كأنها جداول ماء، كما شبه اضطراب الباكين وانسكاب دموعهم بهزة الغصن الذي غمرته أمطار السماء. ولم يكتف بذلك؛ بل راح يشبه أنينهم بصوت قُبَّرة تصفر وتصيح. وانظر كيف تصنع وكيف بالغ في تصنعه، حتى اجتمعت له هذه الصور والخيالات، التي تتجمع حقًّا في الطبيعة؛ ولكن لا يمكن للحس الطبيعي أن يجمعها في رثاء. وعلى هذا النمط كان ابن خفاجة يجمع بين التصنيع والتصنع في شعره، وإننا لنحس إزاءه ما أحسسناه عند سابقيه: ابن برد وابن زيدون من ضرب خواطره وأفكاره وصوره على النماذج المشرقية، ولاحظ ذلك ابن بسام في الذخيرة، فقرنه إلى الشعراء العباسيين، واستخرج طرفًا من أبياته وأشعاره التي نقلها عنهم نقلًا كقوله:
يا بدرَ تِمٍّ زارَني ... منه الهلال وقد تلثَّمْ
فقد أخذه لفظًا ومعنى من قول الشريف الرضي:
تلثَّم مرتابًا بفضلِ ردائِهِ ... فقلت هلالٌ بعد بدرِ تمامِ
ومن ذلك أيضًا قوله:
كأنني بعدكم شمالٌ ... قد فارقتْ منكم يمينَا
وقد أخذه بلفظه ومعناه من قول ابن المعتز:
وإني وإيَّاك مثل اليدينِ ... ولكن لك الفضلُ أنت اليمينُ
ونحن لا نريد أن نطيل بمثل هذه الأمثلة؛ إنما نريد أن نكثر من ذكر الأدلة على صحة ما نقوله من أن شعراء الأندلس لم يحاولوا الثورة على الأوضاع والأنماط العباسية فقد انساقوا يقلدون العباسيين ويحاكونهم، ولم يفكر أحد منهم في الخروج على هذا التقليد وتلك المحاكاة.
ونحن نتساءل هل رأينا حتى الآن شيئًا جديدًا في الأندلس؛ إن الشعراء الأندلسيين لم يستطيعوا أن يحدثوا في عصر ملوك الطوائف وما تلاه من عصور إلى سقوط غرناطة اتجاهًا جديدًا في الشعر العربي يمكن أن نسميه مذهبًا، وهل عندهم إلا التقليد والاطراد مع الأفكار والصور السابقة، وكأني بالحياة العربية
стр. 492
في تلك العصور لم تعد حياة نشيطة، وكأنما أصابها شيء من العطل، فلم تعد تتعاقب فيها مذاهب فنية، بل تجمدت عند المذاهب القديمة، وكل ما يصنعه الشعراء أنهم يقلدونها على تلك الصورة المختلطة التي رأيناها، فهم ينقلون النماذج العباسية ويحاكونها بدون أن يعرفوا شيئًا عن تاريخها وما بينها من فواصل.
стр. 493
٥- الغناءُ الأندلسيُّ والموشَّحَاتُ والأَزْجَالُ:
لم يستطع شعراء الأندلس أن يحدثوا مذهبًا فنيًّا جديدًا في الشعر العربي؛ فقد جمدوا غالبًا عند التقليد والصَّوغ على نماذج المشرق، وحقًّا أن الأندلس عاشت في ترف أحدث عندها اهتمامًا بشعر الطبيعة، كما أحدث عندها نهضة واسعة في الغناء وما يطوي من الموشحات والأزجال؛ غير أن صنيعهم في هذه الجوانب اقتصر على الشكل، ولم يتجاوزه إلى الصياغة العقلية والشعورية، فكل ما لهم في شعر الطبيعة إنما هو الكثرة، أما أفكارهم وأما طرقهم في الوصف ومناهجهم فكل ذلك يستعيرونه من المشرق استعارة وينقلونه نقلًا، وحتى ما نجده عندهم أحيانًا من التشخيص وبعث الشعور في الطبيعة قد تأثروا فيه العباسيين من أمثال أبي تمام وابن الرومي. ولعل الغناء وما تبعه من موشحات وأزجال هو الجانب الطريف في دراسة الشعر الأندلسي فقد سارعت الأندلس إلى العناية بالآداب الشعبية، ولكن ينبغي أيضًا أن لا نبالغ في ذلك، فإن هذه العناية لم تُحدث كما نقول تغييرًا في صياغة التفكير الفني عند الأندلسيين، إنما كل ما هناك أنهم يتخلصون من التقيد بالوزن، كما يتخلصون من التقيد بالقافية الواحدة وهذا كل ما عندهم من تجديد وهو تجديد شكلي اضطرتهم إليه ظروف الغناء، وحقًّا هم قد جددوا كثيرًا في الأوزان، ولكنا عرفنا في غير هذا الموضع أنهم سبقوا بذلك، سبقهم العباسيون إذ أوشكوا أن يغيروا صورة "الرُّقم الموسيقية" القديمة تغييرًا تامًّا، وإذن لا يبقى للأندلسيين في موشحاتهم سوى التجديد في القافية، وهو
стр. 494
ضرب من الحرية في صناعة المقطوعة، أوجدته ظروف إنشاد المغنِّين مع الجوقات للشعر، ونحن لا يمكن أن نعتد بهذا الجانب كمذهب جديد في الشعر العربي؛ إلا إذا كنا ممن يؤمنون بالشكليات ويتخذونها أصولًا للمذاهب الفنية.
والحق أن شخصية الأندلس في الشعر العربي لم تكن قوية، ومع ذلك فإنها استطاعت أن تحدث شيئًا جديدًا في الشعر إلى حد ما يتجاوب مع بيئتها وما كان فيها من ترف ولذة ونعيم، وهو هذه الموشحات والأزجال التي تعبر عن موجة واسعة من الغناء والموسيقى، وقد نشأت هذه الموجة مع زرياب وغيره من مغني المشرق١ ومغنياته من أمثال فضل وعلم وقلم وقمر والعجفاء٢. فشاع الغناء وشاعت الموسيقى وكثر المغنون والمغنيات وظهرت الجوقات المختلفة، واتصل ذلك كله بالشعب وأعياده، بل يظهر أنه اتصل بحياته دائمًا في عيد وغير عيد، حتى لنجد التجيبي يقول: "كنت بمدينة مالقة من بلاد الأندلس سنة ست وأربعمائة؛ فاعتللت بها مديدة انقطعت فيها عن التصرف ولزمت المنزل، وكان يمرضني حينئذ رفيقان كانا معي، يلمان من شعثي ويرفقان بي، وكنت إذا جن الليل اشتدَّ سهري وخفقَتْ حولي أوتار العيدان والطنابير والمعازف من كل ناحية، واختلطت الأصوات بالغناء فكان ذلك شديدًا علي، وزائدًا في قلقي وتألمي؛ فكانت نفسي تعاف تلك الضروب طبعًا وتكره تلك الأصوات جبلَّة وأود لو أجد مسكنًا لا أسمع فيه شيئًا من ذلك ويتعذر علي وجوده لغلبة ذلك الشأن على أهل تلك الناحية وكثرته عندهم"٣، ويستمر التجيبي فيصف لنا حفلًا غنائيًّا رآه في بستان لدار كبيرة، وقد اصطفَّ شَرْب ونحو من عشرين رجلًا وبين أيديهم شراب وفاكهة وجوارٍ قيام بعيدان وطنابير وآلات لهوٍ ومزامير وجارية جالسة تضرب على عودها.
وتحت تأثير هذه الموجة العنيفة من الغناء والموسيقى والجوقات وبتأثيرات مختلفة من البيئة المحلية ازدهرت الموشحات، "وكان المخترع لها مقدم بن معافى القبري
стр. 495
من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المرواني، وأخذ عنه ذلك ابن عبد ربه صاحب كتاب العقد، ولم يظهر لهما مع المتأخرين ذكر، وكسدت موشحاتهما، فكان أول من برع في هذا الشأن بعدهما عبادة القزاز شاعر المعتصم بن صمادح صاحب المريَّة، وقد ذكر الأعلم البطليوسي أنه سمع أبا بكر بن زهر يقول: كل الوشاحين عيالٌ على عبادة القزَّاز فيما اتفق له من قوله:
بدر تم شمس ضحى ... غصنُ نقا مسك شمّ
ما أتم ما أوضحا ... ما أورقا ما أنم
لا جرمْ من لمحا ... قد عشقا قد حُرِم"١
وذكر ابن بسام أن الموشحات القديمة كان أكثرها على الأعاريض المهملة غير المستعملة وأنهم كانوا يبنونها على مركز من اللفظ العامي والعجمي. ولعل في هذا ما يشير في صراحة إلى أن الموشحات فن أندلسي محلي وإن كنا لا نؤمن بأنها نشأت من المزاوجة بين الشعر العربي وضروب من الأغاني الشعبية الأندلسية، كما يذهب إلى ذلك بعض الباحثين من المستشرقين؛ إنما نؤمن بأنها تطور تمَّ هناك للمسمطات والمخمسات التي عرفت منذ العصر العباسي الأول. ويقول ابن بسام أيضًا: إن الموشحات القديمة لم يكن فيها تضمين ولا أغصان؛ فلما جاء الرمادي أكثر من التضمين في المراكز ثم جاء عبادة بن ماء السماء فاعتمد مواقع الوقف في الأغصان يضمنها٢. وإذن فالأغصان وأوقافها وتضمين مواقع الأوقاف كل ذلك قد عرف عند عبادة بن ماء السماء كما عرفت المراكز من قبله، وكأني به هو الذي انتهى بالموشحات إلى صورتها الأخيرة. واشتهر من بعده في عصر ملوك الطوائف ابن أرفع رأسه، شاعر المأمون بن ذي النون صاحب طليطلة، ثم جاءت الحلبة التي كانت في مدة الملثَّمين، وأشهرهم التُّطيلي صاحب الموشحة المشهورة:
ضاحكٌ عن جمان سافرٌ عن بدرِ ... ضاق عنه الزمان وحواهُ صدري
آه مما أجدْ ... شفَّني ما أجدْ
стр. 496
قام بي وقعد ... باطش متئد
كلما قلت قد ... قال لي أين قد
وتتكرر هذه الصورة عادة في الموشحة خمس مرات أو سبعًا، ومهما يكن فقد انتشر الغناء وانتشرت معه هذه الموشحات وأجاد الشعراء فيها إجادة بالغة، واستمر ذلك في دولة الموحدين واشتهر فيها ابن زُهْر صاحب الموشحة التي تنسب إلى ابن المعتز، وقد عرضنا لها في غير هذا الموضع. وما زالت الأندلس تعنى بهذه الموشحات حتى العصور المتأخر؛ إذ نجد ابن سهل صاحب الموشحة المشهورة.
