الحوادث التاريخية وأثرها:
لا شك في أن الأحداث التاريخية كانت ذات أثر كبير في تطور الديانة المصرية؛ فإذا ما نظرنا إلى ألقاب الملوك وإلى القصص الديني والأساطير المختلفة فإننا نجد ما يشير إلى ذلك إذ يذكر مانيثون بأن مصر كان يحكمها قبل العصور التاريخية حكام من الآلهة أي أسرة إلهية "بتاح ورع وشو وجب وأوزير وست وحوريس" وبعد ذلك حكمت أسرة من أشباه الآلهة ثم عشرة ملوك من الأرواح أو من أتباع حوريس حكموا قبل
стр. 107
مينا، وتشير بردية تورين إلى نفس الترتيب تقريبًا.
وتدل الشواهد الأثرية على أن أتباع حوريس وصلوا إلى وادي النيل عن طريق وادي الحمامات واستقروا بالقرب من قفط حيث كان إلهها المحلي مين، وكان المعبود الوطني في مصر كلها هو الإله ست. وكان حوريس وأتباعه محاربين متفوقين بما لديهم من أسلحة؛ فلم يمكثوا طويلًا في قفط أو ما جاورها؛ فتحركوا شمالًا حتى استقروا في غرب الدلتا، ثم وفدت عليهم أقوام من شرق الدلتا يدينون بنفس الدين ويعرفون الأسلحة المعدنية وقد أطلق عليهم أصحاب الرماح فاتصلوا بأتباع الإله حوريس الذين كانوا في غرب الدلتا حتى أصبح هذا الإله إلهًا لغرب الدلتا كله.
ثم جاءت بعد ذلك هجرة من غرب آسيا تحت قيادة أوزير الذي كان على ما يحتمل ملكًا عبد ثم أله فيما بعد وقد استقر هؤلاء في شرق الدلتا، ولم يكونوا من المحاربين؛ بل كانوا رعاة ورجال سلم وسرعان ما اندمجوا في أهل البلاد الذين رأوا في أوزيريس صورة للإله الطيب وأخًا لإلههم ست، كما أن أوزيريس وقومه كانوا يميلون إلى أهل شمال الدلتا وإلهته إيزيس، وفي نفس الوقت جاءت كذلك مجموعة أخرى من المهاجرين اخترقت الدلتا واستقرت عند رأسها في هليوبوليس، وكان رع هو قائدهم وإلههم ويحتمل أنهم جاءوا من الشمال الشرقي للبحر المتوسط أو من جزره وكانوا على جانب من الثقافة والفهم ومعظمهم من التجار وأصحاب الحرف.
وقد وجد حوريس وأتباعه أمورًا مشتركة بينهم وبين أوزير وأتباعه وقد نتج عن ذلك أن غرب الدلتا تحت قيادة حوريس وشمال الدلتا تحت قيادة إيزيس ارتبطوا برباط ودٍّ وسلام مع أوزير وأتباعه وكذلك مع
стр. 108
ست، ورأى المتعبدون في إيزيس زوجة لأوزير وحوريس ابن لهما وست شقيق لأوزير: وبما أن حوريس الذي اعتبر إلها للسماء كان يعترف بالإله ست؛ فإن أتباع رع كذلك اعترفوا بالإله الوطني ست؛ ولكنهم لم يعترفوا لأوزير في أول الأمر، وبعد أن استقرت الأمور بين رع وأوزير وأخذت وحدتهما في الظهور بدأ يظهر لون من التنافس بين ست وأوزير، فبفضل النشاط الحربي لحوريس وطرق أوزير السلمية وثقافة رع؛ تكونت مملكة في مصر السفلى بقيادة حوريس وكانت عاصمتها بوتو، وكان طابع هذه المملكة سلميًّا وفقًا لما تميز به أوزير الذي نشط أتباعه في التبشير له حتى امتدت نفوذه إلى أبيدوس أو ما بعدها ويعد هذا أول اتحاد بين الدلتا والصعيد.
ولكن سرعان ما غضب ست وأتباعه ولم يكن أوزير قائدًا حربيًا فتراجع إلى بوزيريس موطنه في الدلتا وذبح هناك؛ ولكن أتباعه اعتقدوا أنه بعث ليحكم العالم السفلي وأصبحت إيزيس وحيدة، أما رع فقد وقف موقف المحايد؛ إلا أن هذه الأمور استثارت حوريس الذي كان قائدًا وملكًا على مصر السفلى؛ فأراد أن ينتقم لأبيه ونشب صراع جديد بين حوريس وست وفي هذه المرة تغلب حوريس، وغزا الصعيد؛ فاضطر ست وأتباعه إلى التراجع أعلى النهر ثم إلى الواحات والصحاري. وقد يدل هذا على التوحيد الثاني الذي حدث من الدلتا أيضًا قبل التوحيد الذي قام به مينا ويعد بداية الأسرات.
وفي نفس الوقت جاء وافدون جدد من الصعيد شقوا طريقهم إلى الدلتا وكانوا يحملون أفكارا جديدة؛ ولم يكن رع ليعنى كثيرًا بالصعيد أو بأعمال
стр. 109
حوريس؛ ولكنه كان يميل إلى ست ويفضله وسرعان ما حدث احتكاك بين الصعيد والدلتا، وظل أتباع حوريس الأوفياء على ارتباطهم به، وكان معظمهم من الجنوبيين، وأصبحت العداوة صريحة بين أتباع حوريس في الصعيد وأتباعه الشماليين الذين تأثروا بالأفكار الجديدة؛ ولكن أهل الجنوب انتصروا آخر الأمر تحت قيادة أحد أتباع حوريس وهو الملك مينا الذي أعاد توحيد مصر، وهذا هو التوحيد الثالث الذي بدأت على إثره العصور التاريخية، وقد أصبح اتخاذ اللقب الحوريسي لدى الملوك تقليدًا طوال العصور الفرعونية باستثناء الملك "بر- اب- سن" الذي اتخذ لقب ست بدلًا منه، وربما كان ذلك؛ لأنه كان يدين بهذا المعبود ولا ينتمي لأتباع حوريس.
ومنذ عهد الأسرة الرابعة يبدأ نفوذ رع في الازدياد حتى إن ملوكها اتخذوا أسماء تتضمن اسم رع في نهايتها، وبعد ذلك انتقل الملك إلى بيت ينتمي إلى كهنة هذا الإله مؤسسًا الأسرة الخامسة، وعلى ذلك يمكننا أن نستنتج أن نفوذ هليوبوليس وكهنتها قد أصبح مسيطرًا وازداد هذا النفوذ قوة فتقربت الآلهة الأخرى إلى الإله رع ووحدت معه ولم يستثنَ من ذلك إلا الإله بتاح.
ولما عظم شأن طيبة في الأسرة الحادية عشر ازداد مركز آمون الذي يحتمل أنه كان إله الأسرة الحاكمة لأننا نعلم بأن الإلهين "مين ومنتو" كانا يعبدان في طيبة قبل ذلك، ولكن آمون صارت له الصدارة منذ عهد تلك الأسرة.
ولما جاء الهكسوس إلى مصر واستوطنوا شرق الدلتا؛ وجدوا أن
стр. 110
الإله ست الذي كان يعبد في ذلك المكان قريب الشبه من إلههم سوتخ فعبدوه واتخذوه إلهًا رسميًّا.
ولما طردت الأسرة السابعة عشر الطيبية الهكسوس من مصر عاد آمون إلى سابق سيطرته وأصبح الإله الرسمي للدولة في عهد الإمبراطورية الحديثة، وقد أصبح عظيم الخطر؛ لأنه إله الأسرة التي أسست هذه الإمبراطورية وإليه يعزى انتصارها، وقد وحدت معه آلهة كثيرة؛ حتى إن رع وحور وحدا معه أيضًا، وظلت الهبات والأوقاف تتوالى على هذا المعبود من ملوك الإمبراطورية حتى أصبح ذهب بلاد النوبة وقفًا عليه وسميت بلاد النوبة تبعًا لذلك باسم بلاد الذهب الخاص لآمون، وصيغت في مدحه الأناشيد، ومنها أناشيد أطلقت عليه اسم رع وأخرى أطلقت عليه اسم آتون وذلك في عصر إخناتون.
