Полный текст (369 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
قد حتمت عليه قواعد خاصة؛ إلا أن التفاوت في الإتقان ووجود بعض النماذج التي يعجز عنها الصانع الحديث بإمكانياته الضخمة يجعلنا نعتقد أن الصانع المصري كان يؤدي عمله برغبة واهتمام، وكثيرًا ما كانت له فرصة للحرية في اختيار بعض النماذج وابتكار ما يراه مناسبًا عند إخراج قطعة فنية.
أما المواد الخام التي كان يتناولها الصانع في صناعته؛ فكانت مما تنتجه البيئة المحلية أو مما يستورده من البيئات المجاورة، وكانت العلاقاتُ بين وادي النيل الأدنى ووادي النيل الأعلى -أي بين مصر والسودان- وبين وادي النيل وآسيا الغربية نشيطةً منذ فجر التاريخ، وقد تمثل التبادل التجاري بينها أو ما يدل على هذا التبادل في مقابر عصر ما قبل الأُسَرِ إذ وجد بها العاج وبعض المنتجات الصناعية التي تماثل ما وجد في جنوب غربي آسيا، ورغم أن الفيل كان يعيش في غربي آسيا، كما كان يعيش على حدود الصحراء الغربية لمصر نفسها؛ فإن من المسلم به أن العاج كان يأتي من النوبة؛ وإن كان من الممكن الحصول عليه من هذه المصادر الثلاثة جميعًا أي أن التبادل التجاري بين مصر وجيرانها في عصور ما قبل الأُسَرِ لا يمكن إنكاره.
وإذا ما تأملنا البيئة المصرية نجد أن أهم المواد الخام فيها هي:
стр. 142
١- البردي
كان هذا النبات يمثل عنصرًا مهمًّا للغاية إذ إنه دخل في صناعات كثيرة، وأول ما تبادر إلى الذهن في هذا الشأن أن سيقان البردي استخدمت في بناء الأكواخ وعمل القوارب "شكل ١٨" والحصر والسلال والحبال ثم النعال، كذلك كانت سيقان البردي تجمع في حزم لتقوم مقام الأعمدة عند تسقيف المنازل أو عند رفع تعريشاتها الخفيفة
стр. 143
"شكل ١٨": زورق من البردي يجلس به صائد بالشص
أو لتقويه الجدران، وكان من أثر استخدام البردي في المباني القديمة أن ظل المصري يمثل سيقانه في المباني الحجرية حتى نهاية العصور الفرعونية، كذلك مثلت زهوره أيضًا في العمارة المصرية، ومما يدل على أثر هذا النبات في حياة المصري أن زهرة البردي كانت تعتبر رمزًا للوجه البحري، بينما كانت زهرة اللوتس ترمز للوجه القبلي، ثم استخدم البردي كذلك في عمل صحف الكتابة وبالطبع كانت الكلمة اليونانية "Papyrus" الدالة على هذا النبات هي الكلمة التي اشتقت منها الكلمة الدالة على الورق أو الصحف في معظم اللغات الحديثة حيث تسمى بالإنجليزية "Paper" وبالفرنسية "Papier" ... إلخ. وكانت طريقة عمل الصحف منه تتلخص في قطع سيقان البردي إلى شرائح تلصق بعضها إلى جوار بعض طولا وعرضًا وتطرق بشدة ثم تجفف ويقوى طرفها وإذا ما أريد عمل قرطاس للكتابة فإن طرفي هذا القرطاس يقويان، وكان القرطاس لايستعمل مرة واحدة فقط بل كان من الجائز استعماله عدة مرات بعد أن تمحى الكتابة السابقة منه في كل مرة، وكان البردي سلعة رئيسية في الصادرات المصرية في العهد اليوناني الروماني.
стр. 144
٢- الكتان:
وهو يلي البردي في الأهمية وقد وجد في مصر منذ أقدم العصور بالنسبة لكثرة وجود المستنقعات بها. وجادت زراعته لوفرة المياه، وقد استعمل في أنواع مختلفة من النسيج منها: الخشن والرقيق والشفاف حيث نهضت صناعة الغزل والنسيج منذ أقدم العصور، وكان يحترفها الرجال في معظم الأحوال، وكانت الأنوال المستعملة تتطور بتطور الزمن: ففي الدولة الوسطى كانت ساذجة والعمل عليها مرهقًا لأنها كانت تحتم على النَّساج الجلوس في هيئة القرفصاء، أما في الدولة الحديثة فكانت الأنوال من النوع المركب التي أباحت شيئًا من الراحة للصانع الذي يقوم بالعمل عليها، وقد أشرنا فيما سبق إلى دهشة هيرودوت حينما وجد أن النساج المصري كان يدفع بلحمة النسيج إلى الاتجاه المضاد للاتجاه المستعمل في النسيج عند الشعوب الأخرى.
وكانت الطريقة التي يتبعها المصري في صناعة الكتان تبدأ بجمع سيقان هذا النبات ثم تمشيطها بعد التجفيف ثم تغلى السيقان لِيَلِينَ لحاؤها وتطرق بعد ذلك لإزالة هذا اللحاء وبعدئذٍ تندى الألياف بالماء ثم تفتل بمغزل، وقد اشتهرت الغزالات في الدولة الوسطى بالبراعة، وكان فتل الحبال من الصناعات المشهورة التي لقيت رواجًا كبيرًا، وبعد غزل الكتان كان تؤخذ خيوطه للأنوال لنسجه حسب الطلب.
стр. 145
٣- الجلود:
استخدمت الجلود في الصناعة منذ أقدم العصور وكانت الجلود المستعملة لاينزع عنها شعرها الجميل مثل جلود الفهود أو الحيوانات التي كان جلدها أقرب إلى الفراء واستخدمت هذه الجلود في عمل الملابس وظل استعمالها تقليديًّا بالنسبة لجلد الفهد، إذ ظل مستعملا
стр. 146
كزي للكهنة في كل العصور الفرعونية تقريبًا، كذلك استخدم الجلد في الصناعات المختلفة مثل: صناعة التروس والجعاب وعلب المرايا وفي صناعة أغطية الرأس وفي النعال والأحزمة، وقد ظلت النقبة المصنوعة من الجلد لباسًا للصيادين والرعاة، والجلد كمادة خام كان له تقديره الخاص في نظر المصري فاستخدم في الكتابة ليدل على مدلولات خاصة: فالرمز الذي يصور عنزة بدون رأس أو جلد الحيوان بأكمله استعمل في كلمات كثيرة وبمعانٍ مختلفة، كما استخدم الرمز الدال على جزء من جلد الحيوان كمخصص في كثير من الحالات وقد استعمل الرِّق الأبيض في ملفات الكتابة كذلك.
стр. 147
٤- الأخشاب:
لم تعرف مصر الأنواع الجيدة من الأخشاب حتى إن بعض الأنواع المتوسطة كان يحافظ عليها بشدة، ولعل هذا قد انتقل إلى المعاصرين في الوقت الحاضر إذ كثيرًا ما نجد أن الفلاح يتشاءم من قطع بعض الأشجار مثل التوت والجميز. وأهم الأنواع التي كانت شائعة في مصر هي الجميز والنخيل والدوم والأثل والسنط وكلها أنواع جيدة، أما الأخشاب الجيدة فكانت تستورد من الخارج مثل الأرز الذي كان يجلب من لبنان، وكثيرًا ما كان المصري يلجأ إلى محاكاة الخشب الثمين بتغطية الأخشاب المحلية بطبقة من الألوان أو بطبقة من الجص الملون.
