← История

История · id 8668

معالم حضارات الشرق الأدني القديم

محمد أبو المحاسن عصفور

Полный текст (369 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ج- الآراميون: هم الجماعة السامية التي هاجرت من شبه جزيرة العرب حوالي منتصف الألف الثاني قبل الميلاد. وقد استقروا في أواسط الفرات واقتبسوا من جيرانهم بعض المظاهر الحضارية، والظاهر أنهم كانوا من بين أولئك

стр. 212

الذين عرفهم الأموريون باسم "أخلامو" ومعناها الرفاق، وهي التي أطلقوها على عدد من القبائل المتحدة، وقد سادت العناصر الآرامية في قسم كبير من بلاد النهرين وشمال سوريا ووسطها خلال القرنين الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد؛ غير أنه كانت توجد بينهم بعض الجيوب الحيثية، ولم يتمكنوا من التوسع غربًا لوقوف جبال لبنان حائلًا دون توغلهم عبرها، ومع أنهم اقتبسوا من حضارات جيرانهم؛ إلا أنهم احتفظوا بلغتهم؛ بل وانتشرت هذه اللغة في الأقطار المجاورة ولعبت دورًا مهمًّا في ثقافتها. ويبدو تأثر الآراميين بحضارة الشعوب المجاورة واضحًا في شمال سوريا؛ إذ تأثر الآراميون هناك بمظاهر الحضارة الحيثية وكانت عاصمتهم في مظهرها لا تختلف كثيرًا عن المدن الحيثية، وقد ذكر أحد ملوكها على تمثال أقامه للإله "حدد" بأنه يحرص أن يوفر السعادة لشعبه، وأن بلاده أزدهرت فيها زراعة الشعير والقمح والثوم والكروم ويفتخر ابن هذا الملك في نص له بأن والده زاد في فخامة البلاط الملكي، كما أن هذا الابن نفسه عاش في أبهة لا تقل عن أبهة ملك آشور الذي خضع له. وكما اشتهر الفينيقيون بالتجارة البحرية اشتهر الآراميون بالتجارة البرية وأرسلوا قوافلهم إلى جميع الأقطار المجاورة وتاجروا في الأرجوان من فينيقيا والمطرزات والكتان والنحاس والأبنوس والعاج من أفريقيا واللؤلؤ من الخليج العربي، وكان نتيجة هذا التوسع التجاري أن نشروا لغتهم في مختلف البلدان فأصبحت لغة رسمية إلى جانب كونها اللغة العامة

стр. 213

للتجارة؛ بل واستعملت كلغة رسمية في الإمبراطورية الفارسية وكان انتشارها سببًا في انتشار الأبجدية الفينيقية التي استخدموها؛ فكانت هي لغة المسيح وأتباعه وكتبت بها بعض الصلوات ثم تفرعت إلى مجموعتين: شرقية: في وادي الفرات ومنها السريانية، وغربية: ومنها التورائية والتدمرية وغيرها. أما عن ديانتهم؛ فقد كان الإله "حدد" أهم معبوداتهم وهو إله الزوابع والرعد وكان محبوبًا بصفة خاصة بين المزارعين؛ لأنه كان يرسل المطر، وقد امتزجت عبادته بعد ذلك بعبادة الشمس وكانت رفيقته الإلهة "أتارجاتس" تعد الإلهة الأم وكان يرمز لها بالهلال وقرص الشمس وانتشرت عبادتها في فلسطين ثم انتقلت إلى الرومان بعد ذلك، وإلى جانب هؤلاء كان هناك عدد من الآلهة الثانوية بعضها محلي والبعض الآخر انتقلت عبادته من الأقطار المجاورة مثل الإله "شمش" وهو من أشور والإله "رشف" وهو من فينيقيا، وغيرهما.

стр. 214

العبرائيون ... د- العبرانيون: هم الجماعات السامية التي جاءت مع الآراميين في نفس الوقت تقريبًا وقد وصلوا إلى فلسطين بعد أن ذهبوا إلى جنوب بلاد النهرين ثم إلى وسطها، وقد هاجرت جماعة منهم إلى مصر ثم خرجت منها بقيادة موسى، وبعدئذٍ أخذ كيانهم يبدو في فلسطين بوضوح، وعند قدومهم كان سكان فلسطين عبارة عن جماعات كنعانية وجماعات غير سامية إلى جانب قدامى العبرانيين الذين لم يكونوا قد هاجروا إلى مصر وقد اندمج هؤلاء الأخيرون معهم، وأصبح القادمون الجدد يكيفون حياتهم حسب مقتضيات ظروف بيئتهم الجديدة وأرادوا

стр. 215

محاكاة جيرانهم الذين كانوا يعيشون في ممالك خاصة، -وأتيحت لهم فرصة ذلك عند اشتداد الحرب بينهم وبين الفلسطينيين فأنشئوا ملكية لهم يمكن اعتبار تأسيسها بداية تاريخ الأمة العبرية، وإن كنا نعتقد بأنهم لم يحرصوا على قوميتهم؛ بل ولم يخلصوا تمامًا لملكيتهم؛ فقد تركوا لغتهم السامية القديمة واتخذوا لغة الشعب الذي عاشوا بين ظهرانيه؛ فاستعملوا لغة الكنعانيين وأبجديتهم، ولم يكن لهم أدب؛ إلا بعد أن تعلموا فن الكتابة من جيرانهم، كما أنهم ظلوا محتفظين بنظامهم القبلي فيما يختص بالشئون الإدارية ولم يحكم الملك بينهم إلا حسب أوامر يهوا "الرب" كما يعلنها الصالحون منهم، ومهما كان الأمر؛ فإنهم كانوا أصلًا من البدو ولم يحترفوا الزراعة إلا بعد استقرارهم في الأراضي الخصيبة، ومع هذا ظل سكان المناطق المرتفعة منهم يعتمدون على الرعي كمورد أساسي لهم، وقد ارتبطت حياتهم الزراعية بكثير من الأفكار والقصائد التي لم يكن لهم بها عهد، ومارسوا الأعمال والطقوس التي اعتبرت ضرورية للخصب وضمان محصول طيب؛ فكانوا يضحون بأحد الحيوانات ويقدمون قرابين للمعبد من المحاصيل والماشية ويرقص ملكهم أمام تابوت العهد، واعترفوا بالآلهة المحلية التي تتعلق بالخصب والنماء بصفة خاصة إلى جانب معبودهم يهوا؛ ولذا كانت بعض العبادات والطقوس الكنعانية القديمة منتشرة بينهم؛ بل وأصبح الإله الكنعاني بعل في بعض الفترات منافسًا قويًّا للمعبود يهوا، وكانت فكرتهم عن الحياة الأخرى شبيهة بالفكرة لدى الكنعانيين ومعظم الأمم القديمة في المنطقة؛ إذ كانوا يدفنون مع موتاهم بعض الأدوات التي كانوا يستخدمونها في حياتهم اليومية.

