← Адаб

Адаб · id 8666

الفن ومذاهبه في الشعر العربي

شوقي ضيف

Полный текст (574 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وكأن العذارَ في حُمرة الخدِّ ... على حسنِ خدِّك المنعوتِ صولجانٌ من الزُّمردِ معطو ... فٌ على أكْرةٍ من الياقوتِ ألا تحس أن هذه صورة مجتلبة، فقد ربطت مخيلة الشاعر بين شيئين متباعدين، ونحن نجد في الخريدة لمحمد بن هانئ قصيدة كلها صفوف من التشبيهات والصور إذ تمضي على هذا الشكل١: كأن ثغورَ العامريَّات كلما ... تبسَّمنَ نورُ الأقحوانِ الذي رفا كأن شذا الخيريِّ سرُّ محدِّثٍ ... تخوَّف أن تُصغي له الشمسُ فاستخفى كأن غصون الآسِ تحت اخضرارها ... قدودُ مهًا يحملن من سندسٍ لُحْفَا ومهما يكن فقد كان هذا ذوق العصر الفاطمي إذ نرى الشعراء -فيما سوى ابن الكيزاني- غارقين إلى آذانهم في ضروب من التصنع والتلفيق، وبلغ بهم ذلك مبلغًا كبيرًا بحيث كادوا لا يتركون شيئًا من هذه الضروب للعصور التالية، وماذا تريد؟ هل تريد الاقتباس من القرآن الذي شاع في العصر الأيوبي؟ لقد بدءوا به، وانظر إلى قول الشاعر الفكه شلعلع في ابن الدباغ٢: تعالت قرونُ ابن الدَّباغِ فأصبحتْ ... تجلُّ عن التحديدِ في اللفظِ والمعنى على بعضها ناجى النبي إلهه ... وقد كان منه "قاب قوسين أو أدنى" ويقول شاعر آخر في مغنٍّ يسمى مرتضى٣: لمرتضَى معبدٌ عَبْدٌ إذا صدرتْ ... أصواتُهُ عنه في النَّادي بتغريدِ قد غاضَ طوفانُ همِّي حين أسمعني ... ألحانَه فاستوى قلبي على "الجودي" وأنت ترى الشاعر الأول اقتبس من القرآن كلمة "قاب قوسين أو أدنى" واقتبس الثاني كلمة "استوت على الجودي" بعد تحريف بسيط. واترك لون الاقتباس فإنك ترى عندهم لون التضمين الذي شاع بعد ذلك كقول:

стр. 527

المهذب بن الزبير، وكان من الشعراء الممتازين في أواخر العصر الفاطمي١: أقْصِرْ -فديتُك- عن لومي وعن عَذْلي ... أو لا فخذ لي أمانًا من ظُبا الْمُقَلِ من كل طرفٍ مريضِ الجفن تنشدنا ... ألحاظُهُ "ربَّ رام من بني ثعل" إن كان فيه لنا وهو السقيمُ شِفًا ... "فربما صحَّت الأجسامُ بالعللِ" فقد ضمن البيت الثاني شطرًا من شعر امرئ القيس، كما ضمن البيت الثالث شطرًا من شعر المتنبي، وكان يتأثره كثيرًا في شعره، واترك لون التضمين فإنك ترى عندهم لونًا آخر شاع عند من جاءوا بعدهم، وهو لون الاكتفاء كقول ابن قادوس٢: مَنْ عاذري من عاذلِ ... يلومُ في حبِّ رَشا إذا نكرت حبَّه ... قال كفى بالدمعِ شا يريد كفى بالدمع شاهدًا. وواضح ما في البيتين من جناس، وكأني بالعصر الفاطمي لم يترك شيئًا للعصور التالية حتى الألغاز نجدها في هذا العصر فقد اختص بها شاعر إسكندري يسمى ابن مجبر٣، وكذلك الأوزان الموشحة نجدها في هذا العصر عند شاعر يسمى علي بن عياد وهو أيضًا إسكندري٤، وحتى الطرق التي سبق أن رأيناها عند الحريري من صنع قصيدة غير منقوطة نجدها أيضًا عند شعراء هذا العصر٥، وماذا حدث بعد ذلك؟ إنه لم يحدث سوى لون التّورية كما يزعم ابن حجة وصلاح الدين الصفدي، فقد ذهبا إلى أن القاضي الفاضل هو الذي أحدث هذا اللون٦، غير أن هذا وهمٌ منهما، فقد كانت التورية شائعة في العصر الفاطمي منذ أوائل القرن الخامس، إذ اقترنت بروح الفكاهة التي سبق أن تحدثنا عنها، وسنقف لنتحدث قليلا عن ثلاثة شعراء مهمين: هو الشريف العقيلي وابن مكنسة وابن قادوس، لنتبين حقيقة

стр. 528

نشأة التورية، ونتعرف أكثر مما صنعنا -حتى الآن- على حقيقة العصر الفاطمي. الشَّريفُ الْعُقَيلِي: الشريف أبو الحسن علي بن حيدرة العقيلي، أهم شاعر ظهر بمصر في النصف الأول من القرن الخامس الهجري. يقول ابن سعيد: سألت عنه جماعة من أهل مصر، فلم أَرَ فيهم من يتحقق أمره، وقال لي أحد الشرفاء المعنيين بأنساب الشرف هو من ولد عقيل بن أبي طالب، كان في المائة الرابعة، وكان له متنزهات بجزيرة الفسطاط، ولم يكن يشتغل بخدمة سلطان ولا مدح أحد، ثم وقفت في الخريدة على ترجمته، فدل على أنه متأخر العصر عن المائة الرابعة، وذكر أنه من ولد عقيل بن أبي طالب، من أهل مصر وأنشد له: كأن الثُّريا والهلالُ أمامَها ... يدٌ مدَّها رامٍ إلى قوسِ عَسْجَدِ ثم وقع لي ديوان١ شعره فنقلت منه ما يشهد بعلو قدره وهو من أئمة المشبِّهين"٢. وحقًّا إن الخريدة لا تعنى غالبًا إلا بمن عاشوا في المائة الأخيرة من العصر الفاطمي، على أننا نجد صاحب اليتيمة المتوفى عام ٤٢٩ للهجرة يترجم له في يتيمته٣، كما نجد المقريزي يروي أنه أنشد المستنصر شعرًا له في العام الذي بدأت فيه سنين المجاعة بمصر٤، وهو عام ٤٤٢ للهجرة ونستطيع أن نستنتج من ذلك كله أنه كان يعيش في النصف الأول من القرن الخامس الهجري. والشريف العقيلي شخصية طريفة في الشعر الفاطمي، بل في الشعر المصري العام، فقد روى له صاحب المغرب قطعة طويلة من شعره، وهي -مثل ديوانه- تُرينا أنه كان شاعرًا ممتازًا من شعراء الطبيعة، حقًّا سبقه في ذلك الموضوع ابن وكيع فقد

стр. 529

قَصَرَ نفسه عليه، غير أننا نجد ابن وكيع لا يعيش بشعوره وأحاسيسه في الطبيعة، فهو يعجب بألوانها وأشكالها، ويصورها من خلال ذلك، أما الشريف العقيلي فقد فتن بها -على ما يظهر- فتنة شديدة جعلته يعنى بمتنزهاته على نحو ما يروي ابن سعيد، كما جعلته في شعره يتعمق الطبيعة ويصل نفسه بنفسها، ويعيش مع كل حركة وكل همسة فيها، وأتاح له ثراؤه ورقته وحبه لها أن يقصر نفسه عليها، فذهب يملؤها بمختلف الوجوه والشخوص، وكأني به كان من ذوي العيون الباصرة أو العيون الشاعرة التي تستطيع أن ترد صور الطبيعة إلى كثير من الرؤى والأحلام الغريبة، وساعده على ذلك أنه كان يتصل بالطبيعة روحًا وحسًّا، وزاد في اتصاله بها أنه كان صبًّا بالخمر، فذهب يتغنى بها وبالطبيعة من حوله، وبدت له الأزهار والثمار والأشجار في صورة خيالية مثيرة كأن يقول١: أمهاتُ الثِّمارِ بين الرَّوابي ... تائهاتٌ بلبسِ خضرِ الثيابِ أو يقول٢: السُّحب تُرْضعُ من بنات الأرضِ ما ... جعلَ الربيعُ لها الغصونَ مُهُودا وواضح أنه يعمد إلى التشخيص، وملء الطبيعة بالشعور والأحاسيس، وكان يضيف إلى هذا التشخيص مقدرة واسعة على التجسيم، ومقدرة أخرى لعلها أوسع منها، ونعني قدرته على حشد المنظر الواسع في لمحة، كقوله٣: قد بُيِّضتْ قبةُ السَّماءِ ... وزُرِّقت قاعةُ الفضاءِ وقوله٤: الغيمُ ممدودُ السُّرادقْ ... والزهرُ مفروشُ النَّمارِقْ ومراودُ الأمطارِ قدْ ... كُحلت بها حدقُ الحدائقْ