ومنذ عهد أمنحتب الثالث أو قبله بقليل يبدأ اسم آتون في الظهور، وربما كان ذلك لأن الملوك وجدوا في نفوذ آمون خطرًا يهدد الملكية؛ فأرادوا أن يضعفوا من مركز هذا الإله بإيجاد منافسين له ممن يحظون بتأييد عام فعبدوا آتون كصورة لرع الذي ظل طوال العصور الفرعونية ذو مكانة مرموقة؛ كذلك لجأ أمنحتب الثالث إلى إدخال عبادة الملك الحي أو صورته الحية على الأرض؛ ولكنه لم يشأ أن يبدأ هذه الخطوة في مصر بل بدأها بعيدًا في السودان حيث بنى معابد لعبادته هو وزوجته هناك كما أنه في نهايه عهده بنى معبد للشمس في الكرنك.
ولما جاء إخناتون أحدث ثورة عامة وقد صور إله الشمس في شكل
стр. 111
يقرب إلى أذهان العامة "قرص الشمس تخرج منه الأشعة وهذه تنتهي بأيدٍ تتدلى منها علامة الحياة" بخلاف التصوير القديم الذي كان يغلق على أفهام العامة؛ إذ إنه كان يصور إله الشمس في هيئة إنسان برأس صقر، وربما كان إخناتون لا يعتقد بأنه ارتكب إثمًا نحو معبود أجداده آمون؛ لأن هذا الأخير كان موحدًا مع إله الشمس في صورة "آمون رع"؛ إلا أن كهنة آمون وجدوا في فكرته الجديدة هرطقة حاولوا القضاء عليها فحدثت الثورة المعروفة، وتغالى إخناتون في صب جام غضبه على آمون ونقل هذا الغضب إلى كل المعبودات الأخرى وخرج إخناتون على كل التقاليد وظهر أثر ذلك في الفن خاصة، ولم تذكر ديانة إخناتون مملكة الموتى كما أن التوريات المعهودة عن الوفاة مثل "الطيران إلى السماء" أو "الرسو" لم تذكر كذلك؛ بل ذكر الموت والدفن ببساطة، ويظهر أن أتباع إخناتون أحبوا الحياة؛ ففضلوا التفكير فيها بدلًا من الموت، ومع ذلك ظلت العقيدة القديمة التي تذكر بأن الموتى يسكنون العالم السفلي وأن الروح تستطيع الخروج من المقبرة والعودة إليها كما كانت ولم تتغير وظلت الروح كذلك تمثل في هيئة طائر يجثم فوق الجثة، كما ظل الاعتقادُ بأن الميت يتقبل القرابين سائدًا، أما محاكمة أوزير؛ فلم تذكر؛ ولكن كلمة "مبرر" أو "مرحوم" كانت تذكر أحيانًا، وكان الجعل يوضع على المومياء؛ ولكن كان ينقش عليه دعاء لآتون كما أن تماثيل الأوشابتي "المجيبين" ظلت تستعمل كذلك؛ ولكن الدعاء عليها كان لآتون أيضًا؛ وبدلًا من تمثيل الآلهة إيزيس ونفتيس وغيرها من الآلهات مجتمعة على أركان التابوت مثلت الملكة بدلًا منها.
стр. 112
ويرى بعض الأثريين أن عدم وجود الناحية التصوفية وناحية ماوراء الطبيعة هو سبب فشل هذه الديانة؛ ولذلك فضل الشعب العقيدة القديمة؛ ولكن يبدو أن محافظة المصريين على التقاليد وضعف القوة المملكة في الخارج ووفاة الملك سريعًا دون أن تستقر هذه الديانة الجديدة وعدم وجود خلف له من الذكور؛ كل ذلك أدى إلى التحول ثانية إلى الديانة القديمة بل والرجوع إلى العاصمة القديمة أيضًا، وكانت النقمة شديدة على إخناتون إذ أطلق عليه بعد وفاته اسم مجرم أخيتاتون.
وبعودة الحياة الطبيعية بعد هذه الثورة عادت عقيدة آمون بصورة لا تماثل قوتها من قبل فقد استعادت آلهة المدن المختلفة حقوقها مثل رع وبتاح، ومن جهة أخرى لما كان لطيبة شرف القضاء على الهرطقة؛ فإنها صارت أعظم الأماكن قداسة. وقد ازدادت ثروة آمون زيادة لا مثيل لها فحقوله أصبحت خمسة أضعاف حقول رع وتسعين ضعفًًا لحقول بتاح وقد شيدت له المعابد الفخمة في الأسرة التاسعة عشر، ولما عظمت فخامة هذه المعابد؛ لم يكن يسمح لعامة الشعب بدخولها فأصبح دين آمون دين الخاصة وأصبح غريبًا على أبناء الشعب الذين فكروا في آلهة أكثر شعبية ومنها إله الشمس، كما عادت الحياة إلى كثير من الآلهة القديمة التي حاول الملوك إرضاءها ببناء معابد لها؛ فمثلًا بنى رعمسيس الرابع معبدًا في أبيدوس للإله أزوريس الذي كان يعد في نظر الملك من أكثر الآلهة غموضًا وخفاء، وأنه هو القمر وهو النيل وهو الذي يحكم العالم الآخر؛ كذلك احتل الإله ست مركزًا ضخمًا في عصر الأسرة التاسعة عشر.
ورغم أن عامة الشعب لم يكن من الميسور دخولهم إلى المعابد الفخمة
стр. 113
التي بناها ملوكهم؛ إلا أن ذلك لم يحل دون تقواهم وقد نقشوا الصلوات تعبدًا لآلهتهم ولجئوا في حالات كثيرة إلى آلهة تكون أقرب منالًا؛ بل وتطور الأمر حتى أصبح كل فرد يقدس من الكائنات ما يقع تحت نظره وما يصادفه فمثلًا عبدوا الآثار القديمة وعبدوا بعض الحيوانات والجمادات في بيئتهم المحلية كما تصوروا آلهة أخرى خرافية تجمع في صفاتها وتكوينها مميزات كائنات متعددة مثل: تويرس وبس١ وبعل وغيرهم وكذلك صور لهم الوهم عبادة بعض المعالم الجغرافية مثل قمم الجبل في البر الغربي لطيبة، وازدادت عبادة العامة والسذج للحيوان وانتشرت حتى أصبحت شائعة، وقد تغالى الرومان في هذا بعد ذلك إلى درجة أن أحد شعرائهم واسمه جوفنال٢ تهكم من ذلك بقوله مخاطبًا رجال عصره: "أيها الأطهار الذين تولد لهم تلك الآلهة في الحدائق".
ويبدو أن الآلهة التي تمثل النواحي الأخلاقية كانت آخر العبادات ظهورًا ومن أمثلة ذلك: ماعت وبس وغيرها.
ولأهمية المعايير الأخلاقية توقف مصير الميت على ملكه في الحياة وأصبح الموت من أهم المشاكل التي شغل المصريون أنفسهم بها؛ ولذلك أصبحت أسطورة أزوريس من أوسع الأساطير انتشارًا وصارت عبادته أقرب العبادات إلى القلوب.
стр. 114
العقائد الجنزية:
لا نعرف كثيرًا عن العقائد الجنزية في أقدم العصور الفرعونية، وأول ما يطالعنا عن تلك العقائد هو ما ورد في متون الأهرام التي دونت في الأهرام ابتداء من عهد أوناس آخر ملوك الأسرة الخامسة، وهي لا شك ترجع إلى أصول قديمة؛ لأننا نعلم بأن المصري منذ أقدم العصور كان يعنى بموتاه عناية فائقة ولا يدخر وسعًا في سبيل المحافظة عليهم، كما أن الميت كان يزود في مقبرته بما يلزمه من متاع يحمل على الظن بأن اعتقاد المصري في حياة ثانية كان اعتقادًا راسخًا وأن هذه الحياة تشبه حياته الأولى.
ومع أن متون الأهرام تدور في معظمها حول الملك وواجب الآلهة نحو العناية بشخصه المقدس؛ فقد وجدت بها أوراد تدل على أن الميت لم يذنب في حق الملك مما يدل على أن هذه الأوراد في أصلها كانت تستخدم لعامة الشعب أيضًا أو أنها كانت شائعة، ومن الأوراد ما يدل كذلك على مصير متواضع إذ تشير إلى الرقاد في التراب أو الرمل.
ومما نلاحظه في نصوص الأهرام أن الإله أزوريس الذي كان يعد إله الموتى اتخذ في بعض الأوراد مكان إله الشمس أو مكان إلهة السماء.