стр. 216

ولم يقتصر تأثر العبرانيين بالكنعانيين على المظاهر الدينية فحسب؛ بل تأثروا كذلك بالكثير من المظاهر الحضارية الأخرى؛ ففي العمارة نجد أن أقدم أثر ديني لهم هو هيكل سليمان قد خطط على نمط معبد كنعاني وزخرف بزخارف كنعانية ولم يشيده معماريون من العبرانيين أنفسهم بل من الصوريين، وكان القصر الملكي في أورشليم من عمل صناع فينيقيين أيضًا وزخرف بزخارف تمثل رموز الحماية المأخوذة فكرتها مما وجد لدى الأشوريين والسوريين القدماء؛ فهي تمثل حيوانات لها رءوس بشرية تحرس شجرة الحياة. وقد تعددت آلات الموسيقى التي استخدموها في طقوسهم الدينية وفي حياتهم العادية ومعظمها من آلات كانت مستعملة في سوريا قبل وصولهم إليها، كما يرجح أن التوازي والمطابقة في الشعر العبري كان معروفًا عند الكنعانيين أيضًا؛ ونظرًا لما عرف عنهم من حرص بصفة عامة؛ فإنهم برعوا في قطع الأحجار الكريمة، ومع هذا فإن من المرجح أنهم اتبعوا في حليهم؛ بل وفي ثيابهم وخزفهم النماذج والأساليب الكنعانية، ومن صفاتهم المأثورة حبهم للإفادة وجمع الثروة ولذا عملوا على رقي الزراعة والصناعات المتعلقة بها؛ بغية ازدياد التبادل التجاري بينهم وبين جيرانهم. ويعد الدين المظهر الوحيد الذي أسهموا به في مضمار الحضارة، ومع هذا يمكن أن يدرس العهد القديم على أنه مؤلف أدبي ويمكن مقارنة الشريعة الموسوية بقانون حمورابي في كثير من المواد غير أنها تمتاز بما فيها من عناصر أخلاقية لم يرد مثلها في الشرائع السابقة، وكان كهنتهم

стр. 217

يقومون بالطقوس الدينية ويعدون وسطاء بين الإنسان وربه، ومن هؤلاء من امتازوا بالحكمة وبلغوا مرتبة عالية في التفكير وقد عرفوا باسم الأنبياء، وكانوا يهدفون إلى رقي الفرد وسلامة المجتمع؛ فربطوا بين الدين والأخلاق ونادوا بعبادة إله واحد، واعتبروا قواعد السلوك كأوامر إلهية، وقد مرت التوراة بمراحل متعددة بدأت بالرواية التي يتناقلها الخلف عن السلف، ثم انتقلت إلى مرحلة التدوين وفيها جمعت من مدونات تاريخية قبل السبي وبعده، وقد تعرضت للتنقيح وحذفت منها بعض الأمور كما ضاعت أثناء الجمع بعض الأسفار التي اكتفي بالإشارة إليها أثناء النسخ، وإلى جانب التوراة وجدت مجموعة من القواعد والأحكام والوصايا والشروح والتعاليم ظلت تنتقل مشافهة عن طريق الرواية ثم دونها علماؤهم لتكون دستورًا لهم، وقد عرفت هذه باسم التلمود، وقد انقسم العبرانيون تجاه التلمود فمنهم من لم يعترف بغير التوراة وأنكروه وهؤلاء هم القراءون، ومنهم من اعترف بالتلمود واعتبر أنه موحى به إلى من كتبوه وهؤلاء هم الربانيون. وينبغي أن نلاحظ بأن هناك تلمودين: أورشليمي وبابلي، والأورشليمي هو ما وضعه أحبار أورشليم ويحتوي على "٣٩" بحثًا بالعبرانية، وقد كتب ابتداء من القرن الثاني إلى القرن الرابع الميلادي، أما التلمود البابلي؛ فقد بدئ في بغداد في أواخر القرن الخامس ويشمل "٣٦" بحثًا بالآرامية وبه بعض الشروح العبرانية؛ ولكنه أربعة أضعاف الأورشليمي وهو المتداول بين اليهود، ويتألف التلمود من "المشنة" أي المتن أو الشريعة وهي التي تشتمل على الأحكام الدينية المكملة لشريعة موسى وتفسر ما يلتبس فهمه منه "والجمارا" وهي الشرح والتعليق.

стр. 218

رابعا: آسيا الصغرى مدخل ... رابعًا: آسيا الصغرى بالرغم مما روي في أشعار هومر عن طروادة وفي الكتاب المقدس عن الحيثيين؛ فإن العالم المتحضر ظل لا يعلم شيئًا عن تاريخ وحضارة آسيا الصغرى، ومع أن الرحلات الاستكشافية إليها بدأت منذ عام: ١٧٦٤؛ إلا أن الجهود الأثرية فيها لم تبدأ إلا حوالي سنة ١٨٧٠، حينما أخذ سليمان يبحث عن آثار طروادة، ولو أن هذه الآثار كانت تمثل مظاهر حضارية أقرب لتلك التي سادت في اليونان منها إلى تلك التي سادت في بقية أنحاء آسيا الصغرى التي أخذت أنظار الباحثين تتجه إليها بعد ذلك، وقد أمكن التوصل إلى أن النقوش التي كانت على بعض الأحجار التي عثر عليها في حلب وتلك التي كانت على الصخور في جهات مختلفة من آسيا الصغرى ترجع إلى الحيثيين الذين عرفوا في النصوص المصرية، وفي الكتاب المقدس باسم "خاتي" كما أمكن التوصل إلى معرفة الكثير عن الحضارات التي سادت في شبه الجزيرة قبل عصرها التاريخي. وقد تبين للباحثين أن موكب الحضارة في آسيا الصغرى لا يمثل سلسلة متكاملة وأن هذه الحضارة لم تتدرج في تطورها منذ أقدم العصور، دون أن تنتابها تأثيرات مفاجئة؛ غير أنه من الممكن إجمالًا القول بأن العصر التاريخي؛ يبدأ فيها بظهور الكتابة التي انتشرت بين طائفة من التجار الأشوريين الذين وفدوا إلى الأناضول حوالي سنة: ١٩٠٠ ق. م، ومن رسائلهم ويومياتهم عرفنا أن البلاد كانت تنقسم إلى إمارات يحكمها أمراء محليون، وكان بعض هؤلاء يحملون أسماء هندو أوروبية ويدعو

стр. 219

هذا إلى الظن بأن الحيثيين جاءوا غزاة إلى شبه الجزيرة واستقروا بها؛ وخاصة لأن النصوص الحيثية المسمارية كانت تختلف في لغتها عن النصوص المسمارية التي سبقتها والتي أدخلها التجار الآشوريون؛ كذلك يبدو واضحًا أن مظاهر حضارية متشابهة بصفة عامة سادت في أنحاء شبه الجزيرة منذ أن سيطر عليها الحيثيون، وعلى هذا فإن مظاهر الحضارة الحيثية تمثل بشيء من التجاوز المظاهرَ التي سادت في شبه الجزيرة، وبما أن الحيثيين ينتمون إلى عناصر هندو أوروبية؛ فإن حضارتهم وإن تأثرت بحضارات جيرانهم يغلب عليها طابع يختلف عن طابع حضارات الشعوب السامية المجاورة، ومن دراسة مخلفاتهم الحضارية يتضح لنا أن الحيثيين كانوا من أكثر الشعوب القديمة تقدمًا في النواحي التي تتميز بها الطبقات الحاكمة؛ فقد امتازوا في الشئون الحربية والسياسية والقانونية؛ ولكنهم لم يصلوا إلى مرتبة عالية في النواحي الدينية والأدبية، أما فنونهم فقد بلغت مرحلة متقدمة وإن كانت لم تصل إلى حد التفوق والعبقرية. ومع أن هناك بعض الصعوبات التي تعترض الباحثين في دراسة الحضارة الحيثية كنشأة الهيروغليفية الحيثية وتفسيرها؛ فإن من الممكن تتبع المظاهر العامة لتلك الحضارة.