стр. 530

وقوله١: ستائرُ الأوراقِ منصوبةٌ ... قيانُها من خلفها الورقُ فاشربْ على ألحانِها واسْقني ... شمسًا لها من كأسِها شَرقُ وقوله٢: فهات زواهرَ الكاساتِ مَلْأى ... إلى الحافاتِ بالذَّهبِ المذابِ فكيرُ الجوِّ يوقدُ نارَ بَرْقٍ ... إذا خمدتْ تدخنُ بالضَّبابِ وقوله٣: وبركةٍ قد أثارنا عجبا ... ما عاجَ من مائها وما انسَكَبا يدركها الوردُ كلما ارتعدتْ ... منه بجمرٍ يظلُّ ملتهبا من حولِ فوَّارةٍ مركَّبةٍ ... قد انحنى ظهر مائه تعَبَا وقوله٤: وروضةٍ كالحلة الخضراءِ ... محدقةٍ ببركةٍ حسناءِ قد لبست عقد طيور الماء ... لبس السماء أنجم الجوزاء وعلى هذا النمط تغرق أبصارنا عنده في صور ووجوه وشخوص لا عداد لها، وبجانب ذلك نجد دعابة طريفة في الشريف العقيلي، كما نجد عنده لون التورية المعروف من مثل قوله٥: وشاعرٍ شعرُهُ فنونُ ... لكلِّ بيتٍ له طنينُ تُسْخِنُ عينَ العدوِّ منْهُ ... قصائدٌ كلُّها عيونُ وقوله في يوم النَّحر، وهو الشعر الذي أنشده المستنصر على ما مر في رواية المقريزي٦:

стр. 531

قمْ فانْحرِ الرَّاح يوم النحرِ بالماءِ ... ولا تضحِّ ضُحىً إلا بصهباءِ١ وعُجْ على مكَّةَ الروحاء مبتكرًا ... فطفْ بها حولَ ركنِ العودِ والناءِ٢ وقوله٣: وزامرٍ يكذبُ فيه عائبُهْ ... تكثُرُ في صنعتِهِ عجائبُهْ يحجبُ صبرَ المرءِ عنه حاجبُهْ ... فيشكُرُ الشاربَ منه شاربُهْ كأنما ناياتُهُ ذوائِبُهْ فأنت ترى أنه ورَّى أولا في العيون ثم ورَّى ثانيًا في الضحى، ثم ورَّى ثالثًا في حاجب وشارب وذوائب، وهناك توريات له أخرى في الخريدة يعف القلم عن ذكرها لما فيها من مجون وفحش، وإذن فليست التورية شيئًا حادثًا أحدثه القاضي الفاضل كما ظن الحموي والصفدي، بل هي قديمة منذ الشريف العقيلي، وأيضًا فإن تصنع الشعراء لألوان البديع قديمٌ منذ هذا الشاعر، فشعره فيه طباق ومشاكلة وجناس كثير، وفيه أيضًا تكلف الصور والتصنع لاصطلاحات العلوم. وكان يستخدم في شعره عامة مراعاة النظير استخدامًا لم نره حتى عند شعراء الخريدة المتأخرين، وكان ذلك يوقعه كثيرًا في صور متكلفة كقوله٤: ولما أقلعت سفنُ المطايا ... بريحِ الوجْدِ في لُجَجِ السرابِ جرى نظري وراءهم إلى أنْ ... تكسَّر بين أمواجِ الهضابِ فقد شبَّه الهوادج بالسفن ثم دفعته مراعاة النظير أن يأتي بالريح واللجج والأمواج. على أنه ينبغي أن نلاحظ أن عنده شعرًا كثيرًا يخلو من التصنيع والتصنع جملة، وهذا إلى فكاهاته ودعاباته، واستمع إلى هذه الدعابة في بعض من يهواه٥:

стр. 532

قطَّع قلبي بمديةِ التيهِ ... وذرَّ من ملحِ صدِّه فيهِ ولفَّه في رُقاقِ جفوتِهِ ... وقطَّع البقل من تجنِّيهِ وقال لي: كُلْ، فقلت آكل ما ... أمْرِضُ قلبي به وأوذيهِ؟ وهكذا نجد الشريف العقيلي يميل إلى الدعابة والفكاهة والتورية في شعره كما نجده يستخدم أدوات التصنيع والتصنع جميعًا. وتلك هي صورة الشعر الفاطمي كله؛ فدائمًا نجد الشعراء يخلطون بين المذاهب الفنية السابقة، ولكنهم مع ذلك يعبرون عن شخصيتهم ومرحهم وفكاهاتهم كما يعبرون تعبيرًا طريفًا عن جمال الطبيعة في بيئتهم. ابْنُ مكنَسَةَ: كان يعيش في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس في عصر الأفضل بن بدر الجمالي١، وكان مختصًّا بأبي مليح النصراني جد ابن مماتي، ولما توفي قال فيه: طويت سماءُ المكرماتِ ... وكوِّرت شمسُ المديحْ وكان يتصنع في شعره للجناس٣؛ ولكن شعره على كل حال خفيف، ويبدو فيه جمال التصوير وحسن التعليل كقوله في غلام وعقرب شَعْرِهِ٤: قلت إذ عقربَ الدَّلا ... ل على خَدِّه الشَّعرْ هذه آيةٌ بها ... ظهرَ الحسنُ واشتهرْ ما رُئي قطُّ قبل ذا ... عقربٌ حلَّتِ القمرُ وساق صاحب الخريدة طرائف من فكاهاته ومداعباته كقوله٥: لي بيت كأنه بيت شِعْر ... لابن حجَّاج من قصيدٍ سخيفِ

стр. 533

أين للعنكبوتِ بيتٌ ضعيفٌ ... مثلُهُ، وهو مثلُ عقلي الضعيفِ بقعةٌ صدَّ مطلعُ الشمسِ عنها ... فأنا مذ سكنتُها في الكسوفِ وواضح ما في كلمة الكسوف من تورية؛ إذ هو يريد به معناها العامي من الخجل لا كسوف الشمس! ويروي له صاحب الخريدة قطعة أخرى من قصيدة يذهب فيها مذهب الهزل، وهي قوله١: أنا الذي حدثكم ... عنه أبو الشَّمَقْمَقِ وقال عني إنني ... كنت نديم المتقي وكنتُ كنت كنـ ... ـت من رماة البندقِ حتى متى أبقي كذا ... تيسًا طويلَ العُنُقِ بلحيةٍ مُسْبلةٍ ... وشاربٍ محلَّقِ يا ليتها قد حلقت ... من وجهِ شيخٍ خَلَقِ وانظر إلى هذه المقطوعة الفكهة التي ذهب يشكو فيها من كبره وضعفه وشيخوخته وقد ارتعش في أثناء حديثه؛ فكونت رعشته بيتًا من أبياتها، كل ذلك؛ لينال ما يريد من دعابة وفكاهة، ويقول٢: عشت خمسين بل تزيـ ... د رقيعًا كما ترى أحسب المقلَ بندقًا ... وكذا الملْحُ سكَّرا ٣ وأظنُّ الطويلَ من ... كل شيء مدوَّرا قد كَبِرْ بِرْ بِبِرْ بِبِرْ ... ت وعقلي إلى ورا عجبًا كيف كلُّ شـ ... ـيءٍ أراه تغيَّرا لا أرى البَيْضَ صار يؤ ... كَلُ إلا مُقَشَّرا وإذا دُقَّ بالحجا ... ر زجاجٌ تكسَّرا فأنت تراه في البيت الرابع يرتعش في كلمة كبرت هذه الرعشة الطريفة،

стр. 534

ولعل في هذا كله ما يدل على أن الشعر المصري مثَّل في هذا العصر مزاج المصريين وميلهم إلى الدعابة والنكتة. ابْنُ قادُوسٍ: يقول صاحب الخريدة في ترجمته: "القاضي أبو الفتح محمود بن إسماعيل كاتب الإنشاء بالحضرة المصرية، قال القاضي الفاضل: توفي سنة إحدى وخمسين، وأنشدني له أشعارًا محكمة النسج كالدر في الدرج"١. ومن يرجع إلى القطعة التي رواها له صاحب الخريدة يلاحظ أنه كان يميل إلى جملة ألوان التصنيع والتصنع في شعره كقوله٢: أثر المشيب بفوده وفؤاده ... ألجأه أن يبغي لديها الجاها وقوله٣: مليكٌ تذل الحادثاتُ لعزِّه ... يعيدُ ويبدي والليالي رواغمُ وكم كربةٍ يوم النِّزالِ تكشَّفت ... بحملاته وهي الغواشي الغواشمُ تشيد بناء الحمد والمجد بيضُهُ ... وهن لآساس الهوادي هوادمُ٤ رقاقُ الظُّبي تجري بآجالِ ذي الورى ... وأرزاقهم فهي القواسي القواسمُ وابن قادوس في ذلك كان كشعراء عصره جميعًا؛ إذ يميلون إلى توشية شعرهم بهذه الألوان، ولكن ذلك الجانب فيه ليس هو الذي نريد أن نقف عنده؛ إنما نريد أن نقف عند جانب الفكاهة والدعابة في شعره، فقد كان خفيف الروح جدًّا، وانظر إليه يتهكم على شاعر أسودِ٥: إن قلت من نارٍ خُلِقْـ ... تَ وفُقْتَ كل الناسِ فَهما قلنا صدقت فما الذي ... أطفاكَ حتى صرتَ فَحْما وكان يميل ميلًا واضحًا إلى التورية إذ كان الناس يتعلقون بها طوال

стр. 535

العصر الفاطمي والعصور التي جاءت بعده، ومن تورياته قوله في الشاعر السابق١: يا شبه لقمانَ بلا حكمةٍ ... وخاسرًا في العلم لا راسخا سلختَ أشعارَ الورى كلِّهم ... فصرت تُدعى الأسودَ السالخا وقوله٢: أهون بلون السَّوادِ لونًا ... ما فيه من حُجَّةٍ لناسبْ لست ترى حمرةً لخدٍّ ... فيه ولا خضرةً لشاربِ ولابن قادوس بعد ذلك دعابات ونوادر كثيرة، ويظهر أنه كان يقذع جدًّا في أهاجيه؛ إذ كان يخرجها مخرج السخرية كقوله في منافق٣: حوله اليوم أناسٌ ... كلهم يزهى برائهْ وهو مثلُ الماءِ فيهم ... لونُه لونُ إنائِهْ والحق أن الشعر المصري نهض في العصر الفاطمي نهضة واسعة؛ إلا أنه ينبغي أن نلاحظ أن شعراء هذا العصر جميعًا كانوا يخلطون دائمًا بين المذاهب الفنية العباسية، فدائمًا ترى عند الشاعر الواحد قطعة من ذوق الصانعين وأخرى من ذوق المصنعين وثالثة من ذوق المتصنعين في غير نظام ولا نسق معين، ومع ذلك فقد مثل الشعراء بيئتهم وزهدهم وتصوفهم ومجونهم ونوادرهم في فنهم وشعرهم تمثيلًا واضحًا.

