← Общие книги

Общие книги · id 8669

أضواء على الثقافة الاسلامية

نادية شريف العمري

Полный текст (414 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

القومية مدخل ... القومية: اتخذت القومية في القرن التاسع عشر مفهومًا خاصًّا يدل على تفضيل آصرة القوم على غيرها من الأواصر، ولكن جوهر هذا المعنى كان معروفًا منذ العصور القديمة، فقد عرف اليونان والرومان والهنود "القومية" وكانت تعني عندهم انتساب الفرد إلى قوم أو جنس معين. وللقومية أركان خمسة عليها يرتفع بنيان هذا المفهوم، وهذه الأركان هي: ١- وحدة الجنس بمعنى الانتساب إلى أصل واحد. ٢- وحدة الوطن. ٣- وحدة اللغة. ٤- وحدة التاريخ. ٥- العوامل الاقتصادية. يقول الأستاذ سيد قطب في كتابه "هذا الدين": "وجاء الإسلام فوجد الناس يتجمعون على آصرة النسب، أو يتجمعون على آصرة الجنس، أو يتجمعون على آصرة الأرض، أو يتجمعون على آصرة المصالح والمنافع القريبة، وكلها عصبيات لا علاقة لها بجوهر الإنسان، إنما هي أعراض طارئة على جوهر الإنسان الكريم، وقال الإسلام كلمته الحاسمة في هذا الأمر الخطير الذي يحدد علاقات الناس بعضهم ببعض تحديدًا أخيرًا. قال: إنه لا لون ولا جنس ولا نسب ولا أرض ولا مصالح ولا منافع هي التي تجمع بين الناس أو تفرق، إنما هي العقيدة.. إن آصرة المجتمع هي العقيدة، لأن العقيدة هي أكرم خصائص الروح الإنساني، فأما إذا نبتت هذه الوشيجة فلا آصرة ولا تجمع ولا كيان. إن الإنسانية يجب أن تتجمع على أكرم خصائصها لا على مثل ما تتجمع عليه البهائم من الكلأ والمرعى أو من الحد والسياج. والأمة هي المجموعة من الناس تربط بينها آصرة العقيدة وهي جنسيتها وإلا فلا أمة لأنه ليست هناك آصرة تجمعها، والأرض والجنس واللغة والنسب والمصالح المادية قريبة. لا تكفي واحدة منها ولا تكفي كلها لتكوين أمة إلا أن تربط بينها رابطة العقيدة"١.

стр. 282

يقول الله ﵎: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ١. ويقول الرسول, ﷺ : "كلكم بنو آدم، وآدم خلق من تراب ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان" ٢. هذه النصوص الكريمة تبين أن الآصرة التي يتجمع المؤمنون حولها هي آصرة العقيدة، وهي وحدها، خليقة بالاعتبار لأنها تتناسب مع كرامة الإنسان ومع كونه خليفة الله في الأرض. ونظرة سريعة نلقيها على التاريخ الإسلامي كفيلة أن تجعلنا مدركين لمقومات الدولة التي أنشأها رسول الإسلام عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، تلك الدولة التي أقامها رسول الله ﵊ على رابطة العقيدة كانت أقوى دولة وأرحم دولة، لقد ألغى " ﷺ " كل الفروق التي كانت معروفة في الجاهلية والتي كانت تجمع أبناء العشيرة الواحدة وأبناء القبيلة الواحدة.. قدم رسول الله ﷺ المدينة فوجد فيها الأوس والخزرج، وكان بينهما خصومات ومنازعات، فآخى رسول الله ﷺ بين هاتين القبيلتين بالأخوة الإيمانية، وآخى بين أهل المدينة من جهة وبين المهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالهم وآثروا ما عند الله ورسوله. وهكذا أنشئت أول دولة إسلامية عرفها الوجود كله، فتباهى بها التاريخ فخرًا، أنشئت هذه الدولة إذن على رابطة العقيدة دون الاعتبارات الأخرى، ومن هذا المنطلق قال رسول الله, ﷺ : "سلمان منا آل البيت". من النصوص القرآنية والنبوية ومن وقائع تاريخنا الإسلامي المشرق يتجلى أن الآصرة الخليقة بالاعتبار في منظار الإسلام هي "العقيدة"، هذه الرابطة جديرة لأن يناط بها إنشاء أمة، وتجمع إنسانية، وإقامة دولة، فهي وحدها قادرة

стр. 283

على أن تؤلف بين قلوب البشر على اختلاف ديارهم وأجناسهم ولغاتهم واقتصادهم.. وهي وحدها قادرة على أن تجمع العالمين في دائرة واحدة، وأن تمدهم بقيم واحدة وأن تظلهم بأنظمة واحدة، وبشريعة واحدة، ومن هذا كله تنبع مشاعرهم وتتحد آمالهم وغاياتهم واتجاهاتهم.. قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ١. هذه الدعوة العالمية الإنسانية اتجهت من رب العباد إلى الناس كافة ليتجمعوا على الرابطة الإلهية، رابطة الإيمان بوحدانية الله تعالى، رابطة الإسلام، وهذه الرابطة تذكرهم بوحدة الأصل "خلقكم من نفس واحدة" فالتاريخ البشري في نظر الإسلام تاريخ له مكانته وله أصالته وله منزلته العالية وله رفعته وله جلاله إنه يتناسب مع كرامة الإنسان ومع وظيفته في هذه الأرض.. وليس ماضيًا يغض المرء طرفه حياء منه، أو خجلًا من لوثة أصله، إنه تاريخ إنساني له أصالته الإنسانية، ومن ثم فليس لأحد أن يفخر على أحد أو أن يستعلي على أحد إذ إن الأب واحد والأسرة واحدة، فلم يبق إذن للجنس مكان كي يستعلي الإنسان بسببه على غيره، ولا وجود في هذا الميزان الدقيق الحساس لأسطورة شعب الله المختار أو لأسطورة العرق الآري. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ٢. وقال الرسول, ﷺ : "ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية" ٣. فليست دعوة التعصب للجنس أو للون، أو التعصب لطائفة اجتماعية دعوة معتبرة أو معترف بها في المجتمع الراقي المتقدم في ركب الحضارة وليس لها مكان أبدًا في مجتمع تقوم دعائمه على أسس المودة والرحمة والتعاون والمشاركة والإيثار..

стр. 284

قد تصلح دعوة التعصب لجنس أو لون أو قوم في مجتمعات بدائية ليس لها رصيد خلقي ولا قاموس أدبي، وقد تصلح لتجمع بشري لم يستهد بهدي الله العلي العظيم، ولم يستضئ بتعاليم الدين، ولم يستنر بنوره الذي يبدد كل جهالة وكل ظلام.. كالمجتمع العربي قبل الإسلام. فقد كان اعتزاز العرب بأنسابهم اعتزازًا قويًّا جارفًا يجعلهم في تصورهم الخاطئ في مقدمة الركب الإنساني أو في منزلة أرفع من منزلة الإنسان، وكانت قريش -على الخصوص- تأخذها العزة القبلية دائمًا، فإذا حجَّت مؤدية عبادة لله تعالى لم تقف في عرفات حيث يقف الناس، ولم تفض من حيث أفاضوا استعلاء واستكبارًا بغير حق. فجاء الإسلام ليمنح الإنسانية عقيدة التوحيد، ويهبها رسالة السعادة والحب والمودة والألفة والمساواة، فقال : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١, ونلحظ اليوم ثمة مجتمعات تنادي للتكتل حول الجنس أو العرق أو القبيلة، ويرافق هذه التكتلات آلاف من الأصوات تئن تحت وطأة الظلم، وصيحات من الألم -تكتم أنفاسها- بسبب اختلاف اللون أو الجنس.. وكلنا يعلم ما الذي يعانيه الزنوج الحمر والسود في أمريكا بسبب اختلاف الجنس واللون، هذه الدولة التي تعتبر نفسها في مقدمة الركب العالمي حضارة ومدنية وتقدمًا، بل تظن أن محور العالم في قبضتها وطوع أمرها تحركه كيفما شاءت، ولنا أن نتساءل: أليس للأخلاق اعتبار في التقدم الحضاري؟ أو ليس للقيم منزلتها اللائقة في الثقافة الأمريكية؟ ولا يزال الملونون في إفريقيا يعانون ما يعانون ويكابدون ما يكابدون من ظلم وتعسف وحرمان.. كل هذا بسبب اختلاف الألوان والأجناس.. هذا الأمر الذي ليس لهم فيه يد ولا قوة ولا حول، ولكنه الظلم المتأصل في النفس التي لم يهذبها التوحيد ولم يحالفها السعد فتصبغ صبغة إيمانية كاملة. وأين موقع هذه المجتمعات التي تعتبر نفسها متقدمة مدنية من المجتمع الذي أقام دعائمه رسول الله ﷺ بقوله: "أيها الناس! إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم، وآدم من تراب، وليس لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أبيض ولا لأبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى. ألا هل