стр. 220

الأسرة يبدو أن عادات الزواج عند الحيثيين لا تختلف عن عادات الزواج في بلاد النهرين؛ فمع أن الخطبة المصحوبة بهدية من الزوج المنتظر كانت خطوة أولية للزواج؛ إلا أنها لم تكن إلزامية فكانت للفتاة حرية الزواج

стр. 221

من رجل آخر بموافقة والديها أو بدونها بشرط أن يعوض الخطيب الأول. وكان الزواج يتم بعد حصول الفتاة على هدية من رجلها كما كانت تأخذ صداقًا من والدها، وإذا حدث عدم إتمام الزواج بعد ذلك كان الطرف المذنب يعاقب بدفع تعويض مناسب، وفي حالة الوفاة كان يتحتم زواج الأرملة بأقرب المقربين للزوج المتوفى، وربما كان الغرض من ذلك هو تخليد عائلة المتوفى، وقد انتقلت هذه العادة إلى العبرانيين. ولم يكن الزواج من الرقيق غريبًا بل معترف بشرعيته، وكانت القوانين الحيثية تجعل من رب الأسرة سيدها وراعيها وسلطته على زوجته واضحة وله حق تقرير مصيرها إذا ارتكبت خيانة زوجية. ومع هذا فإن المرأة في بعض أجزاء آسيا الصغرى كانت تتمتع ببعض الامتيازات الخاصة التي كانت على الأرجح من بقايا نظام أموي -لم تكن التبعية فيه للأب- ساد تلك الأنحاء في أقدم العصور. ويبدو أن هذا النظام الأخير كان أكثر وضوحًا في البيت المالك؛ إذ إن الملكة كانت تتمتع بدرجة كبيرة من الاستقلال، وكانت الملكة الوالدة بالذات ذات مكانة خاصة ولها من الألقاب ما تحتفظ به طوال حياتها ولا ينتقل إلى زوجة الملك الحاكم؛ إلا بعد وفاتها، وكثيرًا ما كانت بشخصيتها القوية تسبب متاعب لابنها الحاكم؛ أما في حالة وجود زوجها على قيد الحياة؛ فإنها تلعب دورًا كبيرًا في شئون الدولة، فتذكر مع زوجها في كل الوثائق الرسمية، وقد تشترك في القيام بالطقوس الدينية الرسمية أيضًا.

стр. 222

الملك من المرجح أن الملكية الحيثية كانت انتخابية في الأصل؛ فرغم أن تعيين وريث العرش كان يتم أمام النبلاء؛ إلا أنه كان لا يعد شرعيًّا إلا بعد إتمام هذا الإجراء الذي يفترض فيه أن يكون طلبًا من الملك توافق عليه جماعة النبلاء، ومما يدل على ذلك أن تاريخ الدولة الحيثية كان مليئًا بالفتن والثورات التي قام بها أقرباء الملك وكان تعيينه لخليفته علنًا مدعاة للتخلص من بعض هذه الفتن، وفي النهاية وضع أحد الملوك "تيليبينوس"١ قانونًا لوراثة العرش استقرت بعده الأمور؛ فلم يحدث نزاع بين النبلاء في هذا الصدد. وقد تمتع ملوك الحيثيين بمكانة ممتازة، وتدل ألقابهم على اعتقادهم أنهم أصحاب سلطان ونفوذ على غيرهم من الملوك الذين كانوا في نظرهم أقل شأنًا كما اعتبروا بأنهم يتمتعون بقوى خارقة وإن لم يؤلهوا في حياتهم على الإطلاق أي أنهم لم يصلوا إلى مرحلة التقديس إلا بعد وفاتهم. وكان الملك يعد القائد الأعلى للجيش والكاهن الأعظم والقاضي الأعلى في الدولة، وهو المسئول عن جميع المعاملات السياسية مع الدول الأجنبية، وكان من الممكن أن ينيب عنه في هذه الشئون من يقوم بدوره فيها إلا في المسائل الدينية وحدها؛ إذ كان الاعتقاد السائد بأن إهماله لمثل هذه المسائل كان يسبب نقمة الآلهة على الشعب.

стр. 223

الإدارة كان الحيثيون في أول الأمر يعتمدون في إدارة مجتمعاتهم الأولى التي نشأت في بقاع مختلفة على مجالس تتألف من الشيوخ التي تتولى الإشراف على كافة الشئون الإدارية المحلية. أما في المراكز المقدسة فإن المعبد هو الذي يشرف على تلك الإدارة فكان الكاهن الأعظم يعد الحاكم المدني في نفس الوقت. وقد احتفظ ملوك الحيثيين بهذا الحق فكانوا يشرفون على الأقاليم التي يستولون عليها وبعدئذ عهدوا بإدارتها لأبنائهم، ولما ازدادت رقعة المملكة أنعموا بمثل هذه المناصب على بعض القواد الذين كانوا عادة من أقربائهم؛ غير أن هذا التعيين كان مؤقتًا في الغالب لأن أمثال هؤلاء كانوا لا يستطيعون النهوض بكافة الأعباء الملقاة عليهم، وأخيرًا دعت الضرورة إلى تعيين حكام دائمين يقيمون في الأماكن التي يعهد لهم بها ويدينون بالولاء للسلطة الملكية، والظاهر أن هذا النظام قد استهوى بعض الدويلات الصغيرة المجاورة فأخذت تنضم إلى الإمبراطورية الحيثية رغبة منها في المحافظة على كيانها من جهة، ومن ناحية أخرى كان حكامها يتمتعون بالكثير من الاستقلال في ظل الإمبراطورية؛ فالملك التابع لها هو الحاكم ذو السيادة داخل إقليمه، ولم يكن مفروضًا عليه أن يمد الجيش الحيثي بجنود في كل وقت يخرج فيه للحرب؛ ولكنه كان ملزمًا برد اللاجئين من الحيثيين إلى وطنهم كما كان عليه أن يقدم إتاوة سنوية وفي نظير ذلك كان الملك الحيثي يضمن تولية الوارث الشرعي للحاكم على عرش البلد التي يحكمها ذلك الحاكم.

стр. 224

ولم تكن القوانين في المملكة الحيثية ثابتة دائمًا؛ بل كانت عرضة للتعديل والإضافات مما يدل على أن الحيثيين لم يترددوا في إصلاح قوانينهم كلما دعت الحاجة لذلك؛ كذلك يبدو أنها كانت تختلف باختلاف أنحاء الإمبراطورية، فما كان يطبق في جهة من الجهات لا يؤخذ به في جهة أخرى. ومما يلاحظ على النصوص القانونية التي عثر عليها أنها كانت في غالبيتها ترد على هيئة قضايا افتراضية يتبعها الحكم المناسب مما يدعو إلى الظن بأنها كانت مأخوذة من أحكام المحاكم. والظاهر أن هذه القوانين كانت في بداية الأمر تأخذ بمبدأ "العين بالعين والسن بالسن"؛ ولكن كانت الأحكام في كثير من القضايا تقتصر في حالة الأحرار المذنبين على تكليفهم برد الشيء إلى أصله أو بالتعويض، أما إذا كان الجاني من العبيد؛ فقد تشمل الأحكام عقوبات جسدية تصل أحيانًا إلى الإعدام؛ كذلك كانت القوانين الحيثية تفرق بين حدوث الذنب عن عمد وبين حدوثه عن غير عمد؛ ولكنها كانت تعتبر حدوث جريمة في مكان ما، واختفاء المجرم به أمر يعاقب عليه أهل المكان الذين يعتبرون مسئولين عن حدوث الجرم في مكانهم، ويعتبر القانون الحيثي صارمًا في الأخذ بمبدأ المسئولية الجماعية في حالات عصيان أمر الملك؛ لأن العقوبة تنفذ على بيت الجاني، أي على أهل بيته وكل من فيه. أما المحاكمات فكانت بسيطة الإجراءات؛ إذ إن المنازعات كانت تنظر أمام الشيوخ الذين كانوا يشرفون على الإدارة المحلية، وفي هذه الحالة كانوا يمثلون محكمة شعبية، وإلى جانب هؤلاء يمثل الدولة أحد ضباط

стр. 225

الملك الذي يتعاون مع السلطات المحلية في إقامة العدل دون تحيز، وفي حالات القضايا الكبرى التي تتطلب حكم الإعدام والقضايا التي يعجزون عن البت فيها لغموضها أو تلفيقها كانت القضية ترفع إلى الملك للبت فيها.

