← Язык

Язык · id 8670

البحث اللغوي عند العرب

أحمد مختار عمر

Полный текст (362 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

٧- أما ما عثر عليه من نقول، سواء من المعاصرين أو المتأخرين، فيمكن تفسيره بسهولة على النحول التالي: أ- ما ذكره أهلورات -حيث عثر على قطعتين مخطوطتين لا عنوان عليهما- ووجد فيهما نقولًا عن ثعلب "ت ٢٩١" والدينوري "ت ٢٨١" وكراع "ت ٣٠٧" والزجاج "ت ٣١٠" وغيرهم- لا قيمة له مطلقًا؛ لأن القطعتين ليستا من كتاب "العين" كما زعم وإنما من كتاب "المحكم" لابن سيده كما حقق الدكتور عبد الله درويش. ب- أما نقوله عن المعاصرين فلا شيء فيها، وقد كانت هذه طريقة القدماء، يجلس أحدهم إلى من يجد عنده علمًا دون نظر إلى سنة أو بلد ولا نظن أن نقل المؤلف عمن هو أصغر منه سنًّا -ما دام في سن تسمح بالأخذ عنه- يعد أمرًّا غريبًا، أو شيئًا مثيرًا للشبهة. جـ- وأما نقوله عن المتأخرين فتفسيرنا لها أنها كانت أول الأمر بمثابة حواش أو تعليقات كتبها أحد التلامذة على نسخته من العين. وبمرور الوقت أدخلت هذه الزيادات في صلب الكتاب بفعل النساخ. وقد حدث هذا لكثير من الكتب، فليس "العين" بدعًا من بينها. ٨- وأما الزعم بأن كتاب "العين" ظل بلا إسناد ولا رواية فليس من الواقع في شيء فعندنا ثلاث سلاسل لإسناد الكتاب وهي: أ- السلسلة الموجودة في النسخة التي طبعت وهي: قال أبو معاذ عبد الله بن عائد: حدثني الليث بن المظفر ابن نصر بن سيار عن الخليل بجميع ما في هذا الكتاب ... ب- سلسلة ذكرها ابن فارس في أول المقاييس، وهي عن على بن إبراهيم القطان عن أبي العباس أحمد بن إبراهيم المعداني ... عن الليث عن الخليل.

стр. 177

جـ- سلسلة ذكرها السيوطي في "المزهر" وهي عن أبي علي الغساني، عن أبي عمر بن عبد البر، عن عبد الوارث بن سفيان، عن القاضي منذر بن سعيد، عن أبي العباس أحمد بن محمد بن ولاد النحوي، عن أبيه، عن أبي الحسن علي بن مهدي، عن أبي معاذ عبد الجبار بن يزيد، عن الليث، عن الخليل. وقراءة كتاب العين على ابن ولاد ثابتة في عدة مراجع. بل إن الروايات نفسها تتحدث عن وجود نسخة أخرى من "العين" عند أبي جعفر النحاس "وهو معاصر لابن ولاد" كان يقرئها لمن يحب من تلاميذه. وتمضي الروايات قائلة: إن المنذر بن سعيد حينما ذهب إلى مصر قصد أبا جعفر النحاس أولًا، ولكن نشأ بينهما نوع من الجفوة نتيجة تصحيح منذر بن سعيد خطأ وقع فيه النحاس١. ولذلك أبى النحاس أن يقرئ منذر بن سعيد معجم "العين" فانتقل ابن سعيد من مجلس النحاس إلى مجلس ابن ولاد وقرأ عليه ونسخ من نسخته كتاب "العين". وننتهي من هذا إلى أن معجم "العين" من عمل الخليل -جزئيًّا على الأقل- وإن كان الأرجح أنه كان من عمله. ويبدو أن الدكتور إبراهيم أنيس -برغم تشككه في نسبة العين- يميل مع الرأي الذي ينسبه إلى الخليل وهو يدعم رأيه بقوله: "وفي رأينا أن مثل هذا الترتيب الصوتي الموسيقى لا يمكن أن يقوم به إلا الخليل الذي عرف أنه موسيقى وعني عناية خاصة بالأصوات. والدليل اختراعه علم العروض وتأليفه كتبًا في الموسيقى. فمثله يمكن أن يعني بهذا الترتيب المخرجي". وقد طبع الجزء الأول من العين عام ١٩٦٧، وقام بتحقيقه الدكتور عبد الله درويش على ثلاث نسخ مخطوطة. ولكنه توقف عن تحقيقه فتقدم لهذه المهمة الدكتوران إبراهيم السامرائي، ومهدى المخزومي. وقد

стр. 178

نشرا الجزء الأول عام ١٩٨٠ ثم تتابع نشر بقية الأجزاء حتى اكتمل المعجم في ثمانية أجزاء ظهر آخرها عام ١٩٨٥. أما ترتيب الخليل للعين فقد أخذ الصورة الآتية: ١- رتب كلمات معجمه على الحروف ترتيبًا مخرجيًّا. وقد وجد أعمق الحروف هي حروف الحلق فبدأ بها. ولم يكتف بذلك، بل رتب حروف الحلق فيما بينهما فوجدها ذات مخارج ثلاثة هي: الهمزة والهاء - ثم العين والحاء - ثم الغين والخاء - وقد كان من المتوقع إذن أن يبدأ الخليل معجمه بحرف الهمزة وأن يسمي كتابه بـ "الهمزة"، ولكنه عدل عن ذلك وبدأ بحرف العين وسمى كتابه "العين"، والسر في ذلك أن الخليل قد وجد -بحسه الصوتي- أن الهمزة صوت معرض للتغييرات مثل التسهيل أو الحذف، فلم يشأ أن يبدأ بها، ووجد أن الهاء صوت مهموس خفي فلم يشأ أيضًا أن يبدأ بها. وانتقل إلى الحيز الثاني من حروف الحلق فوجد فيه العين والحاء فبدأ بالعين لأنها "أنصع" أي: أوضح لأنها مجهورة. ٢- كان يلتزم تجريد الكلمة من زوائدها، ثم يضعها في مكانها بعد ذلك، ومعنى ذلك أنه بنى معجمه على "الجذور" أو "ألأصول" وأهمل حروف الزيادة. وقد ظل هذا دأب معظم معاجمنا حتى الآن. ٣- رتب الأصوات على الوجه الآتي: ع ح هـ خ غ / ق ك / ج ش ض / ص س ز / ط د ت / ظ ذ ث / ر ل ن / ف ب م / وأ ي ١.

стр. 179

٤- خصص لكل حرف كتابًا أسماه باسمه. فالمعجم عبارة عن كتب بعدد حروف الهجاء هي كتاب العين - كتاب الحاء - كتاب الهاء ... وهكذا. ٥- وفي كل كتاب كان يضع الكلمات التي تشتمل على الحرف الذي يحمل الكتاب اسمه أيًّا كان موضع هذا الحرف في الأول أو الوسط أو الآخر. ٦- حين يتناول كلمة ما كان يقلبها على جميع أوجهها الممكنة. وكان في كثير من الأحيان يلتزم ببيان الأوجه المستعملة، والأوجه المهملة. فكلمة مثل "قد" تقرأ بوجهين إما مع البدء بالقاف أو مع البدء بالدال. وكلمة مثل "عند" إذا قلبت على أوجهها تنتج ست صور هي: ع ن د - ع د ن - ن ع د - ن د ع - د ع ن - د ن ع. ولتوضيحها بالنسبة للثلاثي رسم ابن دريد مثلثًا وضع عند كل زاوية منه حرفًا من الحروف الثلاثة للجذر، وتحرك من كل زاوية في الاتجاهين، فحصل على التقليبات الستة: ولتوضيحها بالنسبة للرباعي رسم الدكتور محمد سالم الجرح جدولًا ذا قوائم أربعة. فإذا وضعنا في القائمة الأولى أحد الأصول جاز لنا أن نضع في الثانية كلًّا من الثلاثة الباقية. ويتبادل مع كل واحد من حروف القائمة الثانية الحرفان الباقيان في الثالثة والرابعة. أي: أننا نحصل على ست صور في القائمة الرابعة مع حرف بعينه في القائمة