ومما تجدر الإشارة إليه أن المصري كان يعتقد بأن الإنسان يتألف من ثلاثة عناصر: هي الجسم والكا "القرين" والبا "الروح"، وكان يفسر الموت بأنه هجر الكا للموتى علمًا بأن الكا كان يستقبلها عند ولادته بأمر رع وهي تشبه صاحبها تمامًا، كما اعتبر القبر دارًا للكا وأن القرابين تقدم إليها؛ كذلك كانت الكا في نظر المصري هي الملاك الحارس
стр. 115
الذي يهتم بالإنسان وهي التي تنجب له الأبناء؛ ولكنها ظلت مع ذلك كائنًا إلهيا غامضًا بالنسبة له كما يفهم ذلك من النصوص المختلفة التي تشير إليها، أما البا فهي الروح التي تترك الجسد عند الموت وقد صورها المصري في أشكال مختلفة فهي أحيانًا كطير ولذلك كان من المحتمل في نظره أن تكون روح الميت طائرًا بين طيور الأشجار التي غرسها بنفسه، وأحيانًا تكون في هيئة زهرة اللوتس أو في هيئة الثعبان الذي يندفع من جحره أو التمساح الذي يزحف من الماء إلى الأرض. وقد تساءل المصري كذلك عن مقدرة الروح وظن أنها تستطيع اتخاذ تلك الأشكال جميعًا وغيرها من أشكال كثيرة لا حصر لها كما أنها كانت في نظره تستطيع الاستقرار في أي مكان تشاء.
ولما رأى الشمس تغرب يوميًّا في الغرب وتعود إلى الشروق في الشرق اعتقد بأنها كانت تجوب ليلًا عالَمًا سفليًّا، وهذا العالم لا يدخله الأحياء بل هو عالم الموتى الذين يهبطون إليه في الغرب ويعيشون في عالم مظلم؛ إلا إذا مضت من فوقهم الشمس في رحلتها بالليل، ولذا أطلق على عالم الموتى اسم "عالم الغرب" كما أن الموتى يسمون أهل الغرب واعتبر "سكر" إله الموتى في منف أول أهل الغرب.
وكما يختلف الناس في حياتهم؛ كذلك لا يمكن أن تكون هناك مساواة بعد الموت أي لا بد من وجود أماكن أفضل ومقر أحسن للأرواح الممتازة، هذا المقر كان في السماء، أي أصبح هناك عالم ثانٍ للموتى وقد أطلق عليه اسم "دوات" ثم تطور هذا الاسم؛ فأصبح يطلق فيما بعد على عالم الموتى السفلى كذلك، وقد ظن المصري بأن نجوم الليل
стр. 116
هم موتى أو أرواح سعيدة ظلت في سناء دائم مع الآلهة؛ إذ مد إليهم رع يده أو أخذتهم إليها آلهة السماء ونظمتهم بين ما لا يفنى من نجوم جسدها.
وقد ظهر أثر التضارب في التفكير الديني في متون الأهرام نفسها إذ نجد فيها ما يشير إلى أن الميت يطير في شكل طائر إلى السماء إلى جانب إخوته الآلهة حيث تمد إليه إلهة السماء يديها وتقيمه عليها نجمًا لا يفنى، وهو يولد منها في الصباح وينتسب إلى الذين يقفون من وراء رع والذين يقفون أمام نجمة الصباح، يبحر إلى الجانب الشرقي من السماء حيث تولد الآلهة فيولد معهم، متجدد القوة والشباب. ومن أمثلة التضارب في النصوص أن الملك ليس إنسانًا وليس آباءه من البشر. إنه تحوت أقوى الآلهة أعظم من رع وهو ابنه. كما تصور النصوص الميت كصائد يتصيد نجوم السماء ويلتهم الآلهة يعيش على آبائه ويتغذى بأمهاته.
أما مقر الأبرار فقد تخيلة المصري كمجموعة من الجزر تمثل: حقل الأطعمة، وحقل يارو أو مقر الممجدين، هاتان الجنتان تخيلهما المصري على شكل البلاد المصرية يغمرها الفيضان ويزدهر فيها الزرع وتقوم آلهة السماء فيها بإطعام الميت طعامًا طاهرًا بريئًا، ترضعه نوت أو الحية التي تحمي الشمس ولا تفطمانه أبدًا أو يلتقي نصيبه من شونة الإله العظيم ويلبس ما لا يفنى وله من الخبر والجعة ما يبقى أبدًا، طعامه بين الآلهة وشرابه النبيذ على نحو شرب رع، ويعطيه رع مما يأكل ويشرب.
وكان الوصول إلى حقول الأبرار هذه صعبًا عسيرًا فكان الميت
стр. 117
يرجو عطف حورس "الصقر" وتحوت "أبو منجل" لينقلانه إلى هذه الحقول أو يرجو إله الشمس ليعبر به في سفينته أو يرجو ملاح "نوتي" حقول يارو الذي لا ينقل غير الرجل القويم الذي لا قارب له.
وتبدو مبادئ الأخلاق في نصوص الأهرام من كثير من العبارات التي منها: "ما من شر ارتكبه" و"لم يتقول السوء على الملك" و "لم يحقر الآلهة" و "طاهر الجسد". ومن ذلك يتبين أن معاملة الفرد مع الناس والآلهة كانت تعتمد على مكارم الأخلاق واحترام الملك والآلهة.
وبانتشار عقيدة أوزيريس تأثر الأدب الجنزي وأصبح خليطًا مشوهًا أكثر من ذي قبل. ولا نجد إلا القليل من السحر في متون الأهرام. ولما تطورت الحياة الاجتماعية في مصر الفرعونية؛ أصبح للأفراد حق كتابة نصوص جنزية على توابيتهم منذ عهد الدولة الوسطى تقريبًا وهذه النصوص عرفت باسم نصوص توابيت، وهي عبارة عن مختارات من نصوص الأهرام التي كانت وقفًا على الملوك، صيغت في صورة جديدة وأضيفت إليها مواد أخرى، وقد تطورت هذه في عهد الدولة الحديثة إلى ما يعرف باسم كتاب الموتى، وهو عبارة عن النصوص الحنزية التي دونت في المقابر أو في البرديات ابتداء من عهد الدولة الحديثة حتى العصر الروماني، وكتاب الموتى هذا يرجع في تكوينه إلى مجموعتي متون الأهرام ونصوص التوابيت وقد أطلق المصريون عليه اسم تعريفات للخروج نهارًا، أي أن الغرض من كتاب الموتى هو تمكين المتوفى من الخروج من ظلمة القبر إلى ضوء الشمس وتمكينه من الحركة بعد الموت، وكثير من تعزيمات هذا الكتاب يفهم منها توفير
стр. 118
السعادة في العالم الآخر والتهرب من الأخطار التي تصادف الميت، وهذه كانت تتمثل في هيئة آلهة شريرة أو شياطين أو ما ينتاب المرء من جوع وعطش ... إلخ.
وابتداء من عهد الأسرة الثامنة عشر ظهر كتابان آخران لأول مرة وهما: "ايم دوات" "مافي العالم السفلي" و "كتاب الأبواب" وهذان الكتابان يدوران حول موضوع واحد هو رحلة الشمس ليلًا إلى العالم السفلي، وكان المعتقد أن إله الشمس يواصل السفر ليلًا من الغرب إلى الشرق في أسفل الأرض وفي هذه الرحلة يزور ممالك الأموات ويضفي عليهم من ضوئه وكان عليه أثناءها أن يناضل أنواعًا من المردة تسعى لوقف تسياره ولمنعه من الشروق على الأرض ثانية، وكان العالم السفلي في نظر المصري مقسمًا إلى اثنى عشر قسمًا طبقًا لساعات الليل يجتاز إله الشمس كلًا منها في ساعة معينة وفي صورة تختلف عن صورته في النهار، وكان المتوفى يأمل أن يلحق بموكب إله الشمس؛ فاستعان على ذلك بالنصوص التي أطلق عليها "كتاب ما في العالم السفلى" حتى يتمكن من تخطي الأخطار التي تكتنف طريقه ليلًا.
أما كتاب الأبواب فيتحدث عن نفس الموضوع أي رحلة الشمس خلال أقسام العالم السفلي الاثني عشر؛ ولكنه يقتصر على وصف الأبواب والبوابات التي تؤدي إلى هذه الأقسام والكائنات التي تحرسها.
