٣- الإفراط في التأويل والتقدير، وحمل الأساليب العربية على غير ظاهرها. وقد سبق أن ضربنا مثالًا لذلك تقدير "أن" مضمرة بعد الفاء ونصب الفعل "بأن" هذه ثم اعتبار الفاء حرف عطف، عطفت المصدر المؤول من أن المقدرة ومدخولها على المصدر المتصيد من اللام السابق! وتقدير نحو: "ذاكر فتنجح"، لتكن منك مذاكرة فنجاح!! ولا أدري ماذا منع العربي أن يقول هذا إن كان هو مراده؟.
وقد بدأت مثل هذه التأويلات من اللحظة الأولى لوضع النحو، فالتأويل السابق هو من عمل الخليل -سامحه الله- وقد نتج بذلك بابًا أمام النحاة يصعب قفله الآن. ومن تأويلاتهم العجيبة ما يقوله المبرد في إعراب قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ . يقول المبرد إن فاعل "بدا" مصدر مقدر، وتأويل الآية: ثم بدا لهم بدو. ولكن حذف بدو من الكلام لأن "بدا" تدل عليه. ولا معنى لكل هذا الكلام لأن "ليسجننه" جملة في موضع الفاعل - على حد تعبير ابن ولاد. ويستمر ابن ولاد قائلًا: "وأما قوله: إنه يضمر فيه البدو، فإنما نضمر إذا كان الكلام محتاجًا إلى الإضمار ناقصًا عن التمام.
فأما إذا كان الكلام تامًّا مفيدًا، فلا حاجة بنا إلى الإضمار"١.
٤- استخدام العلل الثواني والثوالث في النحو، ذلك مثل سؤالهم عن زيد من قولنا: قام زيد: لم رفع، وإجابتهم: لأنه فاعل وكل فاعل مرفوع، ثم سؤالهم: ولم رفع الفاعل؟ وإجابتهم للفرق بين الفاعل والمفعول، ثم سؤالهم: ولِم لم تعكس القضية فينصب الفاعل ويرفع المفعول، وإجابتهم بأن السبب أن الفاعل قليل، لأنه لا يكون للفعل إلا فاعل واحد، فأعطى الأثقل الذي هو الرفع للفاعل، وأعطى الأخف الذي هو النصب للمفعول ليقل في كلامهم ما يستثقلون٢!! ولا أدري بماذا يجيبون لو سألتهم: ولكن لكل فعل فاعل، وليس لكل فعل
стр. 142
مفعول، فمن الأفعال ما هو لازم، ومنها ما يحذف مفعوله فعدد الفاعلين قد يكون أكثر من عدد المفعولين. وتعليلات الخليل وسيبويه كثيرة كثرة لافتة للنظر، فهما -في نظرنا- المسئولان الأولان عن فتح هذا الباب، وسنّ هذه السنة.
وخذ مثالًا آخر من تعليلاتهم التي حكموها حتى في القراءات القرآنية، يقول سيبويه: إنه لا يجوز العطف على المضمر المجرور إلا بإعادة الخافض فلا يجوز مررت به ومحمد، بل لا بد من أن يقال: مررت به وبمحمد "برغم قراءة حمزة وهو من السبعة: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ . وعلل ذلك بأن الضمير شبيه بالتنوين. لذلك لا يجوز العطف عليه حتى لو أكد.
فلا يجوز مررت به هو ومحمد١!! ويحكم سيبويه بأن الفعل ثقيل والاسم خفيف ويعلل ذلك بقوله: "ألا ترى أن الفعل لا بد له من الاسم وإلا لم يكن كلامها، والاسم قد يستغني عن الفعل تقول: الله إلهنا، وعبد الله أخونا"٢. وقد بلغ من شدة اهتمام النحاة بهذا النوع من البحوث أن ألف فيه بعضهم كتبًا مستقلة، مثل قطرب "توفي ٢٠٦" الذي ألف "العلل في النحو" والمازني "توفي ٢٣٠ أو ٢٤٨" الذي ألف "علل النحو"٣.
٥- استخدام النحويين أنواعًا من الأقيسة النظرية التي لا تعتمد على شاهد من كلام العرب، كمنعهم تقدم الفاعل على فعله وإعرابهم الجملة: "محمد قام" على أنها مكونة من مبتدأ ثم جملة فعلية مكونة من الفعل وفاعله المستتر، وأخيرًا يعربون الجملة الفعلية خبرًا لهذا المبتدأ.
ولم يكتفوا بذلك، بل فلسفوا القياس، وبحثوا عن أركانه ثم حاولوا أن يحددوا شرائط القياس النحوي٤. وظهر سلطان العلوم الدينية على التفكير النحوي حتى اعترف النحاة بأنهم احتذوا في أصولهم أصول
стр. 143
الفقه عند الحنفية خاصة. ونجد كمال الدين بن الأنباري من أهل المائة السادسة يضع كتابه "لمع الأدلة" ليكون للنحو بمثابة "علم الأصول" للفقه، عقد فيه فصولًا عدة للقياس وأنواعه كما كان فعل علماء الفقه وأصوله١.
وأخذ النحاة يتنافسون في هذه الأقيسة النظرية والافتراضات غير الواقعية، وممن تمادوا فيها الرماني المولود سنة ٢٢٧٦ هـ، وفيه يقول الفارسي: "إن كان النحو ما يقوله الرماني فليس معنا منه شيء، وإن كان النحو ما نقوله نحن فليس معه منه شيء"٢.
وبلغ من اعتداد النحويين بالقياس أن قال ابن الأنباري: "إن إنكار القياس في النحو لا يتحقق، لأن النحو كله قياس ... فمن أنكر القياس فقد أنكر النحو"٣. ونحن لا نستطيع -ولا غيرنا- أن نطالب بإغلاق القياس أو الحد منه وإنما نطالب بإلغاء ما ليس قياسًا حقيقة. لقد قسم اللغويون القياس إلى:
أ- حمل كلمة على نظائرها في حكم ثبت لها باستقراء كلام العرب.
ب- إعطاء كلمة حكمًا ثبت لغيرها من الكلم المخالف لها في نوعها، ولكن توجد بينهما مشابهة من بعض الوجوه كترخيم المركب المزجي قياسًا على الأسماء المنتهية بتاء التأنيث.
جـ- القياس النظرى الذي لا يعتمد على شاهد من كلام العرب كقول بعضهم: "ولا أمنع أن يجيء الفعل على فَعْلَنَ وإن كان المتقدمون لم يذكروه. لأن الاسم إذا جاء على ذلك وجب أن يجيء عليه الفعل إذ كان الاسم أصلًا والفعل متفرع عنه. وقد قالوا: ناقة رعشن.. وامرأة خلبن".
د- أطلقوه كذلك على نوع من التعليل المنطقي كقولهم: إن الفعل
стр. 144
المضارع أعرب لشبهه بالاسم أو قياسًا على الاسم، وما ادعوه في باب الممنوع من الصرف من أن الاسم يمنع من الصرف حملًا على الفعل أو قياسًا على الفعل١.
وليس منها ما يعد قياسًا لغويًّا على وجه الحقيقة سوى النوع الأول الذي نتمسك به ونبقيه لأن النحو -كما يقول ابن الأنباري- قياس، ومن أنكر القياس فقد أنكر النحو. أما الأنواع الأخرى فلا يضر إلغاؤها.
٦- تناولهم أمورًا لا علاقة لها بالنحو، ولا فائدة تؤدي إليها، لأنها لا تفيد نطقًا ولا تعصم لسانًا ولا تمنع خطأ. وذلك مثل اختلافهم في الناصب بعد الفاء والواو أهو هذه الأدوات نفسها؟ أم "أن" مضمرة؟ أم أن الفعل منصوب على الخلاف؟ ومثل خلافهم في رافع المبتدأ والخبر، فقيل: إن المبتدأ يرتفع بالابتداء والخبر بالابتداء كذلك أو الابتداء والمبتدأ معًا، وقيل: إن المبتدأ والخبر يترافعان فيرفع المبتدأ الخبر والخبر والمبتدأ. وكذلك فخلافهم في رافع المضارع فقيل: هو التجرد من الناصب والجازم، وقيل: وقوعه موقع الاسم، وقيل: المضارعة، وقيل: حروف المضارعة٢.
ومن ذلك أيضًا تناولهم لمسائل غير عملية بل عقدهم أبوابًا كاملة غير عملية مثل أبواب الاشتغال والتنازع ... وتفريعهم للمسائل وتشقيقها. ولنأخذ باب الاشتغال على سبيل المثال. فقد اضطرب النحاة في صور تعبيره اضطرابًا شديدًا، وقسموا صوره إلى ما يجب رفعه، وما يجب نصبه وما يترجح فيه الرفع أو النصب، وما يجوز فيه الأمران، وتبحث في كلام العرب عن أمثلة أو شواهد لكل هذا الذي قالوه، فلا تجد لمعظمه وجهًا، بل لا تجد له ذكرًا.
стр. 145
ومن ذلك المسائل الافتراضية التي عالجها النحاة، والتمارين غير العملية التي فتح الخليل وسيبويه بابها على مصاريعه -على حد تعبير الدكتور شوقي ضيف- ومن ذلك ما ذكره سيبويه من أنه سأل الخليل عن رجل سمي "أولو" من قوله : ﴿نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّة﴾ أو سمي "ذوو" من قولهم: ذوو عزة، وكيف يجري إعرابهما بحسب مواقع الكلام، وكذلك سؤال سيبويه أستاذه عن رجل يسمى "يرمي" أو "أرمي"١. ومن ذلك قول سيبويه: "وإن سميت رجلًا ضربوا فيمن قال: أكلوني البراغيث. قلت: هذا ضربون قد أقبل".
