الأسرة
كان الأساس في الزواج عند البابليين يقوم على مبدأ الزوجة الواحدة في معظم العصور وإن كان القانون يسمح للزوج أن يتزوج بزوجة أخرى في حالة مرض الزوجة الأولى أو إذا ما ثبت أنها عاقر، ولم يكن ذلك قاصرًا على العهد البابلي فحسب؛ بل هناك من الدلائل ما يشير إلى أنه وجد في العصور السابقة والعهود المتأخرة أيضًا، ولم يكن الزواج يعد صحيحًا أو شرعيًّا إلا إذا ثبت أنه تم بعقد مدون مصدق عليه بالشهود وكذلك الحال بالنسبة للطلاق.
وكانت الخطبة تسبق الزواج وعلى الخاطب أن يقدم هدايا لخطيبته وفي حالة وفاته يحق لأحد أقاربه أن يحل محله في الزواج؛ فإذا رفض والد المخطوبة كان عليه أن يعيد لعائلة المتوفى هداياه التي قدمت منه وفي حالة موت المخطوبة كان للخاطب أن يتزوج إحدى أخواتها وإن لم يتم ذلك كان يسترجع هداياه، وبالإضافة إلى ذلك كان على العريس عند الزواج أن يدفع لعائلة العروس مهرًا يصبح ملكًا خاصًّا للزوجة، يرثه أبناؤها كما تقدم عائلة الزوجة مبلغًا آخر يكون ملكًا للزوجة أيضًا؛ ولكنه يحفظ وديعة عند الزوج يجوز له أن يتصرف فيه؛ ولكنه يعيده إليها في حالة الطلاق، كذلك كان هذا المبلغ يورث إلى أبنائها أو أهلها إن لم يكن لها أبناء في حالة وفاتها، وهناك مبلغ ثالث يدفعه الزوج هدية لزوجته وهو هبة أو منحة منه.
وكان الزوج صاحب اليد العليا في العائلة ومن حقه أن يطلق زوجته
стр. 247
على أن يدفع لها تعويضًا، أما إذا رفضت المرأة زوجها فكانت تعاقب عقابًا شديدًا يصل إلى الموت أحيانًا، ومن المسلم به أن الزواج لم يكن ليتم إلا برضاء عائلتي الطرفين، وعندما يتم الاتفاق يرسل الخاطب مقدمة المهر إلى والد زوجته المنتظرة ثم يدفع بقية المهر بعد ذلك؛ وإذا عدل الخاطب عن الزواج لا يكون له الحق في استرجاع المهر؛ أما إذا كان الرفض من جانب عائلة الزوجة؛ فعليها أن تعيد جميع ما وصلها من الزوج.
ومما يلاحظ أنه بالرغم من حفظ كثير من حقوق المرأة وحريتها وخاصة في الشئون الاقتصادية أي أن الزوج كان يمكنه أن يتصرف حيالها كأنه المتصرف في حياتها؛ إذ كان يمكنه أن يجعل منها رقيقًا بيد دائنه إلى أن يستوفى دينه، كما أنه في حالة ضبطها متلبسة بخيانته يستطيع أن يعفو عنها فيحول دون إعدامها كما ينص القانون على ذلك.
وإذا ما تزوج الرجل من أَمَة فإن هذه تصبح حرة بعد أن تنجب أطفالًا كما أن المرأة إذا أصيبت أثناء زواجها بمرض أو عاهة تعوقها عن أداء واجباتها؛ فإن الزوج لا يحق له أن يطلقها ولكن يترك لها الخيار في البقاء في بيت الزوج أو أن تعود إلى بيت ذويها وتسترجع ما أحضرته من أموال عند الزواج، كما أن الزوج كان يستطيع الزواج من زوجة أخرى، ومن جهة أخرى كان من حق الزوج أحيانًا أن يطلق زوجته دون أن تقترف إثمًا وفي هذه الحالة تسترجع الزوجة كل أموالها كما يحكم لها بالانتفاع ببعض ممتلكات زوجها ويضم إليها أولادها أيضًا.
وقد نصت القوانين البابلية على كثير من شئون الأحوال الشخصية
стр. 248
ومنها يتضح أن مبادئ تدعيم الأسرة وحفظ حق الأبناء في أن ينشئوا في أسر مستقرة وكفالة حقوقهم في الميراث والهبات وغيرها قد بلغت مرتبة عالية من التنظيم، كما أن أبناء الإماء والأبناء بالتبني قد تمتعوا بحقوق، وإن لم تصل إلى درجة حقوق الأبناء الشرعيين، كانت تكفل لهم حياة لا بأس بها؛ ولكن القانون كان من جهة أخرى قاسيًا في عقوبة أبناء التبني الذين يستنكرون لمن يتبناهم.
ومن الغريب أن نجد أن بعض النساء كن يكرسن أنفسهن للدعارة في المعابد. والظاهر أن هذه الطائفة وجدت منذ أقدم العصور وكانت تعتبر من الكاهنات ولكل منهن حقوق شرعية في أموال أبيها وفي استطاعتهن أن يتزوجن شرعًا ولهن حق التصرف في أملاكهن، وربما كانت وجهة نظر البابليين بصدد هذه العادة أن المرأة كانت تتعبد إلى الآلهة بتقديم جسدها كتضحية حقيقية من جانبها.
وكان شأن الزواج في أشور شأنه في بابل يقتصر في العادة على زوجة واحدة؛ ولكن يلاحظ أن الرابطة العائلية كانت أقل تماسكًا، ومع هذا فإن الفتاة تصبح مرتبطة ببيت حميها منذ إتمام الخطبة، وكان الزواج يتم أحيانًا بالشراء، وفيما عدا هذا نجد تشابهًا كبيرًا بين القوانين الأشورية وبين القوانين البابلية المتعلقة بالأحوال الشخصية، وكانت الأسرة كما هو الحال في بابل تحت ولاية وسلطة الأب أو أكبر الأبناء.
стр. 249
الملك
من المرجح أن بلاد النهرين انتظمت في وحدات سياسية صغيرة منذ عصور سحيقة كانت كل منها تتمثل في مدينة من المدن تحيط بها ممتلكاتها الخاصة من المساحات الزراعية وغير الزراعية، وكان حكام هذه الدويلات يلقبون أنفسهم بلقب يعني "وكيل الإله" مما يشير إلى أن سلطة الحاكم كانت مستمدة من سلطة إله المدينة أو أنه يعتبر ممثلًا لهذا الإله؛ حيث يبدو أن المعابد كانت أهم المباني التي وجدت في العصور قبل التاريخية، وربما كانت حينئذ تمثل المراكز التي تدور حولها الحياة الاجتماعية في تلك المدن وربما كان كهنتها كذلك هم الذين يقومون بالإدارة في مثل هذه المجتمعات ومما يؤيد هذا أن الملوك في العصور التاريخية كانوا يعتبرون كهنة الآلهة الرئيسية ونوابها في حكم البشر. وقد ظل نفوذ رجال الدين سائدًا إلى أن أخذت هذه المدن أو المجتمعات تتصارع فيما بينها حتى ظهر فيها أفراد يمتازون بالقوة والدراية في الشئون الحربية فاكتسب هؤلاء صفات الزعامة وتولوا الحكم؛ وبالتالي أصبحت لهم الزعامة الدينية أيضًا وصار كل منهم كاهنًا أعلى لإله مدينته وأصبح رأس الدولة وصاحب السلطان المطلق فيها، ومع هذا يبدو أنهم لم يصلوا إلى هذه المكانة تلقائيًّا؛ إذ كانت كل مدينة تختار زعيمها وكان ذلك يتطلب وجود مندوبين عن المدينة في عملية هذا الاختيار، ولا شك أن المسنين والأعيان والرجال القادرين على حمل السلاح كانت لهم كلمتهم المسموعة في هذا الشأن فأصبح هؤلاء يشكلون مجلسين أحدهما من الشيوخ والأعيان والآخر
стр. 250
من رجال الحرب، ثم تطور اختصاص هذين المجلسين فأصبحا يهيمنان على كل الشئون المهمة في الدولة؛ بل وكان من حقها التحكم في انتخاب الملك، وعلى هذا يمكن اعتبار أن نظام الحكم في هذه المرحلة كان ديموقراطيًّا.
