← Общие книги

Общие книги · id 8669

أضواء على الثقافة الاسلامية

نادية شريف العمري

Полный текст (414 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

عزيزة كريمة تظللها راية التوحيد، ويسودها العدل والسلام، وإما موت في سبيل هذا الدين الذي رضيه الله تعالى لعباده والموت في ساحة الشرف أسمى أماني المسلم. وبعد مضي قرنين كاملين من حروب دامية اشتد وطيسها بين كتائب الإيمان وبين جحافل الشر ارتدت الحروب الصليبية بعد أن تكسرت نصالها أما الصمود القوي، والصبر والثبات، والشجاعة والبطولة، والبذل والفداء والتضحية، وبعد أن أدركوا تمامًا أن الإيمان لا يغلب، وأن الله تعالى يحقق وعده للمؤمنين بالنصر الأكيد، إذا ما صدقوا، وإذا ما صبروا. وقد سجل التاريخ صفحات مشرقة لسير أبطال المسلمين في هذه الحروب ما يستدعي الإجلال والإكبار لهؤلاء الرجال الذين تمسكوا بالإيمان، وقاوموا الأعداء من أجل عقيدة التوحيد.

стр. 177

٢- التبشير: بعد ارتداد الحروب الصليبية منهزمة أمام قوة المسلمين، اتخذ الصليبيون وسيلة أخرى لإضعاف الروح الإسلامية في نفوس المسلمين، هذه الوسيلة هي التبشير، وذلك بعد أن أدركوا يقينًا أن الحروب بقوة السلاح المادي لا تجدي شيئًا، بل إنها تكون في كثير من الأحيان باعثًا على وحدة المسلمين وإظهار قوتهم المعنوية والمادية. يقول "رستز": "خابت دول أوربة في الحرب الصليبية الأولى عن طريق السيف، فأرادت أن تثير على المسلمين حربًا صليبية جديدة عن طريق التبشير، فاستخدمت لذلك الكنائس والمدارس والمستشفيات، وفرقت المبشرين في العالم، وهكذا تبنت الدولة حركة التبشير لمآربها السياسية ومطامعها الاقتصادية، ولقد استطاع "ريمون لول" في عام ١٢٩٩ وعام ١٣٠٠ للميلاد أن يحصل على إذن من الملك يعقوب صاحب أوغونة ليبشر في مساجد برشلونة محتميًا بالسلطة المسيحية في إسبانيا"١.

стр. 178

ويعتبر عام "١٢٩٩" أول عهد الأوربيين بالتبشير كما يعتبر "ريمون لول" أول من تولى التبشير بعد أن فشلت الحروب الصليبية في مهمتها، فقد تعلم "لول" اللغة العربية، وجال في بلاد الإسلام وناقش علماء المسلمين في بلاد كثيرة١. وإلى جانب تطواف "لول" في البلاد العربية، كانت السفن البحرية الأوروبية تطوق البلاد الإسلامية، وتفرض حولها شبكة من التجسس، فتدمر حضارتها، وتفتت ركائز قوتها. وتسلل المبشرون إلى داخل العالم الإسلامي للقيام بمهمة التجسس, واستطلاع نقط الضعف وكشفها، وبث الأعوان، ونشر القلاقل والفتن والشبهات. "ويأتي المبشر تحت علم الصليب كما يقول الأب شانتور يحلم بالماضي وينظر إلى المستقبل، وهو يصغى إلى الريح التي تصفر من بعيد من شواطئ رومية ومن شواطئ فرنسا، وليس من أحد يستطيع أن يمنع الريح من أن تعيد على آذاننا قولها بالأمس، وصرخة أسلافنا "الصليبيين" من قبل إن الله يريدها"٢. ولم يتهاون الصليبيون في يوم ما منذ انقضاء الحروب الصليبية وإلى الآن في توجيه مؤامراتهم، وفي تكثيف خططهم لضرب العالم الإسلامي للقضاء على كل قوة تجمعه وتشده إليها، وما زالوا يشنون غاراتهم، الغارة تلو الأخرى على البلاد الإسلامية لتجلعها منطقة خاضعة لحكمهم الاستعماري. وعلى هذا فالتبشير ما هو إلا ستار شفاف أو واجهة مزيفة تخفي تحتها أطماعًا استعمارية تريد أن تحقق غزوًا حضاريًا. وكثيرًا ما يظهر التبشير في مناسبات شتى مرادفاً تمامًا لمعنى الاستعمار. ذلك لأن رجال الكنيسة الكاثوليكية يعتبرون التبشير بمذهبهم عملًا وطنيًّا.

стр. 179

يقول "رينيه بوتيه" في كتاب "الكاردينال لافيجيري": "إن العمل الوطني الذي قام به لافيجيري بدأ مع عمله التبشيري عندما بدأ بنشره على السوريين، تلك العطايا التي تمنحها الكنيسة الكاثوليكية أنه جعل فرنسا محبوبة لدى السوريين باسم المسيح"١. ومن الوضوح بمكان تآزر التبشير مع الهيئات السياسية للوصول إلى أغراضه اللئيمة ونواياه الاستعمارية، وقد اقترح أحد المبشرين أن تتعاون بريطانيا مع فرنسا على سياسة السيطرة على الشواطئ، حيث يمكن وصول آلات القتال الحديثة بسهولة، ذلك لأنه رأى أن الإسلام يتزايد عدديًّا، ولم يتفق قط أن شعبًا دخل في الإسلام ثم عاد نصرانيًّا٢. وقد اعتمد المبشرون على إثارة النزعات الطائفية والقومية في صفوف المسلمين وعملوا على إحياء الحركات الشعوبية المعادية للمبدأ الإسلامي، فروجوا للقومية العربية التي تنتمي إلى فترات تاريخية مندثرة، وإلى الفرعونية التي تنتمي إلى حجارة الأهرام في مصر، وإلى الفينيقية في الساحل السوري، وإلى الآشورية في العراق. وقد امتصت هذه الاختلافات القومية والطائفية قواهم الذاتية، إذ وجدت من يهتف بها ويغني لها، وما زال التبشير يبحث عن معول آخر يهدم به التضامن الإسلامي، وعن نزعات سياسية أخرى تفتت رابطة العالم الإسلامي وتبعثر قواه وكأن اللورد "جلاد ستون" حينما صرخ بمجلس العموم البريطاني وقد أمسك بنسخة من القرآن الكريم قائلًا "ما دام هذا القرآن موجودًا فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان" يتمثل للمبشرين دائمًا، يدعوهم لأن يحكموا خططهم ويحزموا أمرهم٣. وإن أمتنا اليوم تبحث عن حل لتتجنب مكائد التبشير وخططه، وستصل إلى حل يجعلها في أمان من يد التبشير والاستعمار بإذن الله ولو كره المشركون.

стр. 180

أساليب التبشير: لقد اندس المبشرون وراء كل فكرة براقة يمكن أن تجذب طبقات مختلفة من الشعوب، فاستغلوا كافة الخدمات الاجتماعية لمصالحهم الخاصة، فأنشئوا الأندية الثقافية والترفيهية، وجمعيات للشباب والشابات، وأنشئوا جمعيات لإصلاح الأحداث، ونادوا بإنصاف العمال لجذبهم إليهم، وقاموا بإنشاء جمعيات للرفق بالحيوان للتأثير في قلوب السذج من الناس الذين لا يلبثون أن يصطدموا بالواقع حينما يجدون ظلمهم للإنسان، واستغلالهم للأعمال النبيلة في سبيل تحقيق أغراضهم الضعيفة، ومطامعهم اللئيمة. ويمكن أن ألخص أساليبهم التبشيرية بالنقاط التالية: ١- إنشاء مدارس تبشيرية تعليمية في مختلف مجالات التعليم، فهناك دور للحضانة، وأخرى لتعليم تلاميذ المدارس الابتدائية، وثالثة لتعليم تلاميذ مدارس المرحلة المتوسطة والثانوية، وبالإضافة إلى هذه المدارس التعليمية هناك جامعات يسوعية وأخرى أمريكية، وقد بثت هذه المدارس والجامعات في مختلف أرجاء العالم الإسلامي، في القرية النائية، والقريبة وفي المدينة الكبيرة والمدينة الصغيرة، وهي بهذا الانتشار والتوسع تغزوكافة فئات المجتمعات وتتصل بمعظم طبقات المجتمع. وقد قامت هذه المدارس والجامعات بدورها المعد لها قيامًا فعالًا في خدمة الأغراض الاستعمارية، وأهما بث روح الولاء للغرب، وإبعاد الجيل الحاضر رويدًا رويدًا عن شخصيته الإسلامية وعن تاريخه الإسلامي المشرق، وعن ثقافته الدينية التي تحدد للفرد مقومات كيانه الحضاري المستقل المتميز. ومن أهداف التبشير في هذا المجال وضع المسلم في قالب غربي مستعار، ينسى به أصالة تراثه، وتسترخي قواه ويفقد شجاعته وحماسته لحرمات الله أن تنتهك، فإن غار على حد من حدود الله يتجرأ عليه فتلك رجعية لا تليق بالرجل المثقف الواعي العاقل، وإن أخذته كرامة المسلم وإباؤه ... الأصيل والعزة النفسية بأن لا يساير ولا يداهن، فتلك همجية تتنافى مع الإنسان الحضري المتعلم..