ومن خير ما يصور ذلك عنده "باب ما قيس من المعتل من بنات الياء والواو ولم يجئ في الكلام إلا نظيره من غير المعتل"، ويأخذ في عرض ذلك عرضًا يطول حتى يشغل أكثر من أربع صفحات طويلة. وكلها في صيغ من بنات أفكاره يحاول أن يقيسها على صيغ معروفة٢.
ومن أمثلة ذلك في كلام المبرد قوله: "فإذا قال لك: ابن من ضرب مثل جعفر فقد قال لك: رد على هذه الحروف الثلاثة حرفًا. فحق هذا أن تكرر لامه فتقول: ضربب، ولو قال لك: ابن لي من ضرب على مثال صمحمح لقلت: ضربرب٣. ومثل هذا نجده في قوله: "ولو قلت: افعوعل من القول لقلت لقوول ومن البيع ابييع وكان أصلها أبيويع"٤.
وقد ضاق طلاب النحو من قديم بطريقة النحاة هذه، وظهرت دعوات متعددة على طول تاريخ النحو العربي، منها ما يدعو إلى تهذيب النحو، وإصلاحه، ومنها ما يدعو إلى تركه والتخلي عنه بالكلية، ومنها ما كان يعبر عن سخط وضجر. كما ظهرت محاولات عملية لتأليف النحو تأليفًا تعليميًّا سهلًا يطرح الخلافات ويتخلص من الأبواب غير العملية والمسائل التدريبية. وانتهز الشعوبية فرصة الضجر من النحو والنحاة.
стр. 146
فأخذوا يصيدون في الماء العكر، وينقصون من قدر هذه الدراسة ويتلمسون الأدلة والأسباب لنقولاتهم. ويحكي لنا أبو جعفر النحاس "من نحاة القرن الرابع بمصر" طرفًا من هذه القضية في كتاب له بعنوان "صناعة الكتاب" لم يصلنا، ولكن اقتبسه القلقشندي في كتابه "صبح الأعشى". ونص عبارته: "قال أبو جعفر النحاس: وقد صار أكثر الناس يطعن على متعلمي العربية جهلًا وتعديًا حتى إنهم يحتجون بما يزعمون أن القاسم بن مخيمرة قال: "النحو أوله شغل وآخره بغي".
قال: وهذا كلام لا معنى له لأن أول الفقه شغل وأول الحسساب شغل، وكذلك أوائل العلوم. أفترى الناس تاركين العلوم من أجل أن أولها شغل؟ قال: وأما قوله: "وآخره بغي" إن كان يريد به أن صاحب النحو إذا حذقه صار فيه زهو واستحقر من يلحن فهذا موجود في غيره من العلوم، من الفقه وغيره في بعض الناس وإن كان مكروهًا.
وإن كان يريد بالبغي التجاوز فيما لا يحل، فهذا كلام محال، فإن النحو إنما هو العلم باللغة التي نزل بها القرآن، وهي لغة النبي ﷺ وكلام أهل الجنة وكلام أهل السماء. ثم قال بعد كلام طويل: وقد كان الكتاب فيما مضى أرغب الناس في علم النحو، وأكثرهم تعظيمًا للعلماء حتى دخل فيهم من لا يستحق هذا الاسم فصعب عليه باب العدد فعابوا من أعرب الحساب وبعدت عليهم معرفة الهمزة التي ينضم ويفتح ما قبلها"١.
وقد ظهر ضيق الناس بالنحو حتى قبل استفحال أمر الشعوبية، وحتى من طلاب النحو المتفرغين. فالجاحظ يقول في حيوانه: "قلت لأبي الحسن الأخفش: أنت أعلم الناس بالنحو، فلم لا تجعل كتبك مفهومة كلها؟ وما بالنا نفهم بعضها، ولا نفهم أكثرها؟ وما بالك تقدم بعض العويص، وتؤخر بعض المفهوم؟ قال: أنا رجل لم أضع كتبي هذه لله، وليست هي من كتب الدين. ولو وضعتها هذا الوضع الذي تدعوني إليه قلّت حاجاتهم إلي فيه. وإنما قد كسبت في هذا التدبير، إذ كنت إلى التكسب ذهبت"٢. ويروي عن دماذ صاحب أبي عبيدة
стр. 147
أنه قرأ من النحو إلى بابي الفاء والواو، فلما استمع إلى قول الخليل وأصحابه أن ما بعدهما ينتصب بأن مضمرة وجوبًا نبا فهمه عن ذلك وكتب إلى المازني يشكو إليه ما لقيه من عنت في أبيات ختمها بقوله:
لقد كدت يا بكر من طول ما ... أفكر في بابه أن أجن١
وأخذ رد الفعل الإيجابي لهذا الضجر شكلين منتجين:
أحدهما: الكتب الميسرة التي تلبي حاجة الطلاب والمتعلمين.
ونكتفي بضرب المثلين الآتيين:
أ- "مقدمة في النحو" تأليف خلف الأحمر البصري المتوفي سنة ١٨٠ هـ. وقد استهل المؤلف كتابه قائلًا: "لما رأيت النحويين وأصحاب العربية أجمعين قد استعملوا التطويل وكثيرة العلل، وأغفلوا ما يحتاج إليه المتعلم المتبلغ في النحو من المختصر ... والمأخذ الذي يخف على المبتدئ حفظه ويحيط به فهمه، فأمعنت النطر والفكر في كتاب أؤلفه، وأجمع فيه الأصول والأدوات والعوامل على أصول المبتدئين ليستغنى به المتعلم عن التطويل، فعملت هذه الأوراق، ولم أدع فيها أصلًا. ولاأداة، ولا حجة، ولا دلالة إلا أمليتها فيها. فمن قرأها وحفظها وناظر عليها علم أصول النحو كله".
ومن عناوين هذا الكتاب وأبحاثه:
- باب الحروف التي ترفع كل اسم بعدها.
وهي: إنما وكأنما وهل وبل وهو وأين ...
- باب الحروف التي تنصب كل شيء أتى بعدها.
وهي رأيت وظننت وحسبت ووجدت ...
стр. 148
- باب الحروف التي تخفض ما بعدها من اسم وأخبارها مرفوعة، ويقال لها: حروف الصفات وهي:
من وإلى وعن وعلى وتحت ودون ووراء ... وكل وبعض وغير ... وأطيب وأكتب وأفرس وأشجع ... ١.
ب- "التفاحة في النحو" لأبي جعفر النحاس المتوفي سنة ٣٣٨ هـ٢ والكتاب يتناول موضوعات النحو وحدها "ولا يتناول أي موضوعات صرفية"، ويحتوي على واحد وثلاثين فصلًا منها: باب أقسام العربية - باب الإعراب - باب رفع الاثنين- باب أقسام الفعل- باب الفاعل والمفعول به - باب الابتداء - باب حروف الخفض- باب الحروف التي تنصب الأسماء وترفع الأخبار - باب الحروف التي ترفع الأسماء وتنصب الأخبار- باب الحروف التي تنصب الأفعال المستقبلة.
والكتاب صغير الحجم جدًّا إذ يقع في ثماني ورقات من مخطوطة المكتبة المتوكلية بصنعاء، ولكنه مفيد جدًّا لأنه يحوي جميع مبادئ النحو وقواعده الرئيسية.
وقد ساعده على الاختصار طرحه الخلافات النحوية، واعتماده على اللغة الأدبية المشتركة وترك الخلافات اللهجية، وحذفه الشواهد وأسماء النحاة، واستبعاده المناقشات المنطقية والفلسفية.
وقد خلا الكتاب -إلى جانب ذلك- من الأبواب غير العملية مثل باب الاشتغال، وباب التنازع، بل تجاهل صيغة "أفعل به" في التعجب وذلك لعدم اشتهارها.
وقد اتبع المؤلف المنهج الوصفي في تقعيد القواعد، ومن أجل ذلك عد في باب حروف الخفض كثيرا من الكلمات التي يعتبرها النحو التقليدي
стр. 149
ظروفها، مثل أسفل وخلف وقدام ووراء وفوق وتحت ووسط وبين. والسر في ذلك أنه نظر إلى وظيفة الكلمات في الجملة فوجدها لا تختلف في "على" عنها في "فوق" مثلًا. فلماذا لا يجعلها كلها في فصل واحد؟ وأي فرق -في الحقيقة- بين قولنا: الكوب على المائدة، والكوب فوق المائدة حتى نعد الأول من قبيل حرف الجر والمجرور، والثاني من قبيل الظرف والمضاف إليه؟.
وواضح من عنوان الكتاب، ومن طريقته في تناول المسائل أنه وضع ككتاب مدرسي يلبي حاجة طلاب العربية ودارسي النحو المتعجلين. ولذلك فللكتاب قيمة كبيرة من الناحية التعليمية.
والآخر: تقديم المقترحات لإصلاح النحو أو تيسيره، ونقد النحو ومناهج النحاة. ومن أقدم من تصدى لذلك:
١- أبو العباس أحمد بن محمد بن ولاد المصري "القرن الرابع".
٢- أبو العلاء المعري الشاعر المعروف "القرن الخامس".
٣ ابن حزم الأندلسي "القرن الخامس".
٤- ابن مضاء الأندلسي "القرن السادس"
أما ابن ولاد فهوأقدم الأربعة، وقد نادى بالمبادئ الآتية:
أ- لا يصح الطعن على العربي أو رميه باللحن أو الخطأ أو تقديم القياس النظري على المادة اللغوية المسموعة. وفي هذا يقول ردًّا على المبرد: "إن كانت التخطئة لمن قال ذلك من العرب، فهذا رجل يجعل كلامه في النحو أصلًا، وكلام العرب فرعًا، فاستجاز أن يخطئها إن تكلمت بفرع يخالف أصله"، ويقول: "الذي للغوي أن يفعله أن يمثل ويعتل لما جاء عن العرب؛ فأما أن يرده فليس ذلك له".