وما أن أخذت هذه الدويلات في الاتحاد تحت سلطان واحد حتى أصبح هذا النظام غير عملي للبت في الأمور وحسمها؛ فتركزت السلطات جميعها بأيدي الملوك ومعاونيهم، أو بمعنى آخر بيد الملك وحكومته، أي أصبح نظامًا أوتوقراطيا، وقد استند هؤلاء إلى الحق الإلهي للملك؛ إذ تشير الأساطير إلى أن شارات الملك كانت في السماء عند الإله "آنو" قبل أن تبدأ الملكية في الأرض، ثم هبطت الملكية وشارات الملك من السماء إلى الأرض، وانتخبت الآلهة حكام البشر؛ وعلى هذا أصبح لهؤلاء مكانة مقدسة؛ بل ربما اتخذوا صفات الآلهة نفسها ولكنهم لم يعبدوا كآلهة حقيقيين أثناء حياتهم وإنما عبدوا بعد وفاتهم.
وكان على الملوك بصفتهم مفوضين من الآلهة في حكم الناس أعباءُ كثيرة؛ إذ كان عليهم حماية الناس والبلاد وقيادة الجيش ونشر العدل وتوفير أسباب الرفاهية لرعاياهم بإقامة المشاريع العامة كما أنهم كانوا يقيمون المعابد لآلهتهم "شكل ٣٩"، ويحيون الشعائر فيها؛ ومع هذا لم تحل قدسيتهم دون الاعتداء عليهم والثورة ضدهم واغتصاب عروشهم.
وكان البلاط يسير على قواعد صارمة حيث يحظى بشرف المثول بين يدي الملك رجال الدولة على حسب مناصبهم ومراكزهم، وكان هؤلاء جميعًا يتخلون عن ألقابهم ومناصبهم وأوسمتهم عند اعتلاء ملك جديد
стр. 251
"شكل ٣٩": الملك أورنمو يحمل سلة البناء لإقامة المعبد.
على العرش ولا يحق لهم استعادتها إلا بعد أن يأذن لهم هذا الملك بذلك.
وكان بلاط الملك بالطبع يضم الزوجة التي كانت تشترك في تصريف شئون الدولة ولها قصرها الخاص وأملاكها التي تديرها بنفسها كما كان لأولادهما بيتهم الذي يختص بخدمه وسقاته وزرَّاعه ونسَّاجه وغير ذلك من أصحاب الحرف المختلفة، وكان أهم موظفي البلاط ناظر القصر وأمين خزانة الملك، وإلى جانب هذين يوجد عدد من الكهنة والموظفين
стр. 252
والحرفيين الذين يقومون بالأعمال المختلفة، وقد أحاط ملوك الأشوريين أنفسهم بحاشية ضخمة من الأخصاء والمقربين كحامل الْخِتم وأمين القصر ورئيس الحرس وحامل السيف ومدير الموسيقى ورئيس النساجين وغيرهم؛ فضلًا عن عدد كبير من الكتبة ورؤساء الكتبة، كذلك كان لكل من الملكة الوالدة والملكة وولي العهد هيئة من الموظفين على نسق حاشية الملك؛ ولكنها أصغر منها كثيرًا بالطبع.
стр. 253
المنازل
كانت المساكن في أول أمرها عبارة عن أكواخ من البوص الذي كان متوافرًا كما هو الحال في المناطق الجنوبية من العراق الآن، وكانت سيقانها تربط في حزم وتثنى بحيث يصبح شكل السقف مقوسًا "شكل ٤٠"، وكانت هذه المنازل تغطى بطبقة من الطين، وبعدئذ استخدم اللَّبِن في بناء منازل صغيرة الحجم سقوفها من البوص المغطى بالطين وقد يدعم هذه ركائز أو تعريشات من أخشاب النخيل، وبعد ذلك عرف الآجر؛ ولكنه لم يتخذ شكلًا موحدًا؛ بل كان مختلف الأحجام والأشكال؛ فمنه المستطيل والمربع والمقوس والمثلث الأركان، ولم يستعمل الحجر إلا في إطارات الأبواب في المعابد والمنشآت العامة ثم استخدم بعد ذلك على نطاق أوسع في عصور متأخرة، كما أن القاشاني الذي عرف أيام الأشوريين وشاع استعماله بعد ذلك، استخدم في تكسية جدران القصور.
стр. 254
"شكل ٤٠": منزل من منازل جنوب العراق.
ومن المعتاد أن المباني كانت تبنى فوق مرتفع يعد لها حتى تكون بمنأىً عن الفيضان، وهذا المرتفع كان عبارة عن أربعة جدران غالبًا ما تكون من الآجر يملأ ما بينها الرديم وتتخلله ميازيب لتصريف المياه، وكان من النادر أن تبنى فوق الدور الأرضي غرف علوية وكانت البيوت متجاورة لا تترك بينها ممرات أو حارات؛ ومع هذا كانت المدن تخضع لتصميم معين يحدد شوارعها الطولية والعرضية. وبالرغم من عدم العثور على سقوف للمباني التي كشف عنها؛ إلا أنه لا بد وأنها كانت من أفلاق النخيل أو جذوع الأرز التي يؤتى بها من لبنان، وكان
стр. 255
من النادر وجود نوافذ بالمنازل غير الأبواب سوى بعض الفتحات الصغيرة في أعلى الجدران.
وفي أشور لم تكن المرتفعات التي تعد لإقامة المباني عليها ضرورية لأن البيئة هنا غير معرضة لخطر الفيضان كما هو الحال في الجنوب، ومع ذلك كانت تستخدم لكي تزيد من روعة المبنى، وكان اللَّبِن يستعمل في بناء الجدران قبل أن يجفَّ حتى تتماسك طبقاته دون استعمال المونة، أما بالنسبة للقباب؛ فإن اللَّبِن تام الجفاف كان يستعمل في بنائها وكانت الفجوات فيها تملأ بالطين.
والتصميم العام للمنازل كان لا يخرج عن فناء أو ساحة مكشوفة يحيط بها عدد من الحجرات تستمد الضوء والهواء منها كما كان يستعان في تهوية هذه الحجرات، كذلك بآنابيب فخارية مثقوبة، وكانت جدران البيوت تطلى عادة من الخارج والداخل.
وقد عثر على نماذج مختلفة لأثاث المنازل وخاصة من الأواني الفخارية والمعدنية والمسارج، وتذكر النصوص كثيرًا من أنواع الأسِرَّة والكراسي وآلات الموسيقى وغيرها، وفي عصر الأشوريين خاصة ازدادت فخامة الأثاث وتنوعت أشكاله، وكثيرًا ما كان يصنع من أخشاب ثمينة كما كان يحلى بمنحوتات تمثل كائنات مختلفة.
стр. 256
الْمَلْبَس والزينة
يبدو أن أول زي عرفه السومريون والأكديون كان يشبه إلى حد بعيد ما ساد في مصر في أقدم العصور؛ إذ إنه كان عبارة عن نقبة من لون واحد تمتد إلى الركبتين؛ ولكنها كانت تحلى بخيوط أو شبكة تنتهي بأهداب في صفوف منتظمة، وهذا الزي هو الذي يظهر به الآلهة والملوك في أقدم النقوش والتماثيل "شكل ٤١"، وقد ظل الأفراد
"شكل ٤١": نقبة يلبسها الرجال وتنتهي بصفوف منظمة من الأهداب
стр. 257
العاديون يستعملون زيًّا مماثلًا له وإن كان أبسط منه، وهو أيضًا من لون واحد وله أهداب عادة.