стр. 536

٥- الأيوبيونَ ونهضةُ الشِّعرِ في عهدِهِمْ: إذا انتقلنا إلى العصر الأيوبي لاحظنا أن موجة هذه النهضة في الشعر والفن تستمر في عهد الأيوبيين، وإن كنا نحس ألوانًا من السواد والكآبة تدخل فيها، إذ نرى القاضي الفاضل وغيره من الشعراء يشكون من زمانهم. وكان من آثار ذلك أنه

стр. 537

رأينا الفكاهة التي قابلتنا في العصر الفاطمي تقل في هذا العصر، وإن استمر الشعراء يستخدمون التورية؛ ولكنا نلاحظ أن التورية أصبحت عندهم باهتة ولا جمال فيها؛ لأن النفوس لم تكن مطوية على مرح. وكان للحروب الصليبية أثر في ذلك؛ فإنها خلقت جوًّا من الصراع الكئيب بين الشرق والغرب، وكأنما كان انتهاء الدولة الفاطمية مؤذنًا بانتشار هذا الجو الخانق في نفوس الناس، ولعله من أجل ذلك كانوا يتهافتون في هذا العصر تهافتًا شديدًا على ديوان ابن الكيزاني لما فيه من زهد كما يقول صاحب المغرب١، وغنَّاهم ابن الفارض هذه النغمة فأعجبوا به وبشعره الصوفي إعجابًا شديدًا. ولعل من العجيب أن ابن الفارض لم يكن ينهج في شعره نهج ابن الكيزاني من ترك التصنع لفنون البديع، بل على العكس من ذلك نراه لا يكاد يخرج بيتًا دون توشيته بألوان من هذه الفنون، ولعل في ذلك ما يدل على أن موجة البديع وما يطوى فيها من ضروب تصنع كانت أكثر حدَّة في هذا العصر؛ إذ رأيناها تزحف إلى شعر التصوف٢. على أنه ينبغي أن نعرف أن الفاطميين سبقوا الأيوبيين إلى هذه الجوانب من التصنيع ومن يندمج فيها من الخلط بين المذاهب الفنية المختلفة، وكأني بهم لم يتركوا لهم شيئًا سوى أن يتعلقوا بركابهم. ولعل من الطريف أن المؤرخين قصوا علينا أن القاضي الفاضل كان يتعلق بركاب ابن قادوس بعد خروجهما من الديوان؛ وإن هذه القصة لترمز إلى العصر الأيوبي كله؛ فقد كان شعراؤه يتعلقون بركاب شعراء العصر الفاطمي؛ فهم يحتذون مُثُلَهم ويقلدون نماذجهم ويتصنعون لما تركوه من تورية واقتباس ومراعاة نظير واكتناء، مضيفين ذلك كله إلى مجموعة ألوان التصنيع القديمة من جناس وطباق وتصوير. وكان

стр. 538

يظهر من حين إلى حين من ينفر من جملة هذه الألوان كابن مماتي الذي كان ينفر من الجناس؛ إذ يقول١: طبع المجنِّس فيه نوع قيادةٍ ... أو ما ترى تأليفه للأحرُفِ غير أن ابن مماتي لا نحكم به على العصر كله؛ فقد كانت جمهرة الشعراء تنساق نحو العناية بجملة هذه الألوان، وسبقهم إلى ذلك القاضي الفاضل وزير صلاح الدين وتلميذ الفاطميين: ابن قادوس وغيره. وكان أحد المصادر التي استقى منها العماد خريدته عن الشعر الفاطمي. وتبعه تلميذه وصديقه ابن سناء الملك، وكان يعنى خاصة بصنع الموشحات، ثم جاء من بعده ابن النبيه، وأخيرًا نجد البهاء زهير، ولم يكن يبالغ في استخدام هذه الألوان إلا أنه على كل حال كان يتصنع لها في شعره على الرغم من سهولته المطلقة، ونحن نقف قليلًا عند القاضي الفاضل وابن سناء الملك والبهاء زهير. القَاضِي الفَاضِلُ: هو عبد الرحيم البيساني العسقلاني الملقب بالقاضي الفاضل، أصل أبيه من بيسان، وتولى القضاء والحكم بعسقلان٢، ولما شب ابنه عبد الرحيم أرسله إلى ديوان الإنشاء بالقاهرة في العصر الفاطمي أيام الحافظ "٥٢٤- ٥٤٤" فتتلمذ فيه على أشْهَرِ الكتاب والشعراء في هذا العصر٣. ثم التحق بخدمة قاضي الإسكندرية المعروف بابن حديد، ثم تركه إلى ديوان الإنشاء بالقاهرة مرة أخرى في عصر الظافر٤ الفاطمي "٥٤٤- ٥٤٩"، ولما استقل أسد الدين شيركوه بالوزارة التحق بخدمته، ثم بخدمة صلاح الدين من بعده وقرَّبَه صلاح الدين منه، وسرعان ما أصبح وزيره ومشيره الأول في شئون الدولة، وأتاحت له هذه الصلة أن يلمع اسمه في سماء الأدب: شعره ونثره؛ فقد أكثر المؤرخون

стр. 539

والكتاب والشعراء من مدحه، وانظر إلى العماد الأصبهاني يقول فيه: "رب القلم والبيان واللَّسن واللسان، والقريحة الوقَّادة، والبصيرة النقادة، والبديهة المعجزة، والبديعة المطرزة، والفضل الذي ما سمع في الأوائل ممن لو عاش في زمانه لتعلق بغباره، أو جرى في مضماره فهو كالشريعة المحمدية التي نسخت الشرائع، ورسخت بها الصنائع"١. وليس من شك في أن تمجيد صاحب الخريدة هو الذي جعل صلاح الدين الصفدي وابن حجة الحموي يقعان في خطئهما ويظنان أن القاضي الفاضل هو الذي استحدث التورية! ونحن نتساءل ما هي الشريعة التي يشير إليها العماد؛ فإن من يرجع إلى ديوان القاضي الفاضل٢ لا يجد فيه إلا شاعرًا من الطبقة الثانية، ومن الصعب أن نقرنه إلى الشعراء الممتازين في العصر الفاطمي لا من حيث روحه وقلة الدُّعابة عنده، بل من حيث شعره العام؛ إذ نرى فيه آثار التكلف والتلفيق واضحة كقوله في القصيدة الأولى من ديوانه يصف بلاغته: ولي قلمٌ منه عينُ الكلا ... م يجري فتنظرُ عينَ الكمالِ يراعٌ تظل رياضُ الطرو ... س منها موشحة بالصلال٣ وكتبٌ يفيضُ بأرجائها ... يمين الْجَدَا ولسان الجدالِ تقدَّمها الشكلُ من فوقها ... كمثل السهامِ أمام النِّصالِ وكم بريت وانبرت للعدوِّ ... كوثب الشرارِ وهدِّ الجبالِ وَكَم قد كَسَبنَ عَواري ظُبًا ... وَكَم قد سَلَبنَ عَواري عَوالي يكلِّلُ أفلاكَ قرْطاسِها ... شموسٌ شوامسُ عند الزوالِ فهل تجد في هذا الشعر روحًا أو جمالًا سوى هذا التلفيق للجناس، وكان يتصنع له كثيرًا كما كان يتصنع لضروب الطباق والتصوير الأخرى من تشخيص وغير تشخيص، وأيضًا فإنه كان يتصنع لاصطلاحات العلوم كقوله٥:

стр. 540

لي عندكم دينٌ ولكن هل له ... من طالبٍ وفؤادي المرهونُ فكأنني ألِفٌ ولامٌ في الهوى ... وكأن موعد وصلكم تنوينُ أو تورياته فلعل أطرفها ما رواه ابن حجة من قوله١: في خدِّه فخٌ لعطفةِ صُدغِهِ ... والخالُ حَبَّتُه وقلبي الطائرُ وقوله٢: بالله قل للنيل عني إنني ... لم أشفَ من ماءِ الفرات غليلا وسل الفؤادَ فإنه لي شاهدٌ ... أن كان طرفي بالبكاء بخيلا يا قلب كم خلَّفت ثمَّ بثينةً ... وأظن صبرك أن يكون جميلا فقد ورَّى في الطائر وجميل. ومهما يكن فشعر القاضي الفاضل لا تبدو عليه خفة الروح التي رأيناها في الشعر الفاطمي، وربما كان ذلك يرجع إلى أنه ليس مصري النشأة؛ إذ كان من عسقلان؛ فهو لا يعبر عن الروح المصرية. على أننا قلما نجد عند غيره هذه الروح، وكأنما نضب معينها تحت لفح الحروب الصليبية، وأيًّا كان فشعر القاضي الفاضل واضح فيه التكلف والتصنع لألوان البديع ومصطلحات العلوم، وهو شعر في الجملة مصنوع، وقلما نجد فيه شعورًا أو جمالًا. ابْنُ سَنَاءِ الْمُلْكِ: لا نبالغ إذا قلنا إن هبة الله بن سناء الملك أكبر شاعر عرفته مصر في القرن السادس للهجرة٣، ولد في القاهرة سنة ٥٥٠ لأبٍ متشيع كان يعمل في دواوين الفاطميين، وكان صديقًا للقاضي الفاضل؛ فلما تحول زمام الأمور إلى صلاح الدين استبقاه القاضي الفاضل فيمن استبقاهم للخدمة في دواوينه.

