الشاعر المتصنع كان يستخدم أدوات التصنيع وخاصة أدوات التصوير؛ غير أنها تحولت في بعض جوانبها عنده إلى ضروب جديدة من التكلف والتصنع، وهذا هو معنى ما نقوله من أن الشاعر الأندلسي لا يستطيع أن يعيش في منهج عباسي واحد. هو لا يجدد ولا يحدث مذهبًا جديدًا وهو حين يعيش في منهج عباسي نراه لا يستمر فيه، بل يخلط بينه وبين غيره من المناهج، وهذا ابن هانئ أقرب الأندلسيين إلى ذوق التصنع نراه يجمع في شعره بين أدوات التصنيع والتصنع جميعًا، واقرأ هذه القطعة التي امتلأت بالصور والتشبيهات: كأن رقيبَ النَّجمِ أجدلُ مرقبٍ ... يقلبُ تحتَ اللَّيلِ في ريشه طرْفَا٢

стр. 465

كأنَّ بني نعيشٍ ونعشًا مطافلٌ ... بوجرة قد أضللن في مهمةٍ خَشَفا١ كأن سهيلًا في مطالعِ أفُقِهِ ... مفارقُ إلفٍ لم يجد بعده إلفا كأن سهاها عاشقٌ بين عوَّدٍ ... فآونةً يبدو، وآونةً يخفى٢ كأن معلَّى قُطْبها فارسٌ له ... لواءان مركوزان قد كره الزَّحْفا كأن قُدَامى النِّسر، والنسر واقعٌ ... قصصن فلم تسم الخوافي به ضَعْفَا٣ ومضى في القصيدة على هذا النحو يصنِّع لهذه التشبيهات التي يحس الإنسان إزاءها أنها جاءت لتعبر عن تلفيق لا لتعبر عن شعور وجمال؛ فكل ما هناك أن الشاعر يريد أن يثبت مهارته باستخدام "كأن" وما يتبعها من صور وأخيلة. وعلى هذا النمط كان الشاعر الأندلسي يجمع في شعره بين صور التصنيع والتصنع جميعًا. ابْنُ دَاَّرجٍ القَسْطَلِيّ: وهذا شاعر آخر يقرن بالمتنبي، عاش في القرن الرابع وصدر الخامس، وكان كاتب المنصور بن أبي عامر وزير الأمويين، كما كان شاعره٤، وقد ذكره الثعالبي في يتيمته، وقال في حقه: "كان بصقع الأندلس كالمتنبي بصقع الشام، وهو أحد الشعراء الفحول، وكان يجيد ما ينظم". ويقول ابن بسام عنه: "إنه كان لسان الجزيرة شاعرًا وأولًا حين عد معاصريه من شعرائها المشهورة،

стр. 466

وآخر حاملي لوائها، وبهجة أرضها وسمائها وأسوة كتَّابها وشعرائها، له عُقِد فخرها المحمول وسهم، وبه بدئ ذكرها الجميل وختم، حل اسمه من الأماني محل الأنس، وسار نظمه ونثره في الأقاصي والأداني مسير الشمس، وأحد من تضاءلت الآفاق عن جلالة قدره.."١. وقال أبو حيان عنه: "أبو عمر بن دراج القسطلي سبَّاق حلبة الشعراء العامريين وخاتمة محسني أهل الأندلس أجمعين"٢! وذكره ابن شهيد فقال: "الفرق بينه وبين غيره أنه شديد أسر الكلام، ثم زاد بما في أشعاره من الدليل على العلم بالخبر واللغة والنسب، وما تراه من حوكه للكلام، وملكه لأحرار الألفاظ، وسعة صدره، وجيشة بحره، وصحة قدرته على البديع، وطول طَلَقِهِ في الوصف، وبغيته للمعنى وترديده، وتلاعبه به وتكريره، وراحته بما يتعب الناس، وسعة نفسه فيما يُضَيِّقُ الأنفاس"٣. وواضح من آراء هؤلاء النقاد جميعًا أن ابن دراج كان شاعرًا ممتازًا حتى ليجعله أبو حيان خاتمة محسني أهل الأندلس أجمعين، وهي مبالغة من بعض الوجوه؛ ولكنها تدل على حقيقة مطوية فيها، وهي أن ابن دراج يعد من الشعراء الأفذاذ الذين ظهروا في الأندلس. ونرى صاحب اليتيمة يقرنه بالمتنبي، ويظهر أنه كان يتأثره في شعره تأثرًا شديدًا لا يقل عن تأثر ابن هانئ، وإن كنا نلاحظ أنه لم يستظهر في شعره شيئًا من العبارات الشيعية والصوفية؛ غير أنه بعد ذلك يستظهر جميع خصائص المتنبي؛ فهو يميل إلى الغريب في شعره من جهة، كما يميل إلى التصنع للثقافات من جهة أخرى. ثم هو بعد ذلك كابن هانئ يعنى باللفظ الطنان وقعقعاته، وقد تعلق -مثل المتنبي- في مطلع مدائحه بشكوى الدهر والسخط على الناس في عصره، وساعده على ذلك أنه كان عصر فتن وثورات على الأمويين واستعداد لظهور ملوك الطوائف. ويظهر أنه عرف بين الثائرين الناشئين بميله للأمويين؛ إذ كان شاعرًا ابن أبي عامر كما قدمنا، فازورَّت

стр. 467

عنه قلوب الملوك من حوله. يقول أبو حيان: "وكان ابن دراج من طرحت به تلك الفتنة الشنعاء واضطرته إلى النُّجعة؛ فاستقرى ملوكها أجمعين ما بين الجزيرة الخضراء وسرقسطة من الثغر الأعلى، يهز كلًا بمدحه يستعينهم على نكبته، وليس منهم من يصغي له، ولا يحفظ ما أضيع من حقه، وأُرْخِصَ من علقه١، وهو يخبطهم خبط العضاة٢ بمقوله، فيصمون عنه، إلى أن مر بعقوة٣ منذر بن يحيى أمير سرقسطة فألقى عصا سيره عند من بوّاه، ورحب به وأوسع قراه؛ فلم يزل عنده، وعند ابنه بعده، مادحًا لهما، مثنيًا عليهما، رافعًا من ذكرهما؛ غير باغ بدلًا بجوارهما، إلى أن مضى بسبيله، بعد أن جرت له ﵀ على إحسانه الباهر، في فتنة البرابر، مع أملاك الجزيرة في طول الاغتراب والنُّجعة أخبار شائعة، فيها لذي اللُّب موعظة بالغة٤". وهذا الجانب في حياة ابن دراج جعله يشتعل شكوى من الدهر، وقد وجد من أستاذه المتنبي خير مدد في هذا الصدد؛ فاستعار منه هذا الصوت، وذهب يكبره ما وسعه تكبيره. وربما كان لكثرة الفتن التي عاصرها أثر في اندلاع هذه الشكوى التي تغمر شعره. وهو يخلط بين منهجي التصنيع والتصنع في قصائده، واستمع إليه يخاطب ابنه مبشرًا بما لقى في رحاب منذر بن يحيى: أبنيّ لا تذهب بنفسك حسرةٌ ... عن غول رحلي منجدًا أو مغورا فلئن تركتَ الليلَ فوقي داجيًا ... فلقد لقيت الصبح بعدك أزهرا وحللت أرضًا بدِّلت حصباؤها ... ذهبًا يرفُّ لناظري وجوهرا ولتعلم الأملاك أني بعدها ... ألفيتُ كل الصيدِ في جوفِ الفرا٥ ورمى عليَّ رداءه من دونهم ... ملك تخيِّر للعلا فتخيَّرا ضربوا قداحهم علي ففاز بي ... من كان بالقدح المعلَّى أجدرا ٦