وقد أضيفت إلى هذه النقبة قطعة أخرى حول الكتف اليسرى، وبمرور الزمن زاد حجم النقبة حتى أصبحت تصل إلى قرب القدمين وتجمع بين النقبة والقطعة التي تغطي الكتف اليسرى القديمتين؛ إذ إنها كانت تمتد إلى أعلى بحيث تربط تحت الإبطين وتدور حول الذراع اليسرى؛ بينما تظل الذراع اليمنى عارية "شكل ٤٢". وقد أضيف إلى هذا الزي شال "ملفعة" مزركشة أو منسوجة بألوان متعددة متناسقة ثم أخذت تظهر فيها زخارف متأثرة بالفن الحيثي وهذه تمثل الزهور والأشجار والحيوانات والمردة وغيرها، وكانت تلك الملفعة تثبت بحزام أو خيوط مجدولة وحمالة ولها أهداب في نواحيها الأربعة، وقد تختلف أشكالها تبعًا لاختلاف مكانة صاحبها.
أما غطاء الرأس فلا يظهر إلا في نقوش الآلهة والملوك؛ حيث كان الآلهة يميزون بقلنسوة مزينة بقرون تتقابل أطرافها الأمامية كل اثنين معًا "شكل ٤٣"، كما أنهم كانوا يميزون أحيانًا برموز أخرى كالأسلحة التي يمسكون بها أو برموز أخرى، أما الملوك فقد يلبسون تاجًا أو عمامة، وهذا التاج كان على شكل قمع مخروطي أضاف إليه الآشوريون سن مدبب كما كان يحيط به إكليل مدبب أعلاه أحيانًا "شكل ٤٤"، وقد يظهر الملوك أحيانًا عراة الرءوس حيث تكون حليقة غالبًا وأحيانًا يكون الشعر طويلًا معقودًا على القفا، ولم يستعمل عامة الناس غطاء للرأس عادة؛ ولكنهم كانوا يربطون شعرهم أحيانًا بعصابة بينما
стр. 258
"شكل ٤٢": تمثال يرى فيه الزي السابغ الذى يكشف أحد الذراعين.
يستعمل الكهنة شعرًا مستعارًا يثبته إكليل، أما النساء فكانت عنايتهن بشعورهن ملحوظة حيث يصففنها في أشكال مختلفة ويربطونها بشرائط وشباك كما يستعملن عصابة ذات أهداب أيضًا.
وكان الرجال والنساء يضعون عقودًا أو تمائم حول رقابهم من
стр. 259
"شكل ٤٣": حمورابي أمام الإله الذي يلبس تاجًا به قرون يتلاقى كل اثنين منهما معًا.
الأصداف أو الأحجار شبه الكريمة، وفي عصر الأشوريين انتشر استعمال الذهب والنحاس المذهب وكانت الخرزات كبيرة الحجم نسبيًّا وهي إما بيضيَّة أو أسطوانية الشكل تصنع أحيانًا من رقائق الذهب وتحليها بعض الزخارف وأحيانًا أخرى تصنع من أحجار ثمينة أو من البلور الصخري التي تحليها حلقات أو خيوط من الذهب "شكل ٤٥"؛
كذلك استعمل أهل بلاد النهرين الخواتم والحلقان والأساور التي تلبس حول المعصم أو في أعلى الساعد، هذه الأخيرة كانت غالبًا
стр. 260
"شكل ٤٤": شلنصر الثالث يصافح ملك بابل وهو يلبس تاجًا مخروطيًّا يعلوه سن مدبب.
مفتوحة وثقيلة ينتهي كل من طرفيها بشكل رأس حيوان، وهذه كانت تصنع غالبًا من البرونز، وكان عامة الشعب بالطبع يكتفون بعقود
"شكل ٤٥": عقود من الذهب.
стр. 261
وأساور تصنع غالبًا من موادَّ أقل قيمة؛ ولكنهم اجتهدوا في أن يجعلوا منها محاكاة لنظائرها الثمينة، هذا وقد استعمل أهل بلاد النهرين الزيوت والدهون العطرية بصفة دائمة.
стр. 262
الإدارة
أشرنا فيما سبق إلى أن الملكية في دولة المدينة -كما تتمثل في أقدم عصور بلاد النهرين- كانت تسير وفق نظام ديموقراطي، ثم أصبحت -بعد أن تطورت هذه إلى دولة الملكية- تسير وفق نظام أوتوقراطي "انظر أعلاه ص: ٢٠٠"؛ فصارت السلطات جميعها بيد الملك وحكومته استنادًا إلى ما أشارت إليه الأساطير من حق إلهي للملوك والحكام، ولا يسري هذا بالطبع؛ إلا على من يتولى الحكم فلا تشير هذه الأساطير إلى ألوهية الملوك والحكام بخلاف ما اصطلح عليه المصريون من أن فراعنتهم كانوا من نسل الآلهة أو من الآلهة نفسها؛ غير أننا نلاحظ بأن التعاليم الدينية في بلاد النهرين كانت توحي بأن الآلهة هي التي تنتخب الحكام الذين يمثلون وكلاءهم في الأرض، وقد تطور الحال بعد ذلك فأصبح هؤلاء يتمتعون بقدسية جعلتهم ينتحلون بعض صفات الآلهة نفسها، وسبقوا أسماءهم بعلامة التأليه؛ ولكنهم لم يصلوا إلى مرتبة الآلهة الحقيقيين.
ومع أن بعض الملوك ادعوا أنهم أبناء بالتبني للآلهة؛ فإن كل ملك جديد يدعي أن الآلهة قد اختارته لكي يكون ملكًا على البلاد١. وكان على الملك
стр. 263
بصفته مفوضًا من الآلهة واجباتٌ متعددة، ولذا كان بالطبع يحتاج إلى جمهور كبير من المعاونين؛ إذ كان له جملة وزراء يرأسهم وزير وهذا الرئيس يختص غالبًا بشئون السياسة الخارجية، ومن أخطر الوزراء منصبًا وزير المالية؛ إذ إنه كان مسئولًا عن الشئون الاقتصادية المختلفة، ويلي هؤلاء الوزراء أهمية قواد الجيش الذين علت مكانتهم بعد أن زادت جيوش الملوك قوة وعددًا.
وكان الملك يعين حكامًا وولاة للأقاليم، وكان هؤلاء في أقدم العصور أشبه بأمراء الإقطاع؛ إذ كانوا يرثون مناصبهم؛ ولكن زال عنهم هذا الحق فيما بعد حيث أصبح الحكم المركزي قويًّا، كما أن الملوك كانوا يعينون قضاة مدنيين بدرجات متفاوتة إلى جانب قيام الكهنة بتطبيق أحكام الشرائع وتفسير نصوصها في المعابد.
ويمكننا أن نعتبر طائفة من موظفي الخاصة أو البلاط كموظفين عموميين في نفس الوقت؛ حيث كان هؤلاء يقومون بمهام رسمية إلى جانب مراكزهم في البلاط، ومن هؤلاء مندوبون للملك يرسلهم كسفراء خصوصيين ليمثلوه لدى الدول الأجنبية ويصحبهم عادة مترجمون وكتبة وقضاة.
ومع وجود هذه الطوائف من الموظفين كان نشاط الملوك في الاضطلاع بمهام الدولة المختلفة غير محدود ونتبين في آثارهم مدى تنوع الأعمال التي قاموا بها كما نتبين مدى وقوفهم على مختلف شئون الدولة حتى في بعض الأمور التافهة؛ فكثيرًا مانجد أنهم كانوا ينظرون في بعض شكاوى الأفراد ويعيدون الدعاوى إلى المحاكم لإعادة النظر فيها استيفاءً لبعض الأصول المتبعة، كذلك كانت بعض القضايا لا يبت فيها إلا بقرار من
стр. 264
الملك شخصيًّا، وكان على الملوك أيضًا أن يقوموا بمشروعات عمرانية مختلفة مثل تطهير الأنهار وشق القنوات وبناء المعابد، وهم الذين يفسرون ما تريده الآلهة وفي نفس الوقت يمثلون الرعية لدى الآلهة وهم الذين يرأسون الطائفة الدينية ويعينون رؤساء الكهنة، وإلى جانب هؤلاء الأخيرين كانوا يعينون بعض الكهنة والعرافين الذين كانوا يرسلون إلى جهات مختلفة لرصد النجوم ويرسلون إلى الملك بتقاريرهم.
