← Общие книги

Общие книги · id 8669

أضواء على الثقافة الاسلامية

نادية شريف العمري

Полный текст (414 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الغزو الشيوعي: إن من أخطر أنواع الغزو الفكري الذي هاجم المسلمين في ديارهم ذلك الغزو الشيوعي الشرس العنيف الدموي الذي يحمل في طياته مكر اليهود وخبثهم ولؤمهم وحقدهم كما يحمل بقايا خربة عفنة من الوثنيات الضالة التي كادت البشرية أن تتخلص منها. وكانت الشيوعية في محاولتها للدخول إلى الديار الإسلامية تتخذ أساليب المكر والخداع وتخفي أهدافها الرهيبة ورغباتها الهدامة، فكانت تعتصم بجدار "الاشتراكية".. أو كلمة "اليسار" ودعت لفتح باب الحوار مع الدين، وأنها لا تعارض الدين البتة، وأن هناك انفصامًا بين العقيدة وبين الشيوعية، فالشيوعية منهج سياسي واقتصادي واجتماعي والدين يقتصر على العقيدة القلبية.. ولكنها ما لبثت أن انكشفت حقيقتها واستبان أمرها وأنها أرادت أن تهدم العقيدة والخلق

стр. 247

والروابط الاجتماعية والنظام الإسلامي السياسي والاقتصادي، وتحل هي دينًا محله وكانت الماركسية في العالم الإسلامي تهدف إلى خلق تيارات شيوعية من المسلمين أنفسهم يساعدون اليهود على تحقيق مكاسبهم وتنفيذ مخطط صهيون. والعالم الإسلامي يواجه كل تجربة ترزأ العالم العربي بسبب التحدي الشيوعي، وقد وجد من بين أبناء المسلمين -مع الأسف الشديد- من يدعو إلى التجديد، ويروج البضاعة الشيوعية في الصحافة والسينما والمسرح والإعلام كله.. وما هي إلا سنوات قليلة حتى انكشف الفكر الماركسي، واستبانت حقيقة دعوته، فجر ذيول الخيبة وفر هاربًا.. وصمدت الثقافة الإسلامية في وجهه ورابطت لتحمي الثغور الإسلامية، وظهر سمو الفكر الإسلامي وأصالته واستجابته الحقيقية لأشواق المسلمين وتطلعاتهم، واتضح للعالم أجمع أن الإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة، لا يقبل التجزئة ولا التفرقة ولا المساومة ولا التلفيق ولا الترقيع. ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ١. صورة واقعية للفتك الشيوعي في البلاد الإسلامية: تعتبر تركستان من البلدان الإسلامية التي خضعت للشيوعية الفاشية بحد السيف وتحت أزيز المدافع وألسنة النيران. وكان من هذه البلاد الإمامان الجليلان: البخاري ومسلم، والمفسران: الزمخشري والنسفي وأئمة البلاغة وإعجاز القرآن: عبد القاهر الجرجاني وسعد الدين التفتازاني ويوسف السكاكي، ومنها الفارابي وابن سينا، ومن علماء الرياضة والفلك: خالد والبلخي، ومن علماء الهندسة بنو موسى، ومنها البيروني والماتريدي والخوارزمي والسرخسي، وغيرهم٢. تقول التقارير التي قدمت من بعض المهاجرين من الحكم البلشفي الغاشم هذه الحقائق:

стр. 248

قتل الشيوعيون في هذه البلاد سنة "١٩٣٤م" مائة ألف مسلم ونفوا ثلاثمائة ألف مسلم، ومات ثلاثة ملايين جوعًا نتيجة استيلاء الروس على محاصيلهم وإعطائهم للصليبيين ليحلوا محلهم، وفيما بين سنة "١٩٣٧-١٩٣٩" ألقوا القبض على "٥٠٠ ألف مسلم" أعدموا منهم فريقًا ونفوا الباقي، وأعدموا عددًا كبيرًا من علماء المسلمين منهم قاضي القضاة والمفتي وأهل العلم والصلاح.. وفي سنة "١٩٤٩م" هرب من المسلمين "٢٠٠٠" شخص مات منهم على الطريق "١٢٠٠". وفي سنة "١٩٥٠م" قتلت روسيا سبعة آلاف مسلم من الذين فروا من التعذيب.

стр. 249

المبحث الرابع: التغريب مدخل ... التغريب التغريب هو حركة موجهة لصبغ الثقافة الإسلامية بصبغة غريبة، وإخراجها عن طابعها الإسلامي الخالص، واحتوائها على النحو الذي يجعلها تفقد ذاتيتها وكيانها وتذوب فيما يسمى بـ "الثقافة العالمية" أو الفكر الأممي. ولا ريب أن هذا المخطط من أقسى ما يواجهه الفكر الإسلامي في العصور المختلفة لأنه وليد الاستعمار وربيب الاستشراق وابن التبشير، وهو فوق ذلك مؤامرة الصهيونية مع الصليبية ضد الإسلام والمسلمين١. والتغريب حركة كاملة البناء له نظمه ووسائله وأهدافه، وقادته ودعاته.. وهو يعتمد على وسائل الإعلام من: راديو، وتليفزيون، وصحافة، كما يعتمد على دور الثقافة والمدارس.. وتهدف حركة التغريب إلى إثارة الخلافات والخصومات بين العرب والمسلمين.. وتحاول أن ترد التراث الإسلامي إلى الفرس والهنود واليونان.. لذا نجد أن التغريب يهتم بدراسة عالم ما قبل الإسلام وإحيائه في صور شتى، كصورة الفرعونية والجاهلية والوثنية والفارسية المجوسية القديمة، وإثارة دعوات حديثة كالبهائية والقاديانية، كما يسعى لتمزيق وحدة الفكر العربي الإسلامي بعزل الأخلاق عن التربية، والدين عن الأدب، والسياسة عن الدولة، كما يعمل جاهدًا لنشر الإلحاد والإباحية والدعاية لهما، لأن الإنسان إنما يكون له وجوده وشخصيته بمبدئه الذي يعتقده وبقيمه التي يؤمن بها، فإذا ضاعت المبادئ والقيم انهار الإنسان الذي هو نواة المجتمع.

стр. 250

وقد استعملت حركة التغريب أساليب شتى لتحقيق أغراضها المنكرة، وكان أهمها أسلوبين: ١- الحركة العلمانية. ٢- الحركة القومية. وسأتناول بالبحث هاتين الحركتين بشيء من التفصيل مع بيان دحضهما.

стр. 251

العلمانية مدخل ... أولًا: العلمانية: تنسب "العلمانية" على غير قياس إلى العالم أو العالمية "Secularism" وهي نظام من المبادئ والتطبيقات يرفض كل صورة من صور الإيمان الديني والعبادة الدينية، وقيام الدولة على دعائم الدين، كما يرفض كل نظام أو قيمة تنسب إلى الدين من قريب أو من بعيد.. وهي دعوة صارخة لفصل الدين عن الدولة "وأن يكون ما لله لله، وما لقيصر لقيصر" هذه صيحتها التي قصدت من ورائها عزل الدين عن مناهج الحياة وعن السياسة والحكم والقضاء١. والعلماني "Secular" هو كل ما يتعلق بشئون الدنيا وأنظمتها بعيدًا كل البعد عن التعاليم الدينية٢. والعلمانية بهذه الدعوة قد أوجدت حكمًا ثنائيًّا، وحركة ثنائية، وتعليمًا ثنائيًّا وإعلامًا ثنائيًّا، ومنهاجًا ثنائيًّا.. فهناك سلطة الدولة التي تعمل باستقلال وانعزال كاملين عن الدين، وهناك رجال الدين الذين يحكمون في المعبد ويديرون شئونه دون أن تكون لهم كلمة في شئون الحكم والسياسة في الاقتصاد أو في إدارة الدولة، وهناك مدارس مدنية، ومدارس دينية، وهناك تعليم لا ديني وتعليم ديني وكلاهما منفصل ومستقل عن الآخر وهناك حياة دنيوية متغيرة ومتطورة وهناك حياة دينية في منأى عن التغير والتطور. هذه الثنائية تبرز بصورة مريعة حينما يقع الطرفان بصورة نزاع، كل منهما يحاول أن يخضع الآخر، وكل منهما يريد أن يتحكم في الآخر. هذه الثنائية ظهرت بصورة شديدة وعنيفة في أوروبا، إذ كانت الكنيسة هي المسيطرة على الحياة في مختلف مجالاتها طوال القرون الوسطى، وكانت تحد كثيرًا من نشاط

стр. 252

العلماء، بل كانت تعطي لنفسها الحق في بيع سكوك الغفران وبيع مساكن في الجنة، قصور وفيلات وشقق كبيرة أو صغيرة مفروشة، تبيعها بالنقد والتقسيط. وكانت الكنيسة والباباوية تقف موقفًا عدائيًّا من العلم والعلماء.. فقد أمرت بحرق العالم "برونو" الذي قال بوجود عوالم أخرى غير الأرض، وأخمدت أنفاس "كوبرنيكوس" لأنه قال: "إن الأرض ما هي إلا كوكب مثل غيرها من الكواكب السيارة" وأجبرت العالم "جاليلو" على أن يكذب ما سبق أن صرح به من أن الأرض تدور حول الشمس وهو راكع على ركبتيه ذليلًا خوفًا من المحاكمة. وحينما ابتدأ الإنسان الأوروبي يكشف مجالًا آخر يرى فيه استقلاله عن الكنيسة، وهو مجال البحث الطبيعي، شعر بوجود ذاته المستقلة عن الكنيسة، فافتخر باستخدام البخار في الصناعة واعتز بقانون الجاذبية، وكلما اكتشف طاقة جديدة ابتعد عن الكنيسة شيئًا فشيئًا، حتى إذا ما أحس بالاستقلال الكامل عن سيطرتها أخذ يتهمها بالجمود وغير ذلك من الاتهامات وينال منها ومن قداستها.. وبخاصة بعدما عرف الكهرباء وفجر الذرة. وحينذاك تصور بعض المفكرين الأوروبيين أنه يمكن القضاء على هذا النزاع بتوزيع السلطات وتقسيمها إلى طرفين: طرف يكون للدولة فيه مجال كشئون إدارة الدولة والاقتصاد والتعليم وسن القوانين ووضع الدستور.. وغير ذلك من الأمور العامة. وطرف يكون للكنيسة فيه مجال كمراسيم الزواج وطقوس الوفاة ونظام الرهينة.. هذا الفصل أخذ اسم العلمانية. وقد مرت هذه "العلمانية" بمرحلتين: الأولى: مرحلة العلمانية المعتدلة، اعتبر فيها الدين أمرًا شخصيًّا لا شأن للدولة فيه. والثانية: مرحلة العلمانية المتطرفة التي طالبت بإخضاع تعاليم المسيحية إلى العقل وإلى مبادئ التجارب الطبيعية أو المخبرية.