стр. 150
"ب" أنه يجبه الوقوف عند المادة اللغوية المسموعة، ولا يجوز تصحيح ما لم يرد عن العرب بمقتضى القياس النظري فهناك من الأساليب والكلمات ما يصح في القياس ولكنه لم يسمع، فيجب أن نقف عند ما قالته العرب ولا نغيره.
يقول ابن ولاد: "لا ينظر إلى القياس فقط دون ما تتكلم به العرب. فإن العرب يمتنعون من التكلم بالشيء وإن كان القياس يوجبه، ويتكلمون بالشيء وإن كان القياس يمنعه".
ويقول: "سبيل النحويين اتباع كلام العرب إذ كانوا يقصدون إلى التكلم بلغتهم. فأما أن يعملوا قياسًا -وإن حسن- يؤدي إلى غير لغتها فليس ذلك لهم، وهو غير ما بنوا عليه صناعتهم".
"جـ" كذلك هاجم ابن ولاد التأويل والتقدير في النحو، وادعاء الحذف والإضمار، وقد سبق أن مثلنا لذلك بإعراب قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ ١.
وأما أبو العلاء المعري فتتمثل دعوته إلى الإصلاح في ثورته العارمة على مبدأ التأويل والتقدير. ولم يكن هناك ما يغيظه أكثر مما كان يقرؤه ويسمعه من تأويلات النحاة، وتكلفاتهم، وتخريجهم بعض الأبيات على غير حقيقتها للاستشهاد بها على آرائهم الخاصة. وكثير من نقده ينصب على هذا الجانب من نحو النحاة.. وقد سدد المعري معظم سهامه إلى نحاة البصرة الذين أكثروا من التأويل والتقدير، وتعسفوا غاية التعسف في تخريج كثير من الشواهد لتستقيم من أصول مذهبهم.
وقد امتلأت مؤلفات المعري بأمثله لذلك ولكننا سنكتفي بعرض نماذج منها:
"أ" يمنع سيبويه وكثير من النحويين أن يلي كان معمول الخبر، وهم يؤولون ما ورد كذلك ويقدرون ما يستغنى الكلام عنه، كما قالوه في قول الشاعر:
стр. 151
قنافذ دراجون حول خبائهم ... بما كان إياهم عطية عودا
فيقدرون ضمير الشأن في "كان" محله الرفع على أنه أسمها. ويعربون "عطية" مبتدأ، وجملة "عود" خبره، و"إياهم" منصوبة بـ"عود" وجملة المبتدأ وخبره خبر "كان". أو يعربون "ما" موصولة واسم "كان" ضميرًا مستقرًّا يرجع إلى "ما" و"عطية"، مبتدأ "وعود" خبره "وإياهم" مفعولًا مقدمًا والعائد محذوف ... إلى آخر ما قالوه في توجيه البيت.
ولكن المعري بذوقه العربي يرفض هذه الأعاريب قائلًا: والأشبه بمذاهب العرب أن يكون عطية مرفوعًا بـ "كان" "وإياهم" منصوبًا بـ "عود"١.
ب- وأبدع خيال المعري مشهدًا لطيفًا، وقف فيه أبا علي الفارسي في الجنة موقف المتهم: "وكنت رأيت في المحضر شيخًا لنا كان يدرس النحو في الدار العاجلة يعرف بأبي على الفارسي، وقد امترس به قوم يطالبونه ويقولون: تأولت علينا وظلمتنا. ومنهم يزيد بن الحكم الكلابي وهو يقول: ويحك! أنشدت عني هذا البيت برفع الماء، يعني قوله:
فليت كفافًا كان شرك كله ... وخيرك عني ما ارتوى الماء مرتوي
ولم أقل إلا الماء بالنصب. وكذلك زعمت ... وإذا رجل آخر يقول: ادعيت علي أن الهاء راجعة إلى الدرس في قولي:
هذا سراقة للقرآن يدرسه ... والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب
أفمجنون أنا حتى أعتقد ذلك ... "٢.
وأما ابن حزم الأندلسي فقد هاجم علل النحو ورأى أنها "كلها فاسدة لا يرجع منها شيء إلى الحقيقة ألبتة. وإنما الحق من ذلك أن
стр. 152
هذا سمع من أهل اللغة الذين يرجع إليهم في ضبطها، وما عدا هذا فهو -مع أنه تحكم فاسد متناقض- فهو أيضًا كذب؛ لأن قولهم: كان الأصل كذا فاستثقل فنقل إلى كذا ... شيء يعلم كل ذي حسن أنه كذب لم يكن قط، ولا كانت العرب عليه مدة ثم انتقلت إلى ما سمع منها بعد ذلك"١.
كما كان من رأيه أن التعمق في بحث مسائل النحو إفساد وأنه يجزئ في النحو كتاب "الواضح" للزبيدي أو "الموجز" لابن السراج. أما "التعمق في علم النحو ففضول لا منفعة بها. بل هي مشغلة عن الأوكد ومقطعة دون الأوجب والأهم، وإنما هي "تكاذيب"٢.
وأما ابن مضاء القرطبي فقد ألف كتابًا في شرح آرائه الهجومية أسماه "الرد على النحاة"، وقد قام الأستاذ الدكتور شوقي ضيف بتحقيقه وكتابة مقدمة وافية له يجب الرجوع إليها لمن يريد أن يعرف منهج ابن مضاء في نقد النحو والنحاة.
وكانت غاية ابن مضاء أن يحذف من النحو ما يستغني النحوي عنه، وأن ينبه على ما اجتمعوا على الخطأ فيه. وتتحقق هذه الغاية في رأيه بإلغاء نظرية العامل، وإلغاء العلل الثواني والثوالث، وإبطال القياس، وترك المسائل النظرية، وإسقاط كل ما لا يفيد في النطق٣.
قيمة الدراسات النحوية عند العرب:
على الرغم مما شاب النحو العربي من شوائب، وما وجه إليه من نقد، فلا أحد يستطيع أن ينكر قيمة النحو العربي، ومقدرة النحاة الفائقة التي تصل أحيانًا إلى حد الإعجاز، يقول الأستاذ عباس حسن. "أينا لا تنهره تلك العناية المعجزة التي بذلها الأولون في جمع أصول
стр. 153
اللغة، ولَمّ شتاتها واستنباط أحكامها العامة والفرعية وحياطتها بسياج من اليقظة الواعية والحيطة الوافية"١. بل إن ابن مضاء -برغم عدائه الشديد للنحاة- يقول: "وإني رأيت النحويين ... قد وضعوا صناعة النحو لحفظ كلام العرب من اللحن ... فبلغوا من ذلك الغاية التي أموا"٢.
وهذا ما دعا أحد المستشرقين إلى قوله: "إن علم النحو أثر من آثار العقل العربي، لما فيه من دقة في الملاحظة ونشاط في جمع ما تفرق. وهو لهذا يحمل المتأمل فيه على تقديره، ويحق للعرب أن يفخروا به"٣. وحمل يوهان فك على أن يقول: "ولقد تكفلت القواعد التي وضعها النحاة العرب -في جهد لا يعرف الكلل، وتضحية جديرة بالإعجاب- بعرض اللغة الفصحى وتصويرها في جميع مظاهرها ...
حتى بلغت كتب القواعد الأساسية عندهم مستوى من الكمال لا يسمح بزيادة لمستزيد"٤ ويقول فيشر في مقدمة معجمة: "إذا استثنينا الصين لا يوجد شعب آخر يحق له الفخار بوفرة كتب علوم لغته، وبشعوره المبكر بحاجته إلى تضيق مفرداتها حسب أصول وقواعد غير العرب"٥.
стр. 154
الفصل الرابع: المعجم
١- مقدمات للموضوع:
صعوبة العمل المعجمي:
يعد العمل المعجمي من أصعب مجالات النشاط لعلم اللغة. فهو أولًا يتطلب مواصفات خاصة في صانعه يندر توافرها الآن، وهو ثانيًا يتطلب دقة وصبرًا متناهيين ولذا يقول Gleason: "إن عمل المعاجم عمل مضجر إلى أقصى حد. إنه الدقة ... إنه عبء عظيم لا يمكن تصديقه".
وإلى جانب هذا وذاك؛ فإن العمل المعجي يستلزم معرفة كل شيء عن اللغة المعنية، والخصائص الملائمة لوحداتها المعجمية، والنظام العام للغة، كما يستلزم تكوين صورة واضحة عن مستعمل المعجم وهدفه وتفكيره.
وبالإضافة إلى هذه الصعوبات فهناك صعوبتان أخريان هما:
١- أن المعجمي يعالج ظاهرة مفتوحة لا تستقر على حال. ولذا فإن أي محاولة لحصر كلمات أي لغة حية تعد مطلبًا عزيز المنال إن لم يكن مستحيلًا، ويظل المعجمي في حالة تساؤل دائم عن مدى تحقيق معجمه للشمول ومقدار قربه أو بعده من الجمع الكامل لمادة اللغة.
٢- أن المعنى هو المحل الأول لاهتمام المعجمي، وهو يمثل صعوبة في حد ذاته بل عده بعضهم واحدًا من أصعب حقول الدراسة١.
стр. 155
تعريف المعجم:
عرّف اللغويون المعجم بأنه "كتاب يضم بين دفتيه مفردات لغة ما ومعانيها واستعمالاتها في التراكيب المختلفة، وكيفية نطقها، وكتابتها، مع ترتيب هذه المفردات بصورة من صور الترتيب التي غالبًا ما تكون الترتيب الهجائي". وعرفه المعجم الوسيط بأنه "ديوان لمفردات اللغة مرتب على حروف المعجم".