стр. 468

وواضح من هذه الأبيات القليلة أن صاحبنا يعنى -كما قال ابن شهيد- بالخبر واللغة؛ فهو هنا يتصنع لذكر المثل المعروف"كل الصيد في جوف الفرا" كما يتصنع لفكرة القداح المعروفة عند العرب القدماء، ثم هو بعد ذلك يعنى -كما لاحظ ابن شهيد أيضًا- بالبديع؛ ففي الأبيات الأولى يعنى بالطباق بين النجد والغور والليل والصبح والحصباء والذهب، واستمِر معه في القصيدة فستراه يقول: كلا وقد آنست من هودٍ هدى ... ولقيت يعرُبَ في القيول وحميرا وأصبت في سبأ مورَّث ملكها ... يسبي الملوك ولا يدب لها الضَّرا١ فكأنما تابعت تبَّع رافعًا ... أعلامه ملكًا يدينُ له الورى والحارث الجفني ممنوع الحمى ... بالخيل والآسادِ مبذول القِرَى وحططتُ رحلي بين ناري حاتمٍ ... أيام يَقْرى موسرًا أو معسرًا ولقيت زيد الخيلِ تحت عجاجةٍ ... تكسو غلائلُها الجيادَ الضُّمَّرا وعقدت في يَمَنٍ مواثقَ ذمَّةٍ ... مشدودة الأسباب موثقة العُرى وأتيت بَحْدَل وهو يرفع منبرًا ... الدين والدنيا ويخفض منبرا٢ وأظن صوت ابن دراج أتضح لنا الآن تمام الوضوح؛ فهو يعنى -كما قال ابن شهيد- بالنسب إذ يرد ممدوحه منذر بن يحيى إلى اليمن فينسبه إلى ملوكها ومشاهيرها، وهو في أثناء ذلك يصنع للجناس بين هود وهدى وسبأ ويسبي وتابع وتبع، أرأيت إلى ابن دراج؟ إنه كما قال ابن شهيد يصنع للبديع كما يتصنع للغريب والأمثال كهذا المثل المعروف "يدب له الضَّراء". ولا يكتفي بذلك بل نراه يتصنع في آخر هذه الأبيات للرفع والخفض المعروفين في علم النحو، وواضح ما في ذكرهما من تكلف وتصنع. وهذا هو الصوت العام لابن دراج، خلط بين تصنع وتصنيع، أو بعبارة أدق

стр. 469

خلط بين مذهب أبي تمام ومذهب المتنبي، وقد قيلت هذه القصيدة نفسها على نسق قصيدة المتنبي في ابن العميد: بادٍ هواك صبرتَ أم لم تصبِرا ... وبكاك إن لم يجرِ دمعَك أو جرى وكان مولعًا بتتبع المتنبي في شعره والإغارة على معانيه، ولاحظ ذلك صاحب الذخيرة في غير موضع من شعره كهذا البيت: أواصل آناء الأصائل بالضحى ... وزادي من جهدي، وراحلتي رجلي فقد أخذه من قول المتنبي: لا ناقتي تقبل الرديف ولا ... بالسَّوطِ يوم الرِّهانِ أجهدُها شراكُها كورُها، ومشفرُها ... زمامُها، والشُّسوعُ مقودها١ وكذلك قوله في وصف فرس: وذو غُرَّةٍ معروفة السبق في المدى ... وقد قرح التحجيل من حلق الشُّكْل٢ فقد أخذه من قول المتنبي: وإن تكن محكمات الشُّكْلِ تمنعني ... ظهورَ جريٍ فلي فيهن تَصْهالُ٣ ولم يكتف ابن دراج بتقليد المتنبي، إذا كان يشغف بتقليد غيره من المشارقة كالشريف الرضي٤ وأبي نواس وقد عارض قصيدته في مدح الخصيب: أجارة بيتينا أبوك غيورُ ... وميسورُ ما يرجى لديك عسيرُ بقصيدة في مدح المنصور بن أبي عامر مطلعها:

стр. 470

ألم تعلمي أن الثَّواءَ هو التَّوَى ... وأن بيوت العاجزين قبورُ١ ومنها في وصف ودَاعِهِ لزوجِهِ وولدها الصغير: ولَمَّا تدانَتْ للوداعِ وَقَدْ هَفا ... بصَبْرِيَ منها أَنَّةٌ وزَفيرُ تناشدني عهدَ المودةِ والهوى ... وفي المهد مَبْغومُ النداء صغيرُ عيي بمرجوع الخطابِ ولفظِهِ ... بموقع أهواء النفوسِ خبيرُ تبوَّأ ممنوع القلوبِ ومُهِّدت ... له أذرعٌ محفوفة ونحُورُ فكل مفدَّاة الترائبِ مرضِعٌ ... وكل محيَّاةِ المحاسنِ ظيرُ٢ عصيتُ شفيعَ النفس فيه وقادني ... رواحٌ بتدآبِ السُّرى وبكورُ وطار جناحُ البَينِ بي وهفتْ بها ... جوانحُ من ذُعرِ الفراقِ تطيرُ وهذه القطعة تفيض بالعواطف والشعور الحي، وهي دليل على جودة شاعرية ابن دراج وأنه لو ترك نفسه على سجيتها دون عناية بتقليد المذاهب المشرقية من صنعة وتصنيع وتصنع لاستطاع أن يترك لنا شعرًا مليئًا بالحيوية والقوة والوجدان الفياض؛ غير أنه كان يريد أن يثبت تفوقه ومهارته، وهو لذلك يحاول أن يصنع شعره على صورة شعر المتنبي أو أبي تمام أو غيرهما من شعراء المشرق، ونفس هذه القصيدة التي أتى فيها بهذه القطعة الممتازة نراه يختمها بهذين البيتين: أثرني لخطبِ الدَّهرِ، والدَّهرُ معضلٌ ... وكلني لليثِ الغابِ وهو هصُورُ وقد تخفضُ الأسْمَاءُ وهي سواكنٌ ... ويعملُ في الفعلِ الصحيحِ ضميرُ ومعنى ذلك أنه كان يلتزم التصنع في شعره حتى في هذه القصائد التي يحاول أن يعبر فيها تعبيرًا حرًّا عن عواطفه، بل نحن نبالغ فليس عنده من حرية في التعبير، أليست هذه القصيدة التي نعجب فيه بوداعه لزوجه وولده قد نظمها في حيز قصيدة أبي نواس إذ استعار منه الوزن والقافية، كما استعار منه كثيرًا من خواطره وأفكاره. واقرأ له هذه القطعة من قصيدة أخرى في منذر بن يحيى: علا فحوى ميراثَ عادٍ وتبَّعٍ ... بهمَّتهِ العليا ونسبته الدُّنيا

стр. 471

فأعرب عن إقدام يعربَ واحْتَبَى ... فلم ينسَ من هودٍ سنَاءَ ولا هَدْيا ومن حميرٍ ردَّ القنا أحمر الذُّرى ... ومن سبأ قادت كتائبُهُ السَّبيا وما نام عن عرقُ قحطان إذ فَدى ... عروق الثَّرى من غُلَّة القحطِ بالسُّقيا ولا اسكَنَتْ عنه السَّكونُ زيادةً ... ولا رضيت طي لراحته طَيَّا ولا كَنَدَتْ أسيافُهُ ملك كندةٍ ... فتترك في أركان عزَّتِهِ وهيا وكائن له في الأوسِ من حق أسوةٍ ... بنصب الهدى جهرًا وبذل الندى خفيا فقد ملأ هذه القطعة بالجناس إذ جانس بين يعرب وأعرب وينس وسناء وهود وهدى وحمير وأحمر وسبأ والسبي وقحطان والقحط وأسكنت والسكون وطي وطيا وكندت -أي جحدت- وكندة والأوس وأسوة، أرأيت إلى كل هذه الجناسات المتكلفة؛ ألا تحس أن لون الجناس عند صاحبنا قد أصبح شيئًا ثقيلًا على الأذن واللسان؟ غير أنه بدع جديد كان يراه الشاعر الأندلسي في شعر المشارقة فيتعلق به كما يتعلق بالطباق على نحو ما نرى في هذه القطعة نفسها، وكما يتعلق بألوان التصنع الأخرى من ذكر الأنساب أو الألفاظ الغريبة أو الأمثال أو النحو. وكان ابن دراج لا يكتفي بذلك؛ إذ نراه في شعره يعنى بالاقتباس من القرآن الكريم والحديث الشريف كقوله في الوزير أبي الأصبغ عيسى بن سعيد القطاع: أَبا الأصبَغ الْمعْنيَّ هل أَنت مُصْرِخِي ... وهلْ أَنتَ لي مُغْنٍ وهل أَنتَ لي مُعْلِي وقوله في على بن حمود: تجزَّأ من جنتي مأرب ... بخمطٍ وأثلٍ وسدرٍِ قليلِ وقوله في خيران العامري صاحب المريَّة: فتىً سيفه للدين أمن وإيمانُ ... ويمناهُ للآمالِ روحٌ وريحانُ فَفُضَّت سيوفٌ حاربته وأيمنٌ ... وشاهت وجوهٌ فاخرتْهُ وتِيجَانُ وأكبر الظن أن منهج ابن دراج اتضح لنا الآن وتكشف عن جميع صفاته وخصائصه وهو ليس منهجًا جديدًا، فالأندلس لا تستطيع أن تمد الأدب العربي

стр. 472

بمنهج جديد لا من حيث الموضوعات ولا من حيث المعاني ولا من حيث الأخيلة والأساليب، إنما كل ما هنالك أنها تستطيع أن تفخر بشعراء يعيشون في إطار الشعر العباسي العام، وهم يعيشون في هذا الإطار معيشة مضطربة؛ إذ نرى الشاعر الواحد يخلط بين مذاهب الفن العباسي خلطًا شديدًا، فهو تارة صانع يفيض بالشعور ولا يجعل للزخرف سبيلًا إليه كما رأينا عند ابن دراج في وداعه لزوجه وطفله، وتارة نراه متصنعًا يعنى بالتصنع للثقافات، كما يعنى بالغريب والأنساب والأمثال والاقتباس من القرآن الكريم على نحو ما رأينا عند ابن دراج أيضًا، ثم هو أخيرًا مصنع، يشفع شعره بألوان التصنيع والزخرف العباسي من جناس وطباق وتصوير، على نحو ما مر بنا عند ابن دراج. وهكذا نرى الشاعر الأندلسي يجمع في شعره بين جميع المذاهب العباسية، وهذا هو معنى ما نقول من أن الشعراء الأندلسيين يخلطون خلطًا شديدًا بين المذاهب الفنية للشعر العربي؛ إذ يستعيرون منها جميعًا بدون تفريق ولا اختلاف في التطبيق. على أنه ينبغي أن نتريث قليلًا في هذا الحكم العام على الأندلس وشعرائها حتى نرى شعرهم وما أصابه من نهضة في عصر ملوك الطوائف.