стр. 181

وهكذا استطاع الاستعمار بهذا الأسلوب أن يسلب المسلم شخصيته المستقلة، فإذا فكر في مسألة ما فإنما يفكر بعقل أساتذته أصحاب الفضل عليه، وإن رسم هدفًا في حياته فتبعًا لأهدافهم وتحقيقًا لأغراضهم.. وكثيرًا ما أثرت المدارس التبشيرية في نفوس الطفولة البريئة، فإذا بالطفل المسلم يردد صلواتهم ويترنم بشركهم من حيث لا يدري ولا يشعر، كما أثرت في الشبيبة اليافعة من أبناء المسلمين، وأورثت في نفوسهم حب مخالطتهم والاقتباس من عاداتهم وتقاليدهم التي تمثل شخصيتهم، فتذبل الشخصية الإسلامية، وأول بوادر هذا الذبول التهاون في أداء العبادات وفي إظهار الشعائر الإسلامية الأساسية. ٢- ومن أساليب التبشير نشر العلمانية، والدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، ورد النتائج والأسباب للطبيعة أو إلى المصادفة، وههنا يكمن الخطر الشديد، الذي يبذر بذور التشكيك في نفوس المسلمين، ويؤدي إلى اضطراب في العقيدة، واضطراب في القيم والمفاهيم لدى الإنسان المسلم فتتنازعه التيارات المتعاكسة المتضادة من مد وجذب، فتضيع ملامح شخصيته وتنهار قواه الذاتية، أو ينحرف في سلوكه الخلقي، ويخلع عنه الرداء الإسلامي.. وبهذا يتحقق للتبشير الدنيء غرضه الخطير. ٣- فتح المستشفيات وبعث الإرساليات الطبية إلى الشرق الإسلامي، وهذا أسلوب خطير أيضًا لأنه يدس السم في الدسم، فالغاية شريفة ظاهرًا وقالبًا ولكنها خبيثة مضمونًا وحقيقة. ذلك لأن المرض حالة بليغة من حالات الضعف البشري، ويتبع هذا الضعف قصور في الإدراك الفكري، فيصل الطبيب أو الممرض إلى غرضه من غير أدنى جهد ... ٤- المؤتمرات التبشيرية: ١ أذكر على سبيل المثال المؤتمرات التالية: أ- مؤتمر القاهرة سنة ١٣٢٤هـ "١٩٠٦م" المنعقد في منزل زعيم الثورة العرابية المسلم.

стр. 182

ب- مؤتمر أدنبرج سنة ١٣٢٨هـ في إنجلترا. جـ- مؤتمرات القدس وقد حصل في سنوات متعددة منها سنة ١٣٤٣هـ "١٩٢٤م" وآخر سنة ١٣٥٤هـ "١٩٣٥م" وثالث سنة ١٣٨٠هـ "١٩٦١م". وأهم التوصيات التي خرجت بها هذه المؤتمرات: أولا: وجوب إقناع المسلمين أن النصارى ليسوا أعداء لهم. ثانيا: وجوب تبشير المسلمين بواسطة رسول من أنفسهم ومن بين صفوفهم لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أعضائها. ٥- من الوسائل التي اعتمد عليها التبشير للوصول إلى أغراضه "الإعلام" فكان يعمل من وراء حركات الصحافة، وفي لبنان وفي مصر على سبيل المثال جرائد مخصصة لصالح التبشير وقد استغل المبشرون "الكشفية" للتأثير على الصغار ... وقد شجعوا على الزواج من غير المسلمات لإيجاد جيل تابع لهم ولاء وحبًّا وثقافة. ٦- ومن الوسائل المخزية التي اتبعها التبشير نشر الفساد والانحلال الخلقي، وتحطيم القيم الأخلاقية، فقد عملوا على إنشاء حانات للخمر في كل من سوريا ومصر، وشجعوا على تهريب المخدرات والحشيش. وفي العصر الحديث يستعمل المبشر وسائل جديدة يدخل بها إلى قلب بلاد المسلمين يؤثر في نفوس أبناء المسلمين وفعلًا فقد استغل الفن والسينما والفلسفة.

стр. 183

تعاون التبشير واليهودية: مما لا شك فيه أن هناك تعاونًا وثيقًا بين إسرائيل وبين التبشير، ذلك لأن كلًا منهما استعمار، والاستعمار قادر على التلون بألوان شتى وصور مختلفة إذ إنه يسعى لغاية واحدة، وهي تسخير الآخرين لتحقيق مصالحه الخاصة، ورفع مستوى بلاده اقتصاديًّا على أكتاف البلاد التي تؤكل خيراتها، ويستخدم رجالها لتصميم حضارة راقية تخلد اسم الدولة الغالبة القوية.

стр. 184

ومنذ أمد طويل واليهود يساندون التبشير لتقويض أركان الدولة العثمانية واقتسام أراضيها وفعلًا وقع ما خطط له، وكان من بين الذين قدموا للخليفة الصالح ورقة عزله ذلك اليهودي الذي ساومه في يوم من الأيام عن التخلي عن فلسطين إزاء رشوة مالية تدفع له.. ولكن السلطان عبد الحميد ﵀ رفض بإصرار وعزيمة أن يباع شبر من أراضي فلسطين، وتوعد اليهود الخليفة المسلم. وأعقب ذلك إعلان وعد بلفور سنة ١٣٣٦هـ "١٩١٧م" الصادر من وزير الخارجية البريطاني والذي يقضي بمنح فلسطين وطنًا قوميًّا لليهود.. وتوالت هجرة اليهود في أثناء الانتداب البريطاني وانسحبت بريطانيا سنة ١٣٦٧هـ "١٩٤٨م" من فلسطين لتمكن اليهود من التسلط عليها.. وأقيمت في فلسطين أول كنيسة بروتستانتية، وكان المبشرون جد مقتنعين أن جمع اليهود في فلسطين وإنشاء وطن قومي لهم يسهل مهمتهم في الوصول إلى أطماعهم في ديار المسلمين، وللوصول إلى تغيير ثقافة المسلمين. من أجل ذلك فتح الإنجليز باب فلسطين على مصراعيه لدخول قوافل الحقد والكراهية والمكيدة والخيانة.. وقد كتب المبشر "جون فان أسى" سنة "١٩٤٣م" يذكر إسرائيل ويعلن حدودها كما هي عليه الآن، ويبرر المبشر "لورانس براون" تفضيل المبشرين التعاون مع اليهود ضد القضية الإسلامية بقوله: إن المسلمين يختلفون عن اليهود في أن دينهم "دين دعوة" أما اليهود فهم جماعة مغلقة.. لقد كنا نخوف بشعوب مختلفة ولكن بعد الاختبار لم نجد مبررًا لهذا التخوف، لقد كنا نخوف بالخطر اليهودي، لكننا وجدنا اليهود أصدقاء لنا، وعلى هذا يكون كل مضطهد لهم عدونا الألد.. ولكن الخطر الحقيقي كامن في نظام الإسلام، وفي قدرته على التوسع والإخضاع، وفي حيويته.. إنه الجدار الوحيد الذي يقف في وجه الاستعمار١. وقال مسئول فرنسي سنة "١٣٧١هـ/ ١٩٥٢م": ليست الشيوعية خطرًا على أوروبا -فيما يبدو لي- إن الخطر الحقيقي

стр. 185

الذي يهددنا تهديدًا مباشرًا عنيفًا هو الخطر الإسلامي، والمسلمون عالم مستقل كل الاستقلال عن عالمنا الغربي.. فهم يملكون تراثهم الروحي الخاص، ويتمتعون بحضارة تاريخية ذات أصالة، وهم جديرون أن يقيموا بها قواعد عالم جديد دون حاجة إلى الاستغراب، وفرصتهم في تحقيق أحلامهم هي اكتساب التقدم الصناعي الذي أحرزه الغرب١.