هل درى ظبي الحمى أن قد حمى ... قلبَ صبٍّ حلَّه عن مكنسِ
فهو في نارٍ وخفقٍ مثلما ... لعبت ريح الصبا بالقبسِ
وقد نسج على منواله لسان الدين بن الخطيب في موشحته المعروفة:
جادك الغيثُ إذا الغيثُ همى ... يا زمانَ الوصلِ بالأندلسِ
لم يكن وصلك إلا حلما ... في الكرى أو خلسةَ المختلسِ
وكان يعاصره ابن زمرك، وهو يشتهر بوصفه الصباح في موشحاته حتى لتكون عنده الصبحيات مجموعة طريفة من الموشحات، ومن قوله في مطلع إحداها:
كحلُ الدُّجى يجري ... من مقلةِ الفجر
على الصباح
وعمَّت هذه الموشحات وانتشرت من المغرب إلى المشرق؛ ولكنها كما قلنا لم تحدث مذهبًا جديدًا في الشعر العربي؛ لأنها لم تغير في دلالته وصياغته العقلية والشعورية؛ إنما وقفت عند الصياغة الموسيقية. على أن النقاد لم يهتموا بها لخروجها عن أعاريض شعر العرب١، وكأن هذا الجانب هو كل ما لفتهم فيها من تجديد.
"ولما شاع فن التوشيح في أهل الأندلس وأخذ به الجمهور لسلامته وتنميق كلامه وتصريع أجزائه نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله، ونظموا على
стр. 497
طريقته بلغتهم الحضرية من غير أن يلتزموا فيه إعرابًا واستحدثوا فنًّا سموه بالزجل، التزموا النظم فيه على مناحيهم إلى هذا العهد؛ فجاءوا فيه بالغرائب، واتسع فيه للبلاغة مجال بحسب لغتهم المستعجمة. وأول من أبدع هذه الطريقة الزجلية أبو بكر بن قُزْمَان، وإن كانت قيلت قبله بالأندلس لكن لم تظهر حلاها ولا انسبكت معانيها ولا اشتهرت رشاقتها إلا في زمانه، وكان لعهد الملثمين "توفي عام ٥٥٥هـ". قال ابن سعيد: رأيت أزجاله مروية ببغداد أكثر مما رأيتها بحواضر المغرب"١. وينبغي أن نلقى كلام ابن خلدون في نشأة الزَّجل وتأخر هذه النشأة عن نشأة فن التوشيح بشيء من الحذر؛ فقد رأينا الموشح نفسه يُبْنَى في أول أمره -كما يقول ابن بسام- على بعض الكلمات الأعجمية. فالمعقول أن يكون الزجل قد نشأ معه مباشرة، وربما سبقه. ويمكن أن نقول إنهما جميعًا فن واحد ذو شعبتين، شعبة تغلب عليها الفصاحة، وشعبة تغلب عليها العجمة. وذكر ابن قزمان في مقدمة ديوانه أن أشهر من سبقوه أخطل بن نمارة، وهو يبدأ مقدمته بقوله: "ولما اتسع في طريق الزجل باعي وانقادت لغريبه طباعي، وصارت الأئمة فيه خولي وأتباعي وحصلت منه على مقدار لم يحصله معي زجال، وقويت فيه قوة نقلتها الرجال عن الرجال، عندما أبنت أصوله، وتبينت منه فصوله، وصعبت على الأغلف الطبع وصوله، وصفيته عن العقد التي تشينه وسهلته حتى لَانَ ملمسه ورقَّ خشينه، وعريته من الإعراب والاصطلاحات تجريد السيف عن القراب". ونرى ابن قزمان يتلوَّم بعد ذلك الزجالين الذين سبقوه لما عندهم من "معانٍ باردة وأغراض شاردة، وألفاظ شياطينها غير ماردة" ثم لما عندهم من "إعراب هو أقبح ما يكون في الزَّجل، وأثقل من إقبال الأجل"٢ وكأن الزَّجل في نشأته كان أقرب إلى الموشحة منه إلى الصورة العامية الخالصة التي انتهى إليها عند ابن قزمان، وانتقل هذا الرجل -كما انتقلت الموشحات- إلى المشرق
стр. 498
واستخدمته الأقاليم في آدابها الشعبية.
والحق أن الموشحات والأزجال جميعًا لم تحدثا ثورة واسعة على الأوضاع القديمة في الصياغة الفنية للشعر الفصيح، وربما كان ذلك يرجع في بعض أسبابه إلى أن الأندلس لم تعرف التفكير العميق الدقيق، أو على الأقل لم يعرفه شعراؤها، ولذلك استمروا عند المحاكاة والتقليد، ولعله من أجل ذلك كنت لا تجد عندهم كتابًا قيمًا يعرض لشاعر بتحليل فنه وبيان منهجه، وأنت أيضًا قلما وجدت عندهم شاعرًا متفلسفًا يتخذ له منهجًا واضحًا في عمله؛ إنما هم ينقلون ويلفقون لا عن انتخاب بل كما يقع لهم، وكما يعلمهم أساتذتهم من المشارقة، وقد أخذوا يصنعون بالموشحات والأزجال ما صنعوه بقصائدهم من الخلط فيها بين صياغات مذاهب الصنعة والتصنيع والتصنع، وظلوا يستمدون في دلالالتها وصياغاتها من معين المشرق ومذاهبه الفنية.
стр. 499
الفصل الثاني: مصر والمذاهب الفنية
مصر
...
الفصل الثاني: مصرُ والمذاهبُ الفنيةُ
ديارُ مصرَ هي الدنيا وساكنها ... هم الأنامُ فقابلها بتفضيلِ
يا من يباهي ببغداد ودجلتها ... مصر مقدمةٌ والشرحُ للنِّيلِ
زين الدِّين الوردي
١- مِصْرُ:
مصر -كما وصفها هيرودوت- هبة النيل، وقد مثَّلت أقدم دور في قصة المدنية الإنسانية، فعنها تلقت الأمم القديمة من فينيقيين وبابليين ويونانيين هذه القصة في أروع صورة لها، ثم حاولت أن تحاكيها، وأن تحتذي على مثالها. وقد ذكرها القرآن الكريم في ثمانية وعشرين موضعا١، ووصفها بأنها: ﴿جَنّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ . وحقًّا كانت الجنات والعيون والزروع تمتد على حافتي النيل من أسوان إلى شواطئ البحر المتوسط. وراع جمالها العرب حين فتحوها، فلقبوها فردوس الدنيا٢ وعبروا عن هذه الروعة أجمل تعبير في الكتاب الذي يزعم الرواة أن عمرو بن العاص أرسله إلى عمر٣، وفيه يقول:
"مصر قرية غبراء وشجرة خضراء، طولها شهر، وعرضها عشر، يكنفها جبل أغبر، ورمل أعفر، يخط وسطها نيل مبارك الغدوات، ميمون الروحات، تجري فيه الزيادة والنقصان، له أوان يدر حلابه، ويكثر فيه ذبابه، تمدّه عيون الأرض وينابيعها حتى إذا اصلخمَّ عجاجه، وتعظمت أمواجه، فاض على جانبيه، فلم يمكن التخلص من القرى بعضها إلى بعض إلا
стр. 500
في صغار المراكب، وخفاف القوارب، وزوارق كأنهم في المخايل وُرْق الأصائل، فإذا أحدق الزرع وأشرق سقاه الندى، وغذاه من تحته الثَّرى، فبينما مصر لؤلؤة بيضاء، إذا هي عنبرة سوداء، فإذا هي زمردة خضراء، فإذا هي ديباجة رقشاء، فتبارك الله الخالق لما يشاء".
وسكن هذه الزروع والوديان الخصيبة منذ الأبد السحيق أمشاج من إفريقيين وآسيويين، وسرعان ما اندمج بعضهم في بعض وألفوا أمة واحدة لها مشخصاتها ومقوماتها في اللغة والدين والتقليد. واستطاعت هذه الأمة أن تبني إمبراطورية كبيرة في الشرق القديم، إذ امتد سلطانها إلى الفرات شرقًا وآسيا الصغرى شمالا وبلاد البُنْت والنوبة جنوبًا. واستمرت هذه الإمبراطورية أحقابًا متطاولة، ثم ضعف شأنها؛ لكثرة الإغارات عليها والحروب بينها وبين جيرانها.
أغار عليها في أول الأمر الهكسوس، ثم وقعت في حروب مع الحيثيين، ودخلها الآشوريون، وفتحها الفرس في عهد قمبيز عام ٥٢٥ ق. م. واستمرت تابعة لهم حتى استولى عليها الإسكندر المقدوني عام ٣٣٣ ق. م. وأسس بها مدينة الإسكندرية. ولما توفي الإسكندر واقتسم قوَّاده دولته ظفر بمصر بطليموس، فاستقل بها، وأسس هو وأبناؤه فيها دولة إغريقية، كان لها شأن عظيم في العصور القديمة، وأصبحت الإسكندرية في عهدهم من أعظم مدن بحر الروم إن لم تكن أعظمها، وقد بنوا فيها منارة الإسكندرية المشهورة كما بنوا دارًا كبيرة للكتب وأخرى سموها دار المتحف وكانت بمثابة جامعة تدرس فيها العلوم والفنون المختلفة من فلسفة وطب وهندسة. ويذهب البطالسة وتدخل مصر في حظيرة الإمبراطورية الرومانية عام ٣١م. وثارت مصر على الرومان كثيرًا.
وأخيرًا يقبل العرب بأعلامهم من الفرما تحت قيادة القائد المظفر عمرو بن العاص فيفتحونها عام "٦٤٠م- ١٩هـ" ويفتحون في تاريخها صفحة الإسلام والعروبة، وقد اختطَّ لهم عمرو مدينة الفسطاط حسب قبائلهم. ثم أقبلت بعد ذلك قبائل عربية، فنزلت ريف مصر وسَعَتْ -بكل ما يمكنها- إلى تعريب مصر دينيًّا ولغويًّا، بحيث لا نصل إلى أواخر القرن الرابع الهجري حتى تكون جمهرة المصريين دخلت في الإسلام وحتى نجد القبط يهجرون لغتهم إلى اللغة العربية١.