стр. 473

٤- نَهْضَةُ الشِّعْرِ الأندَلُسي: لا نكاد نمضي في صدر القرن الخامس الهجري حتى نرى الدولة الأموية التي أقام صرحها عبد الرحمن الداخل وأبناؤه تتحكم ويحل مكانها نظام جديد، يقوم على أن تحكم كل مدينة كبيرة في الأندلس نفسها بنفسها، ويعرف هذا النظام باسم نظام ملوك الطوائف؛ إذ أصبح في كل مدينة فرد أو أسرة تحكمها حكمًا منظمًا، وقد اشتد التنافس بين هذه المدن، واستطاعت الأندلس عن طريق هذا التنافس أن تظفر بأكبر حظ من النشاط العلمي والأدبي؛ إذ كان كل أمير، أو ملك -كما كانوا يسمونه- يريد أن يبذَّ من حوله في القوة والسلطان والثروة المادية والعقلية والفنية. وإن الإنسان ليحس تشابها -من بعض الوجوه- بين نظام

стр. 474

الأندلس في هذا العصر وبين نظام اليونان في العصور القديمة؛ إذ كانت تنافس أثينا إسبرطةَ وغيرها من المدن اليونانية، وكما أن هذا النظام اليوناني القديم يعد أزهى عصور اليونان بما تركوا فيه من آثار فنية وفلسفية وأدبية، كذلك يعد عصر ملوك الطوائف من أزهى عصور الأندلس من الوجهة الحضارية. واستمرت هذه الحركة الدافعة في العصرين التاليين: عصر المرابطين والموحدين إذ استطاعت الأندلس أن تظفر بطائفة من الفلاسفة كابن باجة وابن رشد، كما استطاعت أن تظفر بطائفة كبيرة من العلماء في الأبحاث الدينية والأبحاث النحوية. وهي أيضًا حققت لنفسها رقيًّا واسعًا في الأدب بقسميه من شعر ونثر. وبذلك نهض الشعر الأندلسي نهضة واسعة في هذه العصور وهي نهضة ظلت في حدود الصورة العامة لشعرنا العربي، فلم يَثرُ الشعراء هناك على خطوط هذه الصورة وظلالها وأضوائها، بل ظلوا يعيدون رسمها، لا يكلُّون ولا يملُّون، وفي أثناء ذلك يقعون على تشبيهات واستعارات طريفة، وقد يمتد ذلك إلى مقطوعات بديعة في الغزل وغير الغزل كقول يحيى بن بقي١: عاطيته والليل يسحب ذيلَهُ ... صهباء كالمسكِ الفتيقِ لناشقِ وضممته ضمَّ الكمي لسيفِهِ ... وذؤابتاه حمائلٌ في عاتقي حتى إذا مالت به سِنَةُ الكرى ... زَحْزَحْتُه شيئًا وكان مُعَانقي باعدتُه عن أضلعٍ تشتاقُهُ ... كي لا ينامُ على وسادٍ خافق وقول ابن شطرِيَّة٢: ستر الصبح بطُرَّةْ ... وجلا الليلُ بغرةْ وأرى من وجهه في ... قدِّهِ غصنًا وزهرةْ جاءني كالظَّبي في أشـ ... راكِهِ إذا حلَّ شعرَهْ ومضى عني ولكنْ ... بعد ما خلَّف نشْرَهْ فتراني في افتضاحٍ ... كلما أخفيتُ سرَّهْ

стр. 475

وقول أبي حفص عمر بن عمر١: هم نظروا لواحظها فهاموا ... وتشرب عقلَ شاربِها المدامُ يخاف الناسُ مقلتَهَا سواها ... أيذعرُ قلبَ حاملِه الحسامُ سما طَرْفي إليها وهو باكٍ ... وتحت الشمسِ ينسكبُ الغمامُ وأذكر قدَّها فأنوحُ وجدًا ... على الأغصانِ ينتدبُ الحمامُ وأعقب بينُها في الصَّدرِ غمًّا ... إذا غربت ذُكاءُ أتى الظلامُ والقطع جميعًا تستمد من جذاذات الشعر المشرقي في المعاني والصور؛ ولكنها تعيدها في معارض جديدة، فيها طرافة الخيال وبراعة التصوير. وكانوا كثيرًا ما يلمون بوصف وداع المعشوقة في الصباح، ولكن لا تظن أنهم يسبقون المشارقة في ذلك، فإننا نجد هذا الوصف عند عمر بن أبي ربيعة في قصيدته المشهورة "أمن آل نُعمٍ أنت غادٍ فمبكِرُ" ونقله عنه العباسيون من أمثال أبي فراس، وشاع عنهم في الأندلس بين الشعراء والوشاحين والزجالين. وربما كان أهم موضوع برع فيه الأندلسيون هو وصف الطبيعة، وقد أعانهم فيه جمال المناظر في إقليمهم، ولهم فيه روائع كثيرة، وهي روائع كانت تستمد من كنوز الشعر العباسي، مضيفة إليها أخيلة دقيقة كثيرة، على شاكلة قول الرُّصافي يصف نهرًا وما على جانبيه من أشجار تتراءى على صفحته ظلالها٢: ومُهَدَّلِ الشطَّين تحسب أنه ... متسايلٌ من دُرَّةٍ لصفائِهِ فاءت عليه مع الهجيرةِ سَرْحَةٌ ... صدئت لفيئتها صفيحةُ مائِهِ٣ وتراه أزرق في غلالة سندسٍ ... كالدَّارعِ استلقى لظلِّ لوائِهِ وقد يمزجون وصف الطبيعية بالخمر ووصف الصباح أو وصف المساء، فنقع عندهم على صور طريفة كهذه الصورة للرصافي أيضًا؛ إذ يقول: وعشيٍّ رائقٍ منظرُهُ ... قد قطعناه على صِرْفِ الشَّمولِ٤

стр. 476

وكأن الشمسَ في أثنائِهِ ... ألصقت بالأرضِ خدًّا للنزولْ والصبا ترفع أذيال الرُّبى ... ومحيَّا الجوِّ كالنهر الصقيلِ حبَّذا منزلُنا مغتبقًا ... حيث لا يطربُنا إلا الهديلْ١ طائرٌ شادٍ وغصنٌ منثنٍ ... والدُّجى يشربُ صهباءَ الأصيلْ ودائمًا تلقانا مثل هذه الصور الطريفة في أشعارهم، لا في وصف الطبيعة والغزل فحسب، بل أيضًا في مدائحهم ومراثيهم، كقول ابن عمَّار يمدح المعتضد ملك إشبيلية٢: أنْدَى على الأكبادِ من قطرِ النَّدى ... وألذُّ في الأجفانِ من سِنَةِ الكَرى ومثل قول أبي عامر بن الحمارة يرثي زوجه٣: ولما أن حللت التُّربَ قلنا ... لقد ضلَّت مواقعَها النُّجومُ ألا يا زهرةً ذبلتْ سريعًا ... أضنَّ المزنُ أم ركدَ النَّسيمُ واشتهروا بمراثيهم للدول الزائلة، ومراثي ابن اللبَّانة في بني عباد مشهورة، وكذلك مراثي ابن عبدون في بني الأفطس أصحاب بطليموس، ومن بديع قوله فيها هذا المطلع الرائع لإحداها٤: ما لليالي أقال اللهُ عثرتَنَا ... من الليالي وخانَتْها يدُ الغيرِ تسُرُّ بالشيء لكن كي تَغُرُّ به ... كالأيمِ ثار إلى الجاني من الزَّهَرِ٥ ولم تسقط مدينة في يد مسيحيي الشمال إلا بكوها وتفجعوا عليها تفجعًا حارًّا، وهو تفجع كانوا يضمنونه استصراخًا للمسلمين في مغارب الأرض ومشارقها لعلهم يستنقذون تلك المدن من براثن الإسبان، ويعيدونها إلى حظيرة الإسلام، قبل أن تدكَّ هناك كل صروحه وتسقط كل راياته وأعلامه. ومن غير شك نهض الشعر العربي في هذا الفردوس المفقود نهضة رائعة. على أنه ينبغي أن لا نبالغ في تصور هذه النهضة؛ إذ كان الأندلسيون يولون

