كما أن الأشياء البعيدة تبدو أصغر حجمًا؛ إلا أنه راعى في نقوشه وصوره أن يمثل الأشياء على حقيقتها وعلى أوضح ما تكون دون اعتبار لما يظهر أو يختفي منها لعين الرائي، وربما كان مرجع هذا إلى اهتمام المصري بعقيدة البعث وبأن تلك الأشياء المرسومة تتحول إلى أشياء حقيقية عند تلاوة التعاويذ أو عند البعث؛ ولذلك حتمت التقاليد أن تكون هذه الصور أقرب إلى أصلها الحقيقي؛ فإذا أراد المصري أن يرسم مثلًا مائدة قرابين وعليها بعض المأكولات؛ فإنه كان يمثل تلك المأكولات كاملة على المائدة، وإذا ما كانت مما يوضع في أواني؛ فإن الآنية كانت ترسم بحيث تظهر محتوياتها فوقها أو في داخلها دون مراعاة لعدم شفافية الإناء ودون مراعاة لقواعد الرسم؛ كذلك كان من الأصول المرعية أن يكون أهم الأشكال في المنظر أكبرها حجمًا ويتمثل هذا بصفة خاصة في رسوم الأفراد؛ إذ كان الشخص المهم يبين في حجم أكبر ممن عداه من أشخاص آخرين في نفس المنظر كصورة الملك أو النبيل مع أفراد عائلته أو بعض رجال حاشيته "شكل ٢٣".
وقد تنوعت موضوعات النقوش والرسوم، وتناولت أغراضًا شتى؛ فرسم المصري كل ما تمثله في حياته وكان لكل عصر طراز فني خاص رغم أن الفنانين التزموا قواعد الفن التي سبقت الإشارة إليها في كل العصور. وكانت طريقة العمل في النقش تماثل ذلك إلى حد كبير ففي الرسوم كانوا يبدءون برسم الأشكال بتفاصيلها ثم يلونونها بالألوان المختلفة ولكن النقش كان يتميز عن الرسم بمرحلة متوسطة إذ كانت الأشكال المرسومة تحفر غائرة أو بارزة قبل تلوينها أي أن النقش كان
стр. 177
"شكل ٢٣": منظر يمثل أحد النبلاء وحوله أشخاص أصغر حجمًا
على نوعين، النقش البارز: وهو الذي تزال فيه الأجزاء الخلفية أو المحيطة بالرسم بحيث تبرز الأشكال عن السطح الخلفي بضعة مليمترات، والنقش الغائر: الذي كان يكتفى فيه بحفر السطح الداخلي للشكل ونحته بتفاصيله.
ولا يختلف الغرض الذي توخاه المصري من التماثيل عن الغرض من الصور والنقوش فكلاهما كان يهدف إلى أن تنقلب هذه التماثيل وتلك الصور إلى أشكال حقيقية عند البعث، وعلى ذلك حرص الفنان على أن يجعل منها صورًا صادقة لما تمثلها؛ حتى إنه لجأ إلى توضيح عيون التماثيل والنقوش بحيث تحاكي الطبيعة، فبياض العين كان من حجر أبيض "مرو أو مرمر"والقرنية من حجر البلور الشفاف وفي وسطه تحفر
стр. 178
بؤرة صغيرة تملأ بمادة سوداء لتمثيل إنسان العين ولم تختلف التماثيل عن النقوش في خضوعها لقانون الاتجاهات المستقيمة؛ أي أن التماثيل والنقوش المصرية كانت تعوزها الحركة؛ بينما كانت التماثيل اليونانية كأنها صورة أخذت من فيلم سينمائي، ورغم هذا فإن المتأمل في كلا الفنين المصري واليوناني يجد أن الأول يشعر بالوقار والعظمة والخلود، أما الثاني فيشعر الإنسان بالحياة كما هي، ويمكن تلخيص هذا في أن الفنان المصري أراد تمثيل الحياة كما ينبغي أن تكون بينما أراد الفنان اليوناني أن يصور الحياة الطبيعية كما هي.
ولا شك أن الفنان في مصر لم يصل إلى غاية فنه دفعة واحدة أي أن صناعة التماثيل مثلًا لم تكتمل منذ بداية العصور؛ فالمحاولات الأولى تبين أن الفنان حتى عصر الأسرة الأولى لم يستطع أن يصور إنسانًا خاصًّا؛ بل صور مجرد إنسان يمكن تمييزه عن الكائنات الأخرى، وفي عصر الأسرة الثانية تقدمت صناعة التماثيل؛ ولكن إذا ما نظرنا إلى أي تمثال فإننا نجد أن المادة المصنوع منها التمثال تسترعي انتباهنا أكثر من الانتباه الذي نوجهه إلى الإنسان المصنوع له التمثال، أي أن المادة نفسها التي صنع منها التمثال كانت تتغلب على الفكرة، وفي آخر عهد هذه الأسرة قربت الفكرة أكثر من ذي قبل أي: بدأ التمثال يسترعي انتباهنا كممثل لشخص معين، ومنذ ذلك الحين ارتقت صناعة التماثيل واكتملت الأصول الفنية؛ ولكن كان لكل عصر مميزاته الخاصة كما سبقت الإشارة إلى ذلك، فإذا ما أخذنا تماثيل الملوك فإننا نجدها في الدولة القديمة تتميز بالوقار والعظمة وتشعر الرائي بأنه أمام قطعة تمثل شخصية لها
стр. 179
مجدها، أما تماثيل الدولة الوسطى فنتبين فيها دلائل الصرامة والقوة ومضاء العزيمة، وكان الجزء الأسفل منها لا يعتنى به عناية تامة وخاصة في أوائل ذلك العهد، أما تماثيل الدولة الحديثة فتمتاز بالرشاقة وإبراز تقاطيع الجسم في شيء من الليونة كما تمتاز باستطالة الوجه، ومما تجدر ملاحظته كذلك أن نسبة الرأس إلى الجسم كانت تختلف فهي في الدولة القديمة "١- ٩" وفي الوسطى "١- ٨" وفي الحديثة "١- ٧" تقريبًا؛ كذلك من الممكن الإشارة إلى بعض المميزات العامة التي تبين الاختلافات بين تماثيل كل عصر عن تماثيل العصور الأخرى، ففي الدولة القديمة: امتازت التماثيل باستقامة الخطوط وكان التمثال الواقف تمثل يداه مستقرة على الجانبين، أما في التماثيل الجالسة فكانت إحدى اليدين تستقر على الصدر والأخرى على الركبة ثم أصبحت اليدان تستقران على الركبة منذ عهد خفرع، أما تماثيل الدولة الوسطى فأهم ما يميزها ضخامة الجزء الأسفل وعدم مطابقته للواقع وخشونة المظهر وعدم تناسق الأعضاء تناسقًا تامًّا، أما تماثيل الدولة الحديثة فقد امتازت برشاقتها -كما سبقت الإشارة- ورقبة التمثال في الدولة الوسطى عادة أكبر منها في تماثيل الدولة القديمة والرأس أكبر وقمتها أقل تسطحًا؛ كذلك يمكن ملاحظة بعض مميزات خاصة في زي التماثيل وطريقة تصفيف الشعر وغير ذلك مما يلاحظ المتخصصون.