وكان الميت دائمًا يأمل أن تكون روحه ضيفًا يرحب به في بيته عند زيارتها للدنيا؛ لا ضيفًا غير مرغوب فيه، كما اعتقد المصري بأن روح المتوفى في إمكانها أن تتدخل في شئون الأحياء، وقد وردت إلينا نصوص
стр. 119
كثيرة تبين هذه العقيدة، ومن ذلك مثلًا أن أحد الناس كتب خطابًا إلى روح زوجته المتوفاة يرجوها فيه أن تكفَّ عن أذاه ويذكرها بما كان يبذله من أجلها أثناء حياتها؛ كذلك اعتقد المصري بأن الميت كان يبرر موقفه أمام أزوريس الذي كان قاضيًا وحاكمًا في العالم السفلي فيتقدم بسلسلة من الاعترافات الإنكارية أو السلبية حتى يقبله في مملكته التي يعيش فيها المبرئون والمرحومون، ومن هذه الاعترافات مثلًا: أنا لم أسرق ولم امتهن أرملة ولم أكذب ... إلخ.
وكانت قاعة المحكمة يمثل فيها أزوريس كرئيس للمحكمة ومن حوله اثنان وأربعون قاضيًا وفيها يشرف تحوت على الميزان الذي يوزن فيه قلب المتوفى في مقابل ريشة العدل التي توضع في الكفة الأخرى من الميزان؛ فمن كان قلبه أثقل منها ثبتت براءته واعتبر في عداد الأبرار الذين لهم الحق في الوصول إلى حقول يارو، أما من تثبت إدانته؛ فيلقى قلبه إلى حيوان خرافي متوحش مخيف ليلتهمه ويلقى الميت جزاءه في النار ولا يصحب إله الشمس في رحلته ولا ينتظم بين الأرواح السعيدة التي تتلألأ في السماء.
ومن ذلك يتبين أن الدين كان يحض على مكارم الأخلاق وأن تلك المعايير الأخلاقية لا شك في أنها في أول الأمر عادات اجتماعية فرضها المجتمع وأصبح لها من القوة ما جعلها من التعاليم الدينية.
ولما كان المصري لا يشك إطلاقًا في البعث؛ فإنه حرص على المحافظة على جسده حتى تتعرف عليه الروح وتعود إليه بسهولة كما كان يحرص على بقاء هذا الجسد سليمًا حتى لا يبعث في حالة غير التي كان عليها،
стр. 120
وقد احتاط كذلك بعمل تماثيل له حتى إذا ما أصيب الجسد أمكن للروح أن تحل في تمثال له؛ ولكن نلاحظ في هذه الحالة أن التمثال كان يمثله وهو في ريعان شبابه طمعًا في أن يبعث وهو في خير هيئة له.
وبالطبع كانت المحافظة على الجثة تتطلب أن يكون الدفن في مكان أمين بعيد عن المؤثرات الجوية والحيوانات الضارية. وكانت المقبرة في أول أمرها عبارة عن حفرة بسيطة يوضع فيها الميت ثم يهال عليه الرديم، ثم أمكن تسقيف هذه الحفرة بالبوص ثم بالخشب، ولا شك في أن أهل المتوفى كانوا يميزون مقبرته من غيرها بكومة من الرمال أو الحصى. وهذا الجزء الذي يعلو سطح الأرض أصبح جزءًا متممًا للمقبرة وخضع لتيار التطور.
ومنذ عصر ما قبل الأُسَرِ؛ أصبح الجزء الذي تحت سطح الأرض مستطيل الشكل؛ لأن تسقيف حفرة الدفن واختراع اللبن الذي استخدم في تبطين هذه الحفرة؛ كان يحتم ذلك أو ييسره على الأقل. وفي أواخر هذا العصر تقريبًا قسمت حفرة الدفن إلى حجرات كما أن الجزء الذي يعلو سطح الأرض فوق هذه الحفرة "Super- Strucure" أصبح عبارة عن بناء من اللبن مستطيل الشكل مائل الجوانب إلى الداخل قليلًا وهو الذي عرف باسم "المصطبة". وكثيرًا ما أصبحت كلمة المصطبة تطلق على المقبرة بأكملها، أي على الجزئين معًا, وكانت جدران المصاطب تبنى بحيث تكون ذات تعرجات -مداخل ومخارج- أشبه بأسوار الحصون ثم اقتصر على فجوتين فقط في جدارها الشرقي منذ عهد الأسرة الثانية، وكانت الفجوة الجنوبية منهما أكبر من الشمالية، وقد وضعت لوحة جنزية لصاحب المقبرة
стр. 121
في الفجوة الجنوبية، وهذه اللوحة هي التي تطورت فيما بعد إلى ما يعرف باسم الباب الوهمي.
ومنذ عهد زوسر أمكن بناء مقبرة بأكملها من الحجر وفي عهد الدولة القديمة ظل الجزء الذي تحت الأرض ينحت في الصخر في هيئة حجرة للدفن يؤدي إليها طريق منحدر أو بئر عمودي مع اختلافات بسيطة في أهرام الملوك. أما الجزء الذي يعلو سطح الأرض؛ فقد ظل الأشراف والشعب يبنون في هيئة المصاطب ولكن الحجر استعمل في هذا البناء؛ بينما تدرج الملوك ابتداء من عهد زوسر من الهرم المدرج إلى الشكل الهرمي في بناء هذا الجزء الظاهر من المقبرة، وقد ظل هذا الشكل محببًا لدى الملوك إلى عهد الدولة الوسطى وإن كان بعض هؤلاء لم يستطيعوا إلا بناء أهرام صغيرة من اللبن.
وكانت القرابين تقدم إلى روح المتوفى أمام اللوحة الجنزية ولما عظم اتساع الفجوة التي بها اللوحة حولت إلى حجرة لتقديم القرابين والقيام بالطقوس الدينية نحو المتوفى، أما بالنسبة للأهرام؛ فكان كل ملك يبني في الجهة الشرقية من هرمه معبدًا جنزيًّا يصله بالوادي طريق منحدر ينتهي إلى بناء صغير للاستقبال على حافة الوادي.
وحينما عظم نفوذ الأشراف في عهد الإقطاع الأول والدولة الوسطى نحتوا مقابرهم في الصخر في مناطق أقاليمهم.
ومنذ عهد الدولة الحديثة أخذ الملوك والأشراف في نحت مقابرهم في الصخر خشية سطو اللصوص عليها وفصل الملوك بين مقابرهم وبين المعابد الجنزية التي شيدوها بعيدًا عنها حتى لا يهتدي اللصوص إلى مكان دفنهم، أما الأشراف؛ فكانت حجرات تقديم القرابين من صميم المقبرة نفسها.
стр. 122
وقد تبين المصري منذ أقدم العصور أن الدفن وحده لا يكفي للمحافظة على الجثة فلجأ إلى التحنيط ولا نعرف على وجه الدقة متى بدأ؟ رغم العثور على جثث من الأسرة الثانية كفنت بعناية ودقة وكان كل عضو فيها ملتف على حدة مما يشعر بوجود نوع من التحنيط. ومنذ عصر الأسرة الرابعة عثر على جثث محنطة تحنيطًا تامًّا وما زال صندوق حتب حرس يحوي صرة كانت بها الأحشاء محفوظة في النطرون؛ غير أن الجثة لم يعثر عليها، وأقدم مومياء معروفة ترجع للأسرة الخامسة في المتحف الملكي لكلية الجراحة بلندن، وقد استمر التحنيط مستخدمًا حتى أوائل العهد المسيحي.
ومعظم مواد التحنيط وطرقة أصبحت معروفة إلا من بعض التفاصيل وأقدم وصف للتحنيط وصل إلينا من هيرودوت ثم ديودور. وقد روى هيرودوت بأن المصري كان يستعمل ثلاثة طرق مختلفة:
١- وهي تكلف وزنة من الفضة ذات قيمة كبيرة، وفيها يستخرج نخاع المخ من الخياشيم بآلة خاصة وما يتبقى منه يزال بعقاقير لم يذكر اسمها كما كانت محتويات الجوف والصدر -ما عدا القلب والكليتين- تستخرج عن طريق فتحة في الجانب الأيسر ثم ينظف مكانها بنبيذ البلح والتوابل ويملؤ بعد ذلك بالمر وبعض المواد العطرية والكتان والراتنج والنشارة والنطرون وقشر البصل وغير ذلك. ثم تخاط الفتحة ويعالج كل الجسم بالنطرون لمدة ٧٠ يومًا ثم يغسل ويلف في لفائف من الكتان تلصق بالصمغ.