стр. 477

وجوههم دائمًا نحو المشرق يقلدون شعراءه في مذاهبهم ونماذجهم، ولعله من أجل ذلك شاعت عندهم فكرة معارضة قصائد المشارقة، فابن برد الأصغر ينظم قصيدته: بخداعٍ علَّلُوه ... وبهجرٍ وصَلُوهُ على نمط قصيدة لشاعر من شعراء بغداد في وزنها ورويها١، وابن زيدون ينظم قصيدته المشهورة: بنتُم وبنَّا فما ابتلَّت جوانِحُنا ... شوقًا إليكم ولا جفت مآقينا على نمط قصيدة البحتري: يكاد عاذلنا في الحب يغرينا ... فما لجاجُك في عذلِ المحبينا وابن خفاجة ينظم قصيدته: كفاني شكوى أن أرى المجدَ شاكيا ... وحسب الرزايا أن تراني باكيا على نمط قصيدة المتنبي: كفي بك داءً أن ترى الموتَ شافيا ... وحسبُ المنايا أن يكنَّ أمَانيا وهو كذلك ينظم قصيدته: قل لِمَسْرَى الرِّيحِ من إضمِ ... وليالينا بذي سلَمِ على نمط قصيدة أبي نواس، إن صح أنها له: يا شقيقَ النَّفْسِ من حكمِ ... نمت عن ليلى ولم أَنَمِ وعلى هذه الشاكلة يصوغ الشعراء قصائدهم على صورة القصائد العباسية، وهي صورة لا تقف عند المشابهة في الوزن والروي، بل تمتد إلى المشابهة في المعاني والأساليب، وكأنما القصيدة في رأيهم ليست إلا تلفيقًا للمواد الفنية التي تركها العباسيون، فهم يبدِئُون ويعيدون في المعاني والصور الموروثة دون أن يضيفوا.

стр. 478

إليها جديدًا إلا قليلًا. إنما هي مواد وعناصر تتراكم وتتجمع فتحدث قصيدة ولكنها لا تحدث عملًا فنيًّا قيمًا إلا في الندرة، أما الكثرة فإنها تصنع تحت تأثير المواد العتيقة، ولقد كان حريًا بالشعراء أن ينحوا عن شعرهم كل ما هو عتيق؛ غير أن التفكير الفني عند العرب كان قد فَقَدَ كل مقدرته على الابتكار والتجديد ولذلك لم يستطع الأندلسيون أن يتجهوا بشعرهم إلى وجهات جديدة، سوى ما سنراه بعد قليل عندهم من الموشحات والأزجال، أما بعد ذلك فالشعر الأندلسي باقٍ على قديمه العربي، سوى ما كان من تجديداته في أوزان موشحاتهم وأزجالهم، وهي تجديدات اضطرهم إليها الغناء اضطرارًا، أما بعد ذلك فأساليبهم وصورهم هي نفس الأساليب والصور المشرقية. ونحن نبحث عبثًا إذا حاولنا أن نجد عند الأندلسيين رغبة في تغيير صياغة الشعر تغييرًا تامًّا بحيث تدفع بالشعراء إلى إحداث مذهب جديد، إنما هم يعيشون في الإطار الفني العباسي العام وما فيه من مذاهب الصنعة والتصنيع والتصنع يخلطون بين هذه المذاهب في غير نظام ولا نسق معين على نحو ما رأينا سابقًا عند ابن هانئ وابن دراج، ونحن نقف عند نفر من شعراء هذا العصر لنرى حقيقة هذا الرأي ومدى صحته. ابنُ بُرْدٍ الأَصْغَر: هو أبو حفص أحمد الأصغر حفيد ابن برد الأكبر الذي كان وزيرًا في الأيام العامرية وكان كاتبًا بليغًا أيضًا١. حدَّث الحميدي أنه رآه في المرية بعد الأربعين وأربعمائة غير مرة٢، وأشاد به صاحب الذخيرة؛ إذ يقول: "كان أبو حفص بن برد الأصغر في وقته فلكَ البلاغة الدائر ومثلها السائر، نفث فيها بسحره، وأقام من أودها بناصع نظمه وبارع نثره، وله إليها طروق، وفي عروقها الصالحة عروق"٣. ومن يرجع إلى القطعة التي رواها له صاحب

стр. 479

الذخيرة من شعره١، وهي قطعة كبيرة يراه يحتذي دائمًا على مثال العباسيين بل إنه ليبلغ من ذلك مبلغًا لا يكاد يدور بخلد الإنسان؛ فقلما يوجد له معنى إلا وهو مسبوق به، قد طرقه الشعراء من قبله، ولاحظ ذلك عليه صاحب الذخيرة في غير موضع من روايته لشعره، فمن ذلك قوله في النسيب: لما بدا في لا زَوَرْ ... ديِّ الحرير وقد بَهَر كبَّرتُ من فَرْطِ الجَمَالِ ... وقلت ما هذا بَشَرْ فأجابني لا تنكرن ... ثوبَ السَّمَاءِ على القمَرْ وهو من قول ابن الرومي: يا ثوبهُ الأزرقُ الذي قد ... فاقَ العِراقيَّ في السناءِ كأنه فيه بدرٌ تِمٍّ ... يشق في زُرْقةِ السماءِ وقول ابن المعتز أيضًا: وبنفسجي الثوبِ قَتْـ ... ـل محبِّه من دابِهِ الآن صرتَ البدر حـ ... ينَ لبستَ ثوبَ سحابه ونستمر في قراءة ابن برد، فإذا هو يقول: بأبي أنت وأمي ... لم تطبَّعتَ بظلمي أبدًا تأتي بعتبٍ ... دون أن آتي بجُرْمِ بيننا في الحب قُربى ... سقمُ عينيك وجسمي وهو من قول ابن الرومي: يا عليلًا جعل العِلَّة ... مفتاحًا لسُقْمي ليس في الأرض عليلٌ ... غير جفنيكَ وجسمي وهو كما يتأثر ابن الرومي نراه يتأثر ابن المعتز؛ بل ربما كان تأثره بابن المعتز أكثر وأوضح، فقد تعلق مثله بالأوصاف والتشبيهات فمن ذلك قوله:

стр. 480

عارضٌ أقبل في جنح الدُّجى ... يتهادى كتهادي ذي الوَجَى١ أتلفتْ ريحُ الصَّبا لؤلؤه ... فانحنى يوقد عنه السُّرُجا وقوله: وكأن الليلَ حين لوى ... هاربًا والصُّبحُ قد لاحا كلة سوداء حرَّقها ... عامدٌ أسرج مصباحا فإن ذلك كله من قول ابن المعتز الذي مر في غير هذا الموضع: والصبحُ يتلو المشتري فكأنه ... عُريانُ يمشي في الدُّجى بسراجِ ويقول ابن برد في وصف كلف البدر: والبدرُ كالمرآةِ غَيَّرَ صَقْلَها ... عبثُ العذاري فيه بالأنفاسِ والليلُ ملتبسٌ بضوءِ صباحِهِ ... مثل التباسِ النِّقسِ بالقرطاسِ٢ وهو واضح الصلة يقول ابن المعتز في وصف فرند السيف: جرى فوق متنَيهِ الفِرِندُ كأنما ... تنفسَ فيه القينُ وهو صقيلُ وعلى هذا النمط نرى ابن برد يمضي في تأليف شعره، وكأنه نسخة طبق الأصل من شعر أصحاب المشرق، وخاصة ابن المعتز وابن الرومي. والحق أنه ينبغي أن لا نتعلق بالفكرة الشائعة من أن الأندلس كان لها شخصية واضحة في تاريخ الشعر العربي، فإن هذه الشخصية تنحصر في كثرة الإنتاج وخاصة في شعر الطبيعة، أما بعد ذلك فالأندلس تستعير من المشرق موضوعات شعرها ومعانيه وصوره وأساليبه وكل ما يتصل به استعارة تكاد تكون طبق الأصل، على نحو ما نرى الآن عند ابن بُرْد؛ فقد استقر في أذهان الشعراء أن خير عصور الشعر وأزهاها هو العصر العباسي وما ينطوي فيه من شعراء عظام أمثال أبي نواس وأبي تمام والبحتري وابن الرومي وابن المعتز والمتنبي، فذهبوا يقرءون هؤلاء الشعراء وأمثالهم، ثم أخذوا يحاكونهم دون