وإذا ما تحدثنا عن الفن يجب ألا يفوتنا ذكر ما وصل إليه المصري في فن المعمار حيث ارتبطت به الفنون السابقة ارتباطًا وثيقًا، ومن المعروف أن المادة الطبيعية كانت في أول الأمر تتمثل في سيقان البردي وطمي النيل، وقد بدأ البناء أولًا بشكل دورة بسيطة من البردي أو البوص
стр. 180
أو ما شاكلهما من المواد الخفيفة ثم استعمل الطمي في هيئة كتل غير منتظمة، وكان مما يساعد على تدعيم هذه الكتل واستقامتها حزمًا من البردي تثبت إلى الجدران وتحدد أشكالها، وكان المصري في أول عهده بالبناء يضطر إلى جعل قواعد الجدران التي يبنيها بالطمي أضخم وأسمك من أطرافها العليا ويدعم أركانها بحزم البردي أو بقوائم خشبية مستديرة، وكذلك يقوي الأطراف العليا للجدران بمثل هذه القوائم لتتحمل ثقل السقف؛ وعلى ذلك يمكن أن نتصور بأن الجدران كانت تميل إلى الداخل وقد ظل هذا الشكل يحافظ عليه حتى بعد اختراع اللَّبِن الذي كان يصنع عادة من الطمي المخلوط ببعض التبن، وأحجامه في معظم الأحيان "٣٨× ١٨× ١٢" سنتيمترات، ولما بدأ الإنسان يستعمل الحجر لم يتخل عن محاكاة المباني القديمة في الشكل والهيئة العامة؛ إذ كثيرًا ما كانت جدران المقابر والمعابد تميل إلى الداخل كما مثل شكل حزم البردي في أركان هذه المباني ومثل أسطوانات الخشب كذلك في السقف. ولم يستعمل الإنسان الحجر في بناء المنازل فيما عدا الأجزاء المحيطة بالأبواب والنوافذ أي أن إطارات هذه صنعت من الحجر؛ بينما كانت بقية المنزل من اللبن.
وقد استعمل الحجر في المباني الجنزية وفي المعابد لأنها كانت هي المباني الخالدة في نظر المصري القديم. فإذا ما أخذنا المقابر؛ فإننا نجد أنها كانت في أول الأمر عبارة عن حفرة يوضع فيها الميت ثم تهال عليه الرمال، ثم أمكن تسقيف المقبرة بالبوص وبعدئذٍ استعمل الخشب في هذا التسقيف؛ وكنتيجة لذلك ولاختراع اللبن أصبحت المقبرة مستطيلة الشكل، وابتداء من أواخر عصر ما قبل الأُسَر عمق الجزء المحفور في باطن الأرض وقسم إلى عدة
стр. 181
حجرات بني فوقها بناء مستطيل مائل الجوانب من اللَّبِن يشبه المصطبة؛ جدرانه تشبه جدران الحصون ذات المداخل والمخارج ثم في عهد الأسرة الثانية خلت الجدران إلا من فجوتين في الناحية الشرقية والجنوبية من هاتين الفجوتين كانت أكبرهما، وفيها كانت توضع لوحة جنزية.
ومع أن الحجر استعمل في بناء بعض أجزاء أو تبليط بعض الحجرات من المقابر في نطاق ضيق جدًّا في عهد الأسرتين الأولى والثانية؛ إلا أن بناء مقبرة بأكملها من الحجر لم يتم إلا في عهد الأسرة الثالثة، وأول المقابر الملكية التي بنيت من الحجر هي هرم زوسر المدرج، ثم أصبح من المعتاد أن يتخذ الملوك أهرامًا كمقابر لهم، أما الأفراد؛ فقد بنوا مصاطب حجرية ونحت أمراء الأقاليم في عهد الإقطاع الأول مقابرهم في الصخور، وبنوا بعض أجزاء منها بالحجر في عهد الدولة الوسطى بنى الملوك أهرامًا صغيرة الحجم من اللَّبِن، أما في الدولة الحديثة؛ فقد نحتت المقابر في الصخور لإخفائها عن العيون خشية السرقة.
ولما كان من المعتاد في الدولة القديمة أن تلحق بالأهرام معابد جنزية "شكل ٢٤"، وكذلك كان الحال في الدولة الوسطى فإن ملوك الدولة الحديثة استعاضوا عن ذلك ببناء معابدهم الجنزية في أماكن منفصلة بعيدة عن مقابرهم.
أما معابد الآلهة؛ فكانت في أول الأمر عبارة عن تعريشة أو دروة من البوص أمامها العلم الخاص بالمعبد، ولا نعرف على وجه التحديد شكل هذه المعابد في الأسرتين الأولى والثانية وأغلب الظن أنها بنيت من اللبن كذلك، وأقدم ما وصلنا من المعابد المعروفة باسم معابد الشمس
стр. 182
"شكل ٢٤": منظر هرمي خفرع ومنقرع أمامهما معابدهما الجنزية.
وتتمثل في بناء على حافة النيل أشبه بمكان للاستقبال يخرج منه طريق صاعد إلى الهضبة، وهذا الطريق مسقوف إلا من فتحة ضيقة تمتد بطول السقف وفي وسطه، وهذا الطريق ينتهي إلى المعبد بالمعنى الصحيح ويبدأ بمدخل ثم حجرة للبواب أو حجرتين وبَهْوٍ صغير يتفرع منه فرعان أحدهما يتجه إلى اليمين حيث المخازن والحجرات الخاصة بالكهنة، والآخر يتجه إلى اليسار وهو عبارة عن دهليز طويل مظلم ينتهي إلى سلَّم يصعد داخل قاعدة ضخمة تقوم عليها المسلة التي تقع في فناء مكشوف، وأمام المسلة مائدة ضخمة للقرابين ومجارٍ طويلة تنتهي إلى أواني تتجمع فيها دماء
стр. 183
"شكل ٢٥ أ": معبد الشمس
القرابين التي تقدم لإله الشمس؛ كذلك توجد مجموعة أخرى من المجاري أصغر عددًا من السابقة في الجانب الآخر من قاعدة المسلة المقابل للجانب الذي به بداية السلم، وهذه المجموعة تنتهي بدورها إلى مجموعة من الأواني "شكل ٢٥أ". أما معابد الدولة الوسطى فكانت تشبه الشرفة المرتفعة أو المنصة التي تحيطها جدران قليلة الارتفاع؛ بينما تتخلل هذه الجدران أعمدة مربعة مرتفعة يقوم عليها السقف، ويؤدي إلى المنصة سُلَّمَان في جانبين متقابلين كما يتوسطها مذبح كبير الحجم "شكل ٢٥ب"، أما معابد الدولة الحديثة فكانت لا تخرج في تصميمها عن بوابة ضخمة تؤدي إلى فناء مكشوف إلا من جوانبه حيث توجد بوائك مسقوفة، وهذا الفناء يؤدي إلى صالة للأعمدة تنتهي إلى قدس الأقداس أو الهيكل، ويلاحظ أن البوابة والفناء وسائر أجزاء المعبد كلها تقع على محور مستقيم، كما أن
стр. 184
"شكل ٢٥ب": معبد من الدولة الوسطى.
البوابة يحيط بجانبيها برجان عظيمان بواجهتهما تجاويف أعدت لوضع ساريات الأعلام وتثبيتها، وقد يسبق البوابة أحيانًا طريق للكباش، كما أن بعض المسلات توضع أمام المعبد وفي بعض أفنيته. ومما تجدر ملاحظته هنا أن التأثير على المتعبدين في معابد الدولة القديمة يأتي على أثر المسير في الطريق الصاعد شبه المظلم ثم الدخول في الممر الطويل المظلم وبعد ذلك يفاجأ المتعبد بسطوع الشمس على قمة المسلة أو بالخروج إلى النور التام في وضح النهار، أما في معابد الدولة الحديثة؛ فإننا نلاحظ أن التأثير يتم بدخول المتعبد من البوابة إلى الفناء المكشوف ثم صالة الأعمدة ثم قدس الأقداس الذي يكاد يكون مظلمًا إظلامًا تامًّا مما يوحي بالرهبة في النفس.
وإذا ما تحدثنا عن المسلات فإننا نجد أنها عبارة عن كتلة ضخمة
стр. 185
من الحجر تميل جوانبها تدريجيًّا إلى قرب نهايتها؛ حيث نجد قمة مدببة تميل بزاوية "٦٠" درجة مئوية تقريبًا، وكانت المسلة عادة توضع على قواعد مكعبة من درجة أو درجتين والشائع أنها كانت توضع في أزواج أمام مداخل المعابد؛ ولكن وجدت كذلك مسلات صغيرة في مقابر الدولة القديمة وأقدم مسلة لمعبد مازالت قائمة في موضعها هي تلك التي أقامها سنوسرت الأول في هليوبوليس وارتفاعها "٦٨" قدمًا، وكانت أمام معبد الأقصر مسلتان إحداهما ما زالت في مكانها، والأخرى نقلت إلى باريس سنة: ١٨٣١، وتوجد بعض المسلات الأخرى في مصر ومن أمثلة ذلك مسلة لتحتمس الأول ومسلة لحتشبسوت وكلاهما بالكرنك، وقد أعجب الرومان بالمسلات المصرية ونقلوا كثيرًا منها حتى إن روما وحدها بها "١٢" مسلة، وواحدة بالقسطنطينية، ومن المسلات التي أقامها تحتمس الثالث مسلتان كانتا في هليوبوليس نقلهما الإمبراطور أغسطس إلى الإسكندرية ثم نقلت إحداهما سنة: ١٨٧٧ إلى لندن والأخرى نقلت سنة ١٨٧٩ إلى نيويورك، وأكبر مسلة معروفة كانت هي الأخرى من عمل تحتمس الثالث وكان قد أقامها في هليوبوليس أيضًا وهي الآن موجودة في ميدان القديس جون لاتيران في روما، وقد أقامها هناك البابا سكستوس الخامس.