стр. 180

الأولى. فإذا ضربنا ذلك في الاحتمالان الأربعة بالنسبة للحرف الأول حصلنا على ٢٤ صورة. فإذا كان الأصل الرباعي مثلًا هو دحرج كان الجدول كما يأتي: وتتكرر نفس العملية مع كل من الحاء والراء والجيم بوضعها في القائمة الأولى مكان الدال. فإذا كان الجذر خماسيًّا ضرب هذا الرقم في خمسة فتبلغ صور الخماسي العقلية ١٢٠ تقليبًا. وقد طبق الخليل التقليبات مع جميع كلمات الثنائي والثلاثي وكان ينص على المستعمل من هذه الصور والمهمل. ولكن مع الرباعي والخماسي. وجد أن العملية طويلة والاحتمالات كثيرة والصور المستعملة فعلًا -بالنسبة للمهملة- قليلة جدًّا، ولذا اكتفى بالتقليبات العملية فقط لا الممكنة عقلًا. ٧- نتيجة لنظام التقليبات فإن كل كتاب لا يشتمل على كلمات فيها حروف سابقة: فكتاب "الحاء" لا يشتمل على أي كلمة فيها "عين"، لأن جميع الكلمات التي تشتمل على حرف العين قد سبقت في كتاب العين، وكتاب الهاء لا يشتمل على أي كلمات فيها عين أو حاء لأنها سبقت.... وهكذا. ومعنى هذا أن الكتب الأولى أكبر من الكتب المتأخرة. وكلما تأخرنا قلت كلمات الكتاب. ولهذا فإن كتاب العين يُعد أكبر كتب المعجم وحين نصل إلى كتاب الميم نجده لا يتجاوز بضع عشرة صفحة،

стр. 181

لأنه لم يبق لهذا الحرف ليوفق معه إلا أحرف العلة الثلاثة. أما كتب الحروف المعتلة وهو آخر الكتب فلم يتجاوز بضع صفحات. ٨ خضع تبويب الكلمات لنظام الكمية. فمثلًا في باب العين نجد الكلمات مسجلة بحسب التقسيم الآتي: الثنائي - الثلاثي الصحيح - الثلاثي المعتل - اللفيف - الرباعي - الخماسي - أما الثنائي فقد قصد به الخليل ما وجد فيه حرفان من الحروف الصحيحة، ولو مع تكرار أحدهما في أي موضع طبقًا لنظرية العناصر، فيشمل مثل قد وقد وقدقد. كما يشمل مثل ددن وقلق وجلل. ولذلك يقول ابن القطاع: الثنائي ما كان على حرفين من حروف السلامة، ولا تبال أن تتكرر فاؤه أو عينه"١ وواضح أن اصطلاح الخليل هذا ناتج عن نظام التقليبات الذي اتبعه، لأن مثل ددن وقلق وجلل ستتماثل في صورة من صور تقليباتها وتشترك في موضع التكرير فيها. أما سائر اللغويين ممن لم يقلبوا، فيعتبرون مثل قد وجلل من مضعف الثلاثي، ويعتبرون مثل قدقد من مضعف الرباعي، ويعتبرون مثل قلق من السالم٢. وأما الثلاثي الصحيح فهو عنده -كما عند غيره- ما اجتمع فيه ثلاثة حروف صحيحة. وأما الثلاثي المعتل فما وجد فيه حرفان صحيحان وحرف علة واحد سواء جاء أولًا "مثال" أو وسطًا "أجوف" أو آخرًا "ناقص". وأما اللفيف فقد عنى به ما وجد فيه حرفا علة سواء كانا مفروقين مثل وعى، أو مقرونين مثل كوى. أما طريقة الكشف في العين فتقضي أولًا تجريد الكلمة من زوائدها لتحديد الجذر، ثم يبحث عن أعمق أصواتها لتحديد الكتاب. فإن كان من بينها "ع" أيًّا كان موضعها؛ فإن مكان الكلمة كتاب العين وإن لم

стр. 182

يكن بها "ع" ووجد بها "ح" فمكانها كتاب الحاء ... ولهذا لا بد أن يعرف الباحث الترتيب المخرجي للحروف، ويفتش عن أقصى حرف في المخرج. فإذا حددنا الكتاب الذي سنبحث فيه عن الكلمة نظرنا إلى ناحية الكم، وحددنا نوع الكلمة أهي من الثنائي أم الثلاثي الصحيح أم الثلاثي المعتل ... وبذا نضيق دائرة البحث. وبعد ذلك نحدد مادة الكلمة عن طريق إعادة ترتيبها صوتيًّا. وأخيرًا نقوم بالتقليبات الممكنة، وسنجد جذر الكلمة المطلوبة ضمن هذه التقليبات. تهذيب اللغة للأزهري: كان الأزهري مخظوظًا في مقدمة معجمه فنشرت أكثر من مرة، قبل أن تتعهد المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر بتحقيق المعجم بأكمله ونشره. ويرجع الاهتمام بالمقدمة إلى أنها -كما يقول الأستاذ عبد السلام هارون- "من أهم الوثائق في تاريخ التأليف اللغوي وتاريخ المدارس اللغوية الأولى"١. ويبدو أن الأزهري -وقد امتد به العمر من ٢٨٢ إلى ٣٧٠ هـ- قد ألف معجمه هذا بعد السبعين كما يفهم من عبارة له وردت في المقدمة٢ وأنه حشد له خبرات هذه الأعوام الطوال، وأمده بكثير مما سجله وقيده وسمعه سواء من الأساتذة أو الأعراب أو القوم الذين وقع في أسرهم، وكانوا عربًا عامتهم من هوازن. وقد ذكر الأزهري في مقدمة معجمه أن من الروافد التي أمدت معجمه: ١- تقييد نكث حفظها ووعاها من أفواه الأعراب الذين شاهدهم وأقام بين ظهرانيهم سنيات. إذ كان ما أثبته كثير من أئمة اللغة في الكتب لا ينوب مناب المشاهدة، ولا يقوم مقام الدربة والعادة.

стр. 183

٢- المادة التي جمعها حين وقع في أسر القرامطة. وكان القوم الذين وقع في سهمهم عربًا عامتهم من هوازن، واختلط بهم أصرام من تميم وأسد. وقد كانوا قومًا "لا يكاد يقع في منطقهم لحن أو خطأ فاحش". وقد أقام بينهم -على حد تعبيره- دهرًا طويلًا واستفاد من مخاطباتهم ومحاورة بعضهم بعضًا ألفاظًا جمة ونوادر كثيرة أوقع أكثرها مواقعها في الكتاب١. ومن يراجع "تهذيب اللغة" بأجزائه الخمسة عشر يجد مئات الأمثلة لهذه المادة التي رواها الأزهري عن طريق المشافهة والنقل المباشر. ولهذا فنحن لا نقر الدكتور عبد الله درويش على تشككه في قيمة المادة المسجلة من هذا الطريق، ووصفه لها بالندور٢. ومن أمثلة هذه المشافهة: ١- وسمعت الأعراب من بني عقيل يقولون: جارية فارهة وغلام فاره إذا كانا مليحي الوجه. "٦/ ٢٧٩". ٢- وخطأ بعض الناس قول القائل: فلان يستأهل أن يكرم بمعنى يستحق الكرامة. قال: ولا يكون الاستئهال إلا من الإهالة، وأجاز ذلك كثير من أهل الأدب. وأما أنا فلا أنكره، ولا أخطئ من قاله لأني سمعته. وقد سمعت أعرابيًّا فصيحًا من بني أسد يقول لرجل أولى كرامة: أنت تستأهل ما أوليت، وذلك بحضرة جماعة من الأعراب فما أنكروا قوله "٦/ ٤١٨". ٣- سمعت صبيًّا من بني عقيل يقول: وجهي زين ووجهك شين أراد أنه صبيح الوجه وأن الآخر قبيحة ... والتقدير: وجهي ذو زين، ووجهك ذو شين "١٣/ ٢٥٥".

стр. 184

ولم يكن للأزهري طريقة معينة في تسجيل مشافهاته: ١- فتارة يعتمد على الدليل السلبي "أي عدم سماعه عن العرب" في نفي وجود اللفظ أو التعبير ومن ذلك قوله: أ- ولم أسمعهم يقولون في الغراب: نعق ولكنهم يقولون: نعب "١/ ٢٥٧". ب- لم أسمع الوضع في شيء من كلامهم "٣/ ٨٤". ٢- وتارة ينص على القبيلة أو الجماعة اللغوية التي سمع منها. وأكثر من سمع عنهم. ٨ بنو تميم "١/ ١٢٩، ٣/ ٢٦٣، ٥/ ١٦٩، ٩/ ٢٢٨، ١٠/ ٥٦٢" * بنو عقيل "٤/ ٣٢٧، ٦/ ٢٧٩، ١٣/ ٢٥٥". * بنو كلاب - الكلابيون "٢/ ٢٣٨، ١٥/ ٤٤٦، ٦٥٠". * بنو كليب "١/ ٣٧٦، ٧/ ١٤٤". * بنو نمير "١٣/ ١٥٨، ١٥م ٦٥٠. * بنو سعد "٢/ ٢١٩، ٧/ ١٧٨". * قيس "٣/ ٣٢٦، ١٠/ ٥٦٢. * بنو أسيد "١٠/ ٩٤، ١١٠". ثم طييء "١٤/ ٣٥٩"، وبنو مضرس "١٥/ ١٢٤"، وبنو فزارة "١١/ ١٥٥"، وبنو سليم "١٠/ ٥٤٦"، والهجريون "١/ ٣٤٤"، والبحرانيون "١/ ٦٢". ٣- وهو في معظم حالاته يسجل سماعه دون أن ينسبه ومن ذلك: أ- سمعت بعض العرب "١/ ٦٤، ١٠٦، ٢/ ١٢٥، ٢٨٤....". ب- سمعت العرب "١/ ١١٣، ١٥١، ١٥٢، ١٧٨، ٣٠٨، ٣٢٨....". جـ- سمعت غير واحد من العرب "١/ ٢١٢، ٢٦٧....".