стр. 541

وأحاط الأب ابنه برعاية شديدة؛ فأحضر له المؤدبين والمثقفين من أمثال ابن برّي العالم النحْوي اللُّغوي المشهور وأرسله إلى السلفي في الإسكندرية يستمع إلى دروسه في الحديث. ولم تلبث مواهبه الشعرية أن استيقظت فيه، فقربه القاضي الفاضل إليه، وعينه في الدواوين، وخصه بالكتابة بين يديه في مصر وحين كان يرحل مع صلاح الدين إلى الشام في حروبه مع الصليبيين، ولما تطورت الأمور حين توفي صلاح الدين واعتزل القاضي الفاضل الخدمة ظل ابن سناء الملك في عمله الديواني إلى أن توفي سنة ٦٠٨. ولم يكن ابن سناء الملك شاعرًا فحسب؛ بل كان أيضًا كاتبًا وناقدًا، وله كتاب يسمى "فصوص الفصول" لم يطبع، وهو يتضمن رسائل بينه وبين القاضي تدور في كثير من مسائل الأدب والشعر. وهو أول من اهتم من المصريين بصنع موشحات على غرار الموشحات الأندلسية، وقد وضع فيها كتابًا سماه "دار الطراز" تحدث فيه عن نظام الموشحات ومصطلحاتها١، اختار فيه للأندلسيين أربعة وثلاثين موشحًا وأضاف إليها خمسة وثلاثين من إنشائه. وديوانه ضخم وقد طبع أخيرًا في الهند، وهو يكثر فيه من مديح القاضي الفاضل وصلاح الدين، وتسجيل انتصارات الأخير على الصليبيين، وإن كنا نلاحظ عنده ضعفًا في البناء وشتان بين سيفيات المتنبي في حروب سيف الدولة، وصلاحياته في حروب صلاح الدين، وهي ملاحظة تعم شعراء هذه العصور فإنه قلما نجد بينهم من يستطيع أن يصور تصويرًا رائعًا الأعمال الحربية التي كان يقوم بها صلاح الدين ومن جاءوا بعده مثل الظاهر بيبرس، ولعل ذلك ما دعا أصحاب الأدب الشعبي إلى كتابة سيرة عنترة والظاهر بيبرس وغيرهما؛ كأنهم لم يجدوا عند أصحاب الشعر الفصيح ما يثير الحمية في نفوس أبناء الشعب إلا قليلًا، فعمدوا إلى كتابة هذه السير والقصص. وليس من العدل أن نقيس ابن سناء الملك بالمتنبي، فحسبه أنه كان مجليًا بين شعراء عصره، ونحن لا نقرأ فيه حتى نحس المبالغة الشديدة، وهي تتجلى

стр. 542

في فخره على شاكلة قطعته المشهورة: سواي يخاف الدهر أو يرهب الرَّدى ... وغيري يهوى أن يعيش مخلَّدا ولكنني لا أرهبُ الدَّهر إن سطا ... ولا أحذرُ الموتَ الزؤامَ إذا عدا ولو مد نحوي حادثُ الدَّهرِ كفَّه ... لحدَّثت نفسي أن أمدَّ له يدا وكان يميل إلى السهولة في شعره مع تحليته بألوان التصنيع، ولم يغب عنه مذهب التصنع؛ إذ كان يتصنع على طريقة معاصريه للمصطلحات العلمية كقوله: وجدتك بحرًا طبَّق الأرض مدُّه ... فلم تبقَ عندي رخصةٌ للتيمُّمِ وقوله هاجيًا: ما فوه ميمٌ ولكنه ... علامةُ الجزمِ في الميمِ ونراه يكثر من اقتباس الآيات القرآنية على شاكلة قوله: فقال لقد"آنست نارًا" بخدِّه ... فقلت: وإني ما "وجدت بها هدى" يشير بذلك إلى قصة موسى حين قال لأهله: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً﴾ ولا نبالغ إذا قلنا إن موشحاته أروع من أشعاره؛ فقد كان يوفر لها النغم الحلو الرشيق كقوله: البدرُ يحكيك ... لولا تَثَنِّيك بالضمِّ أجْنيكَ ... للصدرِ أدْنيك ونحس مزاجه المصري وخفة روحه في كثير من الموشحات كقوله يمدح القاضي الفاضل: لما جلسْ. وقد رأسْ ... فكم غرسْ. من الدول وكم رتق. مما انفتق. وما لُحق ... لما خلق. وهاب. بلا حساب وهو لا يبارى في موشحاته وما يجمع لها من هذه الألفاظ العذبة ذات الجرس والرنين البديع الذي يمتع النفس والشعور.

стр. 543

الْبَهَاءُ زُهَيْر: هذا الشاعر من خير من يعبرون عن الروح المصرية في العصر الأيوبي، ولد في الحجاز بمكة١؛ غير أنه نشأ وتربى في قوص٢، وأكبر الظن أنه كان مصري الدار وأنه ولد في أثناء حج أبويه، وكانت قوس التي نشأ بها تعد ثالثة مدن مصر بعد القاهرة والإسكندرية في هذه العصور، وقد تخرج فيه في أثناء العصر الفاطمي غير شاعر، كما تخرج فيها في أثناء هذا العصر ابن مطروح الشاعر رفيق البهاء وصديقه المعروف بوصفه لأسر ملك فرنسا في عهد الملك الصالح بالمنصورة؛ إذ يقول في ذلك من قصيدة طويلة طريفة٣: قل للفرنسيس إذا جئته ... مقالَ صدقٍ من قئولٍ نصيحْ دارُ ابنِ لقمانَ على حالها ... والقيدُ باقٍ والطواشي صبيحْ والتحق بهاء الدين وزميله ابن مطروح بخدمة الملك الصالح حينما أرسله أبوه الملك الكامل لحكم بلاد الفرات، ولما توفي أبوه قرَّبهما منه جميعًا، وعهد إلى بهاء الدين بديوان الإنشاء، ولعل من الطريف أن الصديقين كانا من ذوق يميل إلى السهولة المطلقة إلا أن البهاء يتفوق بخفة الروح والعذوبة في الأسلوب، وكاد جمهور شعره أن يذهب في الغزل؛ فهو الموضوع الذي شغل نفسه به طوال حياته، ويرى "بالمر" في مقدمته لديوان البهاء أنه كان صادقًا في غزله، ولكن ينبغي أن نتريث في هذا الحكم؛ لأن البهاء يقول في بعض شعره: أذكرُ اليوم سليمى ... وغدًا أذكر زينبْ لي في ذلك سرٌّ ... برقُهُ في النَّاسِ خُلَّب

стр. 544

ويقول أيضًا: وإن قلتم أهوى الرباب وزينبا ... صدقتم سلوا عني الرباب وزينبا ولكن فتىً قد نال فضلَ بلاغةٍ ... تلعَّب فيها بالكلامِ تلعُّبا وإذن فهو متصنع في غزله كبقية الشعراء، وإن لم ينهج منهجهم في التصعيب؛ إذ كان يميل إلى الأساليب السهلة الرقيقة، ومع ذلك فنحن نجده يوشِّي شعره بضروب البديع من جناس وطباق وتورية، واستمع إلى هذه القطعة المشهورة: غيري على السُّلوانِ قادرْ ... وسواي في العشاقِ غادرْ لي في الغرام سريرةٌ ... والله أعلمُ بالسرائرْ حلو الحديثِ وإنها ... لحلاوةٌ شقَّت مرائرْ أشكو وأشكر فعله ... فاعجب لشاكٍ منه شاكرْ يا ليلُ ما لك آخرٌ ... يرجى ولا للشوقِ آخرْ يا ليلُ طلْ، يا شوقُ دُمْ ... إني على الحالينِ صابرْ لي فيك أجرُ مجاهدٍ ... إن صح أن الليلَ كافرْ طرفي وطرفُ النجمِ فيـ ... ك كلاهما ساهٍ وساهرْ فإنك تراها ملئت بالجناس، كما تراها وشيت بالتورية في طائر وكافر من الكفر بمعنى الستر. وكما كان يستخدم هذه الألوان كذلك كان يستخدم اصطلاحات العلوم كقوله: وهوىً حفظتُ حديثه وكتمتُه ... فوجدتُ دمعي قد رواه مُسلسلا وقوله: يُروى حديث الجود عنه مُسندًا ... فعلام ترويه السحائبُ مرسلا كما كان يكثر من التضمين في شعره، كقوله: وقفت على ما جاءني من كتابكم ... "وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه" فقد استعار الشطر الثاني من المتنبي وكثيرًا ما كان يستعير منه، وكما كان يتصنع للتضمين كان يتصنع للاكتفاء في مثل قوله:

