الكريمة التي تشهد له بالفضل والتي تعد المجاهدين بالمثوبة التي لا تعادلها مثوبة، وإن الجهاد تجارة رابحة مع الله الديان الكريم الغني المعطي الرحيم..
قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ, تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ, يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ, وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ ١.
وقال جل من قائل: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٢.
وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ ٣.
وقال: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٤.
كما حظي الجهاد بالجم الكثير من الأحاديث الشريفة التي تشيد بفضله وتجعله في مقدمة ركب صالح الأعمال ثوابًا وأجرًا وفضيلة.
وقد ترجم البخاري في صحيحه بابًا قال فيه: "الجنة تحت بارقة السيوف" وهو نص حديث مرفوع إلى النبي ﷺ قال فيه: " ... واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" ٥.
جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد. قال: "لا أجده! هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر؟ قال: ومن يستطيع ذلك"٦.
стр. 317
وقال, ﷺ : "مثل المجاهد في سبيل الله, والله أعلم بمن يجاهد في سبيله, كمثل الصائم القائم، وتوكل الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه سالمًا مع أجر أو غنيمة" ١.
وعلى هذا فإن الجهاد يعتبر أفضل الأعمال الصالحة مطلقًا، وفضيلته أعظم الفضائل باعتباره وسيلة إلى إعلان الدين ونصره ونشره وإخماد الكفر ودحضه، ففضيلته بحسب فضيلة ذلك٢.
قال الإمام ابن تيمية ﵀ في كتاب "السياسة الشرعية": "لم يرد في ثواب الأعمال وفضلها مثل ما ورد في الجهاد، فهو ظاهر عند الاعتبار، فإن نفع الجهاد عام لفاعله ولغيره في الدين والدنيا، ومشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة، فإنه مشتمل من محبة الله تعالى والإخلاص له والتوكيل عليه وتسليم النفس والمال له والصبر والزهد وذكر الله وسائر أنواع الأعمال على ما لا يشتمل عليه عمل آخر. والقائم به من الشخص والأمة بين إحدى الحسنيين دائمًا، إما النصر والظفر وإما الشهادة والجنة"٣.
стр. 318
أجر المجاهدين:
إن للمجاهد منزلة رفيعة في مقياس الناس وفي ميزان العدالة الإلهية، وإن الشهيد في مقام كريم عند رب العزة، وفي حواصل طيور خضر عند جنة المأوى وليس أحد من أهل الجنة يتمنى أن يرجع إلى الدنيا إلا الشهيد١، فإنه يود أن يقاتل ويقتل مرة ثانية ليحظى بما حظي به في المرة الأولى من روعة الاستقبال، وبهجة اللقاء. قال رسول الله, ﷺ : "طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة. إن استأذن لم يؤذن وإن شفع لم يشفع" ٢، وقد شهدت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بالحياة المنعمة التي لا موت فيها لمن قتل شهيدًا.
стр. 319
قال سبحانه: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ١، وقال رسول الله, ﷺ : "عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله" ٢.
وروي أن مالك الأشعري قال: سمعت رسول الله, ﷺ يقول: "من فصل ٣ فمات أو قتل فهو شهيد، أو وقصه فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه. أو بأي حتف شاء الله فهو شهيد وإن له الجنة" ٤.
وقال, ﷺ : "إن في الجنة لمائة درجة، ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله" ٥.
وقال, ﵊: "من أغبر قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار" ٦.
وقال, ﷺ : "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات أجري عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأَمِنَ الفَتَّانَ" ٧.
وعن أنس بن مالك أن أم الربيع بنت البراء وهي أم حارثة بن سراقة أتت النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله.. ألا تحدثني عن حارثة؟ وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب. فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء. قال: "يا أم حارثة إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى" ٨.
روي عن أبي سعيد أن رجلًا قال: "أي الناس أفضل يا رسول الله؟ قال
стр. 320
صلى الله عليه وسلم: "مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله" ١, وفي رواية لأبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه. يبتغي القتل والموت مظانه" ٢, وقال رسول الله, ﷺ : "أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش. تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل" ٣.
قال رسول الله, ﷺ : "ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة" ٤.
стр. 321
من هو الشهيد:
قد يظن بعض الناس أن كل من يقاتل فيقتل في المعركة فهو شهيد، وهذا الظن غير صحيح، ذلك لأن أغراض الحروب متباينة وأن الدوافع للقتال مختلفة، وكل من قاتل على منافع شخصية أو مصلحة دنيوية أو من أجل مركز أو منصب أو رياء وسمعة فلا يعتبر قتاله في سبيل الله، وإنما الذي يقاتل لإعلاء كلمة الله، ولرفع راية الإسلام وللذود عن حمى المسلمين وأرضهم وإقامة شرع الله وحدوده، مخلصًا لله في قتاله، فهو في سبيل الله.. وها هو ذا رسول الله ﷺ يقول: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله "١.
روى أبو موسى أن رجلًا أعرابيًّا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل ليذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله, ﷺ : "من قاتل لتكون كلمة الله أعلى فهو في سبيل الله".
وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "تقولون في مغازيكم فلان شهيد ومات فلان شهيدًا، ألا لا تقولوا ذلكم، ولكن قولوا كما قال رسول الله
стр. 322
صلى الله عليه وسلم: "من مات في سبيل الله أو قتل فهو شهيد" ١.
ومما تجدر الإشارة إليه أن الشهادة في سبيل الله لها مدلول عام بالإضافة إلى مدلولها الخاص السابق وهو أن كل من يموت في حالة دفاع عن دينه وعرضه وشرفه وماله يعتبر شهيدًا عند الله تعالى مصداقًا لحديث رسول الله, ﷺ : "من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتله دون أهله فهو شهيد" ٢.
فالحديث يدعو المسلم لأن يكون شريفًا عزيزًا كريمًا ويتحقق هذا بالمحافظة على النفس والعقل والعرض.
стр. 323
مبحث شروط المجاهدين في الإسلام
...
شروط المجاهدين في الإسلام:
قد يكون الجهاد فرض عين في حالة الدفاع عن النفس والأرض والحرمات ففي هذه الحالة يجب القتال على المسلمين جميعًا رجالًا ونساء شبابًا وشيبًا.
وقد يكون فرض كفاية في حالة بدء المسلمين بالقتال أي إذا قام به بعض أفراد المسلمين سقط الإثم عن الباقي، بتوفر هذه الحالة يتعين تحديد الشروط التي يجب توفرها في المجاهدين. وقد ذكر علماء الفقه عددًا من الشروط أشير إلى أهمها:
الشرط الأول: الإسلام:
لقد شرع القتال في الإسلام للدفاع عن العقيدة والذود عنها وحماية حدود الله وإقامة شرعه في الأرض، ولا يتحقق هذا الغرض النبيل السامي إلا إذا كان الجنود مؤمنين بعقيدة التوحيد مخلصين لله في السر والعلانية، مستميتين من أجل إعلاء كلمة الدين، ولهذا كان من البديهي ألا يسند هذا الواجب الجليل العظيم إلا لمن كان مسلمًا يغار على دين الله ويخشى الله ويتقيه ولعل هذا هو السر الذي من أجله وجه الخطاب في آيات الجهاد إلى المؤمنين.