стр. 501
٢- شَخْصِيَّةُ مِصْرَ:
لعل من الغريب أن هذه الغارات والفتوحات الكثيرة التي أصابت مصر حتى عهد الفتوح الإسلامية لم تضعف شخصيتها، فإن مما يلاحظ على مصر أنها أمة محافظة، تعتد بجميع تقاليدها وخصالها، بحيث لا يمكن أن تندمج في مغتصبيها أو تفنى في فاتحيها، فعلى الرغم من دخول عناصر الهكسوس والآشوريين والفرس واليونان والرومان فيها ظلت حافظة لشخصيتها وخصائصها الجوهرية، حتى بعد دخول العرب أنفسهم، فإنهم لم يستطيعوا أن ينفوا عنها شيئًا من صفاتها، بل رأيناهم هم يغرقون في جداولها، ويذوبون في نهرها الأكبر نهر النيل، وكأنما كان اتساع هذا النهر من قديم رمزًا إلى أن مصر لا يمكن أن تفنى في غيرها، بل غيرها هو الذي يفنى في مجراها ومجرى نهرها العظيم.
ومن يرجع إلى الحياة السياسية لمصر منذ فجر تاريخها يراها دائمًا أمة مقاومة لا تخضع للأجانب، أما ما قد يبدو من كثرة الفاتحين لها والمغيرين عليها من أنها تفتح صدرها لأعدائها من الأجانب فغير صحيح ولا يتفق وحقائقها التاريخية. وذلك أننا نراها تقاوم دائمًا، قاومت الهكسوس وطردتهم منها، وقاومت بعدهم الآشوريين والفرس والرومان، وكان لها مع الأخيرين ثورات عدة ذبح فيها الرومان كثيرين من أهلها١. وحتى العرب الذين أنقذوهم من نير الرومان
стр. 502
نجدهم يثورون عليهم١، واستمرت ثوراتهم لا تهدأ حتى تحول جمهورهم إلى الإسلام. وقد تكون الدولة الأجنبية الوحيدة التي لم يقاوموها هي دولة البطالسة، غير أن ذلك يرجع إلى أنهم لم يكونوا يعدونهم أجانب عنهم، فقد مصَّروهم تمصيرًا نهائيًّا. وهم أنفسهم لم يهدءوا في عصر العرب إلا منذ الدولة الفاطمية لا لسبب إلا لأن الفاطميين مصَّروا أنفسهم إذ راحوا يحتفلون بأعياد الشعب في مظاهر كبيرة تشبه أن تكون "كرنفالات" عظيمة ومن أجل ذلك أحبهم المصريون حتى إذا اغتصب الملك منهم صلاح الدين وجدنا ابن مماتي -على الرغم من موقف صلاح الدين من الصليبين- يؤلف كتابه: الفاشوش في حكم قره قوش" يهاجم فيه قره قوش المستشار الأول لصلاح الدين، وكان يخلفه أحيانًا على حكم المصريين في أثناء حروبه، وكانت فيه جوانب غفلة، فاستغلَّها ابن مماتي وقصَّها باللغة العامية في صور هزلية مضحكة، وسخر فيها من أحكامه وهي سخرية ماكرة، تطوي في داخلها سخرية خبيثة بحكم صلاح الدين ودولته الجديدة. وتستمر هذه الروح الثائرة في المصريين حتى نلتقي بها في صورة مجسمة في أثناء غزو نابليون لمصر، وما حوادث الثورة المصرية الأخيرة منا ببعيدة.
وإذن فالحياة السياسية لمصر تشهد بأنها أمة تشعر بشخصيتها شعورًا واضحًا، وهي لذلك لا تقهر، بل تستمر تقاوم، فإما أن يطرد الفاتح الأجنبي وإما أن يتمصَّر، ومعنى ذلك أن مصر ليست ضعيفة الشخصية، ولذلك كانت تتراءى لنا هذه الشخصية في جميع مظاهر حياتها في أثناء العصور الإسلامية.
ومن يرجع إليها في مفتتح هذه العصور يجد فريقًا من أهلها يفزعون إلى التصوف منذ عام٢ ٢٠٠هـ. وقد أنجبت مصر في القرن الثالث أهم متصوف في عصره، وهو ذو النون المصري المتوفى عام ٢٤٥ للهجرة وعليه تتلمذ كثير من أساتذة التصوف في المشرق٣. وظهر التصوف في مصر إنما كان استجابة لتراثها القديم من
стр. 503
المسيحية والرهبنة، وتسرَّب في التصوف على مرِّ التاريخ بعض عناصر الغنوسطية والأفلاطونية المحدثة التي كانت شائعة في مدرسة الإسكندرية قبل الفتح العربي.
وفي هذا ما يلفتنا إلى أن مصر استبقت شيئًا من تراثها القديم في حياتها العقلية، إذ كان بها مدرسة الإسكندرية التي أنشأها البطالسة على نحو ما مر بنا وقد حافظت جملة على الفلسفة اليونانية، واستحدثت لنفسها فلسفة جديدة، هي مزيج من المسيحية والفلسفة القديمة، ومما لا شك فيه أن هذه المدرسة كانت لا تزال قائمة حين فتح العرب مصر١. على أنه ينبغي أن نلاحظ أن الدراسة فيها كانت باليونانية ثم شاركتها السريانية في أواخر العهد الروماني٢، واتصل العرب مباشرة بهذه المدرسة منذ خالد بن يزيد بن معاوية الذي أمر بإحضار جماعة من علمائها لترجمة ما عندهم من كتب في الكيمياء٣.
لكن ينبغي أن لا نبالغ فيما استبقته مصر لنفسها من هذه المدرسة؛ لأنه سرعان ما ترك علماؤها مصر إلى أنطاكية في عهد عمر بن عبد العزيز٤ وبذلك لم تأخذ مصر الإسلامية الفرصة لتتفاعل مباشرة مع ما كان في هذه المدرسة من تراث، بل رأيناه يفد إليها ثانية من المشرق، كما كان الشأن بالأندلس على نحو ما مر بنا في الفصل السابق. وربما كان ذلك سبب تأخر الحركة العقلية فيها. ويظهر أن مصر من طبيعتها أن لا تُعنى عناية واسعة بالدرس الفلسفي وما يحتاجه من عمق، أو على الأقل كانت تلك طبيعتها في العصر الإسلامي، ولعله من أجل ذلك رأيناها تعنى بالدراسات الدينية واللُّغوية، وقلما تعنى بالدراسات الفلسفية، واستمر ذلك سمتها حتى القرن الثامن الهجري إذ نرى بهاء الدين السبكي يلاحظ أن أهلها صرفوا همهم إلى علوم اللغة والنحو والفقه والحديث
стр. 504
وتفسير القرآن بخلاف أهل المشرق الذين استوفوا هممهم الشامخة في تحصيل العلوم العقلية والمنطق١.
ولعل فيما قدمنا ما يدل على أن مصر في العصور الإسلامية السابقة لم تكن تشق على نفسها في الحياة العقلية، وقد يكون من أسباب ذلك ودوافعه ما عرف عن أهلها حينئذ من اللهو والدعة٢، فإن ذلك جعلهم لا يميلون إلى العمق والتقصي والتحليل، وإذا رجعنا إلى حياتهم الأدبية وجدناها تمثِّل تمثيلا واضحًا اللين والدعة وما ينساق فيهما. على أنه ينبغي أن نحمد لهم داخل حياتهم الأدبية وخاصة حياة الشعر أنهم صوروا لنا حياتهم السياسية إذ يمتلئ كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين" لأبي شامة بشعر كثير قيل في وصف المعارك والوقائع مع الصليبيين في الحكمين الفاطمي والأيوبي. ومعنى ذلك أن الشعب المصري لم يقصِّر في وصف الحوادث السياسية الكبيرة التي مرت به، وهو كذلك لم يقصر في وصف بيئته وطبيعة بلاده، وما انبث في وديانها وعلى ضفاف نيلها من زروع وجنات وعيون. وما أراني أبالغ إذا قلت: إن المادة التي تركتها مصر في شعر الطبيعة لا تختلف كثيرًا عن المادة التي تركتها الأندلس، فقد تغنى الشعراء كثيرًا بمشاهد مصر ومناظرها الجميلة. وكما مثَّل الشعر المصري بيئة بلاده وحياتها السياسية -من بعض الوجوه- كذلك مثل حياتها الدينية إذ نرى موجة من الزهد والتصوف تشيع في العصرين الفاطمي والأيوبي، وقد مثلها ابن الكيزاني في العصر الفاطمي بما كان له من شعر في التصوف والزهد، ثم مثلها في العصر الأيوبي ابن الفارض بديوانه الضخم المعروف، الذي يستغرقه جميعه بالتصوف والحب الإلهي.
وجانب آخر مثَّله الشعر المصري في العصور الإسلامية تمثيلا دقيقًا، وهو ميل المصريين إلى الفكاهة والدعابة، فمنذ شاع بينهم الشعر نجد شعراءهم يشتهرون بخفة الروح والتندر، يسجل ذلك صاحب المغرب على الجمل الأكبر شاعر أحمد بن طولون، كما يسجله على الجمل الأصغر الذي "كان ينحو في
стр. 505
الظرافة والتطايب منحى الجمل الأكبر"١، وكذلك يسجله سعيد المعروف باسم قاضي البقر شاعر الإخشيد، فقد زاد اختصاصه عنده "بما كان فيه من الحلاوة والتندير والهزل"٢. ومن ألقاب هؤلاء الشعراء أنفسهم -التي نُبِزوا بها- ما يدل على الروح المصرية التي نعرفها والتي تميل إلى الفكاهة والدعابة والنكتة. ومن يرجع إلى الخريدة -وهي تختص بالشعر الفاطمي- يجد فيها شاعرًا يُنْبَزُ باسم النسناس، وثانيًا باسم شلعلع، وثالثًا باسم الوضيع ورابعًا باسم الكاسات، وخامسًا باسم ابن مكنسة.