стр. 265
العَسْكَرِيَّةُ
تدل النقوش الأثرية من مختلف العصور على أن الملوك كانوا دائمًا على رأس جيوشهم، وهذه الجيوش لم تبدأ كهيئات نظامية في أغلب الظن؛ إلا من أواخر العصور التاريخية؛ إذ ربما كانت حاجة المدن إلى الدفاع عن نفسها هي التي أدت إلى ظهور الجيوش المدربة المستديمة، وكانت الخدمة العسكرية تعتبر خدمة الملك، فكانت بعض الأراضي تخصص للداخلين فيها؛ ولكن مع جواز إعطاء الأراضي إلى الأبناء -على شرط القيام بخدمة الملك- فإن مثل هذه الأراضي لم يكن من الجائز بيعها أو رهنها، والظاهر أن ضباط الجيش كانوا يعتبرون من ضرورات الأمن في المدينة؛ حيث كان المعبد يقوم بدفع الفدية عنهم في حالة أسرهم إذا لم يتمكنوا من دفعها بأنفسهم بل كانت المدينة كذلك ملزمة بدفعها إذا لم يوجد في المعبد المال اللازم لذلك.
وكان الملك يسير إلى الحرب على رأس جيشه ويلبس خوذة شبه مخروطية يتدلى منها ما يستر العنق من الخلف ويتسلح بحربة وسلاح آخر
стр. 266
عبارة عن مقبض خشبي ربط إليه نصل مقوس بسيور من الجلد أو حلقات، ومن الأسلحة التي شاع استخدامها منذ أقدم العصور فأس القتال، وتبين لنا أقدم النقوش أن الجيش ينقسم إلى فريقين من المحاربين: أحدهما مسلح بأسلحة ثقيلة يحمل أفرادها حِرابًا كبيرة ويقبض كل منهم حربته بكلتا يديه، وهؤلاء يتقدمهم صف من حملة الدروع، والثاني: مسلح بأسلحة خفيفة عبارة عن فأس ورمح، ويبدو أن مهمة الفريق الأول هي الهجوم عند الالتحام مع الأعداء أما مهمة الفريق الثاني فكانت المطاردة.
وفي العصر البابلي القديم كان الملوك يتسلحون ببلطة سلاحها ضيق وقوس مزدوج وسهام، أما قواده فقد يتسلح الواحد منهم بحربة وبلطة ذات نصل محدب أو بلطة فقط بينما يحمل فريق المحاربين حرابًا أو قسيًّا أبسط من قوس الملك، أو أن يحمل الواحد منهم بلطة وحربة أو بلطة وعلم، ويغلب على الظن أن الخوذات التي كان يلبسها الجنود كانت تصنع من الجلد أو البرونز، أما الجعاب فكانت تصنع من الجلد والصوف.
وقد وجدت عربات حربية تجرها الحمير والخيول الوحشية، ولم تستعمل الخيول المستأنسة؛ إلا من عصر متأخر نسبيًّا، وكانت هذه العربات ثقيلة عجلاتها صماء، ولم تظهر العجلات الخفيفة إلا في حوالي الألف الثاني ق. م.
وكان رؤساء الجيش إلى جانب قيادتهم للجند مسئولين عن الإشراف على السخرة التي تتطلبها المشاريع العامة، ويبدو أن طائفة من الناس كانوا ملزمين بمثل هذه الأعمال وبالخدمة العسكرية الإجبارية، وكان لهؤلاء قوادهم ورؤساؤهم. ولا يستطيع أحد الملزمين التهرب من أداء الالتزام "خدمة الملك" وإن كان الأمر قد تطور فيما بعد فأصبح في الإمكان أن يحصل على الإعفاء في نظير دفع ضريبة سنوية.
стр. 267
المرجح أن طائفتين من القواد أو المشرفين كان أفرادها يكلفون باستدعاء الرجال للخدمة؛ فبعضهم يختص بجمع المجندين لوظائف الجيش، والبعض الآخر كانوا مكلفين بأعمال البوليس، ويمنح المكلفون للجيش أملاكًا من أموال الدولة في هيئة معاش مدى الحياة كما أن المكلفين بأعمال البوليس كانت لهم امتيازات شخصية وامتيازات بالنسبة لأملاكهم لا يمكن للحاكم أن يتعرض لهم؛ وإلا كان مصيره الإعدام، وإذا ما تغيب أحد هؤلاء المكلفين سواء من الجيش أو البوليس فإن أبناءه يديرون أملاكه، وإذا كان هؤلاء صغارًا فإن الزوجة تدير هذه الأملاك في نظير ثلث الإيراد، ومن جهة أخرى كان من الواجب أن تحفظ هذه الأملاك في حالة جيدة وإن تعمد مالكها -الذي منحت له في نظير التكليف- إهمالها أو احتلها آخر لمدى ثلاث سنوات فلا يجوز إعادة تملكه لها ويصبح واضع اليد عليها هو المنتفع الشرعي.
وكان ملوك أشور قواد حرب أكثر منهم رجال دولة؛ ولكنهم كانوا لا يخرجون في حملاتهم دون استشارة الآلهة عن طريق العرافين والمنجمين وبعد أن يتلقوا تقارير عن الجهات التي يزمعون مهاجمتها ومدى النجاح المتوقع لحملاتهم، كما أنهم كثيرًا ما قاموا بحملاتهم بناء على أمر إلهي يتراءى لهم في أحلامهم، وحينما لا يكون الملك على رأس جيشه كان أكبر موظفي البلاط هو الذي ينوب عنه في قيادة الجيش.
ومن الملاحظ أن الجيوش الأشورية أدخلت نظام الفرسان الذين كانوا يركبون الخيل دون سرج في أول الأمر ويصحب كل منهم خادم راكب أيضًا ثم تقدمت الفروسية فوضعت السروج فوق الخيل واستغنى
стр. 268
عن الخدم، وفضلًا عن ذلك وجدت عربات حربية يجر كل منها زوج من الخيل ويركبها ثلاثة رجال -كالعربات الحيثية- أحدهم للقيادة والثاني مسلح بحربة أو قوس والثالث يحميها بدرع، أما مشاة الجيش؛ فمنهم من يتسلح بالأقواس ومنهم من يحمل الرماح والدروع ويلبسون خوذات مخروطية ذات زوائد جانبية لحماية الأذنين، كما أنهم يتدثرون بزرد يغطي الصدر والجزء العلوي من الساعدين ويلبسون أحذية طويلة، وكل منهم مزود بسيف قصير لاستخدامه عند الالتحام مع العدو عن قرب، وإلى جانب هؤلاء كان الجيش يضم عمالًا من الجنود يحمل كل منهم بلطة ومعول لكي يقوموا بعمليات الهدم.
هذا ويلاحظ أن بعض النقوش المتعلقة بحصار بعض المدن تبين أن الأشوريين استخدموا آلات للهدم تحميها سقوف من أغصان متشابكة كما استعملوا أبراج عالية تسير على عجلات إلى أن تصل إلى قرب السور المحاصر، ويعتلي هذه الأبراج رماة السهام الذين يرمون بسهامهم الجند الذين يعتلون الأسوار للدفاع عن المدينة المحاصرة.
وقد اشتهر الأشوريون بالقسوة في حروبهم وفي معاملة أعدائهم والمدن التي تسقط في أيديهم، وكانوا بعد انتصاراتهم يبيحون لجنودهم البلاد المفتوحة فيعملون فيها النهب والتدمير كما أنهم كانوا يبثون الإرهاب بين الجهات التي يريدون إخضاعها لسيطرتهم، وكثيرًا ما كانوا يقومون بتخريب المحاصيل وحرق القرى، وهم أول من استن سنة نفي سكان البلاد التي تخضع لهم وإحلال سكان آخرين في مكانهم ليمزجوا بين الشعوب الخاضعة لهم حتى تفقد صفاتها القومية؛ فهم الذين نفوا سكان إسرائيل إلى ميديا وأحلوا في مكانهم مواطنين آخرين من جهات مختلفة.
