← Язык

Язык · id 8670

البحث اللغوي عند العرب

أحمد مختار عمر

Полный текст (362 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الواضحة، والأغلاط الفاضحة، لتداوله واشتهاره بخصوصه، واعتماد المدرسين على نقوله ونصوصه". أما بالنسبة لزيادات الفيروزآبادي فقد استعاضت المطبعة عن الحمرة بخط ممتد يوضع فوق المادة الزائدة. وتبدو الزيادات كثيرة من النظرة السريعة لكثرة الخطوط وشمولها معظم الصفحات، وتكررها في كثير منها. ولم يقم أحد من الباحثين بإحصاء يبين عدد الجذور التي يحتويها القاموس المحيط لمقارنتها بجذور معجم الصحاح وتحديد نسبة الزيادة، ولكن قدم الدكتور علي حلمي موسى الإحصاء التالي المتعلق بالصحاح واللسان وتاج العروس، كما قدم الدكتور محمد مصطفى رضوان إحصاء بمجموع مواد القاموس.. وهما كما يأتي ١: ولا يغرب عن البال أن زيادات المواد أو الجذور ليست هي كل زيادات القاموس على الصحاح، لأن التوسع في الشرح، وذكر معان جديدة للجذر يمثل نسبة كبيرة من زيادات الفيروزآبادي. ويكفي لبيان فضل الفيروزآبادي في هذا أن أشير إلى أن بعضًا من مادة القاموس لم يرد حتى في "لسان العرب" برغم اعتبار الأخير واحدًا من أضخم المعاجم العربية على الإطلاق، ويكفي أن أمثل بالمثل الآتي -وقد

стр. 247

عثرت عليه بطريق المصادفة- فقد أهمل ابن منظور في مادة "لجن" ذكر كلمة "لجنة" ومعنها، وقد ورد في القاموس ما نصه: "واللجنة الجماعة يجتمعون في الأمر ويرضونه". وأما بالنسبة لمآخذ الفيروزآبادي على الجوهري فبعضها يسلم له، وبعضها يسلم للجوهري، وبعضها لا يعد أحد الرأيين فيه أفضل من الآخر. وقد تتبع كثير من العلماء هذه الأوهام بالتعليق والدراسة، ويبدو أن تعاطفهم كان متجهًا إلى الجوهري ولذا ألفت الكتب في الانتصار له، ولا أعرف كتابًا واحدًا ألف للانتصار للفيروزآبادي. فمما أخذه الفيروزآبادي على الجوهري ولا يمكن الدفاع فيه عن الجوهري. ١- قال في القاموس: "شاد": "شاد الحائط يشيده طلاه بالشيد وهو ما طلى به حائط من جص ونحوه. وقول الجوهري: من طين أو بلاط - بالباء - غلط، والصواب ملاط بالميم؛ لأن البلاط حجارة لا يطلى بها، وإنما يطلى بالملاط وهو الطين". ٢- قال في القاموس "صعر": "والصيعرية اعتراض في السير، وسمة في عنق الناقة لا البعير، وأوهم الجوهري بيت المسيب الذي قال فيه طرفة لما سمعه: قد استنوق الجمل". وقد حاول ابن الطيب الفاسي أن يعتذر عن الجوهري بقوله: إنه أراد بالبعير الأنثى١، والتكلف واضح في هذا الدفاع. أما بيت المسيب الذي أشار إليه الفيروزآبادي فهو: وقد أتناسى الهم عند احتضاره ... بناج عليه الصيعرية مكدم

стр. 248

٣- قال في القاموس: "نوف": "وأناف عليه زاد كنيف. وأفرد الجوهري له تركيب "ن ي ف " وهما. والصواب ما فعلنا لأن الكل واوي". ومما أخذه الفيروزآبادي على الجوهري دون وجه حق: ١- جاء في القاموس: "بهت" وقول الجوهري: فابهتي عليها أي فابهتيها لأنه لا يقال: بهت عليه -تصحيف- والصواب فانهتي عليها بالنون لا غير". والفيروزآبادي يشير إلى قول أبي النجم: سبي الحماة وابهتي عليها ... ثم اضربي بالود مرفقيها وقد تكفل صاحبا "إضاءة الراموس"، و "الوشاح" بالرد على الفيروزآبادي. فقال الأول: إن كانت الرواية فابهتي ثابتة فلا يلتفت لدعوى التصحيف لأنها في مثله غير مسموعة ... وإن لم تثبت الرواية كما قال، وصحت الرواية معه ثبت هذا التصحيف حينئذ بالنقل لا لأنه لا يقال.. وليس عندي جزم في الرواية حتى أفصل قوليهما.. وإنما ادعاء التحريف بمجرد أنه لا يتعدى "بهت" بعلي دعوى خالية عن الحاجة١. وقال الثاني: قوله: بالنون لا معنى له هنا لأن نهت لازم لا يتعدى ولا بحرف الجر، يقال: نهت ينهت.. والنهيت الزئير. وقد أقر ابن بري كلام الجوهري ولم يتعقبه من جهة المعنى وقال: إنما عدي بعلى لأنه بمعنى افترى٢. ٢- جاء في القاموس "كتب": "والكتاب" كرمان: الكاتبون.

стр. 249

والمكتب كمقعد موضع التعليم. وقول الجوهري: الكتاب والمكتب واحد غلط". وما جاء في "الصحاح" صحيح، فقد قال الخليل: المكتب بضم الميم: المعلم، والكتاب مجمع صبيانة. وذكر الأزهري أن الكتاب اسم المكتب الذي يعلم فيه الصبيان. وقال صاحب "الوشاح": العبارة في غاية الصواب.. وفي مسند الإمام أحمد عن ابن مسعود قال: "قرأت من فيّ رسول الله ﷺ سبيعن سورة وإن زيد بن ثابت له ذؤابة في الكتاب" ١. ٣- جاء في القاموس "مزج": "المزج الخلط والتحريش، وبالكسر اللوز المر كالمزيج والعسل، وغلط الجوهري في فتحه أو هي لغية". وقد تكفل الفاسي بنقض ذلك فقال: لا غلط في الفتح، فهو الذي جزم به غيره وصرح به الفيومي، وقال: سمي العسل مزجًا؛ لأنه يخلط بالشراب. وبالفتح روى بيت أبي ذؤيب: وجاءوا بمزج لم ير الناس مثله ... هو الضحك إلا أنه عمل النحل وهو الذي قاله أبو حنيفة وغيره، فلا معنى لقوله: أو هي لغية به هي لغة مبكرة صحيحة ثابتة نقلها الأثبات٢. وقد اقتصر الخليل في "العين" على الفتح. وقد رد بعضهم ما في "الصحاح" من أوهام إلى أن الجوهري مات وترك الكتاب مسودة فبيضه تلميذه أبو إسحاق الوراق بعد موته فغط فيه في عدة مواضع. وسئل الميداني عن الخلل الواقع في الصحاح فقال:

стр. 250

إنه قرئ عليه إلى باب الضاد فحسب وبقي أكثر الكتاب على سواده. ولم يقدر له تنقيحه ولا تهذيبه. قال: ومن زعم أنه سمع من الجوهري شيئًا من الكتاب زيادة على باب الضاد فقد كذب١. إضاءة الراموس٢ لابن الطيب الفاسي٣. يعد إضاءة الراموس موسوعة لغوية فريدة، ومع ذلك ما يزال مخطوطًا لم ير النور بعد برغم تعدد نسخه في مكتبات العالم. ومؤلفه ابن الطيب الفاسي من أعلام المغرب، وقد ولد عام ١١١٠ هـ من أسرة متمسكة بالدين حريصة على العلم، وتوفي عام ١١٧٠ هـ في المدينة المنورة حيث دفن. ويفصح المؤلف منذ البداية عن استنكاره لموقف الفيروزآبادي من الجوهري ويصرح بأن الدفاع عن الجوهري كان من أسباب تأليف هذا الكتاب: "وفي أثناء القراءة والإقراء.. رأيت المجد الشيرازي يكثر في قاموسه من الاعتراضات على الصحاح.. ويتابع في الرد، ويأتي بالتنديد الذي لا يحمله سد، ورأيت بعض المدعين يقلدونه في كلامه، ويعتقدون لقصورهم، تصويب اعتراضاته عليه وملامه.. فلما رأيته أكثر من التنديد عليه، وبالغ في عزو الأوهام إليه، انتصرت لأبي نصر ... وجعلت أرد ما يورده مشروحًا في شرحي لمصنفات اللغة وأتعقبه في الدروس أكمل التعقيب وأبلغه. فلما وقف على ذلك أشياخنا الأساتذة وأصحابنا الجهابذة تاقت نفوسهم إلى جمع ذلك في تعليق مستقل". وقد بدأ المؤلف متحمسًا في الأبواب الأولى من كتابه "الهمزة إلى