стр. 481

أن يفهموا مذاهبهم فهمًا واضحًا أو يعرفوا ما بين هذه المذاهب من مفارق واسعة، وكأني بالأندلسيين انتهوا إلى التقليد وارتضوه لأنفسهم فعاشوا في الشعر العربي هذه المعيشة التقليدية التي نرى آثارها الآن عند ابن برد وغيره من الشعراء. ابْنُ زَيْدُونٍ: لعله يحسن بنا أن نقف عند ابن زيدون١ لننظر في حقيقة هذا الحكم العام الذي نحكم به على شعراء الأندلس، وكان حامل لواء الشعر في عصره، وهو من أسرة اشتهرت بالفقه، ونعمت بالثراء. ولد بقرطبة سنة ٣٩٤ للهجرة واهتم به أبوه منذ نعومة أظفاره فأحضر له الأدباء المعلمين والفقهاء والمثقفين، ولم تلبث ملكته الشعرية أن تفجرت على لسانه ينبوعًا عذبًا، فعلا شأنه ولمع نجمه. وليس بين أيدينا أخبار واضحة من موقعه في حوادث سقوط الدولة الأموية، وإن كنا نظن أنه لم يقف مكتوف اليدين إزاءها، بل لعله كان أحد من أعانوا في قيام دولة بني جهور واعتلاء أبي الحزم عرش قرطبة سنة ٤٢٦. ونراه غارقًا في حب ولادة بنت الخليفة المستكفي، وكان ابن عبدوس ينافسه في هذا الحب، ويظهر أنه كان أحد من وشى به إلى أبي الحزم؛ إذ نسبت إليه مؤامرة ضده للعودة بزمام الأمور إلى بني أمية، فأودع السجن سنوات طوالًا، وهو يضرع إلى أبي الحزم بشعره ورسالته الجدية، واستشفع بابنه أبي الوليد؛ ولكنه لم يعف عنه فهرب من السجن ليلة عيد. وأخيرًا عفى عنه أبو الحزم، وقربه أبو الوليد منه، حتى إذا توفي أبوه وولِّي مكانه عيَّنه للنظر على أهل الذمة، ثم رفعه إلى مرتبة الوزارة، وسفر بينه وبين كثير من ملوك الإمارات الأندلسية. وفسدت الأمور بينه وبين أبي الوليد كما فسدت بينه قبلًا وبين أبيه، فولَّى وجهه نحو إشبيلية واستقبله ملكها المعتضد استقبالًا حافلًا، واتخذه وزيرًا له، كما اتخذه من بعده ابنه المعتمد وزيره ومستشاره واستطاع بفضل جهوده أن يغزو قرطبة

стр. 482

ويستولى عليها. وحدث أن أرسل به المعتمد إلى إشبيلية في بعض المهام، فدعاه القدر هناك إلى جوار ربه سنة ٤٦٣. وخصومة ابن زيدون لابن عبدوس -كما قدمنا- لم تكن ترجع إلى أسباب سياسية إنما كانت ترجع إلى حبه لولَّادة بنت الخليفة المستكفي فقد كان يحبها كذلك ابن عبدوس، وجعله هذا الحب يصطدم بابن زيدون، فكاد له حتى سجنه. وحياة ابن زيدون من الوجهة الأدبية حياة طريفة؛ فقد تعلق بولادة وأصبح مغرمًا بها صبًّا، وكان لها منتدى لطيف تجلس فيه للرجال والشعراء، ويظهر أنها كانت ماجنة خليعة. يقول صاحب الذخيرة: "إنها أوجدت إلى القول فيها السبيل بقلة مبالاتها ومجاهرتها بلذاتها. كتبت -زعموا- على أحد عاتقي ثوبها: أنا والله أصلحُ للمعالي ... وأمشي مشيتي وأتيه تيهَا وكتبت على الآخر: وأمكن عاشقي من صَحْنِ خدي ... وأعطي قبلتي من يشتهيها١ وهناك نص طويل يرويه صاحب الذخيرة عن ابن زيدون يصف فيه إحدى وقائعه الغرامية معها ذات ليلة٢، ومن يرجع إلى مجموع ما روي عن حياة ولادة في الذخيرة ونفح الطيب، ثم يرجع مع ذلك إلى ما روي في نفح الطيب عن غيرها من حرائر الأندلس٣ يحس أن المرأة الأندلسية الحرة لعبت في الأدب الأندلسي دورًا يشبه من بعض الوجوه دور المرأة في الأدب الفرنسي في أثناء القرنين السابع عشر والثامن عشر، وليس من شك في أن هذه الناحية تعطي ديوان ابن زيدون أهمية في تاريخ الشعر الأندلسي. على أنه ينبغي أن نعرف أن حبه لولادة أصطدم بأشياء؛ إذ نراها تؤثر ابن عبدوس عليه، ثم يفرق بينهما السجن ولا يستطيع أن يجد سبيلًا إلى لقائها، ثم يكون الحرمان منها بخروجه عن قرطبة إلى أشبيلية، ولوَّن ذلك شعره بألوان من الصبابة بها واللوعة فرأيناه يصف أيامه معها، كما يصف المعاهد التي كانا يتفرجان

стр. 483

عليها أو يتنزهان فيها، ومعنى ذلك أن شعره يفيض بالعواطف ويكتظ بالشعور، ولعله من أجل ذلك كان يسميه النقاد باسم: بحتري الأندلس، فذوقه أقرب إلى ذوق البحتري؛ إذ يطلب في شعره أن يعبر عن خواطره في حرية دون تقييد بضروب التصنيع أو التصنع؛ غير أنه ينبغي أن نقيد هذا الكلام؛ لأن من يتتبع ابن زيدون في ديوانه يجده كبقية الشعراء الأندلسيين يخلط بين مذاهب العباسيين من صنعة وتصنيع وتصنع في غير طريقة مرسومة ولا خطة موضوعة. ومرَّ بنا أن أهم قصائده وهي"بنتم وبنَّا" قد صنعها على نمط قصيدة للبحتري، وهو في قصائده الأخرى لا يزال يعيش هذه المعيشة التقليدية، واقرأ له هذه القطعة المشهورة: ما على ظَنِّيَ باسُ ... يَجْرحُ الدهرُ وياسُو ربما أشرفَ بالمرءِ ... على الآمالِ ياسُ ولقد ينجيك إغفا ... ل ويرديك احتراسُ والمحاذيرُ سهامٌ ... والمقاديرُ قياسُ١ يا أبا حفصٍ وما سا ... واك في فهمِ إياسُ٢ من سنا رأيك لي في ... ظلمِ الخطبِ اقتباسُ٣ وودادي لك نصٌّ ... لم يخالفه القياسُ فإنك تراه يصنع إذ يطابق بين يجرح ويأسو، كما يجانس بين يأسو في البيت الأول ويأس في البيت الثاني، وهو كذلك يتصنع لذكر النص والقياس والاقتباس. فحتى النموذج الواحد فيه خلط بين المذاهب؛ فالشاعر تارة يصنع وتارة يتصنع، ومع ذلك فهذه القطعة قريبة من ذوق الصانعين بما اشتملت عليه من حسن جرس وإيقاع! وإذا تركنا هذا المظهر العام في شعره من الخلط بين المذاهب الفنية العباسية إلى تتبع معانيه وأخيلته وأساليبه وجدنا صورتها العامة هي الصورة العباسية وقد

стр. 484

عُنِي صاحب الذخيرة ببيان هذا الجانب في شعره، فرأيناه يرجع عشرات من أبياته وأشعاره إلى دواوين العباسيين وخاصة البحتري وأبا تمام والمتنبي والمعري، فمن ذلك قوله في وصف سواد ليلة: يا ليتَ ذاك السوادَ الجونَ متَّصِلٌ ... قد استعار سوادَ القلبِ والبصرِ١ فقد استعاره من قول أبي العلاء: يود أن ظلامَ الليلِ دامَ لهُ ... وزيد فيه سوادُ القلبِ والبصرِ٢ ويقول ابن زيدون في بني جَهْوَر: بني جهورٍ أحرقتم بجفائِكُم ... جناني، فما بالُ المدائحِ تَعْبقُ٣ تعدونني كالعنبرِ الوردِ إنما ... تطيبُ لكم أنفاسُهُ حين يُحْرَقُ٤ وهو بَيِّن الصلة بقول أبي تمام: لولا اشتعالُ النارِ فيما جاورتْ ... ما كان يعرفُ طيبُ عَرْفِ العودِ وكذلك قوله: هرمتُ وما للشيبِ وَخْطٌ بمفرقي ... ولكن لشيب الهمِّ في كبدي وَخْطُ٥ واضح الصلة بقول المتنبي: إلا يشبْ فلقد شابتْ له كبدٌ ... شيبًا إذا خضبته سلوةٌ نصلا٦ وكذلك قوله في المديح: وصلنا فقبَّلنا النَّدى منك في يدٍ ... بها يُتْلَفُ المالُ الجسيمُ ويخلفُ مأخوذ من قول البحتري: دنوتُ فقبَّلتُ النَّدى من يد امرئ ... كريمٍ محيَّاهُ سباطٍ أنامِلُه٧ يقول صاحب الذخيرة: "وبيت ابن زيدون لفظ بيت البحتري ومعناه،