стр. 269
الديانة
ليس من السهل أن نحدد العناصر الأصلية في ديانات بلاد النهرين القديمة؛ إلا أنه لا شك في أن عناصر الكون كانت تشكل معبودات رئيسية في اللاهوت، وقد نسب أهل بلاد النهرين القدامى إلى معبوداتهم بعض الصفات والعواطف الإنسانية؛ ولكنهم ميزوهم عن البشر بالخلود وبأنهم كانوا خيرين دائمًا، ولم يكن الشر من عملهم بل من أرواح خبيثة تفوق البشر ولكنها دون الآلهة.
وقد تخيل هؤلاء القوم أن العالم قبل نشأته يمثل فراغًا تميز بعنصرين مختلفين من الرطوبة: أحدهما الماء العذب والآخر يمثل الماء الملح وقد ولدت منهما كل الكائنات التي بدأت بمعبودين لم يلعبا دورًا ملحوظًا، ثم بعد فترة أنجبا كذلك معبودين آخرين يمثلان السماء والأرض ومن هذين الأخيرين جاء ثلاثة آلهة آخرين هم الثالوث الأعظم لمجموعة الآلهة البابلية "أنو- إنليل- إيا" وقد اعتبر الإله "أنو" الإله الأعظم من أقدم العصور، وكان يحكم في السماء؛ ولكنه لم يحتفظ بسلطته العليا كأسمى الآلهة حينما انتقلت السيادة من سومر إلى بابل؛ إذ أصبح إله هذه الأخيرة "مردوك" على رأس الآلهة فحل محل الإله أنو، وقد اعتبر الإله "أنليل" سيد الأرض إذ استطاع أن يصل إلى مكانة "أنو" بل وأصبح أيضًا أبًا للآلهة، وهو مستشارها الذي أحدث الطوفان كما كان يعد سيد الكائنات الإنسانية الذي عهد بهم إلى أمراء يقودنهم ويحكمونهم، أما الإله الثالث وهو "إيا" فكان يعد سيد الأرض يحكم في مسكن المعرفة أي المياه التي تحمل الأرض وتحيط
стр. 270
بها، كما كان إلهًا للحكمة، خلق الإنسان من كتلة من الطمي نفخ فيها نسمة الحياة، وهو الذي أنقذ البشر من الفناء في زمن الطوفان وعلمهم مختلف الصناعات ومنح الذكاء للملوك.
ويلي هذا الثالوث ثالوث آخر يتألف من إله القمر وإله الشمس وإلهة هي الزهرة عشتار، وكان إله القمر يقيس الزمن ويعاقب المذنبين من الملوك بقضاء حياتهم في التأوهات والدموع، وكان إله الشمس هو القاضي الأعظم الذي أملى قوانين العدالة على الملوك، أما عشتار فكانت إلهة الحرب وإلهة اللذة تسعى لغواية البشر، كما أنها تعد أخت إله الشمس وفي نفس الوقت أخت إلهة العالم السفلي.
وإلى جانب هؤلاء جميعًا كانت كل قوى الطبيعة وكل قوى الخير تؤله عند السومريين والبابليين كما كان لكل مدينة معبودها حتى أصبح عدد المعبودات كبيرًا جدًّا، وبالطبع كان تفوق معبود على الآخرين يجعل من هذه المعبودات الأخرى معبودات مظاهر له، وينسبون إليه قدرة لا توجد لدى الآخرين كما أنه يصبح المتحكم في تقرير المصير؛ كذلك عبد السومريون والبابليون عددًا من الأبطال الخرافيين تظهر أسماء بعضهم في القوائم الملكية كملوك في العصور السابقة للتاريخ، كما أن بعض الأمراء انتحلوا الصفات الإلهية أثناء حياتهم، ولم يختلف الدين الأشوري عن البابلي في روحه ولكنه تأثر بعض الشيء بالمظاهر الحربية التي سادت عهد الآشوريين، وبالطبع احتل إلههم أشور "شكل ٤٦" مكانة أعظم إله في بلاد النهرين ونسب إليه الخلق، وهو من جهة أخرى كان يعد إلهًا حربيًّا أخضع الناس جميعًا لسلطانه وكانت زوجته عشتار الأشورية تحتل المكانة التالية لمكانته كما أنها كانت تعد بطلة المعارك وحامية أشور.
стр. 271
"شكل ٤٦": الإله أشور.
ومن الجدير بالذكر أن بعض الطقوس كانت تحوي أناشيد تنص على الاعتراف بكثرة الذنوب كما تنص على أن هذه الذنوب ربما كانت غير مقصودة بالنسبة لآلهة قد لا يعرفها من يتلو هذه الأناشيد وكانت التقوى الدينية تكافأ بالعمر الطويل في الحياة الدنيا، ومن الغريب أن الجزاء في الآخرة لم يكن واضحًا؛ بل كان يظهر في النصوص الدينية ما يشير إلى أن المرء يلقى جزاءه من ثواب وعقاب في حياته الدنيا، ومع هذا فقد كان الاعتقاد سائدًا بأن ظل الميت يفترق عن جسده عقب الموت مباشرة ويتحول إلى روح شريرة ما لم تدفن الجثة، وعلى هذا فإن الحرمان من الدفن كان يعد عقوبة قاسية، وبالرغم من ذلك فإن مصير الموتى لم يكن واحدًا وكان أقصى ما يطمعون فيه أن يستريحوا في العالم السفلي فوق أَسِرةٍ ويشربون ماءً نقيًّا أو أن ينالوا عون آبائهم وأزواجهم إن كانوا ممن سقطوا في المعارك، أما ما عداهم فإن مصيرهم
стр. 272
كان محزنًا تأكلهم الديدان ويملؤهم الغبار، وهذا بخلاف ما اعتقده المصريون من أن الأبرار كانوا ينعمون بصحبة الآلهة ويعيشون في حقول "يارو" أما سواهم فإنهم يلقون جزاءهم من العذاب "انظر أعلاه ص: ٨٥، ٨٦".
وقد أدى التفكير في نشأة الوجود إلى ظهور أساطير مختلفة وصلت إلينا منها بعض النماذج، وتعد الأسطورة البابلية أقدم نموذج وصل إلينا كأسطورة طويلة، وهى مدونة على سبعة ألواح طينية تعرف لدى علماء الأشوريات باسم ألواح الخليقة السبعة، وهي تحتوى على نحو ألف بيت تقريبًا وتشير إلى أنه لم يكن في البدء سوى الماء العذب الإله "أبسو" والماء الملح "الإلهة تيامة" وكانا مختلطين ثم ولدت منهما الآلهة الأخرى متعاقبين، وفى ذلك ما يشير إلى أن المادة "المياه" أزلية، وهي في نفس الوقت الإلهين اللذين جاءت منهما الآلهة ومن أعقابهما أعظم الآلهة لدى البابليين وهو مردوخ، وقد أشرنا إلى ما تضمنته هذه الأسطورة عند الكلام على ما تخيله القوم عن نشأة الآلهة "انظر أعلاه ص٢١٦".
ويرى بعض المؤرخين أن هناك تشابه واضح بين هذه الأسطورة وبين ما جاء في سفر التكوين من أنه في البداية لم يكن سوى هيولي مظلم من الماء؛ ولكن الأسطورة تختلف عن الكتب السماوية عمومًا في أنها جعلت المادة أزلية سبقت أي شيء آخر، ومع كل فإن الأسطورة تعكس صورة لما يدور في بيئة بلاد النهرين من صراع بين عناصر الطبيعة وبين الإنسان وبيئته.