المعجم اللغوي والموسوعة:
يتمثل الفرق بين المعجم اللغوي والموسوعة في اختلافات ثلاثة:
أولها: أن الموسوعة معجم ضخم يشغل مجلدات كثيرة في حين أن المعجم اللغوي يتفاوت حجمه تبعًا للغاية المنشودة ولنوعية مستعمله.
وثانيها: أن المعجم اللغوي لا يهتم كثيرًا بالمواد غير اللغوية، وإذا ذكرها فبصورة مختصرة جدًّا لأنه يترك تفصيلاتها للموسوعات. ومن أمثلة المواد غير اللغوية التي لا يهتم بها المعجم أسماء الأعلام، والأسماء الجغرافية مثل الأقطار والمدن والأنهاروالجبال والبحار والمحيطات.. والأحداث والعصور التاريخية، والتنظيمات الحكومية وغير الحكومية، والمؤسسات العلمية وغيرها.
وثالث الاختلافات: أن المعجم اللغوي يهتم بالوحدات المعجمية للغة وبالمعلومات اللغوية الخاصة بها في حين أن الموسوعة إلى جانب اهتمامها بالمعاني الأساسية للوحدات المعجمية تعطي معلومات عن العالم الخارجي غير اللغوي، فالمعجم اللغوي يشرح الكلمات، أما الموسوعة فنشرح الأشياء.
ولو أخذنا كلمة Bridge أو جسر على سبيل المثال ونظرنا إليها في عملين معجميين أحدهما لغوي ويمثله معجم أكفسورد الإنجليزي، والآخر موسوعي ويمثله دائرة المعارف البريطانية لتبين. الفرق بين العملين في علاج المادة.
стр. 156
فمعجم أكسفود يذكر معناه وهو: طريق مرتفع فوق نهر أو واد.. إلخ أو ممر يصل نقطتين مرتفعتين عن سطح الأرض. كما يتحدث عن اختلافات أشكال الجسور ومواد بنائها، ويقتبس بعض الأمثلة من عصور مختلفة. في حين أن دائرة المعارف البريطانية بعد أن عرفت الجسر أردفت التعريف بمعلومات تتناول أشكال الجسور وتعدد نماذجها "جسور ثابتة - جسور متحركة ... إلخ" كما تتناول إنشاء الجسور من ناحية تاريخية، وتذكر أسماء الجسور المشهورة بنماذجها، ومواد بناء الجسور، وتصميم الجسور، بالإضافة إلى بعض الجداول والرسوم.
ولكن لأن الكلمات لا تظهر معانيها إلا بالنظر إلى الأشياء التي تدل عليها؛ فإنه من غير الممكن تأليف معجم دون الإشارة إلى الأشياء الخارجية، ودون ربط الكلمات بالموجودات التي تدل عليها.
أنواع المعاجم:
عادة ما تطلق كلمة "معجم" على المعاجم الشاملة أحادية اللغة، أي التي تتطابق فيها لغة المدخل مع لغة الشرح.
ولكن الكلمة قد تطلق كذلك على ما يسمى بالمعاجم الخاصة ذات المجال المحدود فيقال: معجم مصلحات - معجم مترادفات - معجم ألفاظ القرآن الكريم.. إلخ كما تطلق علي المعاجم ثنائية "أو متعددة" اللغة، وهي المعاجم التي تختلف فيها لغة الشرح عن لغة المدخل، وتهتم بتقديم المعلومات عن اللغة المشروحة أكثر مما تهتم باللغة الشارحة ...
معنى كلمة معجم واشتقاقها:
تفيد مادة "عجم" في اللغة معنى الإبهام والغموض، ففي اللسان: "الأعجم الذي لا يفصح ولا يبين كلامه"، وفيه "ورجل أعجمى وأعجم إذا كان في لسانه عجمة"، وفيه "سميت البهيمة عجماء لأنها
стр. 157
لا تتكلم". وسمى العرب بلاد فارس بلاد العجم؛ لأن لغتها لم تكن واضحة ولا مفهومة عندهم.
فإذا أدخلنا الهمزة على الفعل "عجم" ليصير "أعجم" اكتسب الفعل معنى جديدًا من معنى الهمزة "أو الصيغة" الذي يفيد هنا السلب والنفي والإزالة. ففي اللغة أشكيت فلانًا: أزلت شكايته، وفيها: أقذيت عين الصبي: أزلت ما بها من قذى. ومثلهما "قسط" و"أقسط" حيث تفيد الأولى "ظلم" والثانية "عدل" "أو أزال الظلم". ولهذا ذم الله القاسطين: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ ومدح المقسطين: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين﴾ .
وعلى هذا يصير معنى أعجم: "أزال العجمة أو الغموض أو الإبهام. ومن هنا أطلق على نقط الحروف لفظ "الإعجام" لأنه يزيل ما يكتنفها من غموض. فمثلًا حرف "ب" يحتمل أن يقرأ ب أو ت أو ث.. فإذا وضعنا النقط أي: أعجمناه زال هذا الاحتمال وارتفع الغموض.
ومن هنا أيضًا جاء لفظ "المعجم" بمعنى الكتاب الذي يجمع كلمات لغة ما ويشرحها ويوضح معناها ويرتبها بشكل معين. ويكون تسمية هذا النوع من الكتب معجمًا إما لأنه مرتب على حروف المعجم "الحروف الهجائية" وإما لأنه قد أزيل أي إبهام أو غموض منه، فهو معجم بمعنى مزال ما فيه من غموض وإبهام.
وقد فهم من هذا أن لفظ "معجم" يُعد اسم مفعول من الفعل "أعجم" ويحتمل من ناحية أخرى أن يكون مصدرًا ميميًّا من نفس الفعل، ويكون معناه الإعجام أو إزالة العجمة والغموض.
جمعها:
تجمع كلمة "معجم" جمع مؤنث سالمًا على معجمات" وهذا محل اتفاق بين جميع اللغويين.
стр. 158
وهناك جمع آخر لهذا اللفظ وهو "معاجم" الذي يُعد جمع تكسير. وقد اختلف في صحة هذا الجمع، فالمتشددون يمنعونه قائلين: إن سيبويه قد نص على أنه لا يصح أن يجمع جمع تكسير كل ما بُدئ بميم زائدة من أسماء الفاعلين والمفعولين. وغير المتشددين يسمحون به بناء على وجود ألفاظ كثيرة من هذا القبيل جمعت جمع تكسير مثل محرم ومحارم، ومُرْسَل ومراسل، ومُجْسَد، ومجاسد، ومسند، ومساند، ومُصْعَب ومصاعب، ومهرع ومهارع١ وقد اتخذ مجمع اللغة العربية بالقاهرة مؤخرًا قرارًا بصحة هذا الجمع.
شروط المعجم:
هناك شرطان لا بد من توافرهما في أي كتاب يجمع مفردات اللغة ويشرحها. هذان الشرطان هما:
أ- الشمول.
ب- الترتيب.
ويعد الشمول أمرًا نسبيًّا تتفاوت المعاجم في تحقيقه. أما الترتيب فلا بد من توفيره، وإلا فقد المعجم قيمته. وقد كان تعدد طرق الترتيب المعجمي عند العرب، وتفاوت هذه الطرق صعوبة وسهولة سببًا في موت معاجم وحياة أخرى، وخمول بعضها وشيوع أخرى.
وظيفة المعجم:
هناك مجموعة من الوظائف يجب أن يؤديها المعجم وهي:
أ- شرح الكلمة وبيان معناها أو معانيها، إما في العصر الحديث فقط أو مع تتبع معناها أو معانيها عبر العصور.
стр. 159
ب- بيان كيفية نطق الكلمة.
جـ- بيان كيفية كتابة الكلمة.
د- تحديد الوظيفة الصرفية للكلمة.
هـ- بيان درجة اللفظ في الاستعمال، ومستواه في سلم التنوعات اللهجية.
و تحديد مكان النبر في الكلمة. والنبر باختصار هو إعطاء بروز معين لأحد مقاطع الكلمة دون المقاطع الأخرى. ولما كان النبر في اللغة العربية الفصحى لا يؤدي انتقاله من مقطع إلى مقطع إلى تغيير المعنى، فإننا نجد المعجميين العرب يهملون بيان موقع النبر في الكلمة، وإن كنا نرى أن بيان موضعه ضروري لمن يريد تحقيق النطق العربي الفصيح، كما أنه ضروري بالنسبة لمن يريد أن يتعلم كيفية النطق الحديث للهجات العربية.
أما المعاجم الأجنبية، وبخاصة مع اللغات التي يختلف فيها معنى الكلمة تبعًا لموقع النبر، فقد اهتمت ببيان موضع النبر عن طريقة علامة تضعها فوق المقطع المنبور. ومثال ذلك كلمة Import الإنجليزية فإذا وضعنا النبر على المقطع الأول كانت اسمًا، وإذا وضعناه على المقطع الثاني كانت فعلًا ومثلها كلمات: Presen, subject وغيرها١.
وبالنسبة للهجات العربية المعاصرة فإنه لا بد لأي معجم لها أن يحدد موضع النبر في الكلمة لأنه يختلف من منطقة إلى منطقة. فمثلًا كلمة "كتب" تنطق في القاهرة بنبر الأول وفي منطقة الصعيد بنبر الثاني، وكلمة "مطر" تنطق في مصر بنبر الأول وفي ليبيا بسكون الميم وتشديد الراء ... وهكذا.