стр. 251

الراء" فتوسع واستفاض في الشرح والتعقيب، ولم يهمل أي فصل من فصول القاموس، ثم فتر حماسه بعد ذلك حتى اكتفي في القسم الأخير بتعليقات بسيطة، واقتصر على أقل الألفاظ. وقد لخص الدكتور علي البواب جهود ابن الطيب الفاسي في النقاط الآتية:١ ١- الشرح بمعناه الواسع الذي يشمل الضبط والتفسير والاستشهاد وغير ذلك. ٢- الاستدراك ٢. ٣ النقد٣. ٤ زيادات الفيروزآبادي على الجوهري. ٥ انتقادات الفيروزآبادي للجوهري. ويلاحظ في المعجم ميل المؤلف الظاهر نحو الجوهري، وتعصبه المطلق له، وتحامله الواضح على الفيروزآبادي، مما جعله يتهمه بالتقصير والغموض والخطأ والوهم وغيرها من التهم. وقد خالف ابن الطيب الفاسي تلامذة نابهين كان أشهرهم الزبيدي مؤلف "تاج العروس" التالي:

стр. 252

تاج العروس للزبيدي: اشتهر الزبيدي باسم السيد محمد مرتضى الحسيني الزبيدي. وقد ولد بإحدى مدن الهند عام ١١٤٥ هـ، ثم ارتحل إلى زبيد باليمن حيث درس بها ثم غادرها وهو في السابعة عشرة من عمره. وفي سنة ١١٦٧ هـ هاجر إلى مصر واستقر بها إلى أن توفي عام ١٢٠٥ هـ. وقد التقى الزبيدي بأستاذه الفاسي في المدينة المنورة وتتلمذ عليه هناك، وتلقى عليه القاموس المحيط وشرحه سماعًا ومشافهة، ووضع نسخة من حاشية ابن الطيب الفاسي بين يديه وهو يؤلف التاج١. ولم يترك الزبيدي مناسبة إلا أشاد بأستاذه وشيخه كقوله: "وهو عمدتي في هذا الفن والمقلد جيدي العاطل بحلي تقريره المستحسن"، "ولعمري لقد جمع فأوعى، وأتى بالمقاصد ووفى". وكان إذا قال في "تاج العروس": "شيخنا" -وما أكثر ما قالها- فإنه يعني ابن الطيب الفاسي٢. وقد ذكر المؤلف الهدف من تأليف هذا الكتاب فقال: "كتاب القاموس المحيط ... أجلّ ما ألف في الفن.. ولما كان إبرازه في غاية الإيجاز، وإيجازه عن حد الإعجاز تصدى لكشف غوامضه ودقائقه رجال من أهل العلم "فكرت" في وضع شرح عليه ممزوج العبارة جامع لمواده.. واف ببيان ما اختلف من نسخه والتصويب لما صح منها من صحيح الأصول". وتقول المراجع إن الزبيدي بعد أن أنجز من "التاج" إلى آخر حرف الدال أولم وليمة حافلة جمع فيها طلاب العلم بمصر وأطلعهم عليه فاغتبطوا به وشهدوا بفضله وسعة اطلاعه. وإذا كان الزبيدي قد ترسم خطى أستاذه الفاسي في جميع مراحل

стр. 253

منهجه، فقد خالفه في حملته الشديدة على الفيروزآبادي حيث خفف كثيرًا من حدتها وتجنب استعمال العبارات الجارحة. وكانت طريقة صاحب التاج أن يضع عبارة "القاموس المحيط" بين قوسين ثم يورد شروحه وأقواله واستشهاداته وتعليقاته خارج الأقواس، محاولًا الملاءمة بين ما يقوله وما هو من كلام القاموس حتى لا ينقطع السياق. وبرغم أن "تاج العروس" شرح للقاموس فلقد ظهرت شخصية الزبيدي فيه إلى حد جعله يفوق مجرد شرح أو تعليق، ويعتبره اللغويون كتابًا مستقلًّا، ومعجمًا قائمًا بذاته١. وقد ختم الزبيدي بمعجمه هذا عهد المعجمات المطولة، ورجع في تأليفه إلى حوالي خمسمائة مرجع ذكر أهمها في مقدمته. وتشمل إضافات الزبيدي على القاموس ما يأتي: ١- ذكر الشواهد التي أغفلها القاموس. ٢- رد بعض الاقتباسات إلى أصولها أو مصادرها الأولى. ٣- الاستدراك على الفيروزآبادي فيما أغفله من مواد أو كلمات أو معان. وكان من عادة المؤلف أن يختم المادة بما استدركه قائلًا: ومما يستدرك عليه. وقد تم طبع تاج العروس عام ١٣٠٧ هـ "١٨٨٩ م" بعد محاولة بدأت سنة ١٢٨٧ هـ٢. ويعاد طبعه الآن بالكويت طبعة علمية محققة وصلت عام ١٩٨٦ إلى الجزء الثالث والعشرين.

стр. 254

التكملة والذيل والصلة للزبيدي: ألف الزبيدي هذا الكتاب ليستدرك ما فات صاحب القاموس من اللغة "إبطالًا لما يعتقده كثير ممن لا توغل له في هذا الشأن أن صاحب القاموس قد أحاط باللغة"١ وهو بهذا يحاكي الصاغاني في تكملته على الصحاح. وقد ظلت التكملة مخطوطة حتى طبع مجمع اللغة العربية بالقاهرة الجزءين الأول والثاني منها بتحقيق الأستاذ مصطفى حجازي "١٩٨٦"، وقد وصل الجزءان إلى نهاية حرف الجيم. ويشبه منهج الزبيدي في هذا الكتاب منهج الصاعاني في تكملته على الصحاح فهو مثله: ١- ينسب ما يورده -مما فات صاحب القاموس من اللغة- إلى قائليه من اللغويين وأصحاب المعاجم. ٢- ويعزو ما ينقله إلى مصدره كالصحاح واللسان والأساس. ٣- ويتعقبه فيما وقع فيه من خطأ أو وهم. وكانت طريقته في ذلك إيراد عبارة القاموس مسبوقة بقوله: "وقول المصنف كذا ... " ثم التعقيب على ذلك بقوله:"خطأ، أو وهم صوابه: كذا" ثم يتبع ذلك بالنقول والشواهد التي تؤيد ما ذهب إليه"٢. وقد ألفه بعد فراغه من معجمه "تاج العروس"، وقد ذكر ذلك في مقدمة التكملة حيث يقول: "فإني لما فرغت من شرحي على كتاب القاموس.. وتعقبت فيه البحث عن عواره، والكشف عن مخبآت أسراره، وبيان غامضه ومشكله، وتقييد مبهمه ومهمله، والتنبيه على

стр. 255

ما وقع فيه من اختلال في بعض سياقاته، وحل تعقيد في طي عباراته، وكنت ذكرت عقيب كل تركيب ما فاته من اللغات.. فكان يختلج في البال إفراد ذلك في تأليف على الاستقلال ... "١. جـ- مدرسة الترتيب بحسب الأبنية: مدخل: يلاحظ أن جميع المعاجم التي سبق ذكرها قد رتبت بحسب الحروف الساكنة "أو ما يمكن أن يسمى بالصوامت أو السواكن Cansonants" دون اعتبار الحركات "أو ما يمكن أن يسمى بالصوائت أو العلل Vowels" سواء في ذلك ما قام بتجريد الكلمة من الزوائد -وهو النوع الغالب- أو ما وضع الكلمات تحت حرفها الأول دون تجريدها من الزوائد. أما هذا النوع من المعاجم الذي سميناه بمعاجم الأبنية؛ فقد كان نوعًا فريدًا في بابه إذ راعى في ترتيب الكلمات الحركة إلى جانب الصوت الساكن. ولكنه -من سوء الحظ- لم يكتب له الشيوع والشهرة نظرًا لتعقد نظامه وتركبه من خطوات عدة. وعلى الرغم من أن أول معجم كامل اتبع نظام الأبنية قد ظهر في القرن الرابع الهجري على يد مؤلف من تركستان، من إقليم فاراب اسمه أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الفارابي؛ فقد تمت محاولات كثيرة لدراسة أبنية اللغة العربية وترتيبها منذ بدأ التفكير اللغوي عند العرب. وقد مهدت هذه المحاولات الطريق، ويسرت السبيل أمام ظهور فكرة المعجم الكامل. وربما كان من المفيد -من أجل هذا- أن نقسم البحث في معاجم الأبنية إلى نقطتين أساسيتين نتناول في أولاهما مرحلة التمهيد، أو وضع اللبنات الأولى، ونتناول في ثانيتهما مرحلة المعجم الكامل، وأشهر المعاجم التي اتبعت هذه الطريقة.