стр. 324
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ١.
وهنا نتساءل هل تجوز الاستعانة بغير المسلمين في القتال؟ وكان في الإجابة عن هذا السؤال رأيان للفقهاء:
الرأي الأول:
لا يجوز الاستعانة بغير المسلمين. واستدل أصحاب هذا الرأي أولًا بحديث أخرجه مسلم في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: "خرج رسول الله ﷺ قبل بدر، فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان يتذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله ﷺ جئت لأتبعك وأصيب معك. قال له رسول الله, ﷺ : "تؤمن بالله ورسوله؟ " قال: لا. قال, ﷺ : "فارجع فلن أستعين بمشرك" ٢. قالت عائشة ﵂: ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل، فقال له كما قال أول مرة. فقال له النبي ﷺ كما قال له أول مرة قال: فارجع فلن أستعين بمشرك". قال ثم رجع أدركه في البيداء فقال له كما قال أول مرة "تؤمن بالله ورسوله؟ " قال: نعم. فقال له رسول الله ﷺ : "فانطلق" ٣.
واستدلوا ثانيًا بموقف الرسول ﷺ من جمع من اليهود خرجوا يوم أحد مع المسلمين فحين رآهم ﷺ قال: "ما هذه؟ " قالوا: حلفاء ابن أبيٍّ من يهود.. فقال رسول الله, ﷺ : "لا تستنصروا بأهل الشرك على أهل الشرك" ٤.
إلا أن هذه الطائفة من العلماء تجيز الاستعانة بغير المسلمين في مجال التدريب على الأسلحة وفنون الحرب للاستفادة من خبراتهم القتالية قياسًا على الاستعانة في تعليم المسلمين القراءة والكتابة، وقد جعل رسول الله فدية الأسير تعليم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة.
стр. 325
يقول ابن سعد في طبقاته١ عند حديثه عن وفد ثقيف: لم يحضر عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة حصار الطائف، كانا بجرش يتعلمان صنعة العرادات والمنجنيق والدبابات فقدما وقد انصرف رسول الله ﷺ عن الطائف فنصبا المنجنيق والعرادات والدبابات وأعدا للقتال، ثم ألقى الله في قلب عروة الإسلام وغيره عما كان عليه، فخرج إلى رسول الله ﷺ فأسلم ثم استأذن رسول الله ﷺ في الخروج إلى قومه ليدعوهم إلى الإسلام".
قال الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ٢, ومن التفقه في الدين المعرفة بأسرار الأسلحة وفنون القتال المستجدة والتخصص في هذه المعارف والخبرات الحربية كالتدريب على إخفاء الذخائر والمصانع والأسلحة وبناء مكامن الجنود وحفر الخنادق والتوقي من الجواسيس٣.
الرأي الثاني:
لجماعة من الفقهاء الذين أجازوا الاستعانة بالكفار في الحرب والقتال قياسًا على جواز الاستعانة بهم في مجال التدريب على استعمال السلاح، وعلى معرفة سر صناعة أدوات القتال. واشترطوا لذلك الأمن من مكر هؤلاء الكفار ومن خداعهم والأمن من كشف أسرار المؤمنين في الحرب أو إثارة الفتن والشبهات أو الأقاويل المضللة أو استعمال الوسائل لبلبلة الأفكار.
واستدلوا أيضًا بـ"أن الرسول ﷺ أمر بلالًا فنادى في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر"٤.
وعارضوا الدليلين السابقين بما يأتي:
١- إن قول الرسول, ﷺ : "لا أستعين بمشرك" منسوخ بدليل آخر وهو "شهود
стр. 326
صفوان بن أمية حنينًا مع النبي ﷺ وهو مشرك"١.
٢- على افتراض أن الحديث غير منسوخ ولكنه لا يتعارض مع الحديث الآخر إذ يمكن حمله على حالة خاصة وهي حالة عدم الأمن من غدر المشرك أو خيانته.
ويمكن حمل هذا الحديث أيضًا على معنى آخر وهو أن الرسول ﷺ لما رأى حماسة هذا المشرك على الخصوص لمساعدة المسلمين أمل في إسلامه فرد عليه الاستعانة به وهو على حالته الشركية لينوه له بجواز الاستعانة به في حالة دخوله الإسلام. وقد حصل ما توقعه رسول الله, ﷺ .
الشرط الثاني: البلوغ:
يعتبر البلوغ مظنة لاكتمال القوة الجسمية والمقدرة على حمل السلاح، والثبات في ساحة الوغى والرد على العدوان. ولذلك فإن المصاب بمرض أو بعاهة جسمية لا يعتبر أهلًا لمواجهة العدوان الله ﵎ قد حط عنه واجب الجهاد فقال سبحانه:
﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ ٢ وقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ ٣.
وقد "رد رسول الله ﷺ البراء بن عازب وغيره يوم بدر ممن كان لم يبلغ خمس عشرة، لأن القتال يقصد فيه مزيد القوة والتبصرة في الحرب فكانت مظنته سن البلوغ"٤.
وكان الرسول ﷺ يتفحص الرجال المقاتلين معه فيرد من يستصغره منهم٥.
стр. 327
وفي غزوة أحد رد ﷺ رافع بن خديج وهو في الخامسة عشرة من عمره، فقيل: يا رسول الله إن رافعًا يجيد الرمي، فأجازه صلى الله عليه وسلم١ فجاء سمرة بن جندب الغزاوي مظهرًا عتابه للرسول ﷺ لرده إياه من صفوف المقاتلين ولإجازته لرافع ولو تصارعا لصرع سمرة رافعًا، فأجازهما ﷺ على ما أبديا من روح نبيلة، ومنافسة طيبة.
وفي هذه الغزوة رد رسول الله ﷺ أسامة بن زيد وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، والبراء بن عازب، وعمرو بن حزم وأسيد بن ظهير٢ لصغر سنهم جميعًا.
الشرط الثالث: الذكورة:
حينما اتضحت فضيلة الجهاد والمجاهدين تطلعت أنظار النساء حبًّا إلى تلك الفضيلة، ورنت أفئدتهم شوقًا لثواب الله العظيم، متمنيات أن يشاطرن الرجال العطاء الكبير والأجر الكثير، وسارعن يستفسرن عن نصيب المرأة من الجهاد، فها هي ذي السيدة عائشة ﵂ تسأل الرسول ﷺ أن تجاهد: "يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ فقال لها رسول الله, ﷺ : "لكن أفضل الجهاد حج مبرور" ٣.