стр. 273
ومن الأساطير التي اشتهرت في تاريخ العراق القديم الأسطورة المعروفة باسم "ملحمة جلجامش أو الطوفان، ومع أن جلجامش قد ورد ذكره كأحد ملوك الأسرة الأولى في الوركاء؛ إلا أنه صار موضوعًا لعدة ملاحم وقصص كلها تصف أعماله ومغامراته وبطولته الخارقة. وأشهر هذه القصص تلك التي تتصل بالطوفان وهي أطول ملحمة في الشعر البابلي حيث كتبت على "١٢" لوحًا من الطين تحوي نحوًا من "٣٥٠٠" سطرًا وهي تتلخص في وصف جلجامش بالحكمة ومعرفة أخبار الأزمنة السابقة للطوفان وأنه سافر أسفارًا بعيدة، وهو بطل الآلهة الذي خلقته في أحسن صورة وقوة، ثلثاه إله والثلث الباقي بشر، وقد تعسف مع أهل الوركاء الذين استغاثوا بالآلهة، وهذه خلقت بطلًا قويًّا هو "أنكيدو" ليكون منافسًا لجلجامش، وتحدث بين الاثنين معركة ينتصر فيها جلجامش ثم يصبحان بعد ذلك صديقين، ثم يذهبان معًا في سفر طويل للحصول على الشهرة والمجد وينجحان في ذلك أولًا ثم يعودان إلى الوركاء، وهنا تحاول الإلهة عشتار إغواء جلجامش؛ ولكنه يحيد عنها فطلبت إلى والدها "آنو" إله السماء عقاب جلجامش فخلق هذا "ثور السماء" الذي أخذ يفتك بأهل الوركاء، وانبرى له الصديقان "جلجامش وأنكيدو" يصارعانه حتى قضيا عليه واحتفلا بنصرهما.
ثم تدور الدوائر عليهما وقد غضبت عليهما الآلهة فيمرض "أنكيدو" ويموت وهو في ريعان الشباب ويحزن عليه جلجامش ثم يمتلكه الخوف من الموت ويفكر في التخلص منه لكي ينال حياة خالدة، وهنا يذكر جده الخالد "أوتو نبشتم" فيذهب إليه ليسأله عن سر الخلود، ويصل
стр. 274
إليه بعد أهوال وبعد أن تنصحه إحدى الإلهات بالانصراف عن فكرة الخلود لأنه من البشر وأن نصيبه الموت، وما أن يصل إلى جده حتى يسرد هذا الأخير قصة الطوفان ويشير فيها إلى أن الآلهة عزمت على إحداث الطوفان، وقد حاباه الإله "إيا" فأخبره بذلك قبل حدوثه ونصحه بعمل سفينة من سبع طبقات قسم كلا منها إلى تسعة أقسام وجهزها بما تحتاجها من مؤن ... إلخ وبعد أن نجا من الطوفان قدم قربانًا إلى الآلهة، وصعد الإله "أنليل" إلى السفينة وأخذ بيد "أوتو- نبشتم" وأخرجه من السفينة هو وزوجته ثم أمر بأن يصبحا إلهين، وبعد أن يصل "أوتو- نبشتم" إلى هذا الحد من قصته يوجه كلامه إلى جلجامش قائلًا: من ذا الذي سيجمع الآلهة من أجلك حتى تحصل على نعمة الخلود، وبعد أن يفشل جلجامش في الاختبار الذي أختبره به "أوتو- نبشتم" تشفق زوجة هذا الأخير على جلجامش وتشفع له فيصف له زوجها نبات الخلود ومكان وجوده، وبعد أن يحصل جلجامش فعلًا على هذا النبات ويسر به يتخذ طريق للعودة به إلى مدينته "لينميه" ويستفيد به الناس؛ إلا أنه يصادف في طريق عودته بركة ماء نزل إليها للاستحمام وإزالة عناء السفر، وفي أثناء ذلك اجتذبت رائحة النبات الحية فاختطفته وبذلك حصلت على قوة تجديد الشباب؛ لأنها كلما شاخت تنزع جلدها فيعود إليها الشباب.
وتذكر رواية أخرى من هذه الأسطورة أن جلجامش قام بأسفار بعيدة ليخلد له اسمًا مع أسماء الآلهة في أرض الحياة، كما أن جزءًا من نصوص هذه الأسطورة يبدو أن لا علاقة له بسياق المغامرة التي قام بها
стр. 275
جلجامش حيث إنه يأمر "أنكيدو" بأن ينزل إلى العالم السفلي كي يحضر له آلتين من الخشب كان قد صنعهما وسقطتا منه فيه، وبعد أن ينزل أنكيدو يتضرع جلجامش إلى الآلهة كي تبعثه من عالم الأرواح لينبئه عن أحوال العالم السفلي، فتصعد روح أنكيدو وتعطيه صورة قاتمة عن حالة أرواح الموتى؛ إذ إن غالبيتها سجينة، طعامها التراب والطين بينما تتمتع القلة منها وخاصة من مات أصحابها في الحرب ميتة الأبطال ومن تركوا ذرية لهم، بمعاملة خاصة حيث يجدون الماء والقوت.
ومن الأساطير ما يعكس صورة عن أفكار القوم فيما يتعلق بأصل الشر وطبيعة الإنسان وعجزه عن إدراك الخلود، ومن هذه أسطورة "آدابا" يرى بعض المؤرخين أنه يشبه آدم١ وإن كان لا يبدو من هذا التشابه إلا مخالفة آدابا لأمر الإله "آنو" بأن يأكل من الطعام طعام الخلود الذي قدمه إليه بناء على نصيحة الإله "إيا" له، أما فيما عدا هذا فهي تبين ميل الإنسان إلي الانتقام وأن نصيبه الموت.
وهناك أسطورة أخرى تعرف باسم أسطورة "إيتانا"، وهي تتلخص في أن الملكية نزلت من السماء وبعد أن استقرت فيها لم يكن لأحد الملوك ولد فتضرع إلى الآلهة كي تهبه ولدًا يرثه، وتمضي الأسطورة في وصف تكليفه بعمل خير، لقاء حصوله على بغيته وكيف أنه طار إلى السماء للحصول على نبات الولادة بمساعدة نسر كان قد سبق أن أنقذه
стр. 276
من مأزق كاد أن يموت فيه، وفيها وصف لما شاهده "إيتانا" عند طيرانه من معالم الأرض، ومع أن بقية الأسطورة مفقودة؛ إلا أنه يبدو أنه نال بغيته وعاد إلى الأرض سالِمًا.
стр. 277
القضاء
اشتهرت بلاد النهرين بما عثر عليه فيها من قوانين تعد أقدم ما عرف حتى الآن؛ إذ لم تصلنا أية مجموعة قانونية تسبقها في التاريخ، ومع أن بعض الإشارات والمواد القانونية وردت إلينا في بعض النصوص المصرية وهي توحي بوجود قوانين كانت متبعة؛ إلا أن هذه القوانين لم تصلنا نصوصها في أي مجموعة تشريعية حتى الآن، وتدل الدلائل الأثرية على أن بلاد النهرين ظهرت بها شرائع مدونة منذ أقدم عصورها، وربما يرجع بعضها إلى أصول كانت موجودة في عصور ما قبل الأُسَرِ، ويتبين ذلك من الأصول القانونية التي كانت متبعة منذ النصف الثاني لعصر الوركاء على الأرجح؛ حيث نجد أن بعض الألواح الطينية التي تنتمي لتلك الفترة تحتوي على كثير من المعاملات التجارية والإدارية، كما أن من بينها ما يدل على سجلات الأراضي الزراعية وتثبيت ملكية الأراضي ومنها ما يتعلق بمستندات تجارية وغيرها.
ومن الجائز -حسب ما وصلنا حتى الآن- أن نعتبر "أوركاجينا" ملك "لجش" أول مشرِّع في تاريخ البشر حيث وردت بعض الإشارات من عصر فجر الأُسَرِ ومن العهد الأكدي تشير إلى إصلاحاته الاجتماعية وتنظيمه للإدارة وإزالته للظلم عن الطبقات الفقيرة، كما وجدت بعض النماذج لوثائقه القانونية.