٢- كان زيت خشب الأرز يستخدم في هذه الطريقة حيث كان الجسم
стр. 123
يحقن به ولا يسمح بتسربه؛ إلا بعد أن يعالج الجسم بالنطرون.
٣- أرخص الطرق وكانت للفقراء وتتلخص في تنظيف الأحشاء بأنواع من السوائل: ماء أو شربة، ثم يعالج الجسم بعد ذلك بالنطرون لمدة ٧٠ يومًا.
ويعطينا ديودور بعض التفاصيل لم يذكرها هيرودوت إلا أنه لم يذكر سوى طريقة واحدة للتحنيط تتلخص في إزالة الأحشاء ما عدا القلب والكليتين وتنظيفهما بنبيذ البلح وتوابل مختلفة لم يعين أسماءها، ويُدلَّك الجسم بزيت خشب الأرز ثم يمسح بالمر والقرفة ومواد مماثلة؛ بالإضافة إلى قار البحر الميت؛ حيث أشار في إحدى المناسبات عند وصف قار "البحر الميت" أنه كان يحمل إلى مصر ليباع فيها لتحنيط الموتى؛ لأن الأجسام لا يمكن أن تحفظ مدة طويلة دون تعفن؛ إلا إذا خلطت بالتوابل العطرية المستعملة لهذه المناسبة.
وربما كان الاختلاف بين الطريقة التي ذكرها ديودور وطرق هيرودوت راجع إلى أن فن التحنيط قد تطور في الأربعة قرون التي تفصل بين هذين المؤرخين.
وبعض الجثث لم تنزع منها الأحشاء مثل مومياء "عاشيت" من الدولة الوسطى، أما الأحشاء التي تنزع؛ فكانت تعالج بمخلوط من الرمل والقار وتدفن في صندوق خاص قد يكون مقسمًا إلى أربعة أقسام ثم أصبحت توضع في أربعة أواني إلى جوار الجثة، وهذه الأواني تعرف باسم أواني الأحشاء.
وأحدها كانت توضع به الأمعاء الغليظة والمعدة والثاني توضع به
стр. 124
الأمعاء الدقيقة والثالث توضع به الرئتان والرابع يوضع به الكبد، وأغطية هذه الأواني على هيئة أحد أبناء حورس الأربعة التي كانت تعتبر حامية للأحشاء.
والظاهر أن التحنيط اكتشف مصادفة حينما تبين المصري أن بعض الأجساد التي دفنت في تربة ملحية كانت تحفظ من التعفن، ويذكر هيرودوت أن الأثيوبيين كانوا يجففون الأجسام لتحنيطها ويدلكونها بالحصى ثم يضعونها في أوعية شفافة.
هذا وقد كانت عملية التحنيط تجريها فئة خاصة يبدو أنها كانت فئة غير محبوبة.
стр. 125
القضاء
كان الوزير في أقدم العصور على رأس القضاء بحكم وظيفته كبيرًا للقضاة، ومنذ عهد الأسرة الخامسة؛ أصبحت هذه الوظيفة وراثية في أسرة نبيلة، وقد وجدت في الوجه القبلي ست محاكم كبيرة يحتمل أن كلًا منها كانت تختص بقسم من أقسام ستة رئيسية يرجح أن العرف جرى على تقسيم الوجه القبلي إليها في بعض الشئون العامة، وكان كل من عظماء الوجة القبلي العشرة يعتبر مستشارًا في إحدى هذه المحاكم، أما رئيس هؤلاء العظماء فكان يعتبر مستشارًا فيها جميعًا، وبالطبع كان لكل محكمة قضاتها، وإلى جانب هؤلاء كان هناك قضاة لا ينتمون إلى أي محكمة، وهؤلاء كانوا يعملون كمساعدين لكبير القضاة عندما تعقد جلسات ذات سرية أو ذات أهمية خاصة، ومثل هؤلاء القاضي الذي كان
стр. 126
يلقب بلقب "فم نخن" ولما كانت الإلهة "ماعت" تعد إلهة للعدالة؛ فإن القضاة كانوا يعدون من كهنتها.
ويبدو أن هذا النظام قد تعرض للتبديل؛ ففي عصر الدولة الوسطى؛ تغير تشكيل هذه المحاكم وأصبح منصب كبير القضاة -وإن ظل مرتبطًا بمنصب الوزير- لقبًا تقليديًّا، ولم تعد له نفس الاختصاصات السابقة كما أن لقب "فم نخن" أصبح هو الآخر لقبًا شرفيًّا يمنح لبعض أمراء الأقاليم، أما في الدولة الحديثة؛ فإن ما ورد من إشارات يدل على أن أعضاء المحاكم كانوا عرضة للتغيير والتنقلات، وكانوا عادة من الموظفين والكهنة الضالعين في القانون؛ غير أن كاتب المحكمة كان غالبًا ثابتًا في وظيفته، ولهذا الأمر أهميته بالطبع؛ لأنه كان يكلف بحفظ محاضر الجلسات باعتبارها الوثائق الحاسمة في المحاكمات.
ولم تصل إلينا القوانين التي كانت المحاكم تسترشد بها؛ ولكن هناك ما يشير إلى وجود مجموعة للقوانين الرسمية كانت مدونة على ملفات من الرق وجدت ضمن مناظر المحكمة التي كانت تعقد في قاعة الوزير "رخ مي رع" "من عهد الأسرة الثامنة عشرة كما تظهرها نقوش مقبرته في البر الغربي للأقصر، ومعظم هذه القوانين ترجع في أصولها إلى عصور سحيقة؛ إلا أن الحاجة كانت تدعو بعض الملوك إلى سنِّ المزيد من سن القوانين كما حدث في عهد سنوسرت الأول "الأسرة الثانية عشر" وحور محب "مستهل الأسرة التاسعة عشر".
وكانت ظروف بعض القضايا توجب الخروج على الإجراءات القضائية المعتادة فمن ذلك القضية التي اتهمت فيها زوجة الملك بيبي الأول حيث جرت
стр. 127
المحاكمة فيها بسرية ولم يشترك فيها سوى عدد محدود من القضاة وعلى رأسهم أوني الذي كان مقربًا للملك، كما أن قضية المؤامرة التي دبرت لاغتيال رمسيس الثالث لم تنظر أمام محكمة عادية؛ بل شكلت لها هيئة محاكمة خاصة منحت سلطات مطلقة وقد جرت المحاكمة في سرية وسرعة؛ إذ إن غالبية المشتركين في المؤامرة كانوا من حريم الملك ومن كبار موظفي البلاط والضباط.
وكانت الدعاوي المدنية تقدم أمام المحاكم الدائمة وكان على الشاكي أن يثبت حقه بما لدية من وثائق رسمية أو شهادة الشهود أو بهما معًا، وكان على المدعى عليه أن يقسم بأن ينفذ قرار المحكمة، كما كان على الشهود أن يقسموا على قول الصدق.
أما أهم الوثائق التي كان يعتد بها في الوصايا التي يوصي فيها السلف إلى المدعي بما يدعي ملكيته، وقوائم الضرائب الرسمية التي تثبت حقه فيما يدعي أنه حقه، وعقود الشراء إلى جانب الوثائق التي تنص على الهبات والأوقاف والإعفاء من الضرائب وغيرها.
стр. 128
العسكرية
لم يكن في مصر في أقدم عصورها جيشًا موحدًا؛ بل لكل مقاطعة قوتها العسكرية الخاصة ولكل من المعابد الكبيرة ولإدارة بيت المال فرقها الخاصة، وهذه كلها كانت تجمع عند الحاجة كما حدث عندما هاجم الآسيويون مصر في عهد الأسرة السادسة، -وقد ظل الحال كذلك إلى عهد الدولة الوسطى حيث ظل كل أمير يحتفظ في إقليمه بجيشه الصغير الخاص به. ولم يكن هذا الجيش يستخدم في الحروب؛ بل كان يقوم بأعمال أخرى وقت السلم؛ فإلى جانب حماية البعثات التجارية وبعثات استغلال المناجم والمحاجر في الصحراء كان الكثيرون من الجنود يستخدمون كعمال؛ وخاصة في هذه البعثات الأخيرة لجر ونقل الأحجار، وقد تنبه ملوك الدولة الوسطى إلى أن فِرَقًا كهذه لا يمكن أن تكون لها فاعلية الجيوش الموحدة المنظمة فأنشئوا لهم حرسًا خاصًّا ثابتًا استخدموه في حروبهم، وقد عرف هذا الحرس باسم "أتباع الحاكم".