стр. 186

الاستشراق مدخل ... ٣- الاستشراق: لقد اتخذت الصليبية بالتعاون مع الصهيونية "الاستشراق" وسيلة فكرية لإثارة الشبهات والفتن والقلاقل حول الإسلام عقيدة ومنهجًا وخلقًا وشريعة، وكانت ترمي بذلك إلى تحقيق أهداف غاية في الخطورة أشير إلى بعضها: ١- تشويه المعالم العامة للإسلام وحجب محاسنه عن الناس للحيلولة دون انتشاره من جهة ولإظهاره على غير حقيقته من جهة أخرى، ذلك لأن المستشرقين علموا يقينًا أن الإسلام إنما انتشر بسمو مبادئه وسماحة تعاليمه، وعدالة تشريعه، فأرادوا أن يحجبوا هذا الدين العظيم عن الوصول إلى النفوس والأفئدة، فعمدوا إلى التضليل والتشويه. ٢- العمل على إخماد روح الجهاد في نفوس المسلمين والركون إلى الراحة والدعة، وبذلك يتم دعم الاستعمار الصهيوني، والغزو الفكري الصليبي. ٣- العمل على عزل الشريعة الإسلامية عن أنظمة الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية واستبدالها بأنظمة أجنبية وضعية، وبذلك يحافظون على تبعية المسلمين للاستعمار في شتى أشكاله ومختلف ألوانه، ومن ثم ينعمون بخيرات بلادنا الإسلامية ويتمتعون بثرواتها الطبيعية. ٤- محاربة اللغة العربية ومناهضتها. ٥- نشر الاتجاه العلماني، وربط حركة التغريب بالتقدم الحضاري.

стр. 187

تاريخ الاستشراق: من الصعب أن يحدد الباحث تاريخ بدء الاستشراق، ولكن الآراء تضافرت على أن الحركة الاستشراقية قد بدأت في القرن السابع الهجري في الأندلس، حينما اشتدت حملة الصليبيين الأسبان على المسلمين في ديارهم "الأندلس" فدعا ملك قشتالة "ميشيل سكوت" ليقوم بالبحث في علوم المسلمين وحضارتهم فجمع "سكوت" عددًا من الرهبان في بعض الأديرة بالقرب من طليطلة، وبدءوا يترجمون بعض الكتب العربية إلى اللغة الأجنبية، ثم قدمت هذه الكتب إلى الملك فأمر باستنساخها وإرسال نسخها إلى جامعة باريس١. ومن أوائل الرهبان الذين درسوا في الأندلس على يد العرب الراهب الفرنسي جربرت الذي انتخب بابا لكنيسة روما عام ٩٩٩م. وكان من المتقدمين في ترجمة الكتب العربية "ريمون لول" رئيس أساقفة طليطلة، ومن ثم انتشرت الترجمة على نطاق واسع، وكانت ترسل الكتب العربية لتدرس في جامعات أوروبا في مختلف العلوم من طب وكيمياء وفيزياء وفلسفة وغيرها من العلوم التي بلغت أوج ازدهارها في الحضارة الإسلامية، وكان الأوروبيون يستفيدون منها فائدة كبرى، وإنها لتعتبر -بحق- نواة الحضارة الأوروبية الحديثة. ومنذ أن بدأ المستشرقون الكتابة سلكوا طرقًا خبيثة لتزييف العقيدة الإسلامية، وامتصاص ما فيها من قوة وجهاد وإيمان٢ وتصوير الإسلامية على أنه دين تعبدي فقط، وأن هناك فصلًا تامًّا بين الدين وبين الحكم وسياسة الدولة والنظم الاقتصادية التي يمكن أن تخضع لأنظمة ومبادئ مغايرة للدين.. وقد تطور الاستشراق في الأسلوب وفي المنهج، كما تطورت طرق التبشير من قبل، فعمد المستشرقون منذ مطلع القرن الثالث عشر الهجري "أواخر القرن الثامن عشر الميلادي" إلى الدعوة لإنشاء كليات لتدريس اللغات الشرقية في عواصم البلاد الأوربية، وفعلًا فقد أنشئت كليات لتدريس اللغات الشرقية في

стр. 188

لندن وباريس وليدن وبرلين، وبطرسبرج وغيرها، واشتملت على أقسام خاصة لدراسة اللغة العربية وبعض اللغات الإسلامية كالفارسية والتركية والأردية وكانت تهدف من وراء ذلك تزويد السلطات الاستعمارية بخبراء في الشئون الإسلامية، ثم أخذ الطلاب المسلمون يؤمون هذه الكليات الأوربية للدراسة فيها، وبذلك تأثر الفكر الإسلامي بما يمليه المستشرق في أذهان الطلبة المبعوثين من أبناء المسلمين١، وكانت المؤسسات الدينية والسياسية والاقتصادية في الغرب تقدم الأموال الطائلة للمستشرقين من أجل القيام بمهمتهم. وقد أنشئت عدة مؤسسات في البلاد الإسلامية لخدمة الاستشراق وللتآزر مع الاستعمار والتبشير الكاثوليكي والبروتستانتي.. والواقع أننا لا نستطيع أن نفصل بين أهداف الاستشراق والتبشير والاستعمار إلا من حيث الأهداف القريبة أو الهيئة الظاهرية، أما الغرض البعيد لها جميعًا فواحد.. غير متعدد.. ومن أبرز هذه المؤسسات التعليمية: الفرانسيسكان والجامعة الأمريكية، وقد انتشرت في كل الأقطار الإسلامية.

стр. 189

خطر الاستشراق: إن كل من يقرأ مؤلفات المستشرقين يضع يده على مواضع الخطر، وذلك لما تهدف إليه هذه الكتب من التشكيك في العقيدة الإسلامية، ومن تشويه التاريخ والتراث الإسلامي، وللمستشرقين مناهج تعليمية وثقافية وفكرية يتوصلون عن طريقها للافتراء على المعالم الإسلامية والعالم الإسلامي, وقد استطاع الاستشراق بكل مكر ودهاء أن يوجد تلاميذ له في الشرق الإسلامي يدورون في فلكه ويروجون بضاعته. "كان الاستشراق وراء كل شبهة أو دعوة خطيرة أحدثت تحولًا في المجتمع الإسلامي في العصر الحديث، فقد كان المستشرقون يلقون الشبهة أو الدعوة ثم يتبعهم الكتاب والمفكرون الذين يكتبون باللغة العربية من أهل التبعية والتغريب والشعوبية ... وهذا واضح في الدعوة إلى العامية.. وفي الدعوة إلى الإقليميات

стр. 190

والقوميات الضيقة"١. وكثيرًا ما يعمد المستشرقون إلى إخضاع النصوص لأهوائهم روغباتهم فيقبلون منها ما توافق أهواءهم ويرفضون غيرها، وكذلك يتحكمون في المصادر التي يختارونها، فقد يدللون على شبهاتهم بأقوال المعتزلة -المرفوضة في الإسلام أصلًا- ويتركون المصادر التي يشهد لها الثقاة المخلصون بالصحة والقبول. ويقوم المستشرقون بعملية إحياء التراث الباطني المجوسي، مستهدفين إثارة الشكوك حول الفكر الإسلامي الأصيل، ويبدو هذا واضحًا في تركيزهم على إحياء كل المخطوطات التي تحمل هذه السموم وبخاصة ما يتصل بالإلحاد والإباحية. ومما يجب أن يتنبه له طلاب العلم والبحث المنهجي هو الحذر كل الحذر من كتب المستشرقين وذلك بأن توضع هذه الكتب تحت التمحيص والتنقيب والنقد وعدم اعتبارها مراجع معتمدة تغني عن الكتب العربية الأصيلة، أو على الأقل عدم اعتبارها مراجع مسلمًا بكل ما دون فيها من آراء وأقوال. شبهات المستشرقين: مما لا ريب فيه أن الإسلام يواجه عداء مريرًا من المستشرقين، ولعل مرجعه عدم فهمهم اللغة العربية وقصورهم عن إدراك ما في القرآن الكريم من تعبيرات بيانية ومجازية، فضلًا عن أهدافهم الدنيئة وأغراضهم اللئيمة التي تظهر في كل تأليف من تآليفهم. وقد حاول الكاتب الإنجليزي "كارليل" أن يترجم القرآن الكريم، ولكنه صدم ببلاغة القرآن وإعجازه حتى إنه لم يستطع أن يفسر كثيرًا من آياته أو أن يدرك كل مدلولات الألفاظ فقال: "إن القرآن الكريم كلام ركيك ثقيل على النفس ولولا ما يحتمه الواجب العلمي على الدارس الأوربي ما استطاع صبرًا على قراءته"٢.

