← Язык

Язык · id 8670

البحث اللغوي عند العرب

أحمد مختار عمر

Полный текст (362 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

اللامي ليغلق مدخل الحنجرة١. ومما يدل على أن هذا هو المراد بلسان المزمار، وليس الفرجة التي بين الأوتار الصوتية ما ورد في كتاب "العمد" من أن جالينوس سماه "طبق الحنجرة", وما ورد فيه من أنه "حال ازدراد الطعام وشرب الشراب بنطبق الجميع ويحيط بالحنجرة من داخل غشاء ملبس عليها جميعها"٢. وعلى هذا يكون تفسير الجهر عند ابن سينا تفسيرًا مقاربًا إذ ربطه بالاهتزاز، ولكن يظل غير دقيق لعدم اهتدائه للعضو الأساسي في ظاهرة الجهر وهو الوتران الصوتيان. كذلك تحدث ابن سينا عما سماه سيبويه بالإطباق، وما يمكن تسميته كذلك بالتفخيم، وهو الوصف الذي تتميز به الأصوات: ص - ض - ط - ظ. وقد أشار سيبويه إلى الإطباق بقوله٣: "أما المطبقة فالصاد والضاد والطاء والظاء.. وهذه الحروف الأربعة إذا وضعت لسانك في مواضعهن انطبق لسان من مواضعهن إلى ما حاذى الحنك الأعلى من اللسان ترفعه إلى الحنك. فإذا وضعت لسانك فالصوت محصور فيما بين اللسان والحنك إلى موضع الحروف" وأشار إليه ابن جني بقوله: "والإطباق أن ترفع ظهر لسانك إلى الحنك الأعلى مطبقًا له"٤. ولكننا نجد ابن سينا يتميز عليهما بوصفه التفصيلي المعتمد على تحديد ما يلحق الأعضاء المشاركة في النطق من تعديلات. فحين يتحدث عن الصاد يقول: "ويحدث في اللسان كالتقعير حتى يكون لانقلاب الهواء كالدوي". وحين يتحدث عن الطاء يقول بعد أن حدد مخرجها

стр. 107

وربطه بمخرج التاء والدال: "لكن الطاء يحبس في ذلك الموضع بجزء من طرف اللسان أعظم.. وتقعر وسط اللسان خلف ذلك المحبس ليحدث هناك للهواء دوي عند الإخراج، ثم يقلع ويكون الحبس بشد قوي" وحين يفرق بين التاء والطاء يقول: "وأما التاء فيكون مثله في كل شيء إلا أن الحبس بطرف اللسان فقط". فهنا نجد لأول مرة حديثًا عن تقعر اللسان مع الأصوات المفخمة، وعن اشتراك جزءين من اللسان في عملية نطقها، وهو ما لم نجده بهذا الوضوح عند اللغويين القدماء١. بعض النتائج الصوتية التي توصل إليها العرب: كان للقدماء من علماء العربية بحوث في الأصوات اللغوية شهد المحدثون أنها جليلة القدر بالنسبة إلى عصورهم، بل حتى بالنسبة للعصر الحديث، برغم ما فيه من إمكانات هائلة لم تتح للقدماء، من آلات وأجهزة للتصوير والتسجيل وتحليل الأصوات وغيرها. ويكفي العرب فخرًا في مجال الأصوات أن يشهد لهم عالمان غربيان كبيران هما برجشتراسر الألماني، وفيرث الإنجليزي. يقول الأول: "لم يسبق الأوربيين في هذا العلم إلا قومان من أقوام الشرق وهما أهل الهند ... والعرب" ٢ ويقول الثاني: "إن علم الأصوات قد نما وشب في خدمة لغتين مقدستين هما السنسكريتية والعربية". أما أهم النتائج الصوتية التي توصل إليها العرب فهي باختصار: ١- وضع العرب أبجدية صوتية للغة العربية رتبت أصواتها بحسب المخارج ابتداء من أقصاها في الحلق حتى الشفتين. وقد وضع

стр. 108

الخليل بن أحمد أول أبجدية من هذا النوع عرفتها اللغة العربية تشتمل على تسعة وعشرين رمزًا، وسار فيها على النحو التالي. ع ح هـ خ غ - ق ك - ج ش ض - ص س ز - ط د ت - ظ ث ذ - ر ل ن - ف ب م - وا ي همزة ١. ولكن سيبويه في كتابه قد خالف أستاذه مخالفات جوهرية، إذ رتبها على النحو التالي: همزة اهـ ع ح غ خ ك ق ض ج ش ي ل ر ن ط د ت ص ز س ظ ذ ث ف ب م و. أما ترتيب ابن جني فقد جاء موافقًا -في معظمه- لترتيب سيبويه، فيما عدا وضعهالقاف قبل الكاف، وتأخيره الضاد إلى ما بعد الياء٢. ٢- تحدث العرب عن أعضاء النطق وسموا كلًّا منها مثل الرئة والحنجرة والحلق واللسان والشفتين، وقسموا الحلق إلى أقصى ووسط وأدنى، واللسان إلى أصل وأقصى ووسط وظهر وحافة وطرف٣. وتحدثوا عن مخارج الأصوات بطريقة تفصيلية، وصنفوا الأصوات بحسب المكان الذي يتم فيه التحكم في الهواء الخارج من الرئتين. وقد حصر الخليل المخارج في ثمانية٤، وبعضهم حدد مخارج الأصوات بطريقة أدق فوصل بالرقم إلى ستة عشر أو سبعة عشر مثل سيبويه وابن دريد وابن جني وعلماء التجويد٥. وقد شبه ابن جني مجرى الهواء في الحلق والفم بالناي قائلًا: "إذا وضع الزامر أنامله على خروق الناي المنسوقة، وراوح بين أنامله اختلفت الأصوات وسمع لكل خرق منها صوت لا يشبه صاحبه. فكذلك.

стр. 109

إذا قطع الصوت في الحلق والفم باعتماد على جهات مختلفة كان سبب استماعنا هذه الأصوات المختلفة"١. ٣- توصل العرب إلى أن طريقة التحكم في مجرى الهواء هامة في إنتاج الصوت. وقد قسموا الأصوات على أساسها إلى شديدة ورخوة ومتوسطة. وفسروا الشديد بأنه الحرف الذي يمنع الصوت من أن يجري فيه، والرخو بأنه الذي يجري فيه الصوت. ووضعوا قائمة بأصوات كل نوع بطريقة يوافقهم عليها في جملتها التحليل الصوتي الحديث٢. ٤- فصل العرب الأصوات المطبقة عن غيرها، وهي الأصوات المفخمة التي يتشرك مؤخر اللسان في النطق بها، وذكروا أنها هي الصاد والضاد والطاء والظاء٣. ٥- اهتدى العرب إلى وجود رنين معين يصحب نطق الأصوات المجهورة، ولذا قسموا الأصوات من حيث وجود هذا الرنين أو عدم وجوده إلى مجهورة ومهموسة، ووضعوا لنا قائمة بكل نوع٤. وقد ذكر أبو الحسن الأخفش أنه سأله سيبويه عن الفرق بين المهموس والمجهور فقال له: "المهموس إذا أخفيته ثم كررته أمكنك ذلك، وأما المجهور فلا يمكنك فيه. ثم كرر سيبويه التاء بلسانه وأخفى فقال: ألا ترى كيف يمكن؟ وكرر الطاء والدال وهما من مخرج التاء فلم يمكن. قال: وإنما فرق بين المجهور والمهموس أنك لا تصل إلى تبين المجهور إلا أن تدخله الصوت الذي يخرج من الصدر. فالمجهورة كلها هكذا يخرج صوتهن من الصدر ويجري في الحلق.. أما المهموسة فتخرج أصواتها من مخارجها.. والدليل على ذلك أنك إذا أخفيت همست بهذه الحروف ولا تصل إلى ذلك في المجهور ... "٥.

стр. 110

ويعلق الأستاذ الدكتور إبراهيم أنيس على عبارة سيبويه بقوله: إنها تتضمن آراء قيمة في الدراسة الصوتية تتفق مع أحدث النظريات الحديثة إلى حد كبير. فسيبويه يرشدنا هنا إلى وسيلة أخرى لتمييز المهموس من المجهور وذلك عن طريق إخفاء الصوت، وأنه يمكن هذا الإخفاء في المهموسات دون أن تفقد معالمها. أما الإخفاء في المجهورات فيترتب عليه أن الحروف تضيع صفتها المميزة فلا نسمع الدال دالًا حينئذ وإنما نسمع صوتًا آخر هو التاء ... وكذلك يحدثنا سيبويه عما يسميه بصوت الصدر ويراه صفة مميزة للمجهور. ولعل هذا الصوت هو صدى الذبذبات التي تحدث في الوترين الصوتيين بالحنجرة١. ٦- قسم العرب الأصوات إلى صحيحة ومعتلة على أساس اتساع المخرج من العلة دون الصحيحة. واهتدوا أيضًا إلى السمات الخاصة التي تميز بعض الأصوات، مثل اللام التي وصفوها بأنها حرف منحرف، والراء التي وصفوها بأنها حرف مكرر٢. كذلك ميزوا في أصوات العلة بين الفتحة والألف من ناحية، والكسرة والياء والضمة والواو من ناحية أخرى يقول ابن جني: "والحروف التي اتسعت مخارجها ثلاثة: الألف ثم الياء ثم الواو. وأوسعها وألينها الألف، إلا أن الصوت الذي يجري في الألف مخالف للصوت الذي يجري في الياء والواو. والصوت الذي يجري في الياء مخالف للصوت الذي يجري في الألف والواو. والصوت الذي يجري في الياء مخالف للصوت الذي يجري في الألف والواو. والصوت الذي يجري في الياء مخالف للصوت الذي يجري في الألف والواو. والعلة في ذلك أنك تجد الفم والحلق في ثلاثة الأحوال مختلف الأشكال أما الألف فتجد الحلق والفم معها منفتحين.. وأما الياء فتجد الأضراس معها سفلًا وعلوًا قد اكتنفت جنبتي اللسان وضغطته ... وأما الواو فتضم لها معظم الشفتين وتدع بينهما بعض الانفراج ليخرج فيه النفس"٣: ٧- تحدث العرب عن أطوال أصوات العلة وقسموها إلى قصيرة