ونص الحديث هو: أن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت:"استأذنت النبي ﷺ في الجهاد فقال: "جهادكن الحج" ٤, وجاءت نسوة كثيرات غير السيدة عائشة يسألن عن جهاد المرأة على نحو ما روت عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين "عن النبي ﷺ سأله نساؤه عن الجهاد فقال: "نعم الجهاد الحج" ٥.
فدل هذا على أن الجهاد غير واجب على النساء، قال ابن حجر العسقلاني: "وقوله "جهادكن الحج" لا يدل على أنه ليس لهن أن يتطوعن
стр. 328
بالجهاد، وإنما يدل على أن الجهاد لم يكن عليهم واجبًا لما فيه من مغايرة المطلوب منهن من الستر ومجانبة الرجال، فلذلك كان الحج أفضل لهن من الجهاد"١.
وقد تطوعت كثيرات من النسوة في الجهاد على عهد رسول الله ﷺ ففي غزوة أحد خرج عدد من النساء، منهن أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية التي قاتلت للضرورة، فضربت بالسيف ورمت بالنبل حتى أثخنتها الجراح وهي تدافع عن رسول الله ﷺ والثابت أنها خرجت مع زوجها وابنيها، كما حدثت عن نفسها ولترى ما يفعل الناس في الحرب فلما رأت رسول الله ﷺ قد كسرت رباعيته، قاتلت دونه، والقتال في هذه اللحظة يصبح فريضة عين على المسلم والمسلمة. قال ﷺ فيها: "ما التفت يمينًا وشمالًا يوم أحد إلا وأنا أراها تقاتل دوني" ٢.
ومنهن أيضًا أم سليط بنت عبيد بن زياد، وعائشة بنت أبي بكر وأم سليم وفي الحديث الذي رواه أنس ﵁ إشارة إلى ذلك حيث قال: "لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي ﷺ قال: ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمستمرتان أرى خدم٣ سوقهن تنقزان القرب".
وقال غيره: ٤ تنقلان القرب، متونهما، ثم تفرغانه في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم.
وفي حديث عمر بن الخطاب, رضي الله تعالى عنه: "أن أم سليط٥ كانت تزفر لنا القرب يوم أحد"٦.
стр. 329
وفي حديث خالد بن ذكوان أن الربيع بنت معوذ قالت: "كنا مع النبي ﷺ نسقي ونداوي الجرحى ونرد القتلى إلى المدينة"١.
وعلى هذا فإن مهمة المرأة في القتال مساعدة فعالة للجنود المقاتلين ومعاونتهم على أداء مهمتهم الشريفة.
قالت أم عطية الأنصارية: "غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى وأقوم على المرضى"٢.
وروى أنس بن مالك كان رسول الله ﷺ يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار معه إذا غزا، فيسقين الماء ويداوين الجراح٣.
وذكر ابن عباس, ﵄: بشأن النساء: " ... وقد كان يغزو بهن، فيداوين الجرحى، ويحذين من الغنيمة وأما بسهم فلم يضرب لهن"٤.
وفي غزوة خيبر خرجت نسوة مع المقاتلين، وقلن لرسول الله، خرجنا نغزل الشعر، ونعين به في سبيل المرضى، ومعنا دواء للجرحى ونناول السهام ونسقي السويق، فقال قمن٥ وانصرف.
ويوم حنين وجد رسول الله ﷺ عند أم سليم خنجرًا كان معها: فقال لها: "ما هذا الخنجر؟ " فقالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بعرت به بطنه. فجعل رسول الله ﷺ يضحك"٦.
وعلى هذا فللمرأة مهمة سامية في الجهاد، ولكن هذه المهمة منحصرة في نطاق ضيق جدًّا، وإنها لمهمة ملائمة لطبيعة المرأة الجسمية والنفسية، وقد تسامت عظمة الإسلام حينما لم يأمرها بحمل السلاح ولا بمقاتلة الأعداء جنبًا إلى جنب مع الرجال والشباب لأن هذا العمل يخرجها عن طبيعتها الرقيقة اللطيفة
стр. 330
ويخرجها عن كونها امرأة محتشمة متسترة محتجبة ولعل هذا هو السر الذي من أجله وضع عن المرأة شهود الجمعة والجماعة. والعمل الذي يتناسب مع عواطفها ومع طبيعتها الأنثوية أن تقوم برعاية الجرحى وبمداواة المصابين لأن هذا العمل الجليل يحتاج إلى شيء من الرفق والعطف والمداراة والليونة والنعومة.
ويمكن للمرأة أن تقوم بمهمة خياطة ملابس الجند، والمساعدة في الطهي وإعداد المؤنة للمقاتلين وكل هذا لا يخرجها عن طبيعتها الرقيقة الناعمة.
وأعود لأكرر الملاحظة التي ذكرتها في مطلع هذا البحث وهي أن الغرض الجهادي موضوع عن المرأة إذا كانت المعركة هجومية من المسلمين أما إذا كانت دفاعية فيتعين عليها القتال.
стр. 331
حكم الجهاد
مدخل
...
حكم الجهاد:
قال الله ﵎: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ١, وقال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٢.
وقال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ ٣.
على ضوء هذه الآيات الكريمة أراد علماء الفقه أن يحددوا مسئولية الإنسان أمام الجهاد هل هي مسئولية واجبة على كل فرد أم أنها مسئولية الجماعة، بمعنى آخر هل هي واجبة على كل فرد واجبًا عينيًّا، أم كفائيًّا إذا قام بها بعض أفراد الجماعة سقط الإثم عن الباقين؟
وكانت دراستهم للقضية تدور ضمن دائرتين الأولى: الجهاد في عهد رسول الله ﷺ الدائرة الثانية: الجهاد بعد انتقال الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى.
стр. 332
الدائرة الأولى: في حال حياة رسول الله, ﷺ :
يقول ابن حجر العسقلاني: "إن أول ما شرع الجهاد بعد الهجرة النبوية إلى المدينة اتفاقًا, ثم بعد أن شرع هل كان فرض عين أو كفاية؟ قولان مشهوران للعلماء وهما في مذهب الشافعي.
قال الماوردي: كان عينًا على المهاجرين دون غيرهم، ويؤيده وجوب الهجرة -قبل الفتح في حق كل من أسلم- إلى المدينة لنصر الإسلام. وقال السهيلي: كان عينًا على الأنصار دون غيرهم، ويؤيده مبايعتهم النبي ﷺ ليلة العقبة على أن يئووا رسول الله ﷺ وينصروه. فيخرج من قولهما إنه كان عينًا على الطائفتين كفاية في حق غيرهم ومع ذلك فليس في حق الطائفتين على التعميم، بل في حق الأنصار إذا طرق المدينة طارق وفي حق المهاجرين إذا أريد قتال أحد من الكفار ابتداء"١.