وهكذا نجد روح مصر الحديثة التي تعرف بميلها إلى الفكاهة تطل علينا من بين سطور الشعر المصري القديم بل من ألقاب الشعراء أنفسهم. وسنقف وقفة طويلة عند الفاطميين لنوضح هذه النزعة ونصورها تصويرًا بينًا، ومهما يكن فإن مصر واضحة الشخصية في تاريخ الشعر العربي الإقليمي، وسنرى حينما نتعمق في درسها ودرس شعرائها أنه خليق بنا -منذ الآن- أن نعنى بها وبشعرها لا من حيث وطنيتنا بل من حيث الحقائق الفنية الخالصة، على أنه ينبغي أن لا يعزب عنا ما قلناه في الأندلس مرارًا من أن شعراء الأقاليم العربية حافظوا على الأوضاع والتقاليد الفنية القديمة محافظة شديدة تكاد تُلغي كل ما كنا نتصوره عندهم من تجديد أو ثورة على التقاليد، إذ لم تكن تقوم -في هذه العصور- أسوار فاصلة بين إقليم عربي وإقليم أو بين وطن ووطن. وحقًّا إنه وجدت هناك آداب إقليمية، ولكن ينبغي أن لا نبالغ في صورة هذه الآداب وما كان بينها من تغاير. هي تتغاير حقًّا، ولكن تغاير الفروع والأغصان في الشجرة الواحدة لا تغاير الأجناس والأنواع في الأشجار.
والواقع أن تأثر الشعر العربي بالأقاليم لم يخرج إلى صورة واسعة نرى فيها هذه الأقاليم وكل منها تريد أن تحدث لنفسها شعرًا مستقلا عن الأقاليم الأخرى. وساعد في ذلك أن الشعراء أنفسهم كانوا يعتبرون العباسيين مثُلا عليا لهم،
стр. 506
فهم يعيشون على تقليدهم، ومن ثمَّ كنا نراهم يقفون معجبين بالأزياء الفنية التي نسجها أبو نواس والبحتري وابن الرومي، والأخرى التي نسجها أبو تمام وابن المعتز، والثالثة التي حاكها المتنبي وأبو العلاء وأضرابهما، وقلما بدلوا في هذه الأزياء، إنما هم يتنازعونها فيما بينهم، كل يحاول أن يتزيَّى بها في فنه، وأعجبوا خاصة بزي التصنيع والبديع، وما تزال ترى الشاعر منهم يجمع بين هذه الأزياء جميعًا في فنه دون أن يعرف الفروق بينها، فهي كلها أزياء، وهي كلها تحتذى وتقلد.
ومع ذلك استطاعت الأندلس أن تمثل نفسها -إلى حد ما- في شعرها، فاستحدثت الموشحات والأزجال، وصور الشعراء بيئتها تصويرًا طريفًا، وكذلك شأن مصر، فقد استطاعت داخل هذا التقليد أن تمثل نيلها وزروعها وجناتها، كما استطاعت أن تمثل موجة الزهد والتصوف التي كانت منبثة في بعض جوانبها، وأيضًا فإنها مثلت موجة اللين والدعة التي كانت شائعة فيها، كما مثلت جانب الفكاهة والدعابة في شعرائها أروع تمثيل.
стр. 507
٣- الشِّعْرُ في مِصْرَ:
إذا تعقبنا الشعر في مصر أثناء العصر الأموي لم نجد لها سوى أشعار كانت تقال في المناسبات والأحداث المختلفة. أما بعد ذلك فليس لها شاعر ممتاز يمكن أن نضعه في صف الشعراء الممتازين للحجاز ونجد والعراق والشام.
وإذا تركنا العصر الأموي إلى العصر العباسي وجدنا مصر تأخذ بأسباب النهضة الفنية التي ستقبل عليها في العصر الفاطمي، فقد أخذ الشعر ينمو فيها أكثر من ذي قبل، ومع ذلك فلا يزال بينها وبين بغداد بون بعيد. روى الرواة أنه لما قدم أبو نواس مصر على الخصيب عامل الخراج عليها من قبل هارون الرشيد
стр. 508
"وجد لديه جماعة من الشعراء فاستنشده، فقال: لا، ههنا جماعة من الشعراء هم أقدم مني وأسن، فأذن لهم في الإنشاد، فإن كان شعري نظير أشعارهم أنشدت، وإلا أمسكت، فاستنشدهم، فأنشدوا مديحًا فيه، فلم تكن أشعارهم مقاربة لشعر أبي نواس، فتبسم ثم قال للخصيب: أنشدك -أيها الأمير- قصيدة هي منزلة عصا موسى، تتلقَّف ما يأفكون، قال: هات، فأنشده: "أجارة بيتينا أبوك غيور" حتى أتى على آخرها، فانفض الشعراء من حوله"١.
وواضح ما يدل عليه النص من أن مصر حتى عصر أبي نواس لا تظفر بشاعر ممتاز يقاس إليه وإلى أضرابه من شعراء العراق، ولما قدم بعد ذلك أبو تمام إلى مصر في أوائل القرن الثالث كان أشهر شعرائها سعيد بن عفير والمعلَّى الطائي وابنه حِطَّان. ومن يرجع إلى شعرهم الذي روي في الولاة والقضاة للكندي وخطط المقريزي يلاحظ أنهم كانوا شعراء فحسب، ولكن لم يكونوا شعراء ممتازين بحيث يستطيعون أن يقرنوا إلى كبار الشعراء في العراق.
وإذا استمررنا نتقدم في القرن الثالث أحسسنا بأن مصر بدأت تتضح شخصيتها قليلا، فقد ظهرت فيها طائفة من الصوفية على رأسها ذو النون المصري، كما ظهر فيها الترف، أو بعبارة أدق بدأت تأخذ في أسبابه، وأتاح لها ذلك -من بعض الوجوه- قيام الدولة الطولونية، فإن أحمد بن طولون كانت لديه نزعة إلى الغناء٢ كما كانت لديه نزعة إلى الترف، فاهتم ببناء القصور والبساتين، وقالوا: إنه كان ينفق على طعامه كل يوم ألف دينار٣، وكان ابنه خمارويه يحب الشراب ويسرف فيه٤، ويظهر أنه كان مولعًا بالترف، فقد اهتم اهتمامًا واسعًا بالبستان الذي غرسه أبوه، وجلب إليه ضروب الرياحين والأشجار من كل نوع، كما جلب إليه ضروب الورد والزعفران والنيلوفر، وكسا أجسام النخل نُحاسًا مذهبًا حسن الصنعة، وتفنَّن فيه بضروب من الزخرف.
стр. 509
والتجميل١. وروى الرواة أنه كان بقصره بركة من الزئبق طولها خمسون ذراعًا وعرضها خمسون، أقيمت عليها أساطين من الفضة، شدت إليها زنانير من الحرير تحمل فراشًا كان ينام عليه "وكانت هذه البركة يرى لها في الليالي المقمرة منظر عجيب إذا تألف نور القمر بنور الزئبق"٢.
وليس من شك في أن هذه الصورة بالغة من الثَّراء والترف، وقد تكون هي أهم الأسباب التي جعلت الشعراء يبكون الدولة الطولونية بكاءً شديدًا٣. وتجتمع النصوص التي أثرت عن الدولة الطولونية أن الشعراء كثروا في عهدها٤، وهي كثرة أتاحت للصولي فيما بعد أن يكتب عن أخبار شعراء مصر كتابًا٥، غير أن هذا الكتاب مفقود، وربما كان أهم شاعر ظهر في هذا العهد هو الجمل الأكبر المتوفى عام ٣٥٨ للهجرة. يقول ياقوت: "كان شاعرًا مفلقًا مدح الخلفاء والأمراء"٦ وتخصص أخيرًا بابن طولون. ويقول صاحب المغرب أنه كان ينحو نحو الفكاهة والدعابة، غير أنه لم يصلنا من شعره، ما نستطيع به أن نحكم حكمًا واضحًا على قيمته الفنية أو قيمته الفكاهية.
وإذا انتقلنا إلى عصر الإخشيديين وجدنا شاعرهم الفكه الملقب بقاضي البقر ومن شعره الماجن٧:
يا ربِّ دعني بلا صلاحِ ... يا ربِّ ذرني بلا فلاحِ
يدي مدى الدَّهر فوق ردفٍ ... وراحتي تحت كأسِ راحِ
واشتهر في هذا العصر أيضًا أبو هريرة أحمد بن أبي عصام، وفيه يقول صاحب المغرب: "كان من شعراء الإخشيد المصريين من أصحاب النوادر والمجون والإدمان على شرب الخمر، ومن شعره في وصف مجالس الشراب.
مجلسٌ لايرى الإله به غيـ ... ـر مُصَلٍّ بلا وضوءٍ وطهرِ
стр. 510
سُجَّدٌ للكئوسِ من دون تسبيـ ... ح سوى نغمةٍ لعودٍ وزمْرِ"١
وروى له صاحب اليتيمة أبياتًا أخرى ذكر فيها دير القصير ومجونه٢ به، ولكنا لا نستطيع أن نحكم حكمًا واضحًا منها على شاعريته. واشتهر مع هذين الشاعرين في نفس الحقبة ابن طباطبا نقيب الطالبين بمصر، ونجد في شعره الذي رواه صاحب اليتيمة وصاحب المغرب نفس النغمة السابقة من اللهو والمجون كقوله٣.
أأتركُ الشربَ والأَنواءُ دائمةٌ ... والطَّلُّ منها على الأشجارِ منثورُ
والغصن يهتز كالنشوانِ من طربٍ ... والوردُ في العودِ مطويٌّ ومنشورُ
وكان له إلى جانب ذلك شعر في الزهد٤. ومهما يكن فإن مصر حتى الآن لم تستطع أن تقدم لنا شاعرًا ممتازًا من طراز الشعراء العباسيين ولا من طراز مقارب لهم، فكل ما هناك أنها أخذت -في هذه العصور- تستعد للنهضة الفنية المنشودة التي سنراها في عصر الفاطميين.