وكان النجار وهو من أهم الصناع في مصر يستعمل أدوات بسيطة من النُّحاس أو البرنز يستعين في تثبيت أجزائها بسيور من الجلد، وبهذه الآلات -رغم بساطتها- أمكن للنجار أن ينتج كثيرًا من روائع فنه وصناعاته الدقيقة
стр. 148
والضخمة فقد تمكن من عمل المراكب والمركبات وأجزاء المنازل والأثاث والأسلحة والتوابيت وغيرها.
وبالطبع لم يكن في استطاعة المصري الحصول على ألواح كبيرة عظيمة الطول سواء من بيئته المحلية أو من الأخشاب المستوردة فكان يتحايل على ذلك بلصق الألواح الصغيرة جنبًا إلى جنب، وكثيرًا ما كان يزخرف صناعته فيحفر الخشب ويطعمه بالعاج أو بالأبنوس أو أن يملأ الحفر بمادة ملونة. وإذا ما تأملنا المراكب المصرية فإننا نجد أنها تتقوس من الطرفين وقد توصل المصري إلى تقويس الخشب بطريقة بسيطة للغاية تتلخص في أنه كان يضع عامودًا أُسطوانيًّا في وسط القارب ينتهي من أعلى بفرعين يثبت بينهما حبل ويوصل طرف كل فرع بطرف القارب المقابل له ثم توضع عصا في الحبل الموصل بين الطرفين وبإدارة العصا تضيق المسافة بين الفرعين وبالتالي يشد طرفاهما طرفي القارب نحو الداخل "شكل ١٩"
"شكل ١٩": طريقة بناء السفن
وكان العاج والآبنوس من المواد التي كثر استخدامها في صناعة الأثاث ولكنهما كانا يعتبران من المواد الثمينة وفي العصور المتأخرة وخاصة في العصر اليوناني الروماني كان نوع من الكارتون يستخدم في صناعة الأقنعة التي كانت توضع على وجه المومياء وتزود بعيون صناعية من الأحجار
стр. 149
الثمينة فكانت تحاكي وجه الميت تمامًا، بعد أن كانت هذه الأقنعة تصنع أولا من قطع الكتان وتلصق بعضها فوق بعض ثم تغطى هذه بطبقة من الجص.
стр. 150
٥- الفخار:
عرفت خامات الفخار في مصر منذ أقدم العصور وكان لهذه الصناعات أثر بالغ في الحضارة المصرية إذ إن حياة الاستقرار تطلبت أن يقوم الإنسان بحفظ حاجياته، وكان المصري محظوظًا في بيئته لأن النيل كان يجلب الطمي في كل عام، فصنع منه الأواني اللازمة لحفظ أطعمته، ولا بد أنه في أول الأمر كان يصنع تلك الأواني من الطمي دون حرقه، أي أنه لم يعرف الفخار دفعة واحدة، وربما كان الجفاف الذي تتعرض له تلك الأواني سببا في معرفة المصري بأنها تزداد صلابة وتماسكًا كلما تعرضت لارتفاع درجة الحرارة، إلى أن توصل إلى أن الحَرْقَ يزيد من صلابتها وتماسكها، وما زالت صناعة الفخار حتى الآن تجد سوقًا رائجة في البلاد.
ويبدو أن صناعة الفخار في مصر لم تتأثر بمؤثرات خارجية كثيرة في أوائل الأمر بل ولم تستخدم آلات لصناعتها إذ لم تكن هذه معروفة بعد، ومع أنها كانت تصنع باليد فإن الفخار الذي وجد من حضارة البداري وهو يمثل تلك الصناعة اليدوية يعد من أعظم الأواني التي عرفت في تاريخ مصر بأكلمه من حيث الجودة والإتقان. وبعد ذلك عرفت العجلة وكثر إنتاج الفخار فأصبح تجاريًّا وبدأ يفقد الدرجة الرفيعة التي وصل إليها من قبل في الدقة واللإتقان.
وقد نشأت تبعًا لهذه الصناعة صناعات بسيطة فمثلا وجدت قواعد خشبية لهذه الأواني أو كانت تصنع حلقات من الفخار لترتكز عليها،
стр. 151
كما أن تلوين الأواني الفخارية وزخرفتها قد أوجدت مجالا لصناعة فنية، فمن الأواني ما كان يكتفى فيها برسم خطوط محفورة تجعلها تحاكي السلال ومنها ما كان يلون بألوان تجعلها تحاكي الأواني الحجرية، ومن الأواني الفخارية كذلك ما صنع في هيئة الحيوانات أو في أشكال خيالية، كما كانت صناعة التزجيح أو القاشاني معروفة منذ فجر التاريخ، وقد نشأت هذه الصناعة في مصر ولكن لايعرف كيف توصل إليها المصري بل ولا نعرف المواد التي بدأ بها المصري هذه الصناعة، ونجد أمثلة لصناعة الزجاج نفسها في العصور التاريخية، وكان هذا الزجاج ينفخ بأنابيب من الفخار يحمي طرفَها من الاحتراق غشاءٌ من طمي النيل.
стр. 152
٦- صهر المعادن:
لم يعثر على نماذج للكور في الدولة القديمة أو الوسطى ولكنه وجد في الدولة الحديثة، وقد عرف النُّحاس والبرنز منذ أقدم العصور، وكانت سيناء هي المورد الذي جاء منه النحاس الذي استخدم بكثرة منذ أقدم العصور، وكان البرونز أكثر استعمالا منه بالطبع فلصلابته استغل في صناعة كثير من الآلات، أي أن المصري عرف خلط المعادن منذ أقدم العصور وكان أغلى ما يستخدمه منها هو مزيج من الذهب والفضة بنسبه ٢: ٣ يعرف باسم الألكترون، وكان الذهب مستعملا في الحلي منذ الدولة القديمة وكانت قيمته كبيرة وبلغ الصانع في صناعته درجة كبيرة من المهارة، ولقيمة هؤلاء الصناع في الأوساط المصرية اعتبر المشرف على الصياغ مشرفًا على الفنانين في مصر العليا والسفلى، ولقب كذلك بأنه هو الذي يعرف الأسرار في بيوت الذهب، كذلك عرف المصري صناعة الميناء، أي خيوط الذهب المغطاة بطبقة زجاجية كما عرف التمويه بالذهب، ومع هذا كانت الفضة أغلى من الذهب وذلك لندرتها
стр. 153
نسبيًّا مع أنها عرفت قبل الذهب وكان المصري يقسم الذهب إلى أنواع حسب المورد الذي يؤخذ منه: فهناك ذهب مياه وذهب جبال وذهب بلاد النوبة، وكان غسيل الذهب والعمل في المناجم من أشق الأعمال، ولذا كان الأسرى أو العبيد يقومون بها ويشرف عليهم الجنود ورؤساء البعثات، وقد لاقى المعدِّنون الكثير من الأهوال دون شك، وأخطر هذه كانت ندرة المياه في الطرق المؤدية إلى المناجم، وكثيرًا ما كانوا يستنفدون الجزء الأكبر من طاقة الحمل عند الدواب في حمل المياه اللازمة لهم، ولذلك نجد رمسيس الثاني يفتخر بأنه نجح في حفر بئر في الصحراء حيث أخفق والده سيتي الأول في مثل هذا العمل، كذلك بلغ الاهتمام بالذهب أن عملت التخطيطات والرسوم التي تبين موقع مناجمه فقد عثر على بردية من عهد سيتي الأول رسم بها تخطيط لموقع مناجم الذهب في وادي مياه، وتعد هذه أقدم خريطة في العالم.
وقد عرف الحديد منذ العصر الباكر ولكنه لم يستعمل في الصناعة إلا في عهد الدولة الحديثة وربما كانت صعوبة الحصول عليه هي السبب التي جعلت استخدامه عسيرًا، وقد قصر استعماله على رءوس السهام وبعض أدوات القتال.