стр. 185

د- سمعت أعرابيًّا يقول: "١/ ٢٤١، ٣٧٧ ... ". هـ هذا سماعي من العرب "١/ ٢٦٣....". وسمعت امرأة من العرب "٣/ ٥٨....". ز هكذا سمعت من العرب "٣/ ٣٣١.....". ومهما يكن من شيء فإن "تهذيب اللغة" يعد تابعًا في منهجه "للعين" تبعية كاملة، بل بلغ من اتخاذه نموذجًا له أن نقل مقدمة العين في مقدمته نقلًا يكاد يكون حرفيًّا، بعد أن اعترف أن هذه المقدمة -بإجماع اللغويين- من عمل أبي عبد الرحمن الخليل بن أحمد١. أما من ناحية المادة اللغوية فحجم التهذيب ضخم جدًّا بالنسبة لحجم العين. وقد أبدى الأزهري كذلك اهتمامًا كبيرًا بأسماء البلدان والأماكن والمياه. واهتم بإيراد الشواهد من القرآن والحديث بالإضافة إلى الشعر، كما عني بإيراد القراءات المختلفة في مكانها المناسب٢. البارع للقالي: مؤلف هذا المعجم أبو علي إسماعيل بن القاسم القالي المولود عام ٢٨٠ هجرية والمتوفي عام ٣٥٦ هجرية بالزهراء ضاحية من ضواحي قرطبة. وبعد البارع أول معجم أندلسي، وإن لم يكن له من الأندلسية إلا مكان التأليف. وقد دخلت نسخة من كتاب "العين" الأندلس، ولم تكن موثقة فأوعز الحاكم الأموي إلى مجموعة من العلماء منهم "القالي" بمقابلة

стр. 186

الكتاب ولم يكن القالي يطمئن قبل ذلك إلى صحة نسبة "العين" للخليل. ولكنه بعد المقابلة اقتنع بصحة نسبته، ولم ينسبه لليث كما فعل غيره، ولا تحفظ فقال: "صاحب العين" كما فعل آخرون. ويقول الأستاذ هاشم الطعام محقق "البارع": "ولقد أتيح لي وأنا أحقق النص الذي بين يدي من "البارع" أن أقارن ما ورد فيه عن الخليل وهو أعظم الكتاب بنسختين مخطوطتين من العين فإذا بالكتابين متطابقين حذو القذة بالقذة.. وبهذا يكون "البارع" أقدم نسخة وصلت إلينا من كتاب "العين" "ص ٦٦". وقد أدخل القالي بعض زيادات وأجرى بعض تعديلات في كتاب "العين" "فقدم لكل مادة لغوية بما ورد عنها في مروياته. وارتأى أن يخالف في ترتيب الحروف بعض الشيء، وأضاف بعض ما ظنه مهملًا، ونسب الشواهد غير المنسوبة إلى قائليها -متى استطاع إلى ذلك سبيلًا- وأكمل الشواهد المبتورة فكان من ذلك كله البارع. فالبارع إذن ليس إلا كتاب العين "موصولًا". "مقدمة المحقق ص٦٥، ٦٦". وإلى جانب هذه التعديلات والزيادات نجد خلافات آخرين أحدهما يتعلق بترتيب الأصوات، والآخر يتعلق بالأبواب، فترتيب الخليل قد سبق ذكره، أما ترتيب القالي فهو: هـ ح خ ق ك ض ج ش ل ر ن ط ت ص ز س ظ ذ ث ف ب م وأ ي. أما اختلاف الأبواب فيتمثل في تسمية القالي للفيف: الحواشي أو الأوشاب وفي إطلاقه على الثنائي اسم: الثنائي في الخط والثلاثي في الحقيقة. والخلاف كما يبدو خلاف لفظي لا حقيقي. ولم يطبع "البارع" كله لأن المحقق لم يعثر على نسخة كاملة منه،

стр. 187

وإنما عثر على قطعتين إحداهما في المتحف البريطاني والأخرى في مكتبة بباريس، وهما قطعتان مختلفتان. وما زال هناك أمل في العثور على نسخة كاملة في إحدى خزائن الشمال الإفريقي. مختصر العين للزبيدي: والكتاب كما هو واضح من عنوانه اختصار لمعجم العين مع تعديلات طفيفة وتصرف ليس بالكثير. ومؤلفه في غنى عن التعريف فهو مؤلف طبقات النحويين واللغويين، ولحن العامة والاستدراك على أبنية سيبويه والواضح في عام العربية، وجميعها قد طبع وحقق١. وقد اطلعت على الجزء الأول من المطبوع ويقع في ثمانين صفحة. وهي تعادل ست عشرة صفحة من مخطوطة بغداد البالغ عددها ٢٣٢ صفحة. وقام بتحقيق هذا الجزء علال الفاسي، ومحمد بن تاويت الطنجي، ونشر التحقيق في السلسلة اللغوية التي تصدرها وزارة الدولة في المملكة المغربية. وأهم ما قام به الزبيدي في مختصر العين: أ- التنظيم والتبويب: وقد شمل ذلك زيادة باب "للمضاعف الثنائي المعتل" وهو عند الخليل مدمج في باب "اللفيف". كما شمل فصل أحرف العلة والهمزة وعدم دمجها كما فعل الخليل. وقد بدأ الزبيدي بالهمزة يليها الياء فالواو. ب- تصحيح ما ورد من خلل أو تصحيف في العين مثل: جاء في

стр. 188

العين: رجل عقيم ورجال عقماء. فصوب الزبيدي هذا الجمع بقوله: ورجال عقمي. ومثل إيراد الزبيدي كلمة "الفقاعي" وهو الأحمر يخالطه بياض في مادة "فقع" وكانت في كتاب العين في مادة "قفع" لتصحيفها. جـ الاختصار: وذلك عن طريق حذف الصيغ القياسية كالمصادر والأفعال المضارعة والجموع القياسية، وحذف القواعد والأحكام اللغوية وأسماء اللغويين والرواة. وإسقاط الشواهد كلها نثرية وشعرية "فيما عدا بعض الشواهد القرآنية القليلة، وما فيها من قراءات". د- الاستدراك: وذلك بزيادة بعض الألفاظ التي أهملها الخليل وهي في اللغة، أو إضافة بعض المعاني التي تركها للكلمة. إلا أن الزبيدي -كما ذكر في خاتمة الكتاب- "لم يستقص جميع ما أهمله العين لأنه اكتفى بكتابه الذي خصصه لهذا الموضوع، ولأنه أراد أن يكون المختصر صورة موجزة لما في الأصل من مواد"١. المحيط للصاحب بن عباد: شهد القرن الرابع معجمًا رابعًا يسير على طريقة الخليل وهو معجم "المحيط" للوزير الأديب المشهور الصاحب بن عباد "٣٢٤ - ٣٨٥ هـ". وقد ظل هذا المعجم في زوايا النسيان حتى قام الشيخ محمد حسن آل ياسين بتحقيق بعض أجزاء منه. وقد رجع المحقق إلى نسختين اثنتين إحداهما نسخة المتحف البريطاني والأخرى نسخة كربلاء. وتوجد أجزاء متناثرة منه في مكتبات أخرى من العالم٢.

стр. 189

المحكم لابن سيده: وهو من معاجم القرن الخامس الهجري ومؤلفه أشهر علماء اللغة في الأندلس في هذا القرن، وبرغم أنه كان كفيفًا فقد ألف هذا المعجم وألف معجمًا آخر ضخمًا سيرد فيما بعد وهو "المخصص". ولم يتح للمحكم أن يطبع جميعه بعد، فقد أصدر معهد المخطوطات بالقاهرة جزءه الأول عام ١٩٥٨ وتتابعت الأجزاء حتى صدر السابع عام ١٩٧٣ ووصل إلى مادة "ش ص م". ونظام "المحكم" هو هو نظام العين مع فروق طفيفة، مثل إدماج الخليل الهمزة في حروف العلة، وإفراد ابن سيده الهمزة بالذكر، ومثل احتساب الخليل الألف اللينة حرف علة، وتجاهلها من ابن سيده تمامًا، لأن الألف الممدودة في العربية -ترد إذا كانت أصلية- إما إلى الواو أو الياء. ويعتبر صاحب "المحكم" بأنه حذف أمورًا لا غناء فيها، ونبه فيه على أشياء لا بد من التنبيه عليها. أ - فقد حذف مثلًا المشتقات القياسية لاطرادها. ب- وميز بين المشتبهات كالجمع واسم الجمع وجمع الجمع. ومات ابن سيده عام ٤٥٨ هـ.