стр. 278
وفي عهد الأكديين بالذات يمكننا أن نتتبع وجود طبقة خاصة من القضاة المدنيين وكان هؤلاء يتمتعون بمكانة سامية، كما نتبين أن "سرجون" الأكدي أدخل نظام القسم باسم الملك بين المتعاقدين عند تثبيت نصوص العقود.
ومن عهد أسرة "أور" الثالثة وجدت وثائق قانونية متنوعة كما عثر على مجموعة قانونية من عهد مؤسسها "أورنمو" وهي وإن كانت غير كاملة من الناحية التشريعية؛ إذ لم يرد منها إلا المقدمة وبعض المواد القانونية إلا أنها تسبق شريعة "حمورابي" بنحو "٣٠٠" سنة كما أنها تختلف عنها من حيث إنها تأخذ بمبدأ التعويض لا بمبدأ القصاص أو الجزاء الذي يتبين في شريعة حمورابي، وهي تنقسم كأي شريعة أخرى إلى مقدمة ومواد تنص على الأحكام وخاتمة، وتتلخص المقدمة في أنها تفويض من الآلهة بمزاولة السلطة ونشر الشريعة.
ومن العهد البابلي القديم عثر على لوحين من الطين كتبًا باللغة البابلية وتدل نصوصهما على أنهما جزء من مجموعة لم يعثر على بقيتها، وهذه النصوص تحوي "٦١" مادة وتبدأ بمقدمة قصيرة غير واضحة تليها "١٢" مادة عن الأسعار والأجور، وبالإضافة إلى ذلك نجد بعض المواد التي تنص على الأحكام المختلفة المتعلقة بالسرقات والاعتداءات والأضرار والديون والبيع والشراء والأحوال الشخصية وغيرها.
وإلى "لبت عشتار" خامس ملوك "أيسين" ينسب قانون يشبه قانون حمواربي في تأليفه وفي بعض مواده وقد عثر عليه مدونًا على كسر من الألواح الطينية فيها من الإشارات ما يدل على أن هذا القانون
стр. 279
كان منقوشًا على نصب أو مسلة من الحجر مثل مسلة قانون حمورابي، ومع أن هذا القانون كان يشمل أكثر من مائة مادة على الأرجح؛ إلا أن وصلنا منه ما يبلغ نحو "٣٥" مادة فقط.
وقانون حمورابي الشهير يبدو أن مواده جمعت في السنوات الأخيرة من حكم هذا الملك وقد رتب ترتيبًا فنيًّا ونقش على مسلة من الديوريت الأسود يبلغ ارتفاعها نحو ثمانية أقدام نقشت في أعلاها بنحت بارز يمثل الإله شمش إله العدل على عرشه وأمامه حمورابي يتسلم منه مجموعة من القوانين، وقد عثر على هذه المسلة سنة ١٩٠١م في مدينة سوسة، ويحتمل أنها نقلت هناك في أواخر عهد الكاشيين؛ إذ ربما كان العيلاميون قد نقلوها إلى هناك ضمن ما استولوا عليه من غنائم كثيرة بعد قضائهم على الكاشيين، ونقوش القانون تتمثل في "٤٤" عمودًا من الكتابة تبدأ بمقدمة دينية كتبت بلغة شعرية ثم تليها المواد القانونية وعددها "٢٨٢" مادة ربما كانت في الأصل "٣٠٠" مادة، وتنتهي بخاتمة يبين فيها حمورابي أنه أصدر هذه الأحكام العادلة؛ فازدهر العدل والحكم الصالح في البلاد، ويختتم ذلك بسرد ألقابه وحب الآلهة له، ويحض من أصابه ظلم على المثول أمام صورته وقراءة قانونه، كما أنه يصب اللعنة على كل من يحرف في هذا القانون، ويمكن تبويب موضوعات هذا القانون في:
١- القضاء والتقاضي: أي أصول المرافعات، وهو يشمل المواد من "١" إلى "٥".
٢- قانون الأموال، أي المعاملات، ويشمل المواد من "٦" إلى "١٢٦"
стр. 280
٣- الأحوال الشخصية "قانون الأسرة": ويشمل المواد من "١٢٧" إلي "٢٨٢".
أما عن القوانين الأشورية فلم ترد منها مجموعة كاملة؛ فمن العهد الأشوري القديم وجدت بعض المواد التي ربما كانت تمثل أجزاء من قانون لا يتعلق بأشور نفسها؛ بل بمستعمرة أشورية تجارية تكونت في آسيا الصغرى، ومع أن ترجمتها لم تستقر تمامًا حتى الآن إلا أنه من الواضح أن أكثرها يتعلق بنظام المحاكم وأصول المرافعات وتنظيم المعاملات التجارية.
ومن العصر الأشوري الوسيط عثر على مجموعة قانونية مدونة على جملة ألواح طينية؛ ولكنها لا تؤلف تشريعًا كاملًا ولا تظهر فيها الوحدة القانونية ويختص جزء كبير منها بالأحوال الشخصية وبالجنايات وعقوباتها، ويبدو منها أن القوانين الأشورية عمومًا امتازت بقسوة عقوباتها.
أما عن نظام التقاضي فإن المحاكم الابتدائية كانت إما مدنية أو كهنوتية؛ إذ كان من حق المعبد أن يكون مقرًا للعدالة وبالتالي كان الكهنة يستطيعون إصدار الأحكام، وكان القضاة في المحاكم المدنية لا يقلون عادة عن ستة أعضاء يحمل كل منهم لقب قاض، وكان من المعتاد تدوين الأحكام القضائية بمعرفة كاتب مختص بصورة موجزة تتلخص في إثبات وقائع القضية باختصار والشهود والتاريخ كما يضاف عادة اسم الكاتب وبعدئذ تختم وتودع النسخة الأصلية داخل غلاف تكتب عليه تفصيلات الوثيقة، وكان من حق المتقاضين الحصول علي نسخ منها.
وفي عصر الكلدانيين كانت القضية تبدأ بشكوى تقدم إلى المحكمة
стр. 281
ويستدعى المدعى عليه للإدلاء بأقواله ثم ينطق بالحكم وإذا تعذر وجود نسخة منه كان يكتفى عند الضرورة بالقسم الذي يقسمه محرر القضية أو أحد الشهود فيها.
ومنذ أقدم العصور كان شيوخ المدينة يمثلون محكمة لا تعرف اختصاصاتها؛ ولكن من الواضح أن اختيار أعضائها يتم بإرادة ملكية وقد تكون بعض النساء وخاصة الكاهنات من بين أعضائها ولكن هذه المحاكم لم تكن دائمة؛ بل كانت لفترات معينة فقط.
وكان الشهود ضروريين عند تحرير عقود غير رسمية؛ وإلا يسقط حق المتخاصمين في الاحتكام إلى القضاء، وإذا لم يمكن فض النزاع بطريق ودِّي فإن أحد الطرفين يقدم شكواه فيستدعى المشكو في حقه أمام المحكمة وتفحص المستندات المقدمة وتسمع شهادة الشهود، وإذا لم تكن المستندات وافية أو لم توجد على الإطلاق؛ كان القاضي يطلب إلى الطرفين وإلى الشهود أحيانًا أداء اليمين، وكان اليمين يتم في المعبد عادة حتى وإن كانت القضية منظورة أمام محكمة مدنية؛ لأن القسم في أقدم العصور كان يؤدى باسم الآلهة، ثم أصبح فيما بعد يؤدى باسم الملك باعتباره أصبح مؤلهًا هو الآخر؛ كذلك كان القسم ضروريًّا بعد النطق بالحكم حيث يتعهد الخصوم أمام الآلهة باحترام الحكم واعتباره أمرًا نهائيًّا لا يقبل التعديل وقد تضاف فقرة إلى الحكم تنص على عدم استئناف الدعوى من جديد وعلى عقاب من يخالف هذا الحكم.
ولم يكن هناك اختصاص معين لمثل هذه المحاكم بل كانت تحكم في كل شيء ويعتبر بعض أعضائها شهودًا وإن كانوا في واقع الأمر من
стр. 282
المحلفين فأسماؤهم تتردد في الأحكام المختلفة، ولكنهم مع ذلك هم الذين يحضرون تنفيذ العقوبات ويصدقون عليها.