стр. 154
٧- الأحجار:
كانت الأحجار التي استخدمها المصري كثيرة متعددة، ويعد الحجر الجيري الحجر الخالد في حياة المصري إذ بنيت منه المعابد والمقابر والهياكل المختلفة كما نحتت منه التماثيل وصنعت منه الأواني واللوحات وغيرها، واستخدم الصوان منذ أقدم العصور في صنع الأدوات والأسلحة، أما المرمر فقد استخدم في البناء وصناعة الأواني واستخدم الحجر
стр. 155
الرملي في البناء، ولشدة صلابته استخدم كذلك في صناعة التماثيل، وكان الجرانيت من الأحجار عظيمة الأهمية لأنه كان الحجر الفخم الذي زينت به المعابد وعملت منه المسلات والتماثيل والأواني، وكثيرًا ما كان يستخدم في تكسية الجدران في المباني المهمة.
وقد استغلت المحاجر الموجودة في أماكن متعددة من القطر مثل: طره وسلسلة وحمامات وأسوان وحتنوب، وكان نقل الأحجار من هذه المحاجر، يتطلب جهدًا وعناية فائقتين، وكان الموظفون المنوط بهم نقل هذه الأحجار يصلون إلى مراتب رفيعة ويعتبرون الإشراف على نقل الأحجار من ألقاب الشرف الكبيرة التي يعتزون بها، وكانت البعثات المكلفة بنقل الأحجار ضخمة العدد، فمثلا نعلم أن بعثة قامت لهذا الغرض في عهد رعمسيس الرابع كانت تتألف من "١١٠" ضابطًا من مختلف الرتب و"٥٠" من الموظفين المدنين و"١٣٠" من البنائين ومصورين و"٤" نقاشين و"٣" رؤساء مبانٍ ومشرف على الفنانين و "٥٠٠" جندي عادي و"٢٠٠" جندي من صيادي السمك للبلاط و"٨٠٠" رجل من الفرق المساعدة السورية و"٢٠٠٠" من عبيد المعابد ويراقب سلوك هؤلاء "٥٠" من رجال الشرطة أي أن البعثة كانت "٨٠٠٠" رجل، وكان الأسرى الأجانب يقومون بعملية النقل وهي عملية شاقة عسيرة وخاصة عند نقل الأحجار الضخمة، وقد وضحتها بعض النقوش وخير مثال لذلك نقش في إحدى مقابر من الدولة الوسطى يبين كيفية نقل تمثال تحوت حتب أمير البرشة "شكل ٢٠".
وقد تفنن المصري في صناعة الأواني من الحجر واستخدم في ذلك الأحجار الصلبة جميلة التكوينات، وكثيرًا ما كان المصري يقوم بقطع
стр. 156
"شكل ٢٠": منظر في مقبرة بالبرشة يمثل نقل تمثال ضخم.
الأحجار الثمينة، الكريمة ونصف الكريمة، مثل الزمرد والأماتيست وغيرها من محاجر خاصة.
стр. 157
المواصلات والتجارة:
أشرنا فيما سبق إلى أن النيل هو أهم مظهر في الحياة المصرية؛ فهو الذي يسَّر الاتصال بين أجزاء البلاد المختلفة وقد استخدم المصريون للتنقل فيه زَوَارِقَ صغيرة من سيقان البردي تدفعها مرادي ذات شوكتين،
стр. 158
وهذه الزوارق عبارة عن حزم من البردي شد بعضها إلى بعض توضع في وسطها كتلة من الخشب أو تفرش بالحصير؛ أما السفن الكبيرة فكانت تصنع من الخشب وتزود بمجاديف، وقد وجدت صورها منذ أقدم العصور على الأواني الفخارية وعلى جدران إحدى المقابر في هيراكونبوليس من عصر ما قبل الأُسَر، وكانت تزود بشراع مربع الشكل أو مستطيل يثبت إلى الساري بعوارض مستقيمة، وقد تقدمت صناعة السفن واختلفت أشكالها؛ ولكنها كانت على العموم تزود بقمرتين، وكان ارتفاعها في مؤخرتها كارتفاعها في مقدمتها؛ وذلك لكي يسهل تزويد من يدفعها بالمرادي بسند جيد يدفعها منه أو ليكون كدعامة لتدعيم مكان المجداف الطويل الذي يقوم مكان السكان.
وإذا ما تأملنا خريطة القطر المصري؛ لوجدنا أن النيل يمتد من الجنوب إلى الشمال في اتجاه مستقيم، وكان المصريون يلازمون النهر، أي أنهم كانوا موزعين على جانبيه باستثناء الدلتا التي كثرت بها المستنقعات؛ فكانت الحركة في النهر من الشمال إلى الجنوب تتطلب استخدام الشراع الذي تدفعه الرياح التجارية الشمالية الشرقية السائدة؛ بينما كان تيار النهر كافيًا لدفع السفن من الجنوب إلى الشمال، وفي هذه الحالة كان من الممكن إناخة الصاري ونزع العوارض التي يثبت بها الشراع ثم يلف الشراع ويطوى.
وفي الدولة القديمة كانت السفن تختلف في الأشكال والغرض التي تستعمل من أجله؛ فمنها: السفن العريضة وسفن تجر غيرها أو سفن يجرها غيرها، وكانت للسفن الفاخرة قمرة كبيرة لا يسمح معها بوجود الشراع؛ كذلك لم تكن سفن الشحن مزودة بقمرات إذ كان كل فراغ يستغل
стр. 159
فيها للمنقولات، وكانت هناك قوارب خفيفة للشحن يديرها ملاح واحد وهي لنقل الأثقال الخفيفة، وكانت غالبًا تتبع سفينة الشريف وحاشيته كقوارب الزاد مثلًا، ومن الشائع جر السفن باللبان "الحبل" الذي كان يربط إلى قائم في مقدمة المركب، وكانت مراكب الشحن الكبيرة التي تنقل الأثقال الضخمة لا تستعمل الشراع أو المجاديف؛ بل كان يجرها الرجال أو تجرها سفن أخرى ومثل هذه السفن المعدة للنقل كانت تنقل الأحجار في كافة عصور التاريخ.
وقد تطورت السفن في أشكالها تطورًا عظيمًا في عهد الدولتين الوسطى والحديثة وزخرفت بكثير من الزخارف وخاصة سفن الرحلات والحملات البحرية التي تميزت عن سفن النيل في بنائها؛ نظرًا لما كانت تتعرض له في أسفارها الطويلة، وقد أشارت بعض الأساطير والقصص إلى ما كان يتعرض له المسافرون في البحر من المخاطر ومن أمثلة ذلك قصة الملاح الغريق.
أما المواصلات البرية؛ فكانت أقل شأنًا من مواصلات النهر؛ وذلك لأنها لم تكن وسيلة مجدية أو اقتصادية في نقل البضائع كبيرة الحجم والعظيمة الوزن؛ ولهذا ظلت دون تطور يذكر، وقد استخدم الأشراف في تنقلاتهم محفات هي عبارة عن مقاعد يمكن حملها والشريف جالس فيها. وكانت تزود أحيانًا بمظلة، وكثيرًا ما نجد أن المحفة كانت توضع فوق حمارين متجاورين "شكل ٢١"، أو يحملها بعض الرجال، وكان الحمار أحسن وسائل النقل الشعبية، ومع هذا لم يمثل المصري وهو يركب الحمار؛ ولكننا نشاهد هذا الحيوان في النقوش وهو ينقل الحاصلات الزراعية وما شابهها، ولضخامة الدور الذي يقوم به هذا الحيوان في مصر القديمة قال بعض العلماء: إن الحضارة المصرية بأكملها قامت على ظهر الحمار
стр. 160
فهو الذي ساهم بجهوده في كافة الأعمال التي هيأت هذه الحضارة.