стр. 253

ويمكن أن أذكر أبرز الأسباب التي دعت الفلاسفة إلى القول بفصل الدين عن الدولة: ١- إن دافع "العلمانية" في القرنين السابع عشر والثامن عشر كان التنازع على السلطة بين الدولة والكنيسة. ٢- إن الدافع على "العلمانية" في القرن التاسع عشر هو الاستئثار بالسلطة، لذلك كانت العلمانية تهدف إلى إلغاء الثنائية بهدم الكنيسة والدين كتمهيد لا بد منه للوصول إلى "السلطة المنفردة". ٣- إن الموطن الذي ولد فيه الفكر العلماني في مرحلتيه هو انجلترا، وفرنسا، وألمانيا، ومع هذا فلم تأخذ هذه البلدان الاتجاه العلماني في التطبيق على الحياة الواقعية، فالتاج البريطاني ما زال حاميًا للبروتستنت، وفرنسا لم تزل حامية للكثلكة في صورة عملية، والدولة في هذه البلاد ما زالت تساعد المدارس الدينية المساعدات المالية١.

стр. 254

موقف الإسلام من العلمانية: الإسلام دين التوحيد الخالص الذي يقوم على إنكار الشرك ومقاومته بشتى صوره، وهو دين يرفض الثنائية من حيث الأصل، ويرفض أن يخضع الإنسان لغير الله، ويرفض أن يستعلي بعض الناس على بعضهم الآخر١ وهو دين المساواة، فالناس جميعًا متساوون أمام الله ﵎ وأمام الشريعة الإلهية، وما على الحاكم المسلم إلا أن يطبق حكم الله على النحو الذي ارتضاه تعالى.. وعلى الحاكم والمحكوم أن يرجعا إلى كتاب الله وسنة رسوله ليحكماها في كافة القضايا، الحديثة منها والقديمة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ

стр. 255

تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ١. فالقرآن الكريم وهو كتاب الله المنزل على رسوله الأمين، وهو الكتاب الصادق المحفوظ عن كل تغيير أو تبديل بحفظ الله تعالى يوجب على الناس جميعًا حاكمهم ومحكومهم تحكيم شريعة الله تعالى، وأنه ليس للحاكم أي صفة مقدسة تخرجه عن كونه إنسانًا، أو كونه معصومًا عن الخطأ في اجتهاداته وفي تصرفاته الخاصة التي تعتمد على رأيه الخاص وتفكيره في مسألة من المسائل. وتروي كتب السير والتاريخ أن عمر بن الخطاب ﵁ وهو ثاني الخلفاء الراشدين، وهو الذي نزل الوحي مؤيدًا آراءه في بضعة أحكام، حينما أراد أن يحدد المُهور ويمنع التغالي بها. ارتفع صوت امرأة وهي تقول: كيف تريد أن تفعل ذلك وقد قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ ٢, فقال عمر, ﵁: أصابت امرأة وأخطأ عمر٣. وإذا كانت دعوة التوحيد في الألوهية في الإسلام، تستهدف المساواة بين الناس في اعتبار الإنسانية، وفي البقاء في المستوى الإنساني، وفي المشاركة في خصائص الإنسانية من الخطأ والصواب. فإنه ليس هناك في نظر الإسلام مكان في المجتمع المسلم لنزاع حول السلطة، لأنه ليس لمجموعة من الناس أن تتميز على غيرها بأن لها حقًّا مقدسًا، أو أن لها حق التسلط على غيرها، أو أن لها حقًّا في وضع أحكام شرعية تلزم بها سائر الناس.. كلا إن الحكم إلا لله، وهذا هو معنى التوحيد الذي جاء به الإسلام. أجل لقد قرر الإسلام الوحدة في ثلاثة أصول عامة: ١- قرر وحدة النفس البشرية، فلا انفصال بين الدين والحياة. أو الدنيا والآخرة أو الروح والجسم، أو الواقع والمثال.

стр. 256

٢- وقرر وحدة الجنس البشري، فلا فرق بين أبيض وأسود أو عربي وعجمي إلا بالتقوى. ٣- وقرر الإسلام وحدة الدين "منذ نوح إلى محمد عليه وعلى الأنبياء والمرسلين الصلاة والسلام" توحيد الله وثبات الأخلاق، والمسئولية الفردية والبعث والجزاء١. ولم يوجد في ظل الحكم الإسلامي في يوم من الأيام نزاع بين الدين والعلم، ذلك لأن الإسلام دين علم ووعي وتقدم وحركة وديناميكية ونهضة وحضارة.. ومنذ اللحظة الأولى التي انبثق فيها فجر الإسلام جاء النداء للرسول ﷺ بالأمر بالتعلم والقراءة والكتابة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ . روى الإمام البخاري ﵁ بسنده عن أم المؤمنين عائشة ﵂ حديث بدء الوحي، وهو حديث طويل وفيه أن رسول الله ﷺ بينما كان في غار حراء يتعبد، جاءه الملك فقال: اقرأ قال, ﷺ : "ما أنا بقارئ". قال: "فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني"، فقال: اقرأ، "قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني" فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ٢. فهل يوجد بيان أبرع أو دليل أقطع على فضل العلم والإعلاء من قيمته ومن إجلال العلماء من أن يبتدئ نزول الوحي بهذه الآيات الباهرات؟ وبعد أن نزلت هذه الآيات الكريمة نزل قوله تعالى: ﴿نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ ٣, وفي هذه المرة من نزول الوحي صدرت الآيات بحرف من حروف

стр. 257

الهجاء.. وأقسم الله ﵎ بالقلم والكتابة وهما وسيلتان مهمتان من وسائل العلم والمعرفة.. وفي القرآن الكريم حشد كبير من الآيات في بيان فضل العلم وفي الحث على طلبه، والحث على البحث العلمي المنطقي الدقيق المرتب على مقدمات مسلمة، وعلى براهين واضحة وعلى حجج قوية.. للوصول إلى السنن الكونية والقوانين التي تنتظم الظواهر الطبيعية بل ذهبت الآيات القرآنية إلى أبعد من ذلك فجعلت البحث العلمي والتفكر في بديع خلق السموات والأرض وفي معرفة النفس الإنسانية ومقوماتها الطبيعية وعواملها المؤثرة، وفي معرفة التركيب الفيزيولوجي للأحياء كلها، من نبات وحيوان وإنسان.. أساسًا للإيمان بوحدانية الله، وللإيمان بانفراد الله بالخلق والقدرة على الإيجاد والإحياء والإماتة.. قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الإِنسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ، الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ، وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ ١. ويقول جل من قائل: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ، فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ٢. ويقول سبحانه: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ٣. وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ ٤. فالآية القرآنية تشير إلى ظاهرة طبيعية، وهي أنه إذا ما التقى نهران في ممر مائي فإن أحدهما لا يذوب في الآخر.. هذه الظاهرة معروفة لدى الإنسان قديمًا

стр. 258

ولكن قانونها لم يكتشف إلا مند بضع عشرات من السنين.. وقد أكدت المشاهدات والتجارب أن هناك قانونًا ضابطًا للأشياء السائلة يسمى "قانون المط السطحي" "Surface Tension" وهو يفصل بين السائلين، لأن تجاذب الجزئيات يختلف من سائل لآخر, ولذا يحتفظ كل سائل باستقلاله في مجاله. وقد استفاد العلم الحديث كثيرًا من هذا القانون. ولعل قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ، بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ﴾ ١, يشير إلى هذه السنة الثابتة. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ ٢, إن الإنسان منذ القديم كان يرى عالمًا كبيرًا قائمًا بذاته في الفضاء مكونًا من الشمس والقمر والنجوم، ولم ير له أية ساريات. أو أعمدة. الإنسان في العصر الحديث يجد في هذه الآية العظيمة تفسيرًا لمشاهداته التي تثبت أن الأجرام السماوية قائمة دون أعمدة في الفضاء، وقد توصل إلى معرفة قانون "الجاذبية" فأدرك بواسطته عظمة تلك الآية القرآنية، وأدرك أيضًا أن الأجرام إنما تبقى في أماكنها المحددة بسر إلهي يتجلى في قانون الجاذبية. وفي القرآن الكريم آيات أكثر من أن تحصى تحث على العلم وتشيد به، وتجعل معرفة السنن الكونية والقوانين الطبيعية أدلة شاهدة وثابتة على قدرة الله في الخلق وفي الإيجاد . قال ﵎: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٣, فبمقدار تعمق الإنسان في الجانب العلمي في صدق وإخلاص تكون خشية الله تعالى، ذلك لأن المتعمق يرى من سنن الكون ومن الإتقان في الصنع، ومن الحكمة في التدبير ما يجعله ساجدًا لمبدعه وخالقه.. وإن الذين يتصلون بعلم التشريح مثلًا من قريب أو يتخصصون فيه يرون من الإحكام المحكم ومن الدقة الدقيقة في مختلف الأجهزة الجسمية وفي أعضاء هذه الأجهزة ما يضطرهم ويلزمهم إلزامًا

стр. 259

إلى السجود لله الواحد الذي أبدع هذا التنسيق وأوجد هذا الترتيب. وليس علم التشريح وحده هو الذي يبهر العالم المتبحر فيه، وإنما يبهر علم الفلك العالم الفلكي، ويبهر علم الأحياء عالم الأحياء.. وهكذا نجد انبهار النفس في كل ميدان من ميادين المعرفة الكونية في أرضها وفي سمائها وما بين السماء والأرض.. يقول سبحانه عن الليل والنهار: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ ١, فالآية الكريمة تشرح للإنسان سر مجيء الليل والنهار. وفيها إشارة رائعة إلى دوران الأرض محوريًّا، وهو الدوران الذي يعتبر سبب مجيء الليل والنهار طبقًا للمعلومات الحديثة. وقد أدلى رجل الفضاء الروسي "جاجارين" بعد دورانه في الفضاء حول الأرض أنه شاهد تعاقبًا سريعًا للظلام والنور على سطح الأرض بسبب دورانها المحوري حول الشمس"٢. وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ٣، وإذ يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٤, وخشية الله في حقيقة الأمر ما هي إلا ثمرة للعلم وأساس من أهم أسس الإسلام.. ومن هنا نبعت ضرورة التعلم، فالتعلم واجب ديني يفرضه علينا الإسلام كما يفرض علينا التكاليف الشرعية من صلاة وصوم وزكاة وحج.. ولهذا كان من أبرز مقومات شخصية المسلم العلم، العلم بالكون والعلم بالإنسان والعلم بالنفس، وبكل ما تتسع له كلمة العلم من معنى.. يقول سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٥, فالعلم طريق يتسع لجميع المؤمنين، وهو الطريق

стр. 260

الوحيد إلى الإيمان بوحدانية الله ﵎. وبعد، فهل لعاقل أن يقول: إن الاسلام يحجر على العقل البشري، ويضعه في قوقعة زجاجية لا يخرج منها ولا يحيد عنها..؟ كلا! وإنما جعل له ميدانًا فسيح الأرجاء رحب البنيان.. جعل ميدانه، الأرض بما فيها من سهول وصحاري، وجبال ووديان ومزروعات ونباتات وأنهار وبحار، وحيوانات.. وإنسان.. والسماء وما فيها من شمس وقمر ونجوم وكواكب وما بين السماء والأرض.. كل هذا ميدان للعقل البشري.. أفلا يتسع هذا الميدان الرحب للعلم؟ ويبني إنسان هذا الجيل معلوماته على ما وصل إليه الأقدمون، ويترك للجيل بعده آفاقًا وآفاقًا.. وما زال الإنسان يدور في ذلك العلم منذ أن وجد على سطح الأرض.. ومع هذا فلم يصل إلى كل المعرفة، وإلى كل العلوم، وما زال هناك مجاهيل.. ربما تكتشفها الأجيال القادمة وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ ١. فليس في الإسلام مجال للجذب والشد، وللمد والجزر بين رجال الدين ورجال العلم.. لأن رجال الإسلام هم العلماء، والعلماء ورثة الأنبياء، وكما أن العلم يتحقق بمعرفة الحلال والحرام والفرض والمسنون والمكروه، يتحقق كذلك بأن يأخذ الإنسان نصيبًا من العلوم الكونية والعلوم الإنسانية والعلوم النفسية.. وليس الإسلام هنا قصرًا على رجال معينين يسمون أنفسهم "برجال الدين" كما للكنيسة "كهنوت ورهبان" كلا.. الرجل في الإسلام أي رجل عليه أن يتعلم من أمور الدين بما يستقيم به شأن دينه, وعليه أن يتعلم من الأمور الدنيوية ما يزداد به إيمانًا وتقوى، وبما يخدم مجتمعه وأمته وحضارته. وهكذا عمد الإسلام إلى بناء النفس الإنسانية على الإيمان بالله تعالى، وقرر أن الإيمان بالله سبحانه قوة دافعة تعطي الأمل، وتحول دون اليأس وتبعث الثقة المتجددة في النفس، وتحرص على الصبر والثبات على البحث العلمي النافع.. كما قرر أن الإيمان ليس مضادًا للعلم والمعرفة، وليست المعرفة بديلًا للإيمان.. فالإسلام يجمع بين مفهوم المعرفة القائم على الحس والتجربة،

стр. 261

ومفهوم المعرفة القائم على الوحي، وقد جعل الإسلام الإيمان بالغيب شرطًَا أساسيًّا من شروط المعرفة.. وقد دعا في أكثر من آية إلى التفكر والتدبر والتأمل في خلق السماء والأرض وما فيهما وما بينهما.. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ ١. وليس فهم الحياة بوصفها معبرًا وطريقًا إلى الآخرة بمنقص من هدف تحسينها وبنائها وعمارتها، ولكنه عامل مهم في جعلها أكثر أصالة وعمقًا، لأنه يقوم أساسًا على مفهوم المسئولية الفردية والجزاء والعمل في اتجاه منهج الله . وقد دعا الإسلام إلى العمل والاهتمام به، وإلى الرضى بقضاء الله في النتائج.. كما أن الإسلام لم يحارب الرغبات الإنسانية الداخلية، ولكنه وجهها التوجيه السليم الذي يتلاءم مع الفطرة الطبيعية ومع الخلقة الإنسانية. قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ٢. ويمكن أن ألخص الموقف الإسلامي٣ من الحركة العلمانية ضمن المفاهيم التالية: ١- إن التدين جزء من الطبيعة البشرية، ولا يستطيع الإنسان أن يعيش من غير دين، ولقد عجزت المذاهب جميعها والأيديولوجيات على اختلافها أن تقدم له بديلًا عن الدين يشفي روحه، ويملأ حياته. ولقد حرر الإسلام الإنسان من عبودية المجتمع ومن عبودية الأفراد ليتجه إلى الله وحده. ٢- حرر الإسلام الفكر من الظنون والفروض والأساطير والخرافات والأوهام والأهواء، ودعا إلى التمسك بالمنابع الإسلامية الأصيلة، وفي مقدمتها "القرآن الكريم" و"سنة رسول الله, ﷺ " ومن هنا كان التحرك الفكري للمسلمين إنما يجري في إطارهما، فإذا خرج عنهما وقع الحرج والضيق

стр. 262

والتمزق والشتات الذي لا يزول إلا بالرجوع إليهما. ٣- إن حاضر الفكر الإسلامي والأدب العربي، والثقافة العربية لا تنفصل عن ماضيها الممتد المتصل المتفاعل خلال مراحل التاريخ المختلفة دون توقف، وإن الفكر الإسلامي الحديث هو ثمرة للفكر الإسلامي الذي بناه القرآن الكريم. ٤- إن الحرية في الإسلام تعني تحرير العقل البشري من قيد الوثنية مهما اختلفت أسماؤها ومن الجهل مهما تباينت تواريخها، ومن الخرافة والتقليد مهما لبست من مسوح، كما تعني تحرير الإنسان من قيد العبودية وسلطان الاستبداد والطغيان. ٥- إن الأخلاق في الإسلام ثابتة لا تختلف باختلاف المجتمعات ولا تتطور بتطور الأزمان ولا تتبدل بتبدل الأجيال.. وإنها مرتبطة بالإنسان، وإن الحق واحد لا يتعدد. ٦- إن الإسلام وحدة كاملة لا تقبل الانفصام ولا التجزئة ولا التفتيت وكل فرع فيه يقوم على أصول ثابتة، فالأخلاق لا تنفصل عن العبادة ولا تنفصل عن السياسة، كما إن العبادة لا تنفصل عن المعاملة.. ٧- لقد ربط الإسلام في حياة الفرد بين عقيدته التي يؤمن بها ويدين لها وبين العمل والنشاط الذي يصدر عنه، وقرن بين العلم والعمل، فلا يطلب العلم ليبقى في حيز النظريات، وإنما يطلب ليطبق ويستفاد منه في تحسين وسائل الحياة الإنسانية. ٨- لا يرى الإسلام أن ثمة تعارضًا قائمًا بين مفهوم الإيمان ومفهوم المعرفة، ولا تقتصر المعرفة في الإسلام على الوسائل الحسية والبراهين التجريبية وإنما يضاف إليها التسليم بعلم الوحي، الذي أفاد الإنسان فائدة كبرى، وكفاه مؤنة البحث فيما وراء الطبيعة، والبحث عن اليوم الآخر، وقدم له وصفًا كاملًَا للحياة بعد الموت، هذا الوصف الذي يرضي الأشواق النفسية للإنسان، ويدخل في قلبه الطمأنينة والسكينة.

стр. 263

من هذا العرض الموجز يتضح أنه لا يوجد منفذ واحد تدخل منه العلمانية إلى التربية الإسلامية، ذلك لأن البيئة التي وجدت فيها العلمانية وهي "الغرب أو الشرق الشيوعي" تختلف اختلافًا كليًّا عن البيئة العربية الإسلامية، وإن الظروف الأوروبية التي أتاحت لظهور العلمانية لم توجد ولن توجد ظروف مماثلة لها في البلاد الإسلامية، ولو كان الإسلام منتشرًا في أوروبا وحاكمًا لحياتها لما نشأت العلمانية في الفكر الأوروبي، ولما وصل تفكير بعض الأوروبيين إلى التطرف في النزعة المادية لحل بعض المشكلات الاجتماعية. يقول أحد العلماء الغربيين: "إن الغربي لا يصير عالمًا إلا إذا ترك دينه، بخلاف المسلم فانه لا يترك دينه إلا إذا صار جاهلًا"١.

стр. 264

مجالات نشر العلمانية: ١- التعليم: إن من أخطر الأساليب التي اتبعها التغريب بعامة والعلمانية بخاصة "التعليم والثقافة" بهدف تمييع الشخصية الإسلامية، ووضعها في القالب الذي يريده، ذلك لأن التعليم طريق مختصر وممهد لتضليل الأفكار ولتشويه الحقائق ولبلبلة الآراء.. قد يسهل على المدرس الأوروبي "شرقيًّا كان أو غربيًّا" أن يضع الأمور حيثما يشاء، وبالمقياس الذي يخدم مصلحته ثم يوجه الأنظار إليها، ويسلط الأضواء عليها، فإذا الجيل بأكمله يرى ما يراه المدرس، وإذا بالطالب يهوى ما يهواه مدرسه، ويبغض ما يبغضه مدرسه، ويرى المستقيم مائلًا والمائل سويًّا, والصحيح خطأ والخطأ صحيحًا، لأنه إنما ينظر إلى الأشياء بمنظار مدرسه.. وهكذا تقلب المفاهيم وتنكس الحقائق وتتغير المبادئ تبعًا لمطامع ونوايا المدرس، وبهذه الطريقة تتمكن الفئة الضالة المضلة من تغيير اتجاه جيل من الأجيال، وإذا فسد الجيل فمن العسير بمكان إعادة الأمور إلى أوضاعها والمياه إلى جداولها، والقيم إلى مفاهيمها، ومن العسير أيضًا إبعاد الشبهات بعد انتشارها، وتصحيح الأفكار بعد فسادها. يقول الدكتور عبد الستار فتح الله، في كتابه "الغزو الفكري، والتيارات المعادية للإسلام": "لقد تنبه كثير من المسيحيين إلى سذاجة فكرة التبشير

стр. 265

بمسيحيتهم.. لأن عناصر الإسلام وحقائقه الراقية. تسمو إلى غير ما حدود عما لدى المبشرين من عقائد وأخلاق وعادات تطبع المسلم بطابع الإحساس بالتفوق والاعتزاز بدينه، لذلك اتجه التفكير التبشيري إلى إيجاد "حامض" مذيب لهذه المناعة الإسلامية في نفوس المسلمين، وقد كان التعليم والثقافة الأوربية هما أخطر المواد التي استخدمت في تحقيق هذا العمل التخريبي الهدام على أوفى الوجوه"١. وقد أدرك المبشرون أنفسهم أهمية "التعليم والثقافة" كوسيلة لبث أفكارهم فقال زويمر: "المدارس هي من أحسن الوسائل لترويج أغراض المبشرين، وقد كان عدد التلاميذ في المدرسة التبشيرية في طهران قبل سنتين فقط "٤٠ إلى ٥٠" فصاروا الآن "١١٥" وكلهم يتلقون التربية النصرانية بكل إتقان. وكذلك الحال في مدرسة تبريز التي يديرها هذا القسيس، فقد كان فيها ٣ تلاميذ من المسلمين ثم صاروا ٥٠ ... "٢. يقول القسيس "سن كلير تيسدال" في تقرير له عن التبشير في فارس: "بذلت إرساليات التبشير جهدها في بلاد فارس ونجحت في تبديد ما يعتقدونه في النصارى من أنهم مشركون بالله ويعبدون آلهة ثلاثة. وهذا الاعتقاد وقر في نفوس المسلمين لما يشاهدونه في الكنائس الشرقية والكاثوليكية إلا أنهم عادوا الآن فصاروا يفرقون بين الفرقتين النصرانيتين وتبين لديهم أن البروتستانتية خالية من الوثنية فارتاحوا لها"٣. وقال أحد المفكرين الإسلاميين: "ما طمحت الدول الأوربية إلى الاستيلاء على بلد أو إقليم من الشرق عمومًا إلا وسبقت إليها بافتتاح المدارس بمرسليها الدينيين، ومن تخلق بأخلاقهم ليعدوا لها طريق الاستعمار، علمًا منهم بأن مأمورية هؤلاء المعلمين ليست عبارة عن بث الأخلاق، وتعاليم -دينية كانت أو فنية- وهم إذا دخلوا قرية، وظهروا بهذا المظهر لا يلاقون معارضة أو ممانعة،

стр. 266

لأن حجتهم نشر العلم والتهذيب، ورفع لواء التمدن، ومن لا يرضى بذلك فليس له من اسم الإنسانية نصيب وتقوم عليه قائمة حرب التعنيف والتنديد بلسان كل خطيب وقلم كل كاتب، فلا مناص من أن تقبل هذه الأقاليم الشرقية الوافدين إليها من المرسلين الذين لهم نصراء الهداية والمعارف والتمدن في ظاهر العين وسفراء الاستعمار والاستيلاء في الحقيقة، وهل يتصور أن قومًا جازوا البحار وتجشموا الأخطار لمحض منفعة من وفدوا إليهم خدمة للإنسانية كما يقولون؟ كلا.. ولا هي محض التكسب واستجلاب الدرهم والدينار.. إننا نعلم حق العلم أنه ما من مدرسة من هذه المدارس إلا ولها جمعية من الجمعيات الخيرية في مملكتها، تنفق عليها النفقات الطائلة ولا يكون ذلك عبثًا، ونرى بأعيننا من جهة أخرى أن كل دولة غربية ما وضعت يدها على أمة أو قبيلة -تملكًا أو حماية- إلا وجعلت مقدمة ذلك المدارس، فبان أن المقصد العظيم والباعث القوي هو سياسي وملِّيٌّ في آن واحد"١. وقد عقد المبشرون مؤتمرًا في "أدنبرج" سنة "١٩١٠م" وحضره "١٢٠٠" مبشرًا من المندوبين.. وتفرع إلى لجان ثمان، خاضت اللجنة الثالثة منها في الأعمال المدرسية التي يقوم بها المبشرون فقالت: "اتفقت آراء سفراء الدول الكبرى في عاصمة السلطنة العثمانية على أن معاهد التعليم الثانوية التي أسسها الأوروبيون كان لها تأثير على حل المسألة الشرقية يرجح على تأثير العمل المشترك الذي قامت به دول أوربا كلها"٢. ويقول القائد الفرنسي الجنرال "بيير كيللر" عن وسائل التأثير الفرنسي في الشام قبل احتلالها: "التربية الوطنية كانت بكاملها تقريبًا في أيدينا، وفي بداية حرب عام "١٩١٤" كان أكثر من اثنين وخمسين ألف تلميذ يتلقون دروسهم في مدارسنا، وكان بين هؤلاء فتيات ينتمون إلى عائلات إسلامية عريقة، مما جعل الجمعية المركزية السورية التي تألفت في باريس تعلن عام ١٩١٧م أن جميع ميول السوريين وعواطفهم تتجه نحو فرنسا، بعد أن تعلموا لغتها وخبروها على مر

стр. 267

الأجيال وتأكدوا من إخلاصها وتجردها". ويقول أيضًا: "إن كلية عينطور في لبنان هي وسط ممتاز للدعاية الفرنسية" ويقول: "إن مؤسساتنا تعمل دون ملل لتغذية النفوذ الفرنسي مثل: معهد الدراسات العبرية في القدس ومعهد الدراسات الإسلامية في القاهرة، والمدرسة الإكليريكية الدومينيكانية في الموصل.."١. ويصرح زعيم المبشرين النصارى "زويمر" بالأثر الذي خلفته المدارس الأجنبية في البلدان الإسلامية قائلًا: "لقد قبضنا -أيها الإخوان- في هذه الحقبة من الدهر من ثلث القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية، وإنكم أعددتم نشأ في ديار المسلمين لا يعرف الصلة بالله، ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من الإسلام، ولم تدخلوه في المسيحية، وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقًا لما أراده الاستعمار المسيحي لا يهتم بالعظائم ويحب الراحة والكسل ولا يعرف همه في دنياه إلا في الشهوات.. فإذا تعلم فللشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات، وإن تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات يجود بكل شيء"٢. وتلك الأقوال وهذه التصريحات تبين السر في اهتمام المبشرين بإنشاء مدارس تبشيرية في المدن والقرى على السواء، وفي إرسال المدرسين والمدرسات إلى تلك المدارس، وفي الإشراف الكنيسي الكامل على مناهج التعليم والتثقيف في البلاد الإسلامية، التي امتدت إليها الأيدي الآثمة، أيدي الكفر والضلال، أيدي الفساد والبغي.. وكان للمبشرين أسلوبهم في توجيه التعليم الوجهة التي يريدونها: وأول هذه الأساليب: إنشاء مدارس مدنية، تعلم جميع العلوم الكونية والإنسانية عدا العلوم الإسلامية. وثاني هذه الأساليب إلقاء الحصار المادي والمعنوي على المدارس الأهلية أو الحكومية التي تعلم العلوم الإسلامية، وذلك بقطع المعونات المادية عنها، وبالتقليل من مكانة أستاذ الدين وبالاستخفاف بالأقوال التي يتفوه بها.. وبوسمه بالرجعية والجحود والتحجر..

стр. 268

وثالثها: إنشاء مدارس تبشيرية تمول من قبل حكوماتها وكنائسها، فقد أنشئ في دمشق على سبيل المثال ثلاث مدارس تحتضن أبناء المسلمين منذ العمر المبكر حتى يصلوا إلى المرحلة الجامعية، بالإضافة إلى إنشاء الجامعة الأمريكية في بيروت وفي مصر.. ورابعها: إرسال البعثات من أبناء المسلمين إلى البلاد الأجنبية لمتابعة الدراسة قبل أن ينهلوا من الثقافة الإسلامية شيئًا وقبل أن يقوى وازع الإيمان في قلوبهم وقبل أن تنمو شخصيتهم الإسلامية.. هؤلاء الشباب يرسلون خاوية عقولهم من العلوم الإسلامية، فارغة قلوبهم من الولاء للمسلمين، غير راسية أقدامهم على المبادئ الدينية.. زائغة أبصارهم، حائرة آمالهم. هؤلاء يتعلمون في جامعات أوربا كجامعة السوربون أو جامعة لندن.. ثم يعودون بعد سنوات لا تقل عن الخمس من زهرة الحياة.. يعودون وهم يحملون الوباء والأمراض السارية الخبيثة.. يدعون لفصل الدين عن الدنيا، ينادون بأن تخضع الأنظمة الحياتية لقانون روماني وفرنساوي.. وهؤلاء هم الذين يحتلون مناصب القيادة في الأمة ويمسكون زمام المجتمع.. رحماك اللهم بالأمة الإسلامية. وخامسها: وأخطرها نشر الاختلاط بين الجنسين في جميع مراحل التعليم، وقد طبقت بحرارة وحماس وبكثرة في المرحلة الجامعية، وهي مرحلة الشباب الأول المتفتح المتوثب، وفي المرحلة الابتدائية التي تمتد إلى سن المراهقة الأولى، ولا تقل الخطورة هنا عن سابقتها، وتزداد الخطورة بوجود أساتذة رجال في مدارس البنات على اختلاف مراحلها، وبوجود مدرسات نساء في مدارس البنين على اختلاف مراحلها.. وربما تطاول الطيش الصبياني على الأستاذة الأنثى فأهدرت كرامتها، وعندئذ تفقد حرمة العلم وتضيع هيبته.. يقول الدكتور "محمد محمد حسين" في كتابه "حصوننا مهددة من داخلها": "فإذا هذا الاختلاط يصبح حقيقة واقعة بطريق ملتو خفي لم يكد يتنبه إليه أحد، بعد أن طالت المرحلة الابتدائية إلى ست سنوات يتجاور فيها الذكور والإناث، ومن المعروف أن الإناث في بلادنا يدخلن سن المراهقة في وقت مبكر لا يتجاوز السنة الحادية عشرة في كثير من الأحيان. بل لقد أصبحنا أمام بعض المدارس المختلطة في مرحلة التعليم الإعدادي، بعد أن تكشفت تجربة

стр. 269

الاختلاط في الجامعة عن مآس لا يستطيع تجاهلها إلا مكابر أو مدلس.. وأصبح هذا النظام ضربًا من ضروب الإلزام لا يستطيع والد أن يفر منه أو يتفاداه لأن عليه أن يختار بين أن يبعث بابنه وبابنته إلى هذا الوسط وبين أن يحرمهم من التعليم ويحجبهم في ظلمات الجهل. بل إنه لا يستطيع اختيار الطريق الثاني -على ظلمه وظلامه- لأن قوانين الدولة تجبره على أن يعلم أولاده حتى نهاية المرحلة الأولى على الأقل"١. وقد كان لوجود المدارس التبشيرية في قلب البلاد الإسلامية، ولمحاولة تغريب الفكر الإسلامي أثره الخطير في إضعاف كيان المجتمع الإسلامي، وفي تشويه كثير من الحقائق الإسلامية في عقول الجيل الذي ربي في مدارس التغريب أو نهل من الجامعات الأوربية. ويمكن أن أحصر هذه الخطورة في النقاط التالية: ١- ظهور اتجاهين فكريين مختلفين، بل قل متضادين وهذا ما يهدف إليه التغريب، لأن التمزق الفكري سيتبعه تمزق في الوجود الكياني للمجتمع الإسلامي، ومن ثم يسهل ذوبان معالم الثقافة الإسلامية وتمييع الشخصية الإسلامية. وتبعًا للانقسام الفكري، انقسم المجتمع الإسلامي إلى قسمين: الأول ويمثله القادمون من البعثات الأوربية والمتعلمون في مدارس التغريب، وهؤلاء يدعون إلى الانفتاح الكامل على المجتمع الغربي الأوربي، كما ينادون بضرورة الاقتباس من عاداتهم وتقاليدهم وآرائهم، وإن كانت مخالفة لحقيقة الإسلام وجوهره.. ويذكر الدكتور محمد محمد حسين نموذجين لهذا الاتجاه أولهما: "سلامة موسى، في كتابه اليوم والغد" "الذي احتوى على مقالات نشرت في خلال سنتي ١٩٢٥-١٩٢٦م وأضيف إليها مقالات عند نشر الكتاب سنة ١٩٢٧م"٢.

стр. 270

يقول سلامة موسى: "كلما ازددت خبرة وتجربة وثقافة توضحت أمامي أغراض في الأدب كما أزاوله. فهي تتلخص في أنه يجب علينا أن نخرج من آسيا: "ديانة" وأن نلتحق بأوربا، فإني كلما زادت معرفتي بالشرق زادت كراهيتي له وشعوري بأنه غريب عني. وكلما زادت معرفتي بأوربا زاد حبي لها وتعلقي بها، وزاد شعوري بأنها مني وأنا منها. هذا هو مذهبي الذي أعمل له طوال حياتي، سرًّا وجهرًا.. فأنا كافر بالشرق مؤمن بالغرب". ويقول: "أريد أن تكون ثقافتنا أوربية لكي نغرس في أنفسنا حب الحرية والتفكير الجريء" كما يفصح عن إرادته بقوله "أريد من التعليم أن يكون تعليمًا أوربيًّا لا سلطان للدين عليه ولا دخول له فيه" و"يريد من الحكومة أن تكون ديموقراطية برلمانية كما هي في أوربا، وأن يعاقب كل من يحاول أن يجعلها مثل حكومة هارون الرشيد أو المأمون، أوتوقراطية دينية"١. ويقول: "إن هذا الاعتقاد بأننا شرقيون قد بات عندنا كالمرض ولهذا المرض مضاعفات، فنحن لا نكره الغربيين فقط ونتأفف من طغيان حضارتهم فقط، بل يقوم بذهننا أنه يجب أن نكون على ولاء للثقافة العربية، فندرس كتب العرب ونحفظ عباراتهم عن ظهر قلب كما يفعل أدباؤنا المساكين أمثال المازني والرافعي، وندرس ابن الرومي ونبحث عن أصل المتنبي، ونبحث في علي ومعاوية ونفاضل بينهما، ونتعصب للجاحظ. وليس علينا للعرب أي ولاء، وإدمان الدرس لثقافتهم مضيعة للشباب وبعثرة لقواهم، فيجب أن نعودهم الكتابة بالأسلوب المصري الحديث، لا بأسلوب العرب القديم.. ثم يجب أن نذكر أن إدمان الدرس للعرب يشتت الأدب المصري ويجعله شائعًا لا لون له"٢. ويقول: "لنا من العرب ألفاظهم، ولا أقول لغتهم، بل لا أقول كل ألفاظهم، فإننا ورثنا عنهم هذه اللغة العربية وهي لغة بدوية لا تكاد تكفل الأداء إذا تعرضت لحالة مدنية راقية كتلك التي نعيش بين ظهرانيها الآن". ويقول أيضًا: "ونحن في حاجة إلى ثقافة حرة أبعد ما تكون عن الأديان،

стр. 271

ولا بأس من أن نعتمد على الترجمة إلى حد بعيد حتى يتمصر العلم وتتمصر ألفاظه وعندئذ نسير فيه بالتأليف...." "ولكن تعليم العربية، في مصر لا يزال في أيدي الشيوخ الذين ينقعون أدمغتهم نقعًا في الثقافة العربية، أي ثقافة القرون المظلمة، فلا رجاء لنا بإصلاح التعليم حتى نمنع هؤلاء الشيوخ منه، ونسلمه للأفندية الذين ساروا شوطًا بعيدًا في الثقافة الحديثة"١. والنموذج الثاني لدعوة التغريب يمثله د. طه حسين، في معظم كتاباته، ولكنه أشد ما يكون بروزًا ووضوحًا وحماسة في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" الذي ظهر عام ١٩٣٨م. يقول الدكتور محمد محمد حسين: "وهذا الكتاب أشد خطرًا من الكتاب السابق -يعني كتاب: اليوم والغد لسلامة موسى- وأبلغ أثرًا. وترجع خطورته إلى أن صاحبه قد شغل مناصب كبيرة في الدولة، مكنته من تنفيذ برامجه أو إرساء أسس تنفيذها على الأقل. فقد كان عميدًا لكلية الآداب بالقاهرة، وكان مديرًا عامًّا للثقافة بوزارة التربية والتعليم -المعارف وقتذاك- وكان مستشارًا فنيًّا بها. وكان مديرًا لجامعة الإسكندرية. وكا آخر الأمر وزيرًا للتربية والتعليم، ثم إن شهرته وكثرة المعجبين به وتأثر الكثرة الكبيرة من تلاميذه بآرائه ومناهجه وافتتانهم بها قد زاد في خطورة أثره"٢. يقول طه حسين: "إن سبيل النهضة واضحة مستقيمة ليس فيها عوج ولا التواء، وهي أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم، لنكون لهم أندادًا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره وما يحمد منها وما يعاب" ويقول: "هذه الحضارة الإسلامية الرائعة لم يأت بها المسلمون من بلاد العرب، وإنما أتوا ببعضها من هذه البلاد، وببعضها الآخر من مجوس الفرس، وببعضها الآخر من نصارى الروم.. وقد احتمل المسلمون راضين أو كارهين زندقة الزنادقة ومجون الماجنين ذلك في الحدود المعقولة، ولكنهم لم يرفضوا الحضارة الأجنبية التي أنتجت تلك الزندقة وهذا

стр. 272

المجون"١. ويقول: "لا بد من تطور طويل دقيق قبل أن يصل الأزهر إلى الملاءمة بين تفكيره وبين التفكير الحديث، والنتيجة الطبيعية لهذا أننا إذا تركنا الصبية والأحداث للتعليم الأزهري الخالص، ولم نشملهم بعناية الدولة ورعايتها وملاحظتها الدقيقة المتصلة, عرضناهم لأن يصاغوا صيغة قديمة, ويكونوا تكوينًا قديمًا، وباعدنا بينهم وبين الحياة الحديثة التي لا بد لهم من الاتصال بها والاشتراك فيها، وعرضناهم لطائفة غير قليلة من المصاعب التي تقوم في سبيلهم حين يرشدون، وحين ينهضون بأعباء الحياة العملية، فالمصلحة الوطنية العامة من جهة ومصلحة التلاميذ والطلاب الأزهريين من جهة أخرى، تقتضيان إشراف وزارة المعارف على التعليم الأولي والثانوي في الأزهر"٢. وهكذا نلمس في فكر هذين الرجلين التأثير القوي الذي أحدثته حركة التغريب؛ فهما في كل قول من قوليهما يهدمان ركنًا من أركان الإسلام، وفي كل تعبير من تعبيراتهما يهاجمان شعيرة من شعائر الدين، وهما يكرهان الشرق لأنه متمسك بدينه، ويحبان الغرب لأنه نبذ الدين..ويدعوان بصراحة دعوة مباشرة وغير مباشرة علنية وسرية، مكشوفة أو مكتومة للتخلي عن الدين وعن كل ما يربطنا به من رباط، وأن نتخلى عن مقومات الحضارة الإسلامية وعن كل ما يشدنا إلى الأخوة الإيمانية والرابطة الدينية.. ويتمنيان من كل قلبيهما: أن يلبس الشرق المسلم لباس الغرب الملحد، وأن يأكل من أكله وأن ينهج نهجه وأن يتبع سبيله.. إنها لعمري دعوة فاسدة مريعة ضالة مضلة إنه التغريب الذي غير فيهما النظرة الإسلامية تغييرًا كاملًا. القسم الثاني: ويمثله رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، تربوا التربية الدينية، وأخذوا بالعلوم الإسلامية، فوفوا لها ودافعوا عن التراث الإسلامي، وأبرزهم رشيد رضا والعقاد، ومصطفى صادق الرافعي. يقول مصطفى صادق الرافعي في كتابه "المعركة بين القديم والجديد تحت

стр. 273

راية القرآن" عن الذين يدعون للتغريب "فئة من شبابنا قد أخذوا بغير أخلاق هذا الدين، ونشئوا في غير قومه وعلى غير مبادئه، فرأوا فيه بظنونهم وقالوا برأيهم ورضوا له ما لا يرضاه أهله، فهؤلاء مهما كثروا لا يستطيعون أن يحدثوا حدثًَا، بل يفنون والجماعة باقية، وينقصون والأمة نامية، ويذهبون إلى رحمة الله، ومن رحمة الله أنهم لا يعودون ثانية"١. أجل ما زال للدعوة الحميدية ألسنة ناطقة، وأقلام كاتبة، وأفواه معبرة، وأيدي عاملة وآذان واعية، وأدمغة مفكرة وأفئدة مخلصة، ما زال للحق رجال ينافحون عنه ويحمون حماه ويذودون عن حياضه، ويبذلون النفس والنفيس والغالي والعزيز في سبيل أن ينصر الحق وأن ترتفع رايته وأن يعلو شأنه وأن يزدان قدره وأن تقوى شوكته.. وإنه من تمام النعم على الأمة عدم خلو الأرض من قائم لله بحجته، ووجود هؤلاء الرجال المخلصين المدافعين الثابتين الصابرين علامة من علامات عظمة الإسلام، وبرهان من براهين قوة الدعوة الخالدة، ودليل من أدلة استمرار الديانة الغراء الخالدة التي تكفل الله ﵎ من علياء سمائه بحفظها وبقائها ما بقيت في الأرض حياة.. ٢- الخطورة الثانية التي خلفتها مدارس التغريب: ابتعد الذين دعوا إلى العلمانية عن روح الإسلام، وعن فهم مبادئه، فداخَل إيمانهم الضعف، وبذرت في قلوبهم بذور التشكيك وعدم اليقين وعلت أبصارهم غشاوة الافتتان بالغرب فلم يميزوا بين الغث والسمين وبين الباطل والحق وبين الخبيث والطيب.. فحسبوا أن النهضة الفكرية والعلمية والأدبية والاجتماعية تكمن في تقليد الغرب، وفي اتباع سننهم حذو القذة بالقذة، ولم يقارنوا بين بيئتهم الجاهلة وبيئتنا النيرة وبين ظروفهم الداكنة وظروفنا الواضحة، وبين دينهم المحرف وديننا المحفوظ.. وقد عموا عن إدراك أسباب عزنا الأول ومجدنا العظيم وحضارتنا التليدة، حينما كانت أوربا غارقة في ظلمات الجهل، وحينما كانت الكنيسة تصدر أحكامها بالإعدام على من يبحث في علم من العلوم بحثًا منطقيًّا سديدًا، ومن

стр. 274

يدري لعلهم نسوا التاريخ الإسلامي الزاهر وأيامه الباسمة، أو إنهم درسوا هذا التاريخ دراسة مشوهة مكتوبة كتابة أوروبية مغرضة أو صهيونية ماكرة أو إلحادية طاغية، ومهما يكن فحري بهم أن يفكروا تفكيرًا سويًّا، وأن يمحصوا الأمور ويفندوها ويردوا النتائج إلى أسبابها.. وألا ينسلخوا من أمتهم، ومن دينهم، ومن شخصيتهم. ٣- وثالث هذه الأخطار التي خلفتها مدارس التغريب يكمن في أن الذين تأثروا بأفكار الأوروبيين، ورضعوا لبانهم، وشربوا من مشاربهم، ونظروا بمنظارهم.. وبهروا بمدنيتهم، ووسائل معيشتهم قد اتخذوا في البلاد الإسلامية مراكز اجتماعية رفيعة ومناصب حكومية عالية، فغدوا قادة للفكر وروادًا للتجديد، ودعاة للنهضة الحديثة المنشودة، وعندئذ تمكنوا من نشر أفكارهم وبسط آرائهم، وامتدت أيديهم للتلاعب في مناهج التعليم، ولوضع مخططات ثقافية جديدة تتناسب مع الوقت المعاصر والزمن المتطور والأحداث المتغيرة.. وبغمضة عين، وبخطة قلم أبعدوا العلوم الدينية عن المناهج التعليمية في كافة المراحل الدراسية واكتفوا بوضع مادة سموها "التربية الدينية" ثم تمادوا أكثر فأكثر فاقترحوا أن تسمى مادة "الأخلاق الدينية" ويدرس تحت هذا العنوان الأخلاق الإسلامية والمسيحية والموسوية..؟ أو ليست كلها ديانات سماوية..؟ أو ليست كلها تدعو إلى التخلق بالفضيلة..؟ ومن ثم تعالت صيحات تطالب بدمج التعليم الديني المسيحي "الكنيسي" مع التعليم الديني الإسلامي بكتاب واحد.. وإذا كان الطلاب المسلمون يتعلمون دينهم فلم لا يتعلم الطلاب المسيحيون دينهم أيضًا، وكلهم في مدارس حكومية سواء.. هذا ما فهمه دعاة الباطل من التجديد ومن ملاءمة مقتضى العصر ومن مسايرة الأحداث والوقائع.. وهم قبل هذا الإجراء جعلوا التعليم قاصرًا على العلوم المدنية والوطنية، مع دراسة لبعض الوقائع التاريخية المكتوبة بأقلام مسمومة ماكرة خبيثة.. والتي صورت الخلافة العثمانية صورة مشوهة ووضعتها في قالب استعماري مبدأ وسلوكًا وسيرة وتعاملًا وأخلاقًا. وصورت احتلال الدول الأوروبية السياسي والعسكري للبلاد الإسلامية، بصورة المحب المشفق، فلم يكن استعمارًا ولا احتلالًَا وإنما كان حماية

стр. 275

ووصاية، وخدمة للإنسانية، ففي هذا العهد انتشرت المدارس والجاليات التعليمية والإرساليات الطبية، حرصًا على قتل الأوبئة في مهدها، والتخلص من الأمراض المستعصية، وليأخذ المسلم نصيبًا من الوعي الصحي والوعي التعليمي.. هذه رسالة الاستعمار.. إنها رسالة شريفة تعمل لغاية نبيلة.. هذه الصور المقلوبة رأسًا على عقب وهذه الحقائق المنكوسة هي التي درست في عهد الاحتلال الأوربي للبلاد الإسلامية وما زالت تدرس إلى الآن وبعد زوال الاستعمار العسكري استبقاء للاستعمار الفكري ومهادنة لسياسة الغرب والشرق، وتعايشًا سلميًّا لعدو لدود متربص لا يغفل عن المكر والخداع والخيانة والنيل من الحرمات الإسلامية والمقدسات الدينية.. وبعد.. فهل أدرك القائمون على التعليم خطورة إبعاد التعليم الديني عن التدريس في المدارس المتوسطة والثانوية.. وخطورة الاستهانة بمدرس العلوم الدينية والتقليل من مكانته والإنقاص من قدره, والسعي لإغلاق فمه وإخراس لسانه، وصم أذنيه، وإسبال جفونه. وهل أدركوا أهمية الاتجاه إلى تدريس الثقافة الإسلامية، وإنارة الفكر الإسلامي في المرحلة الجامعية على اختلاف فروعها وكلياتها وأقسامها. نريد -نحن المسلمين- أن نعلم أبناءنا وبناتنا التعليم الصحيح السليم، تعليمًا فكريًّا وروحيًّا وجسميًّا، تعليمًا خاليًا من الغرضية ومن المطامع القريبة ومن الأهواء الشخصية.. التعليم المتكامل الذي يجعل من أولادنا جيلًا متفتحًا واعيًا يقظًا حذرًا فطنًا كيسًا فاهمًا لمبادئه معتزًّا بدينه متذوقًَا للغته مرتبطًا بتراثه الإسلامي وأمته الإسلامية، متصلًا بإخوانه في كافة أقطار العالم وفي مختلف الأوطان والبيئات، من غير اعتبار للحدود المصطنعة أو الألوان المتباينة، أو اللهجات المتعددة.. نريد أن نجعل العلوم الدينية أساسًا للتعليم في كافة المراحل، بل وأساسًا للحياة، لأنه لا انفصام في الإسلام ولا ازدواجية ولا ثنائية.. فالإسلام أصل ونبع، ولا نريد أن ننقص العلوم الدنيوية حقها.. نريد أن نكتب تاريخنا بأيدينا ونبعد الوجود الاستشراقي والتبشيري والإسرائيلي والإلحادي عن تاريخنا وعن حاضرنا ومستقبلنا.. نريد أن نشيد مكتبتنا بأيدينا وأن نزيدها ثراء بأقلامنا وأفكارنا الأصيلة.

стр. 276

نريد أن نكون كما أراد الله لنا خير أمة أخرجت للناس، نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونؤمن بالله وندعو للخير.. ولا نريد التبعية، ونكره الانقياد لأي مبدأ سوى الإسلام ولكل فكرة سوى الإيمان بوحدانية الله، ولأي سلطان سوى سلطان الله ﵎.. هذه هي الشخصية الإسلامية وهذا هو الفكر الإسلامي الأصيل.

стр. 277

العلمانية والإعلام: ليس التعليم وحده قادرًا على أن يصيغ الرجال صوغًا معينًا، وإنما هناك مصنع آخر له نفس القدرة إن لم أقل تربو عنها.. هذا المصنع تتعدد ألوانه وتختلف أشكاله ويزداد أثره ويكثر انتشاره ويعيش مع الأفراد والجماعات والرجال والنساء والشبان والشيوخ والأطفال والكبار والجهلة والمتعلمين.. إن هذا المصنع الضخم ذا الحياة الدافقة، والحركة الدائبة هو "الإعلام" على تعدد وسائله.. من صحافة و"راديو" و"تليفزيون". إن هذا المصنع وسيلة مهمة وله دور خطير في الحياة، فقد يخدم الخير ويكون وسيلة للنطق بالحق ولسماع الحق، وقد يكون وسيلة شر يستخدم أداة للباطل، يقف إلى جانبه، ويعلي صوته، ويسمع كل الآذان، ويضلل الأفكار، ويشوه الحقائق.. وقد فطن العدو الماكر إلى أهمية الإعلام فاستغله على أوسع نطاق، ويلاحظ المستشرق "جب" أن النشاط التعليمي والثقافي "عن طريق المدارس العصرية والصحافة" قد ترك في المسلمين أثرًا جعلهم يبدون في مظهرهم العام لا دينيين إلى حد بعيد، ثم يعقب على ذلك بقوله: وذلك خاصة هو اللب المثمر في كل ما تركت محاولات الغرب لحمل العالم الإسلامي على حضارته من آثار. ثم يقول: الواقع أن الإسلام بوصفه عقيدة لم يفقد إلا قليلًا من قوته وسلطانه، ولكن الإسلام بوصفه قوة مسيطرة على الحياة الاجتماعية قد فقد مكانته، فهناك مؤثرات أخرى تعمل إلى جانبه، وهي في كثير من الأحيان تتعارض مع تقاليده وتعاليمه تعارضًا صريحًا. ولكنها تشق طريقها، بالرغم من ذلك إلى المجتمع الإسلامي في قوة وعزم.. فإلى عهد قريب، لم يكن للمسلم من عامة الناس، أي اتجاه سياسي، ولم

стр. 278

يكن له أدب إلا الأدب الديني، ولم تكن له أعياد إلا ما جاء به الدين، ولم يكن ينظر إلى العالم الخارجي إلا بمنظار الدين. كان الدين هو كل شيء بالقياس إليه. أما الآن فقد أخذ يمد بصره إلى ما وراء عالمه المحدود. وتعددت ألوان نشاطه الذي لم يعد مرتبطًا بالدين. فقد أصبحت له ميوله السياسية وهو يقرأ -أو يقرأ له غيره- مقالات في موضوعات مختلفة الألوان لا صلة لها بالدين، بل إن وجهة نظر الدين فيها لا تناقش على الإطلاق، وأصبح الرجل من عامة المسلمين يرى أن الشريعة الإسلامية لم تعد هي الفيصل فيما يعرض له من مشكلات، ولكنه مرتبط في المجتمع الذي يحيا فيه بقوانين مدنية قد لا يعرف أصولها ومصادرها ولكنه يعرف على كل حال أنها ليست مأخوذة من القرآن، وبذلك لم تعد التعاليم الدينية القديمة صالحة لإمداده في حاجاته الروحية، فضلًا عن حاجاته الاجتماعية الأساسية، بينما أصبحت مصالحه المدنية وحاجاته الدنيوية هي أكثر ما يسترعي انتباهه. وبذلك فقد الإسلام سيطرته على حياة المسلمين الاجتماعية، وأخذت دائرة نفوذه تضيق شيئًا فشيئًا حتى انحصرت في طقوس محدودة وقد تم معظم هذا التطور تدريجيًّا عن غير وعي وانتباه. وكان الذين أدركوا هذا التطور قلة ضئيلة من المثقفين، وكان الذين مضوا فيه عن وعي وتابعوا طريقهم فيه عن اقتناع قلة أقل. وقد مضى هذا التطور الآن إلى مدى بعيد، ولم يعد من الممكن الرجوع فيه.. وقد يبدو الآن من المستحيل -مع تزايد الحاجة إلى التعليم ومع تزايد الاقتباس من الغرب أن يصد هذا التيار، أو يعاد الإسلام إلى مكانته الأولى من السيطرة التامة التي لا تناقش على الحياة السياسية والاجتماعية"١. ويقول جب: "إن الصحافة هي أقوى الأدوات الأوربية وأعظمها نفوذًا في العالم الإسلامي.."٢. ويرى جب: أن مديري الصحف اليومية ينتمون إلى ما يطلق عليه اسم التقدميين، ولذلك فإن هذه الصحف واقعة تحت تأثير آراء الغرب والأساليب الغربية بما تشتمل عليه من مقالات مترجمة ومن كتابات تشرح الحركات السياسية

стр. 279

والاقتصادية في أوربا١. والصحافة التي تعمل لحساب العلمانية تعتبر من أهم وسائل الإعلام لدى حركة التغريب، باعتبارها أكثر الوسائل الإعلامية شيوعًا وأبعدها تأثيرًا، سواء كانت محلية أو مستوردة.. وهي تتبع أسلوب المديح والتمجيد لأوربا وللحياة الأدبية، بحيث تدفع كل قارئ لأن تكون أحلى أمانيه أن يؤم أوربا وأن يعيش في جوها وأن يستمتع بحياة الرفاهية والترف..وإن أوربا اليوم قد أصبحت -في أقلام الصحفيين- مدينة الأحلام لما تسودها من حرية بعيدة المدى شاسعة الآفاق، حرية بالرأي وحرية بالقلم وحرية بالقول، وتمرد على القيم التي كانت تربطها بالكنيسة، وتمرد على تقاليد الكنيسة.. وقد تقدمت أوربا تقدمًا سريع الخطى في الجوانب الاقتصادية والمالية والاجتماعية والتعليمية، وما هذا إلا لسر دفين هو فصل الدين عن الدولة، وإخضاع إدارة الحياة الداخلية والخارجية، السياسية والأمنية لهيئة علمانية بعيدة كل البعد عن الدين.. وتوحي هذه الكتابات بأن كل مجتمع يريد أن يصل إلى ذروة التقدم وسنام النهضة عليه أن يخلع عن عنقه كل دين، وكل قيمة تربطه بالدين، فما المثل وما المبادئ إلا كلمات قديمة تسم صحابها بسمة الجمود والرجعية والتحجر. وهكذا أصبحت الصحافة في معظم البلاد الإسلامية صوتًا ناطقًا لدعوات التغريب، وصورة مزركشة ملونة بأحلى الألوان لعالم عاجي مذهب يدعى "أوربا". في مقال كتبه "ألمرد وغلاس" بعنوان "كيف انضم إلينا أطفال المسلمين في الجزائر" يعلق على هذه الوسائل فيقول: "إن هذه السبل لا تجعل الأطفال نصارى ولكنها لا تبقيهم مسلمين كآبائهم، ومثل هذه الجهود يبذلها المبشرون في شمال إفريقيا ومصر"٢. ومما جاء في بروتوكولات صهيون: "ينبغي أن نتمكن من السيطرة على الصحافة ووكالات الأنباء وشركات النشر والإعلان والتوزيع والمطبعة وأدواتها

стр. 280

والكتاب والمفكرين حتى لا تفلت من بين أصابعنا وسيلة من وسائل القوة المحركة للرأي العام.. كل ذلك تحت ستار حماية الأمن العام والصالح العام. كما تدعو الضرورة "لتشديد الرقابة على وكالات الأنباء العالمية حتى تحول دون نشر الأخبار الضارة بالصالح اليهودي"١, لا شك أن السيطرة اليهودية على المطابع تتيح لها السيطرة على تفكير الشعوب. وجاء في أحد بروتوكولات صهيون: "تستلزم المصلحة العليا تحويل الصحفيين والكتاب والمفكرين إلى مأجورين من المرتزقة وتوزيع الموضوعات التي يحق لهم التعرض لها والحدود التي يلتزمون بها، وتحويل أنظار الشعب عما يلحون في طلبه وذلك بشغله بموضوعات أخرى غير مجدية، فلا ينبغي مناقشة الموضوعات السياسية العليا.. ويستبدل بها مناقشة شئون الخبز والتموين والتجارة والصناعة والرياضة.. وبذلك يخلو لشعب الله المختار بحث الشئون السياسية"٢. وعلى هذا فإن للصهيونية مخططًا إعلاميًّا خاصًّا بها، بعيد الهدف شديد الأثر هذا المخطط يسعى جاهدًا لشراء ضمائر مديري الصحافة والعاملين فيها، فيستأجر أقلامهم، ويسخر عقولهم ويستعبد قلوبهم، فيكتب هؤلاء ما يحقق مصلحة اليهود، وينطقون بما يخدم رغبات الصهيونية وينشرون ما ينفذ مطامع إسرائيل.. أما ما ينفع البلاد والعباد، وأما ما يبصر الشاب المسلم بحاضره وماضيه وبأساليب نهضته وبأسباب تقدمه.. فالصحافة لاهية عنه بكلمة خبيثة، أو بنقد لفئة من المستمسكين بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ إلا من رحم ربك، ومن نجا، وما نجت إلا الصحافة الإسلامية ولله الحمد، لأنها ناطقة باسم الإسلام ولم تقع تحت أي استعمار عسكري أو فكري.

стр. 281

القومية مدخل ... القومية: اتخذت القومية في القرن التاسع عشر مفهومًا خاصًّا يدل على تفضيل آصرة القوم على غيرها من الأواصر، ولكن جوهر هذا المعنى كان معروفًا منذ العصور القديمة، فقد عرف اليونان والرومان والهنود "القومية" وكانت تعني عندهم انتساب الفرد إلى قوم أو جنس معين. وللقومية أركان خمسة عليها يرتفع بنيان هذا المفهوم، وهذه الأركان هي: ١- وحدة الجنس بمعنى الانتساب إلى أصل واحد. ٢- وحدة الوطن. ٣- وحدة اللغة. ٤- وحدة التاريخ. ٥- العوامل الاقتصادية. يقول الأستاذ سيد قطب في كتابه "هذا الدين": "وجاء الإسلام فوجد الناس يتجمعون على آصرة النسب، أو يتجمعون على آصرة الجنس، أو يتجمعون على آصرة الأرض، أو يتجمعون على آصرة المصالح والمنافع القريبة، وكلها عصبيات لا علاقة لها بجوهر الإنسان، إنما هي أعراض طارئة على جوهر الإنسان الكريم، وقال الإسلام كلمته الحاسمة في هذا الأمر الخطير الذي يحدد علاقات الناس بعضهم ببعض تحديدًا أخيرًا. قال: إنه لا لون ولا جنس ولا نسب ولا أرض ولا مصالح ولا منافع هي التي تجمع بين الناس أو تفرق، إنما هي العقيدة.. إن آصرة المجتمع هي العقيدة، لأن العقيدة هي أكرم خصائص الروح الإنساني، فأما إذا نبتت هذه الوشيجة فلا آصرة ولا تجمع ولا كيان. إن الإنسانية يجب أن تتجمع على أكرم خصائصها لا على مثل ما تتجمع عليه البهائم من الكلأ والمرعى أو من الحد والسياج. والأمة هي المجموعة من الناس تربط بينها آصرة العقيدة وهي جنسيتها وإلا فلا أمة لأنه ليست هناك آصرة تجمعها، والأرض والجنس واللغة والنسب والمصالح المادية قريبة. لا تكفي واحدة منها ولا تكفي كلها لتكوين أمة إلا أن تربط بينها رابطة العقيدة"١.

стр. 282

يقول الله ﵎: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ١. ويقول الرسول, ﷺ : "كلكم بنو آدم، وآدم خلق من تراب ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان" ٢. هذه النصوص الكريمة تبين أن الآصرة التي يتجمع المؤمنون حولها هي آصرة العقيدة، وهي وحدها، خليقة بالاعتبار لأنها تتناسب مع كرامة الإنسان ومع كونه خليفة الله في الأرض. ونظرة سريعة نلقيها على التاريخ الإسلامي كفيلة أن تجعلنا مدركين لمقومات الدولة التي أنشأها رسول الإسلام عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، تلك الدولة التي أقامها رسول الله ﵊ على رابطة العقيدة كانت أقوى دولة وأرحم دولة، لقد ألغى " ﷺ " كل الفروق التي كانت معروفة في الجاهلية والتي كانت تجمع أبناء العشيرة الواحدة وأبناء القبيلة الواحدة.. قدم رسول الله ﷺ المدينة فوجد فيها الأوس والخزرج، وكان بينهما خصومات ومنازعات، فآخى رسول الله ﷺ بين هاتين القبيلتين بالأخوة الإيمانية، وآخى بين أهل المدينة من جهة وبين المهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالهم وآثروا ما عند الله ورسوله. وهكذا أنشئت أول دولة إسلامية عرفها الوجود كله، فتباهى بها التاريخ فخرًا، أنشئت هذه الدولة إذن على رابطة العقيدة دون الاعتبارات الأخرى، ومن هذا المنطلق قال رسول الله, ﷺ : "سلمان منا آل البيت". من النصوص القرآنية والنبوية ومن وقائع تاريخنا الإسلامي المشرق يتجلى أن الآصرة الخليقة بالاعتبار في منظار الإسلام هي "العقيدة"، هذه الرابطة جديرة لأن يناط بها إنشاء أمة، وتجمع إنسانية، وإقامة دولة، فهي وحدها قادرة

стр. 283

على أن تؤلف بين قلوب البشر على اختلاف ديارهم وأجناسهم ولغاتهم واقتصادهم.. وهي وحدها قادرة على أن تجمع العالمين في دائرة واحدة، وأن تمدهم بقيم واحدة وأن تظلهم بأنظمة واحدة، وبشريعة واحدة، ومن هذا كله تنبع مشاعرهم وتتحد آمالهم وغاياتهم واتجاهاتهم.. قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ١. هذه الدعوة العالمية الإنسانية اتجهت من رب العباد إلى الناس كافة ليتجمعوا على الرابطة الإلهية، رابطة الإيمان بوحدانية الله تعالى، رابطة الإسلام، وهذه الرابطة تذكرهم بوحدة الأصل "خلقكم من نفس واحدة" فالتاريخ البشري في نظر الإسلام تاريخ له مكانته وله أصالته وله منزلته العالية وله رفعته وله جلاله إنه يتناسب مع كرامة الإنسان ومع وظيفته في هذه الأرض.. وليس ماضيًا يغض المرء طرفه حياء منه، أو خجلًا من لوثة أصله، إنه تاريخ إنساني له أصالته الإنسانية، ومن ثم فليس لأحد أن يفخر على أحد أو أن يستعلي على أحد إذ إن الأب واحد والأسرة واحدة، فلم يبق إذن للجنس مكان كي يستعلي الإنسان بسببه على غيره، ولا وجود في هذا الميزان الدقيق الحساس لأسطورة شعب الله المختار أو لأسطورة العرق الآري. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ٢. وقال الرسول, ﷺ : "ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية" ٣. فليست دعوة التعصب للجنس أو للون، أو التعصب لطائفة اجتماعية دعوة معتبرة أو معترف بها في المجتمع الراقي المتقدم في ركب الحضارة وليس لها مكان أبدًا في مجتمع تقوم دعائمه على أسس المودة والرحمة والتعاون والمشاركة والإيثار..

стр. 284

قد تصلح دعوة التعصب لجنس أو لون أو قوم في مجتمعات بدائية ليس لها رصيد خلقي ولا قاموس أدبي، وقد تصلح لتجمع بشري لم يستهد بهدي الله العلي العظيم، ولم يستضئ بتعاليم الدين، ولم يستنر بنوره الذي يبدد كل جهالة وكل ظلام.. كالمجتمع العربي قبل الإسلام. فقد كان اعتزاز العرب بأنسابهم اعتزازًا قويًّا جارفًا يجعلهم في تصورهم الخاطئ في مقدمة الركب الإنساني أو في منزلة أرفع من منزلة الإنسان، وكانت قريش -على الخصوص- تأخذها العزة القبلية دائمًا، فإذا حجَّت مؤدية عبادة لله تعالى لم تقف في عرفات حيث يقف الناس، ولم تفض من حيث أفاضوا استعلاء واستكبارًا بغير حق. فجاء الإسلام ليمنح الإنسانية عقيدة التوحيد، ويهبها رسالة السعادة والحب والمودة والألفة والمساواة، فقال : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١, ونلحظ اليوم ثمة مجتمعات تنادي للتكتل حول الجنس أو العرق أو القبيلة، ويرافق هذه التكتلات آلاف من الأصوات تئن تحت وطأة الظلم، وصيحات من الألم -تكتم أنفاسها- بسبب اختلاف اللون أو الجنس.. وكلنا يعلم ما الذي يعانيه الزنوج الحمر والسود في أمريكا بسبب اختلاف الجنس واللون، هذه الدولة التي تعتبر نفسها في مقدمة الركب العالمي حضارة ومدنية وتقدمًا، بل تظن أن محور العالم في قبضتها وطوع أمرها تحركه كيفما شاءت، ولنا أن نتساءل: أليس للأخلاق اعتبار في التقدم الحضاري؟ أو ليس للقيم منزلتها اللائقة في الثقافة الأمريكية؟ ولا يزال الملونون في إفريقيا يعانون ما يعانون ويكابدون ما يكابدون من ظلم وتعسف وحرمان.. كل هذا بسبب اختلاف الألوان والأجناس.. هذا الأمر الذي ليس لهم فيه يد ولا قوة ولا حول، ولكنه الظلم المتأصل في النفس التي لم يهذبها التوحيد ولم يحالفها السعد فتصبغ صبغة إيمانية كاملة. وأين موقع هذه المجتمعات التي تعتبر نفسها متقدمة مدنية من المجتمع الذي أقام دعائمه رسول الله ﷺ بقوله: "أيها الناس! إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم، وآدم من تراب، وليس لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أبيض ولا لأبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى. ألا هل

стр. 285

بلغت؟ اللهم فاشهد، ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب." وقد سمع مرة رسول الله ﷺ أبا ذر الغفاري يحتد على بلال وهو يحاوره ويقول له: يابن السوداء، فظهرت آثار الغضب الشديد على وجه الرسول، واتجه بالخطاب إلى أبي ذر وانتهره قائلًا: "إنك امرؤ فيك جاهلية، كلكم بنو آدم طف الصاع ١ , ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل إلا بالتقوى أو عمل صالح" فوضع أبو ذر خده على الأرض وأقسم على بلال أن يطأه بحذائه حتى يغفر الله له زلته هذه، ويكفر عنه ما بدر منه من خلق الجاهلية٢. يذكر الدكتور مصطفى السباعي ﵀ أنه لما توغل المسلمون في مصر فاتحين حتى وقفوا أمام حصن نابليون، رغب المقوقس في المفاوضة مع المسلمين، فأرسل إليهم وفدًا ليعلم ما يريدون، ثم طلب منهم أن يرسلوا إليه وفدًا، فأرسل إليه عمرو بن العاص عشرة نفر فيهم "عبادة بن الصامت" وكان عبادة أسود شديد السواد طويلًا، وأمره عمرو أن يكون هو الذي يتولى الكلام، فلما وصلوا إلى المقوقس تقدمهم عبادة بن الصامت، فهابه المقوقس لسواده، وقال لهم: نحوا عني هذا الأسود وقدموا غيره يكلمني، فقال رجال الوفد جميعًا: إن هذا الأسود أفضلنا رأيًا وعلمًا وهو خيرنا والمقدم علينا وإنما نرجع جميعًا إلى قوله ورأيه وقد أمره الأمير دوننا بما أمره. وأمرنا ألا نخالف رأيه وقوله، فقال لهم: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم وإنما ينبغي أن يكون هو دونكم، فقالوا: كلا إنه وإن كان أسود كما ترى فإنه من أفضلنا موضعًا وأفضلنا سابقة وعقلًا ورأيًا، وليس ينكر السواد فينا، فقال المقوقس لعبادة: تقدم يا أسود وكلمني برفق فإني أهاب سوادك، وإن اشتد كلامك علي ازددت لك هيبة. فقال عبادة، حين رأى فزع المقوقس من السواد: إن في جيشنا ألف أسود هم أشد سوادًا مني٣. وهكذا حين كان الناس يرون السواد منقصة، ويرون الأسود غير أهل لأن
следующие страницы →