ولا شك في أن نحت المسلات وإقامتها كان يتطلب عملًا ووقتًا كبيرين كما يتبين ذلك من النص الموجود على قاعدة مسلة حتشبسوت في الكرنك والذي يفخر فيه مهندسها بأنه أتم قطع هذه المسلة في سبعة شهور فقط وأن هذه كانت أقصر مدة عمل فيها مثل هذا العمل.
ويحتمل أن أصل المسلات هو الأحجار المقدسة أو الشواهد
стр. 186
التي كانت تقام تمجيدًا للموتى والآلهة؛ لأننا نعرف بأن لوحات منقوشة بأسماء الملوك كانت توضع في أزواج في مقابرهم بأبيدوس، ويقال بأن أزواجًا من المسلات الصغيرة كانت توجد في مقابر الأشراف من الأسرة الرابعة.
ولم تكن هذه المسلات لمجرد الزينة أو لتسجيل بعض ذكريات الملوك وأعمالهم فحسب؛ بل كانت بعض المسلات تغطى في قمتها بمعدن الألكترون -مزيج من الذهب والفضة- لتعكس أشعة الشمس؛ إذ إن المسلة كانت ترمز لإله الشمس؛ ولذلك نجد أنها كانت كثيرة في هليوبوليس مقر عبادة هذا الإله، وقد رمز في الكتابة الهيروغليفية لبعض معابد الشمس بقرص الشمس فوق قمة المسلة.
стр. 187
ثانيًا: بلاد العرب
من المعروف أن بلاد العرب ظلت بيئة مقفلة أمام العالم المتحضر؛ فلم تقم بها بحوث أثرية ولم يصل إليها من الرحالة الذين تركوا وصفًا لمشاهدتهم فيها إلا في القليل النادر.
وكان اهتمام أقدم من عرفناهم من هؤلاء منصبًّا بصفة خاصة على التعرف على ما يجري في داخل الحجاز وخاصة فيما يتعلق بمراسيم الحج، ومما زاد في إثارة الرغبة عند هؤلاء تحريم دخول غير المسلمين إلى مدينتي مكة والمدينة.
وأقدم الرحلات التي سمعنا بها كانت في أوائل القرن السادس عشر؛ ولكن الرحلات التي جاءت عنها تفاصيل أكثر إسهابًا ودقة هي تلك التي بدأت منذ أوائل القرن التاسع عشر.
ورغم أن مثل هذه الرحلات لم يكن الغرض منها وصف المعالم الأثرية؛ إلا أن هناك رحلات أخرى تهدف إلى مشاهدة بقايا ما كتب في التوراة عن مملكة سبأ وغيرها من أماكن متعددة من بلاد العرب وما حوته من كنوز ونفائس. كما أن بعض المؤرخين اليونانيين والرومانيين وبعض كتاب العرب ذكروا قصصًا عن بلاد اليمن وما فيها من قصور وحصون ألهبت خيال بعض الرحالة وحملتهم على التفكير في السفر إليها.
стр. 188
وبالفعل قامت بعثة دنمركية أوفدها ملكها سنة ١٧٦١ مكونة من خمسة أعضاء مات رئيسها عند وصوله إلى المخا ميناء اليمن ومات أخصائي النبات بين المخا وصنعاء، واستمر الثلاثة الباقون حتى عادوا إلى المخا متجهين إلى الهند؛ فمات اثنان منهم، ولم يرجع بعد إتمام الرحلة سوى واحد هو نبؤور الذي كان مكلفًا بعمل الخرائط فقط؛ ولكنه أعد جميع الأبحاث والرسوم للنشر.
وكانت نتائج هذه البعثة من أحسن النتائج العلمية التي أمكن الوصول إليها.
وفي سنة ١٨٤٣ قام شاب فرنسي برحلة إلى مأرب ونقل كثيرًا من النقوش السبئية، نشرها القنصل الفرنسي في جدة في سنة ١٨٤٥.
ثم قامت رحلات أخرى بعد ذلك في فترات متباعدة؛ ولكنها جميعًا لا تلقى ضوءًا كافيًا على ما كان في هذه المناطق من حضارة.
ومهما كان الأمر فإن شبه جزيرة العرب لم يكن فيها من التيسيرات التي تسمح للرحالة والعلماء بالتجوال فيها أو الكتابة عنها، واقتصرت الجهود على مناطق محدودة منها، وإذا ما نظرنا إلى الظروف المناخية وما نشاهده من أحوال الطبيعة في الوقت الحاضر يمكننا أن نستنتج أن أهل شبه الجزيرة وإن اتحدوا في صفاتهم الجنسية؛ فإنهم كانوا يختلفون في ظروف معيشتهم بين بقعة وأخرى، ويمكن القول إجمالًا بأن المناطق التي سبقت إلى ميدان الحضارة هي تلك التي جعلت الاستقرار فيها ممكنًا، وبعبارة أخرى؛ فإن مناطق الحضارات القديمة يمكن تتبعها في الأطراف الجنوبية والشمالية لشبه الجزيرة.
стр. 189
ومع كل فإن مخلفات هذه الحضارات التي ظلت قائمة والتي أمكن الكشف عنها قليلة للغاية ولا تكفي لأن تكون فكرة كاملة عن مظاهر الحضارة المختلفة التي سادت في تلك البقاع.
ومما يلاحظ على حضارات شبه الجزيرة بصفة عامة عدم وجود سلسلة متكاملة من المظاهر الحضارية؛ فهناك فجوات كثيرة في هذه السلسلة؛ فالآثار التي كشف عنها في مناطق محدودة من جنوب شبه الجزيرة والتي تمثل حضارات العصور قبل التاريخية لا تخرج عن كونها بعض آلات الصوان التي تشبه ما وجد في شرق أفريقيا من العصر الحجري القديم؛ مما أدى إلى افتراض نظريتين: إحداهما تشير إلى أن الحضارة انتقلت من شبه الجزيرة إلى الساحل الأفريقي؛ بينما تشير النظرية الأخرى إلى العكس من ذلك حيث تفترض وجود مركز إشعاع حضاري في شرق أفريقيا انتقلت منه ثقافة صناعة الصوان إلى جنوب شبه الجزيرة وغيرها. ولا نكاد نجد من المخلفات الأثرية ما يبين مظاهر حضارات تالية للعصر الحجري القديم؛ بل إن كل ما عثر عليه من مخلفات غير صناعات هذا العصر تشير إلى حضارات عصور تاريخية متأخرة.
وربما كانت أعظم المناطق الأثرية في جنوب شبه الجزيرة هي مأرب التي ذكرت في الكتب المقدسة؛ ففيها بقايا مباني ما زالت جدرانها قائمة وإن كان الكثير ما زال مطمورًا تحت الأكوام الأثرية، وهذه الجدران تدل على مبانٍ مختلفة، وإلى جوار تلك الجدران توجد أحجار كثيرة منقوشة ببعض الكتابات وبعض التماثيل وبقاياها. ويمكن أن يتتبع المرء في أطلال هذه المدينة مكان السوق القديم والسور، ويتضح منها
стр. 190
حسب رأي بعض الرحالة أن المدينة كانت مستديرة وأن سورها كانت به ثمانية أبواب، ومن هذه البقايا أيضًا يمكننا أن نستنتج أن أهل سبأ الذين اتخذوا مأرب عاصمة لهم١ وصلوا إلى مرحلة متقدمة في فن المعمار، وفي فن نحت التماثيل؛ كما أن من بين النصوص ما يشير إلى أن أحد الملوك بنى حائطًا حول مأرب بناءً على أمر ومعونة الإله عشتر٢.