стр. 191

فإذا كان القرآن الكريم وهو المعجزة التي تحدت العرب وهم أئمة البلاغة والبيان والفصاحة، وقد ثبت عجزهم عن معارضة آية واحدة منه، يبدو في نظر هذا المستشرق اللعين سقيمًا ... ، فكيف يقال إنه يفهم اللغة العربية ويؤخذ برأيه في شيء يستخلصه من نصوصها. و"كارليل" هذا يعتبر في نظر كثير من الباحثين مسالمًا للإسلام. لأنه مدح النبي ﷺ في كتابه "الأبطال" قائلًا: "من العار أن يصغي أي إنسان متمدين من أبناء هذا الجيل إلى وهم القائلين: إن دين الإسلام كذب، وأن محمدًا لم يكن على حق، فالرسالة التي دعا إليها هذا النبي ﷺ ظلت سراجًا منيرًا أربعة عشر قرنًا من الزمان لملايين كثيرة من الناس، وما الرسالة التي أداها محمد ﷺ إلا الصدق والحق، وما كلمته إلا صوت حق صادق صادر من العالم المجهول"١. وقد رد عبارة كارليل في القرآن الكريم بعض الكتاب المحدثين منهم آربري في مقدمة ترجمته القرآنية، ومنهم جب في كتابه المحمدية، ولكن حتى هذين المستشرقين لم يجيدا فهم النصوص القرآنية٢. ويقف المستشرقون المعاصرون عند نصوص معينة من القرآن الكريم يتخذون من فهمهم الخاطئ لها دليلًا على أن محمدًا ﷺ استقى تعاليمه من الكتابيين، وهذا زور وبهتان افتروه، وأعانهم عليه عداؤهم وحقدهم الدفين. من ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ ٣. قال المستشرق الإنجليزي "ألفريد جيوم" وتابعه آخرون: "إن محمدًا كان دارسًا مبتدئًا للكتاب المقدس، فظن أن مريم أم عيسى ﵇ هي مريم أخت هارون، مع أن بين عيسى وهارون زمنًا طويلًا"٤.

стр. 192

ومن العجيب أن تروج هذه الفكرة وأن تلقى قبولًا من المستشرقين، ولكن هذا العجب سرعان ما يزول إذا أدركنا خبث طويتهم.. إذ إن كلمة "أخت" في اللغة العربية لا ينحصر استعمالها في أخوة النسب، وإنما تستعمل للدلالة على الشبيه والنظير والمثيل.. فيقال مثلًا: شوقي أخ للمتنبي والغرض من هذا أن كلًا منهما يشبه الآخر في صفات معينة، وليس المراد أن أباهما واحد، وقد كانت مريم العذراء أم المسيح معروفة بورعها وتقواها، وهي الأنثى التي تقبلها بقبول حسن وأنبتها نباتًا حسنًا قد شابهت هارون في ورعها وتقواها، فلما حملت بعيسى ﵇ وهي لا زوج لها ظنها فاسدو الفطرة والذوق أنها ارتكبت فاحشة واستعجبوا لحدوث ذلك منها وهي بارة تقية، فقالوا لها كيف تفعلين هذا مع أنك شبيهة لهارون في عبادته وطهارته، فالآية الكريمة إذن لا تشير إلى أن محمدًا ﷺ قال: إنها أخت لموسى وهارون وأن أباهما كانا أبًا لمريم. وعلى عكس ما فهم المستشرقون فإننا نجد آيات قرآنية تشير إلى وجود فترة زمنية طويلة المدى بين رسولي الله موسى وعيسى ﵉. وقد ثبت أن رسول الله ﷺ قال لوفد نجران حين جاءوا يناظرونه: "إن عيسى أخي" ومحمد ﷺ يعرف أنه أخ له وهو لم ير عيسى، وبينهما ما يقرب من ستمائة عام ولكنهما أخوة النبوة والرسالة. والأنبياء جميعًا على تفاوت الأزمنة بينهم أخوة لأن رسالتهم واحدة وهي الدعوة إلى عبادة الله. ويقف كثير من المستشرقين عند آية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلْ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ١. وقد ذهب فهمهم المحدود القاصر أو المغرض إلى هذا التأويل الخاطئ: وهو أن محمدًا ﷺ أمر أن يسأل أهل الكتاب، وعلى هذا فقد سألهم، وبالتالي فإن رسالته مستوحاة منهم. هذا ما درجوا عليه، ولعل سبب هذا التفسير الخاطئ هو عدم فهمهم اللغة العربية٢ حق الفهم في أمور:

стр. 193

١- منها أن الخطاب يوجه إلى رسول الله ﷺ والمراد به المسلمون١ وهو أسلوب من أساليب اللغة العربية كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ٢, فالنبي ﷺ متق الله ولم يطع الكافرين والمنافقين، ولكن الخطاب موجه إلى أمته. وكما في قوله تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٣. وهو ﷺ كان معرضًا عن المشركين. ٢- ومنها أن السؤال لا يعني الاستفهام، وإنما يعني التأمل والبحث ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٤, ولا يمكن أن يسأل محمد ﷺ رسولًا من الرسل الذين سبقوه، كيف وبينه وبين عيسى ﵇ وهو آخر واحد منهم نحو ستة قرون، ويمكن أن يقال إن الخطاب موجه إلى الأمة الإسلامية وليس إلى محمد ﷺ على الخصوص. والمراد ابحثوا في رسالات الأنبياء جميعًا فستجدونها تدعو لعبادة الله وحده، ولا تسمح بتأليه أحد سواه ولا بالخضوع لأحد غيره٥. ٣- ومنها أن الجملة مشروطة بتحقق الشك، "فإن كنت في شك" ومحمد ﷺ لم يكن في شك أبدًا مما أنزل الله إليه، ولهذا قيل في تفسير الآية الكريمة إن لفظ "إن" للنفي أي ما كنت في شك قبل، يعني لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك لكن لتزداد يقينًا كما ازداد إبراهيم يقينًا برؤية إحياء الموتى٦، وعلى هذا فما بنى هؤلاء المستشرقون دراستهم عليه وما وصلوا إليه من نتائج دعوات لا أساس لها من الصحة ولا وجود لها أصلًا، ومرجع ذلك ضعفهم في اللغة العربية فضلًا عن لؤم طويتهم. وقد ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك فقالوا: إن محمدًا ﷺ قد استقى

стр. 194

معلوماته من مصادر كثيرة منها صهيب الرومي، وسلمان الفارسي. وزوجه ﷺ مارية القبطية. أحقًّا هم يؤمنون بما يقولون؟ أم هو مجرد اتباع للهوى ولأهل الأغراض التي تخطط ليلًَا ونهارًا لإشاعة مثل هذه الفتن والأقاويل١. أما صهيب الرومي فقد قيل عنه إنه عربي الأصل من بني النمر بن تولب، سبته الروم طفلًا وباعته، ونشأ بمكة، ويقال إنه عتيق عبد الله بن جدعان٢ فماذا عسى أن تكون ثقافة طفل أو صبي حتى يستفيد منه محمد ﷺ وهو لم يذهب إلى بلاد الروم, ولم تكن الدولة البيزنطية دولة توفر العلم حتى يفيض على الصبيان، ويقال: إن صهيبًا هذا نشأ بالعراق٣. وأما سلمان الفارسي فقد كانت رحلته بحثًا عن الحقيقة، ولم يصل إلى بلاد العرب إلا بعد الهجرة وبعد أن مر على إعلان الدعوة الإسلامية ما يربو على خمسة عشر عامًا٤. وأما مارية القبطية فقد أهديت للنبي ﷺ وكانت أمة ساذجة لا ثقافة لها. فأي زور وأي بهتان يسيل من أقلام هؤلاء المستشرقين، أفلا يعقلون؟ أفلا يخضعون للحق المبين.. وإن ذهبوا كل مذهب من ضلال وبهتان، فإن نور الإسلام لن يطفأ وإن الله تعالى متم نوره ولو كره المشركون. وإن هؤلاء الصحابة أمثال صهيب الرومي وسلمان الفارسي الذين أشار إليهم المستشرقون، قد أتوا ليتعلموا من رسول الله ﷺ ويتتلمذوا على يديه، ولو كان أحدهم مبرزًا في علم وثقافة، أو أستاذًا في العلوم الدينية لما ساغ له أن يأخذ ممن علمه؟ وهل يأخذ الأستاذ العلم ممن علمه؟ وهل يكون التلميذ أستاذًا لأستاذه؟ ومما يثيره المستشرقون تلبيسًا وتشويهًا لحقائق ثابتة تاريخيًّا وعمليًّا، مسألة أمية محمد ﷺ فهم يقولون: إن محمدًا ﷺ لم يكن أميًّا، بل كان قارئًا كاتبًا،