стр. 226

العسكرية وصلت الجيوش الحيثية إلى درجة كبيرة من الخبرة في التاريخ القديم، ومع ذلك فإننا نجهل الكثير عن تكوينها ووسائلها غير أنه من المرجح أن مُشاة الجيش الحيثي كانوا أكثر عددًا من جنود مركباته، ومع هذا فإنهم كانوا يقومون بدور ثانوي نسبيًّا في الميادين المفتوحة. أما المركبات الحيثية فكانت تختلف في شكلها اختلافًا بسيطًا عن المركبات المصرية؛ إذ إنها كانت تتسع لثلاثة رجال بدلًا من اثنين أحدهما للهجوم والآخر للدفاع والثالث للقيادة "شكل ٣١"، وسلاح الهجوم فيها هو الرمح والقوس، وسلاح الدفاع هو الدرع، وإلى جانب المشاة والمركبات كانت هناك فرق خفيفة للمساعدة، مهمتها الهجوم المفاجئ الذي يتطلب سرعة الحركة، وكانت تسلح بالقسي والسهام، ومن النقوش المصرية يتبين لنا أن الجيوش الحيثية كانت تشمل أيضًا فرقًا للمهمات وهذه تتمثل في عربات ثقيلة ذات أربع عجلات تجرها الثيران وعدد من الحمير المحملة بالأثقال وقد ورد في النصوص الحيثية ما يدل على وجود جنود للمعمار، وكان الأمر لا يخلو دائمًا من وجود عدد من الجنود المرتزقة. ويتسلح الجندي الحيثي العادي بسيف قصير وفأس للقتال ويرتدي خوذة لها غطاء للأذن.

стр. 227

"شكل ٣١": عربة مصرية تهاجم عربة حيثية "من نقش مصري" وقد أثبتت الجيوش الحيثية كفاءة ومهارة حربية؛ إلا أنها كانت تعتمد غالبًا على مباغتة العدو واستغلال قدرة العربات الحيثية إلى أقصى حد، وخير دليل على ذلك نجاحهم في موقعة قادش ضد المصريين في عهد "رمسيس الثاني"، وعند حصارهم لمدينة ما كانوا يلجئون إلى وسائل فعالة كضربها بالمنجنيق وإقامة روابي مرتفعة يحملون إلى أعلاها معدات الحصار. أما عن وسائلهم الدفاعية؛ فقد أمدتهم الطبيعة بأماكن منيعة لا تحتاج إلا إلى تقوية بسيطة وخاصة عند سفوح الجبال والتلال؛ حيث كان يكتفي بجدران سميكة مزدوجة تبنى أمام الجزء المكشوف من التل والجدار الأمامي يكون عادة منخفضًا عن الجدار الخلفي.

стр. 228

الديانة يبدو أن المجتمعات المحلية الأولى التي نشأت في آسيا الصغرى كانت تحتفظ باستقلالها الديني واستمرت أماكن العبادة فيها دون مساس بمعبوداتها، وكانت سياسة الملوك تدعو إلى رفع شأن تلك المعبودات كما انتحلوا لأنفسهم وظيفة الكاهن الأعظم لها؛ حيث يقوم الملك بموكب سنوي يزور فيه أهم مراكز العبادات التي يحتفل فيها شخصيًّا بأعيادها الرئيسية. وقد جعل صيانة المعابد إحدى المهام الرئيسية التي يكلف بها حكام الأقاليم والقواد المحليون، واستفادت أماكن العبادة بالطبع من وراء ذلك وزاد استقرارها وعظمت ثروتها، ومما يذكر أن كل المراسيم والأوامر العليا للدولة كانت تصدر باعتبار أن الآلهة والإلهات جميعًا تضمن نفاذها ومفعوليتها؛ ولذا كان الكتاب يجمعون قوائم بجميع أسماء الآلهة المحلية تعامل فيها الآلهة المتشابهة معاملة واحدة وبذلت محاولات لترتيب هذه الآلهة على حسب أهميتها وعلى ذلك كانت الدولة والملكية تحت حماية مجموعة خاصة من الآلهة الشعبية العظمى التي كانت تقام لها طقوس خاصة بالعاصمة نفسها, وقد وجدت نصوص بالتعليمات التي كانت تصدر إلى الكهنة وخدم المعابد ونصوص تبين ما كان يقوم به أعضاء البيت المالك من مراسيم العبادة، وكلها تدل على أن الطقوس المتبعة كانت دقيقة للغاية؛ مع أن بعض الأساطير التي وردت إلينا تشير إلى الأدوار التي كانت تقوم بها الآلهة؛ إلا أن معظم هذه لم تكن من المعبودات الرئيسية للدولة،

стр. 229

وحتى في حالة وجود بعض تلك الآلهة بين معبودات الدولة الرئيسية؛ فإن أدوارها التي تنسب إليها كانت تختلف باختلاف النصوص، ومن المعبودات وخاصة الشعبية منها ما لا نعرف عنها أو عن مراكز عبادتها إلا القليل. وتتميز معبودات الحيثيين ببعض المظاهر حيث يحمل الإله سلاحًا أو آلة أخرى في اليد اليسرى ورمز في اليد اليمنى وقد يزود بأجنحة أو زوائد أخرى أو يقف غالبًا فوق حيوان مقدس "شكل ٣٢". "شكل ٣٢": إله يقبض بيسراه على سلاح أو آلة وبيمناه على رمز وهو يقف على ظهر حيوان. وليس من الغريب في بيئة مثل آسيا الصغرى أن يكون إله الطقس إلهًا رئيسيًّا؛ إذ انتشرت عبادته في عدد كبير من المدن وهو يمثل غالبًا راكبًا مركبة بدائية تجرها الثيران على رءوس الجبال التي مثلت في هيئة البشر، وقد يرمز إليه بالثور الذي يصور واقفًا وحيدًا على مذبح، انظر "شكل ٣٣"، وقد عبد في الجزء الجنوبي من آسيا الصغرى، "أي في منطقة

стр. 230

طوروس والسهول الشمالية من سوريا، الذي كان يسوده الحوريون باسم "تيشوب" وكانت له زوجة تعرف باسم "خيبات" وهذه كانت لا تقل مكانة عن زوجها وقد مثلت في هيئة سيدة تقف على أسد أحيانًا، وكان "شكل ٣٣": ملك يتعبد إلى إله في هيئة الثور لهما ولد يدعى شاروما، وإلى جانب هذه الآلهة وجدت آلهة أخرى في هذه المنطقة منها الإلهة "شاوشكا" أي عشتار الحورية، وبعض هذه الآلهة لم يعترف بها بين الآلهة الحيثية. وفي قلب المملكة الحيثية أي منطقة الحيثيين الأصليين كان المعبود الرئيسي في أغلب الظن هو إلهة الشمس؛ بينما كان إله الطقس زوجًا لها ويأتي في المرتبة الثانية، ولهما ابنتان وحفيدة، أما إله الزراعة فقد اعتبر ابنًا لإله الطقس وهو في الأساطير الحيثية يشبه الإله أوزير في الأساطير المصرية؛ إذ بانسحابه تتوقف الحياة وبعودته تعود الحياة من جديد، والمقصود من ذلك أن الشلل الذي يصيب الحياة الزراعية أثناء الشتاء