ومن المخلفات الأثرية في هذه المناطق وما جاورها من مناطق أثرية أخرى بعض اللوحات المزخرفة المنقوشة وبعض التوابيت الحجرية مما يدل على أن أهل سبأ استخدموا التوابيت في دفن موتاهم، ولا بد أنهم اعتقدوا بالبعث؛ لأن بعض المقابر التي كشفت بفعل السيول وغيرها كانت تحتوي على كثير من الأثاث الجنزي إلى درجة أن أهل المنطقة اعتقدوا بأن الموتى كانوا من التجار الذين دفنوا ومعهم بضائعهم؛ ولذا يطلقون على هذه القبور اسم مقابر البياعين٣.
ومن الواضح في فنون البناء والنقش في تلك المنطقة أن هناك تأثيرات توحي بوجود اتصالات بينها وبين بلاد النهرين وسوريا واليونان
стр. 191
كما أن هناك ما يوحي بتأثيرات من الفن المصري وخاصة في التماثيل وزخارف بعض النصب.
والظاهر أن بعض النقوش تشير إلى تصريح بقطعة من الأرض منحها الملك إلى قبيلة في نظير الخدمة العسكرية، كما أن هناك نقوشًا أخرى تحرم نهب الأراضي المزروعة أو تركها وقت الحصاد، ونقوشًا غيرها تحدد امتلاك بعض القبائل لبعض الأراضي وتحدد الضرائب الواجب دفعها عنها.
وهكذا يمكن أن نستنتج بأن استقرار بعض القبائل البدوية كان يتم بشروط معينة، وربما كان الكيان السياسي للدولة غير كامل أو أنه كان عرضة للتغير بسبب دخول بعض العناصر الجديدة بين حين وآخر.
ويتمثل فن السبئيين في سد مأرب الذي بلغ من شهرته أن ذكر في القرآن الكريم، وقد نسب إلى ملكة سبأ كما نسب إلى غيرها من الملوك الذين سبقوها، وهو يعد أعظم عمل هندسي قديم في الجزيرة العربية. وتروي الأساطير أوصافه بشيء من الخيال كما تنسب تحطمه إلى أسباب مختلفة منها ما هو خيالي، وقد أقيم هذا السد في حوالي منتصف القرن السابع قبل الميلاد، وتهدم في حوالي أواخر القرن السادس الميلادي، وكان الغرض من بنائه ينحصر في السيطرة على مياه السيول وتخزينها والصرف منها بالمقدار اللازم فتتوفر المياه اللازمة للري إلى أن يحين موعد قدوم السيول التالية وهكذا.
ونظرًا لما تمتعت به بلقيس من شهرة في التاريخ فإن كثيرًا من الأماكن الأثرية تنسب إليها ولا يقتصر وجودها على منطقة مأرب
стр. 192
وحدها؛ بل يطلق اسم بلقيس على مناطق أثرية في أماكن مختلفة أخرى من اليمن. ومن أهم الآثار التي تنسب إليها في منطقة مأرب محرم بلقيس وهو أهم المعابد وأشهرها ويقع على بعد نحو أربعة كيلو مترات جنوب شرق مأرب الحالية، وأقدم النقوش على جداره الخارجي يدل على أن ثاني ملك حكم سبأ هو الذي بنى سور هذا المعبد وأنه شيده لإله القمر، وقد عاش هذا الملك في القرن الثامن قبل الميلاد، وهو نفسه الذي شيد المعبد الكبير في صرواح، وقد وجدت نقوش من تواريخ تالية تصل إلى القرنين الثالث والرابع الميلاديين، أي أن هذا المعبد ظل قائمًا وعبادة القمر ظلت تقام في هذا المكان ألف سنة على الأقل.
ومن كتابات المؤرخين القدامى نعلم بأن مأرب كانت بها ثلاثة قصور على الأقل، قرن أحدها بقصر الملكة بلقيس، وقد ورد في كثير من أقوال الشعراء وكتاب العرب؛ ولكن من العسير تحديد مكان هذا القصر أو التعرف عليه.
أما في منطقة صرواح وهي تتمثل في وادٍ مستدير محاط بالجبال؛ فقد وجد بها آثار تدل على وجود سد قديم ما زالت عليها بعض الكتابات القديمة، كما وجدت آثار تدل على وجود معابد قديمة أحدها يطلق عليه الآن "دار بلقيس"، ويبدو أنه ما زال سليمًا لأن سقفه الحجري ما زال في مكانه؛ ولكنه مطمور بالرديم. وأهم الآثار جميعًا في تلك المنطقة معبد إله القمر أو المعبد الكبير الذي يبدو كأنه بناء نصف بيضي لاستدارة إحدى نواحيه مما جعله يبدو بهذا الشكل، وقد بنى هذا المعبد أيضًا الملك الثاني من ملوك سبأ الذي سبقت الإشارة إليه
стр. 193
على أنه باني سور المعبد في مأرب، وربما كان هو الذي وحَّد جنوب شبه الجزيرة بأكملها بما في ذلك حضر موت ونجران والمحميات، ومن الجدير بالذكر أن هذا الملك يشير في نقوشه إلى خزانات المياه والجسور والقنوات التي أمر بإنشائها.
وليس من اليسير تتبع الآثار المختلفة في مناطق جنوب شبه الجزيرة، وكل ما يمكن قوله في هذا الصدد: إن هذه الآثار؛ وإن كانت قليلة ولم تدرس دراسة وافية بعد؛ إلا أنها تعطي فكرة واضحة بعض الشيء عن الديانة في هذه المنطقة وعن توصل أهلها إلى أعمال هندسية رائعة سواء في المعمار أو في التحكم في مياه السيول، وبلوغهم درجة لا بأس بها في القوانين والعلاقات العامة؛ وخاصة فيما يتعلق بتحديد الملكية وتحديد الحدود بين الأملاك المختلفة كما يبدو من هذه الآثار أيضًا أنهم نعموا بالرفاهية وأن الرقص والموسيقى كان لهما نصيب في حياتهم؛ إذ توجد على بعض الأحجار مناظر تمثل راقصات تحيطها زخارف مختلفة.
ولا شك في أن موقع جنوب شبه الجزيرة كان له أثره في اتصال بعض الأقطار ذات الحضارات القديمة بسكانه. ومن المرجح أن وجود هؤلاء السكان عند مخرج البحر الأحمر جعلهم يغامرون بالخروج إلى البحر وأصبحوا من الملاحين الممتازين؛ بل ويتغالى بعض المؤرخين فيذكر أنهم وصلوا بسفنهم إلى بلاد الهند وبلاد النهرين ومصر، كما أن إقبال بعض القبائل على الاستقرار في بعض أماكن شبه الجزيرة لم يجعلهم يتخلون نهائيًا عن صفاتهم البدوية بما فيها من حب التجوال والترحال؛ ولذا نجد أن سكان هذه المناطق إلى جانب مهارتهم في الملاحة قاموا
стр. 194
بنقل المتاجر عبر شبه الجزيرة، ووصلوا بتجارتهم إلى الشام، كما أنهم كانوا أحيانًا يجمعون في الانتقال بالمتاجر بين اتخاذ طريق بحري وآخر بري؛ إذ كانوا يعبرون البحر إلى الشاطئ الأفريقي ثم يسيرون بحذاء الشاطئ تتبعهم سفنهم من مكان إلى آخر. ويبدو أن ملوك "أكد" ببلاد النهرين اتصلوا بالمناطق الواقعة في جنوب شرق الجزيرة، كما يبدو ذلك من نصوص "نارام سن" و"جوديا" كبير كهنة "لجش"، والظاهر أن بعض القبائل الجنوبية وقفت إلى جانب ملك دمشق في حربه ضد الملك الأشوري "شلنصر الثالث"، وبعد ذلك نجد في النصوص الآشورية ما يشير إلى وصول جزية وهدايا من السبئين إلى ملوك آشور؛ إلا أنه من المستبعد أن يكون الأشوريون قد وصلوا إلى جنوب شبه الجزيرة وفرضوا الجزية على سبأ، والأرجح أن بعض الجاليات السبئية كانت مستقرة على طول الطريق التجاري بين شمال الجزيرة وسوريا وهذه هي التي تعرضت لإغارات الأشوريين، كما أنه من الجائز أيضًا أن يكون ما ذكره الأشوريون عن جزية السبئين لا يدل إلا على هدايا أرسلها السبئيون لتوطيد صلات الصداقة معهم والمحافظة على نشاطهم التجاري في شمال شبه الجزيرة.