стр. 545

ويقال إنك قد كبر ... ت عن الهوى فأقول "إني" ولكن لا ينبغي أن لا يفهم القارئ أن البهاء زهير كان يعمد إلى ذلك دائمًا فأكثر غزله لا تصنيع فيه ولا تصنع كقوله: تعيشُ أنت وتبقى ... أنا الذي متُّ حقّا حاشاك يا نورَ عيني ... تلقى الذي أنا ألقى قد كان ما كان مني ... والله خيرٌ وأبقى ولم أجد بين موتي ... وبين هجرك فرقا يا أنعم الناس قل لي ... إلى متى فيك أشقى يا ألف مولاي أهلًا ... يا ألف مولاي رفقا لم يبق مني إلا ... بقيةٌ ليس تبقى ويتطرف البهاء في هذه السهولة حتى ليملأ شعره بكثير من الكلمات العامية والأساليب الشعبية وتلك سمة عامة في الشعراء المصريين قبل البهاء زهير إلا أنه توسع فيها كقوله: من اليوم تعارفنا ... ونطوي ما جرى منا ولا كان ولا صار ... ولا قلتم ولا قلنا وإن كان ولا بد ... من العتب فبالحسنى وقوله: كل ما يرضيك عندي ... فعلى رأسي وعيني وقوله: من لي بنومٍ فأشكو ذا السهادَ له ... فهم يقولون إن النومَ سلطانُ وقوله: إياك يدري حديثًا بيننا أحدٌ ... فهو يقولون للحيطانِ آذانُ واستتبعت هذه السهولة المطلقة عند البهاء زهير أن وجدناه يميل إلى

стр. 546

الأوزان المجزوءة والمستحدثة، كما كان يميل إلى استخدام الشعر المسمى باسم "الدُّوبَيت" كقوله: كم يذهب هذا العمر في خسران ... ما أغفلني عنه وما أنساني إن لم يكن اليوم فَلَاحِي فمتى ... هل بعدك يا عمري عمر ثاني وأخيرًا فإن له مقطوعة مزح فيها مع صديق مزحًا يجعلنا نذكر فكاهة العصر الفاطمي وإن لم يبلغ مبلغًا من الخفة؛ إذ يقول: لك يا صديقي بغلةٌ ... ليست تساوي خردلةْ تمشي فتحسبُها العيو ... نُ على الطريق مشكَّلةْ وتخالُ مدبرةً إذا ... ما أقبلت مستعجلةْ مقدار خطوتِها الطويـ ... لة -حين تسرعُ- أنْمُلَةْ تهتزُّ وهي مكانها ... فكأنما هي زلزلةْ

стр. 547

٦- المماليكُ وامتدادُ النَّهْضَةِ في عصْرِهِمْ: إذا تركنا العصر الأيوبي إلى عصر المماليك وجدنا مصر تستعيد كثيرًا من بهجتها ومرحها في العصر الفاطمي؛ فقد عاد لها كثير من مكانتها القديمة في الشرق وخاصة بعد غارات التتار على العالم الإسلامي وانتقال الخليفة العباسي من بغداد إلى القاهرة؛ فقد أقبل معه العلماء والأدباء إليها حيث الظل الهنيء والعيش الرغيد. وكانت مصر في هذا العصر أهم بلد في العالم الإسلامي، فإن العراق والشام عمهما سيل التتار، وكانت الأندلس على وشك الاحتضار؛ لذلك لم يكن غريبًا أن نرى مصر في هذا العصر تصبح كعبة الإسلام وملجأ العروبة، بل هي الدنيا كلها كما يقول زين الدين الوردي١:

стр. 548

ديارُ مصرَ هي الدنيا وساكنها ... همُ الأنامُ فقابلها بتفضيلِ يا من يباهي ببغداد ودجلتها ... مصر مقدمةٌ والشرحُ للنيلِ لذلك لم يكن غريبًا أن يسجل عصر المماليك صفحة زاهية في تاريخ مصر. وفي مساجدهم التي لا تزال قائمة تحت أبصارنا بالقاهرة ما يدل على مدى نهضتهم بالفن والعمارة وما تنطوي عليه من زخرف وجمال. وكما نهضوا بالعمارة نهضوا بالعلم والشعر، وكان منهم العلماء الممتازون كالملك المؤيَّد الذي يقول فيه ابن حجر: "كان معه إجازة بصحيح البخاري من شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني؛ فكانت لا تفارقه سفرًا ولا حضرًا"١، وغير الملك المؤيد إن لم يأخذ إجازة مثله فإنه كان يجلُّ العلماء ويكافئ الشعراء والأدباء. ونحن نعرف أنه ألفت في هذا العصر أكبر الكتب والمراجع في الأدب والتاريخ من مثل: مسالك الأبصار لابن فضل الله العمري وصبح الأعشى، ونهاية الأرب، وخطط المقريزي والسلوك. وإذا رجعنا إلى الشعر والشعراء وجدنا الدفعة الهنيئة من الفكاهة والدعابة التي سبق أن رأيناها في العصر الفاطمي تعود إلى هذا العصر، ومثَّل ابن دانيال في اللغة العامية هذه الدفعة بكتابه "طيف الخيال" وهو تمثيلية لطيفة، كما مثلها في اللغة العربية الجزار والحمَّامي وسراج الدين الورَّاق إذ كانت روحهم فكهة، وخاصة جزارهم، ولعل ذلك ما جعل ابن سعيد، وقد زار مصر في القرن السابع يقول٢: أسكان مصر جاور النيلُ أرضَكُم ... فأكسبكم تلك الحلاوةَ في الشِّعرِ وكان بتلك الأرضِ سحرٌ وما بقى ... سوى أثرٍ يبدو على النظمِ والنثرِ وفي اسمي الجزار والحمامي ما يدل على أن الشعر في هذه العصور أخذ يتصل بالشعب، فمن قبل رأينا في العصر الفاطمي ظافرًا الحداد شاعرًا، والآن

стр. 549

نجد جزارًا وحماميًّا وأيضًا نجد خياطًا١. وكان ابن دانيال كحَّالًا. وكل ذلك معناه أن الشعر في مصر يسعى دائمًا إلى أن يكون شعبيًّا. وهناك جانب آخر من هذه الشعبية لعله كان أهم من الجانب السابق، وهو شيوع الأزجال في هذا العصر أكثر من العصور السابقة، وشاع معها النظم من الدوبيت والمواليا والكان وكان، كما شاع نوع يسمى البُلَّيق، وهو ضرب من الزجل الماجن، يقول ابن سعيد يصف هذه الأنواع وقد سمعها بمصر في هذا العصر: "الدوبيت: يقول من أهل القاهرة كثير؛ ولكن المرضي قليل، ولم أسمع بها من شعرائه أحسن مما أنشدنيه لنفسه الزكي بن أبي الأصبع: قبَّلتُ ثنايا كجمان العقدِ ... منه وعدَلْت عن نضارِ الخدِّ ناداني ماذا؛ فقلت طبع عربي ... يشتاق أقاح الرَّوض دون الوردِ الكان وكان: كنت راكبًا مرة في خليج القاهرة فمررت على منظرة وجارية تغني: استنبهتْ وأنبهتني ... قالت حبيبي كم تنامْ وسمعت الذين يطوفون بالجمَّيز على هذا الخليج يغنون: السودُ مسك وعنبرْ ... والسُّمْرُ قضبانُ الذَّهب والبيضُ ثوبٌ دبيق ... ما يحتمل تَمْعيك البُلَّيْق: أظرف من كان في هذه الطريقة بالقاهرة في عصرنا القادوس، وله الزجل المليح المشهور الطائر في الآفاق بجناح الاستحسان "المليح قلبي عليه يخفق ... " ولا نطيل بذكر هذا الزجل فليرجع إليه من شاء في كتاب المغرب٢. ويقول ابن سعيد في موضع آخر، إنه رأى جماعة يصنعون البليق بالفسطاط، ويقول إنه على طريقة الزجل الأندلسي، وإن أهم صناعه بالفسطاط

стр. 550

ساكن البليقي، ويروى له قطعة يعف القلم عن ذكرها لما فيها من فحش، وقد بدأها بقوله: بسِّي من الدين الثاني ... نرجع لديني الحقاني على أنه ينبغي أن نعرف أن هذه الأنواع كانت تمتلئ بفنون البديع من جناس وتورية وما إليهما كهذا الدوبيت وفيه تورية وتهكم بقاضي يأخذ الرشوة١: في مصر من القضاةِ قاضٍ ولهْ ... في أكلِ مواريثِ اليتامى ولهْ إن رمت عدالة فقل مجتهدًا ... من عدَّ له دراهمًا عَدَّلَهْ أما المواليا فقد كان أشهر أصحابها -كما يقول ابن حجة- أبا بكر بن العجمي فإنه كان إمام فنونها المتشعبة. وساق ابن حجة له مثالًا منها، وهو قوله٢: للحبِّ قالوا مُعَنَّاك الذي إذ بلتو ... جدلو بقبله فقلبوا فيك خبِّلتو فقال أقسمْ لو أن البوس سَبِّلتو ... ومات، للشرق مادِرْتُو وقَبِّلْتو وفي هذه المواليا جناس معكوس واضح، وفيها أيضًا تورية في كلمة قبلتو. وإذا كانت هذه الفنون قد تسربت إلى الشعر الشعبي فلأنها كانت عامة في الشعر العربي حينئذ، وكان يعم معها فيه أيضًا التصنع لمصطلحات العلوم، وخاصة مصطلحات النحو والحديث والتاريخ والبديع والعروض كقول الجزار٣: كفُّهُ زمزمٌ تفيضُ على العا ... فين جودًا والمالُ فيه الحطيمُ هو أولى بالرفع إن أعربَ الدَّهـ ... رُ وعُمْرُ العدا به مجزومُ عارفٌ بالبديعِ لم يخفَ عنه النـ ... قصُ منا يومًا ولا التتميمُ ويجيز الإيطاء في الجود لكنْ ... شابنا نحن في المديح اللزومُ