стр. 160
الخطوات الإجرائية لإعداد المعجم:
أصبح للمعجم الحديث مواصفات عالمية يجب توافرها في كل معجم، كما استقرت منهجيته في جملة من الإجراءات التي أهمها:
أولًا: التقديم بين يدي المعجم بمقدمة تحدد منهجه، وطريقة ترتيبه، ووسائل ضبط الهجاء والنطق فيه، وكيفية تصنيفه المعاني والدلالات، ووسائل التعريف المتبعة، وشرح الرموز والعلامات والاختصارات المستعملة في المعجم. كما تشمل المقدمة عرضًا سريعًا لتاريخ اللغة وأنظمتها الصوتية والصرفية والدلالية ...
ثانيا: السير في تأليف المعجم على الخطوات الآتية:
أ- جمع المادة، ويتم عن طريق الاستخلاص من النصوص التي تقع في دائرة اهتمام المعجمي مع وضع كل مفرد في بطاقة. ولا يهم أن تكون المادة مكتوبة أو شفوية. ولكن ينبغي الحذر في تسجيل المادة الصحفية لأنها كثيرًا ما تسعمل تعبيرات متكررة في مناسبات خاصة، كما تستخدم مفردات إبداعية سريعة، ويندر أن تلتزم بمستوى لغوي معين.
ولكن مسح النصوص الصحفية هام لأنها في أخبارها ومقالاتها الافتتاحية تحتوي على أحدث مادة معاصرة بالنسبة للموضوعات التي تعالجها.
والنص الذي يجب اقتباسه في كل بطاقة لا بد أن يشتمل على جزء السياق اللغوي الذي يسمح باستنتاج المعنى الأساسي للكلمة، وبعض من ملامحها الدلالية، وخصائصها النحوية، إنه يجب أن يكون مختصرًا، ولكنه يجب كذلك أن يكون واضحًا.
وقد يُستعان في جمع المادة بوسيلتين أخريين أولاهما ما يمكن أن يسمى بالدليل اللغوي Informant الذي يلجأ إليه في تمثيل اللغة كما ينطقها ويستعملها أبناؤها. وفي تكملة بعض الثغرات التي لم يملأها.
стр. 161
الجمع اللغوي. والأخرى استشارة المعاجم الأخرى في اللغة موضوع الدراسة. بل قد يحدث أحيانًا أن يكون أحد المعاجم هو الأساس لعمل المعجم الجديد.
ب- الخطوة الثانية من عمل المعجمي اختيار المداخل أي الوحدات المعجمية التي سيتضمنها المعجم.
ويؤثر في هذا الاختيار جملة من العوامل منها ما سبق اتخاذه من قرارات عن نموذج المعجم والهدف من تأليفه. ومنها حجم المعجم المقترح، فمعجم كبير أو متوسط لا يصح أن يهمل ذكر التنوعات العامية للغة. ومعجم كبير أو متوسط يجب أن يهتم بمصطلحات العلوم والفنون وأن يذكر منها ما يشيع في اللغة العامة. ومعجم كبير أو متوسط لا بد أن يعطي إشارات لأسماء الأماكن ذات الأهمية الخاصة، وأعلام الأشخاص إذا اشتهرت، أو حملت معنى عامًّا، أو كان لاشتقاقها أهمية خاصة.
وأهم من هذا يأتي السؤال: ماذا يأخذ المعجمي من المادة وماذا يترك حتى بعد أن يحدد نموذج المعجم وهدفه وحجمه؟ فليس هناك عدد معين من المواد يمكن تحديده مسبقًا بالنسبة لأحجاج المعاجم الثلاثة: الصغير والمتوسط والكبير. وإن كان هناك أعداد تقريبية تطرح لكل نوع. فالصغير يبدأ من ١٢٠ ألف كلمة إلى ١٥٠ ألف كلمة، والمتوسط من نصف مليون كلمة إلى مليون "وقد احتوى المعجم الوسيط على مليون كلمة أو ثلاثين ألف مادة" والكبير في حدود ثلاثة ملايين كلمة.
وقد يلجأ المعجمي في اختيار مداخله إلى نسب تردد الكلمات حين يتيسر له ذلك "كثير من اللغات يخلو من هذه النسب" وإن كان بعضهم يشكك في قيمة هذا العامل، ويرى عدم الاعتماد على الإحصاء في اختيار كلمات المداخل لأنه لا يوجد عد دقيق تحت أيدينا حتى الآن، ولأن أي
стр. 162
عد يعتمد على العينات لا على مسح المادة اللغوية، ولأن أي عد لم يتضمن حتى الآن تجمعات الكلمات.
جـ- أما الخطوة الثالثة من عمل المعجمي فهي تأليف المداخل أو معالجة المادة من نواحيها المختلفة كالمعنى، والنطق، والهجاء، والاشتقاق، ودرجة الاستعمال.
ويقع المعنى في بؤرة اهتمام المعجمي ومع ذلك فهو يمثل أكبر صعوبة تواجهه لصعوبة تحديده أولًا، ولاعتماد دقة تفسيره على جملة من القضايا الدلالية التي تتعلق بمناهج دراسة المعنى، وشروط التعريف، والتغير الدلالي، وتخصيص المعنى أو تعميمه، والمعاني المركزية والهامشية والإيحائية، وصعود المعنى أو هبوطه، والتلطف في المخاطبة أو البدائل الدلالية المهذبة، والاتساع المجازي، والترادف، والاشتراك اللفظي، وتعدد تطبيقات الاستعمال، وغيرها.
ويلجأ المعجمي إلى طرق مختلفة لعرض المعنى أو تفسيره، فقد يلجأ إلى المرادف كأن يقول: الجود: الكرم، السبات: النوم. وقد يلجأ إلى ذكر المضاد كأن يفسر العدل بأنه ضد الظلم، أو الجهل بأنه ضد العلم، وقد يلجأ إلى الشرح في جملة أو عبارة.
وهناك شروط حددها العلماء للتعريف الجيد الذي يعطي خصائص واضحة وشرحًا محددًا لمعنى الكلمة أو معانيها كأن يخلو الشرح من أي كلمة تعتمد على جذرها حتى لا يخرج القارئ من قراءة التعريف صفر اليدين.
وقد فسر معجم إنجليزي كلمة Negro بقوله: of the Negro race وقد كان يقبل هذا التعريف لو أن المعجم خصص مدخلًا لـ Negro race ولكنه لم يفعل ذلك مع الأسف. وكان المطلوب في مثل هذه الحالة إعطاء خصائص هذا الجنس كالسواد، والمواطنية الأصلية في إفريقيا، والشفة الغليظة، والشعر المجعد ... إلخ.
стр. 163
كما يشترط في التعريف أن يكون محددًا فلا يقال مثلًا عن "القَدَم" أو "المتر" إنه وحدة لقياس الطول، بل لا بد من تحديد قياسه لتحديد الفرق بينه وبين غيره من مقاييس الطول. وقد يلجأ المعجمي إلى وسيلتين أخريين إضافيتين لتحديد المعنى كالاستعانة بالصور أو الرسوم، أو الاستعانة بما يسمى "بالتعريف الظاهري" "أو التمثيل الواقعي" الذي يعطي مثالًا أو أكثر من العالم الخارجي. فبدلًا من الاكتفاء في تفسير "البياض" بأنه لون "الأبيض" كما تفعل كثير من المعاجم يتبع ذلك بقوله:"وهو لون الثلج النقي، أو ملح المائدة المكرر."
ولا يستغني توضيح المعنى عن شيئين آخرين هما التمثيل بجمل مفيدة قصيرة ووضع الكلمة في سياقاتها المتعددة التي تقع فيها مثل الفعل "أدرك" الذي يستعمل في سياقات متعددة ويختلف معناه تبعًا لذلك فيقال: أدرك القطار: إذا لحقه، وأدرك حاجته: إذا حققها وحصل عليها، وأدرك الصبي. إذا راهق وبلغ حد البلوغ.
ويمكن للتمثيل الجيد أن يوظف لخدمة المعنى فيقوم بتوضيح ظلال المعاني، ويمكنللتمثيل الجيد أن يوظف لخدمة المعنى فيقوم بتوضيح ظلال المعاني، والمجالات التي ترد فيها الكلمة، والصفات المصاحبة، ونوع المفعول من الفعل. والمصاحبات الظرفية.. إلخ. فإذا نحن عرفنا "الجميل" بأنه ما يعطي بهجة أو رضًا للعقل أو الحس فلا شك أن التمثيل سيزيد المعنى وضوحًا كأن نقول: وجه جميل - زهرة جميلة - صوت جميل - طقس جميل - موسيقا جميلة ... إلخ.
ولا يكتفي المعجمي بشرح المفردات بل لا بد كذلك أن يشرح التعبيرات وبخاصة إذا لم يكن من الممكن فهمها من أجزائها المكونة. مثل: الكتاب الأسود، الراية البيضاء، ركوب الرأس، طول اليد.
كما لا بد أن يعالج الكلمات ذات الوحدات المتعددة "المركبة" مثل: الماء الثقيل - السوق السوداء - الهواء المطلق - بيضة الديك - بقرة بني إسرائيل - قميص عثمان - كبد السماء ... إلخ. ومن الممكن
стр. 164
في مثل هذه الوحدات أن توضع تحت الكلمة الأولى منها، أو تحت أسبق الكلمتين في ترتيب المعجم، أو تحت الكلمتين مع الربط بين الموقعين، أو تحت أبرز الكلمتين.