стр. 511
٤- الفاطميونَ ونهضةُ الشِّعْرِ الْمَصْريّ:
إذا تركنا هذه العصور إلى العصر الفاطمي خيِّل إلينا كأنما طلعت الشمس من مغربها، كما يقول المعز نفسه أول خلفائهم بمصر في كتاب له١، فقد اتخذ الفاطميون من القاهرة عاصمة لهم، وأقاموا فيها دولة عظيمة أشبه ما تكون بإمبراطورية ضخمة، إذ كان سلطانهم يمتد من شواطئ إفريقية الشمالية
стр. 512
إلى نهر الفرات؛ وبذلك أعادوا لمصر مجدها القديم في عصر الفراعنة، إذ استردت ما كان لها في الشرق من سلطان وهيبة وثروة. وإن الإنسان ليخيَّل إليه حين يقرأ في تاريخ الفاطميين وما كانوا عليه من بذخ وترف وثراء أن مصر ألقت في حجورهم كل ما تملك من كنوز وزروع، وأي كنوز وزروع؟ لقد ساق المؤرخون ذلك علينا في صور تشبه أن تكون أقاصيص، ولذلك شك فيها بعض الباحثين١ غير أن هذا الشك لا يغني أمام الوثائق التاريخية الصحيحة، فإن المؤرخين يجمعون على ضخامة ثروة هذه الدولة، ويكفي للدلالة على ذلك أن نعرف أن يعقوب بن كلس وزيرها في القرن الرابع كان يأخذ من الخليفة مائة ألف دينار في العام، ولما توفي ترك من الجواهر ما قيمته أربعمائة ألف دينار ومن المصوغات ما قيمته خمسمائة ألف دينار٢، ويقولون إنه أُنفق في كفنه من العطور التي استخدمت في تجهيزه عشرة آلاف دينار٣، وكذلك نجد في أوائل القرن السادس الهجري وزيرهم الأفضل الجمالي يخلِّف ثروة ضخمة، إذ ترك ستمائة ألف ألف دينار عينًا، ومائتين وخمسين أردبًّا دراهم نقد مصر، وخمسة وسبعين ألف ثوب أطلس، إلى غير ذلك من طُرَف وتحف وصفها ابن ميسِّر وابن خلكان٤، وإذا كان هذا حال وزرائهم فما حال خلفائهم وأمرائهم؟ ولعلنا لا نعجب بعد ذلك إذ نرى القاضي الفاضل يصف كنوزهم التي استولى عليها صلاح الدين فيقول: "وفي ثالث عشرين -يعني ربيعًا الآخر سنة سبع وستين وخمسمائة- كُشِفَ حاصل الخزائن الخاصة بالقصر ... ومقدار ما يحدس أنه خرج من القصر ما بين دينار ودرهم ومصاغ وجوهر ونحاس وملبوس وأثاث وقماش وسلاح ما لا يفي به ملك الأكاسرة، ولا تتصوره الخواطر الحاضرة ولا يشتمل عليه مثله الممالك العامرة، ولا يقدر على حسابه إلا من يقدر على
стр. 513
حسابات الخلق في الآخرة١.
والحق أن العصر الفاطمي يفتح في تاريخ مصر صفحة جديدة، وهي صفحة زاهية بما تصوره من ألوان الثراء والبذخ وما ينطوي في ذلك من ترف ونعيم، ولذلك لم يكن عجبًا أن يزورها المقدسي في أواخر القرن الرابع الهجري فيقول عنها "هي الإقليم الذي افتخر به فرعون على الورى، أحد جناحي الدنيا، ومفاخره لا تحصى، مصره قبة الإسلام، ونهره أجل الأنهار، وبخيراته تغمر الحجاز، وبأهله يبهج موسم الحاج، وبُرُّهُ يعم الشرق والغرب، قد وضعه الله بين البحرين، وأعلى ذكره في الخافقين، حسبك أن الشام -على جلالتها-رُسْتاقة، والحجاز مع أهلها عياله"٢. واستتبع هذا المركز لمصر وما كانت فيه من نعيم وثراء في أثناء هذا العصر أن انبعث فيها نهضة أدبية في الشعر كادت أن تتفوق بها على ما كان بالأندلس وغيرها من الأقاليم، وساعد على ذلك أن الفاطميين بذلوا للشعراء كل ما يستطيعون من جوائز ومكافآت. روى المقريزي في أثناء كلامه على بركة الحبش أنه "كان بها طاقات، وعليها صور الشعراء، كل شاعر واسمه وبلده، وعلى جانب كل من هذه الطاقات قطعة من القماش كتب عليها قطعة من شعر الشاعر في المدح وعلى الجانب الآخر رفٌّ لطيف مذهّب، فلما دخل الخليفة الآمر "٤٩٥- ٥٢٤" وقرأ الأشعار أمر أن توضع على كل رفٍّ صرَّة مختومة فيها خمسون دينارًا، وأن يدخل كل شاعر ويأخذ صرته بيده"٣. ونجد الشعراء في كل مكان وزمان من العصر الفاطمي وقد كثروا كثرة مفرطة، حتى قالوا إنه لما مات يعقوب بن كلس في القرن الرابع رثاه مائة شاعر، ونجد في الخريدة مجموعة من الشعراء تتخصص ببني رزَّيك، كما نجد كثيرين آخرين يمدحون الملوك والخلفاء من مثل طلائع الآمري المنسوب
стр. 514
إلى الخليفة الآمر"١ ومثل الشريف ابن الأخفش وله مدائح كثيرة في الآمر والحافظ٢، ويظهر أن الشعراء الذين يمدحون الخلفاء زادوا عن الحاجة في عهد الحافظ "٥٢٤- ٥٤٤" ولذلك نراه يأمرهم بالإيجاز والاختصار في قصائدهم٣:
أمرتنَا أن نصوغَ المدحَ مختصرًا ... لم لا أمرتَ ندى كفَّيكَ يُخْتَصَرُ
واللهِ لا بد أن نجري سوابقَنا ... حتى يبين لها في مدحك الأثرُ
ومن يتصفح الخريدة يلاحظ حقًّا أن الشعراء اتسعوا في مديح الدولة الفاطمية وخاصة في أواخر عصرها اتساعًا شديدًا، واخذوا يبالغون في مدح خلفائها حتى ليرفعونهم إلى مرتبة الآلهة كقول الشريف ابن الأخفش في مديح الحافظ: وقد بدأه بغزل وخمر ثم خرج إلى المديح فقال٤:
صرفُ جريالٍ يرى تحريمها ... من يرى الحافظ فردًا صمدا
بَشَرٌ في العين إلا أنهُ ... من طريقِ العقلِ نورٌ وهدى
جل أن تدرِكُهُ أعينُنا ... وتعالى أن نراه جسدا
فهو في التسبيحِ زلفى راكع ... سمع اللهُ به من حَمَدا
تُدْرك الأفكارُ فيه نبأ ... كاد من إجلالِه أن يُعْبَدا
وواضح أن الشاعر يسبغ على الخليفة صفات ربه، فهو يخاطبه وكأنه يخاطب رب العالمين، وعلق على هذه الأبيات صاحب الخريدة بقوله: "اقتصرت على هذه أنموذجًا لشركه، وأخَّرت الباقي من سلكه". وكنا نأمل من العماد أن لا يقتصر وأن لا يؤخر حتى نطلع بصورة واضحة على مدائح الشعراء للفاطميين وما اتخذوا فيها من صنوف الغلو، غير أنه كان كاتبًا لصلاح الدين الذي قامت دولته السنية للقضاء على دولة الفاطميين الشيعية، ولذلك رأيناه ينبذ مثل هذا الشعر الذي يتطرف في مديح الفاطميين، وصرح بذلك مرارًا في
стр. 515
خريدته، يقول في ترجمة شاعر يسمى ابن الضيف: "كان من دعاة الأدعياء والغلاة لهم في الولاء، وكان في حدود سنة خمسمائة في عهد آمرهم، وله فيه مدائح كثيرة، لدواعي المنائح مثيرة، وقع إلىّ ديوانه بخطه، وكنت عازمًا لفرط غلوه على حطه؛ لأنه أساء شرعًا، وإن أحسن شعرًا، بل أظهر كفرًا، لكنني لم أترك كتابي منه صفرًا "١. وساق له قطعة صغيرة من شعره، ولم يقف صاحب الخريدة بإهماله لهذا الجانب عند الشعراء المفرطين في تشيعهم، بل تعداهم إلى غيرهم من مثل ظافر الحداد المتوفى عام ٥٢٩ للهجرة، يقول في ترجمته: "ظافر بحظه من الفضل ظافر، يدل نظمه على أن أدبه وافر، وشعره بوجه الرقة والسلاسة سافر، وما أكمله لولا أنه من مدَّاح المصري والله له غافر"٢. ومع ذلك ساق العماد بعض قطع لهؤلاء الشعراء وغيرهم، تصوِّر غلوهم في المديح على نحو ما رأينا عند الشريف ابن الأخفش كما ساق طرفًا من القصائد التي قيلت في معارك الصليبيين في أثناء العصر الفاطمي.
والحق أن الخريدة تمثل لنا شخصية مصر تمام التمثيل إذا نحن أغضينا النظر عن مدائح الفاطميين، بل إن هذه المدائح نفسها صورت في الخريدة إلى حد ما. ونحن في الواقع نغفل مصر لا بإغفالنا للخريدة ونحوها من الكتب المخطوطة وعدم عنايتنا بقراءتها فضلا عن نشرها، بل نحن نغفلها ولا نقرؤها حتى في الكتب المطبوعة، وكذلك الشأن في دواوين شعرائها لا نقرؤها ولا ننشرها نشرة علمية صحيحة. وإن أي شخص يعنى بمصر ويقرؤها في مراجعها يجدها تملك عليه نفسه، فقد عبَّرت خير تعبير عن شخصيتها، وماذا تريد من شعرائها؟ أتريد تصويرهم لبيئتهم وما فيها من جنات وزروع؟ لقد بلغوا من ذلك كل مبلغ،
стр. 516
وانظر إلى تميم بن المعز يقول في النيل١:
يومٌ لنا بالنيلِ مختصرٌ ... ولكل يوم مسرَّة قصرُ
والسُّفنُ تجري كالخيولِ بنا ... صعدًا وجيشُ الماءِ منحدرُ
وكأنَّما أمواجُهُ عُكَنٌ ... وكأنما داراته سرَرُ٢
ويصف ابن قلاقس٣ آخر شعراء هذا العصر مغرب الشمس: هذا المنظر الذي تشتهر به مصر، فيقول وقد رآها تغرب في عين النيل:
انظرْ إلى الشمسِ فوق النيلِ غاربةً ... واعجب لما بعدها من حُمْرةِ الشَّفقِ
غابت وأبدت شعاعًا منه يخلُفُهَا ... كأنها احترقت بالماءِ في الغرقِ
وتعلق الشعراء بوصف الزهور والزروع التي تحف بالنيل، ومن أشهرهم في ذلك ابن وكيع التنيسي٤ المتوفى عام ٣٩٣ للهجرة. كقوله في وصف الأزهار ٥:
من نرجسٍ أبيضَ كالثغورِ ... كأنه مخانقُ الكافورِ٦
وروضةٍ تزهرُ من بنَفسجٍ ... كأنها أرضٌ من الفيروزجِ
يضحكُ منها زهر الشقيقِ ... كأنَّهُ مداهن العقيقِ
وارم بعينيك إلى البَهَارِ ... فإنه من أحسن الأزهارِ
كأنه مداهنٌ من عسْجَدِ ... قد سُمِّرت في قضبِ الزَّبرجدِ
وتبعه الشعراء يتغنون بهذه الأزهار والأنوار، وأضافوا إليها نغم
стр. 517
أخرى من غنائهم بالنواعير، كقول أبي الفرج الموقفي في ناعورةٍ١:
ناعورةٌ تحسبُ في صوتِها ... متيمًا يشكو إلى زائرِ
كأنما كيزانُها عصبةٌ ... صيبوا بريبِ الزمنِ الواترِ
قد منعوا أن يلتقوا فاغتَدَى ... أوَّلهم يبكي على الآخِرِ
ويقول ظافر الحداد٢:
وكأنما القُمريُّ ينشد مصرعا ... من كل بيتٍ والحمامُ يُجيزُ
وكأنما الدولابُ يزمُرُ كلما ... غنَّت وأصوات الضفادع شِيزُ٣
وواضح في هذا الشعر ميل الفاطميين إلى جمال التصوير وإدماجه في حسن التعليل، وقد تشبثوا به في شعرهم تشبثًا شديدًا، وهو أحد الألوان المهمة التي تكسب فنهم روعة خاصة، ولعل من الطريف أن الفاطميين كما وصفوا النيل وما على حفافيه من زهور وزروع ونواعير. وصفوا أيضًا ما على ضفتيه من آثار وخاصة الهرمين وأبا الهول، وانظر إلى هذه الصورة التي صورها ظافر الحداد٤:
تأمَّل بِنْيَةَ الهرمين وانظرْ ... وبينهما أبو الهولِ العجيبُ
كعمَّارِيَّتين على رحيلٍ ... لمحبوبين بينهما رقيبُ
وماءُ النيلِ تحتهما دموعٌ ... وصوتُ الريحِ عندهما نحيبُ
وهي صورة طريفة تدل على أن صاحبها من أصحاب المخيلات اللاقطة التي تستطيع أن تضم أجزاء المنظر الواسع في الطبيعة بعضها إلى بعض وتؤلف منها صورة مركزة دقيقة، فإذا الهرمان كمحبوبين في عماريتين أو هودجين يبكيان لرحيلهما وفراقهما، وآية هذا البكاء ذلك النيل الذي يجري تحت أقدامهما متجمعًا من دموعهما!