стр. 231

في آسيا الصغرى ترجعه الأساطير إلى انسحاب هذا الإله وعند عودته في الربيع تعود مظاهر الحياة من جديد. وقد وجدت أسماء عدد كبير من الآلهة التي لا نعرف عنها شيئًا، وربما كانت هذه أصلًا من الآلهة المحلية، عبدت في المجتمعات المحلية الأولى التي كانت منفصلة بعضها عن بعض. أما الدين الرسمي للدولة؛ فقد شمل مجموعة من الآلهة؛ فكانت إلهة الشمس تعبد على أنها "ملكة بلاد حاتي والسماء والأرض"، "سيدة ملوك وملكات بلاد حاتي ومرشدة الحكومة"، أي أنها كانت الحامية الرئيسية للدولة والملكية، ومع هذا فقد صورت الأساطير إله الشمس على أنه ملك الآلهة، وهو يأتي على رأس قوائم الآلهة التي تذكر في المعاهدات فهو يعد إله الحق والعدل، ومن الغريب أن موقف إلهة الشمس غير محدد بالنسبة لهذا الإله الذي يرى البعض بأنه لم يكن أصليًّا في الأناضول؛ بل جلب إليها من الخارج حيث تصفه أحد النصوص بوجود أسماك على رأسه؛ كما أن أحد آلهة الشمس ذكر على أنه "إله الشمس في الماء"، وقد اعتقد الحيثيون كما اعتقد المصريون بأن إله الشمس يمر في العالم السفلي من الغرب إلى الشرق أثناء الليل، ومما يثير الدهشة؛ كذلك أن إله الشمس لم يكن زوجًا لإلهة الشمس؛ بل كان زوجها هو إله الطقس؛ لأن هذا الأخير كانت عبادته واسعة الانتشار وقد اعتبر "ملك السماء ورب بلاد حاتي" أي أنه كان هو الآخر حاميًا للمملكة وإليه يعزى النصر في المعارك. وكانت أماكن العبادة الحيثية تتخذ أشكالًا عديدة: فمنها ما كان مكشوفًا

стр. 232

به هيكل حجري، ومنها ما كان مبنيًّا بالأحجار الضخمة، وتتكون من عدة غرف حول فناء مرصوف، ويفصل قدس الأقداس عن هذا الفناء حجرة بها فتحة تسمح للذين في الفناء برؤية تمثال الإله في محرابه الذي يقع في الجدار البعيد لقدس الأقداس، وإن كان الوصول إلى هذا الأخير عن طريق باب في أحد الجدران الجانبية، ومن المعابد ما لا يمكن رؤية تمثال المعبود فيها من الفناء حيث إن الهيكل كان يقوم في أحد جوانب المبنى، ومعنى هذا أن التعبد لإله المعبد كان قاصرًا على أقلية مختارة، ولا يوجد أي نظام ثابت للاتجاهات في هذه المعابد، وكانت معابد بعض البلدان تعد مقر الحكومة المدنية في نفس الوقت؛ ولذلك كانت تضم عددًا كبيرًا من الموظفين المدنيين إلى جانب الموظفين الدينيين، ومن جهة أخرى كانت هناك معابد صغيرة الحجم قليلة الأهمية بحيث يشرف كاهن واحد على عدد من هذه المعابد. وكان المعبد هو بيت الإله والكهنة خدم الذين يقومون يوميًّا بواجباتهم نحوه طبقًا لنظام ثابت يختص كل منهم بطقوس معينة، وعلى العموم كان يفترض في كل منهم الطهارة التامة ولا يسمح لهم بقضاء الليل في المدينة؛ وإلا تعرضوا إلى عقوبات تصل إلى الموت. وبما أن الإله لم يكن مجرد رب للمعبد بل رب الشعب وسيده كذلك كان لا بد من تقديم قرابين وهدايا مختلفة رمزًا لاحترامه يقدمها الجميع استعطافًا له، ويجب أن تكون ممتازة لا عيب بها، وهناك من الإشارات ما يدل على وجود عادة الضحايا البشرية. وعندما يقوم الملك شخصيًّا بالاحتفال بعيد من الأعياد في أحد

стр. 233

المعابد تدون التعليمات التي تصف هذا الاحتفال وصفًا دقيقًا من بدء تزين الملك واستعداده للخروج إلى هذا الاحتفال والسير في الموكب إلى المعبد ودخول زوجة الملك والحاشية إلى أماكنهم الخاصة وجلوس الملك والملكة على العرش وهكذا إلى أن تنتهي الطقوس. ومن الطبيعي أن الظواهر الطبيعية وغيرها من الأمور التي تفوق طاقة البشر كانت في نظر المجتمعات البدائية تخضع لقوى عظمى -آلهة- تسيطر عليها، وهي غير مرئية وخالدة، ومع هذا كان من الصعب تصورها في هيئة تختلف عن البشر أو على الأقل لها مشاعر البشر. وكان الحيثيون بالذات ينسبون إلى آلهتهم من السلوك ما يشابه سلوك السيد بالنسبة لأتباعه؛ فمع أنه يجب رعايته وترضيته ومدحه؛ إلا أنه لا يمكن الاعتماد عليه دائمًا في رعاية مصالح أتباعه فقد يقضي بعض الوقت في النوم أو التسلية أو الرحيل أو الانشغال بمسائل أخرى تجعل الابتهال إليه للمساعدة عبثًا؛ بل وقد تكون له تصرفات خاطئة غير حكيمة؛ ولذا تفسر المصائب التي تحل بالإنسان أحيانًا -لا على أنها عقاب عن ذنب جناه- وإنما على اعتبار أنها نتجت عن إهمال الإله؛ لأن الأرواح والشياطين الشريرة تعمل دائمًا على الإفادة من عدم تيقظ الإله الحامي للإنسان؛ ولذا كان من صلوات بعض الملوك للآلهة في مثل هذه الحالة ما ينحي باللائمة على الآلهة بل والتهديد بالعجز أو التقصير في خدمتها وتقديم القرابين لها، أما إذا كانت المصائب كعقاب عن ذنوب فلا بد من الاعتراف بها والتكفير عنها، وفي هذه الحالة كانوا يلجئون إلى العرافة والتنجيم واستشارة الوحي في خير الطرق لإرضاء الآلهة.

стр. 234

وكانت العادة عند الدفن أن يحرق جسد المتوفى ثم تطفأ النار بالجعة والنبيذ ثم تحضر بعض النساء لجمع العظام ويغمسنها في شراب خاص ثم يضعنها في زيت طيب في جرة فضية، وبعد ذلك يخرجنها ثم تلف في الكتان وتوضع على كرسي ويقدم الطعام لمن جمع العظام كما يقدم الشراب لهم ولروح المتوفى ثلاث مرات، وتصحب ذلك التضحية ببعض الماشية، ولا شك في أنه كان هناك فرق بين ما يتبع في دفن الملوك وما يتبع في دفن الأفراد كما أن من المرجح أن ملوك الدولة القديمة لم يمارسوا حرق الجثث. أما الأساطير الحيثية فتنقسم إلى قسمين: أحدهما يتعلق بالقضاء على قوى الشر ويتلخص في أسطورة تسمى: ذبح التنين؛ ومؤداها أن التنين انتصر في أول الأمر على إله الطقس حسب رواية من الروايات وأنه لم يكتف بذلك بل أعجز إله الطقس بالاستيلاء على قلبه وعينيه حسب رواية أخرى، ولكن بمعاونة آلهة أخرى وبالحيلة استطاع إله الطقس أن ينتصر في النهاية، وربما كانت هذه الأسطورة تتلى في الاحتفال السنوي بالربيع وهي تشبه إلى حد كبير أساطير أخرى انتشرت في أجزاء أخرى من الشرق الأدنى القديم كانت تتلى أيضًا في احتفالات موسمية، أما القسم الثاني: فيتعلق بعودة الحياة إلى الأرض وهو يتمثل في أسطورة تعرف باسم: أسطورة الإله المفقود، وهي تتلخص في أن الحياة تتوقف على الأرض بسبب اختفاء إله الخصب ثم البحث عنه، وبإعادته إلى بيته تعود الحياة إلى الأرض، وتمثل الأسطورة إله الخصب على

стр. 235

أنه ابن إله الطقس، وأن هذا الأخير قد افتقده في وليمة دعا إليها إله الشمس العظيم الآلهة الأخرى، ولكن هؤلاء لم يشبعوا ولم يشعروا بالارتواء، فأرسل إله الشمس رسولًا لكي يحضره ولكنه لم يجده، وقد أمر إله الطقس بالذهاب بنفسه للبحث عنه وإحضاره، ولكنه عجز عن ذلك وفشل في إخراج ابنه من مدينته؛ وأخيرًا عاد هذا الإله غاضبًا ثائرًا إلا أن أحد الآلهة هدأه بسلسلة من التعاويذ السحرية حتى عاد إلى مكانه في معبده وأبعد كل ما من شأنه إيقاف الخصب. وإلى جانب هذه الأساطير توجد أساطير أخرى ولكنها من أصل أجنبي غالبًا وتقل أهمية عن تلك التي أشرنا إليها.