стр. 195

والحجة في هذا أنه كان تاجرًا والتاجر لا بد أن يراجع حساباته ويضبطها ولا يتأتى ذلك لأميٍّ. هذا التخيل الذي ينسجه هؤلاء المستشرقون مصادم للوقائع التاريخية، التي لا يستطيع أحد أن يتجاهلها أو يردها بمجرد أحلام يقظة وطيش، ولم يكن هناك أي دليل من الدلائل التاريخية تثبت أن محمدًا ﷺ كان يعرف القراءة والكتابة. ولو عرف عنه ذلك لما سكتت قريش المعادية المعاندة، وكانت تود أن ترى ثمة خيطًا ولو كان رفيعًا لرفض دعوته ولمقاومته بشتى وسائل المقاومة.. وكان في عصره ﷺ عشرات من التجار لا يقرءون ولا يكتبون وهم من ذوي الثراء والملكية المنوعة ونحن الآن وبعد أربعة عشر قرنًا من نزول القرآن الكريم نجد بيننا تجارًا كبارًا أميين. وقد وصف القرآن الكريم محمدًا ﷺ بالأمية فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ ١.. وقال: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ٢. وعندما تجمعت قريش لغزوة أحد أرسل العباس بن عبد المطلب كتابًا سريًّا يخبر فيه رسول الله ﷺ بهذا التجمع فدفع النبي ﷺ الخطاب إلى أبي بن كعب فلما قرأه وعلم النبي ﷺ بهذا الخطر الذي سيواجه المسلمين استكتم أبيًّا ما قرأ، ولو كان ﷺ يحسن القراءة لقرأ الكتاب بنفسه ولما احتاج إلى من يقرأه ثم يستكتمه الخبر. وحين كتبت ثقيف شروط إسلامها للنبي ﷺ أجازت فيها الربا والزنا، فلما قرئ الخطاب على النبي ﷺ قال للقارئ وهو يقرأ كلمة "الربا": ضع يدي عليها، فوضع يده فمحاها، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ ٣, ولما بلغ كلمة الزنا قال: ضع يدي عليها فمحاها أيضًا وقرأ: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ ٤. وأُمِّيَّة محمد ﷺ قضية متواترة لا تحتمل تشكيكًا، ولا تحتاج إلى بحث من

стр. 196

جديد. وهي مما يؤكد أن القرآن الكريم كله وحي من عند الله، وأن النبي محمدًا ﷺ لم يكن يملك وسيلة التعلم وهي القراءة والنظر فيما ترك الأولون١. يقول الدكتور "عبد الجليل شلبي" في كتابه "الإسلام والمستشرقون": "والقرآن الكريم لا يكفي أن يؤلفه شخص يقرأ ويكتب، فهو موسوعة علمية تلم بجوانب فكرية كثيرة، به آيات تشير إلى مستكشفات علمية حديثة ونظريات ثابتة لم يعرفها العلماء إلا حديثًا، فلو أن عددًا من العلماء تضافر على تأليفه لأعوز إلى ثقافات واسعة وزمن متطاول للدرس والتأليف ولهذا -نحن المسلمين- نؤمن بيقين وبرهان أنه كلام الله"٢. الشبهة الثانية: عدم إيمان القرشيين بمحمد ﷺ في بادئ الأمر. يقول المستشرق "ألفريد جيوم": إن المثل: "لا كرامة لنبي في وطنه لا ينطبق على أحد مثلما ينطبق على محمد ﷺ ويتخذ من تكذيب قريش له دليلًا على بطلان دعوته" وهو كلام خطأ في استدلاله وفي استنتاجه. ذلك لأن كل الأنبياء كذبوا في أوطانهم، وكذبهم ذووهم وعشيرتهم، من لدن إبراهيم الخليل إلى خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله عليهم صلوات الله وسلامه، لقد كذب بنو إسرائيل موسى تكذيبًا عمليًّا، وهو قائدهم ومخلصهم من ظلم فرعون واستبداده. نهاهم عن عبادة العجل فعبدوه حين تغيب عنهم ليكلم ربه في الطور وقال لهم: اعبدوا الله رب هذا الكون, فقالوا: أرنا إياه: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ٣, وأمرهم أن يتركوا العمل يوم السبت فتركوا العبادة وذهبوا للصيد"٤. ولقي عيسى من تكذيب قومه الشيء الكثير، ثم بلغ من إيذائهم له أن قدموه

стр. 197

للمحاكمة وطلبوا صلبه، أفيدل ذلك أيضًا على أن المسيح ﵇ لم يكن مرسلًا من ربه؟ ومن المعروف أن الذين حاربوا المسيح ﵇ لم يكونوا أميين وليسوا من السذج وإنما كانوا من الصفوة ومن الرؤساء ومن العلماء. ومن قبل كذب زكريا قومه وقتلوه، وكذبوا يحيى وتمنوا الخلاص منه، فلما قتل ظلمًا سكتوا عن قاتله، ولولم يكونوا راضين عن هذه الفعلة لما سكت أعلام اليهود عن هذا الأمر الخطير. وقد قال ورقة بن نوفل وكان على الحنيفية: "لم يأت أحد بمثل ما أتى به محمد ﷺ إلا عودي". وبعد هذا كله نسأل هؤلاء المستشرقين: لماذا يرون أن محمدًا ﷺ هو الذي ليس له كرامة في وطنه من بين الأنبياء جميعًا؟ ومحمد ﷺ كان عالي القدر في قومه قبل بعثته، وقد أطلقوا عليه اسم "الأمين" لما عرف عنه أنه سامي الأخلاق وشريف الخصال ونبيل المكرمات، وكان يختار من قومه للفصل بين المسائل والخصومات. لهذا كله نقول: إن المستشرقين لم يوفقوا في إلصاق اتهاماتهم في الإسلام ولا في نبيه الصادق، ولم يوفقوا فيما وصلوا إليه من نتائج مفتراة. الشبهة الثالثة: الوسيلة التي انتشر بها الإسلام: هل انتشر الإسلام بالسيف؟ هذه مسألة يثيرها كثير من المتحاملين على الإسلام، ولعل من له أدنى صلة بكتب السيرة يعرف مدى بطلان هذه الدعوة. فقد ظل نبي الإسلام محمد ﷺ بمكة ثلاثة عشر عامًا يدعو إلى التوحيد، ولكن صناديد قريش يحولون بين الناس وبين تفهم الدعوة وقبولها. ومن تبعه من ضعاف القوم لقوا ما لقوا من إهانة وتعذيب وتنكيل، وكانت الوفود تقدم مكة لتسمع رسول الله ﷺ ولكن قريشًا تتصدى لهم وتجبرهم على العودة قبل أن يلتقوا برسول الله, ﷺ .. ثم هاجر المسلمون إلى الحبشة مرتين فرارًا من

стр. 198

وكان للمسلمين منهج واضح في الدعوة إلى التوحيد، هذا المنهج يتضح لكل ذي بصيرة إذا قرأ الكتب التي أرسلها رسول الله ﷺ إلى ملوك أهل الكتاب، فقد كان ﷺ يخيرهم بين أن يدخلوا في الإسلام أو يظلوا على دينهم ويدفعوا الجزية، وإذا قبلوا دفع الجزية كان على المسلمين حمايتهم، وتترك لهم الحرية في إقامة شعائرهم الدينية. والدليل على ذلك معاملة الرسول ﷺ لوفد بني تغلب حينما قدموا إلى المدينة وكان منهم وثنيون أعلنوا إسلامهم، ومنهم مسيحيون ظلوا على مسيحيتهم، ومع انتشار الإسلام وتقدمه فقد ظل في هذه القبيلة عدد كبير من المسيحيين، ولما جاء عمر بن الخطاب حذر من الضغط عليهم بأية وسيلة، وأمر أن تكون لهم الحرية التامة في ممارسة شعائرهم الدينية، ولكنه اشترط عليهم أيضًا ألا يحولوا بين أي فرد منهم وبين الإسلام إذا رغب أن يكون مسلمًا، ومن أسلم منهم فإن أطفاله مسلمون لا يعمدون.. وقد آثرت هذه القبيلة أن تدفع الزكاة بدلًا من الجزية وتدخل في دين الله الذي حظيت في حماه بالحرية والكرامة الإنسانية.

стр. 199

أمثلة من مظاهر تحامل المستشرقين: ١- اتهام الشريعة الإسلامية بالجمود وعدم المرونة: يذكر بعض المستشرقين أن الشريعة الإسلامية جامدة، وغير قابلة للتطور بسبب اقتصارها على الكتاب والسنة، وضعف أثر الرأي والإجماع منذ القرن الحادي عشر الميلادي. ولعل هذا القول مصدره تصورهم الفاسد من أن الشريعة الإسلامية مزيج من شرائع شتى، وأن الإسلام نفسه مأخوذ من عدد من الأديان. ونرد على تحاملهم هذا فنقول: إن الشريعة الإسلامية إنما تنهض على مصدرين أساسيين هما كتاب الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وسنة رسول الله ﷺ المؤيد بوحي السماء، ولو تخلت الشريعة الإسلامية عن أحد هذين الأصلين لما بقيت إسلامية. ولو كانت الشريعة الإسلامية مقتبسة من الوثنية اليونانية، أو من الديانات السابقة كما يتوهم الأعداء ظلمًا وعدوًا لما بقيت إلى هذا اليوم مبرأة من كل نقص.