ثم يقول: "والتحقيق أنه كان عينًا على من عينه النبي ﷺ في حقه ولو لم يخرج"٢.
وقد فهم الصحابة من قول الله ﵎ ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ العموم فلم يكونوا يتخلفون عن الغزو حتى مات، منهم أبو أيوب الأنصاري والمقداد بن الأسود ومصعب بن عمير وغيرهم كثير.. ومعنى قوله تعالى: ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ متأهبين أو غير متأهبين نشاطًا أو غير نشاطًا وقيل رجالًَا وركبانًا.
الدائرة الثانية: بعد وفاة الرسول، ﷺ :
يؤخذ في الاعتبار في هذه الحالة نوعية المعركة:
١- فقد تكون دفاعية لرد العدوان.
٢- وقد تكون اختيارية ابتداء.
ففي النوعية الأولى يكون الجهاد واجبًا عينًا على الجميع رجالًا ونساء شبابًا وشيبًا، قادرين على حمل السلاح أو غير قادرين في المنشط والمكره في العسر
стр. 333
واليسر، في الشدة والرخاء، لأن دفع العدو واجب على المسلمين جميعًا ممن اعتدى عليهم بطريق مباشر أو بطريق غير مباشر، لقول الله ﵎: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ ١.
ولقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ﴾ ٢.
وفي النوعية الثانية: يكون الجهاد فرضًا كفائيًّا على القول المشهور عند السلف والخلف إلا أن تدعو الحاجة، لأن جنس جهاد الكفار متعين على كل مسلم إما بيده وإما بلسانه وإما بماله وإما بقلبه٣.
ولكن متى يتأدى فرض الكفاية: قال الجمهور يتأدى بفعله في السنة مرة وحجتهم في ذلك أن الجزية تجب بدلًا عنه ولا تجب في السنة أكثر من مرة اتفاقًا فليكن بدلها كذلك.. وقيل: إنه يجب كلما أمكن، يقول ابن حجر وهذا المذهب قوي٤.
وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١.
٢- من السنة النبوية:
لقد وردت أحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ تفيد وجوب الجهاد.. من ذلك:
قول الرسول, ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا" ٢.
وحدث الصحابة أنهم بايعوا رسول الله, ﷺ "على الإسلام والجهاد"٣.
٣- الإجماع:
أجمع الصحابة رضوان الله عليهم على وجوب الجهاد وطبقوا ذلك عمليًّا فقاتلوا في عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، والجهاد سنة باقية إلى يوم القيامة لا يبطلها عدل عادل ولا جور ظالم..
стр. 336
الإعداد للجهاد
مدخل
...
الإعداد للجهاد
قال الله ﵎: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ١.
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ ٢.
وكان الرسول ﷺ يستعرض الجنود قبل دخول المعركة.. وقال علي بن أبي طالب لجنده يوم موقعة صفين:
"سووا صفوفكم كالبنيان المرصوص، وقدموا الدارع وأخروا الحاسر، وعضوا على الأضراس فإنه أنبى للسيوف عن الهام، والتووا على أطراف الرماح أصون للأسنة، وغضوا الأبصار فإنه أربط للجأش، وأسكن للقلوب، واخفتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل وأولى بالوقار، وأقيموا راياتكم فلا تميلوها ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم، واستعينوا بالصدق والصبر فإنه بقدر الصبر ينزل النصر"٣.
وعلى هذا فإن للإعداد أثرًا كبيرًا في رفع معنويات الجيش وفي إنزال السكينة في نفوسهم وقلوبهم، بل إن للإعداد أثره الذي لا يخفى في توجيه دفة الحرب وفي تحديد النتائج..
وللإعداد محيطان، محيط تربوي، روحي ونفسي..
стр. 337
ومحيط مادي "تكتيكي" وسلاحي..
стр. 338
إعداد معنوي
...
الإعداد الروحي:
مهما ارتقى السلاح وتفننت مظاهره وقوي أثره واشتدت هيبته، فإن الإنسان الذي يصنع هذا السلاح والذي يوجه هذا الخطر والذي يدفع هذه القوة، له المكانة الكبرى بل والأولى في المعركة، ذلك لأن فيه القوة المعنوية الصامدة، وفيه العقل الواعي المخطط، المنظم، وفيه اليد الفاعلة الموجهة المنفذة، فإذا كان هذا الإنسان الذي يحمل السلاح يعيش في جهل فكري وروحي وفي تلبد ذهني وفي ضلال تربوي فماذا يفعل السلاح، وإذا كان الإنسان جبانًا يهاب المنايا فما الذي تفيده القوة التي يمتلكها، وإذا كان لا يعلم كيف يستعمل السلاح فماذا تغنيه الأسلحة.. ومن هنا نشأت أهمية إعداد الجندي.. الإنسان الذي يحمل السلاح بيده، ويخطط للمعركة بذهنه، ويثبت في ساحة الشرف إيمانًا بما عند الله من جزاء وثواب..
وقد كان رسول الله ﷺ يهتم بالمقاتلين ويتولاهم بالإعداد المستمر والتهيئة الكاملة لخوض معارك الجهاد في كل حين ومهما كانت الظروف عصيبة شديدة..
وللإعداد الروحي مظاهر أهمها غرس الفضائل النفسية كالشجاعة والإقدام والتقوى وطاعة القائد..
١- الشجاعة والإقدام:
لقد كان رسول الله ﷺ يربي رجاله على الشجاعة والإقدام وكان هو ﷺ أشجع الناس وأجود الناس، يروي أنس ﵁ قال: "كان النبي ﷺ أحسن الناس وأشجع الناس وأجود الناس. ولقد فزع أهل المدينة فكان النبي ﷺ أسبقهم على فرس وقال وجدناه بحرًا" ١.
وروي أن عمرو بن ميمون الأودي قال: "كان سعد يعلم بنيه٢ هؤلاء
стр. 339
الكلمات كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة ويقول: إن رسول الله ﷺ كان يتعوذ منهن دبر الصلاة: "اللهم إني أعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وأعوذ بك من عذاب القبر" ١.
وروي أن أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي ﷺ يقول: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل ٢ والجبن والهرم وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات وأعوذ بك من عذاب القبر".
قال الله ﵎: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣..
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٤.
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ, وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ٥.
وفي أول عهد الإسلام كان لزامًا على المسلم أن يثبت أمام عشرة من الأعداء، ثم خفف الحكم فأصبح على المسلم أن يثبت أمام اثنين، وعلى هذا المعنى يدل قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ ٦, ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ٧.
وقال سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا
стр. 340
مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ ١.