ولم تصلنا حتى الآن من آثار الأشوريين مجموعة من القوانين يمكن مقارنتها بقانون حمورابي من حيث التنوع في الموضوعات والأحكام؛ ولكن عثر على لوحات تتصل كل منها بقوانين تتعلق بموضوعات معينة ومن بين الوثائق التي عثر عليها وثيقة تنص على نحو "٥٠" مادة تتعلق بالعقوبات التي تطبق في بعض الجرائم، كما وجدت وثيقة أخرى تختص بالقانون الذي يطبق في الريف؛ ولكنها لم تصل سليمة لسوء الحظ، كذلك وجدت وثيقة في حالة سيئة أيضًا؛ ولكن يفهم منها أنها كانت تتعلق بالمعاملات التجارية، هذا إلى جانب عدد من الوثائق الأخرى التي تعطينا فكرة عن التقاضي في عهد الأشوريين، ويتبين من هذه أن الحكم كان يصدره قاضٍ واحدٌ يقيم في المحكمة وفي بعض الحالات كان صاحب الحق يتولى تطبيق القانون بنفسه أو يتجاوز عنه أو يخففه دون الحاجة إلى الالتجاء إلى القضاء، وكان القانون الجنائي يتطلب إثبات الذنب ويحدد العقوبة؛ ولكن بعض الحالات الأخرى لم ترد فيها أحكام قضائية، مثال ذلك أن وثيقة تشير إلى أن الجاني قد منح مهلة لاستحضار شهود لتبرئة نفسه؛ وإلا يعد مذنبًا، كما أن وثيقة أخرى تدل على أن المختصمين قد وصلوا إلى اتفاق فلم يعد هناك مجال للنزاع.
стр. 283
الحياة الاقتصادية
مدخل
...
الحياة الاقتصادية
أدرك سكان بلاد النهرين منذ أقدم العصور ما تمتاز به طبيعة بلادهم من خصب؛ فالسهول الفيضية لنهري الدجلة والفرات تجود فيها الزراعة متى بذلت فيها العناية بشئون الري والصرف؛ ولذا نجد أن عمليات القنوات والجداول وصيانتها كانت من أهم المشاريع التي عني بها الملوك منذ عصور ما قبل الأُسَرِ؛ فهي إلى جانب إمدادها الأراضي البعيدة بالمياه أو استخدامها للصرف بقصد إصلاح الأرض كانت ممرات مائية تيسر المواصلات وعمليات النقل؛ ولذا كان من المحتم صيانتها والعناية بها؛ ونظرًا لأن الأراضي التي كانت تسير فيها رخوة في كثير من الأماكن، وجوانبها هشة؛ فإن المحافظة عليها كانت تتطلب مجهودات كبيرة، وقد نصت القوانين على معاقبة كل من يهمل أمر هذه المحافظة ويعد مسئولًا عن الأضرار التي تحدث لغيره بسبب ذلك الإهمال، هذا وقد استعان المزارعون عند انخفاض منسوب المياه في المجاري المائية بالشادوف أو أدوات رافعة "سواقي" تديرها الثيران.
وكانت المحاريث المستخدمة تجرها الثيران وهي شبيهة بالمحاريث الحالية وبعضها كان يزوَّد بما يشبه القمع لبذر البذور أثناء الحرث، وكان إيجار ثيران الحراثة محددًا، كما حدد القانون أيضًا مقدار التعويضات عن الحوادث التي تصيب هذه الماشية وعما تسببه من أضرار أيضًا، وبعد تمام الحصاد يؤخذ المحصول إلى أماكن الدرس حيث تقوم بهذه المهمة الثيران أو الحمير أو عربات تجرها الحيوانات، وقد حددت أجور كل منها كما حدد أجر
стр. 284
العامل الزراعي وإن كانت أجرة هذا الأخير تختلف باختلاف الفصول.
وقد نظمت القوانينُ العلاقةَ بين ملاك الأرض والمستأجرين لها، كما نظمت العلاقة بين المنتفعين بهذه الأراضي وبين من يستأجرونهم من مزارعين ورعاة، وفي غالب الأحيان كان القانون يحمي صغار المزارعين وإذا أخرج مستأجر من الأرض قبل انتهاء مدة العقد كان المالك ملزمًا بدفع تعويض له.
ويبدو أنه لم تحدث تغييرات كبيرة في الحياة النباتية أو الحيوانية التي عرفت في بلاد النهرين منذ أقدم العصور؛ حيث إن القمح والشعير قد وجدا بها كما وجدت بعض الحبوب الأخرى مثل: الدخن والسمسم، وما زالت هذه من الحاصلات المعروفة في بلاد النهرين حتى الآن، أما الأرز فيبدو أنه لم يعرف إلا من أواخر العصر الأشوري، ومع هذا فما زال الأرز يستورد إلى العراق من بلاد عديدة.
وقد عرفت بلاد النهرين نوعين من الأراضي، أحدهما: يتمثل في أراضي الحقول التي كانت تزرع الحبوب وما شابهها والثاني: أراضي البساتين التي اشتهرت بزراعة الأشجار وقد نشأ فن زراعة البساتين منذ عصور سحيقة وكانت هذه تزرع بالخضراوات فيما بين الأشجار التي كان من أهمها: التين والرمَّان والتفاح والكُمَّثْرَى وغيرها. وقد جلب الأشوريون إلى العراق الزيتون كما جلبوا القطن؛ على أن أقدم شجرة عرفت هي النخلة وما زالت النخيل تحتل المكانة الأولى بين أشجار العراق ويعد البلح محصولها الرئيسي، والظاهر أن هذه النخيل كانت تنتشر في مساحات أوسع من المساحات التي تنتشر فيها الآن.
стр. 285
ومن الجدير بالذكر أن الأرض البُور كانت حقًّا لأول من يشغلها وتصبح ملكًا لمن يصلحها؛ ولكنها كانت في الواقع تخضع لحقوق الجيران فيما يختص بالري؛ أي أنه كان لا يجوز لمالكها أن يمنع وصول المياه إلى جيرانه أو أن يتسبب في الإضرار بمصلحتهم حتى ولو كان في ذلك مصلحته الشخصية، وكان للحاكم الحق في المرعى وباكورة الحصاد والهشيم واستخدام الرجال والحيوانات والعجلات في أعمال السُّخرة وخاصة في صيانة القنوات والطرق، كما أن المالك كان ملزمًا بأداء واجبه نحو المنافع العامة التي لا يعفى منها إلا بقرار يصدره الملك؛ كذلك كان الملك أحيانًا يمنح بعض الملاك بعض الامتيازات مثل عدم تحصيل الضريبة عن الأرض، وعدم استدعاء رجال الإقطاعية للسخرة، ومن جهة أخرى كان الحاكم لا يستطيع أن يخرج من إقطاعيته مزارعًا أو أن يستولي على أخشاب أو حشائش أو محاصيل أو حيوانات أو عمال مالك آخر، كما لا يجوز أن يسحب ماء من قناة الري إذا كانت مياهها غير كافية.
وكانت القبائل التي حلت في مناطق مختلفة قد استقرت فيها وأقامت لها مدنًا وقرى، وبالطبع امتلكت جزءًا من الأراضي التي كانت مقسمة إلى قطع يستغلها الأفراد، وقد أمكن بالطبع لبعض الأفراد والهيئات أن يكونوا ملكيات كبيرة كما أن المعابد كانت تمتلك حقولًا وأراضي واسعة، وكثيرًا ما كان الفقير عرضة لجشع الغني الذي كان يطمع في زيادة رقعة أملاكه، وغالبًا ما كان الأغنياء يتمكنون من ذلك عن طريق الشراء، وحينما أصبحت المقاطعات خاضعة للمملكة انتقلت ملكيتها إلى الملوك وكان رؤساؤها هم الذين يوافقون على البيع وتدفع لهم التعويضات وهذه