وهناك قضية أخرى هامة بالنسبة للمعنى ما تزال موضع جدل بين المعجمين، وهي معيار الحكم على كلمة بأنها ذات معنى واحد أو عدة معان. وإذا كانت ذات عدة معان أهي من باب المجاز أم من باب المشترك اللفظي؟
ويترتب على اعتبار الكلمة ذات معنى واحد وضعها في مدخل واحد حتى لو تعددت تطبيقاتها في الاستعمال، أو حملت بعض المعاني المجازية. ويكتفى في هذه الحالة بترتيب المعاني داخليًّا بصورة من صور الترتيب المتفق عليها. أما إذا اعتبرت ذات معان متعددة فسيفرد لكل معنى مدخل، وتتعدد المداخل بتعدد المعاني.
الفعل "شحذ" مثلًا يأتي لمعنيين:
شحذ السكين: إذا أحده.
وشحذ الفقير الناس: سألهم.
فهل يمكن رد المعنيين إلى معنى واحد هو "الإلحاح" و"التكرار" فيكون المدخل واحدًا؟ أو أن التماس هذا المعنى الواحد لا يتم إلا بتكلف وتمحل ولا يفطن إليه مستعمل اللغة العادي؛ فيكون للفظ معنيان مختلفان فينظر إليه على أنهما لفظان مختلفان يستحق كل منهما مدخلًا مستقلًّا؟
ومثل هذا يمكن أن يطرح بالنسبة لكمات مثل:
"حميم": في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ مع قوله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾ . فالأولى بمعنى: صديق قريب والثانية بمعنى: حار مغلي.
стр. 165
"قبيلة": فقد ذكر القاموس المحيط أنها واحدة قبائل الرأس للقطع المشعوب بعضها إلى بعض وأن منه قبائل العرب وهم بنو أب واحد، وعلّق صاحب التاج قائلًا: ظاهره أنه مجاز وصرح بعضهم بخلافه فادعى الاشتراك.
وحين ينتهي المعجمي من مشكلة المعنى تظل أمامه مشكلات أخرى أقل أهمية مثل اختيار النطق الصحيح والنص عليه "ويتم ذلك في اللغة العربية بوسيلة من ثلاث: "إما ضبط الكلمة بالشكل، وإما النص على ضبطها بالكلمات، وإما ذكر وزنها أو مثالها" ومثل تبيين رسم الكلمة وطريقة هجائها وبخاصة إذا كان يختلف نطقها عن رسمها" ويتعين ذلك بالنسبة للغة العربية في أربعة أنواع من الكلمات: ما يزاد فيه حرف مثل مائة وأولو، وما ينقص فيه حرف مثل: هذا، وذلك، والسموات، والرحمن. وما ينتهي بألف مقصورة مثل الضحى والربا، وما يشتمل على همزة متوسطة أو متطرفة".
أما ذكر المعلومات الصرفية أو الاشتقاقية فيتوقف على حجم المعجم والغرض منه. فإذا كان المعجم موجهًا للمستعمل العادي فإنه يكفي فيه الإشارات السريعة إلى المعلومات الوظيفية أو العملية، والتغييرات التصرفية التي تلحق الكلمة عند الإسناد. أما التتبع التاريخي لاشتقاق الكلمة أو ذكر أصله مما يدخل تحت فرع "الأتيمولوجيا" فليس موضع اهتمام المعاجم الصغيرة أو المتوسطة.
ويظل بعد ذلك أن يبين المعجمي درجة اللفظ في الاستعمال ويحدد مستواه في سلم التنوعات اللهجية كأن يبين ما إذا كان اللفظ قديمًا أو حديثًا؟ دارجًا أو فصيحًا؟ من لغة الشعر أو النثر؟ عامًّا أو مقيدًا؟ مهجورًا أو مماتًا، نادرًا أو شائعًا؟ رسميًّا أو عاميًّا؟ محترمًا أو مبتذلًا؟ من لغة للكبار أو الصغار؟ وغير ذلك.
د- وأخيرًا لا يبقى على المعجمي إلا أن يرتب مداخله بطريقة من طرق الترتيب الهجائي أو الموضوعي التي سنعرض لها فيما بعد.
стр. 166
أول من استخدم لفظ معجم:
لم يكن اللغويون أول من استعمل هذا اللفظ في معناه الاصطلاحي، وإنما سبقهم إلى ذلك رجال الحديث النبوي١ فقد أطلقوا كلمة معجم على الكتاب المرتب هجائيًّا الذي يجمع أسماء الصحابة ورواة الحديث. ويقال: إن البخاري كان أول من أطلق لفظة معجم وصفًا لأحد كتبه المرتبة على حروف المعجم "ولد البخاري سنة ١٩٤ هـ وتوفي ٢٥٦ هـ" ووضع أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى "٢١٠ - ٣٠٧ هـ" "معجم الصحابة"، ووضع البغوي "توفي ٣١٧ هـ" "معجم الحديث" ... وهكذا.
ويلاحظ أن اللغويين القدماء لم يستعملوا لفظ "معجم" ولم يطلقوه على مجموعاتهم اللغوية، وإنما كانوا يختارون لكل منها اسمًا خاصًّا به. فهذا "العين" وذاك "الجمهرة" وآخر "الصحاح" ... وهكذا. أما إطلاقنا للفظ "المعجم" على هذه الكتبفإطلاق متأخر.
معجم وقاموس:
من استعمالات العصر الحديث إطلاق اسم "القاموس" على أي معجم سواء كان باللغة العربية أو بأي لغة أجنبية: أو مزدوج اللغة. ولفظ القاموس"في اللغة لا يعنيهذا ولا شيئًا قريبًا من هذا: فالقاموس هو قعر البحر، أو وسطه، أو معظمه، وقال أبو عبيد: القاموس أبعد موضع غورًا في البحر٢ ومرجع هذا المعنى الذي ألصق بلفظ "قاموس" أن عالمًا من علماء القرن الثامن، واسمه "الفيروزآبادي" ألف معجمًا سماه "القاموس المحيط" وهذا وصف للمعجم بأنه بحر واسع أو عميق. كما نسمي بعض كتبنا: الشامل، أو الكامل: أو الوافي.. أو نحو ذلك.
стр. 167
وقد حقق معجم الفيروزآبادي لنفسه شهرة وشيوعًا، وصار مرجعًا لكل باحث. وبمرور الوقت ومع كثرة تردد اسم هذا المعجم على ألسنة الباحثين ظن بعضهم أنه مرادف لكلمة معجم، فاستعمله بهذا المعنى. وشاع هذا الاستعمال، وصار يطلق لفظ القاموس على أي معجم. وظل هذا اللفظ محل خلاف بين العلماء، فمن مهاجم له، ومن مدافع عنه حتى أقر معجم اللغة العربية هذا الاستخدام وذكره ضمن معاني كلمة "قاموس" في معجمه المسمى بالمعجم الوسيط، واعتبر إطلاق لفظ "القاموس" على أي معجم من قبيل المجاز، أو التوسع في الاستخدام ١.
стр. 168
٢- الترتيب المعجمي عند العرب:
لا تعرف أمة من الأمم في تاريخها القديم أو الحديث قد تفننت في أشكال معاجمها، وفي طرق تبويبها وترتيبها كما فعل العرب. وقد تعددت طرق وضع المعجم العربي حتى كادت تستنفد كل الاحتمالات الممكنة. وقد كان العرب منطقيين حينما لاحظوا جانبي الكلمة، وهما اللفظ والمعنى، فرتبوا معاجمهم -إجمالًا- إما على اللفظ، وإما على المعنى، وبهذا وجد قسمان رئيسيان هما:
أ- معاجم الألفاظ:
ب- معاجم المعاني:
وقد كان مجال تنافسهم واضحًا بالنسبة للقسم الأول حيث وجدت في داخله طرق متعددة بخلاف القسم الثاني حيث لم يوجد فيه إلا طريقة واحدة. وما أظنهم كانوا سيكتفون بهذه الطريقة الواحدة لو أمكن -عقلًا- الاهتداء إلى طريقة أخرى. وبالنسبة لمعاجم الألفاظ كان هناك عدة أشكال لترتيب الأحرف الهجائية هي:
أ- الترتيب الصوتي الذي يراعي التشابه الصوتي للأحرف وتدرج المخارج.
ب- الترتيب الألفبائي الذي يراعي التشابه الكتابي للأحرف فيضع الثلاثيات متجاورة ثم الثنائيات وينتهي بالأحرف المفردة.
стр. 169
جـ- الترتيب الأبجدي وهو أقدم ترتيب عرفه العرب، وهو ترتيب فينيقي.
ولم يستخدم العرب في معاجمهم الترتيب الأبجدي، وإنما استعملوا الترتيب الصوتي والترتيب الألفبائي.
وقبل أن نتناول أنواع المعاجم العربية بصورة مفصلة نلخص مدارسها في الشكل التالي:
стр. 170
القسم الأول: "معاجم الألفاظ"
سنتناول معاجم هذا النوع على الترتيب التالي:
أ- مدرسة الترتيب الصوتي "أو المخرجي".
ب- مدرسة الترتيب الألفبائي.
وقد أخذت الأخيرة صورًا خمسة هي:
١- وضع الكلمة تحت أسبق حروفها الأصلية في الترتيب الألفبائي.
٢- وضع الكلمة تحت أول حروفها الأصلية.
٣ - وضع الكلمة تحت أول حروفها دون تجريد.
٤- وضع الكلمة تحت حرفها الأخير دون تجريد.
٥- وضع الكلمة تحت حرفها الأصلي الأخير "الباب والفصل".
جـ- مدرسة الترتيب بحسب الأبنية.
وإليكم تفصيل ذلك:
أ- مدرسة الترتيب المخرجي:
معجم العين للخليل:
رائد هذه المدرسة هو الخليل بن أحمد "١٠٠ - ١٧٥ هـ" الذي امتاز بعقلية رياضية، وبراعة في الموسيقى والنغم. وخبرة واسعة بأمور اللغة ومشكلاتها.