وقد عقد الإمام البخاري في صحيحه بابًا سماه "باب البيعة في الحرب أن لا يفروا وقال بعضهم: على الموت" وذكر فيه عددًا من الأحاديث التي تبين أن النبي ﷺ أخذ البيعة من الصحابة على الثبات في الجهاد، منها حديث نافع عن ابن عمر قال: "رجعنا من العام المقبل، فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها. كانت رحمة من الله، فسألنا نافعًا على أي شيء بايعهم، على الموت؟ قال: لا بل بايعهم على الصبر"٢.
وحديث سلمة ﵁ قال: "بايعت النبي ﷺ ثم عدلت إلى ظل شجرة، فلما خف الناس قال: يابن الأكوع ألا تبايع؟ قال: قلت: قد بايعت يا رسول الله، قال: وأيضًا. فبايعته الثانية، فقلت له، يا أبا مسلم، على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال على الموت"٣.
وحديث شعبة عن حميد قال: سمعت أنسًا ﵁ يقول: كان الأنصار يوم الخندق تقول:
نحن الذين بايعوا محمدًا ... على الجهاد ما حيينا أبدًا
فأجابهم النبي ﷺ فقال: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فأكرم الأنصار والمهاجرة" ٤.
وكان الخلفاء الراشدون يعقدون الألوية للأمراء ويوصونهم بالصبر والثبات ولزوم الحق والشجاعة. وها هو ذا عمر ابن الخطاب يوصي القادة وهو يعقد اللواء:
"بسم الله، وعلى عون الله، امضوا بتأييد الله، وما النصر إلا من عند الله ولزوم الحق والصبر، فقاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، ولا تجبنوا عند اللقاء، ولا تمثلوا عند القدرة، ولا تسرفوا عند
стр. 341
الظهور، ولا تقتلوا هرمًا ولا امرأة ولا وليدًا"١.
وكان للجيش الإسلامي نداءات خاصة، يصدرها القادة للجند، فكانوا إذا تهيئوا للقتال نادى القادة: "النفير، النفير" وهي علامة الاستعداد للهجوم. وإذا أرادوا ركوب الخيل نادوا "الخيل..الخيل" وإذا أرادوا أن يترجلوا نادوا "الأرض الأرض".
والنداء الغالب الذي يبعث في النفس الحماس والإقدام هو نداء "الله أكبر، الله أكبر" وكان الزبير بن العوام يقول وهو مقدم على القتال: "إني أهب نفسي لله وأرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين"٢.
وقال سعد بن أبي وقاص لرجاله:
"إذا سمعتم التكبير فشدوا شسوع نعالكم، فإذا كبرت الثانية فتهيئوا، فإذا كبرت الثالثة فشدوا النواجز على الأضراس واحملوا"٣.
٢- التقوى:
كانت التقوى طابعًا مميزًا للجيش الإسلامي ولا غرو ففيها تسمو النفس وتترفع عن الصغائر وتتعالى عن المطالب القريبة، وبها تزداد العزيمة وتقوى الشكيمة وتشتد الإرادة، وتلتهب الحماسة. وهي الطريق الممهد للسعادة القلبية، والرباط المتين بين الجندي في ساحة الشرف وبين الله رب العباد الذي بيده النصر يهبه لمن يشاء، ولا يضيع أجر المحسنين.
وكان ﷺ : "إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا"٤.
وقد بعث أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- إلى خالد بن الوليد سيف الله المسلول على الأعداء رسالة توصية يقول فيها:
стр. 342
"يا خالد عليك بتقوى الله وإيثاره على من سواه، والجهاد في سبيله والرفق بمن معك من رعيتك، فإن معك أصحاب رسول الله ﷺ أهل السابقة من المهاجرين والأنصار، فشاورهم فيما نزل بك، ثم لا تخالفهم"١.
ولعل أوضح ما يصور حرص المسلمين على نقاوة الجيش وطهارته، وإيمانهم بأن الصلة وثيقة بين تقوى الله والنصر على الأعداء، رسالة ثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص.. جاء فيها: "أما بعد يا سعد فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو وأقوى المكيدة في الحرب وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم يكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإذا استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا، فاعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله، وأنتم في سبيل الله، واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه العون على عدوكم، أسأل الله تعالى ذلك لنا ولكم.
وترفق بالمسلمين في سيرهم ولا تجشمهم سيرًا يتعبهم، ولا تقصر بهم عن منزل يرفق بهم حتى يبلغوا عدوهم، والسفر لم ينقص قوتهم فإنهم سائرون إلى عدو مقيم حامي الأنفس والكراع.. وأقم بمن معك في كل جمعة يومًا وليلة حى تكون لهم راحة يحيون بها أنفسهم ويرمون أسلحتهم وأمتعتهم، ونح منازلهم عن قرى أهل الصلح فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق بدينه"٢.
وللتقوى مظاهر، أهمها: الصلاة، والتوجه إلى الله بالدعاء.
أ- الصلاة في الحرب:
إن من الأسباب النفسية التي تؤثر في الدفع نحو النصر اللجوء إلى الله بالصلاة والاستعانة بالصبر فالصلاة واحة المؤمن وراحة باله، بها يجد الأنس
стр. 343
واللذة الروحية التي تفوق كل لذة وكل أنس، وبواسطتها يستمد العون من الله ﵎ القائل: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ, الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ١.
والصلاة في الحرب اسمها صلاة الخوف ولها صفتان:
الصفة الأولى: في حالة اشتداد الخوف وازدياد الوطأة على المسلمين بحيث لا يتمكنون من أدائها على صفتها العادية جماعة, فيصلونها كيفما كانوا وحيثما كانوا متجهين أو غير متجهين على الراحلة أو مترجلين قائمين أو قاعدين بالجسم أو بالطرف.
والصفة الثانية: في حالة المرابطة، وتؤدى جماعة على النحو الآتي:
يقسم المقاتلون إلى قسمين، قسم يبقى مواجهًا للعدو، وقسم يصلي مع الإمام نصف الصلاة الأول، فإذا كانت الصلاة ركعتين يبقى الإمام قائمًا إثر الركعة الأولى ويتم الذين صلوا معه لأنفسهم الركعة الثانية ثم ينصرفون ليحلوا محل إخوانهم في مواجهة العدو وتجيء الطائفة الأخرى فيصلي بهم الإمام الركعة الباقية، ثم يثبت في مكانه وتتم هذه الطائفة الركعة الثانية بحيث يسلم بها الإمام.
أما إذا كانت الصلاة ثلاثية أو رباعية فالفاصل بين الطائفة الأولى والثانية يكون عند التشهد.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا, فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ
стр. 344
فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ ١.
ب- التوجه إلى الله تعالى والإكثار من الدعاء:
ومن آداب المؤمنين في الحرب كثرة توجههم إلى الله تعالى، فقد كان رسول الله ﷺ يكثر الدعاء ويقول: "اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أجول وبك أصول وبك أقاتل" ٢.