والحق أن الشعر الفاطمي صور بيئة بلاده تصويرًا طريفًا، وهو كما عني بتصوير البيئة التي كان يتنفس فيها عني كذلك بتصوير أهل هذه البيئة
стр. 518
ونفسياتهم، فقد تعرضت صفحات منه لتصوير موجة المجون التي كانت عامة في هذه العصور، كما تعرضت صفحات أخرى لتمثيل موجة الزهد والتصوف التي سبق أن تحدثنا عنها. ولعل مما يمثلها من بعض الوجوه هذا الشعر الزاهد الذي نجده في الخريدة من مثل قول بعض الشعراء١:
جهادُ النَّفس مفترضٌ فخذْها ... بآدابِ القناعةِ والزهادَةْ.
فإن جنحتْ لذلك واستجابتْ ... وخالفتِ الهوى فهو الإرادةْ
وإن جمحتْ بها الشهواتُ فاكبحْ ... شكيمَتَهَا بمقْمَعَةِ العبادَةْ
عساك تحلُّها درج المعالي ... وترفعها إلى رُتَب السَّعادَةْ
وتعلق شاعر يسمى ابن الكيزاني بهذا الجانب يقول صاحب الخريدة عنه: "فقيه واعظ مذكِّر حسن العبارة مليح الإشارة، لكلامه رقة وطلاوة ولنظمه عذوبة وحلاوة، مصري الدار، عالم بالأصول والفروع، عالم بالمعقول والمشروع، مشهود له بألسنة القبول، مشهور بالتحقيق في علم الأصول، وكان ذا رواية ودراية بعلم الحديث، إلا أنه ابتدع مقالة ضل بها اعتقاده، وزل في مزلقها سداده، وادعى أن أفعال العبادة قديمة، والطائفة الكيزانية بمصر على هذه البدعة إلى اليوم مقيمة. واعتقد أن التنزيه في التشبيه، عصم الله من ذلك كل أديب أريب ونبيل نبيه، وله ديوان شعر يتهافت الناس على تحصيله وتعظيمه وتبجيله لما أودع فيه من المعنى الدقيق، واللفظ الرشيق، والوزن الموافق، والوعظ اللائق، والتذكير الرائع الرائق، توفي بمصر سنة ستين وخمسمائة، وهو شيخ ذو قبول، وكلام معسول، وشعر خالٍ من التصنع مغسول. والكيزانية بمصر فرقة منسوبة إليه يدَّعون قدم الأفعال، وهم أشباه الكرامية بخراسان"٢. ويقول ابن خلكان: "كان زاهدًا ورعًا، وبمصر طائفة ينسبون إليه ويعتقدون مقالته، وله ديوان شعر أكثره في الزهد ولم أقف عليه، وسمعت له بيتًا واحدًا أعجبني وهو:
وإذ لاقَ بالمحبِ غرامٌ ... فكذا الوصلُ بالحبيبِ يليقُ
стр. 519
وفي شعره أشياء حسنة"١. ويقول ابن سعيد: "وقفت على ديوانه، وهو مشهور عند الناس قريب من أفهام العامة غير مُرْض عند صدور الشعراء, وديوانه كثيرًا ما يباع في سوق الفسطاط وسوق القاهرة. ولم أََرَ فيه ما يصلح للاختيار"٢. ويظهر أن ابن سعيد قسا عليه في الحكم فقد أشاد به صاحب الخريدة، وإن كان لاحظ عليه أن شعره "لم يَخْلُ من وهن اللحن" ولكنه يقول: إن ذلك "مقبول في سبيل الوعظ"٣. وروى له قطعة كبيرة من شعره إلا أنها كلها من الغزل الصوفي، وهو غزل كله تواجد، وليس فيه مادية ولا حسية على نحو ما نعرف في غزليات ابن الفارض، وأكبر الظن أنه أراد به إلى معانٍ دينية غير معاني الغزل الحقيقي، فهو من غزل المتصوفة. وعلى كل حال هو غزل سهل سهولة مطلقة، وقد ألِّف أكثره من الأوزان القصيرة. وهو من هذه الناحية أخف وألطف من غزل ابن الفارض؛ لأنه لم يملأه بالتصنع والبديع مثله، ولأننا نحس فيه بجو واسع من الحب الصوفي ومعانيه كقوله٤:
اصرفوا عني طبيبي ... ودعني وحبيبي
علِّلوا قلبي بذكرا ... هـ فقد زادَ لهيبي
طابَ هَتْكي في هواهُ ... بين واشٍ ورقيبِ
لا أبالي بفوات النَّفـ ... س ما دام نصيبي
ليس من لامَ وإن أطْـ ... نبَ فيهِ بمصيبِ
جسدي راضٍ بسُقْمي ... وجفوني ونحيبي
وواضح ما في هذا الغزل من روح المتصوفة إذ يتصل مباشرة بمبدأ التوكل عندهم وأنه لا يصح للمريض منهم أن يتعلل بدواء وهذه الموجة من الزهد
стр. 520
والتصوف كان يقترن بها موجة أخرى من الترف، وزكَّاها ما سبق أن عرضنا له من ثراء الفاطميين وما ينطوي في هذا الثراء من دعة. ولعل ذلك ما جعل المقدسي يلاحظ أن أهل مصر أهل ترف وتجمل في ثيابهم١، ونمت هذه الحال على ما يظهر بعد المقدسي، إذ نرى مدينة تنِّيس تخرج -في القرن الخامس- نوعًا جديدًا من نسيج الثياب يسمى: أبا قلمون، وهو نسيج كان يظهر للرائي في ألوان متقلبة٢. ولعل مما يدل على هذا الترف من بعض الوجوه ما لاحظه "ناصر خسرو" على أهل مصر من ولعهم بالأزهار واتخاذ أصصٍ لها على سطوح بيوتهم حتى تصير السطوح كأنها حدائق٣. ويروي المقريزي أنه: "كان يُصْنَعُ للخليفة بمصر قصر من الورد بقرية من قرى قليوب، كان بها جنان وورود كثيرة، وكان الخليفة يخرج في يوم يسمى يوم قصر الورد إلى تلك القرية متنزهًا"٤. وليس من شك في أن هذا كله دليل على أن ذوق مصر أترف في العصر الفاطمي، وساق الناس ترفهم إلى اللهو والقصف، وغرقوا إلى آذانهم في هذه الموجة هم وأمراؤهم، وآية ذلك أن حياة تميم بن المعز كانت لهوًا وخمرًا، وكذلك كان شعره، ولم تكن هذه الموجة من اللهو خاصة بالقصر بل تعدته إلى الناس حتى المشايخ، يقول المقدسي: "إن المشايخ في مصر لا يتورعون عن شرب الخمور"٥ ويقول المقريزي: "كانت هناك قاعات مختلفة للخمارين بالفسطاط والقاهرة، وكان الفاطميون يكتفون بمنع الخمر في آخر جمادى في كل سنة"٦. وساعد على اتساع هذه الموجة أن الفاطميين اهتموا اهتمامًا بالغًا بأعياد الشعب من إسلامية وقبطية، وينقل المقريزي عن المسبِّحي المتوفى عام ٤٢٠ للهجرة وصفًا فخمًا لهذه الأعياد نتبين منه أنها كانت "كرنفالات" عظيمة.