стр. 111

وطويلة وأطول. يقول ابن جني: "اعلم أن الحركات أبعاض حروف المد واللين، وهي الألف والواو والياء. فكما أن هذه الحروف ثلاثة، فكذلك الحركات ثلاث، وهي الكسرة والفتحة والضمة. فالفتحة بعض الألف والكسرة بعض الياء، والضمة بعض الواو، وقد كان متقدمو النحويين يسمون الفتحة الألف الصغيرة، والكسرة الياء الصغيرة، والضمة الواو الصغيرة، وقد كانوا في ذلك على طريق مستقيمة. ألا ترى أن الألف والياء والواو اللواتي هن توام كوامل قد تجدهن في بعض الأحيان أطول وأتم منهن في بعض، وذلك قولك: يخاف وينام ويسير ويطير ويقوم ويسوم. فتجد فيهن امتدادًا واستطالة ما، فإذا أوقعت بعدهن الهمزة أو الحرف المدغم ازددن طولًا وامتدادًا وذلك نحو يشاء.. وتقول مع الإدغام شابة ودابة"١. ولكن تبقى فكرة ابن جني في البعضية غامضة حيث "لم يقل لنا ما إذا كان الفرق بين حرف المد والحركة معتبرًا بالثلث أو النصف أو بأي كسر آخر"٢. ٨- ومن الدراسات الصوتية التي قدمها العرب حديثهم عن ائتلاف الحروف وكيفية بناء الكلمة العربية. وقد لاحظ الخليل أن اللغات تختلف في ذلك، وما قد يتلاءم مع أمة ربما لا يتلاءم مع أمة أخرى. ولاحظ أيضًا أن الأذن العربية قد تستسيغ أصواتًا معينة لا يستسيغها غيرها، وأن اللسان العربي قد ينطق بتركيب خاص لا ينطق به لسان غيره، وأن العرب كانوا يأبون تأليفًا خاصًّا من الكلمات لا يأباه غيرهم، مثل إبائهم اجتماع واوين أول الكلمة، والابتداء بالساكن، واجتماع حرفين ساكنين. كذلك تحدث الخليل وسيبويه عما يسمى بالانسجام الصوتي مثل

стр. 112

إبدال السين صادًا في كلمة مثل السويق، وإبدال الصاد زايًا في بعض اللغات إذا كانت الصاد ساكنة وبعدها صوت مجهور مثل "يصدق" التي ينطقها بعضهم "يزدق". وعللا هذه الظاهرة بقولهما: "ليكون عمل اللسان من وجه واحد". ويعنيان بذلك الاقتصاد في الجهد العضلي. وتلك نظرية يقرهما عليها علم اللغة الحديث، وممن نادى بها Andre Martinet إذ صرح بأن التغييرات الصوتية الهامة في اللغة ترجع أساسًا إلى الميل إلى استعمال الوسائل الفونيمية في اللغة اقتصاديًّا، وبطريقة سهلة بقدر الإمكان. تعقيب: ولنا على آراء العرب الصوتية الملاحظات الآتية: ١- أننا إذا تصفحنا الكتب العربية التي عرضت للأصوات وصفاتها وأسمائها، وجدنا أصحابها مقلدين لا مجددين وتابعين لا متبوعين، فهم لم يزيدوا على ما وضعه الخليل وسيبويه إلا قليلًا. بل إنك لتجد العبارة هي العبارة وحتى الغموض هو الغموض. وتتبع تعريف "المجهور" بعد سيبويه تجده هو تعريف سيبويه برغم ما فيه من إبهام وتعقيد ... فسيبويه يعرفه بأنه "حرف أشبع الاعتماد في موضعه ومنع النفس أن يجري معه حتى ينقضي الاعتماد عليه ويجري الصوت" والتعريف بحروفه في "سر صناعة الإعراب" لابن جني وكذا في "شرح مفصل" الزمخشري١. ٢- عدم توحيد المصطلحات بينهم وغموض بعضها. ومن ذلك "الحروف المصمتة"٢ و "الشجرية" و "المتفشية" ومن ذلك استخدام سيبويه مصطلح الإطباق في مقابل مصطلح الخليل: الاستعلاء. واستخدام ابن جني "المقطع" وابن سينا "المحبس" بمعنى "المخرج".

стр. 113

٣- أهمل العلماء العرب دراسة النبر إهمالًا تامًّا، ولهذا فإننا لا نستطيع أن نتبين مواضع النبر في العصور الإسلامية الأولى. ولعل سرّ هذا الإهمال أن النبر ليس فونيمًا في اللغة العربية. ٤- أهمل العلماء العرب دراسة المقاطع وأشكالها وأجزائها إهمالًا تامًّا. ٥- افترض اللغويون العرب وجود حركة قبل أصوات العلة الطويلة من جنسها فزعموا وجود فتحة قبل الألف في "قال" وكسرة قبل الياء في "يرمي" وهذا خطأ، لأنه ليس هناك فتحة ولا كسرة؛ لأن الألف نفسها هي الحركة والياء نفسها هي الحركة، ولكن كلًّا منهما حركة طويلة. ٦- عدم تمثيلهم أصوات العلة القصيرة في الكتابة أول الأمر، ثم تمثيلهم لها في فترة متأخرة برموز تثبت فوق الصوت الساكن أو تحته١ أي مع النظرة إليها باعتبارها أصواتًا ثانوية، على الرغم من أنها أكثر أهمية من الأصوات الساكنة، وأكثر وضوحًا في السمع منها، وهي التي تكون قمم المقاطع في اللغة العربية. ٧- ذكر سيبويه ومن تبعه الهمزة والألف معًا، ونسبوهما إلى مخرج واحد هو الحنجرة. والألف باعتبارها حركة، أو صوت علة طويلًا لا تنسب إلى الحنجرة، فذكرها في هذا المقام فيه نظر. وقد اختلفت الآراء حوله: "أ" فمن قائل بأن سيبويه قد أخطأ، لأن الأبجدية التي ذكرها أبجدية للأصوات الساكنة، والألف من الحركات فلا مجال لذكرها.

стр. 114

وعلى فرض التجاوز عن ذلك، فإن الألف كحركة لا تخرج من هذا المخرج، ومن ثم لا يصح وضعها مع الهمزة أو الهاء. فالألف لا تنسب إلى الحنجرة، وإنما إلى اللسان وطبيعة وضعه وضعًا معينًا يسمح بخروج الهواء في أثناء النطق حرًّا طليقًا لا يقف في طريقه عائق. "ب" ويرى الدكتور أيوب أن وجود ذبذبة في الأوتار الصوتية في أثناء النطق بالألف ربما كان السبب في وضعه الألف مع الهمزة والهاء. ولكن حركة الأوتار الصوتية مع الهمزة أصلية فنسبت إلى الحنجرة ومع الألف إضافية فلم يكن يصح أن ينسبها إليها. أو أن سيبويه قد وصف ذلك النوع من الألف المشوب بهمزة "ومن العرب من يقلب الألف همزة قلبًا كاملًا فيقول دأبة في دابة وهكذا" وهي خاصة في بعض اللهجات العربية١. ٨- ذكر سيبويه صوت القاف بين المجهورات. فهل هذا خطأ منه؟ الحقيقة أن هذا الصوت قد لحقه تطور في النطق الحديث وأنه كان ينطق مجهورًا في القديم. والصوت الذي وصفه سيبويه قد يكون منطبقًا على نطق القاف جيمًا قاهرية، أو غينًا. وكلا النطقين ما يزال موجودًا حتى الآن في أماكن مختلفة من البلاد العربية٢. وقد لحقت صوت القاف تطورات كثيرة في اللهجات الدارجة مما يدل على كثرة تعرضه للتطور والتغير. ومن ذلك نطقه همزة في القاهرة وكثير من المدن العربية٣. وقد ثبت أن نطق القاف همزة ليس نطقًا حديثًا وإنما له أصول قديمة. وقد ذكر أنولتمان في بحث له بعنوان "بقايا".

стр. 115

اللهجات العربية في الأدب العربي العربي"١ أن هذا التغير موجود في أسماء الأعلام الفينيقية. وقد ذكرت كتب اللغة. تصوأ بمعنى تصوق "أي توسخ" وأفز بمعنى قفز واستنشأ بمعنى استنشق. ٩- عد القدماء صوت الهمزة من الأصوات المجهورة. وهذا لا يتفق بحال مع حقيقة وضع الأوتار الصوتية حال النطق بهذا الصوت، إذ الأوتار الصوتية حينئذ تغلق أولًا إغلاقًا تامًّا لفترة قصيرة ثم تنفرج فجأة وبسرعة فيخرج الهواء محدثًا انفجارًا. وربما نطق العلماء العرب الهمزة متلوة بحركة فظنوها مجهورة، مع أن الجهر سببه الحركة لا الهمزة. ١٠- هناك فرق بين وصف الضاد عند سيبويه وبين الضاد الحديثة. وليس هذا نتيجة خطأ من سيبويه في الوصف، وإنما نتيجة التطور الذي لحق هذا الصوت٢.