وفي وسط المعركة يتوجه إلى الله تعالى بالدعاء طالبًا النصر والعون: "اللهم منزل الكتاب مجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم" ٣.
وإذا رجع من المعركة يقول: "الله أكبر "ثلاثًا" آيبون إن شاء الله تائبون عابدون حامدون لربنا ساجدون، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده" ٤.
وقد اعتاد بعض الصحابة أن يقصدوا المسجد إثر الإياب من الجهاد قبل الدخول إلى بيوتهم حيث يصلون ركعتين٥ شكرًا لله ﵎ على ما ولاهم من نعمة الجهاد واتباعًا لسنة رسول الله ﷺ حيث كان يصلي في المسجد ركعتين إثر قدومه من السفر٦.
٣- توطيد العلاقة بين القائد والجنود:
لقد حرص الإسلام على وجود صلة دائمة بين القائد وأفراد الجيش، وهذه الصلة تقوم أساسًا على الاحترام المتبادل والتقدير. ومن أهم مسئوليات القائد المحافظة على سلامة الجند، وألا يحملهم من الأمر ما ينوء به كاهلهم وألا يكلفهم ما لا يطيقون، وألا يجعل بينه وبينهم حاجزًا بل ينبغي أن يتصل بهم ويتقرب إليهم، ويأخذ رأيهم في دراسة الخطط الحربية وأن يتصرف بحكمة في
стр. 345
كل الأمور التي تتصل بهم.. وهو بهذا الفعل يحوز على ثقتهم فيلتزم الجنود بقراراته، ويندفعون وراءه وهم مطمئنون إلى حكمته وقدرته.
والجنود ملزمون بالولاء لقائدهم فيستجيبون له ويطيعونه، ويعملون وفق رأيه، وينفذون أوامره كاملة لا يخالفونه ولا ينشقون عنه وهم بهذا الولاء يكونون موضع ثقته١.
وطاعة الجنود للقائد مبدأ عسكري أساسي، به ينتظم مسار المعركة، وعليه تتوقف النتائج المهمة والحاسمة في تحديد دلائل النصر..
ولهذا فقد أشار الرسول ﷺ في أحاديثه إلى التزام السمع والطاعة. فقال ﷺ : "السمع والطاعة حق، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" ٢.
وقال عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله. ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني. وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجرًا، وإن قال بغيره فإن عليه منه" ٣ ولقد جاء في بيعة الأنصار ليلة العقبة: "على السمع والطاعة في اليسر والعسر والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا وعلى أن لا ننازع الأمر أهله وعلى أن نقول الحق أينما كنا. لا نخاف في الله لومة لائم"٤. وقال ﵊: "من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له" ٥.
وقد تعلم المسلمون من معركة أحد درسًا لا ينسى، لقد أدركوا تمامًا أن ميزان المعركة يختل اختلالًَا كاملًا إذا تهاونوا في تنفيذ أمر القائد، أو شغلهم
стр. 346
شاغل عن التنفيذ الحرفي لمطالب القيادة، فقد ذاقوا مرارة الهزيمة بسبب مخالفتهم لأوامر الرسول ﷺ ولم تكن تلك المخالفة متعمدة، كلا وإنما تسرعوا في تقدير النتيجة، وقطاف الثمرة قبل أوان نضجها، حيث صف الرماة على جبل وأمَّر رسول الله ﷺ عليهم عبد الله بن جبير وأصدر لهم أمره: "إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم وإن رأيتمونا هزمنا القوم، وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم" ١.
وقاتل المسلمون بحماسة وشجاعة وبأس وإقدام حتى إذا ما استبان انهزام المشركين من ميدان القتال تاركين المتاع والغنائم نزل الرماة عن أمكانهم ظانين أن الهزيمة القاضية قد اجتاحت صفوف المشركين، ولن تقوم لهم بعد الآن قائمة وبهذا النزول ترك الرماة أماكنهم خالية، بينما ظهور المسلمين غير محاطة بقوة عسكرية والثغور مفتوحة قريبة المنال سهلة العبور أمام العدو المتربص وكان لخسارة المسلمين في هذه المعركة أثر كبير في نفوسهم ودرس بالغ في ضمائرهم حيث غرست فيهم وجوب الالتزام بأوامر القائد وتنفيذها بحذافيرها.
ولقد تلقى خالد بن الوليد ﵁ نبأ عزله عن قيادة الجيش من الخليفة عمر -نضر الله وجهه- بروح إسلامية عالية وإيمان عميق. كان ذلك في معركة اليرموك، وكان القتال على أشده، فلم يشأ أن يعلن هذا النبأ على الملأ بل صبر حتى انتصر المسلمون، ثم دعا أبا عبيدة ابن الجراح وسلمه القيادة تنفيذًا لأمر الخليفة، ثم قال لحامل البريد الذي جاءه بأمر العزل:
"بلغ أمير المؤمنين أن من حقه أن يعزلني عن القيادة، ولكنه لا يملك أن يجردني من سيفي فسأظل حاملًا هذا السيف في خدمة أمتي"٢.
وعاش خالد جنديًّا بسيطًا تحت إمرة أبي عبيدة يتلقى منه الأوامر وينفذها.. وحاول بعض الذين يثيرون الخصومات في صفوف الأمة أن يثيروا خالدًا حتى يمتنع عن الامتثال لأمر الخليفة، ولكن إيمانه كان أكبر من أن يجعله يواجه الخليفة في حق يملكه، وأن يخالفه في وقت يواجه فيه المسلمون
стр. 347
أعداءهم. وبقي خالد جنديًّا توجهه قوة الإيمان التي تسمو بصاحبها إلى آفاق علوية لا يحسب فيها حسابًا للمناصب ولا للاعتبارات الدنيوية ولا يعرف فيها الغل ولا الضغينة إنه الإيمان وإنه الإسلام الخالد الذي لا يزول..
٤- التوكل على الله والثقة بالنفس:
يأتي في مقدمة العوامل التي يترتب عليها نجاح المعركة "التوكل على الله والثقة بالنفس" ولذلك حرص الإسلام الحرص كله على غرس هذا المبدأ في نفوس الجنود.
والإنسان المتوكل على الله تعالى الواثق بنفسه يملك طاقة روحية لا نفاذ لها، يستطيع أن يوجهها إلى نصرة الحق والدفاع عنه، وهي دون شك أمضى من الأسلحة المادية وهي الضمان الأكيد لنيل النصر، ولذلك فإن الإعداد الروحي في الإسلام يسير جنبًا إلى جنب مع الإعداد المادي.
والمسلمون لم يخوضوا معركة ولم يواجهوا أعداء إلا من أجل إحقاق الحق وإزهاق الباطل، وكم لاقوا في سبيل ذلك من مشقات وكم قامت في طريقهم من عقبات فلم يلينوا ولم تنفذ طاقتهم الروحية ولم يفقدوا الثقة بالنفس.