وقد صب الخليل كل خبراته هذه في معجمه الذي سماه "العين"، والذي يعد أول معجم من أي نوع عرفته اللغة العربية.
стр. 171
وأهم ما يميز هذا المعجم -عدا نظامه- أن مؤلفه لم يجمع مفرداته عن طريق استقراء ألفاظ اللغة، وتتبعها في مؤلفات السابقين، وجمعها من شفاه الرواة، وإنما جمعها بطريقة منطقية رياضية، حيث لاحظ أن الكلمة العربية قد تكون ثنائية وقد تكون ثلاثية، وقد تكون رباعية وقد تكون خماسية.
وفي كل حالة إذا أمكن تبديل حروف الكلمة إلى جميع احتمالاتها "بالانتقال من حرف هجائي إلى الذي يليه" وأمكن تقليب أماكن هذه الحروف إلى جميع أوجهها الممكنة يكون الحاصل معجمًا يضم جميع كلمات اللغة من الناحية النظرية. ولكن لا توجد لغة تستخدم جميع إمكانياتها النظرية، ولهذا كان لا بد للخليل بعدالإحصاء النظري أن يميز بين المستعمل من هذه الصور والمهمل١ وقد فعل ذلك، واستفاد في تمييز المستعمل من المهمل بثقافته اللغوية الخصبة، وبخبرته الصوتية الباهرة، ومعرفته بالتجمعات الصوتية المسموح بها وغير المسموح بها في اللغة العربية. وبذا حكم القوانين الصوتية إلى جانب تحكمة للمادة اللغوية المسجلة.
وإذا تصورنا كيفية حصر الخليل للمادة اللغوية في أبواب الثنائي والثلاثي الصحيح، فإننا نفترض أنه قام بصنيع يشبه الجداول الآتية٢ لجمع مواد اللغة "التوافيق" ثم قام بتقليب أصوات كل مادة ليحصل على الصور العقلية الممكنة "التباديل":
стр. 172
وقد أثيرت شكوك حول كتاب العين شملت المؤلف نفسه أهو الخليل أم غيره. كما شملت احتمال وجود تأثير أجنبي على معجم العين. وسنترك قضية التأثير الأجنبي لمكانها في الباب الثالث من هذا البحث.
ونتحدث الآهن عن مؤلف العين أهو الخليل أم غيره. ولن نتناول القضية بالتفصيل، فقد سبقنا إليها الدكتور عبد الله درويش الذي خصص بابًا بعنوان "الخلاف حول كتاب العين"١ في كتابه المعاجم العربية.
ولكننا سنكتفي بالعرض السريع المركز.
تتلخص الآراء في مؤلف العين فيما يأتي:
١- أن المؤلف هو الخليل.
٢- واضع الفكرة هو الخليل والمنفذ هو الليث.
٣- المؤلف هو الليث.
٤- واضع الفكرة، ومؤلف قسم منه هو الخليل. أما الذي أكمله فهو الليث.
أما من نفوا نسبة "العين" للخيل كليًّا أو جزئيًّا -وهذا يجمع الآراء الثلاثة الأخيرة- فقد بنوا رأيهم على ما يأتي:
١- اختفاء معجم العين منذ عصرالمؤلف حتى منتصف القرن الثالث الهجري. وحين ظهر على أيدي أحد الوراقين الخراسانيين أنكره أبو حاتم السجستاني "٢٥٥ هـ".
٢- وجود فجوة بين معجم "العين" وثاني معجم يظهر في اللغة العربية وهو معجم الجمهرة لابن دريد "٣٢١ هـ". مما يشكك في تأليف العين في القرن الثاني الهجري. فلا بد أن يكون مؤلفه لغويًّا متأخرًا.
стр. 173
٣- لم يذكر أحد من تلامذة الخليل أو معاصريه هذا المعجم ولم يحكه عنه، مما يدل على أنه ليس من مصنفات الخليل.
٤- تشكك كثير من العلماء في نسبته للخليل أو إنكارهم هذه النسبة. ومن هؤلاء الأزهري "٣٧٠ هـ" الذي قال في كتابه التهذيب: "كان الليث رجلًا صالحًا عمل كتاب العين ونسبه إلى الخليل لينفق كتابه باسمه ويرغب فيه". ومن هؤلاء أبو الطيب اللغوي "ت بعد سنة ٣٠٥" الذي يرى أن ترتيب الأبواب للخليل والحشو لغيره.
٥- استخدام العين لبعض المصطلحات الكوفية مع أن الخليل أستاذ مدرسة البصرة. ومن ذلك إدخاله الرباعي المضعف في باب الثلاثي المضعف.
٦- ما يوجد من خلاف في الترتيب الصوتي ومخارج الحروف بين ما جاء في العين وما جاء في كتاب سيبويه. فلو كان المؤلف هو الخليل لتطابق ما في الكتابين لأن سيبويه حامل علم الخليل.
٧- كثرة الأخطاء والمآخذ في العين.
٨- النقل عن علماء متأخرين أو معاصرين للخليل، والاستشهاد بالمرذول من شعر المحدثين.
٩- نسخ العين التي عثر عليها كلها حديثة.
١٠- لا إسناد لكتاب العين.
ويبدو أن منكري نسبة العين للخليل -لكي يجعلوا إنكارهم مقنعًا- قد نسجوا من خيالهم قصصًا شائقة، وإن لم تكن في جملتها مقنعة. فمن ذلك ما يحكيه ابن المعتز عن ذهاب الخليل إلى خراسان ونزوله عند الليث. وقد لاقى الخليل حفاوة وترحيبًا وإكرامًا بالغًا من الليث؛ فقام بإهدائه معجمه "العين". وأعجب الليث بالمعجم وانكب
стр. 174
عليه دراسة حتى كاد يحفظه عن ظهر قلب. وطاب لليث يومًا أن يشتري جارية حسناء، مما أحفظ قلب زوجته عليه، وهداها تفكيرها إلى الانتقام منه في أغلى شيء لديه فأحرقت نسخته من العين. ولم يتوان الليث عن التفكير في طريقة يحيي بها الكتاب من جديد، فأخذ يكتب مرة أخرى ما كان يحفظه من الكتاب حتى أتم نصفه تقريبًا. ثم جمع بعضًا من اللغويين المعاصرين فعاونوه على إتمام الكتاب.
وقد أفضى الأستاذ الدكتور عبد الله درويش في مناقشة هذه الأدلة وأبطلها جميعها بما ملخصه، مع بعض إضافات لي أو لغيري:
١- يبدو أن عزلة الخليل، وانصرافه عن أن يدون كتبه بنفسه قد ساعد هو وغيره على أن يختفي كتاب العين بعضًا من الوقت فلم يظهر هذا الكتاب إلا بأخرة على يد وراق من خراسان، وربما كان مصير "العين" مثل مصير "الجيم" لأبي عمرو الشيباني، إذ يرون أن أبا عمرو بعد أن أتم تأليفه ضن به على الناس، ولهذا لم تكثر نسخه، ولم يشتهر أمره بين المتأخرين من العلماء١.
٢- أن هناك بعض معاجم ظهرت بين "العين" و"الجمهرة"، وأشهرها "الجيم" لأبي عمرو الشيباني "٢٠٦ هـ".
٣- ليس من الغريب أن يروي العين عن الخليل الليث وحده، فقد حدث ما هو أغرب من هذا بالنسبة لصحاح الجوهري، ومع ذلك لم يشك أحد في نسبته، حيث لم يروه -كما يقول القفطي- أحد من أهل خرسان.
٤- أما إنكار الأزهري فلا اعتبار له، لأنه كان دائب التجريح لغيره من اللغويين، والانتقاص من قدر الكتب التي ألفت قبله حتى يرفع من قيمة معجمه.
стр. 175
٥- أما ما يوجد من خلاف في الترتيب الصوتي١ بين الخليل وسيبويه أو ما يوجد من وفاق بين مصطلح الخليل ومصطلح الكوفيين، فلا شيء يمكن أن يؤخذ منه. وقد سبق أن عرضنا في فصل "النحو والصرف" تحت عنوان "هل وجدت مدارس نحوية عند العرب؟ " أمثلة كثيرة من هذا النوع فارجع إليها. بالإضافة إلى أن تصنيف الكلمات التي تكرر بعض حروفها محل خلاف كبير بين اللغويين، إذ لم يتفقوا فيه على رأي٢.
٦- أما الأخطاء أو المآخذ الموجودة في العين؛ فلا دلالة لها كذلك حتى مع التسليم بها. وهل هناك من يزعم أن الخليل منزه عن الخطأ أو التصحيف أو التحريف؟ ومَنْ مِنَ اللغويين قد سلم من أمثال هذه الهفوات؟ ويكفي أن يراجع القارئ كتاب "التنبيه على حدوث التصحيف" لحمزة الأصفهاني "ت حوالي ٤٦٠ هـ" ليرى مصداق ذلك. وأكتفي بأن أشير إلى الباب الأول من كتابه وعنوانه: "في تصحيفات العلماء في شعر القدماء وهم "أي العلماء" ستة وعشرو" ذكر منهم: أبو عبيدة، الأصمعي، أبو زيد، أبو عمرو بن العلاء، عيسى بن عمر، الخليل بن أحمد، سيبويه، أبو الخطاب الأخفش ... وبالإضافة إلى هذا فقد سبق أن ذكرنا أن الخليل قد وجه كل اهتمامه إلى الطريقة الرياضية التي جمع بها مادته اللغوية، وأنه لم يفعل كما فعل غيره من الرجوع إلى الرواة والأعراب ليسمع منهم ويسجل لهم. وهذهطريقة ربما كانت أكثر عرضة للخطأ من غيرها، وإن كانت أدق من الناحية الإحصائية.