стр. 256

أولًا: حرية التمهيد بدأ التأليف في الأبنية على أيدي النحاة، وقد كان "سيبويه أول من ذكرها وأوفى من سطرها"١، ولذلك أفرد لها في كتابه أبوابًا جمع فيها ما عرفه من أبنية اللغة العربية وقسمها تقسيما كميًّا، مع فصل أبنية الأسماء عن الأفعال، ومثل لكل نوع منها، وقد ذكر للأسماء ٣٠٨ بناء بين ثلاثي مجرد ومزيد، ورباعي مجرد ومزيد، وخماسي مجرد ومزيد. وذكر للأفعال ٣٤ بناء بين ثلاثي مجرد ومزيد ورباعي مجرد ومزيد. ومهد سيبويه لكلامه عن الأبنية بمقدمة تحدث فيها عن أقل ما تكون عليه الكلمة وأكثر ما تصل إليه وحروفها أصلية أو مزيد فيها. ثم تحدث عن حروف الزوائد حرفًا حرفًا، وذكر مواضع زيادة كل منها٢. ولم يكن من غرض سيبويه في هذا البحث أن يحصر ألفاظ كل بناء، وإنما كان غرضه يتجه إلى حصر الأبنية والتمثيل فقط كل منها. وجاء النحاة بعد سيبويه فبهرهم هذا العمل، وأثار إعجابهم. فلم يقدموا لنا في الموضوع شيئًا ذا بال، وانحصر بحثهم في ناحيتين: الأولى: الاستدراك على سيبويه وإضافة بعض الأبنية التي تركها. وقد فعل ذلك ابن السراج الذي ذكر أبنية سيبويه وزاد عليها ٢٢ مثالًا، كما زاد أبو عمر الجرمي عليها أمثلة يسيرة، ثم زاد ابن خالويه أمثلة يسيرة ٣، وزاد الزبيدي أكثر من ثمانين بناء٤. والثانية: يمثلها المبرد الذي حول البحث في الأبنية إلى عمليات تدريبية وافتراضات عقلية بدلًا من أن يحاول القيام بعمل إيجابي. فهو

стр. 257

لم يبحث الأبنية بحثًا عمليًّا يقوم على الاستقراء والتتبع، وإنما أطلق لفكره العنان، وأكثر من الفروض العقلية. ومن ذلك أنه عقد بابا باسم "هذا باب معرفة الأبنية وتقطيعها بالأفاعيل ... " قال فيه: "فإذا قال لك: ابن مَن "ضرب" مثل "جعفر" فقد قال لك: زد على هذه الحروف الثلاثة حرفا، فحق هذا أن تكرر لامه فتقول: "ضريب".. ولو قال لك: ابن لي من "ضرب" على مثال "صمحمح" لقلت "ضربرب" ١. ولكن من حسن حظنا أن اللغويين لم يدعوا النحاة وحدهم في هذا الميدان يصولون ويجولون، وإنما شاركوهم فيه. وحولوا البحث في الأبنية مرة أخرى إلى بحث استقرائي تتبعي، وإن اتجهوا في البحث اتجاهًا آخر، فلم يعد هدفهم حصر الأبنية فقط -فهذا أمر قام به السابقون- وإنما اتجه إلى محاولة حصر الألفاظ تحت كل بناء، واتخذ ذلك مظهرين اثنين: فاتجه فريق إلى أن يفردوا في كتبهم اللغوية بحوثًا خاصة بالأبنية، واتجه فريق آخر إلى التأليف في الأبنية مؤلفات مستقلة. أما الفريق الأول فلم تتسم بحوثه بطابع خاص، وإنما اتخذت أشكالًا متعددة. فمنها ما اهتم بأن يذكر من ألفاظ البناء ما يقع الاشتباه فيه ويدع ما عداها، ومنها ما اهتم بذكر الأبنية التي تعد ضبطها، ومنها ما تعرض لبعض الأبنية -بدون ضابط وذكر ألفاظها، ومنها ما اهتم بذكر الأبنية النادرة، ومعظمها وجه عنايته لصيغتين من صيغ الأفعال هما "فعل أو فعل". وقد حظيت هاتان الصيغتان باهتمام اللغويين جميعًا حتى إن الكتب المبكرة التي ألفت في الأفعال كانت تحمل اسم "فعل وأفعل" أو "فعلت وأفعلت". وأهم ما ألف في هذا الاتجاه "الغريب المصنف" لأبي عبيد، و"إصلاح المنطق" لابن السكيت، و"أدب الكاتب" لابن قتيبة،

стр. 258

و "المنتخب" لكراع النمل، و "الجمهرة" لابن دريد في أبوابها الأخيرة. وأما الفريق الثاني فلم يصل بمؤلفاته -حتى القرن الرابع الهجري- إلى مرتبة المعجم الكامل الذي يحصر الأبنية "سواء كانت للأسماء أو الأفعال" ويوزع تحت كل بناء ما يخصه من ألفاظ، وإنما كانت مؤلفاته خاصة ببعض الأبنية دون بعض. وانحصرت جهود اللغويين في هذه الناحية فيما يأتي: "أ" التأليف في أبنية المصادر: وأول من ألف في ذلك الكسائي "ت سنة ١٨٢ هـ أو سنة ١٨٣ هـ"، ثم النضر بن شميل "ت سنة ٢٠٣ هـ"، والفراء "ت سنة ٢٠٧ هـ" وخص كتابه بمصادر القرآن، وأبو عبيدة "ت سنة ٢٠٩ هـ"، والأصمعي "ت سنة ٢١٣ هـ" وأبو زيد "ت سنة ٢١٥ هـ" ونفطويه "ت سنة ٣٢٣ هـ"١. "ب" التأليف في أبنية الأفعال: ولا نعرف مؤلفًا واحدًا منها تعرض للأفعال جملة، إذ لم يبدأ التأليف في ذلك إلا بعد الفارابي "قرن ٤هـ" الذي سنخصه بحديث مفصل فيما بعد. وإنما نجدها تناولت صيغًا خاصة من الأفعال، ونجد صيغتين اثنتين من بين هذه الصيغ تجتذبان اهتمام اللغويين فيؤلفون فيهما، وهما صيغتا "فعل وأفعل". ومن أول من ألف فيهما قطرب "ت سنة ٢٠٦ هـ" والفراء، وأبو عبيدة، وأبو زيد، والزجاج "ت سنة ٣١١هـ" وابن دريد "ت سنة ٣٢١ هـ". وأقدم كتاب وصلنا منها هو "فعلت

стр. 259

وأفعلت" لأبي حاتم السجستاني "ت سنة ٢٥٥ هـ"١، وقد حققه ونشره مؤخرًا الدكتور خليل العطية. "ج" التأليف في أبنية الأسماء: ولم أجد أحدًا من اللغويين قد أفرد أبنية الأسماء بتأليف مستقل يقصد استيعابها، ويعمد إلى تنظيمها ويجمع ما تفرق منها، ولكنني وجدتهم قد ألفوا في شيء خاص منها وهو "المقصور والممدود". وممن ألف في ذلك الفراء، والأصمعي، وأبو عبيدة، والزجاج٢ وأبو علي القالي "ت سنة ٣٥٦هـ"، وقد وصلنا كتاب أبي على القالي وما يزال مخطوطًا. ونخلص من كل هذا إلى أن التأليف في الأبنية في مرحلته الأولى لم يأخذ صورة المعجم الكامل، ولم يتجه إلى حصر المادة اللغوية وتوزيعها على الأبنية. وهو إلى جانب فقده عنصر الترتيب والنظام لم يصل إلى أكثر من: أ- حصر الأبنية والتمثيل لكل منها. ب- العناية ببعض الأبنية ومحاولة حصر ألفاظها. أي أنه فقد أهم عنصرين من عناصر المعجم الكامل وهما الشمول والترتيب. ثانيًا: مرحلة المعجم الكامل ١- ديوان الأدب للفارابي: رائد هذه المرحلة هو الفارابي اللغوي أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم المتوفي سنة ٣٥٠ أو ٣٧٠ هـ، وكان موطنه فاراب، وهي مدينة

стр. 260

وراء نهر سيحون. ويعتبر معجمه "ديوان الأدب" أول معجم جامع في اللغة العربية ترتب مادته على حسب الأبنية، أو باعتبار السواكن والعلل. وقد قام مجمع اللغة العربية بالقاهرة بطبع هذا المعجم بتحقيق المؤلف وظهر في أربعة أجزاء يليها جزء خاص بالفهارس. ويتلخص نظام ديوان الأدب فيما يأتي: أ- قدم الفارابي لمعجمه بمقدمة شغلت من المطبوعة ثلاثًا وعشرين صفحة١ وتناولت مسائل عدة لغوية وتصريفية كما سنتحدث فيما بعد. ب- بعد المقدمة تجيء المادة اللغوية موزعة على أبوابها بحسب أبنيتها على النحو الذي شرحه في مقدمته. جـ- وذيل معظم أبواب الأفعال بأحكام تصريفية. المقدمة: أما المقدمة فقد تناولت المسائل الآتية: ١- تفضيل اللسان العربي على سائر الألسنة؛ لأنه كلام جيران الله في دار الخلد، ولأنه المنزه من بين الألسنة عن كل نقيصة، والمعلى عن كل خسيسة. ٢- التعرض لأعمال اللغويين السابقين بصورة مجملة وتقسيمهم إلى موجز وغير موجز ومعتدل بين المذهبين. ٣- إدلاله بنفسه وفخره بمصنفه، وذكره أنه عمل في كتابه "عمل من طب لمن حب" وأنه لم يسبق إلى هذا النظام، أو يزاحم عليه. ٤- ذكره الضابط العام الذي ينتظم كل ما حواه معجمه من مادة