стр. 485

ويقول بعض أدبائنا: إن ابن زيدون بحتري زماننا وصدقوا"١. وهو حقًّا يشبه البحتري في صوته؛ ولكنه -كما نرى الآن- كان يتتبع غيره من الشعراء ويحتذي على أمثلتهم في أفكاره ومعانيه كقوله في المديح: ومحاسنٌ تندى رقائقُ ذكرِِها ... فتكادُ توهمُكَ المديحَ نَسِيبا فإنه من قول أبي تمام: طابَ فيه المديحُ والتذَّ حتى ... فاق وصفَ الدِّيارِ والتَّشْبيبا وكذلك قوله: إن السيوفَ إذا طالَ جوهرُها ... في أول الطبعِ لم يعْلَقْ بها الطَّبعُ٢ من قول أبي تمام: والسيفُ ما لم يلفَ فيه صيقلٌ ... من سِنْخِهِ لم ينتفع بصِقالِ٣ والحق أن الإنسان لا يتابع ابن زيدون في شعره، حتى يحس بأن هذا الشعر يوشك أن يسقط من ديوانه؛ فيرتد إلى أمكنته من شعر العباسيين، ولعل هذا ما جعل صاحب الذخيرة يقول: "وأبو الوليد ابن زيدون على كثير إحسانه كثير الاهتدام في النِّثار والنظام"٤. وهو حقًّا كثير الاهتدام لأشعار العباسيين يغير عليها فيسلبها من دواوينها ويسلكها في شعره على هذا النحو الذي رأيناه. وما أشك في أن صوت ابن زيدون اتَّضح لنا الآن فهو -بالرغم مما يبدو عليه من صفاء وعذوبة- صوت مصنوع؛ إذ هو صدى لصوت العباسيين، وهو صدى لا يطَّرد على نسق واحد؛ لأن الشاعر لا يختار له نسقًا معينًا يعيش فيه، بل هو يعيش في كل نسق يقرؤه: فتارة يعيش في جو البحتري وأخرى في جو أبي تمام أو المتنبي أو أبي العلاء من غير تفريق بين هؤلاء الشعراء ومعرفة أن كلا منهم يمثل مذهبًا خاصًّا له، وهذا هو معنى ما نقوله من أن الشاعر الأندلسي ما يزال في شعره يخلط بين جميع المناهج والمذاهب العباسية.

стр. 486

ابْنُ خَفَاجَة: هو أبو إسحاق إبراهيم١ بن أبي الفتح بن عبد الله بن خفاجة، عربي الأصل، ولد سنة ٤٥٠ للهجرة بجزيرة شُقْر من أعمال بلنسية، وهي جزيرة يحيط بها نهر هناك، فيجعلها جنة من جنان الأندلس، وقد نشأ في بيت علم وأدب، وأقبل على الدرس، وسرعان ما تفتحت مواهبه الشعرية ولمع اسمه واشتهر واتجه بشعره إلى تصوير الطبيعة الجميلة من حوله، ويقول ابن بسام في الذخيرة: إنه لم يتعرض لاستماحة ملوك الطوائف مع تهافتهم على الأدب؛ غير أننا لا نمضي إلى عصر المرابطين "٤٨٤- ٥٣٩هـ" حتى نجده يمدح واليهم في الأندلس إبراهيم بن يوسف بن تاشفين ومساعدِيهِ من العمال والقضاة أمثال ابن تيفلويت حاكم شرق الأندلس وأبي العلاء بن زُهْر الطبيب والفقيه المشهور. وذهب إلى حاضرة المرابطين في المغرب؛ فمدح سطانهم علي بن يوسف بن تاشفين ووزراءه وعلى رأسهم صديقه ابن عائشة فكانت تُغْدَق عليه الأموال والهبات من كل جانب، وكان يعود بها إلى بلدته؛ فينفقها في متعه ومسرَّاته. ويقال إنه كف عن صبوته بآخرة، وإنه كان يخرج من جزيرته ويسير بين الوديان والجبال وينادي بأعلى صوته: يا إبراهيم تموت، فيجيبه الصدى ويخرُّ مغشيًّا عليه. وأخيرًا يلبِّي نداء ربه سنة ٥٣٣ عن اثنين وثمانين عامًا. وكان الأندلسيون يعجبون به وبشعره حتى ليرفعونه إلى الأفق الأعلى، يقول ابن بسام: "الناظم المطبوع، الذي شهد بتقديمه الجميع، المتصرف بين أشتات البديع". ويقول الفتح في القلائد: "مالكُ أعنةِ المحاسنِ وناهج طريقها، العارف بترصيعها وتنميقها، الناظم لعقودها، الراقم لبرودها". ويقول الحجاري في المسهب:

стр. 487

"هو اليوم شاعر هذه الجزيرة، لا أعرف فيها شرقًا ولا غربًا نظيره"١. وأكثر ديوانه يدور في المديح، وهو يجري فيه على سنة الشعراء من قبله، وقلما أضاف فيه جديدًا إلا بعض مبالغات مفرطة، ولا نراه يخلطه بمعانٍ إنسانية وحكم وأمثال على طريقة المتنبي، وربما كان ذلك راجعًا إلى أنه لم يمر به طيف من الحزن والتشاؤم، فحياته تمضي هنيئة سعيدة. ونراه يقول في مقدمة ديوانه: إنه كان ينهج في شعره نهج الشريف الرضي ومهيار وعبد المحسن الصُّوري. وقد طبع شعره في التشبيب بطوابع الأوَّلين فأكثر فيه من ذكر الطيف والخيال والظعائن والعيس والأماكن الحجازية والنجدية ونسيم الصبا وأنفاس الخزامى. وربما كان ذكره لعبد المحسن الصوري إشارة إلى تشبهه بشعراء الشام في وصف الطبيعة، وكان يعجب بألوان البديع وهو يقترب في ذلك من ذوق أصحاب التصنيع أمثال أبي تمام. وأهم موضوع عُني به وصف الطبيعة؛ إذ كان مغرىً بوصف الأنهار والأزهار وما يتعلق بها. ولعل أهم ما يلاحظ على فنه أنه كان يُعْنَى بالتشخيص للطبيعة والتصوير لمباهجها، وهو ليس تصويرًا جديدًا، فمن قبله كان العباسيون أمثال أبي تمام وابن الرومي وابن المعتز وغيرهم يصورون هذه المباهج تصويرًا لا يقل عن تصوير ابن خفاجة. وقد لا نعدو الحق إذا قلنا إن كل ما له في هذا الجانب إنما هو الكثرة، أما فيما عدا ذلك فليس له جديد. وحتى لون التشخيص الذي اتخذه في تصوير الطبيعة استعاره استعارة من أبي تمام وتلامذته. وإن الإنسان ليلاحظ جملة أن ذوق ابن خفاجة كان قريبًا من ذوق المصنعين في المشرق؛ إذ يكثر من ألوان التصنيع، من تشخيص وجناس وطباق وما يندمج في ذلك من صور وأخيلة. وكان يقف عند هذه الألوان الحسية في التصنيع التي سبق أن عرضنا لها عند أبي تمام، أما الألوان العقلية فلم يكن يعنى بها أو بعبارة أدق لم يكن يفهمها. على كل حال انحاز ابن خفاجة إلى جانب الألوان الحسية في التصنيع، وأظهر فيها مهارة واسعة إذ كان يمزج