стр. 521
توقد فيها النار والمشاعل، ويجتمع الناس ومعهم التماثيل والمضاحك والخيال، ويتخذون ما شاءوا من اللهو والفسق والفجور١. ويظهر أن الشعراء اندفعوا في التعبير عن هذه الموجة اندفاعًا، فإن من يقرأ الشعر الفاطمي يجد أكثره زهرًا وخمرًا وغلمانًا كقول ابن وكيع:
غرَّد الطيرُ فنبَّه من نعسْ ... وأدرْ كأسَكَ فالعيشُ خُلَسْ
سلَّ سيفُ الفجرِ من غمد الدُّجى ... وتعرَّى الصبحُ من ثوبِ الغَلَس٢
وإذا كانت موجة الزهد السابقة وجدت من يتخصص فيها كابن الكيزاني، فإن هذه الموجة الماجنة كثر المتخصصون فيها فقد تخصص فيها أول هذا العصر تميم وابن وكيع، ثم جاء شعراء القرنين الخامس والسادس فاتسعوا فيها وزادوا في الطنبور نغمة بل نغمات. واشتهر بغناء هذا اللحن في القرن الخامس الشريف العقيلي في أوله، ثم ابن مكنسة في آخره، ومن شعره في الخمر٣:
إبْريقُنا عاكفٌ على قَدَحِ ... تخالُهُ الأمَّ ترضعُ الولدا
أو عابدًا من بني المجوسِ إذا ... توهَّم الكأسَ شعلةً سَجَدا
ويقول ابن قادوس وهو من شعراء الخريدة الماجنين٤:
راحٌ إذا سفك الندمانُ من دَمِها ... ظلَّت تقهقِه في الكاسات من جَذَلِ
ويقول أيضًا٥:
قم قبل تأذينِ النواقيسِ ... واجل علينا بنت قسِّيسِ
عروس دنٍّ لم يدعْ عتقُها ... إلا شعاعًا غيرَ ملموسِ
تُجْلى علينا باسمًا ثغرُها ... فلا تقابلها بتعبيسِ
مُذْهَبةُ اللون إذا صفِّقَتْ ... مُذْهِبةٌ للهمِّ والبوسِ
стр. 522
لا غَرو ما تأتيهِ من ريبةٍ ... لأنها عنصُرُ إبليسِ
ليس لها عيبٌ سوى أنَّها ... حسرةُ أقوامٍ مفاليسِ
ولم يقف الشعراء عند ذلك بل نراهم يتطرقون إلى ذكر العورات في صور يعف القلم عن ذكرها. وأظهر الفاطميون رقة شديدة في غزلهم، وهي رقة كانت متفشية في الناس حتى جعلت لغتهم -كما لاحظ المقدسي١- رخوة، فهم يتظرفون ويرقون منتهى ما يكون من تظرف ورقة، وأورثنا ذلك عنهم طائفة واسعة من غزل رقيق كقول ظافر الحداد٢.
يا ساكني مصر أما من رحمةٍ ... فيكم لمن ذهب الغرامُ بلبِّه
أمِنَ المروءةِ أن يزورَ بلادكم ... مثلي ويرجع مُعْدَمًا من قلبِهِ
وكان ينساق مع هذا الجانب من الرقة جانب آخر من الظرف والفكاهة والدعابة، وسبق أن لاحظنا اتصال هذا الجانب بالشعراء المصريين قبل عصر الفاطميين، واستمرت هذه الظاهرة في العصر الفاطمي وكثر الشعر الذي يمثلها من القرن الرابع إلى القرن السادس، إذ نجد ابن وكيع في مفتتح هذا العصر يداعب غلامًا نصرانيًّا في مربعة طويلة٣، شكا له فيها من حبة، ثم عرج على صدِّه، وتوعده أن هو لَجَّ في هجره أن يعرض أمره على القساوسة والشمامسة والرهبان، فإن أبى عليه وتمنع عرض أمره على الأسقف فالمطران فالبطرك:
ولا تلُمني إن قصدت الأسقفا ... من برَّحَ السُّقمُ به رام الشِّفا
فلا تقل أبديتُ مكنونَ الجفا ... أنت الذي أحوجتني أن أكْشِفا
سوف إلى الْمُطرانِ أنهي قصَّتي ... إن دام ما تؤثرُهُ من هجرتي
فإن رثى لي طالبًا معونتي ... ولم تشفِّعه بكشفِ كربتي
стр. 523
شكوت ما يلقاهُ من فَرْطِ السَّقمِ ... قلبي إلى البَطْرَك والحبرِ العلم
وتستمر هذه الروح الفكهة في الأدب الفاطمي حتى عصر الجليس بن الحباب المتوفى عام ٥٦١ للهجرة فقد روى له صاحب الخريدة هذه القطعة يشكو فيها من طبيب على سبيل المداعبة١.
وأصلُ بليَّتي من قد غزاني ... من السقم الملحِّ بعسكرينِ
طبيبٌ طبُّهُ كغرابِ بينٍ ... يفرِّق بين عافيتي وبيني٢
أتى الحمَّى وقد شاختْ وباختْ ... فردَّ لها الشبابَ بنسختينِ
ودبَّرها بتدبيرٍ لطيفٍ ... حكاهُ عن سنانٍ أو حنينِ
وكانت نوبةً في كل يومٍ ... فصيَّرها بحذقٍ نوبتينِ
وإذا تركنا الجليس بن الحباب إلى من جاءوا بعقبه وجدنا بينهم كثيرين اشتهروا بهذه الروح مثل قمر الدولة، وكان يعيش في صدر القرن السادس، وكان "طريف الصنعة في مجونه، اجتمعت فيه أسباب المنادمة: يضرب بالعود، ويغني ويلعب بالشطرنج وهو صاحب نوادر ومضاحك"٣. ومن شعره في ابن أفلح الكاتب وكان أسود:
هذا ابنُ أفلحَ كاتبٌ ... متفرِّدٌ بصفاتِهِ
أقلامُهُ من غيرِهِ ... ودواتُهُ من ذاتِهِ
ونستمر فنجد ابن قادوس الشارع المشهور في هذا العصر بنوادره، كما نجد كثيرين غيره وقد نبزوا بألقاب تدل على هذه الروح فيهم، فلقب بعضهم باسم شلعلع وآخر باسم النسناس وثالث باسم الوضيع، ورابع باسم الجهجهان وخامس باسم الكاسات: "وكان خفيف الروح كثير المجون، يضحك بنوادره وسخفه المحزون"٤. وما نزال نلقى نوادر هؤلاء الشعراء حتى ننتهي في آخر هذا القسم
стр. 524
من الخريدة الخاص بمصر بالشاعر الفكة ابن مكنسة.
والحق أن الشعراء المصريين في العصر الفاطمي مثلوا بيئتهم وطبيعتهم وروحهم وشعورهم تمثيلا صادقًا طريفًا. وقد وقفنا طويلا عند هذه الجوانب لأننا لم نجد أحدًا من الباحثين كشف عن هذه النواحي في الشعر المصري. وقد كنا نظن أن مصر ليست ذات خطر في تاريخ الشعر العربي! وأكبر الظن أن القارئ قد لاحظ أن المصريين لم يستحدثوا لأنفسهم صياغة فنية جديدة، فأساليبهم وأخيلتهم في التعبير عن بيئتهم وتصوير ترفهم ومجونهم كل ذلك كانوا يتأثرون فيه المشرق، بل لا نبعد إذا قلنا إنهم كانوا يقلدونه تقليدًا شديدًا، ولولا ما يميزهم من تصوف وفكاهات ودعابات لأحسسنا باتساع حركة التقليد على نحو ما أحسسنا بها في الأندلس. ومع ذلك فنحن نحسها بوضوح إذ نرى شعراء هذا العصر منذ افتتاحه يتشبثون بأوصاف العباسيين في الخمر والطبيعة والغزل، نرى ذلك عند تميم بن المعز وابن وكيع في القرن الرابع، وعند الشريف العقيلي وابن مكنسة في القرن الخامس، ثم بعد ذلك عند ظافر الحداد وابن الصياد وطلائع الآمري والشريف ابن الأخفش وابن قادوس والمهذب بن الزبير. واستعرض اليتيمة والخريدة والمغرب فسترى التفكير الفني عند المصريين يتصف بشارات التفكير الفني عند المشارقة، ويزيد على ذلك حال الاختلاط والاضطراب التي سبق أن وصفناها عند الأندلسيين، فالشاعر يخلط بين جميع المناهج العباسية، وآية ذلك أنك تجد له قطعة من ذوق الصانعين وأخرى من ذوق المصنعين وثالثة من ذوق المتصنعين في غير نسق ولا نظام. وكان شأن المصريين شأن الأندلسيين في أنهم نقلوا مجموعة ألوان التصنيع ونقصد الألوان الحسية من جناس وطباق وتصوير وأخذوا يضيفون إليها تلفيقًا ولفًّا ودورانًا، ويتراءى لنا ذلك بوضوح منذ القرن الخامس عند الشريف العقيلي الذي كان يتصنع كثيًرا للجناس والطباق، كما كان يتصنع في صوره وأخيلته. وكان يضيف إلى تصنعه بعض اصطلاحات من العلوم، واستمر هذا شأن المصريين من بعده، وغاية ما في الأمر أننا نرى بعضهم يتوسع في تلفيقه وتصنعه، وما يقترحه على نفسه من ضروب
стр. 525
مشقة وتكلف من مثل ابن الأخفش إذ يبدأ إحدى قصائده على هذا النمط١.