وفي الدولة الحديثة أبطلت المحفة والحمار وإن ظلت المحفة تستخدم في الحفلات فقط أو في مناسبات خاصة، وقد استعيض عن ذلك باستخدام المركبات،
"شكل رقم ٢١": نبيل على محفة يحملها حماران
ولم يستعمل الحصان وحده إلا في بعض الحالات الضرورية الملحة؛ لأننا لم نعثر إلا على أمثلة نادرة لنقوش تصور إنسانًا وهو يركب حصانًا، وربما كان ذلك في حالة قهرية كفرار من معركة حربية أو لمهمة سريعة كطلب نجدة أو غيرها.
ويغلب على الظن أن عربات ضخمة تجرها الثيران كانت تستخدم لنقل الزاد والأمتعة لعمال المناجم، أما المركبات فكانت غالبًا للسفر والصيد والحرب.
ولا ينبغي أن يتبادر إلى الذهن بأن الاتصال كان ميسرًا دائمًا، ولا يصح أن نفهم بأن المصري كان كثير التنقل؛ إذ يبدو أن الرحلات كانت قاصرة على نطاق ضيق؛ فكان كل إقليم يتصل بجيرانه مباشرة ولكن إلى جانب
стр. 161
ذلك كان البيت المالك يعمل على تيسير الاتصال بالأقطار المجاورة ويشجع هذا الاتصال؛ كما أن الحاجة الملحة إلى بعض المواد الخام كانت تضطر فئات خاصة من السكان إلى القيام بدور الوسيط التجاري بين البيت المالك وبين الأقطار المجاورة لمصر؛ وخاصة في الجنوب، ومن أمثلة ذلك أمراء اليفانتين الذين قاموا برحلات محفوفة بالمخاطر لكي يتبادلوا التجارة مع أهل البلاد الجنوبية، وليحصلوا للفراعنة على الحاصلات التي يرغبونها ويقدرونها، وكان من أثر هذا أن عظُم شأن هؤلاء الأمراء وأصبحوا يتمتعون بنفوذ كبير؛ فلم يخضعوا إلا للملك مباشرة، وكانوا يذهبون إلى منف للاستماع إلى أوامر الملك قبل القيام بأية رحلة أي أنهم كانوا يتلقون تعليماتهم منه مباشرة؛ كذلك كان أرز لبنان من العوامل التي شجعت المصريين على المخاطرة بالذهاب إلى شرق البحر المتوسط، وقد شجع هذا على غزو تلك الأقطار في الدولة الحديثة.
وإذا كنا قد ذكرنا بأن الاتصال لم يكن نشيطًا إلا بين الأقاليم المتجاورة وأن المصري لم يتصل بالأقطار الأجنبية إلا للحصول على سلعها المختلفة، أي أن هذا الاتصال حددته عوامل سياسية واقتصادية مختلفة؛ فإننا من جهة أخرى نرى بأن الاتصال بالرسائل والمكاتبات كان أكثر نشاطًا. ويبدو أنه لبعد المسافات وجدت طائفة من الرسل الذين كانوا في خدمة الخاصة من الشعب حيث يشير أحدهم في رده لأحد زملائه بأن غلامه لم يصل بعد، وتشير إحدى المكاتبات إلى أن الغلام اضطر لتخفيف حمله؛ فألقى ببعض الحاجيات أو تخلص منها أي أنه كان هناك اتصال ثابت مستمر ورسل منتظمون، ولا ندري هل كان هؤلاء الرسل
стр. 162
موظفين، أو أن مثل هذه الوظيفة لم يكن لها وجود. وعلى أي حال إذا كانت هذه قد وجدت ضمن وظائف الدولة؛ فإن ذلك لم يحدث إلا في عصر متأخر، وكان الرسل عادة يحملون بعض الهدايا والسلع الخفيفة ولما كانت البيئة المصرية تتشابه في معظم جهاتها فإن الفرصة للتبادل التجاري على نطاق واسع لم تكن ميسورة، وعلى هذا كانت التجارة الداخلية ضعيفة لتشابه الحاصلات بين إقليم وآخر وليس كما يظن بعض الأثريين أن صعوبة المواصلات هي التي حالت دون ازدياد النشاط التجاري.
стр. 163
التجارة والتجار:
أخطأ بعض الأثريين ومن بينهم إرمان "Erman" في الزعم بعدم وجود ذكر للتجار في النصوص المصرية لأننا نعلم بأن الرحالة في الدولة القديمة كانوا يذهبون إلى النوبة للتبادل التجاري ولا يغير قيامهم بهذا العمل لحساب الملك من حقيقة أنهم كانوا تجارًا؛ كذلك تشير قصة الملاح الغريق إلى أنه كان هو الآخر يقوم برحلته للتجارة، وقصة الفلاح الفصيح تدل هي الأخرى على أنه كان يتاجر في بعض سلع وادي النطرون، ولا تخرج رحلة بونت التي حدثت في عهد حتشبسوت عن كونها رحلة تجارية قامت بها بعثة ملكية؛ ولكن رغم هذا لم يكن للتجار كيان واضح في النصوص المصرية.
والغريب أن التبادل التجاري في الأسواق المحلية كان يتم عن طريق المقايضة، وقد ظهرت له صور في عهد الدولة القديمة؛ أما في الدولة الوسطى؛ فلم توجد أمثال تلك الصور، وفي الدولة الحديثة تعود صور المقايضات إلى الظهور؛ ولكنها كانت تحدث في الموانئ الكبيرة بجوار مكان رسو السفن.
стр. 164
ومن الطبيعي أن المقايضة لم تحدث دون الاصطلاح على أساس وحدة للقيمة، وهذه الوحدة؛ وإن لم تكن موجودة من الناحية العملية؛ فإن الأشياء كانت تقدر بالنسبة لها من الناحية النظرية، وعلى هذا يمكن القول بأن أساس سعر المقايضة كان ثابتًا، والوحدة التي شاع استعمالها عرفت باسم "دبن" وهي تساوي "٩١" جرامًا من النحاس؛ فكان الثور مثلًا يقدر بنحو "١٢٠" دبنًا والحمار بنحو "٤٠" دبنًا، أي أنه كان من الممكن مقايضة الثور نظير ثلاثة حمير.
وكانت الحاصلات التي يرغب فيها المصري من الأقطار الأجنبية هي القردة وخشب الآبنوس والعاج وجلود الفهود وهي تأتي من النوبة، وهنا نلاحظ أن البفانتين -التي كانت تمثل إحدى مدينتي الحدود بين مصر والنوبة- كان يطلق عليها اسم: آبو، أي: العاج، أما المدينة الثانية فهي سونت أي: السوق، وهي أسوان الحالية. ومن موارد النوبة الأخرى: العبيد والذهب والحيوانات والخشب وريش النعام، وكان المصري يأتي بالنحاس من مناجم سيناء كما يجلب الأحجار من محاجر وادي حمامات والأحجار الثمينة ونصف الكريمة من الصحراء الشرقية، أما بلاد بونت؛ فكان يأتي منها البخور، ويأتي من البلاد الشمالية -مثل لبنان- بالأرز والأسلحة، وكان بدو فلسطين يجلبون الكحل والعطور إلى مصر، وكذلك الوعول، ومنذ عهد الدولة الحديثة وردت المنتجات السورية إلى مصر بكثرة كما كانت مصر ترسل الذهب إلى الملوك الموالين لها.