стр. 488

بينها مزجًا طريفًا، وانظر إليه يصف سراه بالليل: بَعَيشِكَ هَل تَدري أَهوجُ الجَنائِبِ ... تَخُبُّ بِرَحلي أَم ظُهورُ النجائِبِ فَما لُحْتُ في أولى المَشارِقِ كَوكَبًا ... فَأَشرَقتُ حَتّى جِئتُ أُخرى المَغارِبِ وَحيدًا تَهاداني الفَيافي فَأَجتَلي ... وَجوهَ المَنايا في قِناعِ الغَياهِبِ وَلا جارَ إِلّا مِن حُسامٍ مُصَمَّمٍ ... وَلا دارَ إِلّا في قُتودِ الرَّكائِبِ وَلا أُنسَ إِلّا أَن أُضاحِكَ ساعَةً ... ثُغورَ الأَماني في وُجوهِ المَطالِبِ وَلَيلٍ إِذا ما قُلتُ قَد بادَ فَانقَضى ... تَكَشَّفَ عَن وَعدٍ مِنَ الظَنِّ كاذِبِ سَحَبتُ الدَّياجي فيهِ سودَ ذَوائِبٍ ... لِأَعتَنِقَ الآمالَ بيضَ تَرائِبِ فَخَرَّقت جَيبَ اللَّيلِ عَن شَخصِ أَطلَس ... تَطَلَّعَ وَضّاحَ المَضاحِكِ قاطِبِ فإن أبصارنا تغرق في هذه الكثرة من المناظر والصور، وهي كثرة قد تعب ابن خفاجة في توفيرها حتى يحاكي بها أبا تمام وغيره من شعراء الطبيعة في المشرق، وارجع إلى البيت الأخير؛ فإنك تراه يعبر عن غبش الفجر الذي تختلط فيه أشعة النهار بظلام الليل بهذا الشخص المتنافر في الصورة؛ فهو يضحك ويقطب في آن واحد، وهي صورة طريفة. والواقع أن ابن خفاجة كان يعنى بكثرة الصور في شعره، حتى لتكاد بعض أبياته أن لا تفهم من كثرة ما يودع فيها من أخيلة واستعارات، ولعل ذلك ما جعل ابن خلدون يقول عنه: "كان شيوخنا ﵏ يعيبون شعر أبي بكر ابن خفاجة شاعر شرقي الأندلس لكثرة معانيه وازدحامها في البيت الواحد"١. وكنَّى ابن خلدون عن ابن خفاجة بأبي بكر وكنيته المشهورة أبو إسحاق، ويظهر أن ذلك سهو منه؛ فلسنا نعرف شاعرًا مشهورًا بشرقي الأندلس يسمى ابن خفاجة غير صاحبنا. فأما ازدحام المعاني فيقصد به -كما قلنا- ازدحام الصورة في شعره. على أنه لم يكن يكتفي بالصور بل كان يضيف إليها الألوان الأخرى من الجناس والطباق، وكان ما يزال يعنى في شعره أن يكون فياضًا

стр. 489

بالشعور، وقد أحال الطبيعة من حوله إلى صور ووجوه ناطقة، واقرأ له هذا الوصف للجبل الذي اعترضه في سراه فتحدث عن لسانه قائلًا: وَأَرعَنَ طَمّاحِ الذُّؤابَةِ باذِخٍ ... يُطاوِلُ أَعنانَ السَماءِ بِغارِبِ١ وَقورٍ عَلى ظَهرِ الفَلاةِ كَأَنّهُ ... طِوالَ اللَيالي مُفَكِّرٌ في العَواقِبِ يَلوثُ عَلَيهِ الغَيمُ سودَ عَمائِمٍ ... لَها مِن وَميضِ البَرقِ حُمرُ ذَوائِبِ٢ أَصَختُ إِلَيهِ وَهوَ أَخرَسُ صامِتٌ ... فَحَدَّثَني لَيلُ السُّرى بِالعَجائِبِ وَقالَ أَلا كَم كُنتُ مَلجَأَ قاتِلٍ ... وَمَوطِنَ أَوّاهٍ تَبَتَّلَ تائِبِ٣ وَكَم مَرَّ بي مِن مُدلِجٍ وَمُؤَوِّبٍ ... وَقالَ بِظِلّي مِن مَطِيٍّ وَراكِبِ٤ فَما كانَ إِلّا أَن طَوَتْهُم يَدُ الرَّدى ... وَطارَت بِهِم ريحُ النَّوى وَالنَّوائِبِ فَما خَفقُ أَيكي غَيرَ رَجفَةِ أَضلُعٍ ... وَلا نَوحُ ورقي غَيرَ صَرخَةِ نادِبِ٥ وَما غَيَّضَ السُّلوانَ دَمعي وَإِنَّما ... نَزَفتُ دُموعي في فِراقِ الصَواحِبِ فَحَتّى مَتى أَبقى وَيَظعَنُ صاحِبٌ ... أُوَدِّعُ مِنهُ راحِلًا غَيرَ آيِبِ ومن يقرأ هذه القطعة يعجب بابن خفاجة ومقدرته على تشخيص عناصر الطبيعة؛ ولكن لا تظن أنه أول من ألم بالجبل على هذا النحو، فحدَّثه ذلك الحديث، فإن من يرجع إلى ترجمة مجنون ليلى في الأغاني يجد فيها الأصل الذي بنى عليه ابن خفاجة مقطوعته، فقد حدثوا أن المجنون مر بجبل التوباد، فأجهش بالبكاء، وراح يقول٦: وَأَجهَشتُ لِلتُّوبادِ حينَ رَأَيتُهُ ... وكبَّر لِلرَّحمَنِ حينَ رَآني وَأَذرَيتُ دَمعَ العَينِ لَمّا رَأَيتُهُ ... وَنادى بِأَعلى صَوتِهِ وَدَعاني فَقُلتُ لَهُ أَينَ الَّذينَ عَهِدتُهُم ... حَوالَيكَ في خِصبٍ وَطيبِ زَمانِ

стр. 490

فَقالَ مَضَوا وَاِستودَعوني بِلادَهُم ... وَمَن ذا الَّذي يَبقى مَعَ الحَدَثانِ وَإِنّي لَأَبكي اليَومَ مِن حَذَري غَدًا ... فِراقَكِ وَالحَيّانِ مُجتمعانِ ومن غير شك استمد ابن خفاجة من هذه المقطوعة منظومته في الجبل، مضيفًا إليها من خياله ما يكمل به الصورة من تفاصيل ودقائق جديدة؛ فقد أعطانا أولًا هيئة الجبل، وصوَّره لنا وقورًا لاث عمامته وهو يطوي الليالي مفكرًا في العواقب، ثم أخذ يفصل الحديث عمن يمرون به من مجرمين وتقاة صالحين. وصوَّره حزينًا لفراق أصحابه ملتاعًا لوحدته من دونهم. ولعل في هذا كله ما يصور لنا جهد ابن خفاجة في إعادة الصور القديمة، وكثيرًا ما نقع عنده على صور بديعية كقوله: لقد خلعت ليلًا علينا يدُ الهوى ... رداءَ عناقٍ مزَّقتهُ يدُ الفجرِ وقوله في غرة فرس أشقر: يطلعُ للغرَّةِ في شقرةٍ ... حبابةً تضحكُ في كأسِ فهو يستمد من القديم حقًّا، ولكننا من حين إلى حين نقع عنده على أخيلة طريفة. وكان ذوقه أقرب ما يكون إلى ذوق المصنعين وما أشاعه أبو تمام من تشخيص عناصر الطبيعة، ومع ذلك كان يتصنع في أطراف كثيرة من شعره، ولعل خير ما يصور ذلك عنده ما شغف به من نقل أوصاف الطبيعة إلى موضوعات شعره الأخرى، فكما كان المتنبي ينقل أوصاف الغزل إلى الحرب كان ابن خفاجة ينقل أوصاف الطبيعة إلى الأبواب المختلفة كأن يصف ثناء ممدوحه بأنه رطب إذ يقول: تشيمُ بصفْحَتَيهِ بروق بِشْرٍ ... تعيد بشاشةَ الرَّوضِ الجديدِ وهو يتصنع لذلك في الرثاء كأن يقول: في كل نادٍ منك روضُ ثناءٍ ... وبكلِّ خَدٍّ فيك جدولُ ماءِ وَلِكُلِّ شَخصٍ هِزَّةُ الغُصنِ النَّدي ... غِبَّ البُكاءِ وَرَنَّةُ الْمُكَاءِ أرأيت إلى هذا التصنع؟ لقد جعل ابن خفاجة الدموع السائلة على الخدود

стр. 491

كأنها جداول ماء، كما شبه اضطراب الباكين وانسكاب دموعهم بهزة الغصن الذي غمرته أمطار السماء. ولم يكتف بذلك؛ بل راح يشبه أنينهم بصوت قُبَّرة تصفر وتصيح. وانظر كيف تصنع وكيف بالغ في تصنعه، حتى اجتمعت له هذه الصور والخيالات، التي تتجمع حقًّا في الطبيعة؛ ولكن لا يمكن للحس الطبيعي أن يجمعها في رثاء. وعلى هذا النمط كان ابن خفاجة يجمع بين التصنيع والتصنع في شعره، وإننا لنحس إزاءه ما أحسسناه عند سابقيه: ابن برد وابن زيدون من ضرب خواطره وأفكاره وصوره على النماذج المشرقية، ولاحظ ذلك ابن بسام في الذخيرة، فقرنه إلى الشعراء العباسيين، واستخرج طرفًا من أبياته وأشعاره التي نقلها عنهم نقلًا كقوله: يا بدرَ تِمٍّ زارَني ... منه الهلال وقد تلثَّمْ فقد أخذه لفظًا ومعنى من قول الشريف الرضي: تلثَّم مرتابًا بفضلِ ردائِهِ ... فقلت هلالٌ بعد بدرِ تمامِ ومن ذلك أيضًا قوله: كأنني بعدكم شمالٌ ... قد فارقتْ منكم يمينَا وقد أخذه بلفظه ومعناه من قول ابن المعتز: وإني وإيَّاك مثل اليدينِ ... ولكن لك الفضلُ أنت اليمينُ ونحن لا نريد أن نطيل بمثل هذه الأمثلة؛ إنما نريد أن نكثر من ذكر الأدلة على صحة ما نقوله من أن شعراء الأندلس لم يحاولوا الثورة على الأوضاع والأنماط العباسية فقد انساقوا يقلدون العباسيين ويحاكونهم، ولم يفكر أحد منهم في الخروج على هذا التقليد وتلك المحاكاة. ونحن نتساءل هل رأينا حتى الآن شيئًا جديدًا في الأندلس؛ إن الشعراء الأندلسيين لم يستطيعوا أن يحدثوا في عصر ملوك الطوائف وما تلاه من عصور إلى سقوط غرناطة اتجاهًا جديدًا في الشعر العربي يمكن أن نسميه مذهبًا، وهل عندهم إلا التقليد والاطراد مع الأفكار والصور السابقة، وكأني بالحياة العربية