стр. 190

مثالان تطبيقيان على معاجم الترتيب الصوتي: المثال الأول: إذا أردنا أن نبحث عن كلمة "مريد" في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ نسير على الخطوات الآتية: الجذر: مرد. الكتاب: الدال. القسم: الثلاثي الصحيح. المادة: درم. التقليبات: د ر م - د م ر - ر د م - ر م د - م د ر - م ر د المثال الثاني: إذا أردنا ترتيب عدد من الكلمات في معجم العين أو أحد توابعه فإننا نسير على الخطوات التالية حين يكون المراد ترتيب الكلمات الآتية: أ- غربال - رفرف - ظنين - تل - تروية - فدان - دبابة - موءودة - دندنة - غيم. ١- نحدد أعمق الأصوات في كل كلمة ونكتبه فوقها "بعد تجريدها من الزوائد": غ ر ظ ت ر د د د غربل - رفرف - ظنن - تلل - روى - فدن - دبب - وأد - د غ دندن - غيم. ٢- تقسم الكلمات إلى مجموعات حسب أعمق الأصوات هكذا: مجموعة الغين "غربل - غيم". مجموعة الدال [فدن - دبب - وأد - دندن] . مجموعة التاء [تلل] . مجموعة الظاء [ظنن] . مجموعة الراء [رفرف - روى] .

стр. 191

٣- ترتب كل مجموعة تشتمل على أكثر من كلمة حسب القسم: الغين: غيم / غربل. الدال: دبب / دندن / فدن / وأد. التاء. تلل. الظاء: ظنن. الراء: رفرف / روى. ٤- إذا وجد لفظان ينتميان إلى نفس القسم يرتبان حسب المادة. وينطبق ذلك على لفظي دندن ودبب اللذين يقعان في قسم الثنائي. وبالحصول على المادة وهي دن ودب نجد دندن تسبق دبب. وعلى هذا يكون الترتيب النهائي على النحو التالي: غيم - غربال - دندن - دبابة - فدان - موءودة - تل - ظنين - رفرف - تردية. ب- دائرة - غضنفر - برائن - دريئة - تمثال - غرنوق - فرند - ورم - ثلاثة - تأييد - غاية. الترتيب: "غ" غاية - غرنوق - غضنفر. د- دائرة - دريئة - تأييد - فرند. ث- ثلاثة - تمثال - براثن. ر- ورم. والترتيب النهائي: "١" غاية "٢" "٣" غضنفر "٤" دائرة "٥" دريئة "٦" "٧" فرند "٨" ثلاثة "٩" تمثال "١٠" براثن "١١" ورم.

стр. 192

"ب" مدرسة الترتيب الألفبائي: ١- وضع الكلمة تحت أسبق حروفها١: الجمهرة لابن دريد: سار ابن دريد في معجمه الجمهرة على الترتيب الألفبائي العادي، ووضع الكلمات تحت أسبق حروفها في الترتيب الهجائي ولكن عقد نظامه أن المؤلف اتبع المنهج الآتي: ١- قسم أبينة الكلام إلى ثنائي وثلاثي ورباعي وخماسي وسداسي٢ ولفيف، وبدأ بهذا التقسيم. ولم يكتف بهذه القسمة السداسية فعقد الموضوع بتقسيمات فرعية، فالثنائي تحته: أ- ثنائي صحيح مثل أبب وأزز. ب- ثنائي ملحق ببناء الرباعي وهو المكرر أو الذي ضعف فيه حرفان مثل زل زل. جـ- ثنائي ممثل وما تشعب منه مثل باء وثوي "اعتبر الهمزة من حروف العلة". والثلاثي تحته: أ- ثلاثي صحيح مثل ب ك ل. ب- ثلاثي يجتمع فيه حرفان مثلان ب ت ت. جـ- ثلاثي عين الفعل منه أحد حروف اللين مثل باب. د- ثلاثي معتل الآخر ب ت "و - ا - ي". وهكذا. وقد تتبع الدكتور عبد السميع أبواب الجمهرة فحصرها في سبعة عشر بابًا٣.

стр. 193

٢- رتب الكلمات تحت كل باب على الترتيب الهجائي العادي. لأنه اعتبر الترتيب الصوتي مسلكًا وعرًا لا يقدر على السير فيه إلا المتخصصون، يقول: "وقد ألف أبو عبد الرحمن بن أحمد الفرهودي كتاب "العين" فأتعب من تصدى لغايته، وعنى من سما إلى نهايته، ... ولكنه ﵀ ألف كتابه مشاكلًا لثقوب فهمه وذكاء فطنته وحدة أذهان أهل دهره، وأملينا هذا الكتاب والنقص في الناس فاش"١، ويقول: "وأجريناه على تأليف الحروف المعجمة، إذ كانت بالقلوب أعبق، وفي الأسماع أنفذ، وكان علم العامة بها كعلم الخاصة"٢. ٣- اتبع نظام التقليبات كالخليل. ومعنى هذا أننا لا نجد الكلمة تحت حرفها الأول، وإنما تحت أسبق حروفها في الترتيب الهجائي مهما كان مكان هذا الحرف. فكلمة عبد توجد في الباء لأنها أسبق الحروف في الترتيب، وكلمة سمع توجد تحت السين وهكذا. ويوجد بين العين والجمهرة وجها شبه رئيسيان هما: ١- التقسيم الكمي. ٢- التقليب. كما يوجد بينهما وجها خلاف رئيسيان هما: ١- الترتيب الصوتي في العين، والهجائي في الجمهرة. ٢- بدء العين بمرحلة الترتيب الهجائي "الصوتي" ثم تقسيم كل حرف تقسيمًا كميًّا، أما الجمهرة فتبدأ بالتقسيم الكمي، ثم تقسم كل نوع إلى أبواب بعدد حروف الهجاء. وهناك جملة مآخذ أخذت على ابن دريد منها: ١- التكرار حيث جعل قسمًا للثنائي الصحيح، وهو ما ضعف فيه الحرف الثاني مثل أزز، ثم جعل قسمًا للثلاثي يجتمع فيه حرفان مثلان في أي موضع، وذلك يشمل الثنائي الصحيح وزيادة.

стр. 194

٢- اعتباره الهمزة من أحرف العلة. ٣- من أبوابه باب سماه اللفيف١ وهو يضم الكلمات التي جاءت على أوزان قليلة. وقد حشدها بدون ترتيب وبعضها سبق توزيعه على الأبواب. ٤- في أبواب الثلاثي الصحيح نجده يذكر أمثلة للثلاثي المعتل مثل: ب ن و - ب وهـ مع أن للمعتل بابًا خاصًّا به. ٥- اعتباره تاء التأنيث أحيانًا من بنية الكلمة وعدها ضمن حروفها ومن ذلك ذكره كلمة "عجة" في مادة ج ع هـ وقال: "العجة ضرب من الطعام عربية صحيحة". وحقها أن تذكر في الثنائي الصحيح. والغريب أن ابن دريد ذكرها مرة ثانية في "باب من الثلاثي يجتمع فيه حرفان مثلان في أي موضع". ومن ذلك ذكره كلمة "ثبرة" في الرباعي وتعليله ذلك بأن الهاء لازمة. بل ذكره كلمات ثلاثية لا تلزمها التاء في قسم الرباعي مثل "جلبة" و "جنبة"٢. ٦- مناقضته اسم معجمه وما نبه عليه في المقدمة من إيثاره للجمهور من كلام العرب، وتجاهله للوحشي والمستنكر، فأكثر من الألفاظ الغربية، حتى انفرد بأشياء لم ترد في معاجم غيره. ويتضح ذلك من مراجعة المادة اللغوية التي احتواها المزهر للسيوطي في الفصل الخاص بمعرفة الضعيف والمنكر والمتروك من اللغات، فمعظمها مأخوذ من الجمهرة٣.