стр. 261

لغوية وهو أن يكون مستعملًا، وأن يذكره النحارير من علماء أهل الأدب في كتبهم، وأن يكون واردًا في قرآن أو حديث أو شاهد من كلام العرب. ٥- شرح منهج الكتاب. ٦- التعرض لبعض الأحكام التصريفية التي تتعلق بنظام الكتاب كالحديث عن أقل الأبنية وأقصاها، وعن حروف الزيادة ومواضعها، وعن أبينة الأسماء مجردها ومزيدها واستعمالات كل بناء، كقوله عن بناء "فعل" بفتح فسكون أن يكون واحد فعول "قلب وقلوب" أو فعال "كلب وكلاب" أو أفعال "ثوب وأثواب" ويكون وصفًا من الأفعال الدالة على الطبائع "ضخم"، ويكون مصدرًا لفعل المتعدي "ضرب" ويكون جمعًا لفعلة "تمرة". المادة اللغوية: رتبت المادة اللغوية على النحو الآتي: ١- قسم الفاربي معجمه ستة أقسام أسماها كتبًا وهي على الترتيب الآتي: أ- كتاب السالم، وعرفه بقوله: ما سلم من حروف المد واللين والتضعيف. ب- كتاب المضاعف، وعرفه بقوله: ما كانت العين منه واللام من جنس واحد. جـ- كتاب المثال، وعرفه بقوله: ما كانت في أوله واو أو ياء. د- كتاب ذوات الثلاثة، وعرفه بقوله: ما كانت العين منه حرفا من حروف المد واللين "الأجوف". هـ- كتاب ذوات الأربعة، وعرفه بقوله: ما كانت اللام منه حرفًا من حروف المد واللين "الناقص".

стр. 262

و كتاب المهموز، وهو ما كان أحد أصوله همزة١. ٢- جعل كل كتاب من هذه الكتب شطرين: أسماء وأفعالًا٢ وقدم الأسماء في كل كتاب على الأفعال. قسم كل شطر منهما إلى أبواب بحسب التجرد والزيادة. ففي الأسماء بدأ بالثلاثي المجرد ثم ما لحقته الزيادة في أوله "أصبع ومذهب" ثم المثقل الحشو "المزيد بالتضعيف" وذلك مثل "حمص"، ثم ما لحقته الزيادة بين الفاء والعين "طابع"، ثم ما لحقته الزيادة بين العين واللام "سحاب" ثم ما لحقته الزيادة بعد اللام "خدب" ثم الرباعي وما ألحق به "ثعلب"، ثم الخماسي وما ألحق به" جرْدَ حل". وفي الأفعال بدأ بالثلاثي المجرد "ثقب"، ثم ما لحقته الزيادة في أوله من غير ألف وصل وهي الهمزة "أترب"، ثم المثقل الحشو رتب" ثم ما لحقته الزيادة بين الفاء والعين "جاذب"، ثم الأبواب الثلاثة التي في أولها ألف وصل "اجتذب - انسحب - استصعب" ثم ما لحقته الزيادة في أوله وهي التاء مع تثقيل حشوه "تكلم"، ثم ما لحقته الزيادة في أوله وهي التاء، مع زيادة بين الفاء والعين "تجاذب"، ثم بابا الألوان وما أشبه ذلك "أحمر - احمار"، ثم أبواب الرباعي وما ألحق به٣ أو زيد فيه.

стр. 263

٤- ولما كان كل باب من هذه الأبواب قد يشترك في عدة أبنية، كالثلاثي المجرد من الأسماء الذي له تسعة أبنية، وضع قاعدة لتقديم بعض هذه الأبنية على بعض فقدم ساكن الحشو على المتحرك لأن السكون أخف، وقدم المفتوح الأول لأن الفتحة أخف ثم أتبعه المضموم ثم المكسور. وقدم ياء التأنيث على همزة التأنيث وهمزة التأنيث على النون. ٥- ولما كانت هناك كلمات كثيرة تشترك في الوزن الواحد رأى أن يرتب الأوزان بحسب حرفها الأخير مع أولها ووسطها. وهذا ما يعرف الآن بنظام الباب والفصل، وقد اشتهر بين الباحثين أن الجوهري هو الذي اخترعه، والذي تبين الآن أن الفارابي قد سبقه إليه. ولكنه عدل في ترتيب ألفاظ المعتل اللام أو المهموزها عن اعتبار الحرب الأخير لأنه واحد في جميعها، واعتبر الحرف الذي قبله مع الحرف الأول. وهذا وجه خلاف بينه وبين الجوهري الذي لم يعدل عن اعتبار الحرف الأخير، حتى في المهموز والناقص. فكلمة البدء تذكر في الصحاح قبل الخبء لأنها عنده من باب الهمز فصل الباء. ولكنها تذكر بعد الخبء في ديوان الأدب، لأنها من باب الدال فصل الباء، وكلمة الخبء من باب الباء فصل الخاء. ومثل هذا يقال عن كلمتين مثل "نحو" و"رخو" فالأولى تذكر أولًا في ديوان الأدب، ومتأخرة في الصحاح. ٦- اعتبر أحرف الزيادة لمعرفة بناء الكلمة، ولكنه لم يعتبر الزيادة حينما أراد توزيع الكلمات على الأبواب والفصول. ٧- كان في كثير من الأبواب ولا سيما في شطر الأفعال يذيل الباب بتعقيب يتحدث فيه عن أحكام عامة تعلق بالباب كما سنذكر فيما بعد. ٨- في أبواب المعتل كان يفصل الواوي من اليائي ويقدم الأول منهما.

стр. 264

٩- راعى الإيجاز في معجمه ولذلك حذف الأبنية القياسية سواء في الأسماء أو الصفات أو المصادر، اكتفاء بذكر أحكامها في المقدمة والتذييلات. ١٠- كان يرد الجموع إلى مفرداتها ويضع الجمع تحت مفرده. التذييلات: أتبع الفارابي كثيرًا من أبواب الأفعال بفصول تذييلية تناول فيها بالتفصيل أنواع المشتقات، وتعرض لكثير من الأحكام التصريفية العامة. وكان غرضه من ذلك الجمع بين المادة اللغوية المسموعة، والأخرى المقيسة. وبذلك يضم معجمه أكبر قدر ممكن من ألفاظ اللغة، ما لا ضابط له بالنص عليه، وما له ضابط بذكر قاعدته وكيفية اشتقاقه. وكان تركيزه في هذه التذييلات على أمور منها: ١- بيان المصادر من كل باب، كقوله في باب فَعل يفعُل "بفتح فضم" والمصدر القياسي في هذا ما كان على الفعل أو الفعول. الفعل للمتعدى والفعول للازم، وقد يتبادلان، وربما اجتمعا مثل سكت سكتا وسكوتا. وربما جاء المصدر من هذا الباب على فعل "بفتح فضم" وهو قليل. ٢- بيان الصفات من كل باب كاسم الفاعل والصفة المشبهة. ٣- كيفية أخذ اسم الزمان والمكان والمصدر الميمي. ٤- كيفية أخذ فعل الأمر وضبط ألفه في كل باب. ٥- معاني صيغ الزوائد. ٦- أحكام تخص بعض الأبواب دون بعض، ومن ذلك: أ- ذكره سر المخالفة بين حركة الماضي الثلاثي ومضارعه.

стр. 265

ب- ذكره السر في اشتمال باب فَعل يفعَل على أحد حروف الحلق. جـ- حديثه عن لزوم باب فعل يفعل وسر التزام الضم في الماضي والمضارع معًا. د- ذكره كثيرًا من أحكام الإعلال في أبواب المثال وذوات الثلاثة وذوات الأربعة١. أما فائدة هذا النوع من المعاجم فتتلخص فيما يأتي: ١- اختار ترتيب الكلمات على الترتيب الهجائي المعروف، ولم يذهب في ذلك مذهب الخليل بن أحمد ولم يرتب ترتيبه "ميلًا إلى الأشهر، لقرب متناوله، وسهولة مأخذه على الخاصة والعامة". ٢- ترتيب الكلمات على حسب حرفها الأخير يسهل البحث عن الكلمات التي قد يغمض معرفة أولها، أو سبق أولها بحروف مزيدة مثل: يعد - ميزان - أواصل٢. كما أن هذا الترتيب ييسر على الشعراء والكتّاب النظم والنثر في عصر كانت قد شاعت فيه المحسنات البديعية والتزمت القوافي. ٣- ويكشف لنا القاضي نشوان بن سعيد الحميري في مقدمة كتابه "شمس العلوم"، وهو ممن تأثر بالفارابي في تنظيمه عن عامل آخر أملى هذا النظام، وذلك في قوله: "وقد صنف العلماء رحمهم الله تعالى كثيرًا من الكتب فمنهم من جعل تصنيفه حارسًا للنقط وضبطه بهذا الضبط، ومنهم من حرس تصنيفه بالحركات بأمثلة قدروها، وأوزان ذكروها،