стр. 551

ومع ذلك فالجزار كان أخف شعراء العصر روحًا وميلًا إلى المداعبة، ونحن نقف قليلًا عنده وعند ابن نباتة لنتبين هذا العصر في نور أعم وأوضح. الْجَزَّارُ: "الشاعر المفتنُّ جمال الدين أبو الحسين يحيى بن عبد العظيم، المصري المولد والوفاة، والمعروف بالجزار الشاعر المشهور، أحد فحول الشعراء في زمانه. وكان من محاسن الدنيا، وله نوادر مستظرفة ومداعبات ومقارضات مع شعراء عصره، وله ديوان شعر كبير. قال الشيخ صلاح الدين الصفدي: "لم يكن في عصره من يقاربه في جودة النظم غير السراج الوراق، وهو كان فارس تلك الْحَلْبة، ومنه أخذوا وعلى نمطه نسجوا، ومن مادته استمدوا"١، وتوفي الجزار عام ٦٧٩ للهجرة. ويقول صاحب مسالك الأبصار فيه: "قال الشعر وهو صغير أول ما احتلم، وطاف بأركان بيت له واستلم"٢. وقد ترجم له صاحب المغرب ترجمة طويلة أفاض فيها في وصف جوده وما لحقه هو نفسه من هذا الجود، وهو يبدأ ترجمته على هذا النمط: "الجمال أبو الحسين الجزار هو يحيى بن عبد العظيم ختمت به شعراء الفسطاط ليكون الختام بمسك، وكان بينهم في هذا العصر بمنزلة الواسطة من السلك، وكان أبوه وأقاربه جزارين بالفسطاط، دكاكينهم بها إلى الآن، قد عاينتها وأبصرته معهم بها، وكان في أول أمره قصابًا مثل أبيه وقومه، فحام على الأدب مدة وأكثر حوله من حَوْمه، فرفعت له في القريض راية. ولم يزل ذلك دأبه في بلده، حتى أخذ علو الطبقة بيده، فصار العلم الذي إليه الإشارة بين الجميع، وأصبح جوَّالا في آفاق الديار المصرية، حتى صار له في أقطارها عدة رسوم يجتمع له فيها ما لا يحصله في هذا العصر أحد من أهل المنظوم"٣. ونرى من هذا النص الطويل أنه نشأ بين ساطور ووضم؛ غير أن هذه النشأة لم تعقه عن أن يحتل مكانة رفيعة بين

стр. 552

شعراء عصره، ويظهر أنه كان ينتجع الولاة في دمياط والمحلة والإسكندرية، كما يتبين من القطعة التي رواها ابن سعيد، وكانت -كما يقول- له عليهم وعلى غيرهم رسوم كثيرة. ومن يقرأ ما رواه ابن سعيد من شعره يلاحظ أنه كان يكثر فيه من التصنع للعلوم، كالمثال الذي مر سابقًا. وكان يتصنع بجانب ذلك للاقتباس من القرآن الكريم كقوله١: أرى الإسكندرية ذات حسنٍ ... بديعٍ ما عليه من مَزِيدِ حلَلَت بظاهرٍ منها كأنِّي ... حلَلَتُ هناك جنَّات الخلودِ فلا بئرٌ معطلة وكم قد ... رأيتُ هناك من قصرٍ مشيدِ وبإزاء ذلك نراه يكثر في شعره من ألوان الجناس والطباق، وكان يعنى عناية خاصة بالتورية ولا سيما باسمه، وكذلك كان يقلده الحمامي وسراج الدين الوراق في التورية باسميهما٢. ويظهر أن الجزار كان خفيف الروح جدًّا فشعره مليء بالفكاهات والدعابات التي تعبر عن هذا الجانب في عصره، وأنه كان عصر تنادر وتفكه؛ فمن ذلك قوله في نِصْفيَّة٣: لي نصفيةٌ تعدُّ من العُمْـ ... ر سنينًا غسَلْتُها ألفَ غسلةْ ظلَمَتْها الأيامُ حكمًا فأضْحَتْ ... في العذابِ الأليمِ من غيرِ زَلَّةْ كلَّ يوم يحوطُها العصرُ والدَّ ... قُّ مرارًا وما تقر بجملة فهي تعتلُّ كلما غسلوها ... ويزيل النِّشاءُ تلك العلَّة أين عيشي بها القديمُ وذاك التِّـ ... يهُ فيها وخطرتي والشَّملةْ حيث لا في أجنابها رقعةٌ قـ ... طُّ ولا في أكمامها قطُّ وصلةْ قال لي الناس حين أطنبتُ فيها ... بسِّ أكثرت خَلَّها فهي بقلةْ ويصف دارًا له متهدمة فيقول٤:

стр. 553

ودار خراب بها قد نزلتُ ... ولكن نزلت إلى السابعةْ فلا فرقَ ما بين أني أكون ... بها أو أكون على القارعةْ١ تساورها هفوات النسيم ... فتُصغي بلا أذنٍ سامعةْ وأخشى بها أن أقيم الصلاةَ ... فتسجد حيطانها الراكعةْ إذا ما قرأتُ "إذا زلزلتْ" ... حشيت بأن تقرأ "الواقعةْ" وواضح ما في هذه الفكاهات من توريات. واستمع إليه يقول في أبيه وقد تزوج بعد هرمه وشيخوخته٢: تزوج الشيخُ أبي شيخةً ... ليس لها عقلٌ ولا ذهنُ لو برزت صورتُها في الدُّجى ... ما جسرت تبصرها الجنُّ كأنها في فرشها رمةً ... وشعرُها من حولها قطنُ وقائلٍ قال فما سنُّها ... فقلت ما في فمِها سنُّ وما أطراف قوله في بخيل٣: لا يستطيع يرى رغيـ ... فًا عنده في البيت يكسَرُ فلو أنه صلَّى وحاشاه ... لقال الخبزُ أكبرُ وواضح ما في هذه الفكاهات من ميل الجزار إلى الأساليب العامية؛ فهو يستعير منها بعض الألفاظ، ولكنه على كل حال لم يسقط في شعره، فقد استمر يعنى بأسلوبه، وظل على هذا النمط السابق يخلط فيه بين ألوان التصنيع والتصنع كما هي عادة الشعراء في تلك العصور. ابْنُ نَبَاتَةَ: جمال الدين محمد بن نباتة ينتهي نسبه إلى ابن نباتة الخطيب المشهور في عصر سيف الدولة، وقد ولد كما حدَّث هو عن نفسه٤ بمصر في أواخر القرن

стр. 554

السابع ونشأ بها، وتركها إلى الشام؛ حيث خدم هناك في دواوين الإنشاء، ثم رجع في آخر حياته إلى مصر حوالي عام ٧٦٠ للهجرة واستمر بها حتى توفي عام ٧٦٨. ويظهر من شعره أن حظه كان كئيبًا، ولذلك أكثر من ألمه وشكواه من شقائه وبؤسه، وجعله هذا اللون في حياته لا يعبر عن فكاهة أو دعابة إلا ما كان من تصنعه للتورية. على أنها عنده تصبح ثقيلة بالرغم من إكثاره منها؛ لأن مزاجه لم يكن يساعد عليها، ولذلك قلما نقع له على تورية خفيفة، وربما كان أجمل ما جاء عنده من تورية قوله لمن طلق زوجًا له تسمى دنيًا: ظلمت دنياك وطلَّقْتها ... فرُحْتُ لا دنيا ولا آخرة وقوله: ومولعٍ بفخاخٍ ... يمدُّها وشباكِ قالتْ ليَ العين ماذا ... يصيد قلتُ كَراكي وقوله، وفيه اكتفاء واضح: فأقطفُ من أوراقه الأدبَ الذي ... وأسمعُ من ألفاظِهِ اللغة التي وكان يكثر من هذا الاكتفاء في شعره، كما كان يكثر من الاقتباس من القرآن الكريم كقوله: سألت قلبي عن ذوي العشقِ وعنْ ... ما أوتيتهُ من فنونِ الحسنِ مَي فقال لي: "إني وجدت امرأة ... تملكُهُم وأوتيتْ من كلِّ شيء" أما الشعر فقد كان يكثر من تضمين أبياته القديمة والعباسية في أشعاره، وهناك قصيدة في ديوانه ضمنها شطور معلقة امرئ القيس، وقد بدأها على هذا النحو: فَطَمْتُ ولائي ثم أقبلتُ عاتبًا ... "أفاطمُ مهلًا بعض هذا التَّدَلُّلِ" واستمر على هذا النمط. وتعلق في شعره بالتضمين للمتنبي كثيرًا، فتارة نراه ينقل شطورًا من أبياته، وتارة ينقل أبياتًا برمتها، وتارة ثالثة يتصنع لقصيدة

стр. 555

من قصائده، فينقل منها جميع شطورها. وكما كان يتعلق بالتضمين كان يتعلق بمعارضة القصائد الماضية؛ فتارة نراه يعارض كعب بن زهير في مديحه للنبي ﷺ بقصيدة لامية على نمط قصيدة، يقول فيها: ما يمسك الْهُدْبُ دمعي حين أذكركم ... ألا كما يمسك الماءَ الغرابيلُ وتارة نراه يعارض المتنبي، وأخرى يعارض ابن النبيه فقد عارض قصيدته المعروفة: يا ساكني السفحِ كم عينٍ بكم سفَحَتْ ... نزحتُم فهي بعد البُعدِ ما نزحتْ إلا أنه لم يأت معها بطائل١، وتعلق مع هذه المعارضات بالتصنع لاصطلاحات العلوم كقوله: بلواحظٍ يرفعن جفنًا كاسرًا ... فيُثِرنَ في الأحشاءِ همًّا ناصبا كما تعلق بصنع الألغاز وهي كثيرة في ديوانه. ومهما يكن فإن روحه ليست خفيفة في شعره، ولذلك يبدو لنا كل ما فيه من تلفيق. وما من شك في أن الجزار تمثِّل روحه مصر في هذه العصور أكثر مما تمثلها روح ابن نباتة، وربما كان ذلك يرجع إلى أنه لم يعش فيها طويلًا وأنه كان تعسًا في حياته شقيًّا، وأيضًا فإنه -كما يبدو من شرحه لرسالة ابن زيدون في كتابه المسمى "سرح العيون"- كان عالِمًا، فبدت في شعره روح العلماء المتزمتين الذين لا يعجبون كثيرًا بالفكاهات والدعابات.