стр. 492

في تلك العصور لم تعد حياة نشيطة، وكأنما أصابها شيء من العطل، فلم تعد تتعاقب فيها مذاهب فنية، بل تجمدت عند المذاهب القديمة، وكل ما يصنعه الشعراء أنهم يقلدونها على تلك الصورة المختلطة التي رأيناها، فهم ينقلون النماذج العباسية ويحاكونها بدون أن يعرفوا شيئًا عن تاريخها وما بينها من فواصل.

стр. 493

٥- الغناءُ الأندلسيُّ والموشَّحَاتُ والأَزْجَالُ: لم يستطع شعراء الأندلس أن يحدثوا مذهبًا فنيًّا جديدًا في الشعر العربي؛ فقد جمدوا غالبًا عند التقليد والصَّوغ على نماذج المشرق، وحقًّا أن الأندلس عاشت في ترف أحدث عندها اهتمامًا بشعر الطبيعة، كما أحدث عندها نهضة واسعة في الغناء وما يطوي من الموشحات والأزجال؛ غير أن صنيعهم في هذه الجوانب اقتصر على الشكل، ولم يتجاوزه إلى الصياغة العقلية والشعورية، فكل ما لهم في شعر الطبيعة إنما هو الكثرة، أما أفكارهم وأما طرقهم في الوصف ومناهجهم فكل ذلك يستعيرونه من المشرق استعارة وينقلونه نقلًا، وحتى ما نجده عندهم أحيانًا من التشخيص وبعث الشعور في الطبيعة قد تأثروا فيه العباسيين من أمثال أبي تمام وابن الرومي. ولعل الغناء وما تبعه من موشحات وأزجال هو الجانب الطريف في دراسة الشعر الأندلسي فقد سارعت الأندلس إلى العناية بالآداب الشعبية، ولكن ينبغي أيضًا أن لا نبالغ في ذلك، فإن هذه العناية لم تُحدث كما نقول تغييرًا في صياغة التفكير الفني عند الأندلسيين، إنما كل ما هناك أنهم يتخلصون من التقيد بالوزن، كما يتخلصون من التقيد بالقافية الواحدة وهذا كل ما عندهم من تجديد وهو تجديد شكلي اضطرتهم إليه ظروف الغناء، وحقًّا هم قد جددوا كثيرًا في الأوزان، ولكنا عرفنا في غير هذا الموضع أنهم سبقوا بذلك، سبقهم العباسيون إذ أوشكوا أن يغيروا صورة "الرُّقم الموسيقية" القديمة تغييرًا تامًّا، وإذن لا يبقى للأندلسيين في موشحاتهم سوى التجديد في القافية، وهو

стр. 494

ضرب من الحرية في صناعة المقطوعة، أوجدته ظروف إنشاد المغنِّين مع الجوقات للشعر، ونحن لا يمكن أن نعتد بهذا الجانب كمذهب جديد في الشعر العربي؛ إلا إذا كنا ممن يؤمنون بالشكليات ويتخذونها أصولًا للمذاهب الفنية. والحق أن شخصية الأندلس في الشعر العربي لم تكن قوية، ومع ذلك فإنها استطاعت أن تحدث شيئًا جديدًا في الشعر إلى حد ما يتجاوب مع بيئتها وما كان فيها من ترف ولذة ونعيم، وهو هذه الموشحات والأزجال التي تعبر عن موجة واسعة من الغناء والموسيقى، وقد نشأت هذه الموجة مع زرياب وغيره من مغني المشرق١ ومغنياته من أمثال فضل وعلم وقلم وقمر والعجفاء٢. فشاع الغناء وشاعت الموسيقى وكثر المغنون والمغنيات وظهرت الجوقات المختلفة، واتصل ذلك كله بالشعب وأعياده، بل يظهر أنه اتصل بحياته دائمًا في عيد وغير عيد، حتى لنجد التجيبي يقول: "كنت بمدينة مالقة من بلاد الأندلس سنة ست وأربعمائة؛ فاعتللت بها مديدة انقطعت فيها عن التصرف ولزمت المنزل، وكان يمرضني حينئذ رفيقان كانا معي، يلمان من شعثي ويرفقان بي، وكنت إذا جن الليل اشتدَّ سهري وخفقَتْ حولي أوتار العيدان والطنابير والمعازف من كل ناحية، واختلطت الأصوات بالغناء فكان ذلك شديدًا علي، وزائدًا في قلقي وتألمي؛ فكانت نفسي تعاف تلك الضروب طبعًا وتكره تلك الأصوات جبلَّة وأود لو أجد مسكنًا لا أسمع فيه شيئًا من ذلك ويتعذر علي وجوده لغلبة ذلك الشأن على أهل تلك الناحية وكثرته عندهم"٣، ويستمر التجيبي فيصف لنا حفلًا غنائيًّا رآه في بستان لدار كبيرة، وقد اصطفَّ شَرْب ونحو من عشرين رجلًا وبين أيديهم شراب وفاكهة وجوارٍ قيام بعيدان وطنابير وآلات لهوٍ ومزامير وجارية جالسة تضرب على عودها. وتحت تأثير هذه الموجة العنيفة من الغناء والموسيقى والجوقات وبتأثيرات مختلفة من البيئة المحلية ازدهرت الموشحات، "وكان المخترع لها مقدم بن معافى القبري

стр. 495

من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني، وأخذ عنه ذلك ابن عبد ربه صاحب كتاب العقد، ولم يظهر لهما مع المتأخرين ذكر، وكسدت موشحاتهما، فكان أول من برع في هذا الشأن بعدهما عبادة القزاز شاعر المعتصم بن صمادح صاحب المريَّة، وقد ذكر الأعلم البطليوسي أنه سمع أبا بكر بن زهر يقول: كل الوشاحين عيالٌ على عبادة القزَّاز فيما اتفق له من قوله: بدر تم شمس ضحى ... غصنُ نقا مسك شمّ ما أتم ما أوضحا ... ما أورقا ما أنم لا جرمْ من لمحا ... قد عشقا قد حُرِم"١ وذكر ابن بسام أن الموشحات القديمة كان أكثرها على الأعاريض المهملة غير المستعملة وأنهم كانوا يبنونها على مركز من اللفظ العامي والعجمي. ولعل في هذا ما يشير في صراحة إلى أن الموشحات فن أندلسي محلي وإن كنا لا نؤمن بأنها نشأت من المزاوجة بين الشعر العربي وضروب من الأغاني الشعبية الأندلسية، كما يذهب إلى ذلك بعض الباحثين من المستشرقين؛ إنما نؤمن بأنها تطور تمَّ هناك للمسمطات والمخمسات التي عرفت منذ العصر العباسي الأول. ويقول ابن بسام أيضًا: إن الموشحات القديمة لم يكن فيها تضمين ولا أغصان؛ فلما جاء الرمادي أكثر من التضمين في المراكز ثم جاء عبادة بن ماء السماء فاعتمد مواقع الوقف في الأغصان يضمنها٢. وإذن فالأغصان وأوقافها وتضمين مواقع الأوقاف كل ذلك قد عرف عند عبادة بن ماء السماء كما عرفت المراكز من قبله، وكأني به هو الذي انتهى بالموشحات إلى صورتها الأخيرة. واشتهر من بعده في عصر ملوك الطوائف ابن أرفع رأسه، شاعر المأمون بن ذي النون صاحب طليطلة، ثم جاءت الحلبة التي كانت في مدة الملثَّمين، وأشهرهم التُّطيلي صاحب الموشحة المشهورة: ضاحكٌ عن جمان سافرٌ عن بدرِ ... ضاق عنه الزمان وحواهُ صدري آه مما أجدْ ... شفَّني ما أجدْ
следующие страницы →