стр. 285

بلغت؟ اللهم فاشهد، ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب." وقد سمع مرة رسول الله ﷺ أبا ذر الغفاري يحتد على بلال وهو يحاوره ويقول له: يابن السوداء، فظهرت آثار الغضب الشديد على وجه الرسول، واتجه بالخطاب إلى أبي ذر وانتهره قائلًا: "إنك امرؤ فيك جاهلية، كلكم بنو آدم طف الصاع ١ , ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل إلا بالتقوى أو عمل صالح" فوضع أبو ذر خده على الأرض وأقسم على بلال أن يطأه بحذائه حتى يغفر الله له زلته هذه، ويكفر عنه ما بدر منه من خلق الجاهلية٢. يذكر الدكتور مصطفى السباعي ﵀ أنه لما توغل المسلمون في مصر فاتحين حتى وقفوا أمام حصن نابليون، رغب المقوقس في المفاوضة مع المسلمين، فأرسل إليهم وفدًا ليعلم ما يريدون، ثم طلب منهم أن يرسلوا إليه وفدًا، فأرسل إليه عمرو بن العاص عشرة نفر فيهم "عبادة بن الصامت" وكان عبادة أسود شديد السواد طويلًا، وأمره عمرو أن يكون هو الذي يتولى الكلام، فلما وصلوا إلى المقوقس تقدمهم عبادة بن الصامت، فهابه المقوقس لسواده، وقال لهم: نحوا عني هذا الأسود وقدموا غيره يكلمني، فقال رجال الوفد جميعًا: إن هذا الأسود أفضلنا رأيًا وعلمًا وهو خيرنا والمقدم علينا وإنما نرجع جميعًا إلى قوله ورأيه وقد أمره الأمير دوننا بما أمره. وأمرنا ألا نخالف رأيه وقوله، فقال لهم: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم وإنما ينبغي أن يكون هو دونكم، فقالوا: كلا إنه وإن كان أسود كما ترى فإنه من أفضلنا موضعًا وأفضلنا سابقة وعقلًا ورأيًا، وليس ينكر السواد فينا، فقال المقوقس لعبادة: تقدم يا أسود وكلمني برفق فإني أهاب سوادك، وإن اشتد كلامك علي ازددت لك هيبة. فقال عبادة، حين رأى فزع المقوقس من السواد: إن في جيشنا ألف أسود هم أشد سوادًا مني٣. وهكذا حين كان الناس يرون السواد منقصة، ويرون الأسود غير أهل لأن

стр. 286

يتولى مراتب البيض، كانت حضارتنا الإسلامية تلقي جميع أنواع التفاضل التي تعود إلى اللون أو اختلاف الدم.. "ولم يعرف في التاريخ الإسلامي أن مجتمعًا إسلاميًّا كان يقيم مجتمعات مغلقة على البيض لا يسكنها السود، كما أنه لم يسجل حادثة واحدة اضطهد فيها إنسان لونه، لأن البياض والسواد في حضارتنا ليس إلا بياض الأعمال أو سوادها. ومع أن الحضارة الحديثة تعد من أشهر الحضارات التي عرفت بأنها قامت على مبادئ الإخاء والمساواة بين الناس، ومع أن هيئة الأمم المتحدة أعلنت ميثاق حقوق الإنسان الذي يمنع نظريًّا جميع أنواع التمايز ويعطي الناس جميعًا حقوقًا واحدة، إلا أن العالم لا يزال يطبق التمييز العنصري بسبب اللون في أبشع صوره وأشكاله"١. "ففي أمريكا بلد الحرية والعلم -كما يقال- الذي يضع الإنسان على القمر، لا تزال تجري مأساة من أكبر مآسي التاريخ الإنساني وهي مأساة اضطهاد الزنوج، وعدم الاعتراف للعناصر الملونة بالمرتبة الإنسانية التي يتمتع بها الأبيض، ومع أن الزنوج يعتبرون مواطنين في هذه الدولة التي تحمل أعلام الحضارة الحديثة المعاصرة إلا أنهم لا يستطيعون أن يمارسوا عمليًّا حقوق المواطن كما يمارسها المواطن الأبيض، وفي ذلك يقول أحد رجال السياسة من البيض هناك: "ليس لأي رجل ملون يغمر قلبه الرغبة في المساواة السياسية عمل ما في ولايات الجنوب، إن هذه البلاد ملك للرجل الأبيض ويجب أن تظل كذلك"٢. وعلى هذا فالإسلام أوجد الأمة التي يربط بين أفرادها رباط العقيدة، ومن هذه العقيدة تتولد الآمال المشتركة، واللغة الموحدة، والتاريخ الزاهر الذي يشع حياة وحركة وتفاعلًا.. وتنمو في الأمة المصالح المشتركة والعلاقات الاجتماعية القوية.

стр. 287

ولهذا فإن -الأتراك المسلمين- يعتزون بالتاريخ الإسلامي، ويعتبرونه جزءًا من كيانهم، وكذلك الحال مع الأكراد، ومع الإيرانيين، ومع العرب الذين يفخرون بتاريخهم الإسلامي دون أن يعتزوا بأبي جهل أو بأبي لهب، وكذلك الشأن مع المصريين الذين يعتزون بالتاريخ الإسلامي لا بالتاريخ الفرعوني.. وما قيل في هؤلاء يقال في كافة الأجناس التي انتظمها الإسلام بعقد منضد موحد لا نرى بين حياته تمايزًا ولا اختلافًا، ولا تباينًا.. كتب شاه ولي الله عالم دلهي المتوفى سنة "١٧٦٥م" يقول: "نحن غرباء في هذه البلاد -أي الهند- فلقد جاء أجدادنا منذ القديم ليعيشوا هنا، فالنسب العربي واللغة العربية هما موضع اعتزازنا وافتخارنا وبهما كان طريقنا إلى معرفة الله رب الأولين والآخرين، ولمعرفة محمد ﷺ أشرف الأنبياء والرسل، وعلينا أن نشكر الله على سابغ رحمته علينا، وذلك بالتمسك قدر استطاعتنا بعادات وتقاليد أجدادنا العرب فقد جاء من بينهم نبينا الكريم، وإليهم توجه أول ما توجه في دعوته"١. ذلك لأن الإسلام، وهو بدء ميلاد الإنسانية، حمل إلى البشر، ولأول مرة في التاريخ "الأخوة الإيمانية" ووحدة الجنس الإنساني ووحدة الفكر ووحدة العقيدة، بديلًا عن الوثنية والشرك في الفكر والقلب، فهو الدين الوحيد الذي حرر الإنسان من فساد الجماعة، والجماعة من طغيان الفرد، وحرر النفس البشرية ذاتها من عبادة غير الله، ومن الخوف والرهبة لغير الله، وحرر العقل من التحجر والجمود والخمول، ودفعه دفعًا قويًّا إلى الكون المفتوح، لينظر ويتأمل، ويفكر ويرى وليمحص ويختبر ويعيد النتائج إلى أسبابها، ويربط بين الحركة ودوافعها، فجعل العلاقة بين الإنسان والكون علاقة تسخير واستخدام واستعمال، لا علاقة هيبة وخوف، وتصور لأوهام خرافية أو أساطير غير حقيقية.. فللإسلام وحده يعود الفضل في دفع الفكر البشري للبحث والتجربة والعلم والبرهان والدليل والحجة، وهذا ما أدى إلى إنشاء العلوم التجريبية التي تدين إليها المدنية الحديثة، والحضارة المعاصرة.