ولا بد من الإشارة هنا إلى ما تذكره الأساطير المصرية من أن المصريين كانوا ينتمون إلى أتباع حور، وأن هؤلاء هم الذين جاءوا من الجنوب والشرق وعلموا المصريين الحضارة وأخضعوا البلاد لسلطانهم. ويرى كثير من الباحثين بأن في هذا إشارة إلى أن أتباع حور قد جاءوا من شبه الجزيرة وعبروا البحر الأحمر وتجولوا على طول الساحل الأفريقي ثم تقدموا شمالًا حتى وصلوا إلى مصر؛ كما أن الاتصال المستمر بين مصر
стр. 195
وبلاد بونت، وهذه الأخيرة قد دعا كثير من المؤرخين إلى الربط بينها وبين جنوب شبه الجزيرة؛ بل ويرجحون أن بونت هي نفسها بلاد اليمن الجنوبية وليس كما يقول بعض المؤرخين بأنها هي شاطئ أفريقيا في منطقتي إرتريا والصومال١.
أما على الحدود الشمالية لشبه الجزيرة فقد استقرت بعض القبائل وتكونت بعض الدويلات كانت أهمها: البتراء وتدمر. ولا نكاد نعرف من أمر هذه الدويلات شيئًا سوى ما ذكرته بعض النصوص التي جاءت من الأقطار المجاورة. وشأن الدويلات الشمالية شأن الدول الجنوبية لشبه الجزيرة من حيث إن تاريخها المعروف به فجوات كثيرة، فخطابات "ماري" تدل على أن منطقة تدمر كانت آهلة بالسكان حوالي سنة: ١٧٠. ق. م. ولا نجد وثائق مستمرة عنها بعد ذلك التاريخ؛ غير أن تدمر تأخذ في الظهور حوالي القرن الأول قبل الميلاد؛ أما البتراء فقد أخذت في الظهور منذ القرن الثاني قبل الميلاد، وإذا كان أهل البتراء هم الأنباط فإن أقدم ذكر لهؤلاء يرجع إلى القرن السابع قبل الميلاد؛ حيث حارب ملكهم "آشور بانيبال"، وقد اعتبرهم هذا الملك ثوارًا، وتذكر حولياته بأن جيوشه تقدمت في الصحراء وهزمتهم، ويبدو أن التضارب في وصف هؤلاء الأنباط بين الكتاب القدامى؛ فمنهم من يرى بأنهم كانوا يعيشون في منطقة صحراوية تقوم حياتهم على الغزو ويحرمون الزراعة وشرب الخمر وبناء المنازل؛ بينما يصفهم آخرون بأنهم
стр. 196
يشتغلون بنقل التجارة الآتية من الجنوب. أما التدمريون؛ فكانت عاصمتهم تدمر، ويبدو أن سكانها كانوا من القبائل التي استقرت في هذه المنطقة على طول الطريق التجاري الرئيسي بين شبه الجزيرة وشرق البحر المتوسط، ويبدو اختلاف أصول السكان وإرجاعهم إلى قبائل مختلفة- من النقوش التي خلفوها؛ إذ نجد نقشًا على تمثال يسجل الصلح بين قبيلتين متنازعتين، كما أن بعض النقوش وإن كانت تسجل اشتراك السكان في بعض الطقوس الدينية؛ إلا أن هذه النقوش تسجل أسماء تلك القبائل، وقد أقاموا تماثيل لآلهتهم المختلفة. ومهما كان الأمر فإنه نظرًا إلى أن هذه الدويلات الشمالية تقع في الطريق بين بلاد النهرين والشام؛ فقد تعرضت لهجمات الأشوريين والكلدانيين كما تعرضت الدويلات الأخرى المتاخمة لها من الجنوب، ومن ذلك مثلًا ما نعلمه من أن "تجلات بلسر الثالث" يتقبل خضوع أميرتين عربيتين إحداهما تدعى زبيبة والثانية تدعى سمسى، كما أن "سنحريب" يذكر بأنه توغل في الصحراء متعقبًا العرب الذين كانوا قد تقدموا إلى بابل واضطرهم إلى الاعتصام في مكان ما في قلب الصحراء، وعلى أي حال فإن خصائص ومميزات حضارات تلك الدويلات الشمالية ينبغي أن تكون موضوع الحضارات المعاصرة لليونان والرومان؛ لأن التواريخ المؤكدة لظهورها هي القرنين الثاني والأول قبل الميلاد كما سبق أن أشرنا، وقد سقطت البتراء سنة" ١٦م، وتدمر سنة: ٢٧٣م.
стр. 197
ثالثا: الاقليم السورى
مدخل
مدخل
مدخل
...
ثالثًا: الإقليم السوري
من المعروف أن موقع هذا الإقليم جعله يستقبل الكثير من العناصر البشرية في مختلف الأدوار التاريخية١، كما أن انقسام هذا الإقليم من ناحية التضاريس جعله يشتمل على وحدات سياسية مختلفة، ومهما كان بينها من تشابه في بعض مظاهر الحضارة فيها؛ فإنه من العسير أن نتناولها جميعًا بالبحث كوحدة حضارية ظهرت في الإقليم بأكمله، ولذا فإننا سنتناول حضارته على أساس الحضارات التي انتشرت بين العناصر البشرية الرئيسية التي أثرت فيه.
وقد اصطلح المؤرخون على أن أهم العناصر التي لعبت دورًا فعالًا في تاريخه القديم هي تلك العناصر السامية التي وفدت إليه في هجرات مختلفة.
стр. 198
أ- الأموريون: أقدم العناصر السامية
ويرجح بأن سكان بلاد النهرين هم الذين أطلقوا عليهم هذا الاسم؛ فقد أطلق السومريون كلمة "مارتو" على أهل الغرب، ومنها جاءت الكلمة الأكدية "أمورو" التي أصبحت بعد ذلك تطلق على الإقليم السوري بأكمله، وهي في هذا تشبه استخدام العرب لكلمة الشام التي كانت تعني أصلًا اليسار أو الشمال.
وحينما وفد الأموريون إلى الإقليم السوري كانوا عبارة عن جماعات بدوية
стр. 199
لا تعرف سكنى المدن ولا الزراعة؛ ولكن بعد أن استقروا في هذا الإقليم أخذوا عن أهله مظاهر الحضارة المختلفة وعرفوا الزراعة، وأسسوا دويلات قوية من أهمها تلك التي كانت في حوض الفرات الأوسط، وكانت عاصمتها "ماري"، وبلغ من قوة هذه الدويلات أن حاولت التوسع في بلاد النهرين؛ ولذا نجد أن أحد ملوك أسرة أور الثالثة قام بتشييد سور في "أور" أطلق عليه اسم: الجدار الذي يصد الأموريين، كما أن آخر ملوك هذه الأسرة افتخر بانتصاره عليهم بقوله: لقد اخضعت مارتو الذين في قوة العاصفة.
ومع أن الأموريين اقتبسوا الكثير من مظاهر حضارتهم من حضارات أهل المنطقة السابقين ومن جيرانهم إلا أن هؤلاء الجيران تأثروا بدورهم بمؤثرات أمورية؛ فمثلًا نجد أن البابليين والأشوريين أخذوا في قوانينهم مبدأ "العين بالعين والسن بالسن" الذي انتشر بين الجماعات السامية ومن بينها الأموريون، كما أنهم كذلك عبدوا بعض الآلهة الأمورية.