стр. 266

ولم يأت أحد منهم بتصنيف يحرس جميع النقط والحركات. فلما رأيت ذلك ورأيت تصحيف الكتاب والقراء ... حملني ذلك على تصنيف يأمن كاتبه وقارئه من التصحيف، يحرس كل كلمة بنقطها، وشكلها، ويجعلها مع جنسها وشكلها ويردها إلى أصلها، جعلت فيه لكل حرف في المعجم كتابًا، ثم جعلت له ولكل حرف معه من حروف المعجم بابًا، ثم جعلت كل باب من تلك الأبواب شطرين: أسماء وأفعالًا، ثم جعلت لكل كلمة من تلك الأسماء والأفعال وزنًا ومثالًا. فحروف المعجم تحرس النقط وتحفظ الخط، والأمثلة حارسة للحركات والشكل، فكتابي هذا يحرس النقط والحركات جميعًا"١. ٤- ترتيب المعجم على نظام الأبنية، وجمع الكلمات التي على شاكلة واحدة في صعيد واحد يفيد الصرفيين كثيرًا، ويطلعنا على خصائص الأوزان، وما يفيده كل بناء من الأبنية، كوزن "فُعال" بضم الفاء الذي يفيد الزيادة والكثرة، وصيغة "فعيل" التي تدل على الملازمة والمبالغة في الشيء. كما يقفنا على معاني صيغ الزوائد كصيغة "أفعل" و"فاعل" و"فعل" و"استفعل". إلخ. ٥- من عيوب المعاجم أنها كثيرًا ما تهمل النص على باب الفعل الثلاثي مما يوقع الباحث في الحيرة. وقد تغلب الفارابي على هذه المشكلة بتوزيعه الأفعال على أبوابها، فليس في معجمه فعل واحد لم يرد إلى بابه. ومن أمثلة ذلك قول الجوهري: "قلبته أي: أصبت قلبه، وقلبت النخلة أي نزعت قلبها" ولم يذكر الباب. وقد ذكرهما الفارابي في باب فعل يفعل. "بفتح فكسر". تقدير القدماء لديوان الأدب: استفادت كتب اللغة المتأخرة بمادة ديوان الأدب وأهمها فقه اللغة

стр. 267

للثعالبي، والتكملة والعباب للصغاني، والمزهر للسيوطي، وإضاءة الراموس للفاسي والمصباح المنير للفيومي ... كما أثنى عليه العلماء ووصفوه بأرفع الصفات فسموه "الجامع لديوان الأدب"، ووصفوه بأنه "ميزان اللغة ومعيار العربية". وكان أبو العلاء المعري يحفظه عن ظهر قلب، وهو الذي أكمله لأديب يمني عثر على جزء منه وأعجبه جمعه وترتيبه. كما مدحه كثير من الشعراء، فقال أحدهم: كتاب ديوان الأدب ... أحلى جنى من الضرب ما ضر من يحفظه ... خمول ذكر أو نسب يرفعه كتابنا ... أعلى الأعالي والحسب ومدحه القاضي نشوان بن سعيد بقوله: نعم الكتاب ديوان الأدب ... نعم الذخيرة فهمه والمكتسب في كل باب منه كنز دونه ... كنز اللجين ودونه كنز الذهب عيوبه: ١- تعقد نظام الكتاب وصعوبة استخدامه حتى على المتخصصين، فهو نظام لا يسعف الباحث المتعجل. ٢- أرغمت هذه الخطة المؤلف على تمزيق الصيغ التي ترجع إلى مادة واحدة وتوزيعها على أبواب مختلفة بحسب أوزانها. ٣- لم يشمل المنهج إفراد أبواب للفعل المبني للمجهول، أو للحروف، ونراه يدمج النوع الأول في أبواب المبنية للمعلوم ويدمج الثاني في أبواب الأسماء.

стр. 268

٤- أساس الاستفادة من المعجم معرفة ضبط الكلمة أولًا. ولهذا فهو يصلح لمن يعرف ضبط الكلمة ويريد أن يقف على معناها، أو يريد أن يقف على خصائص بناء من الأبنية، ولكنه لا يصلح لمن عرف مدلول كلمة، وأراد الوقوف على ضبطها. ٥- وقوع المؤلف في بعض الأخطاء المنهجية مثل تكرار اللفظ مرة في باب الأسماء ومرة في باب الأفعال، ومثل الخلط بين الأسماء والصفات والأولى موضعها القسم الخاص بها والثانية موضعها قسم الأفعال، ومثل ذكره بعض الصيغ القياسية مع نصه على عدم ذكرها في المقدمة. ٦- كما أنه وقع في بعض الأخطاء في شرح المادة اللغوية كقوله: وهي الكنيسة للنصارى، مع أن المعروف أنها لليهود. أما معبد النصارى فيسمى بيعة١. ٢- شمس العلوم لنشوان: وهو من معاجم الأبنية التي اقتفت أثر الفارابي: واسمه بالكامل "شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم". واسم مؤلفه نشوان ابن سعيد بن نشوان الحميري النحوي اللغوي الفقيه من علماء القرن السادس الهجري. وصفه السيوطي بقوله: "أوحد أهل عصره، وأعلم دهره". وقد كان هذا الكتاب أسعد حظًّا من "ديوان الأدب" إذ طبع منه جزء في مجلدين وصل إلى آخر حرف الجيم بتحقيق ك. و. سترستين كما أخذت مطبعة الحلبي في طبعه وأصدرت منه جزءين وصلا إلى آخر حرف الشين، وذلك قبل أن يطبع ديوان الأدب. ثم أخذت مطبعة الحلبي في إعادة طبعه وأخرجت منه عام ١٩٨٣ خمسة أجزاء ثم توقفت.

стр. 269

والكتاب يبدأ بمقدمة يليها فصل في التصريف. وأهم ما تناولته المقدمة فضل اللغة العربية على سائر اللغات، والحديث عن نظام الكتاب. أما فصل التصريف فقد بين أهمية علم التصريف وافتقار علم اللغة إليه ثم تناول مشكلات الزيادة، والإبدال، والحذف، ومخارج الحروف، والإدغام وغير ذلك. وقد شغلت المقدمة وفصل التصريف ٢٩ صفحة من مطبوعة ليدن. نظامه: ١- قسم المؤلف معجمه إلى كتب على عدد حروف الهجاء، مرتبة على حسب الترتيب الهجائي المعروف، فبدأ بكتاب الهمزة، وتلاه بكتاب الباء، ثم التاء، ثم الثاء. ٢- قسم كل كتاب من هذه الكتب إلى جزءين، جزء للمضاعف وجزء لغيره، وكان يبدأ كل كتاب بباب المضاعف. ٣- قسم كل جزء من هذين الجزءين إلى شطرين، شطر للأسماء، وشطر للأفعال وكان يبدأ بشطر الأسماء. ٤- قسم كل شطر إلى أقسام بحسب التجرد والزيادة، فكان يبدأ بالثلاثي المجرد، ثم المزيد فيه، ثم الرباعي، ثم الخماسي. ٥- ولما كان كل قسم من هذه الأقسام يشترك في عدة أبنية راعى في المجرد الحركة حين ترتيب الأوزان، فكان يقدم ساكن الحشو على المتحرك والمفتوح الأول على المضموم والمكسور. أما في المزيد فقد راعى مكان الزيادة فقدم من الأبنية ما كانت زيادته أسبق، مع مراعاة نوع الحركة أيضًا. ٦- اعتبر أحرف الزيادة لمعرفة بناء الكلمة، ولكنه لم يعتبر الزيادة حينما وزع الكلمات على الأبواب والفصول.

стр. 270

بين ديوان الأدب وشمس العلوم: هناك أوجه شبه وأوجه خلاف بين المعجمين. أما أوجه الشبه فواضحة فيما يأتي: ١- فكرة التقسيم إذ اتبعا نظام الأبنية. ٢- التقسيم إلى أسماء وأفعال، وإفراد أبنية كل قسم ومفرداته. ٣- التقسيم بحسب التجرد والزيادة، ثم بحسب نوع الحركة. ٤- اعتبار أحرف الزيادة لمعرفة بناء الكلمة، وإهمالها عند توزيع الكلمات على الأبواب والفصول. وأما أوجه الخلاف فتتلخص فيما يأتي: ١- قسم الفارابي كلماته إلى ستة أقسام بحسب نوع حروفها، في حين أن القاضي نشوان راعى فصل المضاعف فقط عن غيره. ولا أفهم سر ذلك. ٢- قدم الفارابي مرحلة التقسيم بحسب الأبنية على مرحلة التقسيم بحسب الحروف، في حين أن القاضي نشوان قد شطر مرحلة التقسيم بحسب الحروف إلى شطرين، قدم أولهما "وهو اعتبار الحرف الأول والثاني" على مرحلة الأبنية، وأخر ثانيهما "وهو اعتبار الحرف الأخير" عن مرحلة الأبنية. ٣- كذلك نجد الفارابي في اعتباره للحروف يرتب بحسب الحرف الأخير والأول "نظام الباب والفصل" أما القاضي نشوان فيرتب بحسب الحرف الأول، ثم الثاني، ثم الأخير١.