стр. 165
العلوم والآداب
عُرِف المصري بحبه للعلوم وتقديره لها، وكان ينظر إلى مركز العالم أو الكاتب نظرته إلى الشخص المحترم الذي يحكم بنفسه، أما من عداه من الطبقات الأخرى فكان يحكمه غيره، وربما كان هذا التقدير راجعًا إلى عظم شأن الكتاب حيث كانوا يرتفعون سريعًا ويتقلدون أعظم المناصب وأرفعها، ويقول أحد الكتاب في ذلك: إن الرجل المحظوظ هو الذي يضع العلم في قلبه، وعند مناقشته لمهنة الكتابة فضلها عن كل ما عداها من المهن، وذكر بأن الكاتب قد يصبح أميرًا حكيمًا، وكان المصري يعتقد بأن الكاتب يصل إلى الإله تحوت الذي يهبه العلم وينير له السبيل، ولذا كان الكاتب إذا ما وصل إلى مرحلة حاسمة في حياته يقوم بعمل تمثال لنفسه وهو يكتب أمام تمثال لهذا الإله.
وإذا ما أردنا أن نتعرف السبيل الذي كان يسلكه المصري في التعلم؛ فإننا نلاحظ أن بيوت التعليم أو المدارس كانت في أول الأمر تلحق بالبلاط، وكان يتعلم فيها الأمراء والنبلاء ويندمج معهم بعض أفراد عامة الشعب أيضًا، أما في الدولة الحديثة؛ فكانت المدارس تلحق بمختلف أقسام الحكومة، وعلى ذلك كان التلاميذ في هذه الأقسام يتمثلون في طائفتين: طائفة الصبية وطائفة المرءوسين، وقد يغير التلميذ اتجاهه بعد أداء الخدمة العسكرية؛ فمثلًا كان "باك أن خنسو" رئيسًا للإسطبلات الملكية قبل أن يصبح كبيرًا للكهنة؛ أي أنه في سن الخامسة عشر أو السادسة عشر كان رئيسًا للإسطبلات ثم تحول بعد ذلك لدراسة اللاهوت.
стр. 166
وكان النظام المدرسي عنيفًا قاسيًا ينتهي في منتصف النهار تقريبًا وكان من المعتاد أن تذهب الأم بطعام ولدها إلى المدرسة، وهو يتألف غالبًا من إنائين من الجعة تحضرها الأم من المنزل، ومن مبادئ التربية في ذلك العهد أن "أذني الطفل على ظهره لا يسمع إلا إذا قرع عليهما"، ومن هذه المبادئ أيضًا أن "الإنسان استطاع أن يستأنس الحيوان ويخضعه فحيوان "كاروى" الذي استقدم من النوبة تعلم فهم اللغة والأسود أمكن تعليمها وترويضها، والخيول استؤنست وذللت والصقور تعلمت؛ فلماذا لا يتعلم الكاتب الشاب بنفس هذه الطريقة؟ أي أن العنف والشدة كانا يستخدمان في التعليم. وكثيرًا ما نجد في البرديات المختلفة تكرارًا للتنبيهات التي يجب على الشباب مراعاتها في مهنته ككاتب، وفي الكراسات التي عثر عليها والتي كان يكتب فيها التلاميذ نسخت قواعد الحكمة والسلوك من نماذج قديمة وهي في صورة توجيهات من حكيم قديم أو خطابات من أستاذ إلى تلميذه.
أما الأدوات المستعملة في الكتابة؛ فكانت عبارة عن أقلام من البوص تبرى أطرافها، وكان لا بد للكاتب من أقلام احتياطية يضعها خلف أذنه، أما الألواح فكانت عبارة عن ألواح من الخشب تغطى بطبقة رقيقة مصقولة من الجص يسهل محو الكتابة منها، ولم يستعمل البردي إلا الكتبة المتمرنين، هذا وكان الكتاب يستعملون لوحة بها قدحان صغيران للحبر الأسود والأحمر وبقية اللوحة عبارة عن صندوق أنبوبي لوضع الأقلام ويضاف إلى ذلك قدح للماء، وكان الكاتب المتدين يصب بعض هذا الماء كقربان للإله تحوت قبل البدء في الكتابة
стр. 167
وكان التلاميذ يهتمون اهتمامًا بالغًا بكراساتهم، وكانت تدفن معهم، وقد احترم المصري الكتابة وقدسها واعتبرها أساس كل تعليم وثقافة وأنها من اختراع الإله تحوت الذي علمها للمصريين.
وكانت الكتابة في بداية أمرها تصويرية بحتة؛ أي أن المصري كان يعبر عن الأشياء المرئية بصورتها؛ ولهذا كان من الصعب التعبير عن الأشياء غير المرئية أو عن الأفعال أو الحروف والظروف، ثم أمكن التعبير عن المعنى المراد برسم الرمز الذي يتفق في النطق مع المعنى المقصود مع إضافة مخصص يبين نوع المعنى المراد، وتلى ذلك تطور آخر وهو استعمال الرمز كجزء من الكلمة؛ وبذلك ظهرت الكتابة المقطعية، وهذا يدل على أن الكتابة بدأت تتخذ شكلًا يقرب الكمال؛ حيث توصلوا من هذه الخطوة إلى اختراع الهجائية، ومع ذلك لم يستعمل المصريون الهجائية وحدها؛ بل كانوا يكتبون بالرموز في كل وظائفها السابقة؛ بل وكان شكل الكتابة نفسها يختلف على حسب الحاجة وعلى حسب المادة التي كتبت عليها؛ فكانت الهيروغليفية وهي أول صورة للكتابة تكتب على جدران المعابد والمقابر وفي اللوحات أي أنها كانت كتابة زخرفية وتتفق مع طابع الفن المصري القديم الذي ظل مرتبطًا بها حتى نهاية العصور الفرعونية؛ فكانت أشكال الأشخاص والمخلوقات الأخرى يعبر عنها في النقوش والتماثيل بصورة مماثلة لما تظهر به في هذه الكتابة.
ومنذ الدولة القديمة وجد المصري أن كتابة الهيروغليفية تستغرق وقتًا وجهدًا كبيرين، كما أنها تشغل حيزًا لا يستهان به فلجأ إلى استعمال كتابة مختصرة، أي أنه اختصر الرموز الهيروغليفية إلى أشكال أكثر بساطة ليوفر
стр. 168
الجهد والمساحة اللازمين. واستعملت هذه الكتابة الجديدة المختصرة في كتابة الأدبيات وفي الدواوين وفي المعاملات وما أشبه ذلك، وتعرف هذه باسم الهيراطيقية، ولما تعقدت مطالب الحياة وانتشرت المعاملات التجارية وغيرها وازدهرت الحضارة وتطورت في عهد الدولة الحديثة وما بعدها؛ ظهرت كتابة أخرى مختصرة عن الهيراطيقية وهي شديدة الاختزال، استعملها العامة في معاملاتهم وكتبت بها بعض البرديات القانونية والأدبية، وهذه هي الكتابة الديموطيقية التي ظهرت على الأرجح في بداية العصر المتأخر من مصر الفرعونية، وفي نفس الوقت تقريبًا أو بعده بقليل استعمل المصري كتابة جديدة أخرى هي الكتابة القبطية؛ وربما كان ذلك للرغبة في التيسير على الجنود المرتزقة اليونانيين الذين وفدوا بكثرة على البلاد؛ فقد كتبت هذه الكتابة بحروف يونانية مع إضافة سبعة أحرف لاستكمال الهجائية اليونانية بما يفي بنطق سائر الأصوات السامية، وبالطبع يعتبر إطلاق لفظ اللغة القبطية على هذه الكتابة تجاوزًا، فهي لغة مصرية كتبت بحروف يونانية وحروف أخرى أضيفت إليها مع إدخال بعض ألفاظ قليلة من اليونانية.