стр. 195

٧- وأخطر من هذا، تلك التهمة التي ألصقها به الأزهري وذلك في قوله: "وممن ألف في عصرنا الكتب فوسم بالافتعال وتوليد الألفاظ ... وإدخال ما ليس من كلام العرب في كلامها أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد وتصفحت كتاب "الجمهرة" له فلم أره دالًّا على معرفة ثاقبة وعثرت منه على حروف كثيرة أنكرتها ولم أعرف مخارجها"١. ٨- ويبدو أن معظم أخطاء ابن دريد قد نتجت عن عدم خبرته بعلم الصرف وفي ذلك يقول ابن جني: "وأما كتاب "الجمهرة" ففيه أيضًا من اضطراب التصنيف وفساد التصريف ما أعذر واضعه فيه لبعده عن معرفة هذا الأمر. ولما كتبته وقعت في متونه وحواشيه جميعًا من التنبيه على هذه المواضع ما استحييت من كثرته. ثم إنه لما طال على أومأت إلى بعضه وأضربت ألبتة عن بعضه"٢. ويبدو أن ابن دريد كان يحس بالنقص في عمله ويعتذر بأنه أملى الكتاب ارتجالًا "لا عن نسخة، ولا تخليد في كتاب قبله. فمن نظر فيه فليخاصم نفسه بذلك فيعذر إن كان فيه تقصير أو تكرير"٣. ولكننا من ناحية أخرى نجد من العلماء من يشهد له ويقدمه على منافسيه. يقول المسعودي: "وكان ابن دريد ببغداد ممن برع في زماننا هذا في الشعر، وانتهى في اللغة، وقام مقام الخليل بن أحمد فيها، وأورد أشياء في اللغة لم توجد في كتب المتقدمين"٤. ويقول

стр. 196

أبو الطيب اللغوي: "هو الذي انتهى إليه علم لغة البصريين. وكان أحفظ الناس وأوسعهم علما وأقدرهم على الشعر. وما ازدحم العلم والشعر في صدر أحد ازدحامهما في خلف الأحمر وابن دريد"١. ويدافع عنه السيوطي قائلا: "معاذ الله هو بريء مما رمى به، ومن طالع الجمهرة رأي تحريه في روايته. ولا يقبل فيه طعن نفطويه لأنه كان بينهما منافرة عظيمة"٢. وكانت وفاة ابن دريد عا م ٣٢١ هـ عن نيف وتسعين سنة. وكان قد أصيب بالفالج على رأس التسعين ثم شفي ثم أصيب به مرة ثانية. وقد طبع معجم الجمهرة في حيدر آباد بالهند عام ١٣٤٤ هـ في ثلاثة مجلدات ألحق بها مجلد خاص للفهارس. وقد قام على تصحيحه رجلان هما الشيخ محمد السورتي والمستشرق الألماني فريتس كرنكو. ويبدو أن تعقد منهج "الجمهرة". وتمسك ابن دريد بنظام التقليبات برغم طرحه لترتيب الخليل الصوتي كانا من أسباب انصراف المعجمين عن اتباع نظام "الجمهرة". ولذا يقف ابن دريد وحده دون أتباع أو مريدين٣.

стр. 197

مثالا تطبيقيان على معجم الجمهرة: المثال الأول: للبحث عن كلمة "ربابة" في الجمهرة: الجذر: ربب. القسم: الثنائي. الباب: الباء. المادة: ب ر. التقليبات: ب ر - ر ب. المثال الثاني: ترتيب الكلمات الآتية حسب ورودها في معجم الجمهرة: علقم - سبابة - ابتلاء - توبيخ - دلال - عصفور - دقيق - انبثاق - ركود - شتيمة. ١- معجم الثنائي بعد التجريد: "سبب - دلل - دقق". مجموعة الثلاثي الصحيح: [بثق - ركد - شتم] . مجموعة الثلاثي المعتل: [بلو - وبخ] . مجموعة الرباعي: [علقم - عصفر] . ٢ ترتيب كل مجموعة حسب أسبق الحروف. أ- سبب - دلل - دقق. ب- بثق - شتم - ركد. جـ- بلو - وبخ. د- عصفر - علقم. ٣- ترتيب ما اتفق أسبق الحروف فيه حسب المادة: أ- ب س - د ق - د ل.

стр. 198

"ب" ب ث ق - ت ش م - د ر ك. جـ- ب خ و - ب ل و. د- ر ص ع ف - ع ق ل م. ٤- التريب النهائي: سبابه - دلال - دقيق- انبثاق - شتيمة - ركود - ابتلاء - توبيخ - عصفور - علقم. ٢- وضع الكلمة تحت أول حروفها الأصلية: ظهر هذا النوع من المعجم منذ وقت مبكر لا يتجاوز النصف الثاني من القرن الثاني الهجري. وأقدم معجم سلك هذا النظام هو: معجم الجيم لأبي عمرو الشيباني: وتوجد من المعجم نسخة مصورة في معجم اللغة العربية بالقاهرة. كما قام المجمع بطبعه في ثلاثة أجزاء حقق الأول منها إبراهيم الإبياري "١٩٧٤" والثاني عبد العليم الطحاوي "١٩٧٤" والثالث عبد الكريم العزباوي "١٩٧٥" وألحق بالمعجم جزء رابع يشتمل على الفهارس "١٩٨٣". ويعد الشيباني من المعمرين فقد ولد قبل الخليل "٩٤ هـ"، وتوفي بعده "٢٠٦ هـ". ولهذا يطرح بعضهم احتمال أن يكون الشيباني سابقا للخليل في وضع معجمه١. وأبو عمرو راوية كوفي أخذ اللغة مشافهة عن الأعراب ورحل إلى البادية، وكانت له مشاركة في رواية الحديث.

стр. 199

ويقولون: إن مؤلف الجيم كان ضنينًا به، ولم ينسخ في حياته، ففقد بعد موته إلا يسيرًا. وحين أراد مجمع اللغة العربية تحقيقه لم يعثر إلا على نسخة واحدة ومع ذلك يقول المحقق عن الكتاب: "ولكنه لا شك ليس على صورته النهائية التي أرادها له واضعه، كما أنه لا يحمل مقدمة تعرف بمنهجه وتعلل تلك التسمية" ويقول أيضًا: "هذا إلى أن ورود بعض الأبواب مبتورة يكاد يؤكد لنا أن الكتاب لم يتم استصفاء على يدي صاحبه أبي عمرو وأن الموت عجل به عن ذلك"١. ويبدو أن عدم تداول الكتاب جعل العلماء يظنون أن سبب التسمية أنه انتهى بحرف الجيم كما ذكر كرنكو أو أنه بدأ بها كما ذكر كثيرون لكن قال أبو الطيب اللغوي: "وقفت على نسخة منه فلم نجده مبدوءًا من الجيم". وكلام أبي الطيب حق، فالمعجم لا يبدأ من الجيم وإنما يسير على الترتيب الهجائي العادي بحسب أوائل الكلمات بعد تجريدها من الزوائد، ولكنه لم يدخل في الترتيب ثواني الكلمات وثوالثها. ولهذا نجد كلمات حرف الألف تتتابع هكذا: أوق - ألب - أفق - أزح - أنف - أرب - أخذ ... إلخ. وربما كانت أهم ميزة لهذا المعجم أن ألفاظه خلاصة استصفاء لشعر شعراء قبائل تربي على الثمانين يكاد جل شعرهم يكون مجهولًا يعز تتبعه في المراجع التي بين أيدينا. كما أن هذه الكلمات تحمل شروحًا لا تنطوي عليها معاجمنا، وتكاد تكون غريبة عليها٢. ولهذا فإن كتاب الجيم يمكن تسميته معجمًا على سبيل التجوز، لأنه يهتم بالألفاظ الغربية التي لا يكاد يعرفها غيره، والتي تنسب إلى قبائل معينة قديمة، ويبدو أن المؤلف -لجريه وراء الغريب- قد أطلق على معجمه لفظًا وأراد به معناه الغريب. فالجيم في اللغة الديباج،

стр. 200

وهذا هو المعنى الذي ربما عناه المؤلف تشبيهًا لعمله بالديباج لحسنه١. ولكن يعكر على هذا التخريج أن تفسير الجيم بالديباج لم يرد في معجم الجيم نفسه. وهناك احتمال آخر هو أن يكون المؤلف قد بدأ معجمه بالجيم فعلًا، ولكن جاء بعده من أعاد ترتيب الكتاب على الترتيب الهجائي المعروف ويبقى السؤال: لماذا اختار الجيم على هذا الاحتمال؟ الإجابة يلخصها الأستاذ إبراهيم الإبياري محقق الكتاب في قوله: أ- إما لأنه كره أن يبدأ بالباء أول الحروف لأنه لا بد معها من النص على نقطها حتى لا تلتبس بالتاء والثاء. وهذا يطول العنوان، ولذا بدأ بالجيم الذي لا يلتبس في اسمه بحرف آخر. ب- أو لأن الجيم أحد حروف خمسة تجمع بين الجهر والشدة٢. وقد كان أول من نوه بمعجم الجيم وأشار إلى أهميته المستشرق ف. كرنكو ولكنه هو ومن جاء بعده من المستشرقين أخفقوا في تحقيقه. وفي عام ١٩٦٨ صدرت أول دراسة علمية مفصلة عن المعجم برسالة أعدها فرنر ديم لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة لودفيك مكسيميليان في ميونيخ. وترجم بحث فرنر ديم إلى العربية ونشر عام ١٩٨٠. وقد أثبت ديم أن كثيرًا من مادة "الجيم" لم يرد في المعاجم الأخرى، وأن علماء اللغة المتأخرين لم يأخذوا منه إلا قليلًا. كما ذكر أن في الجيم