стр. 271

٤- وهناك فرق هام بين المعجمين يتمثل في المادة اللغوية الموجودة في كل. فديوان الأدب معجم مختصر، وقف عند حدود المعجم، فأهمل المسائل الفقهية والكلامية، ونحى الأشياء الغريبة عن علم اللغة، وحد من الأبحاث النحوية والبلاغية: أما "شمس العلوم" فكان يحشد تحت المادة كل ما يمكن حشده من ألوان العلوم والمعارف، ولذا جاء حجمه ضخمًا بالنسبة لحجم "ديوان الأدب"، مع نص القاضي نشوان في مقدمته على أنه بلغ في هذا التصنيف من الإيجاز والاختصار جهده، وأتى بأقصى الغاية مما عنده. ولكن ماذا يغني الاختصار والكتاب مليء بأخبار الملوك، ومعرفة منافع الأشجار، وطبائع الأحجار، والحديث في علوم القرآن والقراءات والتفسير، والأنساب والأخبار والحساب، والفقه والنجوم وتأويل الرؤى، والنحو والصرف والعروض، ومصطلح الحديث والفرق الإسلامية١. ويبدو أن القاضي نشوان قد تعمد إغفال اسم "ديوان الأدب" حتى يقطع الصلة بين المعجمين أو يمحو معالمها. ويبدو أن هذه النية هي التي جعلته يزعم في مقدمته أن أحدًا من المؤلفين في المعاجم لم يأت قبله بتصنيف يحرس جميع النقط والحركات، مع أن الفارابي قد سبقه إلى ذلك بقرنين من الزمن. ولم يستطع القاضي نشوان برغم ذلك أن يمحو تأثير الفارابي عليه، أو يقطع صلته به، ولذلك نجد القفطي يعتبر "شمس العلوم" شرحًا لـ"ديوان الأدب". وهو ليس كذلك في الحقيقة ولكنه أثر من آثاره٢.

стр. 272

٣- مقدمة الأدب للزمخشري: ومقدمة الزمخشري من الكتب التي سارت على نظام الأبنية، ومؤلفها من علماء القرن السادس كذلك، وقد قسمها إلى خمسة أقسام: الأسماء، والأفعال، والحروف، وتصرف الأسماء، وتصرف الأفعال. ولم يتبع المؤلف في قسم الأسماء نظام الأبنية، وإنما سلك فيه سبيل المعاجم المرتبة بحسب الموضوعات، فقسمه إلى أبواب، جمع تحت كل باب منها الكلمات التي تدور حول موضوع واحد. أما قسم الأفعال فقد اتبع فيه نظام الأبنية فقسمه أولًا إلى: أ- الثلاثي المجرد. ب- الثلاثي المزيد. جـ- الرباعي. د- وألحق بها قسمًا رابعًا جمع فيه "من غير نظام" الأفعال غير المتصرفة ثم قسم كل قسم من الأقسام الثلاثة الأولى إلى أبواب. فقسم الثلاثي المجرد بحسب ماضيه ومضارعه إلى ستة أبواب، وألحق بها بابًا سابعًا للمبني للمجهول. وفصل في كل باب الأنواع الآتية بعضها من بعض: أ- الصحيح. ب- المضاعف. جـ- المعتل الفاء. د- المعتل العين. هـ- المعتل اللام. و المعتل الفاء واللام. ز- المعتل العين واللام. ورتب الكلمات تحت كل نوع ترتيبًا هجائيًّا كترتيب "ديوان الأدب" و"الصحاح".

стр. 273

وأما قسم الحروف فهو قسم قصير جدًّا لم يعالج فيه الزمخشري الحروف معالجة اللغوي، وإنما عالجها معالجة النحوي الذي يبحث عن الأثر الإعرابي ولذلك كانت أقسامه: "فصل في الحروف التي تجر الأسماء" فصل في الحروف التي تنصب الأسماء"، "فصل في الحروف التي تنصب الاسم وترفع الخبر". وأما القسمان الرابع والخامس الخاصان بتصريف الأسماء والأفعال فيتناولان موضوعات تمس النحو والصرف كالإعراب والبناء، والتعريف والتفكير، والإفراد والتثنية والجمع، والتصغير، والنسب. وتوجد من المعجم عدة نسخ ناقصة في دار الكتب المصرية يكمل بعضها بعضًا وهي: نسخة رقم ١٠٠ لغة تشتمل على الأسماء وقسم الأفعال. نسخة رقم ٦٣٦ لغة وتشتمل كذلك على قسمي الأسماء والأفعال. نسخة رقم ٢٧٢ لغة تنقص قسم الأسماء فقط وتشتمل على الأقسام الأربعة الأخرى وكتب عليها خطأ "كتاب الأفعال".

стр. 274

القسم الثاني: معاجم المعاني يبدو أن فكرة هذا النوع من المعاجم الذي يرتب ألفاظه بحسب الموضوعات، كانت أسبق في الوجود، أو معاصرة لأولية المعاجم العربية المرتبة على الألفاظ، وإن أخذت البداية شكلًا خاصًّا يتمثل في كتيبات صغيرة يتناول كل منها موضوعًاواحدًا من الموضوعات. ومن أوائل من ألفوا الكتيبات ذات الموضوع الواحد: أبو مالك عمرو ابن كركرة الذي ألف: خلق الإنسان، والخيل. ومنهم أبو خيرة الأعرابي الذي ألف: الحشرات وهما من علماء القرن الثاني الهجري. وفي القرن الثالث استمر هذا العمل، ووجدت بجانبه أعمال أخرى تتمثل في كتب تجمع أكثر من موضوع في مجلد واحد. فمن النوع الأول: السلاح للنضر بن شميل، والنحلة، والإبل، والخيل، وخلق الإنسان لأبي عمرو الشيباني، والإنسان، والزرع لأبي عبيدة، والمطر، والمياه، وخلق الإنسان، والشجر لأبي زيد الأنصاري، والإبل، والنحل والإنسان، والنبات والخيل للأصمعي، وأسماء الخيل، والبئر، والدرع لابن الأعرابي من النوع الثاني تلك الكتب التي حملت اسم "الغريب المصنف" أو "الصفات"، وأبو عبيد القاسم بن سلام الذي ألف "الغريب المصنف"١. ومن معاجم هذا القرن كذلك معجم لابن السكيت يحمل اسم "الألفاظ" وهو مطبوع ومتداول٢.

стр. 275

ويستمر الاتجاهان في القرن الرابع، فيؤلف الأخفش الأصغر "الأنواء"، وابن دريد "السرج واللجام" و "المطر والسحاب"، وأبو علي القالي "الإبل". ويؤلف كراع النمل "أبو الحسن علي بن الحسن الهنائي المتوفى بعد عام ٣٠٩ هـ" "المنجد"١، وعبد الرحمن ابن عيسى الهمذاني٢ "توفي ٣٢٠ هـ" "الألفاظ الكتابية" وقدامة بن جعفر "توفي ٣٣٧ هـ" "جواهر الألفاظ". وآخر ما طبع من معاجم المعاني لهذا القرن "متخير الألفاظ" لابن فارس "توفي ٣٩٥ هـ" ٣. أما القرن الخامس فقد كاد يختفي٤ منه الاتجاه الأول، وبقي الاتجاه الثاني ممثلًا في "مبادئ اللغة" للإسكافي "توفي ٤٢١هـ" الذي ضم أبوابًا تدور على الموضوعات، مثل النجوم والدهر والليل والنهار والثياب والآلات وأدوات الطعام والشراب، وقد طبع بالقاهرة. كذلك ظهر فيه "فقه اللغة" للثعالبي "توفي ٤٢٩ هـ" وقد طبع كذلك. وتوج هذا القرن بعملين هامّين، أحدهما غاية في الطول، والآخر غاية في الاختصار. أما العمل الأول فهو: المخصص لابن سيده: وهذا المعجم يُعد أوفى وأشمل معجم من معاجم المعاني في تاريخ اللغة العربية. وقد استعان ابن سيده في تأليفه بكل ما كتب قبله تقريبًا من مؤلفات الغريب المصنف، والصفات والألفاظ والمعاجم اللغوية وكتب اللغة المختلفة، ولذا جاء شاملًا وافيًا.