стр. 116

الفصل الثالث: النحو والصرف عرض تاريخي: سبق أن تناولنا نشأة النحو العربي بشيء من الإيجاز والتركيز، وهدفنا الآن أن نتناول -في إيجاز كذلك- تاريخ الدرس النحوي منذ سيبويه١ ونتتبعه حتى وصولهإلى مرحلة الكمال والنضج، وتبلور أفكاره في اتجاهات ومذاهب معينة. يعد سيبويه٢ إمام النحاة بلا منازع. وقد جمع في مؤلفه المعروف بـ"الكتاب" مباحث النحو والصرف، وجعل لكل مكانًا منه لا يشركه الآخر فيه أو يكاد. وبدأ بالنحو وثنى بالصرف، صنيع من يراهما علمين٣. ومن يراجع موضوعات الجزء الأول من "الكتاب" يجدها خاصة بالنحو، فقد تناول فيه الكلمة، والنكرة والمعرفة، والأفعال اللازمة والمتعدية، وأسماء الأفعال، إلى جانب الفاعل والمبتدأ والخبر، وأيضًا المنصوبات كالمصادر المنصوبة، والحال والمفعول فيه، وإن وأخواتها والنداء، والاستثناء، وغيرها. أما الجزء الثاني فجميع أبوابه صرفية إذا استثنينا باب الممنوع من الصرف الذي افتتح به الجزء. ومن موضوعاته النسب، والتصغير، ونونا التوكيد، وجمع التكسير، وأوزان

стр. 117

المصادر، وصيغ الأفعال، ومعاني الزوائد، واسم الآلة، وأسماء الأماكن، وفعل التعجب، والإمالة، والوقف، والإعلال، والإدغام. وقد كان من سوء حظ النحو العربي أن جاء سيبويه في وقت مبكر جدًّا لا يتجاوز النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، إذ نتج عن تفوقه وشدة إعجاب النحاة به أن أصيب التفكير النحوي بشلل، ودار الجميع في فلك سيبويه، واتخذوه أساسًا لدراستهم، ولذا لم يطوروا هذه الدراسة بالقدر الكافي، وتحولت كثير من الدراسات النحوية إلى مجرد شروح له أو اختصارات أو تعليقات عليه، أو جمع لشواهده وشرحها.. أو.. أو ... ويكفي دليلًا على ما كان لعمل سيبويه من سحر وإغراء إطلاقهم عليه اسم "قرآن النحو"١. وقول المازني في تمجيده: "من أراد أن يعمل كتابًا في النحو بعد كتاب سيبويه فليستحي" وقول السيرافي: "وعمل كتابه الذي لم يسبقه إلى مثله أحد قبله، ولم يلحق به من بعده". وكان المبرد يقول لمن أراد أن يقرأ عليه كتاب سيبويه: "هل ركبت البحر" تعظيمًا واستصعابًا له٢ ولسنا نريد أن نحبر صفحات في سرد أسماء الكتب والأبحاث التي دارت حول كتاب سيبويه٣ وإنما نخص بالذكر كتابًا فريدًا من بين هذه الكتب وهو كتاب ألفه المبرد، واختار له عنوانًا هو "الرد على سيبويه"٤، وذلك لطرافته وغرابة موضوعه.

стр. 118

خصص المبرد كتابه هذا للهجوم على سيبويه والاعتراض عليه. وبرغم أن الكتاب لم يصلنا نصه، فقد وصلتنا اقتباسات كثيرة منه في كتب متأخرة تكفي لتكوين فكرة عنه. وقد كان مثار دهشة وعجب أن يأتي أقصى هجوم على سيبويه من المبرد رأس المدرسة البصرية في عهده، وأن يتعرض المبرد لسيبويه بالنقد والتخطئة، وأن يتعقب زلاته ويؤلف فيها كتابًا كاملًا، ومن أجل هذا حاول بعضهم أن يبرئ المبرد من تهمة التعرض لسيبويه وادعوا بطلان نسبة هذا الكتاب إليه. ومنهم من ادعى أن ما اعترض به المبرد على سيبويه حدث أيام الشباب وأنه عاد فرجع عنه. وأفضل مرجع حوى اقتباسات من عمل المبرد هو "الانتصار لسيبويه من المبرد" الذي ألفه ابن ولاد المصري المتوفي سنة ٣٣٢ هـ. ومنه نعلم أن كتاب المبرد يحوي ١٣٤ مسألة، وأن الخلاف بين سيبويه والمبرد كان عميقًا ويعود إلى اختلاف المنهج والخط الفكري في كثير من الأحيان. ومن ذلك منع سيبويه أن يقال: "السقي لك"، و"الرعى لك" بدلًا من سقيًا لك ورعيًا لك لأن العرب لم تتكلم بهاتين العبارتين مع الألف واللام. وقد أجازهما المبرد لأنه لا فرق عنده -في القياس- بينهما بالألف واللام وبين "الحمد لله" و"العجب لزيد"١. ونعود إلى "الكتاب" فنقول: إنه برغم نسبته إلى سيبويه ففضل الخليل فيه لا يجحد، حتى قيل: إن الأوفق أن ينسب الكتاب إلى الخليل وحده أو إليهما معًا. يقول أبو الطيب اللغوي: "عقد سيبويه كتابه بلفظه ولفظ الخليل٢" ويقول ثعلب: "اجتمع على صنعة الكتاب اثنان وأربعون إنسانًا منهم سيبويه، والأصول والمسائل للخليل"٣.

стр. 119

وقد طبع كتاب سيبويه -حتى الآن- في فرنسا والهند ومصر وترجم إلى الألمانية ترجمة كاملة. وقام المحقق الكبير الأستاذ عبد السلام هارون بتحقيقه ونشره نشرة علمية دقيقة ظهرت في خمسة أجزاء. وفي نفس الفترة التي كان الخليل وسيبويه ينشران علمهما فيها بالبصرة وجد عالمان بالكوفة اشتغلا بالنحو، وإن لم يبلغا في الشهرة مبلغ الخليل وسيبويه. هذان العالمان هما أبو جعفر الرؤاسي، ومعاذ الهراء. أما أولهما فقد صنف كتابًا اسمه "الفيصل" يقال: إن الخليل قد اطلع عليه، واستفاد منه. وأما الآخر فقد غلب عليه الاشتغال بالأبنية حتى قيل: إنه واضع علم الصرف. ويصدر الدكتور شوقي ضيف على هذين الرجلين حكما قلبيًّا فيقول: "وكان علم معاذ بالصرف مثل علم الرؤاسي في النحو كان علمًا محدودًا لا غناء فيه ولا شيء يميزه من علم البصرة"١. وبعد ذلك سار نحاة البصرة والكوفة جنبًا إلى جنب وتنافسا في البحث والإنتاج، وتابع من كلا البلدين نحاة أعلام ليس من السهل تفضيل أيهما على الآخر. فمن نحاة البصرة نجد الأخفش سعيد بن مسعدة، وقطرب والمازني والمبرد. ومن نحاة الكوفة نجد الكسائي، والفراء، وثعلب وابن السكيت. وهؤلاء جميعًا عاشوا وماتوا قبل نهاية القرن الثالث الهجري. وأهم ما يميز هذه الفترة ارتقاء البحث النحوي ونضجه بدرجة لم تسمح بجديد بعدها. كما يميزها ظهور الكتب الكاملة التي تعالج النحو بابًا بابًا. ونضرب لذلك المثل بكتاب "المقتضب" للعبود، وهو برغم اسمه كتاب ضخم طبع في أربعة مجلدات بتحقيق الأستاذ الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة. ويميزها أيضا اتجاه البحث إلى التقصي، والاستقراء للمأثور عن العرب وإعمال الفكر، واستخراج القواعد. وقد أذكى من روح النشاط التنافس البلدي الذي نشأ بين

стр. 120

البصرة والكوفة ومحاولة كل فريق أن يظهر على الآخر. كما يميزها انفصال الصرف عن النحو على يد أبي عثمان المازني الذي ألف "التصريف"١. وقد طبع هذا الكتاب بشرح ابن جني عليه باسم المنصف في ثلاثة أجزاء. وبعد القرن الثالث نافست أقطار ومدن أخرى البصرة والكوفة في الدراسة النحوية وكان أشهرها بغداد ومصر والمغرب والأندلس. وظهر نحاة أعلام في كل بلد من هذه البلاد تجد تفصيلًا عنهم في كتب التراجم المختلفة٢. وأهم ما يميز هذه المرحلة أنها كانت مرحلة خفت فيها حدة التنافس والتعصب، وظهر جيل من العلماء لما يتحيز لعالم دون آخر. وأول من فعل ذلك البغداديون. وقد اتجه رجال هذه الفترة إلى عرض المذهبين السابقين وانتقادهما، واختيار ما يبدو مناسبًا منهما، بالإضافة إلى زيادات قليلة من القواعد تولدت لهم من اجتهادهم قياسًا وسماعًا. ومن أشهر رجال هذه المرحلة -حتى نهاية القرن الرابع- الزجاج وابن السراج والزجاجي والأخفش الصغير وابن ولاد وأبو جعفر النحاس والسيرافي وأبو علي الفارسي والرماني والزبيدي٣.