قال الله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ١.
وقال جل من قائل: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
وقال عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣.
وتحدثنا كتب السيرة أن الرسول ﷺ في غزوة بدر استقبل القبلة واتجه بكل قواه النفسية والروحية إلى الله العلي الأعلى، وجعل ينشده ما وعده وأخذ يردد:
стр. 348
٤- التوكل على الله والثقة بالنفس:
يأتي في مقدمة العوامل التي يترتب عليها نجاح المعركة "التوكل على الله والثقة بالنفس" ولذلك حرص الإسلام الحرص كله على غرس هذا المبدأ في نفوس الجنود.
والإنسان المتوكل على الله تعالى الواثق بنفسه يملك طاقة روحية لا نفاذ لها، يستطيع أن يوجهها إلى نصرة الحق والدفاع عنه، وهي دون شك أمضى من الأسلحة المادية وهي الضمان الأكيد لنيل النصر، ولذلك فإن الإعداد الروحي في الإسلام يسير جنبًا إلى جنب مع الإعداد المادي.
والمسلمون لم يخوضوا معركة ولم يواجهوا أعداء إلا من أجل إحقاق الحق وإزهاق الباطل، وكم لاقوا في سبيل ذلك من مشقات وكم قامت في طريقهم من عقبات فلم يلينوا ولم تنفذ طاقتهم الروحية ولم يفقدوا الثقة بالنفس.
قال الله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ١.
وقال جل من قائل: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
وقال عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣.
وتحدثنا كتب السيرة أن الرسول ﷺ في غزوة بدر استقبل القبلة واتجه بكل قواه النفسية والروحية إلى الله العلي الأعلى، وجعل ينشده ما وعده وأخذ يردد:
стр. 349
أكتافهم ألا أستبقي منهم أحدًا قدرنا عليهم".
وقال عبادة بن الصامت حينما لقي المقوقس: "ما من رجل إلا ويدعو ربه صباحًا ومساء أن يرزقه الشهادة، وأن لا يرده إلى بلده ولا إلى أرضه ولا أهله وولده وليس لأحد منا هم فيما خلفه، وقد استودع كل منا ربه أهله وولده وإنما همنا ما أمامنا" هذه هي أهم الجوانب المعنوية التي يعنى بها في تربية جنود المسلمين شجاعة وإقدامًا. تقوى وإحكامًا، صلة بالله ﵎ وذلك بأداء الواجبات والائتمار بأوامره والانتهاء عن نواهيه، والاعتماد عليه واللجوء إليه والتضرع إليه والثقة بالنفس وطاعة القائد وحسن الصلة بين القادة وبين الحاكم العام للمسلمين..
وبهذه التربية تصفو النفوس وتزكو الخصال، وتتحمل الشدائد ويترفع عن الأهواء والشهوات.. ومن خاف الله خافه الناس ومن ابتغى إعلاء كلمة الله في الأرض فتح الله له كنوز الدنيا والآخرة وأيده بنصره وتوفيقه وعونه.
стр. 350
إعداد مادي
...
الإعداد المادي:
كما أن للإعداد الروحي أهمية كبرى وأثرًا بالغًا في توجيه دفة المعركة وفي تحديد معالم النصر كذلك فإن للإعداد المادي أهمية عظمى تساوي أهمية الإعداد الروحي وتوازيها وتسير معها جنبًا إلى جنب في كل ميدان للفوز بنصر الله وتأييده.
وللإعداد المادي جوانب كثيرة، ومجالات مختلفة أشير إلى أهمها فيما يأتي:
١- تربية الأجسام:
لقد حرص الإسلام الحرص كله على تربية أجسام المسلمين بصورة عامة، وأجسام الجنود بصورة خاصة لما لها من أثر على تصلب العود وقوة الجسم والثقة بالنفس والقدرة على التغلب على الأعداء..
قال رسول الله, ﷺ : "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن
стр. 351
الضعيف" ١..
وقد شجع الرسول ﷺ والخلفاء من بعده كل عمل ينشط الجسم ويحفظ القوة البدنية ويساعد على الحركة والمرونة والسرعة في العمل..
كما أنه ﷺ قد حذر من التعرض للأمراض السارية الفتاكة وأمر بالتداوي من كل مرض يعرض للإنسان بعامة..
روى الإمام البخاري أن رسول الله ﷺ قال: "فر من المجذوم فرارك من الأسد".
وروى مسلم وأحمد وغيرهما أن النبي ﷺ قال: "لكل داء دواء فإذا أصاب الدواء الداء برأ بإذن الله "..
وفي مسند أحمد وفي سنن النسائي وغيرهما عن أسامة بن شريك قال: "كنت عند النبي ﷺ وجاءت الأعراب، فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: "نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء".
وروى الإمام أحمد والترمذي وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئًا. فقال ﵊: "هي من قدر الله"..
وكان الرسول ﷺ يأمر بالرجولة والجد، والابتعاد عن كل ما يورث الترف والتراخي والميوعة..
روى الطبراني بإسناد جيد عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كل شجاعة ليس من ذكر الله فهو لهو أو سهو إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الفرضين -أي: الرمي- وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعليمه السباحة".
كل هذه الأحاديث وغيرها كثير تأمر الإنسان أن يعتاد على حياة الجد والرجولة وأن يهتم بتربية جسمه التربية المتينة القوية كي يصبح جنديًّا من جنود المسلمين قويًّا في ساعده قويًّا في ممشاه جديًّا في مسلكه، جديًّا في معاملته يهيب
стр. 352
العدو ويخيفه..
وما تَنْفَع الخيل الكرام ولا القِنا ... إذا لم يكن فوق الكِرام كِرام
إن السلاح لا يعمل إلا في يدي بطل، والبطل لا يصنعه إلا الإيمان.. وإن الذي يتقدم ليجود بنفسه يجب أن يكون مستعدًّا جسميًّا لتحمل المشاق ومكابدة المتاعب، وقد كان الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ يحث الجنود على تحمل كل مشقة لأداء الحرب، وأن يعدوا أنفسهم لاحتمال المصاعب، يروي عبد الله بن عمر عن أبيه الفاروق أنه كان يرسل إلى الولاة بالشام "أن انظر من قبلك فمرهم فلينتعلوا وليحتفوا" قال العلماء في بيان معنى هذا الخبر: يستحسن للجند أن يمشوا أحيانًا بغير نعل وأحيانًا في النعل ليتعودوا ذلك كله وهذا تنبيه إلى الجند ألا يجنحوا إلى الترف والنعيم، فإن الجندية والتنعيم نقيضان لا يجتمعان.. وكثيرًا ما يضطر الجند إلى أداء أشق الأعمال وأعنفها، فيجب أن يخشوشنوا ليكونوا على استعداد كامل للمتاعب إذا نزلت، وقد يقضي أحدهم ليالي وأيامًا في الفيافي والقِفار ولا يجد ما ينتعله فيجب أن يكون قادرًا على المشي، وأن الترف يؤدي إلى استرخاء النفوس وتعودها على البطالة والكسل والجبن والخوف من اقتحام الشدائد ومواجهة المعارك ولذلك كان الخلفاء ﵃ يوصون الجند بالخشونة في المأكل والملبس والبعد عن كل عمل يؤدي إلى الترف أو إلى استرخاء الجسم..