стр. 276

ويضم الكتاب إلى جانب ذلك كثيرًا من المباحث النحوية والصرفية، كما أنه مزود بالشواهد المنظومة والمنثورة. والمخصص مطبوع ومتداول ويقع في ١٧ جزءا. ويقول مؤلفه في مقدمته: "وتأملت ما ألفه القدماء في اللسان ... فوجدتهم قد أورثونا بذلك فيها علومًا نفيسة جمة ... إلا أني وجدت ذلك نشرًا غير ملتئم، ونثرًا ليس بمنتظم ... ثم إني لم أر لهم فيها كتابًا مشتملًا على جلها فضلًا عن كلها مع أني رأيت جميع من مد إلى تأليفها يدًا ... قد حرموا الارتياض بصناعة الإعراب، ولم يرفع الزمن عنهم ما أسدل عليهم من كثيف ذلك الحجاب، حتى كأنهم موات لم يمد بحيوانية أو حيوان لم يحد بإنسانية". والمعجم مقسم إلى أبواب رئيسية بحسب الموضوعات، وتحت كل باب مجموعة من التقسيمات الفريعة، كما يبين من المثال التالي: كتاب خلق الإنسان - كتاب اللباس - كتاب الطعام ... وتحت كتاب خلق الإنسان نجد: باب الحمل والولادة - أسماء ما يخرج مع الولد - الرضاع والفطام والغذاء وسائر ضروب التربية - الغذاء السيئ للولد ... - الرأس - ومن صفات الرأس - ... الحاجب - العين وما فيها ... - الأنف ... - الشفة وما يليها من الذقن١. وقد أعد الأستاذ محمد الطالبي دراسة، كما قام بعمل فهارس متنوعة للمخصص وطبعها تحت عنوان "المخصص لابن سيده - دراسة ودليل" وهو عمل لا بأس به وييسر على الباحثين عناء التجوال في أجزاء المخصص المتعددة للعثور على طلبتهم.

стр. 277

ورب سائل يسأل: ولكن ما قيمة هذا النوع من المعاجم؟ وكيف يمكن الاستفادة به؟ والحقيقة أن هذا النوع من المعاجم لا يستفيد منه من عثر على كلمة وأراد ضبطها بالشكل، أو تحديد معناها، فمثل هذا الباحث لا بد أن يرجع إلى معاجم الألفاظ. ولكنه يفيد من يدور معنى من المعاني في ذهنه، أو يفكر في موضوع ما، ويريد أن يجمع الألفاظ المتعلقة به أو التي تدور حوله فلن يفيده إلا هذا النوع من المعاجم. ولو أراد مثل هذا الباحث الاستعانة بلسان العرب مثلًا في العثور على طلبته لأفنى الشهور والسنين في لَمّ الكلمات التي يريدها وجمع شتاتها من أماكنها المتفرقة، ولعدل عن المضي في بحثه حين يكتشف مدى الجهد الذي ينتظره. وأما العمل الآخر فهو: "كفاية المتحفظ ونهاية المتلفظ" لابن الأجدابي: ولجهل الكثيرين بالكتاب ومؤلفه رأينا أن نخصهما ببحث واف يقصد إلى التعريف بهما ووضعهما في مكانهما: أما المؤلف فهو العالم اللغوي أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد بن عبد الله اللواتي الأجدابي١ الطرابلسي، من علماء القرن الخامس الهجري، إذ كان معاصرًا لأبي محمد عبد الله بن محمد بن إبراهيم ابن هانش قاضي طرابلس في المدة من عام ٤٤٤ إلى ٤٧٧هـ، وله معه قصة ذكرها التجاني في رحلته٢. ومن مجموع ما ذكره المؤرخون وكتاب التراجم عن حياته نعرف أنه

стр. 278

وإن كان ينتسب إلى أجدابية، فقد ولد وعاش ومات في طرابلس. وقد وصفه القفطي بقوله: "من أهل اللغة، وممن تصدر في بلده واشتهر بالعلم. وكانت له يد جيدة في اللغة وتحقيقها وإفادتها"١. وقد ألف كتبًا كثيرة هي بالإضافة إلى كتابنا هذا: ١- الأزمة والأنواء وقد طبع طبعة محققة ونشر في دمشق بتحقيق الدكتورة عزة حسن سنة ١٩٦٤ م. ٢- كتاب في العروض قال عنه التجاني "ناهيك به حسنًا وترتيبًا وتهذيبًا". ٣- كتاب في الرد على أبي حفص بن مكي في "تثقيف اللسان". ٤- كتاب شرح ما آخره ياء مشددة من الأسماء. ٥- كتاب مختصر في علم الأنساب. ٦- رسالة في الحول ألفها حين عيره "ابن هانش" بحوله٢: وأما الكتاب فقد نال شهرة عظيمة برغم صغر حجمه، وتوالت عليه المؤلفات شرحًا ونظمًا، وبقيت منه نسخ عدة في كثير من مكتبات العالم. كما أنه طبع أكثر من مرة في أكثر من بلد عربي. والكتاب صغير الحجم إذ يبلغ في بعض الطبعات ٥٥ صفحة، وفي بعضها الآخر ٨٠ صفحة. أما موضوعه فنترك الحديث عنه لابن الأجدابي نفسه الذي يقول: "هذا كتاب مختصر في اللغة وما يحتاج إليه من غريب الكلام، أودعناه كثيرًا من الأسماء والصفات، وجنبناه حوشي الألفاظ

стр. 279

واللغات، وأعريناه عن الشواهد ليسهل حفظه ويقرب تناوله، وجعلناه مغنيًا لمن اقتصر في هذا الفن، ومعينًا لمن أراد الاتساع فيه، وصنفناه أبوابًا". أما أبواب الكتاب فمنها: باب في صفات الرجال المحمودة- ومن صفات الرجال المذمومة باب في صفات النساء المحمودة- ومن مذموم صفاتهن- معرفة حلى النساء- باب ما يحتاج إلى معرفته من خلق الإنسان ... وليس أدل على قيمة هذا الكتاب من احتفال العلماء به، واهتمامهم بكتابة الشروح والتعليقات عليه فمن ذلك: ١- شرح محمد بن الطيب المغربي الفاسي "المتوفي سنة ١١٧٠ هـ" المسمى "تحرير الرواية في تقرير الكفاية"، وتوجد منه نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية تحمل رقم ١٤ لغة ش١، وقد بدأ ابن الطيب الفاسي كتابه بقوله: "يا من المتحفظ بذكره كاف عن كفاية المتحفظ، والتلفظ بشكره إلى بدايته تنتهى نهاية المتلفظ" وذكر أنه رمى من وراء تأليفه إلى ضبط كلمات الكفاية وشرح غريبهما، وأنه لم يؤلف كتابه إلا بعد ما سألنيه جماعة من الأصحاب الجهابذة الذين تكررت قراءتهم إياه كغيره على طائفة من الشيوخ والأساتذة الذين كانوا يستندون في أمثاله من العلوم اللسانية إليّ". ٢- نظم ابن مالك صاحب الألفية له. ويوجد من هذا النظم ميكروفيلم محفوظ في معهد المخطوطات بالقاهرة برقمي ٢٨٦، ٢٨٧ لغة وعدد ورقاته ٤٣. ومن أبياته:

стр. 280

وبعده فقد رأيت حتمًا ... إذ كنت أكملت الفصيح نظمًا أن أنتضى عزمة ذي عناية ... فأنظم الوارد في الكفاية إذ بها يتم نيل الأرب ... لمبتغي علم كلام العرب ٣- ونظمه كذلك قاضي الحرم جمال الدين محمد بن محب الدين الطبري المتوفى سنة ٧٠٠ هـ تحت عنوان: "عمدة المتلفظ في نظم كفاية المتحفظ". وغير ذلك: ومما قيل تعليقًا على كفاية المتحفظ: القفطي: "صنف في اللغة مقدمة لطيفة سماها كفاية المتحفظ يشتغل بها الناس في المغرب ومصر". ابن الطيب الفاسي: "واعتنى بهذا المختصر جمع من الأئمة المقتدى بهم واعتمدوه. وأكثر من النقل عنه ... الفيومي في كتابه "المصباح المنير" ... والدميري في "حياة الحيوان" وغيرهما. وعدلوه بالمصنفات الكبار كالصحاح والتهذيب والمجمل ونحوها. وربما اختار كلامه في المصباح عليهم أحيانًا ... وشهرته بين أهل الفن كافية". ومدحه الأديب الفقيه علي بن صالح العدوي بقوله: من كان يطلب في الغريب وسيلة ... من شاعر أو كاتب متلفظ أو كان يبغي في الكلام بلاغة ... فليحفظن كفاية المتحفظ١

стр. 281

٣- المآخذ على المعاجم العربية: على الرغم من الجهود المضنية التي بذلها المعجميون العرب، لم يسلم عملهم من النقد، ولم يخل من المآخذ، ولعل أهم هذه المآخذ ما يأتي: ١- أكبر عقبة تصادف الباحث في معاجمنا اللغوية عدم ترتيب المواد ترتيبًا داخليًّا. ففيها خلط الأسماء بالأفعال، والثلاثي بالرباعي، والمجرد بالمزيد وخلط المشتقات بعضها ببعض "فربما رأيت الفعل الخماسي والسداسي قبل الثلاثي والرباعي، أو رأيت أحد معاني الفعل في أول المادة، وباقي معانيه في آخرها. ففي مادة "عرض" ذكر الجوهري المعارضة التي بمعنى المقابلة بعد المعارضة التي بمعنى المجانبة بثلاثة وبثلاثين سطرًا"١ وكذلك فعل الفيروزآبادي في مادة حب، فقد أورد في أولها: تحابوا أي: أحب بعضهم بعضًا، ثم قال بعد ستة وثلاثين سطرًا: والتحاب التواد. ومن هذا القبيل ما ورد في "لسان العرب" في مادة ظفر إذ قال: ظفره وظفره وأظفره غرز في وجهه ظفره. ثم ذكر بعد خمسة وثلاثين سطرًا ظفر به وعليه وظفره وأظفره الله به وعليه وظفره به٢. لذلك كان على من يريد الكشف عن كلمة أن يراجع المادة كلها من أولهما إلى آخرها، ولا يكتفي بمصادفتها في مكان واحد، فربما تكرر ذكرها. ولهذا يقول أحمد فارس الشدياق: "ولا جرم أن هذا التخليط والتشويش في ذكر الألفاظ ليذهب بصبر المطلع، ويحرمه من الفوز بالمطلوب فيعود حائرًا بائرًا".