وعلى إثر ظهور الكتابة تقدمت العلوم والفنون -بالطبع- وظهرت النظريات الفلسفية العميقة في اللاهوت وفي الديانة، كما أن من المرجح أن الكتابة ساعدت أيضًا على اختراع التقويم وإن كان من المحتمل جدًّا بأن المصري قد توصل إلى تقسيم السنة إلى فصول قبل معرفته بالكتابة؛ ولكنه لم يضع الأسس الثابتة لهذا التقسيم إلا بعد أن عرفها، وكانت السنة المصرية تبدأ في التاسع عشر من شهر يوليو أي أن هذا اليوم
стр. 169
كان يمثل رأس السنة بالنسبة للمصريين، وقد عرف هذا بحلول الفيضان في مثل هذا الموعد من كل عام وهو ما كان يتفق كثيرًا مع ظهور نجم الشعرى اليمانية الذي يعاود ظهوره كل "٣٦٥" يومًا؛ فقسم المصري السنة إلى اثني عشر شهرًا كل منها ثلاثون يومًا، وأضاف إليها خمسة أيام أطلق عليها اسم الشهر الصغير، كما قسم السنة إلى ثلاثة فصول هي: فصل الفيضان وفصل الزرع وفصل الحصاد أو الجفاف، وقسم اليوم إلى ساعات الليل وساعات النهار، وتوصل إلى معرفة ساعات النهار بقياس الظل على أسطح مستوية أي عرف ما يشبه المزولة، كما وجدت لديه ساعات مائية لقياس الزمن في الليل غالبًا، وهذه كانت عبارة عن أواني مملوءة بالماء الذي ينظم تصريفه منها بحيث تفرغ محتويات الإناء في اثنتي عشرة ساعة؛ كذلك قسم الليل إلى اثنتي عشرة ساعة، ورصد الكواكب التي تظهر في تلك الساعات وسمى بعض النجوم بأسمائها أو على العكس سمى الساعات بأسماء النجوم التي تظهر فيها. وقد اعتقد المصري بوجود أيام سعيدة وأخرى منحوسة وأشار إلى ذلك كثيرا من النصوص، كما أنه كان يعتقد بأن من يولد في أيام معينه يصاب بأمراض معينة؛ وهكذا لجأ إلى السحر واعتقد في قوته ونفعه، وكان من أثر هذا أيضًا أن اختلط السحر بالطب؛ فلم يخل الطب من السحر في معظم الأحيان حتى أصبح في واقع الأمر مزيجًا من التعاويذ والطب العملي.
وقد وردت لنا أسماء بعض مشاهير الأطباء؛ ولكن إذا ما تأملنا وظائف هؤلاء نجد أنهم كانوا يجمعون بين البيطريين والبشريين والسحرة في نفس الوقت، ومع كل كان الطب يسير على أساس سليم لأن المصري اهتم كل الاهتمام بتشخيص المرض حيث كان يرى أن العلاج الناجح لا يمكن وصفه إلا بمعرفة الداء تمامًا، وقد وصل إلى درجة رفيعة في علم التشريح وربما كانت معرفته للتحنيط
стр. 170
السبب في نجاحه الذي أحرزه في هذا المضمار، أما العقاقير فكانت غالبيتها نباتية والقليل منها من أصل حيواني، وكثيرًا ما نجد من بين هذه العقاقير ما تعافه النفس وتشمئز منه. ولا ندري سببًا لاختيار المواد التي كانت تركب منها العقاقير وربما كان معظم هذا الاختيار مبني على أصل خرافي إذ كثيرًا ما نجد أن من بين هذه المواد ما لا يمكن أن نتخيل استعماله لبشاعته.
أما في الرياضيات؛ فقد وصل المصري إلى نتائج عظيمة في المقاييس والمساحة والحساب وإن كان قد توصل إلى هذه النتائج بطريقة ساذجة فمثلًا في عمليات الضرب والقسمة كان يسير خطوة خطوة بطريقة بدائية؛ فمثلًا عند ضرب "٥×٨" يصل إلى النتيجة باحتساب تكرار العدد ثمانية من مرة واحدة إلى خمس مرات.
أما في حالة القسمة؛ فإنه كان يتساءل عن المقدار الذي إذا ضرب في المقسوم عليه ينتج العدد المقسوم، أي أنهم يصلون إلى خارج القسمة بضرب المقسوم عليه في أعداد صغيرة محاولين الوصول إلى خارج القسمة من جمع الأرقام الصغيرة التي تقابل في المجموع العدد المقسوم.
أما في الأدب فإن من الممكن القول بأن الكثير من أدبنا الشعبي الحديث يرجع في أصله إلى الأدب المصري القديم. وكثيرًا ما نجد أن التشابه شديد بين قصصنا الشعبي الحديث وبين القصص في الدولة الوسطى؛ فمثلًا قصة الملاح الغريق التي تذكر بأن ملاحًا كان راحلًا في بعثة تجارية، كسر قاربه وتعلق بقطعة من الخشب ووصل إلى جزيرة خالية من السكان كانت تسكنها حية ضخمة حملته إلى المكان الذي تعيش فيه، وقد ذكر بأن
стр. 171
هذه الحية كانت إلهة الجزيرة وقد أخبرته بأنها هي الأخرى قد نجت وحدها من شهاب سقط على الجزيرة فأغرق كل أقاربها وإخوتها، ويسترسل في قصته فيذكر بأنه عاش فترة على هذه الجزيرة إلى أن جاء قارب حمله إلى مصر وهو محمل بهدايا كثيرة من الجزيرة، وبعد أن صعد إلى القارب الذي أخذه إلى مصر اختفت الجزيرة؛ فهذه القصة إذن تشبه إحدى قصص السندباد البحري. ومن القصص في الأدب المصري القديم ما يشير إلى سوء الحالة السياسية في بعض الأوقات أو إلى حدوث بعض أحداث تاريخية هامة مثل قصة الفلاح الفصيح التي تبين كيف أن بعض الحكام كانوا طغاة مستبدين وأن بعض الأمراء والملك نفسه كانوا يميلون إلى الأدب الجيد؛ حتى إنهم تعمدوا إهمال هذا الفلاح ليكثر من شكواه فيتمتعوا بسماع الجيد من الكلام، وبعد هذا جازاه الملك وأكرمه ورد إليه حقوقه. وتشير قصة سنوحي إلى فراره من مصر لكنها لا تبين السبب الذي من أجله ترك البلاد، إلا أنه يبدو من سياق القصة بأنه من عصر مناوئ لسنوسرت الأول حينما كان وليًّا للعهد فلما تولى هذا على العرش خشي سنوحي على نفسه وفر إلى فلسطين، ويبين ذلك مقدار ما كان يحدث في البلاط من مؤامرات ودسائس، كما أن إكرام بدو فلسطين لسنوحي يدل على أن البدو كانوا يكنون الاحترام للمصريين، وفي الدولة الحديثة نجد بعض القصص التي يظهر فيها الخيال بشكل واضح ويعكس صورة من أحداث التاريخ في العصور القديمة؛ فمثلًا قصة خوفو والساحر ددي التي تشير إلى أن ملوكًا من سلالة رع سيعتلون العرش بعد أن يحكم خوفو وولده وحفيده، وهذه القصة تدل على أن الملك قد انتقل من الأسرة الرابعة إلى ملوك الأسرة الخامسة الذين كانوا من أصل ينتمي إلى الإله رع أو من الكهنة، ومن بين القصص المشهورة
стр. 172
أيضًا قصة الأمير ذو المصير المحتوم التي تذكر بأن ملكًا كان لا ينجب أبناء فطلب إلى الآلهة أن تمنحه ولدًا فاستجابت هذه لدعائه؛ ولكن كان مقدرًا لهذا الأمير أن يموت بلدغة ثعبان أو يأكله تمساح أو يقضي عليه كلب وتبين القصة كيف أنه نجا من التمساح؛ ولكن القصة مع الأسف لم تكمل فلا ندري هل لدغه ثعبان أو قضى عليه كلب، وفي قصة أخرى يتمثل إخلاص شقيق لشقيقه وإفساد زوجة الشقيق الأكبر للعلاقة بين الشقيقين؛ وهذه القصة المعروفة بقصة الأخوين وهي قصة من النوع الخرافي العميق ربما كانت قد تأثرت بقصة أوزوريس.