أما في عهد الدولة الحديثة؛ فقد أخذ الطابع الحربي يسود البلاد بعد أن نجحت في طرد الهكسوس وذاقت طعم النصر في القتال وأقبل المصريون على الانخراط في سلك الجندية لما كانوا ينالونه فيها من شرف وفخار فضلًا عن المكاسب المادية التي يحصلون عليها في انتصاراتهم، وأصبح الجيش المصري ثابتًا يتألف من عدد من الفيالق أو الوحدات التي كانت على الأرجح تختلف في ملابسها وأسلحتها، ويغلب على الظن أن الجيش المصري لم يخلُ في أي وقت من المرتزقة وخاصة من النوبيين الذين استمر استخدامهم منذ أقدم العصور؛ ففي الدولة القديمة عملوا
стр. 129
كحرس للجبانات والمناطق الصحراوية، وفي عهد الفوضى الأول كانوا يعملون في جيوش المقاطعات وظلوا كذلك يستخدمون في الجيش في عهد الدولة الوسطى، أما في الدولة الحديثة؛ فكانوا يؤلفون فرقًا حربية تعمل في حفظ الأمن إلى جانب بعض النواحي الإدارية الأخرى، وقد زادت العناصر الأجنبية في الجيش ابتداء من عصر الأسرة التاسعة عشر حتى أصبحوا في العصر المتأخر يشكلون غالبية الجيش المصري، وكان يرأسهم رؤساء من بني جلدتهم. ومما يلاحظ في هذا الصدد أن جماعات الشردان والليبين أخذت تسود في أواخر عصر الدولة الحديثة بينما أفسحت مكانها في عصر النهضة "الأسرة ٢٦" وما بعدها للعناصر اليونانية.
وكما تطور الجيش في تكوينه تطورت كذلك الأسلحة التي استخدمها؛ ففي فجر التاريخ كان السلاح الشائع الاستعمال هو الهراوة "دبوس القتال" ذات الرأس الحجري التي ظلت تبين في النقوش حتى أواخر العصور الفرعونية كسلاح تقليدي يستخدمه الفرعون في تحطيم رءوس أعدائه. وفي عصر الدولة القديمة كان الجنود يسلحون بفئوس للقتال وبالقسي والسهام. وفي عهد الفوضى الأولى ظل استخدام القسي والسهام إلى جانب استخدام الحراب الطويلة والتروس في حالة الالتحام عن قرب، ولم يزد تسليح الجنود في عهد الدولة الوسطى عن ذلك كثيرًا؛ غير أن بعض الجنود كانوا يكتفون بالتسلح بمجرد مقلاع فقط. ومن المحتمل أن الخنجر استعمل في مختلف العصور؛ ولكنه لم يمثل مع الجنود في صورهم إلا نادرًا. وقد تغير شكل الفأس النحاسية في الدولة الوسطى حتى أصبحت تبدو كأنها السلاح الذي تطور إلى السيف المنحني
стр. 130
الذي كان يحمله ملوك الدولة الحديثة، وهو على شكل المنجل.
وفي عهد الدولة الحديثة كان الجنود يتسلحون بالحراب مع الخناجر أو السيوف التي على شكل المنجل وترس ثقيل، وقد يتسلح بعضهم بحربة خفيفة وترس أو رماح طويلة وسيوف أو القسي والسهام، وكان بعض الجنود يلبسون الدرع "قميص الحرب" هذا إلى جانب استحداث العجلات الحربية كأداة فعالة في الحروب منذ طرد الهكسوس من مصر، وهذه كان يركب فيها عادة محاربان أحدهما لقيادة الخيل والآخر يرمي بالسهام من قوسه أو يقذف بمزارق كانت توضع في جعبتين عند حافة المركبة في متناول يده، وقد أصبح هؤلاء الفرسان يشكلون قسمًا مهمًّا في الجيش المصري.
وفي بلد كمصر عرضة للإغارة عليها من بدو الصحاري المتاخمة ومن النوبيين في الجنوب كان لا بد من وجود عدد من الحصون والثكنات عند المناطق الخطر، وتدل البقايا الأثرية على وجود مثل هذه الحصون عند الحدود الجنوبية في عهد الدولة القديمة، وفي عهد الدولة الوسطى وجدت حصون على حدود الدلتا الشرقية وفي جنوب مصر كما بنيت سلسلة من القلاع في النوبة السفلى للسيطرة عليها وحماية الممتلكات المصرية بها؛ أما في عهد الدولة الحديثة فلم تكن الحاجة تدعو في أول الأمر لإنشاء مثل هذه الحصون وربما استعاضوا عنها بإنشاء مدن عسكرية في الدلتا.
ويبدو أن المصريين لخبرتهم بمثل هذه التحصينات قد اكتسبوا مهارة في طرق حصارها وتحطيمها منذ عصر الدولة القديمة على الأقل حيث يبدو ذلك واضحًا من منظر يمثل اغتصابهم لحصن آسيوي بالمراقي وقضبان الهدم
стр. 131
جاء في نقش بإحدى مقابر دشاشة١، وفي إحدى مقابر بني حسن مناظر حصار أحد الحصون؛ حيث يتقدم إليه المهاجمون تحت مظلة واقية وهم يدفعون في جداره قضيبًا طويلًا للهدم ويرمون المدافعين عنه بوابل من السهام٢.
стр. 132
الحياة الاقتصادية:
الزراعة وتربية الحيوان:
لا بد عند الكلام عن الزراعة أن نتخيل البيئة المصرية في بداية العصور الفرعونية؛ فالمعروف أن النهر كان متسع المجرى قليل الغور؛ لأنه لم يكن قد عمق هذا المجرى تمامًا فكانت مياه الفيضان تغمر الجانبين إلى مسافات بعيدة ونتج عن ذلك أن المستنقعات والغابات كانت شائعة وخاصة في الدلتا؛ أي: أن هذه البيئة المصرية كانت في أول الأمر بيئة صياد بطبيعتها، ثم عرف الإنسان استئناس الحيوان، وحينما تعددت مطالبه وعجز عن الاكتفاء بهاتين الحرفتين وتوصل إلى الزراعة بدأ حياة الاستقرار فأخذ يقتلع الغابات ويزرع مكانها، وقد أدى ذلك إلى الإفادة من مياه النيل وأخذ ينظم جهوده المشتركة ليستطيع التغلب على مياه النهر والتحكم فيها لفائدته؛ ولذا كان النيل من أهم البواعث التي أدت إلى ظهور المجتمعات المنظمة، وكان ظهور المجتمعات الصغيرة إلى جوار بعض سببًا في اشتداد المنافسة بينها ومجالًا لنشأة الصراع في سبيل فرض النفوذ ونشر
стр. 133
السلطان فكان الإقليم الأقوى يحاول بسط سيادته على الأقاليم المجاورة.
ولا يكاد يوجد في العالم نهر اعتمد سكان واديه عليه في حياتهم مثل اعتماد المصري على نهر النيل، بل وإلى هذا النهر يرجع الفضل في وجود الإنسان في هذه البقعة من العالم، وعلى ذلك ليس من المستغرب أن اعتبره المصريون إلهًا وتخيلوه في هيئة إنسان عظيم الثديين كبير البطن ممتلئ الجسم كناية عن الخير والبركة ويقوم بحزم وربط رمزي الوجه القبلي والوجه البحري "شكل ١٦" وكثيرًا ما وجد مع غيره
"شكل ١٦": إله النيل يمثل رجلًا ممتلئ الجسم، وهنا تمثيل لرمزين للنيل يوحدان رمزي الوجهين القبلي والبحري
стр. 134
من الآلهة مثل أوزوريس، كما أطلق على هذا الإله الموحد اسم أوزر- أبيس في العصر اليوناني.
وقد يصبح النيل خطيرًا أحيانًا، ولا يتمثل هذا الخطر في شدة الفيضان فقط؛ وإنما يتمثل أيضًا في قلة ما يجيء به من مياه في بعض السنوات؛ مما يؤدي إلى هلاك الزرع وانتشار المجاعات، وإذا ما انخفض منسوب المياه؛ فإن الفلاح يلجأ إلى وسائل تعينه على رفع الماء إلى حقله، وقد توصل إلى هذه الوسائل منذ أقدم العصور وظل يستعملها حتى يومنا هذا، ومن أهم هذه الوسائل: الشادوف؛ كذلك ما زال الفلاح يمهد أرضه بالمحراث أو الفأس لإعدادها للزراعة.