стр. 200

ومن كل سوء ومن كل شرك ومن كل فساد. على حين أن غيرها من الشرائع قد تدنت في الفساد إلى أسفل السافلين عقيدة وخلقًا ونظامًا. أقول إن القرآن الكريم قد وضع الأحكام العامة والمبادئ الكلية، وترك للمجتهدين المسلمين فسحة لتفصيلات الأحكام وتفريع الفروع مما يتناسب مع كل بيئة وزمن وظرف. وفي إطار القرآن الكريم والسنة المطهرة تبنى الاجتهادات التي لا تزال رافدًا خصبًا من روافد الشرع الإسلامي. ولهذا فقد كان لكل زمان حضارة ولكل بيئة اجتهادات. ومن آثار كثرة الاجتهادات وتعدد ضروبها وألوانها أن وجدت المذاهب الفقهية للأئمة الأربعة. أما الأحكام الثابتة والأصول العامة للعقيدة والشريعة والأخلاق التي لا يؤثر فيها اختلاف البيئة والزمان فقد جاءت في القرآن الكريم والسنة النبوية مفصلة، منظمة لكل كبيرة وصغيرة كأحكام المواريث ونظام الطلاق والعدة. هذا الرد يكفي لبيان الأحكام الشرعية الثابتة ولبيان الأحكام الشرعية التي يمكن أن يؤثر فيها اختلاف المكان والزمان. وأما إذا أراد المستشرقون بقولهم: "إن الشريعة لا تتطور" عدم قابلية الأحكام الشرعية الثابتة أصلًا للتعديل والتبديل والتغيير من عدم جواز إباحة ما حرم الله كثبات تحريم الربا مثلًا أبد الدهر فهذا حق لأن التغيير والتطوير هنا تحريف قد سلمت الشريعة منه بحفظ الله لكتابه العزيز. ٢- ذكر بعض المستشرقين أن نظام الحسبة في الإسلام قد نقل عن الساسانية وليس نظامًا نابعًا من الإسلام. الحسبة هي أوجه الإصلاح العملي في حياة الناس، أو هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهي مأخوذة من قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ١.

стр. 201

وفي القرآن الكريم نصوص كثيرة تدعو إلى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد مر الرسول ﷺ برجل يبيع قمحًا فضرب يده في داخله فوجد به بللًا فنهى الرجل عن إخفاء القمح المبلل وأمره بإظهاره حتى يكون المشتري على علم بما يشتريه.. وقال ﵊ "من غش فليس منا". وكان عمر بن الخطاب ﵁ يجول في الطرقات ليلًا ليسمع أقوال الناس عنه أو شكواهم منه فيصلح ما يمكن أن يكون قد غفل عنه، أو ما عسى أن يكون في أعمالهم من خطأ أو في سلوكهم من انحراف، ثم تطور نظام الحسبة في الإسلام حتى أصبح له رجال قائمون به يأخذون على أيدي الناس إذا وجدوا منهم إساءة. فالنظام إذن ليس مستعارًا وإنما هو منبثق عن أصول الإسلام. ٣- أنكر أحد المستشرقين واسمه "برتلو" أن تكون كتب الكيمياء اللاتينية التي تحمل اسم جابر بن حيان كتبًا عربية الأصل كتبها رجل مسلم لمجرد أن أصولها العربية فقدت.. وهذا يدل على افتراء هذا المستشرق. وقد رد عليه مسارطون قائلًا: إن أي شخص يعرف العربية لا يخطئ مطلقًا في اكتشاف أن هذه الكتب اللاتينية ترجمات لكتب عربية. إذ إن الأساليب تبدو واضحة من الترجمة اللاتينية سواء كانت لجابر أو لغيره١. وهكذا جرى قلم المستشرقين لإثارة الشبهات وبلبلة الأفكار، وتشويه الحقائق ودس الفتن.

стр. 202

وسائل المستشرقين لتحقيق أهدافهم: لقد طرق المستشرقون كل الوسائل المتداولة لنشر آرائهم المضللة ودس أفكارهم المزيفة ومن أهم هذه الوسائل: ١- تأليف الكتب في موضوعات مختلفة عن الإسلام وقرآنه ورسوله، وكثيرًا ما تحمل هذه الكتب عناوين جديدة لفتت أنظار المثقفين إليها ككتاب "دراسات

стр. 203

إسلامية" و"العقيدة والشريعة في الإسلام" للمستشرق جولد تبهر، وككتاب "الاتجاهات الحديثة في الإسلام" للمستشرق هـ. أ. ر. جب و"الإسلام والمجتمع الغربي" للمؤلف السابق. ٢- إصدار المجلات الخاصة ببحوثهم حول الإسلام وبلاده وشعوبه. ٣- إلقاء المحاضرات في الجامعات والمجامع العلمية. ٤- مقالات في الصحف المحلية والعالمية. ٥- عقد المؤتمرات لإحكام خططهم الماكرة. ٦- إنشاء الموسوعة الإسلامية والتي أطلقوا عليها اسم دائرة المعارف. يقول د. السباعي رحمه الله تعالى: "في هذه الموسوعة التي حشد لها كبار المستشرقين وأشدهم عداء للإسلام قد دس السم في الدسم ومثلت بالأباطيل عن الإسلام ما يتعلق به"١.

стр. 204

المبحث الثاني: اليهودية التوراة ... الأول: التوراة: جاء في دائرة المعارف البريطانية: "التوراة ليست كتابًا واحدًا ولكنها تتكون من مجموعة من الكتب، استغرق تأليفها قرونًا عديدة. وإنها لم تكتب بلغة واحدة ولكنها كتبت بالعبرية ثم استكملت باللغة الآرامية. وضمت آخر كتبها باللغة الإغريقية، وقد اشترك في كتابتها رجال لهم قدر من العلم وآخرون حظهم من المعرفة ضئيل"١. وهناك من يرى أن التوراة الأولى كتبت باللغة المصرية القديمة، لأن موسى ﵇ كان يتحدث الهيروغليفية. والتوراة تبين تعاليم الديانة اليهودية. وقد اعتبر بعض اليهود أن اليهودية ديانة وضعية "شأنها شأن جميع الديانات التي انتشرت في المنطقة خلال العهد الوثني وعلى رأس أصحاب هذا الرأي "سيجموند فرويد" الذي ذكر في كتابه "موسى والوحدانية" بأن موسى كان زميلًا لأخناتون في المعهد العالي للدراسات اللاهوتية في مدينة هليوبوليس، وقد انتهت أبحاث ذلك المعهد إلى وجود خالق للكون هو الله. وبأن هناك بعثًا

стр. 205

وجزاء"١. وهناك من يرد سبب تحريف التوراة إلى أنها جمعت خلال فترات طويلة تمتد إلى ثمانية قرون. وقد أصبح معروفًا لدى كافة العقلاء وهو ما نجزم به نحن المسلمين ذلك لما ملئت به التوراة من تناقضات وتُرَّهات وخرافات لا تليق بالوحي الكريم ولا برسالة السماء ورسل الله٢. وقد صورت التوراة الله -سبحانه عما يقولون- إلهًا خاصًّا ببني إسرائيل لا يحب سواهم. فالله في التوراة -إله خاص- لا يحب إلا بني إسرائيل، وأما سائر الناس فأغنام وأقل من أن يأبه بهم الرب. والأنبياء في التوراة يفعلون الفاحشة التي يتنزه عنها الإنسان العاقل سليم الفطرة، فضلًا عن صالح المؤمنين فضلًا عن النبي المعصوم. ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ ٣. وتدعي التوراة المحرفة أن السحر قادر على تغيير صورة الإنسان إلى حمار مثلًا أو العكس. فهل يمكن أن يكون هذا كتابًا إلهيًّا مقدسًا جاء لتعريف البشرية بالله ولهدايتهم إلى الطريق المستقيم؟ هل يمكن أن يكون كتابًا مقدسًا من يقول: "يستحق القتل كل "الجوييم" -غير اليهودي- حتى ذوو الفضل منهم" ويقول: "من قتل غير يهودي فقد قدم قربانًا للرب". ولنأخذ بعض النماذج لنصوص التوراة، نناقشها مناقشة علمية منطقية، لعله يستبان على ضوئها مدى بشاعة التصحيف والتحريف التي وصلت إلى التوراة فغيرتها عن موضوعها وهدفها تغييرًا كاملًا.