стр. 556

٧- العَصْرُ العُثْماني والعقْمُ والجمودُ: ويدخل العصر العثماني وتدخل مصر معه في ظلام قاتم؛ فقد تحولت من دولة بل إمبراطورية مستقلة إلى ولاية تابعة للدولة العثمانية، وليت الأمر وقف عند ذلك، فقد

стр. 557

سلبها سليمٌ فاتحها خير ما فيها من ثروة علمية وفنية؛ إذ أخذ معه كثيرًا من التحف والكتب، كما أخذ معه كثيرًا من الأدباء والعلماء والمهندسين وأصحاب الصناعات الفنية الذين يصنعون أدوات الترف، وانكمشت مصر ولم يعد لها صلة إلا بالقسطنطينية، وهي صلة تقف عند خلع وَالٍ أو بيان مظلمة، صلة التابع بالمتبوع، وأعوز مصر في هذا العصر العثماني الولاةُ والحكام الذين يعنون بالحركة العلمية والأدبية، فانطفأت المصابيح التي كانت مشتعلة في العصور السابقة. ولا نستطيع أن نقول إن الشعر انعدم في العصر العثماني؛ فقد كان موجودًا، ولكنه وجود خير منه العدم؛ إذ اقتصر الأمر على جماعة يقرءون بعض القصائد الموروثة وخاصة التي كانت قريبة من عصورهم، ثم يعارضونها أو يخمسونها أو يربِّعونها، فيأتون بنماذج لا روح فيها ولا جمال، إنما هي تقليد ركيك ضعيف، ومن أين تأتيها الروح أو يأتيها الجمال وهي تصدر عن نفوس مجدبة، لا تستطيع أن تصنع شيئًا إلا أن تجتر القديم هذا الاجترار الذي يحيله إلى مربَّعات ومخمَّسات في أساليب واهية ضعيفة. وليس من شك في أن الشعراء كانوا يحتالون على ألوان البديع يملئون بها شعرهم، ولكنا نحس أن هذه الألوان أصبحت باهتة في أيديهم؛ إذ فقدت مقدرتها القديمة على التلوين والتعبير. ولعل أهم شاعر ظهر في هذا العصر هو الشهاب الخفاجي، وقد ترجم لنفسه في آخر كتابه: ريحانة الألبَّا، وترجم له المحبّي١ وحكى شيئًا من أشعاره، وهي تدل على ما نقوله من ضعف الروح الأدبية في هذا العصر، وما أصاب الحياة الفنية من عقم وجمود، وكذلك الشأن في عبد الحليم العباسي صاحب كتاب "معاهد التنصيص" فقد ترجم له الشهاب الخفاجي٢، وشعره غثٌّ، وهو يدلُّ بدوره على إجداب الحياة الفنية في هذا العصر؛ فقد أسفَّ الشعر، ولم يعد من الممكن أن يعود إلى الارتفاع، والتحليق في أجواء الفن العليا، إلا إذا قدِّمت إليه مجهودات شاقة،

стр. 558

وكأنما جفت في هذا العصر كل الينابيع الممكنة التي كانت تمد الشعر بأسباب الحياة؛ فشاعت فيه الألفاظ العامية والتركية، ويحسُّ الإنسان كأنما أصيبت الأداة الفنية التي رأيناها في العصور السابقة بعطل شديد، فقد عمَّ الظلام وعمت الكآبة، ولم يعد هناك إلا جو خانق يشمل كل شيء، وكأني بالمصريين أصبحوا لا يستطيعون التنفس؛ فضلًا عن أن يحيوا حياة فنية فيها فن وشعور وفيها حياة وجمال.

стр. 559

خَاتِمَةٌ: ١- الصُّورةُ العامَّةُ لِلْبَحْثِ: رأينا الشعر العربي ينشأ في ظروف غنائية، وقد أخذ يظهر فيه منذ أواخر العصر الجاهلي نوع متميز يتكسب به الشعراء سميناه باسم الشعر التقليدي، وقد تطور في المذاهب الفنية التي وصفناها من صنعة وتصنيع وتصنع، ونحن لا نترك العصر الجاهلي إلى العصور التالية حتى يحدث تطور واسع في الغناء العربي وقواعده، تحدثه العناصر الأجنبية، فقد كان أكثر المغنين من الموالي وبخاصة الفرس والروم، وأدخل هؤلاء المغنون في الغناء العربي كثيرًا من النغم الأجنبي والألحان الأجنبية مما أعد للتغيير في الرُّقُم الموسيقية القديمة، وكان الشعراء يحورون في شعرهم ويجزئون تحت تأثير هذا التغيير، وما زالوا يحورون ويجزئون حتى تحرفت صورة الرقم الموسيقية القديمة من بعض الوجوه، وتولدت داخل هذا التحريف أوزان جديدة كأوزان المقتضب والمضارع والمجتث والمتدارك، وكأوزان أخرى أشرنا إليها في موضعها، غير أن أصحاب العروض أهملوها، فلم يقترحوا لها أسماء، ولم يعنوا بها عناية من شأنها أن تسجلها على الزمن. ومضينا بعد بحث هذا الشعر الغنائي الخالص نبحث الموجات التي تعاقبت في الشعر العربي في أثناء العصر العباسي، فرأينا موجة الصنعة تستمر ثم يظهر بجانبها موجة جديدة من الزخرف والتصنيع، وأخيرًا تظهر موجة التصنع، فتعم الشعر العباسي ويعم معها تلفيق ولف ودوران كثير. وتتبعنا هذه الموجات في

стр. 560

الأندلس ومصر، أما الأندلس فرأيناها تأخذها جميعًا وتطبقها تطبيقًا دون أن تنمِّيها أو تعدل فيها سوى ما أحدثته من الموشحات والأزجال حيث نجد الشاعر يمزج بين الأوزان المختلفة والقوافي المتنوعة في المنظومة الواحدة، وقد حاولنا أن نجد جوانب أخرى تفسر لنا شخصية الأندلس، فتتبعناها في حياتها السياسية والاجتماعية والأدبية، ورأيناها تعيش جملة في الإطار العام لمذاهب الصنعة والتصنيع والتصنع دون أن تحاول إحداث مذهب جديد، إذ كانت تعتمد اعتمادًا على الاستعارة من المشرق بحيث لم نستطع أن نتبين شخصيتها في وضوح، بل بحيث قلنا إن شخصيتها كانت ضعيفة في تاريخ الشعر العربي. ولما تركنا الأندلس إلى مصر وجدناها حقًّا تقلد المذاهب السابقة، ولكنا رأيناها بعد ذلك تعبر عن شخصيتها في وضوح، إذ صور شعراؤها ما فيها من جنات وزروع ومفاتن جمال، وهم في ذلك لا يتفوقون على الأندلسيين، ولكنهم لا يوضعون في مرتبة متخلفة عنهم، بل نحن لا نبالغ إذا قلنا إن مادة شعر الطبيعة في مصر لا تقل عن مادته في الأندلس، لا من حيث الكمية، ولا من حيث القيمة الفنية الخالصة. وقلد المصريون الأندلسيين في صنع الموشحات والأزجال وتوسعوا فيها وأضافوا إليها النوع المسمى باسم "البُلَّيق" كما أضافوا إليها المواليا والكان وكان والدوبيت مما ذاع في المشرق. على أن مصر تفترق بعد ذلك من الأندلس مفارق واسعة، إذ عبر شعراؤها عن حياتها السياسية وخاصة في الحروب الصليبية تعبيرًا واضحًا، وهم كذلك عبروا عن زهد وتصوف متأثرين فيهما -إلى حد ما- بتراث مصري قديم، كما عبروا عن لهو وترف ونعيم ومجون، ولم يكتفوا بذلك، بل رأيناهم يعبرون عن الروح المصرية التي تشتهر بالفكاهة والدعابة، واستمروا يفصحون عن هذا الجانب الفكاهي بصورة واضحة من العصر الفاطمي إلى العصر العثماني، إذ يسود العقم والجمود كل شيء في مصر، ويحس الإنسان كأنما فقدت لوحة الفن المصرية ألوانها الزاهية البهيجة، أو كأنما تبللت هذه الألوان بالدموع على النهضة الفنية الزائلة، ولذلك كان من العسير أن نجد في العصر العثماني شاعرًا يفصح عن جِدةٍ؛ بل عن مقدرة في التعبير، فقد جمد الفن وعقم التفكير الفني، ولم يعد من الممكن أن يعود الشعراء به إلى روعته القديمة إلا بعد جهود شاقة عسيرة