سقى دِمَنَ السَّفحين لقطْر صيِّبُ ... وحيَّا رُبى حيٍّ رَبا فيه ربربُ٢
ومالي عن شرعِ الصبابةِ مَشْرَعٌ ... ومالي إلا مذهب الحبِّ مذهبُ
وفي الحيّ رُودٌ في عذاب ورودها ... عذابٌ يذيبُ العاشقينَ ويعْذُبُ٣
فإنك تحس أن الشاعر يفتعل الجناس افتعالا فهو يتصيده بكل وسيلة وحيلة، وإذن فإياك أن تظن أن شخصية المصريين في شعرهم باعدت بينهم وبين صورة الفن في الشعر عند المشارقة، فلا تزال الصورة قائمة، وغاية ما في الأمر أن خفة روح المصريين في شعرهم هي التي تحول بيننا وبين رؤية الحقيقة. واستمع إلى هذه القطعة لشلعلع وكان شاعرًا فكهًا٤:
أجللت مدم إيما إجلالِ ... عن ظن إخلادٍ إلى إخلالِ
أو ريبةٍ في الودِّ تخرج قاصدًا ... من فَرْطِ إدلالٍ إلى إذلالِ
وحساب تسويفٍ ومطل عن غنى ... يفضي بإمهالٍ إلى إهمالِ
آليتُ أبرحُ سائلا لك نائلا ... يُوسَى ببلِّ نداه بالي البالي
حتى يراجعَ فيَّ عاطفةَ العُلا ... كرمٌ يزينُ الفضلَ بالإفضالِ
وأرى بعودِ نداك عودي مورقًا ... ومعطَّل التأميل حالي حالي
واستمر شلعلع على هذا النمط يصعِّب على نفسه المرور إلى قافيته، فهو يرصد قبلها كلمة ثم يلتزم الجناس بين هذه الكلمة وبين القافية، وكأنه يتأثر في ذلك تصنع أبي العلاء الذي مر بنا في الكتاب الثاني. وكما نجد هذه الصورة المتكلفة في الجناس نجد مثيلا لها في الطباق وفي التصوير، وانظر إلى قول ابن الأخفش في عذار غلام٥:
стр. 526
وكأن العذارَ في حُمرة الخدِّ ... على حسنِ خدِّك المنعوتِ
صولجانٌ من الزُّمردِ معطو ... فٌ على أكْرةٍ من الياقوتِ
ألا تحس أن هذه صورة مجتلبة، فقد ربطت مخيلة الشاعر بين شيئين متباعدين، ونحن نجد في الخريدة لمحمد بن هانئ قصيدة كلها صفوف من التشبيهات والصور إذ تمضي على هذا الشكل١:
كأن ثغورَ العامريَّات كلما ... تبسَّمنَ نورُ الأقحوانِ الذي رفا
كأن شذا الخيريِّ سرُّ محدِّثٍ ... تخوَّف أن تُصغي له الشمسُ فاستخفى
كأن غصون الآسِ تحت اخضرارها ... قدودُ مهًا يحملن من سندسٍ لُحْفَا
ومهما يكن فقد كان هذا ذوق العصر الفاطمي إذ نرى الشعراء -فيما سوى ابن الكيزاني- غارقين إلى آذانهم في ضروب من التصنع والتلفيق، وبلغ بهم ذلك مبلغًا كبيرًا بحيث كادوا لا يتركون شيئًا من هذه الضروب للعصور التالية، وماذا تريد؟ هل تريد الاقتباس من القرآن الذي شاع في العصر الأيوبي؟ لقد بدءوا به، وانظر إلى قول الشاعر الفكه شلعلع في ابن الدباغ٢:
تعالت قرونُ ابن الدَّباغِ فأصبحتْ ... تجلُّ عن التحديدِ في اللفظِ والمعنى
على بعضها ناجى النبي إلهه ... وقد كان منه "قاب قوسين أو أدنى"
ويقول شاعر آخر في مغنٍّ يسمى مرتضى٣:
لمرتضَى معبدٌ عَبْدٌ إذا صدرتْ ... أصواتُهُ عنه في النَّادي بتغريدِ
قد غاضَ طوفانُ همِّي حين أسمعني ... ألحانَه فاستوى قلبي على "الجودي"
وأنت ترى الشاعر الأول اقتبس من القرآن كلمة "قاب قوسين أو أدنى" واقتبس الثاني كلمة "استوت على الجودي" بعد تحريف بسيط. واترك لون الاقتباس فإنك ترى عندهم لون التضمين الذي شاع بعد ذلك كقول:
стр. 527
المهذب بن الزبير، وكان من الشعراء الممتازين في أواخر العصر الفاطمي١:
أقْصِرْ -فديتُك- عن لومي وعن عَذْلي ... أو لا فخذ لي أمانًا من ظُبا الْمُقَلِ
من كل طرفٍ مريضِ الجفن تنشدنا ... ألحاظُهُ "ربَّ رام من بني ثعل"
إن كان فيه لنا وهو السقيمُ شِفًا ... "فربما صحَّت الأجسامُ بالعللِ"
فقد ضمن البيت الثاني شطرًا من شعر امرئ القيس، كما ضمن البيت الثالث شطرًا من شعر المتنبي، وكان يتأثره كثيرًا في شعره، واترك لون التضمين فإنك ترى عندهم لونًا آخر شاع عند من جاءوا بعدهم، وهو لون الاكتفاء كقول ابن قادوس٢:
مَنْ عاذري من عاذلِ ... يلومُ في حبِّ رَشا
إذا نكرت حبَّه ... قال كفى بالدمعِ شا
يريد كفى بالدمع شاهدًا. وواضح ما في البيتين من جناس، وكأني بالعصر الفاطمي لم يترك شيئًا للعصور التالية حتى الألغاز نجدها في هذا العصر فقد اختص بها شاعر إسكندري يسمى ابن مجبر٣، وكذلك الأوزان الموشحة نجدها في هذا العصر عند شاعر يسمى علي بن عياد وهو أيضًا إسكندري٤، وحتى الطرق التي سبق أن رأيناها عند الحريري من صنع قصيدة غير منقوطة نجدها أيضًا عند شعراء هذا العصر٥، وماذا حدث بعد ذلك؟ إنه لم يحدث سوى لون التّورية كما يزعم ابن حجة وصلاح الدين الصفدي، فقد ذهبا إلى أن القاضي الفاضل هو الذي أحدث هذا اللون٦، غير أن هذا وهمٌ منهما، فقد كانت التورية شائعة في العصر الفاطمي منذ أوائل القرن الخامس، إذ اقترنت بروح الفكاهة التي سبق أن تحدثنا عنها، وسنقف لنتحدث قليلا عن ثلاثة شعراء مهمين: هو الشريف العقيلي وابن مكنسة وابن قادوس، لنتبين حقيقة
стр. 528
نشأة التورية، ونتعرف أكثر مما صنعنا -حتى الآن- على حقيقة العصر الفاطمي.
الشَّريفُ الْعُقَيلِي:
الشريف أبو الحسن علي بن حيدرة العقيلي، أهم شاعر ظهر بمصر في النصف الأول من القرن الخامس الهجري. يقول ابن سعيد: سألت عنه جماعة من أهل مصر، فلم أَرَ فيهم من يتحقق أمره، وقال لي أحد الشرفاء المعنيين بأنساب الشرف هو من ولد عقيل بن أبي طالب، كان في المائة الرابعة، وكان له متنزهات بجزيرة الفسطاط، ولم يكن يشتغل بخدمة سلطان ولا مدح أحد، ثم وقفت في الخريدة على ترجمته، فدل على أنه متأخر العصر عن المائة الرابعة، وذكر أنه من ولد عقيل بن أبي طالب، من أهل مصر وأنشد له:
كأن الثُّريا والهلالُ أمامَها ... يدٌ مدَّها رامٍ إلى قوسِ عَسْجَدِ
ثم وقع لي ديوان١ شعره فنقلت منه ما يشهد بعلو قدره وهو من أئمة المشبِّهين"٢. وحقًّا إن الخريدة لا تعنى غالبًا إلا بمن عاشوا في المائة الأخيرة من العصر الفاطمي، على أننا نجد صاحب اليتيمة المتوفى عام ٤٢٩ للهجرة يترجم له في يتيمته٣، كما نجد المقريزي يروي أنه أنشد المستنصر شعرًا له في العام الذي بدأت فيه سنين المجاعة بمصر٤، وهو عام ٤٤٢ للهجرة ونستطيع أن نستنتج من ذلك كله أنه كان يعيش في النصف الأول من القرن الخامس الهجري.
والشريف العقيلي شخصية طريفة في الشعر الفاطمي، بل في الشعر المصري العام، فقد روى له صاحب المغرب قطعة طويلة من شعره، وهي -مثل ديوانه- تُرينا أنه كان شاعرًا ممتازًا من شعراء الطبيعة، حقًّا سبقه في ذلك الموضوع ابن وكيع فقد
стр. 529
قَصَرَ نفسه عليه، غير أننا نجد ابن وكيع لا يعيش بشعوره وأحاسيسه في الطبيعة، فهو يعجب بألوانها وأشكالها، ويصورها من خلال ذلك، أما الشريف العقيلي فقد فتن بها -على ما يظهر- فتنة شديدة جعلته يعنى بمتنزهاته على نحو ما يروي ابن سعيد، كما جعلته في شعره يتعمق الطبيعة ويصل نفسه بنفسها، ويعيش مع كل حركة وكل همسة فيها، وأتاح له ثراؤه ورقته وحبه لها أن يقصر نفسه عليها، فذهب يملؤها بمختلف الوجوه والشخوص، وكأني به كان من ذوي العيون الباصرة أو العيون الشاعرة التي تستطيع أن ترد صور الطبيعة إلى كثير من الرؤى والأحلام الغريبة، وساعده على ذلك أنه كان يتصل بالطبيعة روحًا وحسًّا، وزاد في اتصاله بها أنه كان صبًّا بالخمر، فذهب يتغنى بها وبالطبيعة من حوله، وبدت له الأزهار والثمار والأشجار في صورة خيالية مثيرة كأن يقول١:
أمهاتُ الثِّمارِ بين الرَّوابي ... تائهاتٌ بلبسِ خضرِ الثيابِ
أو يقول٢:
السُّحب تُرْضعُ من بنات الأرضِ ما ... جعلَ الربيعُ لها الغصونَ مُهُودا
وواضح أنه يعمد إلى التشخيص، وملء الطبيعة بالشعور والأحاسيس، وكان يضيف إلى هذا التشخيص مقدرة واسعة على التجسيم، ومقدرة أخرى لعلها أوسع منها، ونعني قدرته على حشد المنظر الواسع في لمحة، كقوله٣:
قد بُيِّضتْ قبةُ السَّماءِ ... وزُرِّقت قاعةُ الفضاءِ
وقوله٤:
الغيمُ ممدودُ السُّرادقْ ... والزهرُ مفروشُ النَّمارِقْ
ومراودُ الأمطارِ قدْ ... كُحلت بها حدقُ الحدائقْ
стр. 530
وقوله١:
ستائرُ الأوراقِ منصوبةٌ ... قيانُها من خلفها الورقُ
فاشربْ على ألحانِها واسْقني ... شمسًا لها من كأسِها شَرقُ
وقوله٢:
فهات زواهرَ الكاساتِ مَلْأى ... إلى الحافاتِ بالذَّهبِ المذابِ
فكيرُ الجوِّ يوقدُ نارَ بَرْقٍ ... إذا خمدتْ تدخنُ بالضَّبابِ
وقوله٣:
وبركةٍ قد أثارنا عجبا ... ما عاجَ من مائها وما انسَكَبا
يدركها الوردُ كلما ارتعدتْ ... منه بجمرٍ يظلُّ ملتهبا
من حولِ فوَّارةٍ مركَّبةٍ ... قد انحنى ظهر مائه تعَبَا
وقوله٤:
وروضةٍ كالحلة الخضراءِ ... محدقةٍ ببركةٍ حسناءِ
قد لبست عقد طيور الماء ... لبس السماء أنجم الجوزاء
وعلى هذا النمط تغرق أبصارنا عنده في صور ووجوه وشخوص لا عداد لها، وبجانب ذلك نجد دعابة طريفة في الشريف العقيلي، كما نجد عنده لون التورية المعروف من مثل قوله٥:
وشاعرٍ شعرُهُ فنونُ ... لكلِّ بيتٍ له طنينُ
تُسْخِنُ عينَ العدوِّ منْهُ ... قصائدٌ كلُّها عيونُ
وقوله في يوم النَّحر، وهو الشعر الذي أنشده المستنصر على ما مر في رواية المقريزي٦: