٣- المآخذ على المعاجم العربية:
على الرغم من الجهود المضنية التي بذلها المعجميون العرب، لم يسلم عملهم من النقد، ولم يخل من المآخذ، ولعل أهم هذه المآخذ ما يأتي:
١- أكبر عقبة تصادف الباحث في معاجمنا اللغوية عدم ترتيب المواد ترتيبًا داخليًّا. ففيها خلط الأسماء بالأفعال، والثلاثي بالرباعي، والمجرد بالمزيد وخلط المشتقات بعضها ببعض "فربما رأيت الفعل الخماسي والسداسي قبل الثلاثي والرباعي، أو رأيت أحد معاني الفعل في أول المادة، وباقي معانيه في آخرها. ففي مادة "عرض" ذكر الجوهري المعارضة التي بمعنى المقابلة بعد المعارضة التي بمعنى المجانبة بثلاثة وبثلاثين سطرًا"١ وكذلك فعل الفيروزآبادي في مادة حب، فقد أورد في أولها: تحابوا أي: أحب بعضهم بعضًا، ثم قال بعد ستة وثلاثين سطرًا: والتحاب التواد. ومن هذا القبيل ما ورد في "لسان العرب" في مادة ظفر إذ قال: ظفره وظفره وأظفره غرز في وجهه ظفره. ثم ذكر بعد خمسة وثلاثين سطرًا ظفر به وعليه وظفره وأظفره الله به وعليه وظفره به٢.
لذلك كان على من يريد الكشف عن كلمة أن يراجع المادة كلها من أولهما إلى آخرها، ولا يكتفي بمصادفتها في مكان واحد، فربما تكرر ذكرها. ولهذا يقول أحمد فارس الشدياق: "ولا جرم أن هذا التخليط والتشويش في ذكر الألفاظ ليذهب بصبر المطلع، ويحرمه من الفوز بالمطلوب فيعود حائرًا بائرًا".
стр. 282
٢- كذلك يواجه الباحث في المعاجم العربية بعدم التزامها بالمنهج الذي اختطه المؤلف لنفسه. ومن أمثلة ذلك:
١- ما جاء في "ديوان الأدب" للفارابي من أنه لن يذكر في المعجم المشتقات القياسية، ومع ذلك نجد في المعجم ذكرًا لفعال جمع فعل، ولفعل جمع فاعل مثل نوم ونائم وغيب وغائب.
ب- ما جاء في مقدمة لجنة "المعجم الوسيط" من أن المعجم قد أهمل "كثيرًا من الألفاظ الحوشية الجافية، أو التي هجرها الاستعمال لعدم الحاجة إليها، أو قلة الفائدة منها، كبعض أسماء الإبل وصفاتها ... " ومع ذلك فقد ورد في المعجم كلمات مثل الهصاهص بمعنى القوي من الناس أو الأسود، ومثل الهلواع الناقة السريعة الشديدة، ومثل الناقة الدرصاء التي تكسرت أسنانها كبرًا، ومثل الدرفاسي بمعنى الضخم العظيم من الإنسان والحيوان١.
٣- ومن عيوبها كذلك وقوعها في بعض الأخطاء عند شرح المادة اللغوية. وقد ألفت الكتب قديمًا وحديثًا في التنبيه على هذه الأخطاء. وقد سبقت الإشارة إلى "التنبيه والإيضاح" لابن بري، و"نفوذ السهم" لخليل بن أيبك الصفدي، و"التنبيه على حدوث التصحيف" لحمزة الأصفهاني.
أما في الحديث فمما ألف فيها: "الجاسوس على القاموس" لأحمد فارس الشدياق، "وتصحيحات لسان العرب" لأحمد تيمور، كما نشرت تصحيحات للسان العرب في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق بقلم الأستاذ توفيق داود قربان، وتصحيحات أخرى للأستاذ عبد السلام هارون في مجلة المجلة، وأخرى للأستاذ عبد الستار أحمد فراج في مجلة مجمع اللغة العربية في القاهرة وغيرها٢. ونشرت
стр. 283
تصحيحات للمعجم الوسيط للأستاذ عدنان الخطيب في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق تحت عنوان "نظرات في المعجم الوسيط".
ومن أمثلة هذه الأخطاء قول الجوهري: وسالم من أسماء الرجل، ويقال للجلدة التي بين العين والأنف سالم. وقد عقب الصغاني بقوله: وهذا غلط. وقد تبع خاله الفارابي في أخذه اللغة من معنى الشعر. والبيت الذي أخذ الفارابي هذا المعنى منه هو قول الشاعر:
يديرونني عن سالم وأريغه ... وجلدة بين العين والأنف سالم
وهذا البيت قد قاله ابن عمر في ابنه سالم، وواضح أن "سالم" في الشطر الثاني - كما هو في الشطر الأول - هو سالم ابن ابن عمر، وقد جعله لمحبته بمنزلة جلدة بين عينه وأنفه. ومعنى أريغه أطلبه وأريده وأميل إليه سرًّا١.
ومن أمثلتها كذلك قول الفارابي: "الصيعرية سمة في عنق البعير". قال الفيروزآبادي: الصيعرية سمة في عنق الناقة لا البعير. وقد حاول ابن الطيب الفاسيأن يعتذر عن الفارابي بأنه أراد بالبعير الأنثى. ولا معنى لذلك في رأينا. وقديمًا عيب على المسيب بن علس قوله:
وقد أتناسى الهم عند احتضاره ... بناج عليه الصيعرية مكدم
لأن الصيعرية صفة للنوق لا للفحول. ولذلك حين سمع طرفة بن العبد هذا البيت قال: استنوق الجمل، وضحك منه٢.
٤- ومن عيوبها شرح الكلمات شرحًا معيبًا مثل:
стр. 284
أ- غموض العبارة، وتعريف اللفظ الغامض بلفظ غامض، كقول الفارابي: "الصدع الوعل بين الوعلين"، وهو يريد أنه وسط منها ليس بالعظيم ولا الصغير. ولكنه وعل بين وعلين، كما شرحه الصحاح. وكقول الفارابي كذلك النثور: النيلج وقد شرحه الجوهري بقوله: وهو دخان الشحم يعالج به الوشم حتى يخضر.
ب- عدم الدقة في التعبير، كقول الفارابي: الأكلف لون بين السواد والحمرة، والحقيقة أن الكلفة هي ذلك اللون، أما الأكلف فهو ما كان لونه بين السواد والحمرة. ومنه قوله أيضًا: "القنينة آنية الشراب" والصواب إناء لأن القنينة مفرد لا جمع.
جـ- التعريف الدوري مثل قول الفارابي: حسب الرجل صار حسيبًا وقوله: الوارش في الطعام مثل الواغل في الشراب، الواغل في الشراب مثل الوارش في الطعام. وعبارة الجوهري أوضح وهي: "الوارش" الداخل على القوم وهم يأكلون ولم يُدْعَ، مثل الواغل في الشراب". ومنه قول القاموس: تنجح الحاجة واستنتجحها تنجزها، ثم قوله: تنجز الحاجة واستنجزها استنجحها١.
٥- أنها أهملت في بعض الأحيان النص على ضبط الكلمة، وبيان باب الفعل الثلاثي. ومن أمثلة ذلك قول الجوهري: قلبته أي أصبت قلبه. وقلبت النخلة أي: نزعت قلبها. ولم يذكر الباب، وقد ذكر غيره أنه من باب فعل يفعل "بفتح فكسر".
٦- كذلك من يتتبع معاجم المتأخرين يجدها تعتمد إلى حد كبير على معاجم المتقدمين، سواء من ناحية المادة أو النظام. ومنها ما يتجوز مرحلة الاعتماد إلى مرحلة التقليد الأعمى. ويحضرني من أمثلة التقليد الأعمى نموذجان:
стр. 285
أ- اتباع ابن دريد نظام التقليبات تقليدًا للخيل بن أحمد مع طرح ابن دريد للترتيب الصوتي. ونظام التقليبات لا يحقق هدفه إلا مقترنًا بالترتيب الصوتي الذي يكشف عن خصائص "النسج الصوتي" للكلمات العربية، ويميز التجمعات المسموحة والأخرى الممنوعة.
ب- استخدام ابن فارس نظم الدائرة في ترتيب ثواني الكلمات وثوالثها أي: بدؤه الثاني مما يلي الأول والثالث مما يلي الثاني. وهذه نقطة حاكى فيها معاجم التقليبات دون أن يتنبه إلى الحكمة منها. فمعاجم التقليبات تبدأ الثاني مما يلي الأول، لأن ما قبل الأول قد سبق في مكانه. ولكن بعد أن طرح ابن فارس نظام التقليبات لم تعد هناك حكمة في بدء الثاني مما يلي الأول لأن ما قبل الأول لم يسبق ذكره.
أما الاعتماد من ناحية المادة فظاهرة متفشية في جميع المعاجم العربية. فكتاب الجمهرة يصفه "نفطويه" قائلًا:
وهو كتاب العين إلا أنه قد غيَّره
ويصرح ابن فارس بالأخذ عن كتب السابقين والاعتماد عليها وعلى خمسة منها بالذات ... فهذه الخمسة معتمدنا فيما استنبطاه من مقاييس اللغة".
ويفصح ابن منظور في لسان العرب أنه نقل معجمه عن سابقيه نقلًا تامًّا. فبعد أن يذكر "التهذيب" للأزهري و"المحكم" لابن سيده ... يقول: "وليس لي في هذا الكتاب فضيلة أمت بها ... سوى أني جمعت فيه ما تفرق في تلك الكتب ... " ومثل هذا ينطبق على تهذيب اللغة والعباب والصحاح والقاموس ... وغيرها ١.
стр. 286
٧- ويرتبط بهذا المأخذ مأخذ آخر وهو وقوف المعاجم عند فترة زمنية لم تتجاوزها وهي القرن الثاني بالنسبة لعرب الحواضر والرابع بالنسبة لعرب البوادي، مما أصاب اللغة بالجمود وعاقها عن التطور.
وخيرًا فعل واضعوا "المعجم الوسيط" حين لم يعترفوا بانقطاع سلامة اللغة العربيةعند عصر معين ولا مكان معين، وأثبتوا "في متن المعجم ما دعت الضرورة إلى إدخاله من الألفاظ المولدة أو المحدثة أو المعربة أو الدخيلة التي أقرها المجمع وارتضاها الأدباء فتحركت بها ألسنتهم وجرت بها أقلامهم"١. وقد استهدوا في ذلك بقرارات المجمع اللغوي التي من أهمها:
أ- فتح باب الوضع للمحدثين بوسائله المعروفة من اشتقاق وتجوز وارتجال.
ب- إطلاقه القياس ليشمل ما قيس من قبل وما لم يقس.
جـ- تحرير السماع من قيود الزمان والمكان.
د- الاعتداد بالألفاظ المولدة وتسويتها بالألفاظ المأثورة عن القدماء٢.
٨- خرجت معظم المعاجم العربية عن وظيفتها وبعدت عن حقل اختصاصها حين خلط أصحابها بين المعاجم والموسوعات ودوائر المعارف وحشوا معاجمهم بمواد غريبة عنها. وربما كان معجما "القاموس المحيط" للفيروزآبادي و"شمس العلوم" لنشوان بن سعيد٣ من خير الأمثلة على ذلك.
стр. 287
٩- وإذا كان المعجم العربي قد مر بعصره الذهبي خلال القرون الأربعة الأولى من الهجرة فهو يمر الآن بحالة من الجمود جعلته يتخلف عن حركة التأليف المعجمي العالمية، ويعود ذلك إلى جملة أسباب منها:
أ- أنه لا توجد هيئة دائمة أو مؤسسة متخصصة "حكومية أو غير حكومية" تتولى إصدار المعاجم العربية في أي بلد عربي، والأمر متروك للناشر يقيسه بمقاييس الربح والخسارة وتحقيق النفع المادي.
والأمر يحتاج إلى مؤسسة على نمط "دار أكسفورد للنشر" التي أصدرت عشرات المعاجم الإنلجيزية، منها معجم أكسفورد الكبير الذي يعتبر المرجع الأعلى والأخير في اللغة الإنجليزية، واستغرق إخراجه سبعين عامًا. ومنذ صدوره عام ١٩٢٨ وتعديلات المعجم مستمرة سواء بالحذف والتنقيح أو -وهو الأهم- بإضافة الألفاظ الجديدة التي استعملها الكتاب والشعراء المحدثون أو عثر عليها في الصحف والمجلات المعاصرة، ولذا فالمعجم في نمو مستمر، وهو يزود دائمًا بالملاحق والمستدركات.
ومن أهم المعاجم الأخرى التي صدرت عن دار أكسفورد: المعجم اللاتيني الإنجليزي الذي يعد أعظم معجم من نوعه صدر حتى الآن، واستغرق إعداده وإخراجه نحوًا من نصف قرن، ويضم مفردات اللاتينية منذ ظهورها -رغم أن اللغة اللاتينية- كما نعلم جميعًا - لغة ميتة١.
ب- أنه لا يوجد سجل شامل لمفردات أي عصر من عصور اللغة العربية حتى الآن. وما يتم إنجازه من دراسات معجمية لدواوين بعض الشعراء في أقسام اللغة العربية بجامعاتنا، لا يمثل إلا قطرة في بحر من ناحية، وهو جهد مبعثر لا يتم ضمن إطار عام أو خطة شاملة من ناحية ثانية. كما لا يمكن الوثوق به أو الاطمئنان إليه من حيث الدقة والصحة اللفظية من ناحية ثالثة.
стр. 288
وقد كان -وما يزال- المعجم التاريخي حلمًا راود خيال الكثيرين. ولكن تكلفة المشروع، وضخامة الجهد البشري المطلوب لتنفيذه، وغياب الوعي بأهمية هذا المعجم. حال بينه وبين الظهور.
فليت أي جهة مسئولة أو دار نشر غنية تتنبه إلى قيمة هذا العمل الضخم وتتبناه. ولعل جمعية المعجمية العربية بتونس التي أعلنت عن بدئها العمل في هذا المشروع تكون جادة في التنفيذ، ولكن من أين لها التمويل الضخم المطلوب والكفايات البشرية اللازمة؟.
ولو تم هذا يكون لدينا أساس قوي لرصيدنا اللغوي يتم تزويده كل لحظة بما يجد من ألفاظ على ألسنة الشعراء وبأقلام الكتاب، وما يرد في الصحف والمجلات ووسائل الإعلام المختلفة من كلمات وتعبيرات وتراكيب.
جـ- إننا ما زلنا نعش في عصر المعاجم الفردية، وهو عصر قد انتهى بالنسبة للمعاجم، وحل محله عصر "المعاجم الجماعية" بعد اتساع مجالات اللغة وتعدد استخداماتها العلمية والفنية. إن إخراج معجم في القديم كان يعتمد على لغة الشعر والأدب وهي لغة يمكن للمعجمي أن يدعي معرفته بها، ولكن إخراج معجم في الحديث يعتمد على لغة العلوم والآداب والمعارف المختلفة لا يمكن لباحث واحد أو مجموعة صغيرة من الباحثين الإلمام بها فضلًا عن الإفتاء فيها، ولم يعد المعجم الحديث في حاجة إلى لغويين فقط ولكن يجب أن ينضم إليهم متخصصون ومستشارون في شتى فروع المعرفة وأمامنا معجم "ويستر" الأمريكي كنموذج لهذا التحول الكبير. فقد ضم الفريق الذي قام بالإشراف على طبعته الثالثة: رئيس تحرير، وثلاثة عشر محررًا مشاركًا، وستة وستين محررًا مساعدًا وكلهم من أساتذة الجامعات، وحملة الدكتوراه في التخصصات المختلفة كالرياضيات والفيزياء والكيمياء والنبات والحيوان والديانات والآداب والتاريخ والمكتبات والفلسفة
стр. 289
والنظريات السياسية ... إلخ. كما ضم مائتي مستشار خارجي وعددًا غير محدود من الخبراء يعملون في تخصصات مختلفة قد لا تخطر لنا على بال مثل معسكرات السمر، والتسويق، وصناعة الساعات ورصف الشوارع، وإنتاج الزجاج، والطيور المائية، والحشرات الديدان ... إلخ، مما جعل هذه اللجنة التي أخرجت المعجم أشبه بجامعة حديثة مصغرة.
د- إن صناعة المعجم دخلت عالميًّا عصر الحاسبات الآلية، ونحن ما زلنا نستعمل الجمع والتصنيف اليدويين. لقد استخدمت الآلة في اختزان المادة اللغوية حين يكون حجمها كبيرًا، وما أظن أن لغة أخرى -على وجه الأرض- تنافس لغتنا العربية في ضخامة مادتها، وامتداد تاريخها لبضعة عشر قرنًا.
وقد أمكن عن طريق الآلة حصر المادة بكل دقة، والتصرف في ترتيبها بطرق مختلفة، وضبط الإحالات، والقيام بالتصنيفات النحوية والصرفية المختلفة وغيرها.
هـ- وإلى جانب هذه المشكلات فقد تطورت صناعة المعجم عالميًّا من حيث الترتيب واختيار المداخل، وكيفية عرض المادة، وصارت له تقنيات وأسس محددة من حيث الشكل والموضوع. ومع ذلك فما زال معجم حديث تشدهم تجربة العرب الموغلة في الممقدم، مما يبعدهم عن الاتجاهات الحديثة في صناعة المعاجم.
стр. 290
٤- أهم المحاولات لوضع معجم حديث:
بذلت محاولات متعددة للتغلب على مشاكل المعجم العربي، كما قدم كثيرون صورة للمعجم الحديث في نظرهم. وهناك محاولات نظرية أو تطبيقية قدمها بعض الأفراد، كما أن هناك محاولات قامت بها بعض المجامع اللغوية. وسنبدأ بمحاولات الأفراد ثم نثني بمحاولات المجامع اللغوية.
أولا: محاولات الأفراد
أخذت هذه المحاولات أشكالًا متعددة ربما كان أهمها:
١- وضع منهجية جديدة للمعجم العربي.
٢- تأليف المعاجم الميسرة.
٣- إعادة ترتيب المعاجم القديمة ترتيبًا سهلًا.
٤- معاجم المستشرقين.
وسنتناول كل محاولة من هذه المحاولات بالعرض السريع:
١- أما وضع المنهجية الجديدة للمعجم العربي فقد قام بعبئه أحمد فارس الشدياق "١٨٠٤ - ١٨٨٧" الذي شغل نفسه بالعمل المعجمي منذ نعومة أظفاره. ومعظم آرائه عن المنهجية المعجمية تجدها في مقدمة كتابه "الجاسوس على القاموس" وفي ثنايا نقداته للقاموس المحيط.
كما أنه أشار إلى بعضها في كتابه "سير الليال في القلب والإبدال". ومن هذا وذاك يمكن أن نستخلص الأسس الآتية:
أ- ترتيب المادة اللغوية:
يختار الشدياق ترتيب المادة اللغوية على الترتيب الهجائي العادي، ثم يوازن بين طريقتي الصحاح وأساس البلاغة ويختار الثانية "فالأولى عندي ترتيب الأساس للزمخشري والمصباح المنير للفيومي، أعني مراعاة
стр. 291
أوائل الألفاظ دون أواخرها". ويرد على من يفضل طريقة الصحاح قائلًا: "فإن قيل: إن الترتيب على الأوائل لا يعين الشاعر على جمع الألفاظ التي تأتي على روي واحد، فالأولى ترتيب الصحاح - قلت: الخطب هين. فعلى اللغويين أن يبينوا سر الوضع وعلى الشعراء أن يؤلفوا كتابًا في القوافي"١.
ب- الترتيب الداخلي للمادة:
أكثر ما ضايق الشدياق في المعاجم العربية غياب النسق في عرض مفردات اللغة تحت المادة الواحدة. فما دامت المعاجم العربية قد اختارت طريقة الجذور في ترتيب الكلمات، وكانت هذه الطريقة نقتضي سرق العديد من الفروع والاشتقاقات تحت المدخل الواحد فقد كان من المنطقي أن تتفطن هذه المعاجم إلى طريقة لترتيب هذه الفروع وهو ما لم تفعله. وقد سبق أن عرضنا أمثلة لغياب الترتيب الداخلي من مادتي "عرض" و"ظفر". واقترح الشدياق للخروج من هذه الفوضى منهجًا يقوم على أساسين هما:
١- مراعاة جانب اللفظ بتقديم الثلاثي على الرباعي والرباعي على الخماسي. وفي كل حالة يقدم المجرد على المزيد، ويبدأ بالفعل، تليه مشتقاته.
٢- مراعاة جانب المعنى عن طريق البدء بالحسي قبل المعنوي، والحقيقي قبل المجازي، واستيفاء معاني الكلمة قبل الانتقال إلى كلمة أخرى٢.
جـ- صحة التعاريف:
يشترط الشدياق لصحة التعاريف شروطًا ثلاثًا هي:
стр. 292
وضوحها وعدم إيقاعها في لبس. وقد عد من عدم الوضوح غموض عبارة الشرح، ولذات قسا على الفيروزآبادي في مقدمة جاسوسه لأنه يبدل عبارة المعاجم الواضحة إلى عبارة غامضة مبهمة. كما عد منه إيراد ألفاظ في التعاريف لا ترد في مظانها مع توقف المعنى عليها، كقول الجوهري في "ربح". "ربح في تجارته أي استشف" ولم يذكر استشف في بابها. وعد منه كذلك ذكر اللفظ دون تفسيره، كقول الفيروزآبادي في "صيف". "صيف الأرض كمعنى فهي مصيفة ومصيوفة".قال الشدياق: ولم يفسره. وعبارة الصحاح: "صيفت الأرض فهي مصيفة ومصيوفة إذا أصابها مطر الصيف١.
٢- تعدد طرقها عن طريق ذكر المرادف والمضاد، ووضع الكلمة في سياقاتها المختلفة، ومن أمثلة ذلك ذكره كلمات الألوان التي تأتي وصفًا للفظ الموت مثل:
الموت الأحمر: وهو أن يتغير بصر الرجل من الهول فيرى الدنيا في عينيه حمراء وسوداء.
الموت الأغبر: وهو الموت جوعًا، لأنه يغبر في عينيه كل شيء.
الموت الأسود: وهو الموت في غمة الماء.
الموت الأبيض: وهو موت العافية أو موت الفجأة لأنه يأخذ الإنسان ببياض لونه٢.
٣- خلوها من الدور والتسلسل. وقد سبق أن ضربنا أمثلة على ذلك من ديوان الأدب والقاموس المحيط.
стр. 293
د- الوقوف عند اختصاص المعجم:
يرى الشدياق أن على المعجمي أن يقصر مادته على ألفاظ اللغة غير القياسية ولذلك اعتبر من قبيل التجاوز لوظيفة المعجم ما يأتي:
١- ذكر المعلومات الموسوعية كخواص الأشياء ومنافعها مما حرص عليه صاحب القاموس كل الحرص مع أن موضعها كتب الطب لا كتب اللغة. وكذلك المعلومات الجغرافية والأعلام....
٢- ذكر المشتقات القياسية كإيراد المبني للمجهول بعد المبني للمعلوم مع أنه من المعروف أنه حيثما وجد المعلوم المتعدي وجد المجهول. وكذلك ذكر مصدر غير الثلاثي، والنص على اسم المرة أو الهيئة أو الزمان أو المكان ...
٣- ذكر ما هو من باب الفضول أو الاستطراد الذي لا فائدة فيه. وقد أخذ الشدياق معظم أمثلته من القاموس المحيط الذي بلغ الغاية في ذلك حتى تجاوز كل حد. ومن ذلك ذكره ما كان من قبيل الخرافات مثل خرافة الرخ والجزائر الخالدات وذكره أسماء أصحاب الكهف، وحديثه عن النسطورية والبطريق والإسكندر وغيرهم١.
هـ- وضع اللفظ المشتبه أصله في مظانه المختلفة:
هناك كلمات كثيرة في اللغة العربية يشتبه أصلها ومعرفة جذرها على اللغوي المتخصص فضلًا عن ابن اللغة العادي. وقد كان هذا النوع من الكلمات محل خلاف بين المعجميين، ولذا اختلفت مواضعه في المعاجم.
وكان رأي الشدياق وضع أمثلة هذه الكلمات حسب احتمالاتها.
стр. 294
الممكنة في مظانها المختلفة مع الربط بين هذه المظان. ومن أمثلة ما رأى وضعه في أكثر من موضع الكلمات الآتية:
* كلمة "أثفية" التي توضع في "أنف" و"ثفي".
* كلمة "مكان" التي توضع في "مكن" و"كون".
* كلمة "ترجمان" التي توضع في "ترجم" و"رجم".
* كلمة "كبريت" التي توضع في "كبرت" و"كبر".
* كلمة "عفريت" التي توضع في "عفرت" و"عفر"١.
"وانظر كذلك كلمات: أول - است - آنق - ذرية - بذيء - دكان - بستان - ربان - اللات - هات - لدة - حاش "لله" وغيرها"٢.
ويحدد الشدياق أصولًا معينة يكثر الخلط فيها، وهي المشتملة على علة يصعب ردها إلى الواو أو الياء" "انظر أبي، وذري، وروح، ورنا، وشكا" أو المشتملة على همزة أو نون "فمزلقة الهمزة أن بعضهم يراها أصلية وبعضهم يراها منقلبة عن حرف علة. ومزلقة النون أطم وأعم فإنها تلتبس في أوائل اللألفاظ وأواسطها وأواخرها مثال الأول لفظ نرجس، ومثال الثاني العنصر ومثال الثالث الربان والدكان والبرهان ... وما لا يحصى من نظائرها"٣.
و وضع المعرب تحت لفظه:
يرى الشدياق ضرورة وضع الكلمات المعربة تحت لفظها على اعتبار أن حروفها كلها أصلية. ولذا فهو ينتقد الفيروزآبادي في وضعه كلمة "استبرق" في "برق" و "أرجوان" في "رجو" ويذكر الشدياق
стр. 295
أن حكم "سألتمونيها" لا يجري على الألفاظ الأعجمية؛ لأن حروفها كلها أصلية١.
"ز" بيان درجة اللفظ في الاستعمال:
يرى الشدياق أن من وظيفة المعجم النص على درجة اللفظ في الاستعمال فيقول: "من عادة المحققين من اللغويين أن ينبهوا على الفصيح من الكلام، وعلى غير الفصيح، وعلى الغريب، والحوشي، والمتروك، والمهمل، والمذموم واللثغة. نحو ذلك" لذا عاب على صاحب القاموس إيراده بالالفاظ إيرادًا مطلقًا من دون أن ينبه على درجتها٢.
٢- وأما محاولة تأليف المعاجم الميسرة فقد قام بعبئها أول الأمر اللبنانيين. وقد كان للنهضة المباركة التي هزت العالم العربي منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأدت إلى انتشار المعاجم المطبوعة بين الناس٣، وقيام بعض العلماء بنقدها٤، أو الموازنة بينها، الدعوة إلى تأليف معجم حديث - كان لكل أولئك أثر حميد في إيقاظ حمية بعض العلماء فتصدى نفر منهم لتحمل عبء وضع معجم حديث سهل.
стр. 296
ويلاحظ أن جميع الذين تصدوا لإخراج هذه المعاجم قد اختاروا الترتيب الهجائي العادي بحسب أوائل الكلمات، ولكن رأى بعضهم -وهم قلة- أن يبقوا على الكلمات بدون تجريد. ويلاحظ كذلك أن كل هؤلاء جميعًا قد اتجهوا نحو الاختصار والتركيز، وحاولوا ترتيب المادة ترتيبًا داخليًّا وتجنبوا عيوب المعاجم القديمة. ومنهم من زود معجمه. بصور ورسوم وزيادة في الإيضاح. ومن أشهر هذه المعاجم:
أ- "محيط المحيط" للعالم اللغوي بطرس البستاني، وهو يعتمد أساسًا على القاموس المحيط، ولكن مع حذف وإضافة، ومع تغيير نظامه إلى الترتيب الهجائي العادي. وقد ظهر في جزءين كبيرين وطبع عام ١٨٦٩ م.
ب- "قطر المحيط" للمؤلف السابق. وقد ذكر أن هدفه من تأليفه "أن نضع فيها هذا المؤلف على وجه هين المراس سهل المأخذ ليكون للطلبة مصباحًا يكشف لهم عما أشكل عليهم من مفردات اللغة ... وقد سميناه بقطر المحيط، لأن نسبته إلى كتابنا المطول في هذه الصناعة المسمى بمحيط المحيط توشك أن تكون كنسبة قطر الدائرة إلى محيطها ... ".
جـ- "أقرب الموارد في فصح العربية والشوارد" لسعيد الخوري الشرتوني وقد أخرجه أول الأمر في جزءين عام ١٨٩٠ م، ثم أضاف إليه فيما بعد جزءًا ثالثًا بمثابة الذيل. وبرغم الجهود التي بذلها الشرتوني ليكون معجمه سليمًا من الأخطاء من العيوب لم يتحقق الكمال له. وقد أحصى الشيخ أحمد رضا هناته التي عثر عليها ونشرها في ثلثمائة صفحة في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق.
د- وفي عام ١٨٠٩ أخرج الأب لويس معلوف اليسوعي "توفي ١٩٤٦ م" كتابه "المنجد" بقصد خدمة الناشئين. ولقد جاءت مادة الكتاب قريبة المأخذ، سهلة التناول، مع إيجاز غير مخل. وأعيد طبع المعجم عدة مرات مع زيادات واستدراكات في كل مرة.
стр. 297
ومع ذلك لم يسلم المعجم من المأخذ فتصدى بعض الغيورين على العربية إلى بيان أوهامه وأخطائه اللغوية والتاريخية. ومما نشر في ذلك مقالات لمنير العماري في مجلة المعرفة الدمشقية، وبحث بعنوان نظر في المجد للأمير مصطفى الشهابي.
وفي طبعة عام ١٩٥٦ ألحق به الأب فردينان توتل اليسوعي قسمًا بعنوان "المنجد في الأدب والعلوم" عني فيه بالترجمة لأعلام الشرق والغرب وزينه بكثير من الصور والرسوم والخرائط١.
هـ- "البستان"، "وفاكهة البستان وكلاهما لعبد الله البستاني، وثانيهما اختصار لأولهما. وقد ظهر الأول في مجلدين وطبع في بيروت عام ١٩٣٠ م.
و وفي سنة ١٩٥٨ طبع "متن اللغة" للشيخ أحمد رضا في خمسة أجزاء كبيرة ومقدمة طويلة بحث فيها من مولد اللغة وتطور اللغات إجمالًا، وعن نشأة اللغة العربية وتطورها واختلاف لهجاتها، وعن أوهام الأعلام وأغلاط أئمة اللغة. وألحق بمقدمة معجمه جداول متعددة للموازين والمقاييس والمكاييل وللكلمات المعربة حديثًا٢.
ز- الرائد لجبران مسعود، وقد صدرت أول طبعة منه عام ١٩٦٥ م. وأهم ما يتميز به ترتيب الكلمات تحت حروفها المنطوقة بدون تفريق بين أصلي وزائد. وقد وضعه المؤلف وفي ذهنه خدمة الطلاب، فهو أشبه بمعجم مدرسي منه بمرجع لغوي يمكن الاعتماد عليه والإشارة إليه في المصادر.
ح- "المساعد" للأب انستاس ماري الكرملي، وقد ظهر الجزء
стр. 298
الأول منه بعد وفاة مؤلفه بربع قرن بتحقيق كوركيس عواد وعبد الحميد العلوجي "١٩٧٢".
ويعد الكرملي أحد اللغويين المعاصرين القلائل الذين نافحوا عن اللغة العربية وبذلوا قصارى جهدهم في إظهار فضلها، وله في ذلك ما يزيد على ألف مقالة. وقد بدأ عمله في معجمه عام ١٨٨٣ وظل يواصل العمل فيه حتى عام ١٩٤٦. وقد سماه أولًا "ذيل لسان العرب" ثم عدل عن هذه التسمية وسماه "المساعد".
ومما ذكره الكرملي في مقدمة المعجم نعلم أن الذي دفعه إلى تأليفه ما لاحظه من خلو معاجم الأقدمين والمولدين العصريين من كثير من الألفاظ الواردة في دواوين الشعراء وكتب الأدب "فأخذنا منذ ذلك الحين بسد تلك الثغرة مدونين ما لا نجده في كتب لساننا".
وقد بنى معجمه على جملة أسس منها:
١- ذكر مصدر الكلمة إن كانت دخيلة، وأصلها الثنائي إن كانت عربية.
٢- إذا أثبت لفظة لم ترد في المعاجم أرفقها بمحل ورودها.
٣- التنبيه إلى الأغلاط التى انسلت إلى لغتنا.
وقد توفي المؤلف بعد أن ترك المعجم مسودة مخطوطة بخطه في خمسة مجلدات ضخام.
ومن الجديد في هذا المعجم.
١- تفسيره "الآبدة" في اصطلاح عهد العباسيين بالداهية التي تفسد الدين أو المعتقد. واستشهاده على هذا بما جاء في "نهاية الأرب" للنويري و"صبح الأعشى" القلقشندي.
٢- تصحيح استعمال "أبدًا" مع الفعل الماضي بدلًا من "قط" استشهادًا بقول أبي الهندي:
стр. 299
أَبا الوَليد أمَا وَاللَهِ لَو عَمِلَت ... فيكَ الشَمولُ لما حَرَّمتَها أَبَدا
وليس أدل على ضخامة هذا المعجم من أن الجزء الأول منه قد انتهى بجزء من حرف الهمزة فقط.
٣- وأما إعادة ترتيب المعاجم القديمة أو اختصارها فيدخل تحتها:
أ- "ترتيب القاموس المحيط" للشيخ الطاهر أحمد الزاوي، وقد رتبه على ترتيب "المصباح المنير" و"أساس البلاغة"، وأخرجه في أجزاء. وقد التزم فيه ترتيبالكلمات تحت أوائلها بدون تجريدها من الزوائد.
يقول المؤلف في مقدمته: "وقد ظهر لي أن القاموس يكون أكثر فائدة لطلاب العلم، ويكون إقبالهم عليه أشد إذا أزيلت عنه هذه الصعوبة، وقدم إليهم في ثوب جديد بحيث يرتب على حروف أوائل الكلمات ... واعتبار حروف الكلمة المنطوق بها، لا فرق بين زائد وأصلي. وبذلك يسهل عليهم الوصول إلى ما قصدوا"١.
ب- "مختار القاموس" للشيخ الزاوي كذلك. وقد رتبه على طريقة "مختار الصحاح" و"المصباح المنير"، وقال عن هدفه فيه: "وقد جعلت نصب عيني أن أختصر من أجزاء القاموس الأربعة جزءًا واحدًا يسهل على الطالب استصحابه إلى المدرسة أو الجامعة أو حيث يريد".
وقال عن منهجه: "وقد الجأتني ضرورة الاختصار إلى الاستغناء عن ذكر كثير من المواد التي لم يألفها المجتمع العام ولا تدعو الحاجة إلى استعمالها. كما حذفت أسماء الأشخاص والبلدان والأماكن والحيوانات وصفاتها.... وحذفت أسماء النباتات - إلا في القليل النادر - وخصائصها...."٢.
стр. 300
جـ- "المختار من صحاح اللغة" تأليف الأستاذين محمد محيى الدين عبد الحميد، ومحمد عبد اللطيف السبكي. وندع المؤلفين يشرحان مهمتهما، وما يتميز به معجمهما:
١- "يشتمل كتابنا هذا إذن على جميع المواد التي يشتمل عليها كتاب "مختار الصحاح" الذي ألفه الإمام الرازي ولم نحذف منه شيئًا كما فعل الذين قاموا على ترتيبه من رجال وزارة المعارف المصرية".
٢- "ضبطنا مفرداته ضبطًا لا يبقى معه تردد لقارئ ولا مجال لبس على مبتدئ".
٣- "يشتمل على زيادة كثيرة هامة تبلغ مقدار نصف المختار".
٤- "رأينا أن نرتبه ترتيب الزمخشري في "الأساس" والفيومي في "المصباح"، لأنه أقرب إلى الناشئة وأسهل عليهم"١.
د- "الإفصاح في فقه اللغة" للأستاذين حسن يوسف موسى وعبد الفتاح الصعيدي. وهو المعجم الوحيد من بين المعاجم الحديثة الذي اتبع نظام الموضوعات في ترتيبه. ولا غرابة في هذا فهو مبني على كتاب "المخصص" لابن سيده، ويعد في جملته اختصارًا له. وقد ذكر الأستاذ العقاد في تقديم هذا الكتاب أن "الإفصاح سيرحب به المحافظون؛ لأنه تراث قديم يضن عليه بأن يهجر في زوايا النسيان، وسيرحب به المجددون؛ لأنه يختصر لهم طريق التنقيب عن المفردات، وسيرحب به كل مشتغل بالترجمة في علم أو أدب أو صناعة".
أما المؤلفان فقد ذكرا السبب في تأليف هذا المعجم، كما بينا جهدهما في تأليفه، ويتلخص هذا وذاك فيما يأتي:
стр. 301
١- من عيوب المخصص طوله واتساعه وكثرة شواهده المنظومة والمنثورة واستطراداته النحوية والصرفية، مما جعله وقفًا على الخواص، ولذلك قاما باختصاره.
٢- المعجم مبوب بحسب ما في الكون كله من آثار في الأرض، وآيات في السماء وبكل ما تحمل الدنيا ويدب فيها من إنسان أو حيوان أو طير أو نبات، وما تحفل به بطنها من معدن، أو ينتأ فوقها من صخر وكل ما يعمله الناس من صناعة أو زراعة أو تجارة أو فنون١.
٣- قرأ المؤلفان "القاموس المحيط" و"فقه اللغة" للثعالبي و"اللسان" والأساس وغيرها واستخلصا منها ما ند عن المخصص مما تمس الحاجة إليه.
٤- التحلية بالصور للحيوان والنبات والشجر والطيور والسمك والحشرات والأدوات.
٥- ألحق المؤلفان بالكتاب معجمًا للألفاظ مرتبًا ترتيبًا هجائيًّا على الحروف ليسهل الرجوع إلى مادته٢.
ونلاحظ على عمل المؤلفين ما يأتي:
١- أنهما لم يفصلا بين ما هو من كلام ابن سيده وما هو من إضافاتهما، ولم يذكرا المرجع مع كل إضافة. ولو فعلا لأمكن توثيق المادة المضافة، ولتبين مقدار ما أخذاه من كتب اللغة الأخرى.
٢- برغم أن الكتاب يقع في جزءين ضخمين مجموع صفحاتهما
стр. 302
١٣٩٦ صفحة فلم أجد في الجزء الأول كله ويقع في ٦٦٤ صفحة إلا بضعًا وعشرين صورة. ومعنى هذا أن ما ذكره المؤلفان عن التحلية بالصور مبالغ فيه جدًّا بل يكاد يكون عديم القيمة.
٤- أما معاجم المستشرقين فمن أشهرها:
أ- محاولة فيشر المعجمية: وقد كان فيشر أحد كبار المستشرقين الألمان، وحجة في اللغات الشرقية من عربية وعبرية وسريانية وحبشية وفارسية وغيرها. وقد شغل كرسي الدراسات العربية بليزج منذ عام ١٨٩٩. ١.
وقد عني فيشر بالمعجم العربي منذ أخريات القرن الماضي وعاش معه نحو خمسين سنة. ويظهر أن محاولته عمل معجم تاريخي للغة العربية قد تأثر فيها بمعجم أكسفورد التاريخي الذي نشر قبل مولده بقليل. ولقد قضى نحو أربعين سنة في جمع مادته وتنسيقها، وحين عرضها على مجمع اللغة العربية في مصر رحب بالفكرة، وقد قررت الحكومة المصرية عام ١٩٣٦ السماح بإتمام عمله المعجمي في القاهرة، ووعدته بأن تتحمل نفقات طبعه، وأمدته بمساعدين شبان لمعاونته في القراءة والنسخ. ولكن الحرب العالمية الثانية قد اندلعت واضطر فيشر إلى العودة إلى وطنه. وتوزعت مواد معجمه بين مصر وألمانيا. وكان الأمل أن يعود فيشر بعد الحرب إلى مصر ليتم ما بدأ إلا أن المرض أقعده ثم عاجلته المنية، وتوفي عام ١٩٤٩. ٢.
وقد حدثنا فيشر أنه عرض فكرة تأليف هذا المعجم أولًا في مؤتمر المستشرقين الألمان في باسل Easel عام ١٩٠٧، ثم في مؤتمرين آخرين
стр. 303
عالميين أحدهما عقد في كوبنهاجن سنة ١٩٠٨ والآخر في أثينا عام ١٩١٢.
كما حدثنا عن الصعوبات المادية الكثيرة التي كانت تواجهه فتوقفه عن العمل أو تصيبه بالفتور، وعن عدم وجود ناشر ينفق على طبعه١.
وحاول المجمع أن يلم ما تفرق من جذاذات فيشر فلم يستطع الحصول على ما نقل منها إلى ألمانيا، ولاحظ أن ما بقي منها غير مكتمل، ولم يجد ما يصلح النشر منها سوى مقدمة أعدها المؤلف، ونموذج من حرف الهمزة فطبعهما المجمع.
وقد شرح فيشر في مقدمته النقص الظاهر في المعجمات العربية السابقة الذي يرجى لأجله تأليف معجم جديد كبير، ورآه يتركز في أن "المعجمات التي صنفها العرب لم تجمع كل كلمات اللغة العربية بل جمعت الفصيح منها فقط" ثم ذكر أن "منتهى الكمال لمعجم عصري أن يكون معجمًا تاريخيًّا، ويجب أن يحتوي المعجم التاريخي على كل كلمة تدوولت في اللغة. فإن جميع الكلمات المتداولة في لغة ما لها حقوق متساوية فيها ... ولكن المعجمات العربية بعيدة كل البعد عن وجهة النظر هذه، إذ إنها لا تعالج الناحية التاريخية لمفردات اللغة".
واعتبر ذلك من عيوب المعاجم القديمة إغفالها كثيرًا من الآداب النثرية مثل "قصص البطولة لأيام العرب وكتاب السيرة لابن هشام، وكتاب المغازي للواقدي، وكتاب تاريخ الرسل والملوك للطبري وغيرها من كتب الأدب القديمة. وقد حوى هذا الأدب المنثور كلمات وتراكيب كثيرة لا أثر لها في القرآن الكريم أو الحديث الشريف أو الشعر القديم، وهو من بعض النواحي يقدم لنا صورة من اللغة العربية القديمة أحسن مما يقدمه الشعر".
أما المنهج الذي رسمه فيشر لمعجمه فيتلخص فيما يأتي:
١- الرجوع إلى الواقع اللغوي المسجل، والمحدد بعصور معينة
стр. 304
مع البدء بالكتابة المنقوشة المعروفة بنقوش النمارة من القرن الرابع الميلادي والانتهاء بنهاية القرن الثالث الهجري، وهو القرن الذي اعتبره المجمع اللغوي منتهى ما وصلت إليه اللغة العربية الفصحى من كمال.
٢- اشتمال المعجم على كل كلمة -بلا استثناء- وجدت في اللغة.
٣- ضرورة معالجة الكلمات من النواحي السبع التالية: التاريخية، والاشتقاقية١، والتصريفية٢، والتعبيرية٣، والنحوية، والبينية، والأسلوبية٤.
وأهمية التداول التاريخي تبدو من أن اللغة دائمة التطور، ولكل كلمة تطورها التاريخي الخاص. ولهذا يجب أن يوضح هذا التطور التاريخي بمقتضى ما لدينا من وسائل وإن كانت وسائل قاصرة.
والأهمية العظمى يجب أن تعطى للموضوع الذي وردت فيه الكلمة لأول مرة في آداب اللغة. وكما يجب أن يعني ببدء تطور الكلمة يجب أن يعنى بآخر تطورها، وهل لاقت موتًا في الزمن القديم أو الحديث، أو اندثر معنى من معانيها....
٤- مراعاة ترتيب المعاني المتعددة للكلمة بتقديم المعنى العام على الخاص والحسي على العقلي والحقيقي على المجازي ونحو ذلك.