стр. 121

هل وجدت مدارس نحوية عند العرب؟ السؤال الذي يجب طرحه الآن هو: هل يمكن أن نطلق اسم "مدرسة" على أي دراسة نحوية تمت في خلال الفترة موضوع الدراسة؟ ولكي نجيب عن السؤال يجب أولًا أن نوضح النقاط الآتية: ١- ماذا نفهم من المصطلح "مدرسة نحوية". ٢- الأساس الذي بني عليه تقسيم الدراسة النحوية العربية إلى مدارس. ٣- عدد هذه المدارس حتى نهاية القرن الرابع الهجري. أما بالنسبة للنقطة الأولى؛ فإن هذا المصطلح يعني -في نظرنا- وجود جماعة من النحاة، يصل بينهم رباط من وحدة الفكر والمنهج في دراسة النحو. ولا بد أن يكون هناك الرائد الذي يرسم الخطة ويحدد المنهج، والتابعون أو المريدون الذين يقتفون خطاه، ويتبنون منهجه، ويعملون على تطويره والدفاع عنه. فاستمرار النظرية -أو المنهج- ودوامها عبر السنين شرط أساسي لتكون المدرسة التي لا يمكن أن تستحق هذا الاسم، أو يعترف بوجودها بمجرد مولد النظرية أو خلقها، حتى تعيش ويكتب لها البقاء لبعض الوقت بين المريدين. ومن ناحية أخرى فنحن لا نوافق على اتخاذ المعيار الجغرافي أساسًا لتقسيم العلوم إلى مدارس فكرية مختلفة، إن وجود جماعة من الدارسين في مكان واحد لا يكفي مطلقًا لتشكيل مدرسة، أو لأحقية ربطهم جميعًا برباط واحد، اللهم إلا إذا وجد الخيط الذي يصل بينهم، والخطة أو النظرية التي يشتركون في تطبيقها. وعلى هذا يكون المرشح لأحقيتهم اسم مدرسة ليس وجودهم في مكان واحد وإنما اشتراكهم في خط فكري معين.

стр. 122

وإذا نحن انتقلنا إلى النقطة الثانية وحاولنا أن نتعرف الأساس لتقسيم الدراسات النحوية إلى مدارس، وجدنا من الحتم أولًا أن نظهر الحقائق الآتية: أ- أن المعيار الجغرافي كان الأساس الوحيد لهذا التقسيم، وهذا يوضح لماذا حملت كل مدرسة اسم منطقة. ب- لا نجد أي إشارة إلى مدرسة أطلق عليها هذا الاسم لالتفاف أتباعها حول رائد معين فحملت اسمه من أجل ذلك على عكس ما نجده الآن١. جـ على الرغم من أن المعيار الجغرافي كان هو الأساس الوحيد المستعمل لتقسيم المدارس العربية؛ فإنه قد عجز تمامًا عن إبراز الفروق الحقيقية والاتجاهات الفكرية المختلفة لهذه المدارس، كما عجز -في نفس الوقت- عن تجميع الخصائص المشتركة، والاتجاهات الفكرية الموحدة. ولنأخذ مثالًا على هذا أقدم مدرستين لغويتين، وهما مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة، فماذا نجد؟ نجد البصريين "أو الكوفيين" يختلفون في المسألة الواحدة، ونجد في كثير من الأحيان بصريين ينضمون إلى المدرسة الكوفية، وكوفيين ينضمون إلى المدرسة البصرية "والأمثلة على ذلك كثيرة نكتفي منها بما يأتي: ١- في حالة يصرح الأخفش "بصري" أن رأي الكوفيين صحيح. ٢ في حالة أخرى نجد للخليل رأيًا يخالف رأي سيبويه والأخفش.

стр. 123

٣- في حالة أخرى نجد سيبويه والخليل يريان رأيًا مناقضًا لرأي الأخفش والمازني والزيادي والمبرد "وكلهم بصريون". ٤- في حالة أخرى نجد كلًّا من سيبويه والمبرد والكسائي والفراء يقف منفردًا برأيه الخاص. ٥- في حالة أخرى نجد المبرد يفضل رأيًا كوفيًّا. ٦- في حالة أخرى نجد الكسائي يفضل رأيًا بصريًّا١. ٧- على الرغم من أن المبرد وسيبويه ينسبان إلى مدرسة واحدة فنحن نجد أن أقصى هجوم وجه لسيبويه كان على يد المبرد -كما سبق أن ذكرنا- حتى ألف الأخير كتابًا لنقد سيبويه والهجوم عليه. ومن ناحية أخرى فنحن نجد أن اختلاف المنهج والخط الفكري واضح جدًّا بين الأستاذين ويشمل اختلافات جوهرية. ٨- على الرغم من أن الكسائي والفراء ينتميان إلى المدرسة الكوفية فإن خلافهما في مسائل النحو كثير. ونكتفي بالتقاط الأمثلة الآتية: أ- يذهب الكسائي إلى أن الفاء والواو وأو تنصب الفعل بنفسها، ولكن الفراء يذهب إلى أن المضارع ينصب هذه الأحرف على الخلاف "أي: أن المعطوف بها صار مخالفًا للمعطوف عليه في المعنى فخالفه في الإعراب"٢. ب- يذهب الكسائي إلى جواز العطف على اسم إن بالرفع قبل تمام الخبر، فيصح عنده أن تقول: "إن زيدًا وعمرو قائمان", ولكن

стр. 124

الفراء يفصل، فيجيزه في حالة خفاء الإعراب، ويمنعه فيما عدا ذلك، فمثال ما خفي إعرابه "إنك وزيد قائمان" وقد حمل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ﴾ ١. جـ يذهب الكسائي إلى أن أصل "آية" آئية بزنة فاعلة، فحذفت الهمزة كما حذفت في شاك السلاح ومكان هار. ويذهب الفراء إلى أن أصلها" "آية" بالتشديد، وفروا من المشدد إلى الألف كما فروا إلى الياء في دينار وأصله دنار٢. د- أجاز الكسائي تقديم المحصور بإلا مطلقًا، وذهب الفراء إلى منع تقديم الفاعل المحصور وأجاز تقديم المفعول المحصور٣. هـ- قال الكسائي في "أشياء": هي جمع شيء كبيت وأبيات، ووزنها أفعال، ومنعت من الصرف على توهم أنها كحمراء، وقال الفراء: أصلها أشيئاء جمع شيء وأصله شيء نحو بين وأبيناء ولين وأليناء، ثم حذف من وسط أشياء همزة لكثرتها فصارت أشياء٤. ويذهب الكسائي -وهو رأي البصريين- إلى أن "نعم" و"بئس" فعلان ماضيان لا ينصرفان ويذهب الفراء -وهو رأي باقي الكوفيين- إلى أنهما اسمان.٥. ٩ وأخيرًا نمثل بمسألة تشعبت فيها أوجه النظر، واختلط فيها الحابل بالنابل كما يقول المثل العربي، وهي تخريج "إياك" وأخواتها.

стр. 125

أ- فجمهور الكوفيين، وهو رأي الفراء، يذهب إلى أن الكاف والهاء والياء من إياك وإياي وإياه ... هي الضمائر، وأن "إيا" عماد لها تصير بسببها منفصلة. واختاره ابن كيسان من البصريين. قال الرضى: وليس هذا القول ببعيد عن الصواب. ب- ورأى الخليل أن "إيا" اسم مضمر مضاف إلى الكاف بدليل وقوع الظاهر مقام الكاف في قولهم: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب. وهو رأي الأخفش والمازني. جـ- وقال سيبويه: إن الاسم المضمر هو "إيا"، وما يتصل به بعده حرف يدل على أحوال المرجوع إليه من التكلم والخطاب والغيبة، وهو رأي جمهور البصريين. د- وقال قوم من الكوفيين: إياك وإياه وإياي أسماء بكمالها، وليس فيها تركيب. هـ- وقال الزجاج، والسيرافي: "إيا" اسم ظاهر مضاف إلى المضمرات، كأن "إياك" بمعنى نفسك١: هذه الأمثلة -وغيرها كثير جدًّا لمن أراد المزيد- تكشف عن فساد المعيار الجغرافي وتظهر فشله٢.

стр. 126

ولكن إلى جانب هذه الاختلافات بين أبناء المدرسة الواحدة فنحن نجد بعض الخطوط والاتجاهات المشتركة التي يتميز بها أبناء المدرسة الواحدة وعلى هذا فربما قبلنا -مع شيء من التحفظ- هذه القسمة. والنقد الخطير الذي يمكن أن يوجه إلى هذا المعيار هو احتمال الانحراف في تطبيقه. ربما قبلنا تبرير هذا المعيار على أساس أن الفكرة، أو الاتجاه المعين، إنما يظهر أول الأمر في مكان ما، ومن أجل هذا فمن المعقول أن ينسب هذا الاتجاه أو هذه النظرية إلى مكان الميلاد. ولكن الشيء الذي لا نقبله هو الزعم بأن هذه المدرسة المعينة لا بد أن تشمل كل المواطنين في هذا المكان -بغض النظر عن اختلافاتهم- وتستبعد من عداهم، دون نظر إلى آرائهم ومدى اتفاقهم أو اختلافهم. وعلى هذا فنحن نعتقد أن الباب لا بد أن يترك مفتوحًا على مصراعيه ليضم المثقفين، ويعزل المخالفين. إن باب المدرسة البصرية أو الكوفية يجب أن يظل مفتوحًا؛ ليسمح بدخول أي مؤيد أو متفق في الرأي مهما كانت جنسيته، وبخروج المخالف، حتى ولو كان منتسبًا إلى المنطقة بالميلاد أو الإقامة، وطبقًا لهذا، فإننا نجد المدارس اللغوية الحديثة التي تحمل أسماء أماكن قد اشتملت على أسماء علماء من بلاد مختلفة. ونحن نشير بوجه خاص إلى "مدرسة جنيف"١ التي أسسها اللغوي السويسري دي سوسير وشملت لغويين فرنسيين وسويسريين وألمان وإنجليز٢. أما إجابة السؤال الثالث، فهي دقيقة وصعبة، إذا حاولنا تناولها بدقة. إنها تقتضي عملية تتبع كامل للإنتاج النحوي في جميع أنحاء العالم العربي لفترة تمتد إلى أكثر من ثلاثة قرون، مع الأخذ في الاعتبار ضياع نسبة كبيرة من الإنتاج النحوي لتلك الفترة وعدم وصوله لنا، بالإضافة