стр. 206

١- بنو إسرائيل في التوراة: تقول التوراة عن بني إسرائيل: "عاد بنو إسرائيل يعملون الشر في عيني الرب وعبدوا البعليم ... والعشتاروت ... وآلهة آدام.. وآلهة صيدوم ... وآلهة موآب ... وآلهة بني عمون آلهة الفلسطينيين ... وتركوا الرب ولم يعبدوه". "يقول الرب: أتسرقون وتقتلون وتزنون وتحلفون كذبًا وتبخرون للبعل وتسيرون وراء آلهة أخرى"١. ٢- الغريزة الجنسية في التوراة: هناك أناشيد في التوراة تمزج بين الجنس والدين تأثرًا بالعقائد الوثنية التي كانت منتشرة حينذاك في المنطقة. جاء في الإصحاح الثالث: "في الليل.. على الفراش.. طلبت من تحبه نفسي.. طلبته فما وجدته.. إني أقوم وأطوف في المدينة، في الأسواق، في الشوارع أطلب من تحبه نفسي.. طلبته فما وجدته.. وجدني الحرس الطائف في المدينة. فقلت أرأيتم من تحبه نفسي؟ فما جاورتهم إلا قليلًا حتى وجدت من تحبه نفسي فأمسكته.. أحلفكن يا بنات أورشليم بالظباء وبأيائل الحقل ألا توقظن ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء"٢. وعلى هذا فقد ملئت التوراة بقصص الجنس والأخلاقيات المنحطة البذيئة، حتى إنه يبدو لمن يقرأ أية نسخة للتوراة أن الذين أضافوا إليها ما أضافوا من زيادات ما أنزل الله بها من سلطان، كانوا متأثرين إلى حد كبير بالجنس.

стр. 207

وبالأساطير اليونانية التي تدور حول تصوير العلاقة بين المرأة والرجل على أنها غرائز ونزعات جنسية فقط. ٣- الجاسوسية في التوراة: وتتحدث التوراة عن الجاسوسية على أوسع مدى وتعتبرها من الأعمال الدينية الشريفة لأنها مقتبسة من أنبيائهم، كما يتصورها العقل اليهودي الهابط في بؤرة الفساد والضلال. يقول أحد النصوص الواردة في سفر يشوع: "وقال يشوع للرجلين اللذين نجسا الأرض، ادخلا بيت المرأة وكلا ما لها كما حلفتما لها.. وأحرقوا المدينة. بالنار مع كل ما فيها"١. وهكذا فإن الخيال اليهودي الغارق في البعد عن الحقيقة والمنطق يتصور أن النبي يدعو إلى الجاسوسية وإلى إحراق المدينة بكل ما فيها من ممتلكات وأموال، وبكل من فيها من أناس.. ولهذا فإن التجسس على الناس وتلقط الأخبار وبيعها يعتبر لديهم من الأعمال المقدسة التي يجب أن يتوارثوها أبًا عن جد، وأن يربحوا من ورائها الأموال الطائلة كما يربحون من المتاجرة بأنفس البضاعة وأندرها. وقد فطن القادة الكبار منذ العصور القديمة إلى هذه النزعة المتأصلة في نفوس اليهود، فاستخدموهم للجاسوسية في حالة عزمهم على غزو بلد من البلدان، ومن الذين استخدمهم لهذا الغرض الإسكندر الأكبر. وللجاسوسية لدى اليهود حافزان: أحدهما حافظ ديني. فهم يعتقدون أن سرقة الأخبار وإذاعتها مطلب ديني فيه تحقيق لأمر التوراة، والآخر مادي دنيوي، وهم حريصون كل الحرص على سلب الأموال وأخذها بحق وبغير حق من أيدي الناس واحتكارها في أيديهم. ولليهود اليوم دور خطير في وكالات الأنباء والمخابرات العالمية، فلا يكاد يوجد جهاز للمخابرات في الكتلة الشرقية أو الغربية في العالم الرأسمالي أو الاشتراكي إلا ولليهودية فيه النصيب الأكبر. حتى إن جهاز المخابرات الأمريكية يكاد يكون كتلة يهودية قائمة بذاتها، قلبًا وقالبًا، سياسة وتوجيهًا وتخطيطًا.

стр. 208

تتحرك حركة واحدة وتسير في اتجاه يخدم المصالح اليهودية في كل الدول، وهذا ما دعى أحد المسئولين للقول إن السياسة الأمريكية في حقيقتها ما هي إلا تنفيذ حرفي لبروتوكولات صهيون. ٤- التعصب للجنسية اليهودية: تشير التوراة التي في أيدي اليهود إلى التعصب لجنسهم وتجعل منهم شعبًا متميزًا عن سائر الأجناس، وتطالبهم بالانفصال عن شعوب الأرض. ففي أحد الأسفار النصوص التالية: "ودخلوا في قسم وحلف أن يسيروا في شريعة الله التي أعطيت على يد موسى وأن يحفظوا ويعملوا جميع وصايا الرب وأحكامه وفرائضه، وألا نعطي بناتنا لشعوب الأرض، ولا نأخذ بناتها لبنينا"١. وهذا يدل على أن التمييز العنصري قد استمد وجوده من التوراة المحرفة وأن أول شعب دعا للتمايز بين الأجناس والأقوام هم اليهود، بل إنهم يوغلون في التفريق بين الشعوب فيعتبرون أن سائر الأجناس غير اليهودية رجس ونجس. ٥- تعارض التوراة مع المنطق: ومع الحقائق العلمية الثابتة، من ذلك مثلًا ما جاء في سفر التكوين عن نشأة اللغات: "وكانت الأرض كلها لسانًا واحدًا ولغة واحدة، وحدث في ارتحالهم شرقًا أنهم وجدوا بقعة في الأرض "شنعار" وسكنوا هناك.. وقال بعضهم لبعض هلم نصنع لبنًا ونشويه شيًّا فكان لهم اللبن مكان الحجر، وكان لهم الجمر مكان الطين وقالوا هلم نبني لأنفسنا مدينة وبرجًا رأسه في السماء ونصنع لأنفسنا اسمًا لئلا نتبدد على وجه الأرض فنزل الرب لينظر المدينة والبرج الذين كان بنو آدم يبنوهما، وقال الرب هو ذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم، وهذا ابتداؤهم بالعمل.. والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه، هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا

стр. 209

يسمع بعضهم لسان بعض فبددهم الرب من هناك على وجه الأرض، فكفوا عن بنيان المدينة لذلك دعي اسمها بابل، لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض، ومن هنا بددهم الرب على وجه الأرض"١. فهذا التفسير لنشأة اللغات لا يتفق مع الحقائق العلمية لتطور اللغات وأخذها وضعها الثابت لها. ومن هنا يتضح وضوحًا كاملًا لكل ذي بصيرة ونظر التحريف الشديد الذي عبث في التوراة فطمس معالم التوحيد فيها، وأطفأ نور الهداية منها وأخرج للناس كتابًا يثير الضحك والسخرية، والاشمئزاز والكراهية من أولئك الذين سولت لهم أنفسهم أن يشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا، وأن يقولوا زورًا وبهتانًا: "هذا من عند الله وما هو من عند الله". قال الله ﵎: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ ٢. وقال جل من قائل: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ٣. كيف تم التحريف: إننا نؤمن أن الله ﵎ قد خاطب موسى ﵇ وأنزل عليه التوراة فيها هدى ونور ليحكم أصحابها بما ورد فيها من شريعة، ولكننا ننكر أن تكون التوراة التي في أيدي اليهود اليوم هي التوراة الموحى بها من عند الله تعالى وذلك لأسباب جوهرية أصلية، منها ما رأينا من مقالات يتندى من تدانيها حبين الإنسانية خجلًا وحياء، هذا من جهة الموضوع. أما من جهة الأسلوب والصياغة، فإن كل من يطلع على التوراة ويقرأ ما فيها يدرك تمامًا اختلافات شديدة في الأسلوب والتعابير فضلًا عن تناقض الأفكار وتضارب نصوصها بعضها بعضًا.. وأن هذا الاختلاف والتناقض ما كان ينبغي أن يصدر عن إنسان حصيف