стр. 236

الحياة الاقتصادية تتنوع مظاهر البيئة في آسيا الصغرى، فالهضبة الوسطى يصعب الاستقرار فيها إلا في أودية الأنهار، أما على الجبال فالمجال للاستقرار محدود للغاية لخلوها من الأشجار وشدة البرودة وقسوة المناخ فيها، وعلى هذا فإن الموطن الذي استقر فيه الحيثيون كانت تكثر به القنوات والأودية، اعتمد في حياته الاقتصادية على الزراعة قبل كل شيء، ومما يؤيد ذلك أن القوانين الحيثية حفلت بالكثير من المواد المتعلقة بالزراعة وما يرتبط بها؛ غير أن سلاسل الجبال الضخمة سرعان ما ظهرت مواردها وكان غناها بالمعادن سببًا في استغلالها، فالتجار الأشوريون الذين عاشوا في

стр. 237

منطقة "كبدوشيا" كانوا يصدرون النحاس، كما أن الفضة كانت متوفرة إلى درجة سمحت باستخدامها كعملة، ومع أن الحديد كان متوفرًا أيضًا إلا أن العجز عن صهره وتنقيته لم يجعله شائع الاستعمال فكان يستعاض عنه في صناعة الأسلحة بالنحاس والبرونز، ولهذا عد الحديد من المعادن الثمينة، ورغم أن النصوص تشير إلى سيوف وألواح كتابة وتماثيل حديدية؛ إلا أن ما عثر عليه من هذه كان نادرًا، ومن المحتمل أن تلك المصنوعات كانت تقدم كهدايا ملكية ولم يتقنها إلا عدد قليل من الصناع. وكان وجود مثل هذه المعادن سببًا في نشاط التبادل التجاري بين آسيا الصغرى وغيرها من الأقطار؛ فبعض النصوص تشير إلى انتقال التجار الحيثيين إلى خارج بلادهم كما أن بعض المعادن وخاصة النحاس كانت تصدر إلى بلاد النهرين في مقابل المنسوجات والصفيح.

стр. 238

العلوم والفنون مما لا شك فيه أن اللغة الحيثية كانت مثار جدل كثير ولم تعرف صلتها باللغات الهندو أوروبية؛ إلا بعد فترة طويلة من البحث، وقد تبين أنها فعلًا من اللغات الهندو أوروبية بصفة مؤكدة منذ عهد قريب وإن كانت تحتوي على بعض الألفاظ الأجنبية، ويبدو أن هذه اللغة لم تستخدم في المكاتبات الرسمية إلا قليلًا واستخدمت بدلًا منها لغات أخرى، ومع هذا فإن بعض الكتابات وخاصة تلك التي تعرف باسم الهيروغليفية

стр. 239

الحيثية لم يمكن تفسيرها تفسيرًا مرضيًا حتى الآن؛ بل وهناك من الدلائل ما يشير إلى أن أمثال هذه الكتابات كانت عسيرة الفهم بالنسبة للحيثيين أنفسهم؛ حتى إنهم أضافوا بعض الفقرات كترجمة حيثية بين السطور لمساعدة الموظفين على تفهم هذه الكتابات، وبالطبع فإن لغةً هذا شأنها واختلافها الواضح عن لغة الكلام كانت لا تيسر رقي العلوم والمعارف. والظاهر أن قيام الدولة على أساس مجدها العسكري لم يتحِ الفرصة لوجود نهضة أدبية كبيرة؛ فقد عثر على قصص بسيطة بدائية، كما أن بعض الروايات والأساطير والقصص القصيرة أيضًا ترجع إلى أصول بابلية وحورية، ولم يترك الحيثيون -مع الأسف- ما يعطينا فكرة عما توصلوا إلية في المعارف المختلفة كالهندسة والفلك والطب وغيرها. أما في الفنون؛ فإن أقدم ما عثر عليه لا يستحق الذكر وخاصة؛ لأنه من إنتاج مستوطنين يرجح أنهم كانوا قبل مجيء الحيثيين، ولا يمكن أن نعتبر المنتجات الفنية حيثية إلا بابتداء عهد الإمبراطورية تقريبًا؛ ففن النحت لم يبدأ إلا مع الإمبراطورية ومع ذلك فإنه لم ينته بزوالها، ومن المرجح أن الحيثيين تأثروا في بعض أساليبهم الفنية بما كان متبعًا في شمال بلاد النهرين وسوريا. وقد بلغ النقش مرتبة عالية من التطور، ومع هذا فإن الأختام الأسطوانية التي كانت تستخدم في حفر الرسوم على الألواح الطينية كانت من اختراع بلاد النهرين. وعند بداية المملكة الحيثية ظهرت نقوش غائرة على الحجر يصاحبها خط هيروغليفي. ومما يلاحظ أن الفنان كثيرًا ما يلجأ إلى تمثيل الأشخاص متجهين سواء في موكب أو موكبين نحو نقطة واحدة "شكل ٣٤"، وقد اتبع الفنان طريقة الرسم التي

стр. 240

"شكل ٣٤": اتجاه المواكب نحو مركز واحد. كانت سائدة لدى معظم الشعوب البدائية؛ إذ كان يصور الأشخاص بحيث يبدو الجذع من الأمام والرأس والأقدام من الجانب، وربما كان هذا الوضع أيسر طريقة للتعبير عن أقرب الأشكال تمثيلًا لصاحبه -وعند تصوير مجموعة من الاشكال؛ كانت القاعدة التقليدية تظهرهم وكأنهم يسيرون قدمًا إلى الأمام نحو مركز معين- وقد أخطأ الفنان الحيثي كما أخطأ الفنان المصري في تصوير حركة الأشخاص بأن جعل الذراع اليسرى تمتد مع القدم اليسرى في حالة جعل هذه الأخيرة تمتد إلى الأمام تمثيلًا للبدء بها في السير وهو وضع غير طبيعي "لاحظ حركة الأشخاص في السابق" ومن الملاحظ عمومًا أن أشكال الأشخاص والحيوانات والكائنات الأخرى تبدو غالبًا كأنها مضغوطة الأعضاء أو بعبارة أخرى تتميز بالقصر والامتلاء أو عدم التناسق "شكل ٣٥"، وربما يوحي ذلك أن الفنان الحيثي القديم كان خاضعًا لتقاليد لم يستطع التحرر منها، ومن المرجح أن هذه التقاليد ترتبط ببعض النواحي

стр. 241

"شكل ٣٥": موكب يرى فيه أشخاص يغلب عليهم القصر وعدم تناسق الأعضاء. الدينية، ومما يؤيد ذلك أن كثيرًا من الأشكال التي صورها كانت تبين أشكالًا خرافية، ومن هذه تمثال كائن يمثل قرصًا مغطى برسوم هندسية تعلوه رقبة طويلة أو رقبتان أو ثلاثة تنتهي كل منها برأس "شكل ٣٦": تمثال غريب اختصرت رأساه فلا تبدو منهما سوى العينين.