стр. 127

إلى تبعثر الآراء النحوية في كتب التفسير والقراءات والأدب وشروح الدواوين الشعرية وغيرها. ولهذا فنحن سنكتفي في هذا المقام بنظرة خاطفة مركزين على الخلافات بين الدارسين حول الاعتراف أو عدم الاعتراف بأي منها١. فيما عدا سعيد الأفغاني الذي رفض المعيار الجغرافي أساسًا للتقسيم النحوي وتشكك في جدواه٢ "برغم استعماله لفظ مدرسة مع نحاة البصرة ونحاة الكوفة مجاراة لما هو شائع"، واقترح معيارًا آخر فإن سائر الدارسين قد قبلوا التقسيم الجغرافي أساسًا لتصنيف المدارس النحوية العربية. الفرق الوحيد بينهم هو اختلافهم في عدد المدارس: وبغض النظر عن المستشرق G. weil الذي اعترف بالمدرسة البصرية فقط، نجد جميع الدارسين يعترفون بوجود مدرستي البصرة والكوفة، ويعترفون بأسبقيتهما لأي مدارس نحوية أخرى، ومنهم من يضيف إليهما مدارس أخرى على النحو التالي: "أ" بعضهم يضيف مدرسة ثالثة في بغداد. ويضم هذا الفريق بروكلمان ومهدي المخزومي.

стр. 128

ب- وبعضهم -مثل طه الراوي ومحمد أسعد طلس- يضيف مدرسة رابعة في الأندلس. ج- أضاف Howell مدرستين أخريين في مصر والمغرب. د- وعد الدكتور شوقي ضيف خمس مدارس هي: البصرية والكوفية والبغدادية والأندلسية والمصرية، ولم يذكر المغربية. هـ- ويقف الزبيدي منفردًا في هذا النزاع حيث يقسم اللغويين إلى بصريين وكوفيين ومصريين وأندلسيين، ولم يذكر البغداديين١. وإذا كان لنا من ملاحظات على هذه التقسيمات فهي: ١- أنه ما دام المعيار الجغرافي هو الأساس في التقسيم فلا بد من الاعتراف بوجود مدرسة في كل بلد أنتج فكرًا نحويًّا. ٢- من الغريب أن يعترف الزبيدي باللغويين المصريين والأندلسيين ولا يذكر البغداديين. ٣- وأغرب من هذا أن يعترف طه الراوي ومحمد طلس بوجود مدرسة في الأندلس ولا يعترفان بوجود مدرسة في مصر، برغم أسبقية مصر في هذا الميدان واعتماد النحو الأندلسي في نشأته. ووجوده وبنائه على مصر٢. وأخيرًا فإننا نؤمن بأن تقسيم العلوم إلى مدارس -

стр. 129

مهما كان المعيار ليس خير سبيل. إنه يعطي إحساسًا بمحلية العلوم، ويخلق جوًّا من التحيز والتعصب، إنه يظهر اتفاقًا سطحيًّا بين أتباع المدرسة الواحدة حول مبادئ معينة أو قواعد خاصة، ولكنه يخفي من ورائه خلافات جوهرية. ومن أجل هذا فنحن نفضل المعيار المبني على أساس النظريات المنفصلة والاتجاهات المستقلة. وعلى هذا يمكننا أن نتكلم عن نظرية سيبويه في الالتزام بما سمع عن العرب وعدم استخدام القياس النظري، لأن العرب يمتنعون عن التكلم بالشيء وإن كان القياس يوجبه، ويتكلمون بالشيء وإن كان القياس يمنعه. وعن نظرية الفراء في النصب على الخلاف أو المخالفة. وعن نظرية ابن فارس في رد الكلمات الكبيرة البنية إلى أصول أقل حجمًا، وهكذا. هذا الاتجاه ربما يكون أكثر دقة في تتبع النظرية أو الاتجاه، وفي رسم حدود كل ومعالمه عبر العصور من غير استخدام التعميمات، أو إصدار الأحكام الكلية التي تفتقر في كثير من الأحيان إلى الدقة ويعوزها الحذر العلمي. أهم الفروق بين مدرستي البصرة والكوفة: على الرغم من موقفنا السابق من اتخاذ المعيار الجغرافي أساسًا

стр. 130

للتقسيم، وما سبق أن ذكرناه من عدم وجود خط محدد يسير عليه كل من الكوفيين والبصريين، فقد رأينا أن نسجل هنا أهم ما يميز الدرس النحوي البصري عن الكوفي، مع اعترافنا بأن هذه المميزات ليست قاطعة أو صارمة، كما ستكشف في تعليقنا الآتي بعد، ويمكن تلخيص هذه المميزات أو الفروق فيما يأتي: ١- ما سبق أن ذكرناه من تشدد البصرة في فصاحة العربي الذي تأخذ عنه اللغة والشعر وتساهل الكوفيين حتى إنهم كانوا يأخذون عن الأعراب الذين قطنوا حواضر العراق، مما جعل بعض البصريين يفخر على الكوفيين بقوله: "نحن نأخذ اللغة عن حرشة الضباب وأكلة اليرابيع، وأنت تأخذونها عن أكلة الشواريز وباعة الكواميخ"١. ٢- ما سبق أن ذكرناه من توسع الكوفيين في قبول القراءات القرآنية بالنسبة للبصريين. وذلك ليس نتيجة تقسيمهم للقراءات وحسن تقبلهم لها، وإنما بسبب ما عرفوا به من توسع في أصول اللغة وقياس على القليل واعتداد بالمثال الواحد٢. ٣- أن البصريين لم يكونوا يكتفون في استخلاص القاعدة بالمثال الواحد أو الأمثلة القليلة "وإنما اشترطوا الكثرة والتداول على ألسنة العرب الفصحاء. أما الكوفيون فكانوا يعتدون بالأشعار والأقوال الشاذة، ولا يشترطون أي نوع من الكثرة في تقعيد قواعدهم، ولهذا يقول السيوطي: "لو سمع الكوفيون بيتًا واحدًا فيه جواز شيء مخالف للأصول جعلوه أصلًا وبوبوا عليه". ويقول: "عادة الكوفيين إذا سمعوا لفظًا في شعر أو نادر كلام جعلوه بابًا أو فصلًا"٣.

стр. 131

٤- أن التأويل والتقدير كثر عند البصريين بطريقة لافتة للنظر، وذلك تبعًا لرفضهم كثيرًا من الأمثلة العربية الصحيحة، ونتيجة لمحاولاتهم المتكررة إخضاع الأمثلة العربية الصحيحة لأقيستهم النظرية البحث. ويمتدح الدكتور شوقي ضيف صنيع البصريين هذا بقوله: "على أنه ينبغي أن نعرف أن المدرسة البصرية حين نحَّت الشواذ عن قواعدها لم تحذفها ولم تسقطها، بل أثبتتها، أو على الأقل أثبتت جمهورها، نافذة في كثير منها إلى تأويلها، حتى تنحي عن قواعدها ما قد يتبادر إلى بعض الأذهان من أن خللًا يشوبها، وحتى لا يغمض الوجه الصحيح في النطق على أوساط المتعلمين، إذ قد يظنون الشاذ صحيحًا مستقيمًا، فينطقون به، ويتركون المطرد في لغة العرب الفصيحة. ومن هنا تتعرض الألسنة للبلبلة ... وقد ينجذب إليها بعض من لم يفقه الفرق بين القاعدة الدائرة على كثرة الأفواه، بل على كثيرها الأكثر، والقاعدة التي لم يرد منها إلا شاهد واحد، مما قد يؤول إلى اضطراب شديد في الألسنة"١. وسنذكر رأينا في هذا الأصل فيما بعد. ٥- لما كان الكوفيون أهل شعر ورواية لم يلتفتوا كثيرًا إلى قوانين المنطق والأقيسة العقلية. أما البصريون؛ فقد عوضوا تخلفهم في مجال الشعر والرواية بأن أطلقوا لعقلهم العنان وبرعوا في استخدام المنطق ولجأوا أحيانًا إلى النظر المجرد، ويمثل هذا الاتجاه البصري خير تمثيل قول أبي على الفارسي: "لأن أخطئ في خمسين مسألة من باب الرواية خير عندي من أن أخطئ في مسألة واحدة من باب القياس"٢. ولنا على هذه الفروق الملاحظات الآتية: ١- أن المذهب الكوفي -في نظرنا- أقرب إلى الحق والواقع حين أجاز القياس على المثال الواحد المسموع، ولم يعتبر القلة والكثرة.