стр. 288

وكلنا يعلم أن الحضارات قبل الإسلام كانت قائمة إما على الوثنية الفارسية وإما على المادية اليونانية، وكل ما أثر عن علماء اليونان والفرس كان عبارة عن محاولات بشرية لتبرير رغبات الإنسان ومطامعه وأهوائه لذلك كانت غارقة في الخيال، بعيدة عن الواقع متعسفة بحق الإنسان وبحق الجماعة، إلى أن جاء الإسلام، فأهدى للبشرية الإيمان والعلم والمعرفة القائمة على التجربة والملاحظة، وقذف في قلب الإنسان التوحيد وحب التحرر من كل سلطة إلا سلطان الخالق, وحب معرفة الحق، والجهر به، ونتج عن هذا كله ما نراه اليوم من نهضة علمية، وتمحيص فكري وتحرر نفسي..ومن هنا، فإن العلماء الذين شادوا الحضارة الإنسانية ودونوا العلوم والمعارف، وتوصلوا إلى النظريات الرياضية والفيزيائية والكيميائية، وإلى العلاجات الطبية، ووصف الأعراض المرضية، ليسوا فُرْسًا، وليسوا عربًا، وليسوا أتراكًا.. وإنما هم المسلمون، لأن الإسلام -وحده- هو الذي حرر الفكر البشري والنفس الإنسانية من الأوهام والأساطير ومن القيود والأغلال، وأعاد تكوينها تكوينًا جديدًا منفعلًا مع التوحيد متجاوبًا مع الإيمان.. فأنتجوا ما أنتجوا من محيط القرآن والإسلام وليس من محيط بلادهم أو تراثهم.. "ذلك أن الإسلام إنما أعاد صياغة عقليات وقلوب ونفوس أربابه وأصحابه خلقًا جديدًا، فشكلهم على نمط جديد هو روح الإسلام، ومن قلب هذا الروح كان إنتاجهم، ومن هنا، فإن هذا التكوين النفسي والعقلي هو بمثابة الجنس والأخوة الإسلاميين"١. وعلى هذا فإن الفتوحات الإسلامية والمواقف الحاسمة والبطولات الخالدة، والمعاملة المثلى، والسماحة الكريمة والعدالة الاجتماعية، لم تكن لأيد عربية ولا فارسية ولا تركية ولا مصرية، وإنما كانت لأيد إسلامية فقط، ذلك لأن الإسلام دين عبادة وجهاد، عقيدة ومنهج حياة، نظام وقانون، مسجد وسيف، دولة وقوة، وهو بهذا صاغ النفس الإنسانية صياغة جديدة، فجعلها موحدة لله معتزة بدينها ساعية لنشر مبادئ الإسلام في أدنى الأرض وأعلاها، في مغربها ومشرقها: "لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم" ٢.

стр. 289

وللغة العربية لغة الإسلام هي اللغة المحببة إلى قلوب المسلمين جميعًا -عربيهم وأعجميهم- لأنها لغة العقيدة والتوحيد، بها نزل القرآن الكريم وبها خاطب الوحي محمدًا رسول الله ﷺ وبها نودي الإنسان، بإنسانيته ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ ليذكره بأصله الكريم السوي، وبها تحدث رسول الله ﷺ وهي لغة الأذان والإقامة والصلاة والنسك وسائر الشعائر الإسلامية، وهي التي تربط بين قلوب المسلمين، فبظلها يجتمعون، وبها يتعارفون ويتوحدون، وأكرم بها من لغة. وما كان الإمامان البخاري ومسلم -نضر الله وجهيهما- شيخي أهل السنة والجماعة إلا لأنهما جَمَعا ما صح عن رسول الله ﷺ من قول وفعل وتقرير، وإلا لأنهما حفظا للغة العربية هذا الأصل البلاغي العظيم، وللشريعة هذا النبع الصافي الزلال. يقول الشيخ رشيد رضا, رحمه الله تعالى: " ... فاللغة العربية ليست خاصة بجيل العرب سلائل يعرب بن قحطان، بل هي لغة المسلمين كافة، وما خدم الإسلام أحد من غير العرب إلا بقدر حظهم من لغته، ولم يكن أحد من العرب في النسب يفرق بين سيبويه الفارسي النسب وأستاذه الخليل العربي في فضلهما واجتهادهما في اللغة، ولا بين البخاري الفارسي وأستاذه أحمد بن حنبل العربي في خدمة السنة ولا نعرف أحدًا من علماء الأعاجم له حظ في خدمة الإسلام وهو يجهل لغته، ولولا أن ظل علماء الدين في جميع الشعوب الإسلامية مجمعين على التعبد بقراءة القرآن المعجز للبشر بأسلوبه العربي. وأذكار الصلاة، وغيرها بالعربية، ومدارسة التفسير والحديث بالعربية لضاع الإسلام منها"١. ويقول أيضًا: "إن اللغة رابطة من روابط الجنس، وقد حرم الإسلام التعصب للجنس، لأنه مفرق للأمة، ذاهب بالاعتصام والوحدة، واضع للعداوة موضع الألفة، وقد كان من إصلاح الإسلام الديني والاجتماعي توحيد اللغة بجعل لغة هذا الدين العام، لغة لجميع الأجناس التي تهتدي به، فهو قد حفظ بها، وهي قد حفظت به، فلولاه لتغيرت كما تغير غيرها من اللغات، وكما كان يعروها التغير من قبله، ولولاها لتباعدت الأفهام في فهمه، ولصار أديانًا يكفر أهلها

стр. 290

بعضهم بعضًا ولا يجدون أصلًا جامعًا يتحاكمون إليه إذا رجعوا إلى الحق وتركوا الهوى"١. وعلى هذا، فكلما قوي تمسك المسلمين بعقيدتهم، وازداد شعورهم بالولاء لأمتهم، واشتد اعتزازهم بلغتهم التي هي جزء من عقيدتهم، ورفعوا راية التوحيد عاليًا، ودعوا بدعوة القرآن والسنة، وازداد ترابطهم الاجتماعي وقويت صلتهم بماضيهم المجيد وتاريخهم الكريم وتراثهم الجميل، كلما هابهم العدو وحسب لهم ألف حساب وتبددت مطامعه فيهم، وخنست رغبته في تشتيت شملهم، أو امتلاك أراضيهم أو استغلال خيراتهم، أو التغلب عليهم، وراح يطلب ودهم ولينهم، مظهرًا صداقته لهم واحترامه لوحدتهم وقوتهم. وعلى العكس من ذلك كلما ضعف أثر العقيدة الإسلامية في النفوس وقل حماسهم للدعوة الإسلامية، وتخلوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وركنوا إلى الحياة الدنيا وزينتها.. قلت الحصانة التي تكونت لدى المسلمين ضد هذه الانحرافات.. ووقعت بينهم فتنة تشتت الشمل بدعوى القومية أو العلمانية.. أو الشرقية أو الغربية.. وبذلك يساعدون العدو على استلاب ممتلكاتهم، واستغلال خيراتهم.

стр. 291

كيف دخلت القومية إلى البلاد الإسلامية: من البدهيات التي لا تحتاج إلى استدلال مسألة عالمية الإسلام وإنسانيته، ذلك لأنه هو الدين الذي جاء ليحرر البشرية من الانحرافات والضلالات والوثنيات المنتشرة سابقًا، وليدفعها إلى المستوى اللائق بالعقليات الإنسانية البناءة المتحضرة، ولم يكن الإسلام في يوم ما خاصًّا بقبيلة أو جنس أو عصبية، وإنما هو دعوة عامة إنسانية، وهو لهذه الميزة التي ينفرد بها يكره دعوة التعصب للجنس أو للون أو للقبيلة، لأنها -في حقيقة الأمر- دعوات تفتت من كيان الأمة، وتبدد قواها، وتبعثر طاقاتها، وتقف حائلًا دون كل تقدم ونمو حضاري وثًّاب، ووجود فئة في البلاد الإسلامية تدعو للتجمع القومي أو العصبي وجود طارئ غير أصيل،

стр. 292

ومدفوع غير واع، ومغرض غير نزيه، وإن دعوة التعصب للجنسية دعوة غريبة عن المبادئ الإسلامية وعن البلاد الإسلامية، ووافدة إليها من البلاد الأوربية. لقد نشأت دعوة التعصب للجنس أول ما نشأت في بلاد أوربا في القرن التاسع عشر، واشتد دبيبها، وبلغ أثرها إلى كل الأمزجة حتى أصبحت عاملًا قويًّا من عوامل التغيير والانقلاب في القارة الأوربية، ولم يقتصر أثرها على موطن نشوئها وإنما انتشر وامتد إلى كل أنحاء المعمورة حتى غدا أكبر عامل في تطور الأمة ومصيرها١. ويحدثنا التاريخ أن فكرة القومية قد دخلت إلى البلاد الإسلامية عن طريق جماعة الاتحاد والترقي وجمعية تركيا الفتاة، وكانا حزبين يتعاونان مع اليهود، ويعملان على تنفيذ خططهم الماكرة الحاقدة، وقد تأكد لدى المسلمين أن قادة الاتحاد والترقي جميعًا من اليهود من غير استثناء، وإن أعضاء هذا الحزب كلهم من يهود سالونيك، وعلى هذا فإن اليهود هم الذين سعوا جادين لإثارة النزعة الطورانية، والدعوة لها بشتى الوسائل والعمل على إحياء التاريخ الجاهلي المفضل عن التاريخ الإسلامي والأدب القومي والتراث الطوراني. جاء في منشور لإحدى الجمعيات التركية الطورانية: "إن هذه البدعة الخيالية المخيفة التي يسمونها الأمة الإسلامية التي ظلت إلى أمد طويل سدًّا يحول دون التقدم بوجه عام ودون تحقيق الوحدة الطورانية بوجه خاص هي في طريقها الآن إلى التفكك والزوال"٢. وقد أتمت المؤامرة اليهودية عملها في إثارة النزعة الطورانية، والدعوة إلى تبني سياسة التتريك، ودمج العناصر الحكومية في القومية التركية وفرض اللغة التركية عليها، وإبعاد اللغة العربية عن المجالات الرسمية.. وكانت الدولة العثمانية تجمع قوميات متعددة مؤتلفة معها بسبب عقيدة التوحيد، فإذا أبعد الدين الإسلامي وظهرت النزعة التركية العلمانية، وأبعدت لغة القرآن الكريم عن المكاتبات الحكومية، لم يبق رباط جامع يربط بين تلك القوميات المتعددة وبين

стр. 293

القومية التركية. لأن العقيدة وحدها هي التي توحد بين صفوف المسلمين، فإذا فقدت العقيدة زالت معالم التجمع الإسلامي. ومن ثم سرت عدوى القوميات إلى كل الأجناس الخاضعة للحكم العثماني، وطالبت بالانفصال عن الأم إذ لم تخضع لها إلا من أجل العقيدة والشريعة التي يدين بها كل مسلم، وقد أبعدت عنها الإسلام فلم يبق ما يدعو للاستمرار في الخضوع لحكم علماني غير إسلامي، أو للانصهار في بوتقة الدين. وعلى هذا دعت كل جماعة لإحياء قوميتها، إذ كل فئة لا تريد أن تذوب في جنسية غيرها، لأن الجنسية خاصة وليست عامة. وهذا هو الفرق الجوهري بين القومية والإسلام. وعلى أثر ذلك نادى الأكراد بقوميتهم ونادى العرب بقوميتهم، ولا يخفى على أحد التعاون الصليبي اليهودي، في إثارة هذه الفتن، وفي تفتيت الأمة الإسلامية، وفي التخطيط للاستيلاء على أملاك "الإمبراطورية العثمانية". يقول الدكتور عبد الكريم عثمان: "وقد شجع على ظهور القومية العربية في صورتها العلمانية عدد من الدول التي كانت تطمع في احتلال الشرق الإسلامي وعلى رأسها بريطانيا، وفي مذكرات آغاخان فصل عن ضباط بريطانيا السياسيين الذين شجعوا الحركة القومية العربية للوقوف أمام فكرة الدولة الإسلامية. أما "لورنس" منفذ سياسة بريطانيا آنذاك فيقول مصورًا ذلك الهدف في كتابه "أعمدة الحكمة": "وأخذت طول الطريق أفكر في سوريا وفي الحج، وأتساءل هل تغلب القومية ذات يوم على النزعة الدينية، وهل يغلب الاعتقاد الوطني الاعتقاد الديني، وبمعنى أوضح هل تحل المثل العليا السياسية محل الوحي والإلهام وتستبدل سوريا مثلها الأعلى الديني بمثلها الأعلى الوطني، هذا ما كان يجول في خاطري طوال الطريق". ومعلوم أن الثورة على الأتراك قامت بتأييد بريطانيا ودعمها الأدبي والمادي ودعم حليفتها فرنسا، وقد ثبت أن عددًا من الزعماء كانوا متصلين بالقنصليات الأجنبية لتلقي هذا الدعم"١.

стр. 294

وليس للمسلمين بعد هذا كله من عذر يعتذرون به لتمهيد الطريق أمام دعوة القومية أو إثارة هذه النزعة التي من شأنها تفتيت كيان الأمة وتمزيق وحدتها وجعلها دويلات ضعيفة يسهل للعدو التآمر عليها وغزوها في عقر دارها وتملك ينابيع ثروتها وتشتيت أبنائها، كما فعل في فلسطين وكما يفعل بالأفغان اليوم والله المستعان وعليه التكلان.

стр. 295

الفصل الرابع: الجوانب العملية في الثقافة الإسلامية توطئة ... توطئة إن الثقافة الإسلامية ليست قضايا نظرية، ولا تجريدية فقط، وإنما هي نمط من التصور والسلوك معًا. وإذا ظل الفكر حبيس العقل والوجدان، غير مترجم في صياغته للحياة، أو في بعض المواقف التي تعكس ملامحه، وتثبت وجوده، وتميزه ... إذا ظل الفكر حبيسًا على هذا النحو، فإنه يفقد فعاليته وتأثيره، ويصبح أقرب إلى الخيال الشعري، أو إلى الأفكار "الطوبارية" التي بنت مدنًا فاضلة على أرض الأحلام والأوهام. من هنا، فإن الثقافة الإسلامية لا بد أن يجسدها المسلم في "برنامج" خاص لحياته، كما لا بد أن تكون ثمة "مواقف" اجتماعية واقتصادية وإنشائية، تعكس حقائق الثقافة الإسلامية، وتظهر آثارها القريبة والبعيدة، والجزئية والكلية. وقد رأينا -في بحثنا هذا- أن نكتفي بتقديم موقف الثقافة الإسلامية من قضيتين مصيريتين بالنسبة للأمة الإسلامية، وهما في الوقت نفسه موقفان عمليان، يمثلان بداية وانطلاقة أساسية لنهضة الأمة الإسلامية ورقيها واستجابتها الممتازة للتحديات الخارجية -لو نجحت فيهما- إنهما قضيتا "الجهاد" و"التضامن الإسلامي".

стр. 296

المبحث الأول: الجهاد فريضة مستمرة مدخل ... الجهاد في الإسلام قبل أن أفصل القول في موضوع الجهاد في الإسلام أود أن أتكلم عن الحرب بصورة عامة.. منذ أن وجدت البشرية على سطح الكرة الأرضية، وهناك صراع بين الحق والباطل، بين قوى الخير وقوى الشر، ولعل هذا ما يشير إليه قول الله ﵎: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ, لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ, إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ, فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ, فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ ١. ويذكر لنا القرآن الكريم موقف موسى ﵇ من بني إسرائيل وقد طلب منهم أن يدخلوا الأرض المقدسة، ويقاتلوا القوم الجبارين، فجبنوا وتقاعسوا وتخاذلوا، وهذا هو شأنهم دائمًا، النكث بالعهود، وعدم الاستجابة للأوامر، وظهورهم على حقيقتهم الجبانة إذا داهمهم خطر محقق، قال الله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ, قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ, قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ

стр. 297

أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ, قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ١. وقال سبحانه مبينًا دفع الناس بعضهم ببعض: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٢. ويمكن إرجاع الحرب التي تحدث بين الشعوب والأمم إلى أسباب ذكرها ابن خلدون في مقدمته٣. ١- المنافسة التي تحدث بين القبائل المتجاورة عادة، ولعل الحروب الطاحنة التي دارت رحاها بين القبائل العربية قبل الإسلام تؤيد هذا السبب، وتبرز صحته، وأذكر على سبيل المثال من تلك الحروب، حرب داحس والغبراء، وحرب البسوس. ٢- العدوان الذي ينشأ بين الأمم المتأخرة في مضمار الثقافة والحضارة، وكثيرًا ما تستهدف تلك الأمم استغلال الشعوب المستضعفة وبسط سلطانها عليها. لتسخيرها لأغراضها العدوانية وللاستفادة من منافع بلادها بغير حق. ٣- الغضب لله ولدينه وهو الجهاد المشروع في الإسلام، ومن أنواعه الدفاع عن كلمة التوحيد، والسعي لعبادة الله في الأرض وإقامة شعائر الدين. ٤- غضب للسلطان وهي الحرب التي يخوضها صاحب السلطان ضد المتمردين على حكمه الخارجين على سلطانه٤. أما الجهاد في الإسلام فهو جهاد إنساني، لم يشهد المؤرخون أنبل من أغراضه ولا أسمى من أهدافه ولا أرفع من مقاصده، فهو يجنح للسلم إن طلب

стр. 298

العدو، وهو رحيم رفيق لا يعتدي ولا يأخذ على حين غرة، ولا يقتل شيخًا مسنًا ولا امرأة ولا طفلًا ولا آمنًا غير باغ ولا آثم. وشريعة الإسلام في الجهاد شريعة عادلة غير معتدية كغيرها من الشرائع الإسلامية التي جاءت لتحمي لا لتبدد ولتعدل لا لتبغي ولتوحد لا لتفرق ولتنشر السلام والأمن لا لترهب الضعيف الآمن. لقد ظل رسول الله ﷺ في مكة المكرمة ثلاث عشرة سنة، يدعو إلى عقيدة التوحيد بالحسنى، ويصبر على أذى المؤذين، واعتداء المعتدين، ولم تمتد يده الشريفة لرد الأذى، أو لدفع العدوان بعدوان مثله، وإنما ﷺ صبر وصابر وحث المسلمين على الثبات والتحمل والدفع بالحسنى، ورد الإيذاء بالقول الحكيم حتى ضاقت نفوس الصحابة رضوان الله عليهم مما عانوا، ومما لاقوا من عنت المشركين ومن مضايقة الضالين ومن اعتداء المعتدين، فما كان منهم إلا أن تركوا الديار والأهل والأوطان، تركوا ملاعب الصبا، ومرتع الشباب، تركوا الأحبة والأصحاب وهان عليهم المال والممتلكات، فهاجروا من مكة إلى الحبشة مرتين فرارًا بدينهم وإيثارًا لما عند الله من ثواب وأجر. قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ١, وقال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ٢, وقال جل من قائل: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ ٣, وقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ ٤. ونزلت الآيات تترى في تثبيت جنان الرسول ﷺ وفي الصبر على تحمل واجبات الدعوة، وفي احتمال الأذى، قال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ٥. وقد كانت الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة تنفذ من وراء الحجب، وتدخل إلى النفوس والقلوب، فتلين لها القلوب وتخضع لها النفوس وتهذب بها الأخلاق وتسمو بها

стр. 299

الأرواح، وتطمئن لها الضمائر وتنشط الأجسام، وتستنير العقول. وكان كل من يعرف الإسلام ويقتنع بهذه الدعوة المثلى يذهب إلى قومه ويبشرهم بجنة عرضها السماوات والأرض إن هم نطقوا بالشهادتين إيمانًا واحتسابًا، وإن هم اطمأنوا بالتوحيد وإن صدقت قلوبهم رسول الله ﷺ فيما يدعو. ودخل الناس في دين الله أفواجًا.. ولكن الشر وأعوانه والشرك وأتباعه والباطل وأهله ساءهم ظهور الحق، وسائهم أن يروا الناس مؤمنين موحدين، فأوقعوا الأذى المادي والمعنوي والعذاب بكل أصنافه وبشتى مراتبه بالنفوس الأبية الموحدة، وانتفش الضلال، وازداد المكر وظن الكفر أن الصولة والجولة له فتعمق في غوايته وتفنن في مفاسده، وكانت حربًا نكراء على المسلمين المؤمنين إذ إن وجود الإسلام والمسلمين المتمسكين به يرعب الكافرين ويخيف أعداء الدين. والله مع الذين آمنوا والذين هم محسنون، واتجهت إرادة الله سبحانه لابتلاء المؤمنين ولتمحيصهم، ولإظهار حقيقة تمسكهم بالحق وثباتهم عليه وتفانيهم في سبيله.. ففرض الجهاد بعد الهجرة إلى المدينة المنورة..

стр. 300

تعريف الجهاد: عرف العلماء الجهاد لغة بأنه المشقة، فيقال: جهدت جهادًا أي بلغت المشقة. وجاهد العدو مجاهدة وجهادًا: قاتله، وجاهد في سبيل الله, وفي الحديث: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية"، والجهاد محاربة الأعداء وهو المبالغة واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل، والمراد بالنية إخلاص العمل لله أي إنه لم يبق بعد فتح مكة هجرة لأنها قد صارت دار إسلام وإنما هو الإخلاص في الجهاد وقتال الكفار. والجهاد: المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب أو اللسان أو ما أطاق من شيء. وفي حديث الحسن: لا يجهد الرجل ماله ثم يقعد يسأل الناس، قال النضر: قوله لا يجهد ماله، أي يعطيه ويفرقه جميعه ههنا وههنا وهذا في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ ١. وشرعًا هو بذل الجهد في قتال الكفار لأن الكفر بالله يعتبر من أكبر الجرائم

стр. 301

الشنيعة التي يرتكبها مخلوق في حق خالقه لما فيه من عقوق وجحود للفضل والجميل. ويطلق الجهاد في الشرع أيضًا على مجاهدة النفس والشيطان والفساق، وتتحقق مجاهدة النفس بتعلم أمور الدين. لقول الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ١، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٢, ولقول رسول الله: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" ٣، ولقوله, ﷺ : "العلماء هم ورثة الأنبياء" ٤, كما يتحقق بأمور الدين بالعمل وتعليمها ونشرها مصداقًا لقول الرسول, ﷺ : "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" ٥, وقال ابن عباس, ﵄: كونوا ربانيين حلماء فقهاء. ويقال: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. أما مجاهدة الشيطان فإنها تتحقق بدفع ما يأتي به من الشبهات، وما يزينه من الشهوات، إذ إن الشيطان متوعد لآدم وبنيه، بقوله تعالى: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ, ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ ٦. وأما مجاهدة الفساق فتتحقق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبإلزامهم على الحق واتباعه، واجتناب المنكر والتبرؤ منه لقول الرسول, ﷺ : "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" وفي رواية "وليس بعد ذلك من حبة خردل من إيمان".