وقد وصلوا إلى مرتبة حضارية عظيمة، كما يستدل على ذلك من الآثار التي عثر عليها في عاصمتهم ماري؛ فقد أمكن الكشف عن بقايا قصر ملكي كان يشغل مساحة تزيد على خمسة أفدنة ويحتوي على أكثر من "٣٠٠" حجرة زينت جدران الكثير منها بصور ملونة بألوان زاهية ويشمل عددًا من الساحات والحمامات، وألحقت به بعض الدوائر الحكومية، كما عثر على أكثر من "٢٠٠٠٠" لوح من الألواح الطينية المكتوبة بالخط المسماري وهي تتضمن وثائق تتناول مختلف الشئون وتلقي كثيرًا من الضوء على النواحي السياسية والإدارية والاقتصادية والدينية التي سادت
стр. 200
في هذه المنطقة وفي مناطق أخرى من العالم القديم؛ فمثلًا نعلم من هذه الوثائق أن مملكة أمورية اسمها "يمخاد" كانت عاصمتها حلب، وأن "جبيل" كانت مركزًا صناعيًّا مهمًّا للنسيج، و"قطنة" كانت مركزًا تجاريًّا؛ كذلك عرفنا أن "زمري ليم" كان يعاصر الملك البابلي حمورابي، وأنه كان آخر ملوك ماري.
ورغم هذه الحضارة فإن الأموريين لم يتركوا كتابات مهمة بِلُغَتهم؛ بل اقتصروا في تدوينهم بها على أسماء ملوكهم وحكامهم وبعض الأماكن في الإقليم السوري، أما أهم مدوناتهم؛ فقد كتبت بالأكدية التي شاع استخدامها كلغة تدوين رسمية.
ويبدو أن وقوع الأموريين بين آسيا الصغرى في الشمال، ومصر في الجنوب وبلاد النهرين في الشرق قد أكسبتهم مهارة سياسية في بعض الظروف؛ وخاصة عندما أخذ الحيثيون في آسيا الصغرى في القوة، وبدأت مصر في الضعف؛ فقد أخذ بعض الحكام الأموريين الذين كانوا يخضعون لمصر فيما سبق يستغلون الظروف ويعلنون استقلالهم، ومنهم من تظاهر بالولاء للمصريين وفي نفس الوقت كان يتعاون مع الحيثيين في غزوهم لبعض المناطق؛ بينما يستولى لنفسه على بعض المناطق الأخرى، ويبدو ذلك واضحًا في أواخر عهد الأسرة الثامنة عشرة المصرية.
أما عن ديانة الأموريين؛ فقد وجدت لديهم معبودات مختلفة منها الإله أمورو "مارتو" الذي عرفت عبادته في بلاد النهرين وكانت زوجته الإله عشتار إلهة الحب والقوة، التي يرجح أنها مقتبسة من الإلهة البابلية عشتار، وقد وجدت في أنقاض قصر ماري الذي أشرنا إليه
стр. 201
فيما سبق صورة كانت تزين أحد الجدران وفيها يرى الملك الذي يرجح أنه "زمري لم" وهو يتسلم شارات الملك من هذه الإلهة ومن الإله "حدد" الذي عرف في بابل باسم "أدد" إله المطر والزوابع وكان يطلق عليه أحيانًا اسم آخر هو: رمان "رمانو" أي إله الرعد، ويحتمل أنه هو الذي عرف بعد ذلك في بعض جهات سوريا باسم "بعل"، ومن آلهتهم أيضًا الإله "رشف" وقد عبده الفينقيون وعرفه المصريون في عهد الدولة الحديثة. ومن معبوداتهم التي انتقلت إلى بلاد النهرين "داجون" أو "داجان" وكان من آلهة الخصب، ومن المحتمل أيضًا أنهم هم الذين أدخلوا إلى الإقليم السوري عادة تقديم الابن الأكبر كقربان للآلهة، وعادة تضحية أطفال في أسس المباني، وهذه الأخيرة ظلت إلى زمن العبرانيين.
стр. 202
ب- الكنعانيون والفينيقيون:
وصل هؤلاء في هجرة واحدة مع الأموريين. وقد اختلف الباحثون في أصل اسمهم؛ فمنهم من يرى بأنه سامٍ "كنع" أو "خنع" بمعنى المنخفض؛ أي الأرض المنخفضة التي سكنوها وخاصة على الساحل للتمييز بينها وبين الأراضي الجبلية المحاذية لها، ومنهم من يرى أن أصله هندو أوربي من كلمة حورية "كناجي" بمعنى صبغة حمراء، ومنها أخذت الكلمة الكلدانية "كناخي" أو "كنخني" التي حرفت إلى كنعان أي بلاد الأرجوان لشهرتها بهذه الصباغة؛ ولذا عرفها اليونان باسم فينيقيا كمرادف لهذه التسمية، وكانت تدل في أول الأمر على الساحل السوري وغرب فلسطين ثم أصبحت تدل على فلسطين وجزء كبير من سوريا.
ونظرًا لطبيعة الإقليم الذي عاشوا فيه ولتعرضه بين حين وآخر لتوسع الدول الكبرى المجاورة لم ينجح الكنعانيون في تأسيس دولة
стр. 203
قوية موحدة؛ بل انتظموا في جماعات صغيرة يرأس كل منها ملك ويستقرون حول مدن محصنة تحيط بها مناطق زراعية تابعة لها، وكانت هذه المدن هي العواصم التي يلجأ إليها أهل المناطق الزراعية ويحتمون داخل أسوارها عند الخطر، وكثيرًا ما كان يحدث النزاع بين تلك المدن فكان أكثرها تفوقًا تلك التي كانت وسائلها الدفاعية أكثر فاعلية، وبعضها كان يشغل موقعين أحدهما على الساحل والآخر يمثل جزرًا صغيرة في مواجهته يلجئون إليها عند اشتداد الخطر، وبالطبع كانت المدن المنيعة أقدر من غيرها على البقاء والازدهار، ومن جهة أخرى كثيرًا ما كانت هذه المدن تتفق فيما بينها لتحقيق مصالح مشتركة أو للتحالف ضد أخطار خارجية.
ومع أن الكنعانيين لم يتمكنوا من إنشاء دول كبيرة -كما أشرنا- إلا أنهم فرضوا شهرتهم في التاريخ لما امتازوا به من نشاط في الميدان الاقتصادي؛ فقد عملوا على تنمية زراعتهم وصناعتهم ونشطوا في الاتِّجار خارج وطنهم وأسسوا مستعمرات تجارية في مناطق بعيدة؛ ففي ميدان الزراعة لم يتركوا بقعة صالحة دون استغلال؛ حتى إنهم زرعوا السفوح الجبلية حيث حولوها إلى مسطحات متفاوتة الارتفاع يفصل بين كل منها والآخر جدار يمنع التربة من التآكل ويزيد في المساحة المنزرعة، وإلى جانب الزراعة كانوا يربون الأغنام والخنازير ومهروا في صناعة الفخار كما برعوا في صناعة النسيج والزجاج، وقد عرفت لديهم الأقمشة الصوفية منذ منتصف الألف الثاني قبل الميلاد على الأقل، ونقلوا زراعة القطن من آشور وعرفوا نسيج الكتان كما عرفوا الحرير منذ القرن السادس قبل الميلاد تقريبًا، وقد ارتبطت حرفة صيد الأسماك بطريق غير مباشر بشهرة
стр. 204
منسوجاتهم؛ لأن الصبغة باللون الأحمر التي اشتهروا بها كانوا يستخرجون سائلها من أصداف تكثر على سواحل البحر، وكانوا لا يتاجرون في هذا السائل؛ بل في المنسوجات المصبوغة، ولم يقتصر استخراجهم لهذه المادة على الأصداف الموجودة على سواحلهم؛ بل كانوا يجلبونها أيضًا من المواني البعيدة، وبلغ من شهرة أقمشتهم المصبوغة بها والتي أصبحت تعرف باسم الأرجوان، أن ارتفعت أثمانها حتى أصبحت رمزا للملوك فيقال عنهم: مولود في الأرجوان. كما أنها كانت تستعمل في أزياء بعض ذوي المكانة مثل رؤساء الكهنة في بعض الجهات، وإلى جانب الصبغة بهذا اللون عرف الفينيقيون صبغة أخرى لونها قرمزي استخرجوا مادتها من حشرات كانت تعيش على أشجار السنديان حول الساحل؛ وذلك بوضع هذه الحشرات بعد تجفيفها في بعض الأحماض.