يقول أبو بكر الصديق ﵁: "إنكم ستظهرون على كنوز كسرى وقيصر، وإياكم والأشَر١، ورب الكعبة لتأشرن" والأشر نوع من الطغيان, قال الله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى, أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ .
стр. 353
الله ﷺ قائدًا أعلى لجيش المسلمين لم يتخلف عنهم في معركة ذات بال بل كان يتقدم الصفوف دائمًا، حتى قال الصحابة فيه كان أشجعنا في الحروب والمعارك وإذا أخافنا شيء أو اشتد الوطيس احتمينا برسول الله ﷺ قال الإمام علي ﵁: "لما كان يوم بدر، وحضر البأس اتقينا برسول الله ﷺ وكان من أشد الناس بأسًا، وما كان أحد أقرب إلى المشركين منه"١.
وكان رسول الله ﷺ يستعرض بنفسه جيوش المسلمين ويسوي صفوفهم٢ ويعلمهم النظام، ويأمرهم بالتزام السكينة والهدوء، والاستعداد الكامل لتلقي أوامر القيادة، ويضع أمامهم الخطة الحربية ويستشيرهم في كل تنظيم وتخطيط..
وقد كان ﵊ يستشير أهل الحل والعقد في تنظيم الصفوف وفي المكان الذي يصلح لمواجهة الأعداء وقد أشار الحباب بن المنذر على رسول الله ﷺ في غزوة بدر أن ينزل أدنى ماء من القوم وأن يغور المسلمون ويبنوا حوضًا فيملئوه ماء ويشربوا منه، فنزل رسول الله ﷺ عند رأيه٣.
وفي غزوة أحد استشار رسول الله ﷺ المقاتلين من أصحابه في المكان الأصلح لمواجهة العدو، أيخرج بالمسلمين إلى خارج المدينة، أم يبقى معهم داخلها ويدافعون عنها ولا يتكلفون مشقة السفر، وإذا هاجمهم العدو وجدهم قد مكنوا أنفسهم من منازلهم فيكون هذا الأمر أعون لهم على المواجهة؟
وعمل الرسول ﷺ برأيهم الأول وهو الخروج إلى جبل أحد على مشارف المدينة المنورة فركب فرسه وتنكب القوس وأخذ قَناة بيده وخرج في مقدمتهم..
وفي معركة الخندق أخذ رسول الله ﷺ برأي سلمان الفارسي في حفر خندق حول المدينة المنورة وكان ﷺ يعمل بيده الشريفة المباركة ليزكي الحماس في نفوس الجند، فيشاركوا بهذا العمل الدفاعي..
стр. 354
وفي بدر استشار الرسول ﷺ صحبه لقتال قريش، فقال أبو بكر وأحسن القول، وقال عمر فأحسن، ثم قام المقداد بن الأسود فقال: يا رسول الله امض لما أمرك به الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد١ لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه..
ثم قال سعد بن معاذ: فوالذي بعثك بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لنخوضه معك وما نكره أن تكون تلقى العدو بنا غدًا، إنا لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء، لعل الله يريك ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله٢.
وكان ﷺ لا يميز نفسه بشيء عن جنوده، ففي معركة بدر كان كل ثلاثة من المسلمين يتناوبون الركوب على بعير واحد٣ فكان إذا جاء دوره ترجل الرسول ﷺ قال له صاحباه: اركب حتى نمشي عنك, فيقول: "ما أنتما بأقوى على المشي مني وما أنا بأغنى عن الأجر منكما" ٤.
ومع أن الرسول ﷺ كان القائد الأعلى للجيش، فقد كان يختار قادة يحملون الألوية ويتقدمون الجنود، ففي بدر اختار مصعب بن عمير وعلي بن أبي طالب ورجلًا من الأنصار، وفي حرب بني قينقاع اختار حمزة بن عبد المطلب لحمل راية المسلمين..
وفي أحد كان أسيد بن نضير يتقدم الأوس والحباب بن المنذر يتقدم الخزرج وعلي بن أبي طالب يتقدم المهاجرين ومصعب بن عمير من جماعة القادة الذين يحملون الألوية أيضًا..
وفي مؤتة دفع رسول الله ﷺ الراية لزيد بن حارثة قال أنس بن مالك: "خطب
стр. 355
رسول الله ﷺ فقال: "أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب ثم أخذها خالد بن الوليد منه غيره أمره ففتح الله عليه وقال: يسرني -أو قال: ما يسرهم- أنهم عندنا " ١.
وكانوا جميعًا في قمة البطولة والفداء، فقد أثبتوا شجاعة نادرة حيث قاوموا بثلاثة آلاف مقاتل مسلم ما يزيد على مائتي ألف من جنود الأعداء كما كانوا جميعًا مثل الثبات والصمود والسيطرة على الموقف العصيب.
وكان قد ارتفع صوت يقول: يا قوم ترون قلة عددنا وكثرة أعدائنا فلنكتب لرسول الله ﷺ نخبره بالأمر فعسى أن يمدنا بالرجال، أو يأمر بأمر ننفذه فأجابه عبد الله بن رواحة:
"يا قوم.. والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة.. فمضى الناس"٢ ويقاتل المؤمنون قتال الأشاوس الأبطال.. ويستشهد القادة الثلاثة وتتحقق نبوءة رسول الله ﷺ ويتولى القيادة خالد بن الوليد ﵁..
ويسير الخلفاء الراشدون على الخطة نفسها التي سنها رسول الله ﷺ في اختيار القادة.. وها هو ذا أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- يوجه أسامة وجيشه إلى بلاد الشام، ويخرج الخليفة لوداعه بعد توليه الخلافة مباشرة ويسير مع الجند على قدميه وأسامة راكب، ويغلب الحياء أسامة إذ يرى خليفة رسول الله ﷺ وصاحبه والقائد الأعلى للمسلمين وصاحب الأمر والنهي يسير معهم إلى جنبه سيرًا على قدميه، فأراد أن ينزل وهو يقول: "يا خليفة رسول الله، والله لتركبن أو لأنزلن"..
فقال له أبو بكر على مسمع من أفراد الجيش "والله لا تنزل ووالله لا أركب.. وما علي أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة"..