стр. 242

وقد تختزل الرأس فتصبح في هيئة عينين فقط "شكل رقم: ٣٦"، وربما كان الحيثيون يتصورون أن نقوش وتماثيل الكائنات الحقيقية والخرافات التي خلفوها تهيئ لهم تحقيق أغراض سحرية، ومن هذه تماثيل في هيئة أسود وأخرى في هيئة أبي الهول بوجوه آدمية "شكل ٣٧"؛ كذلك منها أشكال مجنحة "شكل ٣٧": تمثال مجنح لأبي الهول. قد يكون لها أكثر من رأس أحيانًا "شكل ٣٨" وبعضها كان يفترض فيها أنها كانت قائمة عند مداخل المعابد أو القصور للحماية والبعض الآخر يفترض أنها تمثل بعض الآلهة.

стр. 243

"شكل ٣٨": نقش حيثي من قرقميش

стр. 244

خامسا: بلاد النهرين مدخل ... خامسًا: بلاد النهرين مع أن بلاد النهرين حظيت باهتمام الأثريين والباحثين منذ فتره طويلة نسبيًّا؛ إلا أن ما كتب عنها حتى عهد قريب لم يخرج عن كتابات بعض الرحالة الذين شاهدوا أطلالها ووصفوها، وقد بدأ بعض هؤلاء الرحالة فضلًا عن ذلك في نسخ بعض الكتابات التي شاهدوها على اللوحات في بعض الأماكن الأثرية، ومن أهم هؤلاء عالم النباتات "ميشو Michaud" الذي زار العراق وفارس في ١٨٧٢م، وحمل معه أثرًا بابليًّا منقوشًا عثر عليه جنوب بغداد حاول بعض الباحثين قراءته دون جدوى، وتوالى بعد ذلك الاهتمام بآثار بلاد النهرين، وبذلت جهود كثيرة في دراسة أماكنها وجمع التحف منها، وقد حاول بعضهم مقارنة ما كتبه هيرودوت وغيره من اليونان بما شاهدوه من أطلال بابل. وفي عام ١٨٢٧م، قام أحد الإنجليز بأول حفائر وعثر على بعض اللوحات الفخارية والأختام الأسطوانية والنقود، وبعدئذٍ تتابعت الجهود ولكنها كانت في أول الأمر لا تتم بطريقة علمية؛ بل كان الهدف منها الحصول على ما يمكن الحصول عليه من آثار وتحف، وكان معظم المنقِّبين من قناصل الدول الأجنبية أو ممثليهم. ومن نهاية القرن التاسع عشر بدأت التنقيبات المنتظمة تأخذ دورها حتى عصرنا الحالي وقد بدأها الألمان في بابل حوالي عام١٨٩٩م، والأمريكيون في نفر "نيبور" حوالي ١٨٨٨م. وحسب ما وصل إلينا من معلومات حتى الآن عن الحضارات

стр. 245

التي انتشرت في العراق تبين لنا أنها في نشأتها تماثل الحضارة المصرية من حيث كونها حضارة زراعية في أساسها؛ غير أننا نلاحظ أنها لم تكن في كل أجزاء بلاد النهرين ذات طابع واحد؛ فقد وجدت اختلافات ميزت بين تلك التي سادت في بقعة عن تلك التي سادت في بقعة أخرى؛ وذلك نظرًا لأن بيئة بلاد النهرين ليست على وتيرة واحدة إذ تختلف في الشمال عنها في الوسط، عنها في الجنوب وهكذا، وبالطبع ما دامت الحضارات تنتج عن تفاعل الإنسان ببيئته كما أشرنا في مقدمة الكتاب؛ فإنه لا بد من حدوث اختلافات بين حضارات هذه الأجزاء المختلفة من بلاد النهرين وإن كانت جميعها تشترك في خصائص عامة، كما أن بعض مظاهرها قد انتقلت من جهة لأخرى وانتشرت فيها. ومع كلٍ يمكننا أن نذكر بأن حضارة بلاد النهرين تمثل حضارة بيئة اتسمت بالعنف في مظاهرها الطبيعية وقد أثر ذلك في كل إنتاجها الحضاري، كما أن فترات النهوض والازدهار فيها لا تدل بالضرورة على وجود وحدة سياسية عامة انضوت تحت لوائها سائر أنحاء بلاد النهرين؛ بل ولا حتى سائر أنحاء قسم من أقسامها الرئيسية؛ ففي أقدم العصور كان الجزء الجنوبي من العراق تسوده حكومات المدن المتنازعة ومع ذلك فقد انتشرت فيها حضارة راقية يكفي للدلالة عليها ما عثر عليه من آثار في مدينة "أور" وغيرها من المدن التي كانت قائمة في عهد السومريين. ولا يمكننا أن نتناول بالتفصيل تلك الحضارات التي نشأت في الأجزاء المختلفة وأن ندرس مقوماتها ومظاهرها، ومع ما أشرنا إليه من انتقال بعض المظاهر من قسم إلى آخر يمكننا مع التجاوز أن نتناول حضارات بلاد النهرين بصورة عامة، وسنكتفي ببيان أهم ما تتميز به في نواحيها المختلفة.

стр. 246

الأسرة كان الأساس في الزواج عند البابليين يقوم على مبدأ الزوجة الواحدة في معظم العصور وإن كان القانون يسمح للزوج أن يتزوج بزوجة أخرى في حالة مرض الزوجة الأولى أو إذا ما ثبت أنها عاقر، ولم يكن ذلك قاصرًا على العهد البابلي فحسب؛ بل هناك من الدلائل ما يشير إلى أنه وجد في العصور السابقة والعهود المتأخرة أيضًا، ولم يكن الزواج يعد صحيحًا أو شرعيًّا إلا إذا ثبت أنه تم بعقد مدون مصدق عليه بالشهود وكذلك الحال بالنسبة للطلاق. وكانت الخطبة تسبق الزواج وعلى الخاطب أن يقدم هدايا لخطيبته وفي حالة وفاته يحق لأحد أقاربه أن يحل محله في الزواج؛ فإذا رفض والد المخطوبة كان عليه أن يعيد لعائلة المتوفى هداياه التي قدمت منه وفي حالة موت المخطوبة كان للخاطب أن يتزوج إحدى أخواتها وإن لم يتم ذلك كان يسترجع هداياه، وبالإضافة إلى ذلك كان على العريس عند الزواج أن يدفع لعائلة العروس مهرًا يصبح ملكًا خاصًّا للزوجة، يرثه أبناؤها كما تقدم عائلة الزوجة مبلغًا آخر يكون ملكًا للزوجة أيضًا؛ ولكنه يحفظ وديعة عند الزوج يجوز له أن يتصرف فيه؛ ولكنه يعيده إليها في حالة الطلاق، كذلك كان هذا المبلغ يورث إلى أبنائها أو أهلها إن لم يكن لها أبناء في حالة وفاتها، وهناك مبلغ ثالث يدفعه الزوج هدية لزوجته وهو هبة أو منحة منه. وكان الزوج صاحب اليد العليا في العائلة ومن حقه أن يطلق زوجته