ومع أن الفينيقيين نشطوا في التنقل بين مختلف الأقطار وقاموا بدور عظيم في نقل مختلف السلع والثقافات؛ إلا أن ما خلفوه من مدونات لا يتناسب مع الدور الذي قاموا به؛ وربما يرجع ذلك إلى فناء أوراق البردي التي كانوا يدونون عليها وكانوا يجلبونها من مصر، ومع هذا فإن القليل الذي عثر عليه من نقوشهم ومدوناتهم يدل على علو شأنهم في كثير من المعارف. ومن ذلك أيضًا نستطيع أن نستنتج أن المدن الفينيقية كان يحكمها ملوك يتم اختيارهم من بعض الأسر النبيلة أو التي تنتمي إلى أصل مقدس؛ ولكن سلطان الملك كان يحدده مجلس الشيوخ، مؤلف من تجار المدينة.
ومن الملاحظ أن أصحاب الحرف كانوا يدينون بالولاء لرؤساء يمثلون طوائفهم المختلفة ويطلق على رئيس كل حرفة لقب "رب"
стр. 205
الذي يدير أمور أهل الحرفة ويتولى رعاية شئونهم، ومع أن شهرة الفينيقيين الرئيسية كانت لمهارتهم في الملاحة؛ إلا أنهم تفننوا في استغلال كل ما يمكن أن تجود به بلادهم من موارد، وقد اشتهرت أخشاب أشجارهم بالجودة وخاصة شجر الأرز والصنوبر؛ ولذا فرض على جيرانهم الاتصال بهم والاتِّجار معهم للحصول على هذا الخشب الثمين، كما أنه من المرجح أن زيت الصنوبر ونشاراته كانا يستخدمان في التحنيط، كذلك استخدمت أخشاب الصنوبر في بناء قصر ومعبد سليمان، كما استخدمها الأشوريون أيضًا في بعض قصورهم وخاصة من عهد سرجون الثاني.
أما في مجال الزراعة: فقد وصلوا إلى مرحلة راقية واستخدموا المحراث؛ بل وكانوا أحيانًا يستغلون الفيل كحيوان لجر المحراث في الزراعات الكبيرة، وأكثر وسائل النقل استعمالًا عندهم كانت عربات ذات عجلتين تجرها أربعة خيول "شكل ٢٦"، وربما كان الحمار يستعمل في الخدمات بدل الخيل قبل دخول الحصان أيام الهكسوس، وكان استخلاص الحب من سنابله يتم إما بأن تمرر على السنابل لوحة خشبية بأسفلها شظايا
"شكل ٢٦": نموذج من الخزف لعربة يجرها الخيل
стр. 206
صوانية أو أن تستعمل مركبة من خشب لها عجل بأسنان من حديد أو أن يداس المحصول بأرجل الحيوانات١، وتطحن الحبوب بالرحى. وقد عرف الفينيقيون صناعة الأنبذة واستخراج الزيوت، وغير ذلك من الصناعات الزراعية.
ويعد الفينيقيون أقدم أمة بَحَريَّة في التاريخ، ونبوغهم في الملاحة هو سبب شهرتهم الحقيقية، وقد وصل نشاطهم إلى أسبانيا وبريطانيا، وبلغ من حذقهم أنهم كانوا يصنعون السفن لحساب الدول والشعوب الأخرى؛ فقد أمدوا "سنحريب" ملك آشور بالسفن التي غزا بها دويلات جنوب العراق، كما أمدوا سليمان بالسفن واستخدمهم "نخاو" "الأسرة ٢٦" في الدوران حول أفريقيا وقد أتموا رحلتهم في ثلاث سنوات، وقد أخذوا يكونون في الأماكن التي وصلوا إليها للتجارة مراكز تجارية سرعان ما تحولت إلى مستعمرات تجارية كانت أعظمها قرطاجة، التي سرعان ما ازدهرت بعد تأسيسها ثم أصبحت لها سيادة تجارية وسياسية؛ فكونت إمبراطورية تمتد من حدود ليبيا إلى جبل طارق وضمت بعض جزر البحر المتوسط إليها، ثم تنافست مع روما من أجل السيادة على البحر المتوسط ونشبت بينهما حروب دامت أكثر من مائة عام انتهت بأن أحرقها الرومان وحولوها إلى كومة من الرماد.
ويبدو أن الكنعانيين نشطوا في صناعة المعادن حيث ينسب إليهم أنهم وصلوا إلى صناعة الفولاذ واشتهروا بالصياغة ولذا كانوا
стр. 207
"شكل ٢٧" نحت في العاج يمثل الفن الفينيقي وفيه مزج بالفن المصري
يقومون برحلات عديدة لجلب المعادن؛ حتى إن هوميروس" أشار إلى حذق أهل صيدا بصفة خاصة في الصياغة.
ومع أن الفينيقيين في فنونهم اقتبسوا من فنون الشعوب المجاورة؛ إلا أنهم مزجوا في كثير من الحالات بين هذه الفنون جميعًا حتى جعلوا منها فنًّا فينيقيًّا متميزًا "شكل ٢٧"؛ غير أنهم في بعض الحالات كانوا يقتبسون اقتباسًا كليًّا "شكل ٢٨"، ولا يمكننا أن نقتصر في دراسة الفن الفينيقي على ما وجد من آثاره على الساحل السوري وحده؛ ولكن لا بد من دراسة كل آثارهم في المناطق الأخرى، وكمثال للاقتباس الكلي نلاحظ في بعض أختامهم وتوابيتهم طابعا مصريًا صرفًا.
وينسب إلى الفينيقيين اختراع الحروف الأبجدية التي نقلها عنهم اليونان ثم شاع استعمالها وإن كان من الممكن أن نعتبر أن الهجائية
стр. 208
"شكل ٢٨": تطعيم بالعاج يرى فيه الطابع المصري واضحًا
وجدت أولًا في الهيروغليفية؛ حيث كانت هناك رموز تدل على حروف إلى جانب الرموز المستعملة ككلمات أو مقاطع وكل ما قام به الفينيقيون هو أنهم طوروا الفكرة واستخدموا الرموز للدلالة على حروف فقط، ومع هذا فإن اللغة الفينيقية لم تصبح لغة دولية؛ وإنما كانت الأكدية هي التي تعد لغة دولية رسمية. ومن التراث الأدبي الذي تركه الفينيقيون اقتبس العبرانيون كثيرًا من تراثهم وأدخلوه في كتاباتهم المقدسة وخاصة بعض الأساطير التي تدور حول الصراع بين الخصب والجفاف أو بين الإنبات والموت ثم البعث أو عودة الحياة، وإن كنا نعتقد بأن هذه كلها أصلًا يمكن إرجاعها إلى أسطورة أوزير التي انتشرت في مصر.
أما ديانة الكنعانيين فشأنها شأن معظم الديانات القديمة تدور حول تقديس مظاهر الكون وعبادة الطبيعة، فالجو كان يمثل في نظرهم الإله الأب؛ بينما تمثل الأرض الإلهة الأم، أما الإله الأعلى فكان يعرف باسم "ايل" أو "عليان" وهو الذي يوجد مع الإله "بعل" وكان يعد إله
стр. 209
المطر والمحاصيل، وزوجته كانت الإلهة عاشرة أو عاثرة أو عشترت، التي عبدت أحيانًا كالإلهة الأم، ومن ألقابها "بعلة" أي سيدة، وهنا تعد حامية لمكان أو مدينة معينة، ولقب ملكة السماء ولقب "عنات"، وهذه كانت تعد إلهة للحب والحرب، وقد وحدها اليونان مع إلههم افروديت، والرومان مع إلههم فينوس، وقد عبد المصريون إلهتهم "رشف"، كما أنهم أخذوا عن المصريين عبادة الإله "بس"، وقد وجدت آثار معابدهم في أماكن مختلفة وهي لا تخرج عن مذبح صخري، ونصب مقدس قائم إلى جوار عمود أو شجرة مقدسة وغرف تحت سطح الأرض ومصاطب يغسل عليها المتعبدون أقدامهم قبل تأدية الطقوس، وفي بعض الأحيان كان يوجد مكان مرتفع في مؤخرة المعبد، أما قدس الأقداس فيوضع فوقه رمز أو تمثال الإله، وكانوا يستخدمون تماثيل صغيرة كتمائم لها قدرة سحرية، كما أنهم أحيانًا كانوا يجعلون أماكن للعبادة في الهواء الطلق على رءوس
"شكل ٢٩": تابوت في هيئة آدمية لأحد ملوك صيدا
стр. 210
التلال أو الأماكن المرتفعة وهذه لا يوجد بها سوى مذبح وعمود أو حجر مقدس، وكانت غالبًا لعبادة الآلهة المحلية، واعتقدوا بالبعث؛ إذ عثر على بعض أواني الطعام والشراب وأدوات الزينة والأسلحة مع الموتى، ويظهر أنهم تأثروا بما كان متبعًا في مصر؛ بل وكانت بعض توابيتهم في الهيئة الآدمية كالتوابيت المصرية "شكل ٢٩"، وقد زينت بنقوش وكتابات دينية ومنها نقوش تمثل الموكب الجنزي بما فيه من نائحات وحملة للقرابين "شكل ٣٠" ومنها نقوش تصب اللعنات على من يحاول الاعتداء على التوابيت أو إزعاج الميت، وقد ظلوا يمارسون عادة التضحية بالأطفال عند تأسيس المباني الجديدة وهؤلاء كانوا يدفنون في أواني فخارية كانت توضع تحت أرضية المنزل.