стр. 210

متزن فضلًا عن نبي مصطفى، فكيف ينسب إلى الله، تعالى الله عما يقول الكافرون علوًّا كبيرًا. ولكن ما السبب في هذا التغيير والتبديل؟ يذكر علماء تاريخ الأديان أن التوراة قد كتبت بلغات متعددة منها الهيروغليفية "الفرعونية القديمة" ومنها العبرية، والآرامية والإغريقية.. وإن كتابًا يكتب بهذه اللغات المختلفة، ثم يترجم في وقت لم تكن الترجمة ميسرة، ولا التعليم واسع النطاق منتشرًا بين الناس ولا الطباعة معروفة، ولا المخلصون القائمون به وعليه موجودين، ولا العهد بين موسى ﵇ وكتابة التوراة قريبًا، بل إنه لم يكتب إلا بعد مرور ستمائة سنة على وفاة موسى ﵇.. كل هذه العوامل كفيلة بأن تؤكد حصول التحريف والتصحيف بل التبديل والتغيير. ويذكر علماء تاريخ الأديان أن ملك بابل "بختنصر" قد حاصر القدس وخربها وأحرق هيكل سليمان بكل ما فيه حتى ألواح التوراة. ويؤيدون قولهم بما ورد في التوراة: "في الشهر الخامس في سابع الشهر، وهي السنة التاسعة عشرة للملك "بختنصر" ملك بابل، جاء "نبوزرادان" رئيس الشرطة "عبد ملك بابل" إلى أورشليم وأحرق بيت الرب بيت الملك وكل بيوت أورشليم وأحرق بيوت العظماء أحرقها بالنار"١. وعلى هذا فلم يبق لليهود توراة يتمسكون بها ويرجعون إليها، ولم يجدوا جَدًّا واحدًا حافظًَا للتوراة يرجعون إليه ليذكرهم بما ورد في كتابهم الذي أحرق، واختفت بإحراقه كل نسخة وكل أثر لما روي عن النبي موسى ﵇. وقد سبي اليهود وليس في أيديهم مرجع واحد يحفظ عليهم دينهم، فمما لا شك فيه أن يتأثروا بالديانات الوثنية المنتشرة آنذاك، كالديانة الفارسية والبابلية، فشربوا من عقيدتها وأخلاقها ... وبعد حين من الدهر خطر على بالهم أن يكتبوا كتابًا يحفظ عليهم عنصرهم اليهودي، فكتبوا "التلمود" وقد أملى عليهم هذا

стр. 211

الكتاب حقدهم الدفين على البشرية، وحرصهم في أن يعيدوا تجمعهم وأن يتخلصوا مما لاقوا من ظلم حكام بابل. ثم جاء الكاهن "عزرا" ووضع كتاب "التوراة" معتمدًا على التلمود أولًا، وعلى بقايا أسفار من التوراة عثروا عليها مع كهنة في بلاد بابل. وبعد هذا العرض يتبين أن توراة موسى ﵇ قد محيت من الوجود وحل محلها "توراة عزرا" المتأثر تأثرًا بالغًا بالأساطير الفارسية والبابلية عقيدة وخلقًا.

стр. 212

ثانيًا- التلمود: هو الكتاب الثاني لليهود، وتأثيره أخطر من التوراة - ذلك لأن التوراة حرفت وغيرت أما التلمود فلم يكن له وجود أصلًا. وإنما نسجته تصورات اليهود الخاطئة، وأفكارهم الحاقدة، ونفوسهم الشريرة، وخيالاتهم المتأثرة بالوثنية الفارسية والبابلية، وغرائزهم الطائشة التي لا يقيدها خلق ولا تهذبها قيمة. والتلمود كلمة عبرية، قيل إن معناها التعليم. وقد انطلقت فكرة تدوين التلمود من رأس أحد كهان اليهود بعد السبي البابلي، عام "٥٣٩ ق. م" ثم تأسست لجنةٌ عدد رجالها "١٢٠" رجلًا لمتابعة ذلك الكاهن في كتابة التلمود، وقد عرفت هذه اللجنة "بالثنائم" لأنها تجعل كتابهم المقدس في كتابين اثنين التوراة والتلمود، واستمرت الإضافات والزيادات والأوهام تزيد في هذا المؤلف المخترع حتى القرن الثاني بعد الميلاد. ولليهود اعتقاد غريب في "التلمود" هو أن هذا الكتاب -مع معرفتهم الأكيدة بأنه اختلاق وافتراء- قد وجد قبل الخليقة، ولولاه لزال الكون بأسره. وقد أثر "التلمود" تأثيرًا دينيًّا وثقافيًّا وسياسيًّا على اليهود ويظهر التأثير الديني بتحول عقيدتهم من التوحيد إلى الشرك الممزوج بالأساطير والخرافات، فاليهود يخشون الحاخامات أكثر مما يخشون الله، وأن الله -في معتقدهم الفاسد- قد أخطأ، واعتذر للحاخامات الذين كتبوا التلمود، وأن الأحبار أفضل من الأنبياء.. ومن وصايا التلمود: ١- مخافة الحاخامات هي مخافة الله.

стр. 213

٢- أقوال الحاخامات أفضل من أقوال الأنبياء. ٣- لا يمكن نقض تعليمات الحاخامات ولو بأمر من الله. "وأن القمر تظلم من بهوا" رب اليهود لأنه خلقه أصغر من الشمس.. فقبل تظلمه واعترف بخطئه وسوء تدبيره. وقال اذبحوا لي ذبيحة أكفر بها عن ذنبي لأني خلقت القمر أصغر من الشمس. والأثر الثقافي الذي أورثه "التلمود" في نفوس اليهود يظهر في حرص الأحبار على تعليم أجيالهم اليهودية التلمود، واعتباره أساسًا لوحدتهم القومية. وأنهم هم وحدهم شعب الله المختار، وفيهم كل خصال القوة والنباهة والذكاء والحذق التي تخولهم للتغلب على الشعوب الضعيفة واستغلال خيراتها والتسلط على ممتلكاتها. ويظهر الأثر السياسي بمحاربتهم العلنية أو الخفية لكل أنظمة الحكم إن لم تكن موالية لهم أو متآزرة معهم. ولعله من الأهمية بمكان أن أذكر هنا صورًا من التعليمات اللئيمة للتلمود: ١- محاربة التلمود للنظام الأسري والملكية الخاصة والطبقة المتوسطة. فإن التلمود يحارب النظام الاجتماعي "للجويم" الذي يقوم على أساس الأسرة والدين وامتلاك الممتلكات الخاصة، كما يحارب وجود الطبقة الوسطى في المجتمع. ولعل "كارل ماركس" قد تأثر تأثرًا كبيرًا بالتلمود حينما دعا إلى مبادئه الماركسية. ٢- إهدار كرامة المرأة: لقد أساء التلمود للمرأة أيما إساءة فاعتبرها صورة صارخة للجنس، ولم يرع نسبًا ولا رحمًا. فقال في أحد تعاليمه: "من رأى أن يجامع والدته فسيؤتى الحكمة، ومن رأى أن يجامع أخته فمن نصيبه نور العقل". ويحث في بعض مواضعه على الزنا بغير اليهوديات فيقول: "إن الزنا بغير اليهود ذكورًا أو إناثًا لا عقاب عليه لأن الأجانب -وهم غير اليهود- من

стр. 214

نسل الحيوانات"١. وهكذا يتدنى الخلق اليهودي إلى أسفل السافلين. ٣- افتراءاتهم على مريم العذراء وعيسى ﵇: يقول التلمود: "يسوع الناصري -عيسى ﵊ ابن غير شرعي، حملته أمه وهي حائض سفاحًا من العسكري باندادا. وهو كذاب ومجنون. ومضلل وساحر، ومشعوذ ووثني ومخبول"٢. و"مات يسوع كبهيمة ودفن في كومة قذر". الديانة المسيحية ديانة غريبة وثنية، وهي كالمرأة النجسة تلوث كل من يتصل بها". و"أتباع يسوع يطرحون بعيدًا كما تطرح خرق حيض المرأة". ويسمي "التلمود" "الأناجيل" سجلات الشر، والصلوات المسيحية خطايا وآثامًا، وأعياد المسيحيين كارثة وهلاكًا وأيام الشيطان، ولم يترك التلمود أمرًا يتصل بالمسيح ﵊ أو بالمسيحيين إلا جعله سبة لهم. وانتهى به المطاف أن جعل قتل المسيح أو إيذاءه أو إضراره قربى من القربات. وبعد، فأي كتاب هذا الذي يلتف اليهود حوله ويعتبرونه أصلًا ثابتًا من أصول الدين والاجتماع، والثقافة والسياسة؟ أفلا يتدبرون في فساده وعظم تجني كاتبيه على العقول الساذجة البسيطة؟ أم أنها عماوة الضلال، وغباء الشرك، وجهالة الأفئدة، وخواء الروح؟.

стр. 215

ثالثًا: البروتوكولات: ثبوت البروتوكولات يذكر أنه في عام "١٩٣٥م" نشر "تيودور فيشر" صاحب المكتبة الألمانية
следующие страницы →