стр. 201

عددًا ضخمًا من الشواهد الشعرية التي يصعب العثور عليها في مراجع أخرى. وهذا وذاك يعطي المعجم أهمية كبيرة١. المقاييس لابن فارس: ولد ابن فارس "أحمد بن زكريا القزويني" وعاش ومات في القرن الرابع الهجري قرن النهضة المعجمية الشاملة. وكانت ولادته عام ٣٢٩ هـ٢ ووفاته عام ٣٩٥ هـ. وآثار ابن فارس اللغوية عديدة منها "الصاحبي في فقه اللغة" ومنها "المجمل" بالإضافة إلى معجمه مقاييس اللغة الذي معنا. وقد أقيم نظام المقاييس على أساسيين هما: ١- اتباع الترتيب الهجائي العادي. ولكنه لم يكن يبدأ ثواني الكلمات من أول الألفبائية ولكن من الحرف الذي يلي الحرف الأول. وحينئذ فقوله: باب الحاء وما بعدها يعني به الحاء مع الخاء، ثم يسير إلى نهاية الألفبائية، ويبدأ من الهمزة ويقف عند الجيم، وقد شرح الدكتور عبد الله درويش الفكرة قائلًا: فإذا تصورنا أن الأبجدية منتظمة في شكل دائرة فإن الترتيب يبدأ من الحرف المعين مبتدئًا بتأليفه مع

стр. 202

ما يليه في الدائرة ثم ينتقل إلى الحرف الثاني وهكذا حتى تعود الدائرة من حيث بدأت وهكذا: وفعل مثل في الحروف الثالثة١. وعلى هذا فكلمة مثل "عبد" توضع في المقاييس بعد كلمة "عقد" لأن القاف تلي العين بحرفين أما الباء فلا يأتي دورها إلا بعد الانتهاء من جميع حروف الهجاء ثم البدء بالهمزة ثم الباء٢. ٢- تقسيم كل حرف من حروف الهجاء أقسامًا ثلاثة "إن وجدت الثلاثة" أو بعضها "إن لم توجد كلها". وهذه الأقسام هي: "أ" المضاعف. "ب" الثلاثي الأصول. "ج" ما جاء على أكثر من ثلاثة أحرف. وأهم ما يميز المقاييس إلى جانب ذلك شيئان: ١- محاولة ربط المعاني الجزئية للمعاني بمعنى عام يجمعها أو معان عامة. وخير مثال لذلك مادة "جن" التي ردها إلى معنى الستر والتستر، وفرع على ذلك: الجنة لأنها ثواب مستور عنهم اليوم -والجنة بمعنى البستان لأن الشجر بورقه يستر- والجنين الولد في بطن أمه - والجنان القلب - والمجن الترس، وكل ما استتر به من السلاح فهو جنة - والجنة المجنون، وذلك أنه يغطي العقل - وجنان الليل سواده وستره الأشياء، والجن سموا بذلك لأنهم مستترون ... ٣. ٢- مذهبه الخاص في الرباعي والخماسي الذي شرحه بقوله:

стр. 203

"اعلم أن للرباعي والخماسي مذهبا في القياس يستنبطه النظر الدقيق. وذلك أن أكثر ما تراه منحوت. ومعنى النحت أن تؤخذ كلمتان وتنحت منهما كلمة تكون آخذة منهما جميعًا بحظ. والأصل في ذلك ما ذكره الخليل من قولهم: حيعل الرجل إذا قال حي على ... فعلى هذا الأصل بنينا ما ذكرناه من مقاييس الرباعي فنقول: إن ذلك على ضربين: أحدهما المنحوت الذي ذكرناه. والضرب الآخر الموضوع وضعًا لا مجال في طرق القياس...."١. ومن يراجع مادة المقاييس يجد ابن فارس يضيف إلى هذين الضربين ضربًا ثالثًا وهو: "ما يجيء على الرباعي وهو من الثلاثي على ما ذكرناه لكنهم يزيدون فيه حرفًا لمعنى يريدونه من مبالغة"٢. وأمثلة هذه الأنواع الثلاثة كما يلي: ١- بحتر: القصير المجتمع الخلق من بتر وحتر: فالأول كأنه حرم الطول فبتر خلقه، والثاني لأنه ضيق عليه ولم يعط ما أعطيه الطويل. ٢- أما ما وضع وضعًا فمثل له بالبخنق والبرغز والبرذن والبرشم ٣ ... إلخ. ٣- أما ما زيد فيه حرف فمثاله بلعوم من البلع، وبرقع، بزيادة الباء، وبلسم بزيادة الميم وبلقع بزيادة اللام. وقد طبع معجم مقاييس اللغة في مصر بتحقيق الأستاذ الكبير عبد السلام هارون في ستة مجلدات وزود بفهارس دقيقة وافية.

стр. 204

مجمل اللغة لابن فارس: عده بعضهم أفضل ما ألف ابن فارس وأشهره: وقد قام بتأليفه -كما ذكر في مقدمته- ليتلافى تعقيدات المعاجم السابقة مثل العين والجمهرة. ولذا ألفه مختصرًا قريبًا، قليل اللفظ، كثير الفوائد١. ويكشف عنوان الكتاب عن منهجه، وهو الإجمال الشديد، والتقليل من الشواهد والتصاريف. كما أن المؤلف يكشف عن جوانب أخرى من المنهج في مقدمته حين يصف المعجم بصغر الحجم وحسن الترتيب. وفي أوائل الأحرف قد يتحدث المؤلف عن جوانب أخرى من منهجه كقوله في أول حرف الجيم: "هذا باب الجيم من مجمل اللغة وقد ذكرنا فيه الواضح من كلام العرب والصحيح منه دون الوحشي المستنكر. ولم نأل جهدًا في اجتباء المشهور الدال على غريب آية أو تفسير حديث أو شعر. والمتوخي من كتابنا هذا من أوله إلى آخره: التقريب والإبانة عما ائتلف من حروف اللغة فكان كلامًا، وذكر ما صح من ذلك سماعًا، ومن كتاب لا يشك في صحة نسبه"٢. أما ترتيبه فهو نفس ترتيب المقاييس أي الترتيب الهجائي مع بدء الثاني مما يلي الأول والثالث مما يلي الثاني والتقسيم الكمي إلى مضاعف وثلاثي وما زاد على ثلاثة أحرف. بين المقاييس والمجمل: رغم اتفاق المعجمين في الترتيب فهما يختلفان في عدة جوانب منها: ١- يقوم المقاييس على جملة من الأقيسة تتعلق بالثلاثي والرباعي كما سبق أن ذكرنا أما المجمل فمعجم عادي همه إيصال معاني الألفاظ إلى القارئ.

стр. 205

٢- ينفرد "المجمل" بذكر مواد كثيرة لم يشر إليها في "المقاييس"١. وقد طبع "المجمل" طبعتين محققتين، أولاهما بتحقيق زهير عبد المحسن سلطان، في أربعة أجزاء، والأخرى بتحقيق هادي حسن حمودي في خمسة أجزاء، من منشورات معهد المخطوطات العربية بالكويت. مثالان تطبيقيان على معجمي المقاييس والمجمل: المثال الأول: البحث عن كلمة "متكلف" في أحد المعجمين: الجذر: كلف. الباب: الكاف. القسم: الثلاثي. المادة: الكاف واللام وما يثلثهما. المثال الثاني: ترتيب الكلمات الآتية حسب ورودها في أحد المعجمين: بهو - حيتان - أتان - تدبير - درهم - بثور - أزيز - صيام - صنبور - برزخ - دخان - صحراء - دهان. "أ" تقسم الكلمات إلى مجموعات حسب حرفها الأول بعد التجريد: * أتن - أزز. * بهو - بئر - برزخ. * حوت. * دبر - درهم - دخن - دهن. * صوم - صنبر - صحر.