стр. 132

وذلك لأن القبائل العربية تتساوى في صحة القول وسلامة اللغة، وليس أمام العقل مسوغ في تفضيل لهجة على لهجة. ومن القواعد المقررة في فقه اللغة أنه لا يحتج بلغة قبيلة على أختها، ولا يحكم النظير بالتخلف على نظيره. ومن يدرينا أن الظاهرة اللغوية التي روى لها الكوفيين شاهدًا واحدًا ليس لها شواهد أخرى؟ أليس من الممكن جدًّا أن يكون وراء هذا الشاهد الواحد عشرات الشواهد التي لم يهتم العلماء بتسجيلها، أو التي فقدت ولم تصلنا؟ يدل على هذا ما ينسب إلى عمر بن الخطاب ﵁ من قوله: "إن الشعر كان علم القوم ولم يكن لهم علم أصح منه، فجاء الإسلام فتشاغلت العرب عنه بالجهاد وغزو الفرس والروم، ولهيت عن الشعر وروايته. فلما كثر الإسلام وجاءت الفتوح واطمأنت العرب في الأمصار راجعوا رواية الشعر، فلم يئولوا إلى ديوان مدون ولا كتاب وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك وذهب عنهم كثيره". ويروى عن أبي عمرو بن العلاء قوله: "ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله. ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علم وشعر كثير"١. ويقول القاضي الجرجاني في الوساطة: "أما الألفاظ التي زعموا أن الشعراء تفردوا بها فإنها موجودة عن أئمة اللغة وعمن ينتهى السند إليهم ... وإنما نتكلم بما تكلموا به. وواحدهم كالجمع، والنفر كالقبيلة، والقبيلة كالأمة. فإذا سمعنا عن العربي الفصيح الذي يعتد حجة كلمة اتبعناه فيها وإن لم تبلغنا من غيره"٢. فإذا سمع الكوفيون أمثلة معدودة نسب العرب فيها إلى الجمع فقبلوا هذه النسبة، واتخذوها أساسًا، وقاسوا عليها لم يكونوا حائدين عن الجادة كما يحاول بعضهم أن يصورهم، بل يكونوا على حق. خصوصًا وأن الكثرة العددية للكلمات المفردة المنسوب إليها لا تعارض.

стр. 133

القلة العددية للكلمات المجموعة المنسوب إليها، لأنه من الممكن أن توجد القاعدتان جنبًا إلى جنب وتتعايشا معًا دون تناقض، فيقال: إن أريد النسب إلى المفرد رد الجمع إلى مفرده ونسب إليه، وإن أريد النسب إلى الجمع نسب إليه على لفظه. وليس هذا مثلًا من قبيل رفع المفعول أو نصب الفاعل. ولهذا نجد الكوفيين برغم سماعهم لمثل: "خرقَ الثوبُ المسمارَ" لم يجوزوا رفع المفعول أو نصب الفاعل. مما يدل على أن اعتدادهم بالمثال الواحد أو الأمثلة القليلة إنما يرد في مثل النسب إلى الجمع مما يوسع مجال اللغة ولا يخلق فيها الفوضى والاضطراب. ٢- أن البصريين لم يوضحوا مرادهم بالكثرة، أهي الكثرة العددية بين أفراد القبيلة الواحدة؟ أم القبائل جمعاء؟ أهي الكثرة النسبية القائمة على الاستقراء التام والعد واستخراج النسبة؟ فإذا كان الأول فما حدها؟ وهل يمكن إجراء النسبة في كل ظاهرة لغوية؟ وهل يدعي البصريون أنهم قاموا باستخراج النسبة في أي قاعدة نحوية استخلصوها؟ ١ ولا أدل على غموض هذا المصطلح عند البصريين من تخبط بعضهم في شرحه، ومن اختلافهم في كثير من الأحكام -بعضهم مع بعضهم- من حيث القياسة أو السماعية. وما نظن أن تفسير ابن هشام -فيما نقله السيوطي عنه- يمثل اتفاقًا بين النحاة، وإنما هو مجرد اجتهاد منه لتفسير مصطلحات غامضة يكثر ترددها بين النحاة، وتفسيره مع ذلك لا يمكن تطبيقه، كما لا يمكن أن يدعي أن النحاة أو أيًا منهم على الإطلاق قد قاموا بتطبيقه يقول ابن هشام: "اعلم أنهم يستعملون غالبًا وكثيرًا ونادرًا وقليلًا ومطردًا. فالمطرد لا يتخلف.

стр. 134

والغالب أكثر الأشياء ولكنه يتخلف، والكثير دونه، والقليل دونه، والنادر أقل من القليل. فالعشرون بالنسبة إلى ثلاثة وعشرين غالب، والخمسة عشر بالنسبة إليها كثير لا غالب والثلاثة قليل والواحد نادر"١. والتحكم واضح في تحديدات ابن هشام فضلًا عن عدم مطابقتها لآراء النحاة. وهناك من ساوى بين مصطلحات الأصل والمطرد والكثير والأكثر والغالب، وساوى بين الشاذ والقليل والأقل والنادر٢ والأمر بعد هذا يحتاج إلى تحديد دقيق من هيئة علمية لها مكانتها في ميدان البحث اللغوي كمجمع اللغة العربية في القاهرة أو دمشق. وهو تحديد سينسحب على ما يجد من بحوث استقرائية لمادة اللغة أو دمشق. وهو تحديد سينسحب على ما يجد من بحوث استقرائية لمادة اللغة المسجلة، على أيدي لغويين محدثين، ولا يمكن الزعم بأنه سيشمل إلى جانبهم علماء اللغة القدامى. ٣- إن البصريين قد خالفوا أصلهم في القياس على الكثير وترك القليل، وذلك في مسائل متعددة من مسائل النحو. فنراهم تارة يمتنعون عن القياس على الكثير وتارة يقيسون على المثال الواحد. فمن النوع الأول اعترافهم بأن وقوع المصدر حالًا وصفة كثير ومع ذلك فهم يقصرونه على السماع. ومن ذلك اعترافهم بأن "فعيل" بمعنى مفعول كثير في لسان العرب وقولهم: إنه مع كثرته لم يقس عليه بإجماع٣. ومن ذلك منعهم قياسية جمع ما بدئ بميم زائدة من أسماء الفاعلين- جمعه جمع تكسير مع أنني استطعت أن أجمع -بجولة سريعة في كتب اللغة- ما يزيد على ثمانين كلمة جمعت هذا الجمع. فهل الثمانون لا تكفي للقياس٤؟ ومن نفس النوع منعهم جمع "فعل" على أفعال وادعاؤهم أن جمع حمل على أحمال في القرآن شاذ، مع أنه قد ورد عن العرب جمع

стр. 135

فعل على أفعال أكثر من جمعه على أفعل، فعدد ما ورد على أفعل ١٤٢ وعلى أفعال ٣٤٠ لفظة طبقًا لإحصاء أورده بعض الباحثين١. ومن النوع الثاني ونسبتهم إلى فعولة على فعلى مع أن ذلك لم يرد عن العرب إلا في مثال واحد هو شنوءة وشنيء، وأيضًا قول الشاعر: أبا خراشة أما أنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع لم يسمع عن العرب غيره حذفت فيه "كان" وعوض عنها "ما"، ومع ذلك جعله البصريون قاعدة يقاس عليها. ٤- أنه كان من جراء إفراط البصريين في استخدام الأقيسة العقلية وتشددهم في قبول الشاهد النحوي، أن وجدوا أنفسهم أمام شواهد فصيحة تخالف قياسهم المنطقي أو قاعدتهم التي استنبطوها. وهنا وجدوا أنفسهم مضطرين إما إلى تأويلها وإخراجها عن ظاهرها لتنسجم مع قواعدهم، وإما إلى رميها بالشذوذ أو الخطأ. وقد أدت تأويلات النحاة إلى إفساد النحو العربي وملئه بمسائل ومشاكل لا نحتاج إليها في تصحيح نطقنا أو تقويم لساننا. وإن أردت الدليل على ذلك فانظر إلى ما قاله كل من البصريين والكوفيين في نواصب المضارع. ذهب معظم الكوفيين إلى أن النواصب عشرة، وهي تنصبالمضارع بنفسها وذلك مذهب لا التواء فيه ولا تعقيد، ولا يحمل هذه النواصب ما لا تحتمله من المعاني، ولا يوقعنا في تكلفات تشوه النحو وتنفر الدارسين منه، أما البصريين فقد قسموا النواصب إلى قسمين: قسم ينصب بنفسه وهو أن وإن وإذن وكي "الأخيرة في بعض حالاتها" وقسم ينصب بأن مضمرة بعده وهو النواصب الستة الباقية. ثم تحدثوا بعد هذا عن "أن" المضمرة جوازًا و"أن" المضمرة وجوبًا. واضطرهم تقدير "أن" إلى أن يبحثوا للأدوات الستة عن أعمال أخرى غير النصب، لأن ما بعدها لا بد أن يؤول بمصدر لوجود أن المضمرة، وهذا

стр. 136

المصدر لا بد من إعراب يعرب به. وقد وقعوا بذلك في تكلفات لم يقع فيها نحاة الكوفة واخترعوا لنا ما سموه بالمصدر المتصيد. وقد حمل البصريين على سلوك هذا المسلك الوعر قاعدتهم المنطقية التي تقول: "إن الحروف لا تعمل إلا إذا كانت مختصة". فما دامت هذه الحروف تدخل على الأسماء والأفعال فلا يصح أن تعمل، وإذا كانت هذه الحروف لا تعمل في الفعل فلا بد من التفتيش عن العامل، وقد وجدوه في "أن" المستترة. ولكن هل اللغة منطقية إلى هذا الحد؟ وانظر أيضًا إلى ما قاله البصريون من عدم جواز أن يلي كان معمول خبرها، وحين ووجهوا بقول الشاعر: بما كان إياهم عطية عودا قالوا: إن في كان ضمير شأن هو اسمها، وعطية مبتدأ وعود خبره وإياهم مفعول به لعود، والجملة من المبتدأ والخبر خبر كان. فلم كل هذا العناء؟ ولماذا نضع القاعدة مسبقًا ثم نلوي الشواهد النحوية لتخضع لهم؟ وما أثر كل هذا في تصحيح نطقنا أو تقويم لساننا؟ وأحيانًا كان البصريون يرجون أنفسهم فيرمون الشاهد بالندرة أو الشذوذ أو الخطأ، وليست تخطئات ابن أبي إسحاق للفرزدق علينا ببعيدة. وهذا أيضًا غريب، ويعجبني في هذا ما يقوله العكبري: "كيف نجعل ما وضعه البصريون للتقريب والتعليم مما لا أصل له ولا ثبات حجة على لسان العرب الفصحاء؟ "١ وقد كان أكرم للبصريين أن يحذوا حذو شيخهم أبي عمرو ابن العلاء. فقد سئل ذات يوم: "أخبرني عما وضعت مما سميته عربية، أيدخل فيها كلام العرب كله؟ فقال: لا. فقيل له: كيف تصنع فيما خالفتك فيه العرب وهو حجة؟ فقال: أعمل على الأكثر وأسمي ما خالفني لغات"٢.