ولم يتناول الأدب المصري القصص والأساطير فحسب؛ وإنما نجد فيه الكثير من المتنوعات ففيه النقد وفيه الحكم وفيه الأغاني والأناشيد الدينية وغير الدينية وأناشيد النصر والملاحم وأغاني الشراب والحب وغير ذلك.
стр. 173
الفنون
وإذا ما تحدثنا عن الفن عند المصري القديم فإن أبرز الفنون التي أبدعها تتمثل في الرسم والنقش والتصوير والنحت. وهذه كلها خضعت لقانون الاتجاهات المستقيمة التي سبقت الإشارة إليه عند الحديث في المقدمة عن أثر البيئة المصرية.
هذا وقد خضع الفن المصري في هذه الأمور إلى أصول وقواعد لم يحد عنها إلا قليلًا طوال عصوره الفرعونية، ومهما قيل عن اختلاف المدارس الفنية في مصر؛ فإننا نلاحظ أنها جميعا خضعت لتلك القواعد والتقاليد المرعية، ففي النقش والرسم والتصوير نجد أن صور الإنسان
стр. 174
تتميز بأنها تجعل الرأس ينظر من الجانب والكتفين من الأمام أما بقية أجزاء الجسم فتنظر من الجانب كذلك "انظر أشكال الأشخاص التي وردت في هذا الكتاب".
وفي المناظر التي تركها الفنان المصري أخطاء كثيرة يبدو أنه تعمدها محافظة منه على التقاليد الموروثة أو لغرض ديني خاص؛ إذ نجد أن الوجه وإن كان يرسم من الجانب فإن العين ترسم من الأمام؛ كذلك كان الكتفان يرسمان من الأمام بينما يرسم الصدر من الجانب، أما الأيدي فترسم بعرضها الكامل من سطحها الخارجي فتبدو في أمثلة كثيرة وكأن الكفين يمثلان كف اليد اليمنى أو اليسرى فقط. كذلك نجد أن الأقدام ترسم من الجانب بحيث يظهر إبهام أصابع القدم في كل منهما دون بقية الأصابع؛ فكأن للشخص قدمين يسريين أو يمنيين مع أن الفنان كثيرًا ما كان ينجح في بيان اختلاف الساقين. ومن القواعد التي اتبعها الفنان المصري كذلك أنه كان يرسم الشخص الذي يمد ساقه اليسرى إلى الأمام مثلًا؛ بحيث تظهر ذراعه اليسرى ممتدة كذلك، وعلى العكس إذا ما أريد تمثيل شخص مادًّا ساقه اليمنى؛ فإنه يمد الذراع اليمنى معها أيضًا انظر "شكل ١١" وهذا الوضع غير الطبيعي الذي يتنافى مع الحركة الإنسانية قصد منه الفنان بالطبع أن يبرز أعضاء الجسم واضحة، وقد اعتاد المصري كذلك أن يمثل الأشخاص وهم يتجهون إلى اليمين أي أن القدم اليسرى والذراع اليسرى إلى الأمام فإذا ما اضطرته الظروف إلى رسم شخص يتجه إلى اليسار؛ فإنه يقع في بعض الارتباكات الفنية كأن يقلب جانب الإزار الذي يلبسه الشخص أو أن يجعل اليد اليمنى تقبض على العصا الطويلة بينما تقبض اليد اليسرى على العصا القصيرة "شكل ٢٢". كذلك كان
стр. 175
"شكل ٢٢": يبين خطأ الفنان "إلى اليمين" عند خروجه على الوضع التقليدي للرسم
الفنان يحرص على إبراز الأشكال من أخص مظاهرها المميزة، وبذلك كان الشكل الواحد في الصورة يرسم بحيث يبدو وكأنه أخذ من جهات نظر مختلفة لا كما تقتضي قواعد الرسم المنظور، فرائد الفنان في هذا أن تكون الصورة واضحة تعطي فكرة تامة عن الشكل المراد رسمه، أي يرسم الشخص -كما قلنا- ورأسه من الجانب والكتفان من الأمام وهكذا، وإذا أريد رسم سمكة فإنها ترسم وكأنها واقفة على جانبها، كما أن الفنان كان يعتني بتنظيم أجزاء مناظره ومفرداتها بحيث يرى كل شكل من الأشكال وكأنه مستقل عن غيره فلا يخفي أحد تلك الأشكال شكلًا آخر أو جزءًا كبيرًا منه. وإذا ما أريد ترتيب عدد من المناظر؛ فإنها كانت تنظم في صفوف متتالية بعضها فوق بعض وتفصلها خطوط مستقيمة سميكة يمثل كل منها مستوى الأرض، ورغم أن المصري لم يتقيد في صوره ونقوشه بقواعد المنظور؛ إلا أنه بلغ الذروة في طريقته الخاصة وأن الفنان رغم إدراكه بوضع الأشياء معًا يجعل بعضها يخفي ما وراءه
стр. 176
كما أن الأشياء البعيدة تبدو أصغر حجمًا؛ إلا أنه راعى في نقوشه وصوره أن يمثل الأشياء على حقيقتها وعلى أوضح ما تكون دون اعتبار لما يظهر أو يختفي منها لعين الرائي، وربما كان مرجع هذا إلى اهتمام المصري بعقيدة البعث وبأن تلك الأشياء المرسومة تتحول إلى أشياء حقيقية عند تلاوة التعاويذ أو عند البعث؛ ولذلك حتمت التقاليد أن تكون هذه الصور أقرب إلى أصلها الحقيقي؛ فإذا أراد المصري أن يرسم مثلًا مائدة قرابين وعليها بعض المأكولات؛ فإنه كان يمثل تلك المأكولات كاملة على المائدة، وإذا ما كانت مما يوضع في أواني؛ فإن الآنية كانت ترسم بحيث تظهر محتوياتها فوقها أو في داخلها دون مراعاة لعدم شفافية الإناء ودون مراعاة لقواعد الرسم؛ كذلك كان من الأصول المرعية أن يكون أهم الأشكال في المنظر أكبرها حجمًا ويتمثل هذا بصفة خاصة في رسوم الأفراد؛ إذ كان الشخص المهم يبين في حجم أكبر ممن عداه من أشخاص آخرين في نفس المنظر كصورة الملك أو النبيل مع أفراد عائلته أو بعض رجال حاشيته "شكل ٢٣".
وقد تنوعت موضوعات النقوش والرسوم، وتناولت أغراضًا شتى؛ فرسم المصري كل ما تمثله في حياته وكان لكل عصر طراز فني خاص رغم أن الفنانين التزموا قواعد الفن التي سبقت الإشارة إليها في كل العصور. وكانت طريقة العمل في النقش تماثل ذلك إلى حد كبير ففي الرسوم كانوا يبدءون برسم الأشكال بتفاصيلها ثم يلونونها بالألوان المختلفة ولكن النقش كان يتميز عن الرسم بمرحلة متوسطة إذ كانت الأشكال المرسومة تحفر غائرة أو بارزة قبل تلوينها أي أن النقش كان
стр. 177
"شكل ٢٣": منظر يمثل أحد النبلاء وحوله أشخاص أصغر حجمًا
على نوعين، النقش البارز: وهو الذي تزال فيه الأجزاء الخلفية أو المحيطة بالرسم بحيث تبرز الأشكال عن السطح الخلفي بضعة مليمترات، والنقش الغائر: الذي كان يكتفى فيه بحفر السطح الداخلي للشكل ونحته بتفاصيله.