стр. 206

"ب" ترتب كلمات كل حرف حسب حجمها: * أزز / أتن. * بهو - بئر - برزخ. * حوت. * دبر - دخن - دهن / درهم. * صوم - صحر / صنبر. جـ- ترتب كلمات كل قسم حسب الثواني والثوالث: * أزز - أتن. * بئر - بهو - برزخ. * حوت. * دهن - دبر - دخن - درهم. * صوم - صحر - صنبر. فيكون الترتيب النهائي: أزيز - أتان - بثور - بهو برزخ - حوت - دهان - تدبير - دخان - درهم - صيام - صحراء - صنبور. أساس البلاغة للزمخشري: ولد الزمخشري عام ٤٦٧، وتوفي عام ٥٣٨. وهو أول من اكتمل على يديه نظام الترتيب الألفبائي: وقد ذكر في سبب اختياره له ما يأتي: "وقد رتب الكتاب على أشهر ترتيب متداولًا، وأسهله متناولًا، يهجم فيه الطالب على طلبته -موضوعة سعلى طرف الثمام وحبل الذراع". ونظام الزمخشري هو النظام الحديث الذي ينظر إلى الأوائل فإذا اتفقت ينظر إلى الثواني؛ فإذا اتفقت ينظر إلى الثوالث ... ويشرح الزمخشري

стр. 207

خطته قائلًا: "من خصائص هذا الكتاب تخير ما وقع في عبارات المبدعين وانطوى في استعمالات المفلقين من التراكيب التي تملح وتحسن ... "ومنها التوقيف على مناهج التركيب والتأليف.. بسوق الكلمات متناسقة لا مرسلة بددًا، ومتناظمة لا طرائق قددًا ... "ومنها تأسيس قوانين فصل الخطاب والكلام الفصيح بإفراد المجاز عن الحقيقة، والكناية عن التصريح ... "١. ولعل أهم ما يميز الكتاب -إلى جانب سهولة ترتيته- ما التزمه المؤلف من التفريق بين المعاني الحقيقية والمعاني المجازية للكلمة، وبدئه بالمعنى الحقيقي. ومن أمثلة ذلك قوله: ١- سيف وسنان ذ ر ب. . . وفيه ذ ر ب وذرابة: حدة.. ومن المجاز: لسان ذرب.. وسم ذ رب.. ٢- مَج الماء من فيه. وشيخ وبعير ماج: هرم لا يمسك ريقه ... ومن المجاز: مزج الشراب بمجاج المزن وبمجاج النحل ... وهذا كلام تمجه الأسماع ... وإذا كان الزمخشري قد وفق في الأمثلة السابقة وغيرها فهو لم يوفق في بعض آخر مثل: ١- ... يقال: أشد من وخز الإبر ... ومن المجاز: إبرة القرن لطرفه. ٢- ... أرتج الباب: أغلقه إغلاقًا وثيقًا ... ومن المجاز: أرتجت الناقة. حملت فأغلقت رحمها على الماء ... وأرتجت الدجاجة: امتلأ بطنها بيضًا. ٣- كتب الكتاب ... انتسخه ... ومن المجاز: كتب عليه كذا: قضى عليه ... وكتب البغلة وكتب عليها إذا جمع بين شفريها بحلقة ... وكتب النعل والقربة: خرزها بسيرين.

стр. 208

وأهم ما نلاحظه على هذه الاقتباسات شيئان: "أ" أنه ثبت المعاني الحقيقية والأخرى المجازية مع أن المجاز والحقيقة في حركة دائبة ويتبادلان مراكزهما. ب- أنه عكس الوضع بالنسبة لكلمات "إبرة" و "أرتج" و"كتب" فاعتبر المجاز حقيقة والحقيقة مجازًا. المصباح المنير للفيومي: وهو من المعاجم الموجزة، ومؤلفه من علماء القرن الثامن الهجري١. وقد اهتم فيه المؤلف بالاصطلاحات الفقهية، لأنه هدف من تأليف معجمه إلى شرح ألفاظ "شرح الوجيز" الذي كتبه الرافعي٢ على "الوجيز"٣ للغزالي وفيه أكثر من الاستشهاد بالحديث النبوي٤. والكتاب -كما ذكر الفيومي في خاتمة معجمه- قد جمع أصله من نحو سبعين كتابًا ما بين معاجم وموسوعات وكتب تفسير ونحو ودواوين شعر. ويزيد في قيمة المعجم أن المؤلف ألحق بكتابه دراسة موجزة ضمت قواعد من النحو والاشتقاق والتصريف والمصادر والجموع والتذكير والتأنيث والتفضيل والنسب.

стр. 209

ملاحظة: سارت معاجم هذه المدرسة على اعتبار الأوائل ثم الثواني ثم الثوالث، ولكن هناك طريقة غريبة سار عليها أبو حيان في معجمه "تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب" حيث اعتبر الأوائل ثم الثوالث١. ٣ وضع الكلمة تحت أول حروفها دون تجريد: لم تظهر - في الحقيقة - معجمات قديمة كاملة اتبعت هذا النظام. وإنما ظهرت مجموعة من الكتب اللغوية التي اهتمت بنوع معين من المفردات وأهم هذه الكتب هو: ١- "المقصور والممدود" لابن ولاد المصري المتوفي عام ٣٣٢ هـ. وهو معجم يحصر كلمات المقصور والممدود في اللغة العربية، وسار فيه المؤلف على النحو التالي: ١- وضع الكلمات تحت أوائلها بدون تفريق بين الأصلي والزائد. ٢- اتباع نظام الترتيب الهجائي العادي وطرح نظام الخليل الصوتي. ٣- عدم إعطاء أي اعتبار لثواني الكلمات أو ثوالثها. وقد طبع كتاب ابن ولاد حتى الآن طبعتين غير محققتين، إحداهما بإشراف الدكتور بول برونل في لندن - ليدن عام ١٩٠٠، والأخرى بإشراف السيد محمد بدر الدين الحلبي في القاهرة عام ١٩٠٨ - وكلتاهما مليئة بالتحريفات والأخطاء. ب- "غريب القرآن" لأبي بكر محمد بن عزير السجستاني المتوفي عام ٣٣٠ هـ.

стр. 210

جـ- وقد لاقى هذا النظام رواجًا بصفة خاصة بين المؤلفين في غريب القرآن وغريب الحديث، لأن عملهم في الحقيقة كان يخاطب الجمهور المسلم قبل المتخصصين في البحث اللغوي، ولا شك أن هذا النظام أيسر على القارئ العادي. ونشير بوجه خاص إلى "المفردات في غريب القرآن" للراغب الأصفهاني، و"النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير. د- كذلك سلك الجواليقي هذا السبيل في كتابه عن الكلمات المعربة في اللغة العربية والذي يحمل اسم "المعرب". والسر في عدم شيوع هذا النظام بين المعجميين القدماء أنه يمزق كلمات المادة الواحدة، ويفرقها في أماكن متعددة. فمادة "كتب" مثلًا ستوزع مشتقاتها على النحو الآتي: كتاب وكتاب و ... في الكاف مكتب ومكتوب و ... في الميم تكاتب ... و ... في التاء. اكتتاب.... و.... في الألف وهكذا وبذلك ضحى المعجميون بالسهولة في سبيل لم المتفرق وجمع الشمل. ٤- وضع الكلمة تحت حرفها الأخير دون تجريد: التقفية في اللغة: مؤلف هذا المعجم أبو بشر اليمان بن أبي اليمان البندنيجي، الذي ولد عام ٢٠٠ هـ وتوفي عام ٢٨٤ هـ. والبندنيجي نسبة إلى بلد يدعى بندنيجين على طرف النهروان من ناحية الجبل من أعمال بغداد في أرض السواد، قرب الحدود العراقية الإيرانية.

стр. 211

رتب المؤلف كتابه على حسب أواخر الكلمات، بغض النظر عن كونها حروفًا أصلية أو زائدة، مع أخذه في الاعتبار قوافي الشعر وكيفية ترتيبها هجائيًّا. ومن أجل هذا -ولأن المؤلف هدف إلى خدمة الشعراء- لم يرتب الكلمات داخلالقافية أي نوع من الترتيب، وإنما اكتفى بتجميع الكلمات تحت الحرف الأخير "حرف الروي في القافية"، مع ما يسبقه حين يكون التزامه ضروريًّا في القافية. ومما يدل على أن هدف المؤلف لفظي يتمثل في تقديم القوافي المتماثلة -أنه كثيرًا ما كان يسرد الكلمات سردًا متتابعًا دون توضيح معانيها، وتكراره الكلمة في أكثر من موضع بحسب ما يلحقها من زوائد تغير القافية. "فكبير" في قافية و"كبيرة" في قافية أخرى ... وهكذا. وقد أفصح المؤلف عن هذا حين قال: إنه "اختار الكلام الفصيح الذي لا يجهله العوام". وحين أطلق على الفروع داخل الحرف الواحد "قافية". ولنمثل لذلك بباب الراء. فقد بدأ بكلمات: المجر - النجر - البشر - العسر ... ثم قال: "قافية أخرى" اشتملت على كلمات مثل: الميرة - كبيرة - صغيرة - جبيرة.... ثم "قافية أخرى" اشتملت على كلمات مثل: قماطر - عذافر - تضافر - تظاهر ... ومما يؤكد سيطرة فكرة القافية على تقسيمات المؤلف أنه قسم حرف الألف إلى: باب الألف الممدودة مثل: أباء - خباء - هباء - حرباء - شتاء ... ثم باب الألف المهموزة مثل: نبأ - ظمأ - كلأ - ... وتحت هذا الباب فروع متنوعة. ففرع يشمل: الظماء - الفناءة - الجراءة ... وفرع يشمل: اللألأة - الصأصأة - الدأدأة ... وأخيرًا ذكر باب الألف المقصورة ويشمل كلمات مثل: القفا - البلى - الطلى - العلى.... وما دام هدف المؤلف تقديم القوافي للشعراء، وليس هدفه تقديم