"شكل ٣٠": تابوت لملك من ببلوس مبينًا عليه الموكب الجنزي
стр. 211
ج- الآراميون:
هم الجماعة السامية التي هاجرت من شبه جزيرة العرب حوالي منتصف الألف الثاني قبل الميلاد. وقد استقروا في أواسط الفرات واقتبسوا من جيرانهم بعض المظاهر الحضارية، والظاهر أنهم كانوا من بين أولئك
стр. 212
الذين عرفهم الأموريون باسم "أخلامو" ومعناها الرفاق، وهي التي أطلقوها على عدد من القبائل المتحدة، وقد سادت العناصر الآرامية في قسم كبير من بلاد النهرين وشمال سوريا ووسطها خلال القرنين الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد؛ غير أنه كانت توجد بينهم بعض الجيوب الحيثية، ولم يتمكنوا من التوسع غربًا لوقوف جبال لبنان حائلًا دون توغلهم عبرها، ومع أنهم اقتبسوا من حضارات جيرانهم؛ إلا أنهم احتفظوا بلغتهم؛ بل وانتشرت هذه اللغة في الأقطار المجاورة ولعبت دورًا مهمًّا في ثقافتها.
ويبدو تأثر الآراميين بحضارة الشعوب المجاورة واضحًا في شمال سوريا؛ إذ تأثر الآراميون هناك بمظاهر الحضارة الحيثية وكانت عاصمتهم في مظهرها لا تختلف كثيرًا عن المدن الحيثية، وقد ذكر أحد ملوكها على تمثال أقامه للإله "حدد" بأنه يحرص أن يوفر السعادة لشعبه، وأن بلاده أزدهرت فيها زراعة الشعير والقمح والثوم والكروم ويفتخر ابن هذا الملك في نص له بأن والده زاد في فخامة البلاط الملكي، كما أن هذا الابن نفسه عاش في أبهة لا تقل عن أبهة ملك آشور الذي خضع له.
وكما اشتهر الفينيقيون بالتجارة البحرية اشتهر الآراميون بالتجارة البرية وأرسلوا قوافلهم إلى جميع الأقطار المجاورة وتاجروا في الأرجوان من فينيقيا والمطرزات والكتان والنحاس والأبنوس والعاج من أفريقيا واللؤلؤ من الخليج العربي، وكان نتيجة هذا التوسع التجاري أن نشروا لغتهم في مختلف البلدان فأصبحت لغة رسمية إلى جانب كونها اللغة العامة
стр. 213
للتجارة؛ بل واستعملت كلغة رسمية في الإمبراطورية الفارسية وكان انتشارها سببًا في انتشار الأبجدية الفينيقية التي استخدموها؛ فكانت هي لغة المسيح وأتباعه وكتبت بها بعض الصلوات ثم تفرعت إلى مجموعتين: شرقية: في وادي الفرات ومنها السريانية، وغربية: ومنها التورائية والتدمرية وغيرها.
أما عن ديانتهم؛ فقد كان الإله "حدد" أهم معبوداتهم وهو إله الزوابع والرعد وكان محبوبًا بصفة خاصة بين المزارعين؛ لأنه كان يرسل المطر، وقد امتزجت عبادته بعد ذلك بعبادة الشمس وكانت رفيقته الإلهة "أتارجاتس" تعد الإلهة الأم وكان يرمز لها بالهلال وقرص الشمس وانتشرت عبادتها في فلسطين ثم انتقلت إلى الرومان بعد ذلك، وإلى جانب هؤلاء كان هناك عدد من الآلهة الثانوية بعضها محلي والبعض الآخر انتقلت عبادته من الأقطار المجاورة مثل الإله "شمش" وهو من أشور والإله "رشف" وهو من فينيقيا، وغيرهما.
стр. 214
العبرائيون
...
د- العبرانيون:
هم الجماعات السامية التي جاءت مع الآراميين في نفس الوقت تقريبًا وقد وصلوا إلى فلسطين بعد أن ذهبوا إلى جنوب بلاد النهرين ثم إلى وسطها، وقد هاجرت جماعة منهم إلى مصر ثم خرجت منها بقيادة موسى، وبعدئذٍ أخذ كيانهم يبدو في فلسطين بوضوح، وعند قدومهم كان سكان فلسطين عبارة عن جماعات كنعانية وجماعات غير سامية إلى جانب قدامى العبرانيين الذين لم يكونوا قد هاجروا إلى مصر وقد اندمج هؤلاء الأخيرون معهم، وأصبح القادمون الجدد يكيفون حياتهم حسب مقتضيات ظروف بيئتهم الجديدة وأرادوا
стр. 215
محاكاة جيرانهم الذين كانوا يعيشون في ممالك خاصة، -وأتيحت لهم فرصة ذلك عند اشتداد الحرب بينهم وبين الفلسطينيين فأنشئوا ملكية لهم يمكن اعتبار تأسيسها بداية تاريخ الأمة العبرية، وإن كنا نعتقد بأنهم لم يحرصوا على قوميتهم؛ بل ولم يخلصوا تمامًا لملكيتهم؛ فقد تركوا لغتهم السامية القديمة واتخذوا لغة الشعب الذي عاشوا بين ظهرانيه؛ فاستعملوا لغة الكنعانيين وأبجديتهم، ولم يكن لهم أدب؛ إلا بعد أن تعلموا فن الكتابة من جيرانهم، كما أنهم ظلوا محتفظين بنظامهم القبلي فيما يختص بالشئون الإدارية ولم يحكم الملك بينهم إلا حسب أوامر يهوا "الرب" كما يعلنها الصالحون منهم، ومهما كان الأمر؛ فإنهم كانوا أصلًا من البدو ولم يحترفوا الزراعة إلا بعد استقرارهم في الأراضي الخصيبة، ومع هذا ظل سكان المناطق المرتفعة منهم يعتمدون على الرعي كمورد أساسي لهم، وقد ارتبطت حياتهم الزراعية بكثير من الأفكار والقصائد التي لم يكن لهم بها عهد، ومارسوا الأعمال والطقوس التي اعتبرت ضرورية للخصب وضمان محصول طيب؛ فكانوا يضحون بأحد الحيوانات ويقدمون قرابين للمعبد من المحاصيل والماشية ويرقص ملكهم أمام تابوت العهد، واعترفوا بالآلهة المحلية التي تتعلق بالخصب والنماء بصفة خاصة إلى جانب معبودهم يهوا؛ ولذا كانت بعض العبادات والطقوس الكنعانية القديمة منتشرة بينهم؛ بل وأصبح الإله الكنعاني بعل في بعض الفترات منافسًا قويًّا للمعبود يهوا، وكانت فكرتهم عن الحياة الأخرى شبيهة بالفكرة لدى الكنعانيين ومعظم الأمم القديمة في المنطقة؛ إذ كانوا يدفنون مع موتاهم بعض الأدوات التي كانوا يستخدمونها في حياتهم اليومية.