стр. 176
٧- أما ما عثر عليه من نقول، سواء من المعاصرين أو المتأخرين، فيمكن تفسيره بسهولة على النحول التالي:
أ- ما ذكره أهلورات -حيث عثر على قطعتين مخطوطتين لا عنوان عليهما- ووجد فيهما نقولًا عن ثعلب "ت ٢٩١" والدينوري "ت ٢٨١" وكراع "ت ٣٠٧" والزجاج "ت ٣١٠" وغيرهم- لا قيمة له مطلقًا؛ لأن القطعتين ليستا من كتاب "العين" كما زعم وإنما من كتاب "المحكم" لابن سيده كما حقق الدكتور عبد الله درويش.
ب- أما نقوله عن المعاصرين فلا شيء فيها، وقد كانت هذه طريقة القدماء، يجلس أحدهم إلى من يجد عنده علمًا دون نظر إلى سنة أو بلد ولا نظن أن نقل المؤلف عمن هو أصغر منه سنًّا -ما دام في سن تسمح بالأخذ عنه- يعد أمرًّا غريبًا، أو شيئًا مثيرًا للشبهة.
جـ- وأما نقوله عن المتأخرين فتفسيرنا لها أنها كانت أول الأمر بمثابة حواش أو تعليقات كتبها أحد التلامذة على نسخته من العين. وبمرور الوقت أدخلت هذه الزيادات في صلب الكتاب بفعل النساخ. وقد حدث هذا لكثير من الكتب، فليس "العين" بدعًا من بينها.
٨- وأما الزعم بأن كتاب "العين" ظل بلا إسناد ولا رواية فليس من الواقع في شيء فعندنا ثلاث سلاسل لإسناد الكتاب وهي:
أ- السلسلة الموجودة في النسخة التي طبعت وهي: قال أبو معاذ عبد الله بن عائد: حدثني الليث بن المظفر ابن نصر بن سيار عن الخليل بجميع ما في هذا الكتاب ...
ب- سلسلة ذكرها ابن فارس في أول المقاييس، وهي عن على بن إبراهيم القطان عن أبي العباس أحمد بن إبراهيم المعداني ... عن الليث عن الخليل.
стр. 177
جـ- سلسلة ذكرها السيوطي في "المزهر" وهي عن أبي علي الغساني، عن أبي عمر بن عبد البر، عن عبد الوارث بن سفيان، عن القاضي منذر بن سعيد، عن أبي العباس أحمد بن محمد بن ولاد النحوي، عن أبيه، عن أبي الحسن علي بن مهدي، عن أبي معاذ عبد الجبار بن يزيد، عن الليث، عن الخليل. وقراءة كتاب العين على ابن ولاد ثابتة في عدة مراجع. بل إن الروايات نفسها تتحدث عن وجود نسخة أخرى من "العين" عند أبي جعفر النحاس "وهو معاصر لابن ولاد" كان يقرئها لمن يحب من تلاميذه. وتمضي الروايات قائلة: إن المنذر بن سعيد حينما ذهب إلى مصر قصد أبا جعفر النحاس أولًا، ولكن نشأ بينهما نوع من الجفوة نتيجة تصحيح منذر بن سعيد خطأ وقع فيه النحاس١. ولذلك أبى النحاس أن يقرئ منذر بن سعيد معجم "العين" فانتقل ابن سعيد من مجلس النحاس إلى مجلس ابن ولاد وقرأ عليه ونسخ من نسخته كتاب "العين".
وننتهي من هذا إلى أن معجم "العين" من عمل الخليل -جزئيًّا على الأقل- وإن كان الأرجح أنه كان من عمله. ويبدو أن الدكتور إبراهيم أنيس -برغم تشككه في نسبة العين- يميل مع الرأي الذي ينسبه إلى الخليل وهو يدعم رأيه بقوله: "وفي رأينا أن مثل هذا الترتيب الصوتي الموسيقى لا يمكن أن يقوم به إلا الخليل الذي عرف أنه موسيقى وعني عناية خاصة بالأصوات. والدليل اختراعه علم العروض وتأليفه كتبًا في الموسيقى. فمثله يمكن أن يعني بهذا الترتيب المخرجي".
وقد طبع الجزء الأول من العين عام ١٩٦٧، وقام بتحقيقه الدكتور عبد الله درويش على ثلاث نسخ مخطوطة. ولكنه توقف عن تحقيقه فتقدم لهذه المهمة الدكتوران إبراهيم السامرائي، ومهدى المخزومي. وقد
стр. 178
نشرا الجزء الأول عام ١٩٨٠ ثم تتابع نشر بقية الأجزاء حتى اكتمل المعجم في ثمانية أجزاء ظهر آخرها عام ١٩٨٥.
أما ترتيب الخليل للعين فقد أخذ الصورة الآتية:
١- رتب كلمات معجمه على الحروف ترتيبًا مخرجيًّا. وقد وجد أعمق الحروف هي حروف الحلق فبدأ بها. ولم يكتف بذلك، بل رتب حروف الحلق فيما بينهما فوجدها ذات مخارج ثلاثة هي: الهمزة والهاء - ثم العين والحاء - ثم الغين والخاء - وقد كان من المتوقع إذن أن يبدأ الخليل معجمه بحرف الهمزة وأن يسمي كتابه بـ "الهمزة"، ولكنه عدل عن ذلك وبدأ بحرف العين وسمى كتابه "العين"، والسر في ذلك أن الخليل قد وجد -بحسه الصوتي- أن الهمزة صوت معرض للتغييرات مثل التسهيل أو الحذف، فلم يشأ أن يبدأ بها، ووجد أن الهاء صوت مهموس خفي فلم يشأ أيضًا أن يبدأ بها. وانتقل إلى الحيز الثاني من حروف الحلق فوجد فيه العين والحاء فبدأ بالعين لأنها "أنصع" أي: أوضح لأنها مجهورة.
٢- كان يلتزم تجريد الكلمة من زوائدها، ثم يضعها في مكانها بعد ذلك، ومعنى ذلك أنه بنى معجمه على "الجذور" أو "ألأصول" وأهمل حروف الزيادة. وقد ظل هذا دأب معظم معاجمنا حتى الآن.
٣- رتب الأصوات على الوجه الآتي:
ع ح هـ خ غ / ق ك / ج ش ض / ص س ز / ط د ت / ظ ذ ث / ر ل ن / ف ب م / وأ ي ١.
стр. 179
٤- خصص لكل حرف كتابًا أسماه باسمه. فالمعجم عبارة عن كتب بعدد حروف الهجاء هي كتاب العين - كتاب الحاء - كتاب الهاء ... وهكذا.
٥- وفي كل كتاب كان يضع الكلمات التي تشتمل على الحرف الذي يحمل الكتاب اسمه أيًّا كان موضع هذا الحرف في الأول أو الوسط أو الآخر.
٦- حين يتناول كلمة ما كان يقلبها على جميع أوجهها الممكنة. وكان في كثير من الأحيان يلتزم ببيان الأوجه المستعملة، والأوجه المهملة. فكلمة مثل "قد" تقرأ بوجهين إما مع البدء بالقاف أو مع البدء بالدال. وكلمة مثل "عند" إذا قلبت على أوجهها تنتج ست صور هي: ع ن د - ع د ن - ن ع د - ن د ع - د ع ن - د ن ع.
ولتوضيحها بالنسبة للثلاثي رسم ابن دريد مثلثًا وضع عند كل زاوية منه حرفًا من الحروف الثلاثة للجذر، وتحرك من كل زاوية في الاتجاهين، فحصل على التقليبات الستة:
ولتوضيحها بالنسبة للرباعي رسم الدكتور محمد سالم الجرح جدولًا ذا قوائم أربعة. فإذا وضعنا في القائمة الأولى أحد الأصول جاز لنا أن نضع في الثانية كلًّا من الثلاثة الباقية. ويتبادل مع كل واحد من حروف القائمة الثانية الحرفان الباقيان في الثالثة والرابعة. أي: أننا نحصل على ست صور في القائمة الرابعة مع حرف بعينه في القائمة
стр. 180
الأولى. فإذا ضربنا ذلك في الاحتمالان الأربعة بالنسبة للحرف الأول حصلنا على ٢٤ صورة. فإذا كان الأصل الرباعي مثلًا هو دحرج كان الجدول كما يأتي:
وتتكرر نفس العملية مع كل من الحاء والراء والجيم بوضعها في القائمة الأولى مكان الدال.
فإذا كان الجذر خماسيًّا ضرب هذا الرقم في خمسة فتبلغ صور الخماسي العقلية ١٢٠ تقليبًا.
وقد طبق الخليل التقليبات مع جميع كلمات الثنائي والثلاثي وكان ينص على المستعمل من هذه الصور والمهمل. ولكن مع الرباعي والخماسي. وجد أن العملية طويلة والاحتمالات كثيرة والصور المستعملة فعلًا -بالنسبة للمهملة- قليلة جدًّا، ولذا اكتفى بالتقليبات العملية فقط لا الممكنة عقلًا.
٧- نتيجة لنظام التقليبات فإن كل كتاب لا يشتمل على كلمات فيها حروف سابقة: فكتاب "الحاء" لا يشتمل على أي كلمة فيها "عين"، لأن جميع الكلمات التي تشتمل على حرف العين قد سبقت في كتاب العين، وكتاب الهاء لا يشتمل على أي كلمات فيها عين أو حاء لأنها سبقت.... وهكذا. ومعنى هذا أن الكتب الأولى أكبر من الكتب المتأخرة. وكلما تأخرنا قلت كلمات الكتاب. ولهذا فإن كتاب العين يُعد أكبر كتب المعجم وحين نصل إلى كتاب الميم نجده لا يتجاوز بضع عشرة صفحة،