стр. 212

العون لمن يريد ضبط كلمة أو معرفة معناها فإنه لم ير أي داع لترتيب الكلمات داخل القافية الواحدة. لأن من يبحث عن قافية معينة لا يهمه ترتيب الكلمات تحت هذه القافية إذ لا بد له أن يقرأ كلمات القافية المرادة كلها. وهذا هو السر في أن المؤلف لم يرتب الكلمات أي ترتيب آخر على الأوائل أو الثواني مثلًا. ولهذا فلا معنى لقول محقق "التقفية": "فلم يدر بخلده ارتضاء ترتيب هجائي يوفر على المراجع الجهد، مما يدل على عدم اختمار المسألة في ذهنه" "انظر ص ٢٤ من المقدمة". وقد طبع المعجم عام ١٩٧٦ باسم "التقفية في اللغة" وقام بتحقيقه الدكتور خليل إبراهيم العطية، ونشر في العراق بمساعدة وزارة الأوقاف. ٥- وضع الكلمة تحت حرفها الأصلي الأخير: رائد هذه الطريقة التي يطلق عليها نظام الباب والفصل أو الترتيب بحسب القافية هو الفارابي اللغوي وعنه أخذها تابعون كثيرون. ومن الباحثين من ينسب الريادة للبندنيجي مؤلف "التقفية" ومن هؤلاء محقق التقفية الدكتور خليل العطية وكذلك الدكتور عبد الصبور شاهين١. وفي رأيي أن كتاب التقفية لا يمكن اعتباره من معاجم الباب والفصل لما يأتي: أ- أنه مرتب بحسب الأواخر دون تجريد من الزوائد. ب- أنه لم تعتبر فيه الأوائل في حال اتفاق الأواخر. جـ- أن مهمته تختلف عن مهمة المعجم، لأنها تتركز في عرض كلمات اللغة مبوبة على حسب تقسيمات القافية في الشعر العربي. أما مهام المعجم الأساسية التي تتلخص في شرح الكلمات وضبطها بالشكل

стр. 213

وبيان كيفية كتابتها وتحديد وظيفتها الصرفية ... فتكاد تختفي من هذا الكتاب. صحاح الجوهري: يعد الجوهري تابعًا لطريقة الفارابي، ولكنه أدخل تعديلًا جوهريًّا عليها إذا طرح الخطوات الكثيرة التي سارت عليها معاجم الأبنية، واختار من منهج الفارابي المعقد فكرة الباب والفصل وحدها وأدار عليها معجمه. ولذا فإن مزيته -على حد تعبير المستشرق الألماني كرنكو- "تنحصر في أنه رتب المادة اللغوية برمتها في ترتيب هجائي واحد". والاسم الكامل لمعجم الجوهري هو "تاج اللغة وصحاح العربية" ولكنه اشتهر باسم "الصحاح". وتضبط إما بكسر الصاد جمع صحيح وإما بفتح الصاد فتكون مفردًا بمعنى صحيح مثل براء وبريء. وأفضل طبعة للصحاح تلك التي حققها الأستاذ أحمد عبد الغفور العطار. وقد سار كتاب "الصحاح" في الآفاق وبلغ في الشهرة مبلغًا عظيمًا، ويقول القفطي: إنه لما دخلت نسخة منه مصر نظرها العلماء فاستجودوا قرب مأخذها. ويقول: إن أهل مصر يروون كتاب "الصحاح" عن ابن القطاع الصقلي متصل الطريق إلى الجوهري، ولا يرويه أحد من أهل خراسان١. وفي رأيي أن كتاب "الصحاح" نال من الشهرة أكثر مما يستحق، وأن الجهد الحقيقي يعود إلى الفارابي لا إلى الجوهري، وأن أصابع الاتهام تشير إلى الجوهري بالأخذ والاغتراف من "ديوان الأدب" بدون أن يشير إلى ذلك أو يلمح حتى إليه. ولما كانت هذه التهمة خطيرة وتمس مكانة الجوهري العلمية فسنعطيها شيئًا من البسط حتى يتضح فيها وجه الحق.

стр. 214

بين "الصحاح" و"ديوان الأدب": ان كرنكو١ أول من تنبه إلى العلاقة بين الصحاح وديوان الأدب، وأشار إلى وجود التشابه بل التماثل بينهما ولكنه تحدث عن ذلك في إيجاز شديد وسطحية ظاهرة، إذ قال: إنه عقد مقارنة بين المعجمين "وكم كانت دهشتي أن أكتشف أن الجوهري لم يكتف بأن عب من ديوان الأدب، بل وجدت -قدر ما استطعت الاستقراء والمقابلة- أن "الصحاح" لا يحتوي على أي شيء لا يوجد في ديوان الأدب". ولم يحاول أحد من الباحثين منذ نشر المقال "عام ١٩٢٤" حتى الآن أن يتوفر على درس القضية ويناقشها مناقشة واعية فكل ما وجه إليها ما قاله الأستاذ أحمد عبد الغفور العطار: "ولقد أسرف كرنكو في دعواه ولا سند له. فديوان الأدب للفارابي وصحاح الجوهري موجودان ... والفارق بين المعجمين كبير. وبعد كل هذا نجد عمل الجوهري أصح وأكمل وأعظم من عمل خاله الفارابي"، وما قاله: "والتقاء الفارابي والجوهري في نقطة أو نقاط ليس دليلًا على أن الثاني سطا على الأول"٢. وحاول الدكتور عبد السميع محمد في أسطر قليلة أن ينفي عن الجوهري دعوى السرقة من خاله الفارابي، وكان أهم ما اعتمد عليه عدم تحدث أحد من العماء عن دعوى النقل هذه٣. أما نحن فليتلخص رأينا فيما يأتي: ١- هناك اتفاق بين المؤرخين على أن هناك صلة نسب بين الجوهري والفارابي. فمعظم المؤرخين على أن الفارابي خال الجوهري، وروى بعضهم رواية أخرى ضعيفة تقول: إن الجوهري هو خال الفارابي٤.

стр. 215

٢- كما أن من المتفق عليه تاريخيًّا وجود صلة علمية بين الفارابي والجوهري، فقد ذكر المؤرخون أن الجوهري تتلمذ على خاله الفارابي، بل منهم من ذهب إلى تعميق هذه الصلة، وقال: إنها هي السبب في تسمية الجوهري بالفارابي، وأنه سمى بذلك نسبة إلى خاله وأصله هو من فارس١. ٣- من الروايات التاريخية الموثقة أن الجوهري قرأ ديوان الأدب على خاله، وأنه كان يحتفظ بنسخة منه عنده كتبها بخطه. بل أكثر من هذا يقول ياقوت: إنه بعد أن قرأه على مؤلفه بفاراب أعاد قراءته على أبي السري محمد بن إبراهيم الأصبهاني بأصبهان، ثم عرضه على أستاذه أبي سعيد السيرافي ببغداد فقبله ولم ينكره فصار عنده من صحاح اللغة٢. فكل هذه العوامل تجعلنا نقول: إن الجوهري قد استفاد ولا شك من ثقافة خاله وعلمه، وإنه تأثر بشخصيته اللغوية، واستعان بكتاب "ديوان الأدب" في تأليف معجمه "الصحاح". ولكن إلى أي حد بلغ هذا التأثر؟ وإلى أي مدى استفاد الجوهري من ديوان الأدب؟ هذا ما سنحاول أن نجيب عنه الآن: ١- وأول شيء ثابت لا يقبل النقاش أن الجوهري أخذ عن "ديوان الأدب" نظام الباب والفصل. وهذه قضية لا يستطيع أحد أن يجادل فيها أو ينكرها. فأمامنا ديوان الأدب وأمامنا الصحاح. ولا شك أن ديوان الأدب أسبق في التأليف من الصحاح، ولا شك أن الفارابي هو السابق بهذا النظام.
следующие страницы →