стр. 137

٥- على الرغم مما في مذهب الكوفيين من بساطة ويسر، وبعد عن التكلف والتأويل والتقدير -في الغالب- فأخطر ما يعيبه أنه ربما يوقع في الفوضى والاضطراب في ظواهر اللغة. لأن شرط كل لغة أن تكون لها ظواهر مطردة منسجمة موحدة. فلو أننا جوزنا في الظاهرة الواحدة أكثر من وجه، ولو أننا سمحنا باستخدام التعبير لمجرد وجود مثال واحد ربما كان من بقايا لهجات قديمة أو لثغة أو ضرورة أو نحوها لما أصبح للغة قيود وقواعد، ولصح قول بعضهم: "لا تخرج من الكلام فمهما أخطأت فستجد لك وجهًا في العربية تصح به عبارتك". وتخيل معي شخصًا يرفع المفعول به، أو ينصب الفاعل، أو يلزم المثنى الألف في الرفع والنصب والجر، أو يلزم جمع المذكر السالم الياء أو الواو، أو يرفع الجزأين بعد كان، أو ينصب الجزأين بعد أن، أو يصرف الممنوع من الصرف، أو يمنع المصروف من الصرف، أو ينعت المرفوع بمنصوب أو المنصوب بمرفوع.. أو.. أو ... فأي شيء يبقى لقواعد اللغة؟ وأي شيء نستفيده -سوى الفوضى والاضطراب- لو تمسكنا بالشواهد القليلة التي جاءت مؤيدة لذلك؟ وعلى هذا فمن الخير أن نتبع طريق البصريين في وضع القواعد دفعًا للفوضى والاضطراب، ولكن بدون لجوء إلى تأويل وتقدير، وبدون تحكيم للمنطق والقياس النظري، ومع الاقتصار على اللغة النموذجية الأدبية المشتركة. أما في متن الكلمات، وفي الجموع، والمصادر، والمشتقات وأمثالها مما يتعلق بصوغ الألفاظ وبناء هياكلها ومادتها الأصلية وتقيمها وتأخيرها وذكرها وحذفها فنتبع طريق الكوفيين، ونرجع إلى القياس بمعناه العام الذي يبيح لنا محاكاة الكلام العربي الفصيح مهما كان قائله١. وبذلك نوسع أصول اللغة وننمى مواردها، ونفتح طرقًا يزداد بها بيان اللغة سعة على سعته. ومن أمثلة ذلك:

стр. 138

أ- حين تذكر كتب اللغة بعض مشتقات المادة اللغوية ونترك بعضها فالتوسع في القياس يكمل هذا النقص١. ب- أننا إذا وجدنا العرب يشتقون وزنًا معينًا ويستعملونه للدلالة على شيء خاص أمكننا أن نقيس عليه ما لم يذكر. فإذا وجدناهم يصوغون فَعّال للدلالة على محترف الحرفة كتجار وحداد أمكننا أن نقيس عليها أصحاب المهن الأخرى فنقول: بواب وفنان ... وإذا وجدناهم يستخدمون فعيل "بكسر الفاء وتشديد العين" للدلالة على ملازمة الشيء والمبالغة فيه مثل شريب وزميت وسكيت وصميت وخمير وسكير ... أمكننا أن نقيس عليها ما شئنا من ألفاظ. ومثل هذا يقال في صيغة فعال للمبالغة "بضم الفاء وتشديد العين" فقد ورد منها: عجاب وكبار وظراف وجمال وكرام وحسان وطياب. ويمكننا كذلك أن نقيس صيغة فعلة "بضم الفاء وسكون العين" للمبالغة في المفعول - وهي صيغة فريدة لا نظير لها في اللغة العربية لأن سائر صيغ المبالغة للمبالغة في الفاعل - فقد ورد من ذلك كلمات مثل: لعة وسخرة وهزأة وسبة ونهبة ... وغيرها٢. "جـ" تصحيح كثير من العبارات والألفاظ التي تشيع على ألسنة المتكلمين وأقلام الكتاب في العصر الحديث، والتي يمكن أن نلتمس لها وجهًا في العربية تصح به. هذا باب واسع بدأ مجمع اللغة العربية في مصر في فتحه على مصراعيه كما يتبين لمن يراجع محاضر جلسات المجمع ومجلته ومنشوراته اللغوية مثل "في أصول اللغة" و "مجمع اللغة العربية في خمسين عامًا". ومن أمثلته تصحيح كلمات صحفي، ودولي، ونضوج وإدخال" "أل" على "كل" و "بعض".

стр. 139

دعوات التجديد والإصلاح للنحو العربي: شاب النحو العربي منذ نشأته شوائب، وارتفعت شكوى المتعلمين من صعوبته وتعقده. ويرجع ذلك لأسباب متعددة منها: ١- أن النحويين القدماء حين قعدوا قواعدهم أقحموا اللهجات العربية بصفتها وخصائصها المتباينة، ونظروا إليها على أنها صور مختلفة من اللغة المشتركة، مما خلق مشاكل معقدة أيسرها اختلاف الأقوال في المسألة الواحدة، ومحاولة التوفيق بين المذاهب والشواهد المتناقضة، والإكثار من الأمور الجائزة، وكثرة التقسيمات والتشعيبات، والإسراف في وضع الشروط١. وقد كان الواجب عليهم إسقاط كل هذه الأمثلة اللهجية، وترك غيرها مما يمثل مراحل التطور اللغوي، كما كان الواجب عليهم أن يفرقوا بين القواعد النحوية التي غايتها احتذاء الصواب وصيانة اللسان عن الخطأ، وبين دراسة ما نطق به العرب وما جرى على ألسنة قبائلهم وما نقله الرواه من شعر أو نثر تضمن خصائص لهجية معينة٢. أما الأولى فتبنى على اللغة النموذجية الأدبية الممثلة في القرآن الكريم "دون قراءاته" والحديث النبوي الشريف، والآثار الأدبية الرفيعة من أشعار.

стр. 140

وخطب وأمثال وحكم ورسائل ووصايا ونحو ذلك. وأما الثانية فتضم إلى هذا ما نقل عن العرب أو الأعراب من كلام عادي، وما ينسب إلى كل قبيلة أو منطقة من خصائص تعبيرية معينة، وما سجل من قراءات قرآنية. ٢- نظرية العامل التي بالغ النحاة فيها، وفلسفوها، حتى ألفوا كتبًا تجمع قواعد النحو بعنوان العوامل. فألف أبو علي الفارسي كتاب العوامل ومختصره، وألف عبد القاهر الجرجاني العوامل المائة، ودونوا للعوامل شروطًا وأحكامًا هي عندهم فلسفة النحو وسر العربية فقالوا: لا يجتمع عاملان على معمول واحد "ذاكر ونجح محمد". الحرف لا يعمل في نوع من الكلمات حتى يكون مختصًّا به "النصب بأن مضمرة بعد فاء السببية". لا يعمل في الاسم وضميره معًا "محمدًا ضربته". إلى آخر ما هو مذكور في كتبهم. ولما تكونت للنحاة هذه الفلسفة حكموها في اللغة وجعلوها ميزان ما بينهم من جدل، بل تجاوزوا ذلك إلى تفضيل لهجات من العرب على أخرى بأصول فلسفتهم هذه، بل تجاوزوا ذلك إلى رفض بعض الأساليب العربية المنقولة. وقد كان النحاة -في سبيلهم هذه- متأثرين بروح الفلسفة التي كانت شائعة بين المتأخرين منهم، فهم يعللون منعهم اجتماع عاملين على معمول واحد بقولهم: "إذا اتفق العاملان في العمل لزم تحصيل الحاصل وهو محال، وإن اختلفا لزم أن يكون الاسم مرفوعًا منصوبًا مثلًا، ولا يجتمع الضدان في محل"١.

стр. 141

٣- الإفراط في التأويل والتقدير، وحمل الأساليب العربية على غير ظاهرها. وقد سبق أن ضربنا مثالًا لذلك تقدير "أن" مضمرة بعد الفاء ونصب الفعل "بأن" هذه ثم اعتبار الفاء حرف عطف، عطفت المصدر المؤول من أن المقدرة ومدخولها على المصدر المتصيد من اللام السابق! وتقدير نحو: "ذاكر فتنجح"، لتكن منك مذاكرة فنجاح!! ولا أدري ماذا منع العربي أن يقول هذا إن كان هو مراده؟. وقد بدأت مثل هذه التأويلات من اللحظة الأولى لوضع النحو، فالتأويل السابق هو من عمل الخليل -سامحه الله- وقد نتج بذلك بابًا أمام النحاة يصعب قفله الآن. ومن تأويلاتهم العجيبة ما يقوله المبرد في إعراب قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ . يقول المبرد إن فاعل "بدا" مصدر مقدر، وتأويل الآية: ثم بدا لهم بدو. ولكن حذف بدو من الكلام لأن "بدا" تدل عليه. ولا معنى لكل هذا الكلام لأن "ليسجننه" جملة في موضع الفاعل - على حد تعبير ابن ولاد. ويستمر ابن ولاد قائلًا: "وأما قوله: إنه يضمر فيه البدو، فإنما نضمر إذا كان الكلام محتاجًا إلى الإضمار ناقصًا عن التمام. فأما إذا كان الكلام تامًّا مفيدًا، فلا حاجة بنا إلى الإضمار"١. ٤- استخدام العلل الثواني والثوالث في النحو، ذلك مثل سؤالهم عن زيد من قولنا: قام زيد: لم رفع، وإجابتهم: لأنه فاعل وكل فاعل مرفوع، ثم سؤالهم: ولم رفع الفاعل؟ وإجابتهم للفرق بين الفاعل والمفعول، ثم سؤالهم: ولِم لم تعكس القضية فينصب الفاعل ويرفع المفعول، وإجابتهم بأن السبب أن الفاعل قليل، لأنه لا يكون للفعل إلا فاعل واحد، فأعطى الأثقل الذي هو الرفع للفاعل، وأعطى الأخف الذي هو النصب للمفعول ليقل في كلامهم ما يستثقلون٢!! ولا أدري بماذا يجيبون لو سألتهم: ولكن لكل فعل فاعل، وليس لكل فعل