وكان الجو المصري يساعد على أعمال الزراعة المختلفة؛ فالجو صحو في معظم أيام السنة وأتاح ذلك للمصري أن يؤدي أعماله بنظام ونشاط، وكان المحراث الذي استعمله المصري القديم عبارة عن سكين خشبي تثبت إليها يدان أو مقبضان وعريش طويل ينتهي بنير "ناف" وكانت الثيران هي التي تجر المحراث في الدولة القديمة أما في الدولة الحديثة؛ فقد استعملت البغال أيضًا.
وطريقة بذر البذور هي نفسها التي ما زالت مستعملة حتى اليوم إذ يمسك الفلاح بسلة مصنوعة من البوص أو القش أو البردي ويلقي بيده البذور ثم يسير الخراف في الحقل لتغرز هذه البذور في التربة، وقد تمرر الخراف عدة مرات مرات لكي يضمن الفلاح تغريز معظم الحبوب.
أما الحصاد فكان يتم بمنجل قصير ويستعين الفلاح على العمل في الحقل بعازف للناي أو أحد المنشدين الذي يشجي العمال بألحانه، وكثيرًا
стр. 135
ما نرى في النقوش مناظر الحقول أثناء فترة الحصاد وفيها نشاهد مناظر تمثل العمال أحيانًا في راحتهم يتناولون طعامهم بالقرب من مكان جمع المحصول؛ حيث نرى حزم النبات مكومة في قطعة أرض فضاء في أحد أركان الحقل أو بالقرب منه، ثم تنقل هذه الحزم إلى مكان الدرس، وكان الحمار هو المستعمل في النقل أما الدَّرْسُ؛ فكان يتم بواسطة إمرار الحيوانات ذوات الحوافر على تلك الحزم مثل الحمير والثيران، ثم أصبح الأمر قاصرًا على استعمال الثيران فقط.
وكانت التذرية بمذراة ذات ثلاث أسنان أو كانت الحبوب وما يختلط بها ترفع على لوحات خشب قليلة النقوش "شكل ١٧" وهذه الطريقة الأخيرة كانت تستعملها نساء معصوبات الرءوس، وربما كان الغرض من ذلك حفظ شعورهن من الأتربة المتصاعدة عن هذه العملية؛ إذ كانت الحبوب ترفع على اللوحات الخشبية إلى أعلى ثم تترك لتسقط فتهبط الحبوب في مكانها بينما تتطاير الأتربة والقش بعيدًا في الهواء.
"شكل ١٧": يمثل نساء يقمن بتذرية القمح
стр. 136
وتقدم من باكورة الحصاد قرابين مختلفة كما أن صاحب المزرعة كان يأخذ شيئًا من هذا المحصول المبكر، أي تقدم له؛ كذلك باكورة الحصاد الجديد لتجربتها والاطمئنان على نوع المحصول، وكثيرًا ما نجد في مناظر الدولة القديمة منظرًا يمثل المذبح المعد لتقديم القرابين بين أكوام القمح، وكانت إلهة الحصاد التي تقدم لها القرابين عادة هي "رننوت".
أما حفظ المحصول؛ فكان يتم بعد أن يقوم كاتب الصوامع والكيال بعملها حيث كان الكيال يكيل المحصول؛ بينما الكاتب يسجل عدد الكيل، وبعد ذلك كان ينقل إلى أهرام كبيرة لحفظه، وكانت الصوامع على أنواع: فبعضها من الفخار وبعضها من الخشب وبعضها كبير إلى درجة أنه كان يكفي لاستعمال مدينة أو قرية بأكملها، وهي عمومًا ذات شكل مخروطي وبها فتحة في القمة وباب من أسفل، وكان التخزين يتم عن طريق الفتحة العليا، أما الاستهلاك؛ فكان عن طريق الباب السفلي.
وقد عرف المصري من الحبوب القمح ونوعًا من الشوفان، وكان كل منها يختلف في نوعه في مصر العليا عنه في مصر السفلى، وهناك بعض أنواع الحبوب لم يمكن تحديدها؛ فمثلًا كان هناك نوع اسمه "سخت"، كذلك كان من الحبوب ما هو أبيض ومنها ما هو أخضر، وربما كان هذا الأخير نوعًا من البازلاء. أو ما شابهها من البقول، أما الخَضْرَاوَات فكانت متعددة.
وكان المصري يحب حيواناته الأليفة ويتعلق بها وخاصة تلك التي تساعده في أعماله، واشتدت عنايته بالأنواع الحسنة من الثيران فكان يتفنن
стр. 137
في تزيينها بأغطية جميلة وجلاجل، وقد وصل به الأمر إلى تقديس الثور والبقرة، وكذلك قدس الكبش. وقد نقش كثيرًا من المناظر التي تمثل تلك الحيوانات، ومن بينها مناظر تمثل قيام الثيران بالعمل في الحقول، كما أحب مناظر مناطحة الثيران وغيرها.
وكانت ثروة المصري من الثيران ضخمة وهي تنقسم عمومًا من ناحية خصائصها الحيوانية إلى ثلاثة أنواع: الأول ذو قرون طويلة تشبه القيثارة أو هلالية الشكل، والثاني قصير القرون، والثالث بدون قرون. وكثيرًا ما كان يتحكم في شكل قرون ثيرانه بأن يجعلها تنمو في اتجاهات خاصة، وما زالت هذه العادة معروفة في أواسط أفريقيا، وتتبين العناية بغذاء الحيوان من كثير من المناظر ومن بعض مخلفات الأدب المصري.
كذلك كان يعنى بتربية السلالات الأصيلة والإكثار منها، وعند جمع الجزية من بلاد النوبة -مثلًا- كانت الأصناف الممتازة من هذا الحيوان تزين وترسل إلى بيت الملك، أما الحيوانات الأخرى في الجزية فكان الموظفون المصريون في تلك البلاد يحتفظون بها للاستهلاك المحلي. وكان غذاء التسمين المفضل عبارة عن عجين الخبز يصنع في خيوط ويطعم للحيوان، وكانت عملية حلب البقر من الأمور الصعبة؛ فلم تقم بها النساء بل كان يقوم بها الرجال.
وكان الرعاة خشنو المظهر يظهرون وكأنهم أنصاف متوحشين لبعدهم عن المدينة، وكانوا يمثلون عراة أو بنقبة غريبة الشكل من النوع القديم المصنوع من القش المضغوط، وكانوا معروفين بالمهارة في أعمال خاصة بالفلاحة ومتعلقة بها مثل: صنع القوارب والحصر من الخوص وصيد
стр. 138
الطيور والأسماك، ولم يكن متاع الراعي ليتعدى قدر كبير من الفخار وسلة تحوي أواني صغيرة وبضع حصر من البردي يصنعها بيده وهي في نفس الوقت الغطاء الذي يلتحف به ليقيه الرياح العاتية والجو البارد. وكانوا ينتقلون بالقطعان من مكان إلى آخر في مهارة غريبة؛ وكثيرًا ما كانوا يلجئون إلى حمل الحيوان الرضيع فتتبعه الأم ويتبع هذه بقية القطيع، وكان أصحاب الضياع يمتلكون قطعانًا كبيرة؛ ولكنهم لم يفخروا إلا بالحيوانات الكبيرة فقط. ولم يعنوا كثيرًا بغيرها كالماعز والحمير والخراف، ولا تجد في نقوش العصور القديمة مناظر تمثل قطعان الخنازير ولم تذكر هذه الحيوانات في النصوص إلا نادرًا ولا نعرف هل كان هذا الحيوان كثير الوجود في مصر أم لا؟ ولا ندري هل وجد منذ أقدم العصور أو أن وجوده لم يتعدَ الأنواع البرية منه فقط.
وإلى جانب الحيوانات المستأنسة كانت تكثر بمصر الحيوانات البرية مثل: الظباء والتباتل والوعول والغزلان، وكان الظبي السمين يعتبر من الأطعمة الشهية ويمثل كقربان دائمًا؛ أما الطيور فكانت عديدة ولكن لم تعرف الدواجن، وقد احترف صيد الطيور صيادون مهرة وكانوا يسمنونها بخيوط العجين مثل الماشية إلى جانب بعض الحبوب التي تنثر لها.