стр. 282

٢- كذلك يواجه الباحث في المعاجم العربية بعدم التزامها بالمنهج الذي اختطه المؤلف لنفسه. ومن أمثلة ذلك: ١- ما جاء في "ديوان الأدب" للفارابي من أنه لن يذكر في المعجم المشتقات القياسية، ومع ذلك نجد في المعجم ذكرًا لفعال جمع فعل، ولفعل جمع فاعل مثل نوم ونائم وغيب وغائب. ب- ما جاء في مقدمة لجنة "المعجم الوسيط" من أن المعجم قد أهمل "كثيرًا من الألفاظ الحوشية الجافية، أو التي هجرها الاستعمال لعدم الحاجة إليها، أو قلة الفائدة منها، كبعض أسماء الإبل وصفاتها ... " ومع ذلك فقد ورد في المعجم كلمات مثل الهصاهص بمعنى القوي من الناس أو الأسود، ومثل الهلواع الناقة السريعة الشديدة، ومثل الناقة الدرصاء التي تكسرت أسنانها كبرًا، ومثل الدرفاسي بمعنى الضخم العظيم من الإنسان والحيوان١. ٣- ومن عيوبها كذلك وقوعها في بعض الأخطاء عند شرح المادة اللغوية. وقد ألفت الكتب قديمًا وحديثًا في التنبيه على هذه الأخطاء. وقد سبقت الإشارة إلى "التنبيه والإيضاح" لابن بري، و"نفوذ السهم" لخليل بن أيبك الصفدي، و"التنبيه على حدوث التصحيف" لحمزة الأصفهاني. أما في الحديث فمما ألف فيها: "الجاسوس على القاموس" لأحمد فارس الشدياق، "وتصحيحات لسان العرب" لأحمد تيمور، كما نشرت تصحيحات للسان العرب في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق بقلم الأستاذ توفيق داود قربان، وتصحيحات أخرى للأستاذ عبد السلام هارون في مجلة المجلة، وأخرى للأستاذ عبد الستار أحمد فراج في مجلة مجمع اللغة العربية في القاهرة وغيرها٢. ونشرت

стр. 283

تصحيحات للمعجم الوسيط للأستاذ عدنان الخطيب في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق تحت عنوان "نظرات في المعجم الوسيط". ومن أمثلة هذه الأخطاء قول الجوهري: وسالم من أسماء الرجل، ويقال للجلدة التي بين العين والأنف سالم. وقد عقب الصغاني بقوله: وهذا غلط. وقد تبع خاله الفارابي في أخذه اللغة من معنى الشعر. والبيت الذي أخذ الفارابي هذا المعنى منه هو قول الشاعر: يديرونني عن سالم وأريغه ... وجلدة بين العين والأنف سالم وهذا البيت قد قاله ابن عمر في ابنه سالم، وواضح أن "سالم" في الشطر الثاني - كما هو في الشطر الأول - هو سالم ابن ابن عمر، وقد جعله لمحبته بمنزلة جلدة بين عينه وأنفه. ومعنى أريغه أطلبه وأريده وأميل إليه سرًّا١. ومن أمثلتها كذلك قول الفارابي: "الصيعرية سمة في عنق البعير". قال الفيروزآبادي: الصيعرية سمة في عنق الناقة لا البعير. وقد حاول ابن الطيب الفاسيأن يعتذر عن الفارابي بأنه أراد بالبعير الأنثى. ولا معنى لذلك في رأينا. وقديمًا عيب على المسيب بن علس قوله: وقد أتناسى الهم عند احتضاره ... بناج عليه الصيعرية مكدم لأن الصيعرية صفة للنوق لا للفحول. ولذلك حين سمع طرفة بن العبد هذا البيت قال: استنوق الجمل، وضحك منه٢. ٤- ومن عيوبها شرح الكلمات شرحًا معيبًا مثل:

стр. 284

أ- غموض العبارة، وتعريف اللفظ الغامض بلفظ غامض، كقول الفارابي: "الصدع الوعل بين الوعلين"، وهو يريد أنه وسط منها ليس بالعظيم ولا الصغير. ولكنه وعل بين وعلين، كما شرحه الصحاح. وكقول الفارابي كذلك النثور: النيلج وقد شرحه الجوهري بقوله: وهو دخان الشحم يعالج به الوشم حتى يخضر. ب- عدم الدقة في التعبير، كقول الفارابي: الأكلف لون بين السواد والحمرة، والحقيقة أن الكلفة هي ذلك اللون، أما الأكلف فهو ما كان لونه بين السواد والحمرة. ومنه قوله أيضًا: "القنينة آنية الشراب" والصواب إناء لأن القنينة مفرد لا جمع. جـ- التعريف الدوري مثل قول الفارابي: حسب الرجل صار حسيبًا وقوله: الوارش في الطعام مثل الواغل في الشراب، الواغل في الشراب مثل الوارش في الطعام. وعبارة الجوهري أوضح وهي: "الوارش" الداخل على القوم وهم يأكلون ولم يُدْعَ، مثل الواغل في الشراب". ومنه قول القاموس: تنجح الحاجة واستنتجحها تنجزها، ثم قوله: تنجز الحاجة واستنجزها استنجحها١. ٥- أنها أهملت في بعض الأحيان النص على ضبط الكلمة، وبيان باب الفعل الثلاثي. ومن أمثلة ذلك قول الجوهري: قلبته أي أصبت قلبه. وقلبت النخلة أي: نزعت قلبها. ولم يذكر الباب، وقد ذكر غيره أنه من باب فعل يفعل "بفتح فكسر". ٦- كذلك من يتتبع معاجم المتأخرين يجدها تعتمد إلى حد كبير على معاجم المتقدمين، سواء من ناحية المادة أو النظام. ومنها ما يتجوز مرحلة الاعتماد إلى مرحلة التقليد الأعمى. ويحضرني من أمثلة التقليد الأعمى نموذجان:

стр. 285

أ- اتباع ابن دريد نظام التقليبات تقليدًا للخيل بن أحمد مع طرح ابن دريد للترتيب الصوتي. ونظام التقليبات لا يحقق هدفه إلا مقترنًا بالترتيب الصوتي الذي يكشف عن خصائص "النسج الصوتي" للكلمات العربية، ويميز التجمعات المسموحة والأخرى الممنوعة. ب- استخدام ابن فارس نظم الدائرة في ترتيب ثواني الكلمات وثوالثها أي: بدؤه الثاني مما يلي الأول والثالث مما يلي الثاني. وهذه نقطة حاكى فيها معاجم التقليبات دون أن يتنبه إلى الحكمة منها. فمعاجم التقليبات تبدأ الثاني مما يلي الأول، لأن ما قبل الأول قد سبق في مكانه. ولكن بعد أن طرح ابن فارس نظام التقليبات لم تعد هناك حكمة في بدء الثاني مما يلي الأول لأن ما قبل الأول لم يسبق ذكره. أما الاعتماد من ناحية المادة فظاهرة متفشية في جميع المعاجم العربية. فكتاب الجمهرة يصفه "نفطويه" قائلًا: وهو كتاب العين إلا أنه قد غيَّره ويصرح ابن فارس بالأخذ عن كتب السابقين والاعتماد عليها وعلى خمسة منها بالذات ... فهذه الخمسة معتمدنا فيما استنبطاه من مقاييس اللغة". ويفصح ابن منظور في لسان العرب أنه نقل معجمه عن سابقيه نقلًا تامًّا. فبعد أن يذكر "التهذيب" للأزهري و"المحكم" لابن سيده ... يقول: "وليس لي في هذا الكتاب فضيلة أمت بها ... سوى أني جمعت فيه ما تفرق في تلك الكتب ... " ومثل هذا ينطبق على تهذيب اللغة والعباب والصحاح والقاموس ... وغيرها ١.
следующие страницы →