стр. 247

على أن يدفع لها تعويضًا، أما إذا رفضت المرأة زوجها فكانت تعاقب عقابًا شديدًا يصل إلى الموت أحيانًا، ومن المسلم به أن الزواج لم يكن ليتم إلا برضاء عائلتي الطرفين، وعندما يتم الاتفاق يرسل الخاطب مقدمة المهر إلى والد زوجته المنتظرة ثم يدفع بقية المهر بعد ذلك؛ وإذا عدل الخاطب عن الزواج لا يكون له الحق في استرجاع المهر؛ أما إذا كان الرفض من جانب عائلة الزوجة؛ فعليها أن تعيد جميع ما وصلها من الزوج. ومما يلاحظ أنه بالرغم من حفظ كثير من حقوق المرأة وحريتها وخاصة في الشئون الاقتصادية أي أن الزوج كان يمكنه أن يتصرف حيالها كأنه المتصرف في حياتها؛ إذ كان يمكنه أن يجعل منها رقيقًا بيد دائنه إلى أن يستوفى دينه، كما أنه في حالة ضبطها متلبسة بخيانته يستطيع أن يعفو عنها فيحول دون إعدامها كما ينص القانون على ذلك. وإذا ما تزوج الرجل من أَمَة فإن هذه تصبح حرة بعد أن تنجب أطفالًا كما أن المرأة إذا أصيبت أثناء زواجها بمرض أو عاهة تعوقها عن أداء واجباتها؛ فإن الزوج لا يحق له أن يطلقها ولكن يترك لها الخيار في البقاء في بيت الزوج أو أن تعود إلى بيت ذويها وتسترجع ما أحضرته من أموال عند الزواج، كما أن الزوج كان يستطيع الزواج من زوجة أخرى، ومن جهة أخرى كان من حق الزوج أحيانًا أن يطلق زوجته دون أن تقترف إثمًا وفي هذه الحالة تسترجع الزوجة كل أموالها كما يحكم لها بالانتفاع ببعض ممتلكات زوجها ويضم إليها أولادها أيضًا. وقد نصت القوانين البابلية على كثير من شئون الأحوال الشخصية

стр. 248

ومنها يتضح أن مبادئ تدعيم الأسرة وحفظ حق الأبناء في أن ينشئوا في أسر مستقرة وكفالة حقوقهم في الميراث والهبات وغيرها قد بلغت مرتبة عالية من التنظيم، كما أن أبناء الإماء والأبناء بالتبني قد تمتعوا بحقوق، وإن لم تصل إلى درجة حقوق الأبناء الشرعيين، كانت تكفل لهم حياة لا بأس بها؛ ولكن القانون كان من جهة أخرى قاسيًا في عقوبة أبناء التبني الذين يستنكرون لمن يتبناهم. ومن الغريب أن نجد أن بعض النساء كن يكرسن أنفسهن للدعارة في المعابد. والظاهر أن هذه الطائفة وجدت منذ أقدم العصور وكانت تعتبر من الكاهنات ولكل منهن حقوق شرعية في أموال أبيها وفي استطاعتهن أن يتزوجن شرعًا ولهن حق التصرف في أملاكهن، وربما كانت وجهة نظر البابليين بصدد هذه العادة أن المرأة كانت تتعبد إلى الآلهة بتقديم جسدها كتضحية حقيقية من جانبها. وكان شأن الزواج في أشور شأنه في بابل يقتصر في العادة على زوجة واحدة؛ ولكن يلاحظ أن الرابطة العائلية كانت أقل تماسكًا، ومع هذا فإن الفتاة تصبح مرتبطة ببيت حميها منذ إتمام الخطبة، وكان الزواج يتم أحيانًا بالشراء، وفيما عدا هذا نجد تشابهًا كبيرًا بين القوانين الأشورية وبين القوانين البابلية المتعلقة بالأحوال الشخصية، وكانت الأسرة كما هو الحال في بابل تحت ولاية وسلطة الأب أو أكبر الأبناء.

стр. 249

الملك من المرجح أن بلاد النهرين انتظمت في وحدات سياسية صغيرة منذ عصور سحيقة كانت كل منها تتمثل في مدينة من المدن تحيط بها ممتلكاتها الخاصة من المساحات الزراعية وغير الزراعية، وكان حكام هذه الدويلات يلقبون أنفسهم بلقب يعني "وكيل الإله" مما يشير إلى أن سلطة الحاكم كانت مستمدة من سلطة إله المدينة أو أنه يعتبر ممثلًا لهذا الإله؛ حيث يبدو أن المعابد كانت أهم المباني التي وجدت في العصور قبل التاريخية، وربما كانت حينئذ تمثل المراكز التي تدور حولها الحياة الاجتماعية في تلك المدن وربما كان كهنتها كذلك هم الذين يقومون بالإدارة في مثل هذه المجتمعات ومما يؤيد هذا أن الملوك في العصور التاريخية كانوا يعتبرون كهنة الآلهة الرئيسية ونوابها في حكم البشر. وقد ظل نفوذ رجال الدين سائدًا إلى أن أخذت هذه المدن أو المجتمعات تتصارع فيما بينها حتى ظهر فيها أفراد يمتازون بالقوة والدراية في الشئون الحربية فاكتسب هؤلاء صفات الزعامة وتولوا الحكم؛ وبالتالي أصبحت لهم الزعامة الدينية أيضًا وصار كل منهم كاهنًا أعلى لإله مدينته وأصبح رأس الدولة وصاحب السلطان المطلق فيها، ومع هذا يبدو أنهم لم يصلوا إلى هذه المكانة تلقائيًّا؛ إذ كانت كل مدينة تختار زعيمها وكان ذلك يتطلب وجود مندوبين عن المدينة في عملية هذا الاختيار، ولا شك أن المسنين والأعيان والرجال القادرين على حمل السلاح كانت لهم كلمتهم المسموعة في هذا الشأن فأصبح هؤلاء يشكلون مجلسين أحدهما من الشيوخ والأعيان والآخر

стр. 250

من رجال الحرب، ثم تطور اختصاص هذين المجلسين فأصبحا يهيمنان على كل الشئون المهمة في الدولة؛ بل وكان من حقها التحكم في انتخاب الملك، وعلى هذا يمكن اعتبار أن نظام الحكم في هذه المرحلة كان ديموقراطيًّا. وما أن أخذت هذه الدويلات في الاتحاد تحت سلطان واحد حتى أصبح هذا النظام غير عملي للبت في الأمور وحسمها؛ فتركزت السلطات جميعها بأيدي الملوك ومعاونيهم، أو بمعنى آخر بيد الملك وحكومته، أي أصبح نظامًا أوتوقراطيا، وقد استند هؤلاء إلى الحق الإلهي للملك؛ إذ تشير الأساطير إلى أن شارات الملك كانت في السماء عند الإله "آنو" قبل أن تبدأ الملكية في الأرض، ثم هبطت الملكية وشارات الملك من السماء إلى الأرض، وانتخبت الآلهة حكام البشر؛ وعلى هذا أصبح لهؤلاء مكانة مقدسة؛ بل ربما اتخذوا صفات الآلهة نفسها ولكنهم لم يعبدوا كآلهة حقيقيين أثناء حياتهم وإنما عبدوا بعد وفاتهم. وكان على الملوك بصفتهم مفوضين من الآلهة في حكم الناس أعباءُ كثيرة؛ إذ كان عليهم حماية الناس والبلاد وقيادة الجيش ونشر العدل وتوفير أسباب الرفاهية لرعاياهم بإقامة المشاريع العامة كما أنهم كانوا يقيمون المعابد لآلهتهم "شكل ٣٩"، ويحيون الشعائر فيها؛ ومع هذا لم تحل قدسيتهم دون الاعتداء عليهم والثورة ضدهم واغتصاب عروشهم. وكان البلاط يسير على قواعد صارمة حيث يحظى بشرف المثول بين يدي الملك رجال الدولة على حسب مناصبهم ومراكزهم، وكان هؤلاء جميعًا يتخلون عن ألقابهم ومناصبهم وأوسمتهم عند اعتلاء ملك جديد
следующие страницы →