وللتمييز بين حيوانات القطعان المختلفة كثيرًا ما كان يعمد أصحابها إلى وشمها بعلامات مميزة، وكانت الحيوانات تحفظ في حظائر نظيفة، وقد وجدت آثار للأحجار المثقوبة التي كانت تربط إليها هذه الحيوانات، ويستدل منها على أن الحيوانات كانت تربط في الحظيرة في صفين متقابلين
стр. 139
بحيث تكون رءوسها إلى الخارج مواجهة للجدار؛ بينما تكون مؤخرة كل حيوان أمام مؤخرة الحيوان المقابل له.
وكان للأوز مكانه خاصة واعتبر حيوانًا مدللا في كثير من الأحيان؛ حتى إن زوجة أحد موظفي معبد آمون اتخذت أوزة كحيوان مدلل تتبعها أينما ذهبت.
ورغم ما كان يبذله الفلاح من جهد، ورغم أنه كان عماد الثروة في مصر القديمة؛ إلا أنه كان يعتبر مخلوقًا بائسًا يستحق الرحمة والرثاء، ويبين لنا خطاب أحد الكتاب لتلميذه مقدار ما كان يعانيه الفلاح من مرارة العيش؛ فقد جاء فيه أن المحصول كانت تأكله الدود، وإذا ما وضع في الأَجْرَانِ؛ فإن الفئران والعصافير تأتي على معظمه وعند تسليم المحصول لا يجد الفلاح لديه ما يكفي لما هو مطلوب منه فيضرب ويعذب.
стр. 140
الصناعة
مدخل
...
الصناعة:
كان الاعتقاد السائد عند المصري المثقف بأن الصانع كالفلاح كلاهما مخلوق بائس وأن حالة الصناع تدعو إلى السخرية؛ فمن ذلك قول أحد شعراء الدولة الوسطى عن صناع المعادن بأن الحداد لا يوفد كسفير لبلاده ولا يؤدي الصانع رسالة؛ كذلك وصف الحداد بأنه يقف بجانب موقده وأصابعه مثل جلد التمساح ورائحته أنتن من بيض السمك، أما النجار فهو مرهق في عمله دائم العناء؛ ولكن هذه النظرة لا يمكن أن تكون عادلة؛ لأن الصناع المصريين أخرجوا من آيات صناعاتهم ما لا يمكن أن ينتجه إلا كل شغوف بعمله أي أن إنتاجهم لم يكن مفروضًا عليهم في جميع الحالات وإن كانت بعض التقاليد
стр. 141
قد حتمت عليه قواعد خاصة؛ إلا أن التفاوت في الإتقان ووجود بعض النماذج التي يعجز عنها الصانع الحديث بإمكانياته الضخمة يجعلنا نعتقد أن الصانع المصري كان يؤدي عمله برغبة واهتمام، وكثيرًا ما كانت له فرصة للحرية في اختيار بعض النماذج وابتكار ما يراه مناسبًا عند إخراج قطعة فنية.
أما المواد الخام التي كان يتناولها الصانع في صناعته؛ فكانت مما تنتجه البيئة المحلية أو مما يستورده من البيئات المجاورة، وكانت العلاقاتُ بين وادي النيل الأدنى ووادي النيل الأعلى -أي بين مصر والسودان- وبين وادي النيل وآسيا الغربية نشيطةً منذ فجر التاريخ، وقد تمثل التبادل التجاري بينها أو ما يدل على هذا التبادل في مقابر عصر ما قبل الأُسَرِ إذ وجد بها العاج وبعض المنتجات الصناعية التي تماثل ما وجد في جنوب غربي آسيا، ورغم أن الفيل كان يعيش في غربي آسيا، كما كان يعيش على حدود الصحراء الغربية لمصر نفسها؛ فإن من المسلم به أن العاج كان يأتي من النوبة؛ وإن كان من الممكن الحصول عليه من هذه المصادر الثلاثة جميعًا أي أن التبادل التجاري بين مصر وجيرانها في عصور ما قبل الأُسَرِ لا يمكن إنكاره.
وإذا ما تأملنا البيئة المصرية نجد أن أهم المواد الخام فيها هي:
стр. 142
١- البردي
كان هذا النبات يمثل عنصرًا مهمًّا للغاية إذ إنه دخل في صناعات كثيرة، وأول ما تبادر إلى الذهن في هذا الشأن أن سيقان البردي استخدمت في بناء الأكواخ وعمل القوارب "شكل ١٨" والحصر والسلال والحبال ثم النعال، كذلك كانت سيقان البردي تجمع في حزم لتقوم مقام الأعمدة عند تسقيف المنازل أو عند رفع تعريشاتها الخفيفة
стр. 143
"شكل ١٨": زورق من البردي يجلس به صائد بالشص
أو لتقويه الجدران، وكان من أثر استخدام البردي في المباني القديمة أن ظل المصري يمثل سيقانه في المباني الحجرية حتى نهاية العصور الفرعونية، كذلك مثلت زهوره أيضًا في العمارة المصرية، ومما يدل على أثر هذا النبات في حياة المصري أن زهرة البردي كانت تعتبر رمزًا للوجه البحري، بينما كانت زهرة اللوتس ترمز للوجه القبلي، ثم استخدم البردي كذلك في عمل صحف الكتابة وبالطبع كانت الكلمة اليونانية "Papyrus" الدالة على هذا النبات هي الكلمة التي اشتقت منها الكلمة الدالة على الورق أو الصحف في معظم اللغات الحديثة حيث تسمى بالإنجليزية "Paper" وبالفرنسية "Papier" ... إلخ. وكانت طريقة عمل الصحف منه تتلخص في قطع سيقان البردي إلى شرائح تلصق بعضها إلى جوار بعض طولا وعرضًا وتطرق بشدة ثم تجفف ويقوى طرفها وإذا ما أريد عمل قرطاس للكتابة فإن طرفي هذا القرطاس يقويان، وكان القرطاس لايستعمل مرة واحدة فقط بل كان من الجائز استعماله عدة مرات بعد أن تمحى الكتابة السابقة منه في كل مرة، وكان البردي سلعة رئيسية في الصادرات المصرية في العهد اليوناني الروماني.
стр. 144
٢- الكتان:
وهو يلي البردي في الأهمية وقد وجد في مصر منذ أقدم العصور بالنسبة لكثرة وجود المستنقعات بها. وجادت زراعته لوفرة المياه، وقد استعمل في أنواع مختلفة من النسيج منها: الخشن والرقيق والشفاف حيث نهضت صناعة الغزل والنسيج منذ أقدم العصور، وكان يحترفها الرجال في معظم الأحوال، وكانت الأنوال المستعملة تتطور بتطور الزمن: ففي الدولة الوسطى كانت ساذجة والعمل عليها مرهقًا لأنها كانت تحتم على النَّساج الجلوس في هيئة القرفصاء، أما في الدولة الحديثة فكانت الأنوال من النوع المركب التي أباحت شيئًا من الراحة للصانع الذي يقوم بالعمل عليها، وقد أشرنا فيما سبق إلى دهشة هيرودوت حينما وجد أن النساج المصري كان يدفع بلحمة النسيج إلى الاتجاه المضاد للاتجاه المستعمل في النسيج عند الشعوب الأخرى.
وكانت الطريقة التي يتبعها المصري في صناعة الكتان تبدأ بجمع سيقان هذا النبات ثم تمشيطها بعد التجفيف ثم تغلى السيقان لِيَلِينَ لحاؤها وتطرق بعد ذلك لإزالة هذا اللحاء وبعدئذٍ تندى الألياف بالماء ثم تفتل بمغزل، وقد اشتهرت الغزالات في الدولة الوسطى بالبراعة، وكان فتل الحبال من الصناعات المشهورة التي لقيت رواجًا كبيرًا، وبعد غزل الكتان كان تؤخذ خيوطه للأنوال لنسجه حسب الطلب.
стр. 145
٣- الجلود:
استخدمت الجلود في الصناعة منذ أقدم العصور وكانت الجلود المستعملة لاينزع عنها شعرها الجميل مثل جلود الفهود أو الحيوانات التي كان جلدها أقرب إلى الفراء واستخدمت هذه الجلود في عمل الملابس وظل استعمالها تقليديًّا بالنسبة لجلد الفهد، إذ ظل مستعملا