стр. 561

٢- الشِّعْرُ العَربِيُّ الحديثُ: إذا ذهبنا نتعقب الشعر العربي الحديث وجدنا نهضة واسعة تأخذ به من جميع أطرافه، وقد بدأ هذه النهضة شعراء مصر الحديثة يقودهم فيه البارودي. وهي نهضة لا تعد في صورتها العامة ثورة على القديم، بل هي تتصل به اتصالا شديدًا، إذ نرى الشعراء يعودون بالشعر العربي إلى رونقه الذي نعرفه في العصر العباسي. فقد تركوا هذا الشعر الركيك الذي نعرفه للمصريين في العصر العثماني كما تركوا شعر الخشاب والساعاتي ومن إليهما ممن كانوا ينظمون في مفتتح العصر الحديث، إذ كان شعرهم أيضًا غثًّا مسفًّا، وأخذوا يرتفعون بشعرهم إلى آفاق عليا. غير أنه ينبغي ألا نبالغ في ذلك، فإن حركة التجديد والنهضة عندنا وخاصة في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن لم تكن واسعة، بل كانت ضيقة تعتمد أكثر ما تعتمد على إحياء القديم وبعثه، فهي حركة بعث وإيقاظ، ورجوع بالشعر إلى تعبيره القديم، ولعله من أجل ذلك لم تختلف صورة الشعر عند البارودي وتلامذته كثيرًا عن الصور القديمة، فقد استمدوا أفكارهم وأخيلتهم ومعانيهم من القدماء، إذ ذهبوا يستَنُّون بمناهجهم ويحتذون على أمثلتهم. ومن يرجع إلى ديوان البارودي يجده يقلد جميع الشعراء العباسيين والجاهليين والإسلاميين، فهو يعارض النابغة وأبا نواس والبحتري والشريف الرضي والمتنبي وأبا العلاء؛ ولكن مع هذا نراه يخرج بالشعر من نطاق صفوت الساعاتي والخشاب،

стр. 562

هذا النطاق الذي هو أشبه ما يكون بكراريس التطبيق، إلى نطاق جديد فيه حقًّا تقليد، ولكن فيه أيضًا جدة وبراعة، وإذا تركنا البارودي إلى شوقي زعيم الشعر المصري الحديث وجدناه مثل أستاذه البارودي ينحو نحو تقليد القدماء، ولذلك كانت تكثر عنده معارضة الشعراء السابقين من مثل أبي نواس وأبي تمام والبحتري وابن زيدون، ولعل في هذا ما يدل على أن النهضة الفنية في الشعر المصري كانت نهضة بعث وإحياء، حقًّا قد يقول حافظ: آنَ يا شعرُ أن نفُكَّ قيودًا ... قيَّدَتنا بها دعاةُ المحالِ ولكن حافظًا وإخوانه لم يفكوا عن فنهم أفعى التقليد. والذي لا ريب فيه أن شوقي أكثرهم تجديدًا، فقد حاول أن يحدث ضربًا من الشعر التمثيلي على نحو ما نعرف في روايات مصرع كليوباترا ومجنون ليلى وقمبيز، إلا أن هذه المحاولة لم تبلغ الذورة عنده لأسباب كثيرة، أهمها أنه لم يدرس تاريخ المسرح الأوربي، فلم يتجه بشعره التمثيلي إلى أوزان جديدة ولا أحكم إخراجه لأبطال رواياته، وبدا الضعف في جوانب من عمله المسرحي، ووجد بجانب ذلك ضرب من الشعر في السياسة والآثار والحياة الحديثة، كأن ينظم الشعراء في الخلافات الحزبية أو في الفرعونيات أو في الطيارات والغواصات ولكن الشعر لم يتحرر بذلك تمامًا من القديم؛ لأن هذا التجديد لا يقوم على مذهب موضوع ومنهج مرسوم، بل إننا نرى الشاعر يجمع ديوانه ويقدمه للمطبعة فلا يعرف كيف يقدم له، ولذلك نراه يستعين ببعض الكتاب يكشفون له عن خصائصه التي لا يحسها هو في نفسه ولا في فنه، إذ هو في الواقع لم يكتب ديوانه ليعبر عن فلسفة في الحياة، أو حب للطبيعة، أو إيمان بعقيدة خاصة، إنما هي قصائد قيلت في مناسبات مختلفة، ثم جمعت في شكل ديوان، وقد يجدد الشاعر فيأتي بقصيدة في السياسة أو في الاختراعات الحديثة، وهو تجديد لا يقوم على نشر مذهب حديث في الأدب ولا إحداث ثورة في موضوعاته ومعانيه. وهذا الجانب عند شعرائنا يجعلنا نذكر الشعراء الغربيين، إذ نرى

стр. 563

الشعر عندهم عقيدة ومذهبًا من المذاهب يدافعون عنه حياتهم، كم نرى عند أصحاب النزعة الرومانسية وكما نرى عند البرناسيين والرمزيين حيث نجد الشاعر يكتب ديوانه ليقرر هذه العقيدة الجديدة، وذلك المذهب الحديث، ولذلك كان يقدم له بنفسه؛ لأنه يقرر منهجًا خاصًّا هو الذي يرفع قواعده ويقيم بنيانه. أما عندنا وخاصة في أول هذا القرن فلا يزال الشعر غالبًا على حالته التقليدية القديمة، لم تغيَّر أصوله ولا رسومه؛ ومن أجل ذلك كان الديوان عند كثير من شعرائنا حينئذ كالديوان عند القدماء، إنما هو قصائد تجمع من ظروف ومناسبات مختلفة، فيتكون منها مجموعة من الشعر تسمى ديوانًا، وليس بين أشعارها وحدة معينة أو غاية مشتركة، إنما كل ما بينها من اتفاق أنها تشترك في وحدات وغايات موسيقية، وأنها شعر نظم على أوزان وقوافٍ، وليس بعد ذلك ما يدل على اتفاقها في غرض معين، ومن ثَمَّ كان من العسير أن يكتب شاعر من هؤلاء الشعراء مقدمة لديوانه؛ لأن المقدمة تعني المنهج المرسوم والمذهب الموضوع وهم لا مذهب لهم ولا منهج إنما يكتبون بوحي الساعة، أو وحي الأحداث والمناسبات المختلفة. الشُّعَرَاءُ يحاولونَ التَّجْدِيدَ: ونحن لا ننسى ما حاوله بعض الشعراء من التجديد، غير أن جمهورهم في الحق لم يستطيعوا أن ينهضوا بكل ما كنا نصبوا إليه؛ فقد أهملوا -في كثير من جوانب شعرهم- الصياغة الفنية للشعر العربي، وراحوا يستعيرون معارض تفكيرهم وشعورهم من الشعراء الغربيين، وخاصة شعراء النزعة الرومانسية، وبالغوا في ذلك حتى أصبحت نماذج كثيرة من أشعارهم، وكأنها ضروب من الترجمة للأساليب الغربية. ولعل من الغريب أن نفرًا منهم ذهبوا ينادون بهجر الأساليب العربية القديمة، ويقولون إنها أصبحت لا تلائمنا في العصر الحديث، ونسوا أن صياغة التفكير الفني لأمة من الأمم لا يمكن أن تهجر مرة واحدة إلى صياغة أمم أخرى. يمكن أن يزاوج الشعراء بين صياغة أمتهم القديمة

стр. 564

وصياغة الأمم الحديثة، ولكن أن يهجو الشعراء أحاسيس أمتهم وطرقها في التعبير عن الفكر والشعور إلى أحاسيس وطرق جديدة فإن مثل هذه الحركة لا تؤدي إلى منهج واضح من التجديد. وأي تجديد؟ أليست تنبذ تقليد القديم إلى تقليد آخر سقيم؟ ولسنا نشك في أن التقليد في داخل القديم أكثر اتصالا بالأمة من هذا التقليد الجديد للأجنبي الخالص. وأكبر الظن أن ذلك ما جعل الشعراء المحافظين أكثر قبولا عند الناس والنقاد من هؤلاء الشعراء الذين نبذوا الصور القديمة للشعر العربي، وكأنما خيل إليهم أن التعبير الفني كالأزياء، فإذا كان من الممكن أن نخلع زينا، فكذلك يكون من الممكن أن نخلع الزي القديم في الفن إلى زي غربي حديث، لا نعتدُّ فيه بالأوزان القديمة، ولا بنظم القوافي، ولا بطريقة القوم في التعبير عن مشاعرهم وأحاسيسهم، إنما نعتد بشيء واحد هو التقليد للشعر الغربي تقليدًا ننسى فيه شخصياتنا القديمة. ولسنا نرتاب في أن هذه الحركة كانت تطرفًا في التجديد، ولذلك لم تحدث الانقلاب المنشود. ونحن لا ننكر أننا نجد أحيانًا عند بعض الشعراء المجددين قصائد بل دواوين رائعة استطاعوا أن يوازنوا فيها بين الصياغة العربية والأفكار والصور الغربية، ولكن ذلك قليل وفي الندرة. ولعل من الحق أن نذكر هنا أن الشعر العربي الحديث يغلي باتجاهات جديدة كثيرة فيه، إلا أنها لم تنظم حتى الآن تنظيمًا دقيقًا، ولا نزال نجد فيها التذبذب الذي يكون عادة رائدًا للثبوت والاستقرار.

стр. 565

٣- الطَّّّريقُ إلى التَّجديدِ المستَقِيمِ: ونحن نؤمن بأن هذه الحال من التذبذب في الشعر العربي الحديث ترجع إلى أن كثرة الشعراء لا يعتنقون عملهم مذهبًا وعقيدة، وهم ينقلون عن الغرب دون أن يستوعبوا، وهم كذلك لا يحققون لأنفسهم ثقافة واضحة بالصياغة العربية
следующие страницы →