стр. 302

وأما مجاهدة الكفار فتقع باليد والمال واللسان والقلب، وتكون مجاهدتهم أكبر وآكد إذا اعتدوا على حرمات المسلمين وأوطانهم ومقدساتهم إلى أن يعود الأمن إلى ديار المسلمين وتعلو كلمة الله دون أن تحد منها فتنة المفتنين وضلالة المضلين. قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ ١. يقول الأستاذ سيد قطب مبينًا معنى هذه الآية الكريمة: "إذا كان النص -عند نزوله- يواجه قوة المشركين في شبه الجزيرة، وهي التي تفتن الناس وتمنع أن يكون الدين لله، فإن النص عام الدلالة مستمر التوجيه، والجهاد ماض إلى يوم القيامة، ففي كل يوم تقوم قوة ظالمة تصد الناس عن الدين وتحول بينهم وبين سماع الدعوة إلى الله، والاستجابة لها عند الاقتناع والاحتفاظ بها في أمان, والجماعة المسلمة مكلفة في كل حين أن تحطم هذه القوة الظالمة وتطلق الناس أحرارًا من قهرها يستمعون ويختارون ويهتدون إلى الله"٢.

стр. 303

وللجهاد سبل كثيرة يتحقق بكل واحد منها معنى من معاني الجهاد أشير إلى أهمها: ١- الجهاد بالنفس: أي أن يذهب المؤمن بنفسه ويقاتل أعداء العقيدة وأعداء الدين. والجهاد بالنفس أعلى مراتب الجهاد وأعظمها قدرًا وأعلاها شأنًا، وهل يملك الإنسان أغلى من روحه فيجود بها في سبيل الله.. قال رسول الله, ﷺ : "انتدب الله لمن خرج في سبيله -لا يخرجه إلا إيمان وتصديق برسلي- أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخله الجنة، ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية، ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل" ١.

стр. 304

٢- الجهاد بالمال: فالمسلم القادر يجهز نفسه ويجاهد فيكون قد جمع بين فضيلتين عظيمتين الجهاد بالنفس والجهاد بالمال، وقد يكون غير قادر جسميًّا على القتال، ولكنه قادر ماليًّا فينفق من ماله لمساعدة المجاهدين بالنفس. وفي عهد الرسول ﷺ كان المجاهد المسلم يجهز نفسه بعدة القتال وبمركب القتال وبزاد القتال، ولم تكن هناك رواتب يتناولها القادة والجند وإنما كان تطوعًا بالنفس وتطوعًا بالمال..وهذا شأن العقيدة حينما تفتقر في القلب وفي المجتمع، إنها لا تحتاج إلى أن ينفق عليها لتحمى من الأعداء وإما يتقدم القادة ويتقدم الجند متطوعين ينفقون هم عليها. وكان كثير من الفقراء المسلمين الراغبين في الجهاد والذود عن منهج الله وراية العقيدة لا يجدون ما يزودون به أنفسهم ولا ما يتجهزون به من عدة ومركب فيلجئون إلى النبي ﷺ يطلبون منه الوسيلة التي تحملهم إلى ميدان المعركة البعيد الذي لا يبلغ على الأقدام، فإذا لم يجدوا ذلك: ﴿تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ ١. ٣- المساعدة على الجهاد: وذلك بالإسهام في كل عمل من شأنه التمكين من أسباب النصر: ويتحقق هذا بمضاعفة الجهد في الإنتاج الحربي سواء كان ذلك بالصناعة أو الزراعة أو التجارة، وبالمساهمة في جلب المعدات الحربية أو العمل على إنتاجها وترقية مستواها لتضارع أرقى الأسلحة وأقواها. ويتحقق الجهاد أيضًا بإعداد الجنود إعدادًا دينيًّا تربويًّا وخلقيًّا وعسكريًّا، ومن ثم تدريبهم على أحدث الأسلحة وأجودها حتى يكونوا مسلمين مجاهدين، فالتربية والخلق مطلب ديني حري أن يتحقق، والخلق قبل التدريب على حمل السلاح وقبل التحام الجيشين للقتال لأننا نحن المسلمين نقاتل من أجل عقيدة لها قيمها ولها مبادؤها ولها مثلها، وإذا أردنا أن ننتصر على قوى الشر فعلينا أن نقف

стр. 305

على قاعدة صلبة من الإيمان والتقوى والخلق فإننا بهذه المثل نستطيع أن ننتصر، والله سبحانه ينجز وعده للمتقين الذين يحيون بالعقيدة ومن أجلها، أما أولئك الذين يتركون العبادات ويفعلون المنكرات ويرتكبون ما حرم الله ففيم يريدون أن يجاهدوا.. فهؤلاء فاسقون يجب جهادهم أولًا.. وهم في حقيقة الأمر ليسوا جنودًا للإسلام وإنما هم جنود للأهواء والشهوات. إن الجندي المسلم هو الذي يحمل المصحف بيد ويحمل السلاح باليد الثانية، هذا المجاهد حقًّا وهذا الذي وعده الله بإحدى الحسنيين إما النصر وإما الجنة.. ويتحقق الجهاد بالتبرع بالدم كما يتحقق بالتبرع بالمال سواء بسواء ويتحقق أيضًا بحراسة أجهزة الدولة العامة من تخريب العدو، وبالتصدي لدعايات العدو وإشاعات المنافقين والمغرضين ومن ثم كشفها والرد عليها بالكلمة الواضحة. ويتحقق الجهاد بالعمل البناء لإقامة التضامن الإسلامي وتكتيل جهود المسلمين وتوطيد أواصر المحبة بينهم وتوجيه قواهم المادية والمعنوية لمقاومة العدو المتربص بالمسلمين الدوائر. وعلى المؤمنين أن يحفظوا أسرار المجاهدين كي لا تتسرب إلى العدو.. وأن يعملوا على رعاية أسر المقاتلين والشهداء أي نوع من أنواع الحماية والإحسان تصديقًا لقول رسول الله, ﷺ : "من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيًا في سبيل الله بخير فقد غزا" ١, و"إن النبي ﷺ لم يكن يدخل بيتًا بالمدينة غير بيت أم سليم، إلا على أزواجه" فقيل له في ذلك فقال: " إ ني أرحمها قتل أخوها معي" ٢.

стр. 306

تاريخ تشريع الجهاد في الإسلام مدخل ... تاريخ تشريع الجهاد في الإسلام: قال ابن كثير في تفسيره: "وإنما شرع الله تعالى الجهاد في الوقت الأليق به، لأن المسلمين كانوا بمكة أقل عددًا، وكان المشركون أكثر عدة وعددًا، فلو أمر المسلمون، وهم أقل من العشر -بقتال الباقين لشق عليهم ذلك..

стр. 307

فلما بغى المشركون وأخرجوا النبي ﷺ من بين أظهرهم وهموا بقتله، وشردوا أصحابه شذر مذر فذهبت منهم طائفة إلى الحبشة وآخرون إلى المدينة، فلما استقروا بالمدينة ووافاهم رسول الله ﷺ واجتمعوا عليه وقاموا بنصره وصارت لهم دار إسلام ومعقلًَا يلجئون إليه شرع الله جهاد الأعداء"١. ويرى بعض المفكرين الإسلاميين أن هناك حكمة أخرى من وراء تأخير تشريع الجهاد إلى ما بعد الهجرة وهي أن الإسلام يحرص كل الحرص على تربية نفوس المؤمنين كي يصبحوا أهلًا لتحمل الأمانة وأهلًا للدفاع عن العقيدة فأصل فيهم الفضائل وبذر فيهم بذور الصبر والمصابرة والثبات والمجاهدة، واحتمال المكاره٢ وأعدهم إعدادًا جعل منهم نماذج فريدة للشجاعة والثبات والنضج والوعي، يهابهم المشركون ويحتسبون منهم، ويخافون من مواجهتهم رغم قلة عددهم.. والإيمان يفعل الأعاجيب ويورث في النفس البشرية شحنة عادية من الطاقة المتدفقة ورصيدًا هائلًا من القوة الفاعلة الدافعة.. فإذا ما تفجرت منطلقة لا تدع أمامها باطلًا قائمًا ولا شركًا مشرئبًا ولا فسادًا ناهضًا إنها قوة العقيدة والإيمان إذا تأصلت في النفس الإنسانية. حولتها مخلوقًا آخر، مخلوقًا قويًّا شجاعًا لا يهاب في الله أحدًا ولا يأخذه من أجل الله ضعف ولا خور ولا مداهنة ولا ملاينة إذ ليس في العقيدة مجال للمداهنة أو الملاينة، فإما أن يسود الخير والعدل وإما أن تتآخى قوى الخير وتتآزر جموع المؤمنين وتقضي على الباطل من جذوره ومن أصوله.. ولا تترك له مطمعًا في العودة أو منفذًا للصولة والجولة. وقد اتفقت كلمة علماء المسلمين على أن الجهاد إنما شرع بعد الهجرة حيث واصل المشركون عدوانهم على المؤمنين وذلك بتعذيب من بقي منهم بمكة وملاحقة من هاجر إلى المدينة، وبحبك المؤامرات للقضاء على الدعوة في مهدها وحبس الرسول صاحب الدعوة ﷺ وإزاء هذا العدوان المرير المتواصل وأمام تجاوز قريش لحدود العقل والمنطق في إيقاعها الضرر تلو الضرر بالمسلمين المؤمنين البررة الأتقياء أَذِنَ الله ﵎ لرسوله ﷺ بالقتال ردًّا للعدوان وتثبيتًا لدعائم الدولة الإسلامية.

стр. 308

قال الله ﵎: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ, الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ, الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ١. قال "ابن قيم الجوزية" في كتابه "زاد المعاد": "إن الله ﵎ لم يأذن للمسلمين في القتال بمكة، إذ لم يكن لهم يومذاك شوكة يتمكنون بها من القتال. وإن سياق الآية يدل على أن الإذن كان بعد الهجرة وبعد إخراجهم من ديارهم فإنه سبحانه قال: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ وهؤلاء هم المهاجرون. وإن الله سبحانه أمر المؤمنين بالجهاد الذي يعم الجهاد باليد والسيف والآلة وغير ذلك، ولا ريب أن الأمر بالجهاد المطلق إنما كان بعد الهجرة فأما جهاد الحجة فهو يختلف عن القتال اختلافًا بينًا، والفرق بينهما جلي وظاهر وقد أمر الرسول ﷺ بجهاد الحجة في مكة المكرمة بقول الله ﵎: ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ ٢. فهذه الآية الكريمة مكية، والمراد بالجهاد فيها جهاد التبليغ والبيان وجهاد الحجة والدليل والبرهان"٣.

стр. 309

سبب تشريع الجهاد: قد يظن كثير من الناس أن سبب تشريع الجهاد في الإسلام يرجع إلى اختلاف العقيدة والدين، والشريعة والمنهج مع أصل الديانات الأخرى وهذا الظن باطل وغير صحيح، إذ إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يقبل أن يهادن أهل الديانات الأخرى وأن يعيش معها معايشة سلمية. والإسلام دين حجة وبرهان، وإحقاق للحق، دين اقتناع عقلي وتذوق

стр. 310

وجداني لم يكن ليلزم أحدًا على الدخول فيه إلزامًا، ولم يرغم أحدًا على قبوله؛ فكيف يتهم هذا الاتهام وهو الدين الإلهي الذي جاء ليحرر العقل والوجدان قال الله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ١. وهذا التاريخ شاهد عدل، وحكم فصل، فلنسأل التاريخ ولنسأل المؤرخين المنصفين: هل نَعِمَ أهل الديانات الأخرى بحرية التعبد وإقامة الشعائر الدينية، وحرية القول والرأي بالقَدْر الذي نعموا به في ظل الإسلام؟ كلا.. لم يعرف التاريخ دينًا عادلًا ومتسامحًا مع الديانات الأخرى كالدين الإسلامي ولم يعرف التاريخ مجتمعًا إنسانيًّا منح أهل الديانات الأخرى من الحقوق الدينية والمدنية ومن الرعاية الكاملة بالقدر الذي منحه الإسلام لهم. ولذلك نقول بكل ثقة وبكل يقين: إن الجهاد في الإسلام إنما شرع لرد العدوان ودفع الشر وللدفاع عن النفس، وهو مبدأ لا يمكن أن يجادل فيه عاقل منصف نزيه مهما كان معتقده.. وقد واصل المشركون كيدهم اللئيم ومكرهم الخبيث وعدوانهم المتزايد على المسلمين أينما حلوا وفوق أي أرض نزلوا، وفي أي البلدان وجدوا، وإلى أي الأقطار اتجهوا يوقعون بهم شتى أنواع الأذى، ومختلف ضروب العذاب ليفتنوهم عن دينهم وليردوهم على أعقابهم وقد هموا بم لم ينالوا، هموا بقتل الرسول ﷺ صاحب الدعوة وحامل الرسالة، لولا أن تدخلت عناية الله وحمته من اليد الآثمة الشريرة ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ٢. وأما تزايد ظلم قريش تطلع المؤمنون بالأمل الوثاب إلى يوم عزيز يأذن الله به بقتال الكافرين، ليجدوا طريقًا مشروعًا وسبيلًا سليمًا يرفعون به ما لحقهم من ضيم وهوان، ويردون به ما نالهم من أذى وعذاب، ويستردون ما غصب منهم من حق ومال وممتلكات.. وعلى هذا فإن الإسلام دين عزة وقوة ومنعة، وليس بدين استسلام واستكانة، ورضا بالهوان وطلب معيشة ذليلة وهو لا يرضى للمسلمين الخنوع

стр. 311

والجبن وقبول واقع مرير وحياة وضيعة، والفضيلة كل الفضيلة تتجلى في رد الاعتداء ومنع الخضوع للأقوياء المشركين، ولو ترك الأشرار وشأنهم يعيثون فسادًا من غير رادع يردعهم ولا مانع يمنع طغيانهم وبغيهم لعَمَّ الفساد في البر والبحر قال الله ﵎: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ١. ولعل الحكمة من مشروعية الجهاد في الإسلام قد استبانت ويمكن إرجاعها إلى العوامل التالية: ١- الدفاع عن النفس. ٢- رد العدوان. ٣- تأمين حرية العقيدة وإقامة الشعائر الدينية. قال الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود في كتابه "الجهاد المشروع في الإسلام": "لقد عشنا زمنًا طويلًا ونحن نعتقد ما يعتقده بعض العلماء وأكثر العوام من أن قتال الكفار سببه الكفر، وأن الكفار يقاتلون حتى يسلموا لكننا بعد أن توسعنا في علم الكتاب والسنة والوقوف على سيرة الرسول ﷺ تحققنا بأن القتال في الإسلام، إنما شرع دفاعًا عن الدين وعن أذى المعتدين على المؤمنين، وليس هذا بالظن ولكنه اليقين ثم استشهد بقول ابن تيمية "الصحيح أن القتال شرع لأجل الحرب لا لأجل الكفر، وهذا هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة وهو مقتضى الاعتبار، وذلك أنه لو كان الكفر هو الموجب للقتال لم يجز إقرار كافر بالجزية"٢.