стр. 142

مفعول، فمن الأفعال ما هو لازم، ومنها ما يحذف مفعوله فعدد الفاعلين قد يكون أكثر من عدد المفعولين. وتعليلات الخليل وسيبويه كثيرة كثرة لافتة للنظر، فهما -في نظرنا- المسئولان الأولان عن فتح هذا الباب، وسنّ هذه السنة. وخذ مثالًا آخر من تعليلاتهم التي حكموها حتى في القراءات القرآنية، يقول سيبويه: إنه لا يجوز العطف على المضمر المجرور إلا بإعادة الخافض فلا يجوز مررت به ومحمد، بل لا بد من أن يقال: مررت به وبمحمد "برغم قراءة حمزة وهو من السبعة: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ . وعلل ذلك بأن الضمير شبيه بالتنوين. لذلك لا يجوز العطف عليه حتى لو أكد. فلا يجوز مررت به هو ومحمد١!! ويحكم سيبويه بأن الفعل ثقيل والاسم خفيف ويعلل ذلك بقوله: "ألا ترى أن الفعل لا بد له من الاسم وإلا لم يكن كلامها، والاسم قد يستغني عن الفعل تقول: الله إلهنا، وعبد الله أخونا"٢. وقد بلغ من شدة اهتمام النحاة بهذا النوع من البحوث أن ألف فيه بعضهم كتبًا مستقلة، مثل قطرب "توفي ٢٠٦" الذي ألف "العلل في النحو" والمازني "توفي ٢٣٠ أو ٢٤٨" الذي ألف "علل النحو"٣. ٥- استخدام النحويين أنواعًا من الأقيسة النظرية التي لا تعتمد على شاهد من كلام العرب، كمنعهم تقدم الفاعل على فعله وإعرابهم الجملة: "محمد قام" على أنها مكونة من مبتدأ ثم جملة فعلية مكونة من الفعل وفاعله المستتر، وأخيرًا يعربون الجملة الفعلية خبرًا لهذا المبتدأ. ولم يكتفوا بذلك، بل فلسفوا القياس، وبحثوا عن أركانه ثم حاولوا أن يحددوا شرائط القياس النحوي٤. وظهر سلطان العلوم الدينية على التفكير النحوي حتى اعترف النحاة بأنهم احتذوا في أصولهم أصول

стр. 143

الفقه عند الحنفية خاصة. ونجد كمال الدين بن الأنباري من أهل المائة السادسة يضع كتابه "لمع الأدلة" ليكون للنحو بمثابة "علم الأصول" للفقه، عقد فيه فصولًا عدة للقياس وأنواعه كما كان فعل علماء الفقه وأصوله١. وأخذ النحاة يتنافسون في هذه الأقيسة النظرية والافتراضات غير الواقعية، وممن تمادوا فيها الرماني المولود سنة ٢٢٧٦ هـ، وفيه يقول الفارسي: "إن كان النحو ما يقوله الرماني فليس معنا منه شيء، وإن كان النحو ما نقوله نحن فليس معه منه شيء"٢. وبلغ من اعتداد النحويين بالقياس أن قال ابن الأنباري: "إن إنكار القياس في النحو لا يتحقق، لأن النحو كله قياس ... فمن أنكر القياس فقد أنكر النحو"٣. ونحن لا نستطيع -ولا غيرنا- أن نطالب بإغلاق القياس أو الحد منه وإنما نطالب بإلغاء ما ليس قياسًا حقيقة. لقد قسم اللغويون القياس إلى: أ- حمل كلمة على نظائرها في حكم ثبت لها باستقراء كلام العرب. ب- إعطاء كلمة حكمًا ثبت لغيرها من الكلم المخالف لها في نوعها، ولكن توجد بينهما مشابهة من بعض الوجوه كترخيم المركب المزجي قياسًا على الأسماء المنتهية بتاء التأنيث. جـ- القياس النظرى الذي لا يعتمد على شاهد من كلام العرب كقول بعضهم: "ولا أمنع أن يجيء الفعل على فَعْلَنَ وإن كان المتقدمون لم يذكروه. لأن الاسم إذا جاء على ذلك وجب أن يجيء عليه الفعل إذ كان الاسم أصلًا والفعل متفرع عنه. وقد قالوا: ناقة رعشن.. وامرأة خلبن". د- أطلقوه كذلك على نوع من التعليل المنطقي كقولهم: إن الفعل

стр. 144

المضارع أعرب لشبهه بالاسم أو قياسًا على الاسم، وما ادعوه في باب الممنوع من الصرف من أن الاسم يمنع من الصرف حملًا على الفعل أو قياسًا على الفعل١. وليس منها ما يعد قياسًا لغويًّا على وجه الحقيقة سوى النوع الأول الذي نتمسك به ونبقيه لأن النحو -كما يقول ابن الأنباري- قياس، ومن أنكر القياس فقد أنكر النحو. أما الأنواع الأخرى فلا يضر إلغاؤها. ٦- تناولهم أمورًا لا علاقة لها بالنحو، ولا فائدة تؤدي إليها، لأنها لا تفيد نطقًا ولا تعصم لسانًا ولا تمنع خطأ. وذلك مثل اختلافهم في الناصب بعد الفاء والواو أهو هذه الأدوات نفسها؟ أم "أن" مضمرة؟ أم أن الفعل منصوب على الخلاف؟ ومثل خلافهم في رافع المبتدأ والخبر، فقيل: إن المبتدأ يرتفع بالابتداء والخبر بالابتداء كذلك أو الابتداء والمبتدأ معًا، وقيل: إن المبتدأ والخبر يترافعان فيرفع المبتدأ الخبر والخبر والمبتدأ. وكذلك فخلافهم في رافع المضارع فقيل: هو التجرد من الناصب والجازم، وقيل: وقوعه موقع الاسم، وقيل: المضارعة، وقيل: حروف المضارعة٢. ومن ذلك أيضًا تناولهم لمسائل غير عملية بل عقدهم أبوابًا كاملة غير عملية مثل أبواب الاشتغال والتنازع ... وتفريعهم للمسائل وتشقيقها. ولنأخذ باب الاشتغال على سبيل المثال. فقد اضطرب النحاة في صور تعبيره اضطرابًا شديدًا، وقسموا صوره إلى ما يجب رفعه، وما يجب نصبه وما يترجح فيه الرفع أو النصب، وما يجوز فيه الأمران، وتبحث في كلام العرب عن أمثلة أو شواهد لكل هذا الذي قالوه، فلا تجد لمعظمه وجهًا، بل لا تجد له ذكرًا.

стр. 145

ومن ذلك المسائل الافتراضية التي عالجها النحاة، والتمارين غير العملية التي فتح الخليل وسيبويه بابها على مصاريعه -على حد تعبير الدكتور شوقي ضيف- ومن ذلك ما ذكره سيبويه من أنه سأل الخليل عن رجل سمي "أولو" من قوله : ﴿نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّة﴾ أو سمي "ذوو" من قولهم: ذوو عزة، وكيف يجري إعرابهما بحسب مواقع الكلام، وكذلك سؤال سيبويه أستاذه عن رجل يسمى "يرمي" أو "أرمي"١. ومن ذلك قول سيبويه: "وإن سميت رجلًا ضربوا فيمن قال: أكلوني البراغيث. قلت: هذا ضربون قد أقبل". ومن خير ما يصور ذلك عنده "باب ما قيس من المعتل من بنات الياء والواو ولم يجئ في الكلام إلا نظيره من غير المعتل"، ويأخذ في عرض ذلك عرضًا يطول حتى يشغل أكثر من أربع صفحات طويلة. وكلها في صيغ من بنات أفكاره يحاول أن يقيسها على صيغ معروفة٢. ومن أمثلة ذلك في كلام المبرد قوله: "فإذا قال لك: ابن من ضرب مثل جعفر فقد قال لك: رد على هذه الحروف الثلاثة حرفًا. فحق هذا أن تكرر لامه فتقول: ضربب، ولو قال لك: ابن لي من ضرب على مثال صمحمح لقلت: ضربرب٣. ومثل هذا نجده في قوله: "ولو قلت: افعوعل من القول لقلت لقوول ومن البيع ابييع وكان أصلها أبيويع"٤. وقد ضاق طلاب النحو من قديم بطريقة النحاة هذه، وظهرت دعوات متعددة على طول تاريخ النحو العربي، منها ما يدعو إلى تهذيب النحو، وإصلاحه، ومنها ما يدعو إلى تركه والتخلي عنه بالكلية، ومنها ما كان يعبر عن سخط وضجر. كما ظهرت محاولات عملية لتأليف النحو تأليفًا تعليميًّا سهلًا يطرح الخلافات ويتخلص من الأبواب غير العملية والمسائل التدريبية. وانتهز الشعوبية فرصة الضجر من النحو والنحاة.
следующие страницы →