ولا يختلف الغرض الذي توخاه المصري من التماثيل عن الغرض من الصور والنقوش فكلاهما كان يهدف إلى أن تنقلب هذه التماثيل وتلك الصور إلى أشكال حقيقية عند البعث، وعلى ذلك حرص الفنان على أن يجعل منها صورًا صادقة لما تمثلها؛ حتى إنه لجأ إلى توضيح عيون التماثيل والنقوش بحيث تحاكي الطبيعة، فبياض العين كان من حجر أبيض "مرو أو مرمر"والقرنية من حجر البلور الشفاف وفي وسطه تحفر
стр. 178
بؤرة صغيرة تملأ بمادة سوداء لتمثيل إنسان العين ولم تختلف التماثيل عن النقوش في خضوعها لقانون الاتجاهات المستقيمة؛ أي أن التماثيل والنقوش المصرية كانت تعوزها الحركة؛ بينما كانت التماثيل اليونانية كأنها صورة أخذت من فيلم سينمائي، ورغم هذا فإن المتأمل في كلا الفنين المصري واليوناني يجد أن الأول يشعر بالوقار والعظمة والخلود، أما الثاني فيشعر الإنسان بالحياة كما هي، ويمكن تلخيص هذا في أن الفنان المصري أراد تمثيل الحياة كما ينبغي أن تكون بينما أراد الفنان اليوناني أن يصور الحياة الطبيعية كما هي.
ولا شك أن الفنان في مصر لم يصل إلى غاية فنه دفعة واحدة أي أن صناعة التماثيل مثلًا لم تكتمل منذ بداية العصور؛ فالمحاولات الأولى تبين أن الفنان حتى عصر الأسرة الأولى لم يستطع أن يصور إنسانًا خاصًّا؛ بل صور مجرد إنسان يمكن تمييزه عن الكائنات الأخرى، وفي عصر الأسرة الثانية تقدمت صناعة التماثيل؛ ولكن إذا ما نظرنا إلى أي تمثال فإننا نجد أن المادة المصنوع منها التمثال تسترعي انتباهنا أكثر من الانتباه الذي نوجهه إلى الإنسان المصنوع له التمثال، أي أن المادة نفسها التي صنع منها التمثال كانت تتغلب على الفكرة، وفي آخر عهد هذه الأسرة قربت الفكرة أكثر من ذي قبل أي: بدأ التمثال يسترعي انتباهنا كممثل لشخص معين، ومنذ ذلك الحين ارتقت صناعة التماثيل واكتملت الأصول الفنية؛ ولكن كان لكل عصر مميزاته الخاصة كما سبقت الإشارة إلى ذلك، فإذا ما أخذنا تماثيل الملوك فإننا نجدها في الدولة القديمة تتميز بالوقار والعظمة وتشعر الرائي بأنه أمام قطعة تمثل شخصية لها
стр. 179
مجدها، أما تماثيل الدولة الوسطى فنتبين فيها دلائل الصرامة والقوة ومضاء العزيمة، وكان الجزء الأسفل منها لا يعتنى به عناية تامة وخاصة في أوائل ذلك العهد، أما تماثيل الدولة الحديثة فتمتاز بالرشاقة وإبراز تقاطيع الجسم في شيء من الليونة كما تمتاز باستطالة الوجه، ومما تجدر ملاحظته كذلك أن نسبة الرأس إلى الجسم كانت تختلف فهي في الدولة القديمة "١- ٩" وفي الوسطى "١- ٨" وفي الحديثة "١- ٧" تقريبًا؛ كذلك من الممكن الإشارة إلى بعض المميزات العامة التي تبين الاختلافات بين تماثيل كل عصر عن تماثيل العصور الأخرى، ففي الدولة القديمة: امتازت التماثيل باستقامة الخطوط وكان التمثال الواقف تمثل يداه مستقرة على الجانبين، أما في التماثيل الجالسة فكانت إحدى اليدين تستقر على الصدر والأخرى على الركبة ثم أصبحت اليدان تستقران على الركبة منذ عهد خفرع، أما تماثيل الدولة الوسطى فأهم ما يميزها ضخامة الجزء الأسفل وعدم مطابقته للواقع وخشونة المظهر وعدم تناسق الأعضاء تناسقًا تامًّا، أما تماثيل الدولة الحديثة فقد امتازت برشاقتها -كما سبقت الإشارة- ورقبة التمثال في الدولة الوسطى عادة أكبر منها في تماثيل الدولة القديمة والرأس أكبر وقمتها أقل تسطحًا؛ كذلك يمكن ملاحظة بعض مميزات خاصة في زي التماثيل وطريقة تصفيف الشعر وغير ذلك مما يلاحظ المتخصصون.
وإذا ما تحدثنا عن الفن يجب ألا يفوتنا ذكر ما وصل إليه المصري في فن المعمار حيث ارتبطت به الفنون السابقة ارتباطًا وثيقًا، ومن المعروف أن المادة الطبيعية كانت في أول الأمر تتمثل في سيقان البردي وطمي النيل، وقد بدأ البناء أولًا بشكل دورة بسيطة من البردي أو البوص
стр. 180
أو ما شاكلهما من المواد الخفيفة ثم استعمل الطمي في هيئة كتل غير منتظمة، وكان مما يساعد على تدعيم هذه الكتل واستقامتها حزمًا من البردي تثبت إلى الجدران وتحدد أشكالها، وكان المصري في أول عهده بالبناء يضطر إلى جعل قواعد الجدران التي يبنيها بالطمي أضخم وأسمك من أطرافها العليا ويدعم أركانها بحزم البردي أو بقوائم خشبية مستديرة، وكذلك يقوي الأطراف العليا للجدران بمثل هذه القوائم لتتحمل ثقل السقف؛ وعلى ذلك يمكن أن نتصور بأن الجدران كانت تميل إلى الداخل وقد ظل هذا الشكل يحافظ عليه حتى بعد اختراع اللَّبِن الذي كان يصنع عادة من الطمي المخلوط ببعض التبن، وأحجامه في معظم الأحيان "٣٨× ١٨× ١٢" سنتيمترات، ولما بدأ الإنسان يستعمل الحجر لم يتخل عن محاكاة المباني القديمة في الشكل والهيئة العامة؛ إذ كثيرًا ما كانت جدران المقابر والمعابد تميل إلى الداخل كما مثل شكل حزم البردي في أركان هذه المباني ومثل أسطوانات الخشب كذلك في السقف. ولم يستعمل الإنسان الحجر في بناء المنازل فيما عدا الأجزاء المحيطة بالأبواب والنوافذ أي أن إطارات هذه صنعت من الحجر؛ بينما كانت بقية المنزل من اللبن.
وقد استعمل الحجر في المباني الجنزية وفي المعابد لأنها كانت هي المباني الخالدة في نظر المصري القديم. فإذا ما أخذنا المقابر؛ فإننا نجد أنها كانت في أول الأمر عبارة عن حفرة يوضع فيها الميت ثم تهال عليه الرمال، ثم أمكن تسقيف المقبرة بالبوص وبعدئذٍ استعمل الخشب في هذا التسقيف؛ وكنتيجة لذلك ولاختراع اللبن أصبحت المقبرة مستطيلة الشكل، وابتداء من أواخر عصر ما قبل الأُسَر عمق الجزء المحفور في باطن الأرض وقسم إلى عدة
следующие страницы →