стр. 312

مراحل تشريع الجهاد: إن المتتبع لآيات الجهاد وزمن نزولها وأقوال علماء التفسير فيها يرى أن فريضة الجهاد قد مرت بمراحل تشريعية يمكن إجمال الكلام عنها في نقاط أساسية هي:

стр. 313

١- المرحلة الأولى: تتمثل في الرد على عدوان كفار مكة والتصدي لإيذائهم وظلمهم، وهذا ما يفهم من قول الله ﵎: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ١, يؤيد هذا المعنى المستفاد من الآية ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إن أبا بكر قال حين نزلت هذه الآية: "فعرفت أنه سيكون قتال"٢. ٢- المرحلة الثانية: السماح للمسلمين بقتال من يعتدي عليهم، ولعل هذا المعنى هو الذي يشير إليه قول الله ﵎: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٣, وقوله سبحانه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ٤. ٣- المرحلة الثالثة: الإذن بقتال اليهود وإخراجهم من ديارهم، ذلك لأنهم نقضوا ما كان بينهم وبين المسلمين من عهود ومواثيق وتآزروا مع أعداء الدعوة لقتال المسلمين وقتال رسول الله ﷺ فأنزل الله سبحانه قوله الكريم: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ, فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ, وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ٥. ٤- المرحلة الرابعة: الإذن بقتال قوى الشر متمثلة باليهود والنصارى الذين تكتلوا ووقفوا ضد الدعوة الإسلامية ومنعوا الناس من الدخول في دين الله. وهذا المعنى يفيده قول الله ﵎: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ٦. ٥- المرحلة الخامسة: الإذن بقتال أعداء الإسلام عامة من مشركين

стр. 314

ووثنيين وأهل كتاب نظرًا لتكتل هذه الطوائف، ومحاربتها للإسلام والمسلمين. وفي هذه المرحلة أصبح الجهاد عامًّا غير مقيد بزمن ولا بوقت ولا بفئة من الكافرين١. يقول ابن كثير في تفسيره: "ثم أمر الله بقتال الكفار "حتى لا يكون فتنة" أي شرك "ويكون الدين لله" أي يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان"٢. يتبين مما تقدم أن القتال في الإسلام ما هو إلا وسيلة لحماية الدعوة والدعاة من العدوان، وإن أصل العلاقات الدولية في اعتبار الإسلام السلم والسلام. قال ابن تيمية, ﵀: "إذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد، ومقصوده هو أن تكون كلمة الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين، وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمن فلا يقتل عند جمهور العلماء"٣. وعلى هذا فمن لم يقاتل المسلمين ولم يمنعهم من إقامة دين الله لا يقاتل لأن مضرة كفره قاصرة على نفسه٤. يؤكد هذا القول تفسير ابن كثير لقوله تعالى: ﴿فَإِنِ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ حيث يقول: "فإن انتهوا عما هم فيه من الشك وقتال المؤمنين فكفوا عنهم، فإن من قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم ولا عدوان إلا على الظالمين، وهذا معنى قول مجاهد: لا يقاتل إلا من قاتل"٥.

стр. 315

فضل الجهاد مدخل ... فضل الجهاد: الجهاد في سبيل الله مكرمة، أي مكرمة، وعزة أي عزة، وهو أفضل الأعمال على الإطلاق، عند الله ﵎، وثوابه يربو عن ثواب الحج والعمرة والصيام والقيام، ويكفيه فضيلة أن الله ﵎ قد تكفل للمجاهد إما بالنصر والظفر أو بالجنة والعاقبة الحسنى، وقد فاز الجهاد بالعديد من الآيات

стр. 316

الكريمة التي تشهد له بالفضل والتي تعد المجاهدين بالمثوبة التي لا تعادلها مثوبة، وإن الجهاد تجارة رابحة مع الله الديان الكريم الغني المعطي الرحيم.. قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ, تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ, يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ, وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ ١. وقال جل من قائل: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٢. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ ٣. وقال: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٤. كما حظي الجهاد بالجم الكثير من الأحاديث الشريفة التي تشيد بفضله وتجعله في مقدمة ركب صالح الأعمال ثوابًا وأجرًا وفضيلة. وقد ترجم البخاري في صحيحه بابًا قال فيه: "الجنة تحت بارقة السيوف" وهو نص حديث مرفوع إلى النبي ﷺ قال فيه: " ... واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" ٥. جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد. قال: "لا أجده! هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر؟ قال: ومن يستطيع ذلك"٦.

стр. 317

وقال, ﷺ : "مثل المجاهد في سبيل الله, والله أعلم بمن يجاهد في سبيله, كمثل الصائم القائم، وتوكل الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه سالمًا مع أجر أو غنيمة" ١. وعلى هذا فإن الجهاد يعتبر أفضل الأعمال الصالحة مطلقًا، وفضيلته أعظم الفضائل باعتباره وسيلة إلى إعلان الدين ونصره ونشره وإخماد الكفر ودحضه، ففضيلته بحسب فضيلة ذلك٢. قال الإمام ابن تيمية ﵀ في كتاب "السياسة الشرعية": "لم يرد في ثواب الأعمال وفضلها مثل ما ورد في الجهاد، فهو ظاهر عند الاعتبار، فإن نفع الجهاد عام لفاعله ولغيره في الدين والدنيا، ومشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة، فإنه مشتمل من محبة الله تعالى والإخلاص له والتوكيل عليه وتسليم النفس والمال له والصبر والزهد وذكر الله وسائر أنواع الأعمال على ما لا يشتمل عليه عمل آخر. والقائم به من الشخص والأمة بين إحدى الحسنيين دائمًا، إما النصر والظفر وإما الشهادة والجنة"٣.

стр. 318

أجر المجاهدين: إن للمجاهد منزلة رفيعة في مقياس الناس وفي ميزان العدالة الإلهية، وإن الشهيد في مقام كريم عند رب العزة، وفي حواصل طيور خضر عند جنة المأوى وليس أحد من أهل الجنة يتمنى أن يرجع إلى الدنيا إلا الشهيد١، فإنه يود أن يقاتل ويقتل مرة ثانية ليحظى بما حظي به في المرة الأولى من روعة الاستقبال، وبهجة اللقاء. قال رسول الله, ﷺ : "طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة. إن استأذن لم يؤذن وإن شفع لم يشفع" ٢، وقد شهدت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بالحياة المنعمة التي لا موت فيها لمن قتل شهيدًا.

стр. 319

قال سبحانه: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ١، وقال رسول الله, ﷺ : "عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله" ٢. وروي أن مالك الأشعري قال: سمعت رسول الله, ﷺ يقول: "من فصل ٣ فمات أو قتل فهو شهيد، أو وقصه فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه. أو بأي حتف شاء الله فهو شهيد وإن له الجنة" ٤. وقال, ﷺ : "إن في الجنة لمائة درجة، ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله" ٥. وقال, ﵊: "من أغبر قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار" ٦. وقال, ﷺ : "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات أجري عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأَمِنَ الفَتَّانَ" ٧. وعن أنس بن مالك أن أم الربيع بنت البراء وهي أم حارثة بن سراقة أتت النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله.. ألا تحدثني عن حارثة؟ وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب. فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء. قال: "يا أم حارثة إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى" ٨. روي عن أبي سعيد أن رجلًا قال: "أي الناس أفضل يا رسول الله؟ قال

стр. 320

صلى الله عليه وسلم: "مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله" ١, وفي رواية لأبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه. يبتغي القتل والموت مظانه" ٢, وقال رسول الله, ﷺ : "أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش. تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل" ٣. قال رسول الله, ﷺ : "ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة" ٤.
следующие страницы →