٥- تحديد المحيط اللغوي الذي تستعمل فيه الكلمة أو التعبير أو
стр. 305
التركيب، كلغة القرآن ولغة الحديث وأسلوب الشعر والنثر، والأسلوب التاريخي وأسلوب الفنون وغيرها.
٦- محاولة إتباع الشرح باللغة العربية بالترجمة المختصرة الإنجليزية أو الفرنسية زيادة في الإيضاح، وحتى تعين المستشرقين الذين لم يتمكنوا من اللغة العربية غاية التمكن.
ولكن إذا رجعنا إلى النموذج الذي طبعه مجمع اللغة العربية نلاحظ أن المؤلف لم يلتزم أن يطبق في هذا النموذج المنهج التاريخي الذي ادعاه ولا التسلسل الزمني لتطور كلمة، سواء من ناحية النطق أو الدلالة، وإنما كل ما يزيده على المعاجم الأخرى "القديمة منها لا الحديثة" ترتيب مادة الكلمة ترتيبًا داخليًّا، وذكر المصادر التي تعرضت لعلاج هذه الكلمة. نعم ذكر فيشر عند علاجه لكلمة الأوابد أنها وردت بمعنى المضحكات في كشاف الزمخشري من علماء القرن السادس الهجري١.
ولكن هل الزمخشري حقًّا أول من استعملها؟ وإذا كان كذلك، أفلا يتناقض هذا مع ما سبق ذكره من الوقوف عند القرن الثالث؟ كذلك يرد في أول المادة مقارنة الكلمة بنظائرها الساميات كالأثيوبية والأكدية والعبرية والآرامية، وهو جهد قيم يسجل للمؤلف بالتقدير.
ب- معجم لين: أما اسم المؤلف فهو إدوارد وليم لين، وقد ولد عام ١٨٠١ وتوفي عام ١٨٧٦ م. وأما الاسم الذي اختاره لمعجمه فهو "مد القاموس" وهو معجم عربي إنجليزي ضخم في ثمانية أجزاء، نشر خمسة منها في حياة المؤلف وثلاثة بعد مماته. وهو ليس كسائر المعاجم المزدوجة اللغة تعطى الكلمة ومعناها، وإنما هو أشبه بمعجم عربي مرفقة به ترجمة لمادته باللغة الإنجليزية.
ويقول الأستاذ نجيب العقيقي عن هذا المعجم: "ومد القاموس
стр. 306
جمع لأول مرة في تاريخ اللغة العربية المفردات من أمهات كتب الأدب، مما لم يرد في المعاجم القديمة أو معجمي جوليوس وفرايتاج، ومنتخبات من القرآن الكريم، بحيث أصبح قاعدة بنيت عليها معظم المعاجم العربية الأحدث عهدًا باللغات الأوروبية، وما زال من أجود المعاجم المتداولة"١.
ويقول الأستاذ آربري: "الرئيس السابق لقسم الدراسات الشرقية بجامعةكمبردج":"إن هذا المعجم يعد أكثر خدمة قدمها أوروبي للغة العربية"٢. ووصف فيشر المؤلف بقوله: "لين أعلم المستشرقين بالمعجمات العربية"٣.
أما عن مصادر لين فكانت المعجمات العربية التي ألفها العرب سواء المطبوعة منها والمخطوطة مما اتفق له الحصول عليها، واعتمد أكثر ما اعتمد منها على تاج العروس للزبيدي٤.
وأهم نقص في هذا المعجم أن مؤلفه مات قبل أن يتمه، إذ لم يصل فيه إلا إلى حرف القاف. وقد طرح في اجتماع دولي للمستشرقين أمر إكماله واعتبر ذلك أمرًا ذا أهمية خاصة، حتى إن كريمر "توفي عام ١٩٦١" بدأ معجمه العربي - الألماني - الإنجليزي من حرف القاف من أجل ذلك، وظهر في أربعة أجزاء٥.
ولكن يكفي لتصوير جهد المؤلف في هذا أن نعلم أنه قصد مصر خصيصي من أجله، وكان يعمل فيه بين اثنتى عشرة أربعة ساعة وأربع عشرة ساعة يوميًّا، وأفرغ الخمس والعشرين سنة الأخيرة من حياته في
стр. 307
إنجازه. وقد كان لين إلى جانب ذلك ممن يتقنون اللغة العربية كتابة وخطابة، وقصد مصر أكثر من مرة، وأعلن إسلامه، وتسمى باسم منصور أفندي، وتردد على الأزهر وسائر المساجد للصلاة وطلب العلم١.
جـ- معجم دوزي أو تكملة المعاجم العربية: وهذا المعجم في الحقيقة يعد ذيلًا على المعاجم العربية، ذكر فيه ما لم يجد له ذكرًا فيها. وقد طبع المعجم في مجلدين ضخمين بالعربية والفرنسية "ليدن ١٨٧٧- ١٨٨١" م وليدن - باريس ١٩٢٧، ثم أعادت مكتبة لبنان طبعه مصورًا بالأوفست في بيروت "١٩٦٨". وأخيرًا قام بترجمة قسم كبير منه الدكتور النعيمي.
ودوزي هو اسم الأسرة أما الاسم الشخصي فهو رينهارت، وقد تعلم مبادئ العربية في منزله، فقد كان من أسرة تحب الاستشراق ثم واصل دراستها بعد بجامعة ليدن، وتعمق في فهمها، ودرس الشعر الجاهلي. وبرغم أن دوزي عاش في هولندا فأصله فرنسي هاجر أسلافه من فرنسا إلى هولندا في منتصف القرن السابع عشر.
وقد كان مولده عام ١٨٢٠ م ووفاته عام ١٨٨٣م. وقد تولى إدارة مخطوطات مكتبة ليدن الشرقية ووضع فهرسين لها، كما عين أستاذًا للعربية بجامعة ليدن "١٨٥٠ - ١٨٧٨" وكان عضوًا في عديد من المجامع العلمية٢.
стр. 308
ثانيًا: محاولات المجامع اللغوية
انتوت كثير من المجامع اللغوية إخراج أنواع مختلفة من المعاجم تخدم أغراضًا خاصة، وقد تحقق بعضها وظهر فعلًا، ولكن بعضًا آخر منها ما يزال فكرة أو مشروعًا لم يخرج إلى حيز الوجود. وأهم هذه المجامع: مجمع اللغة العربية في مصر، والمكتب الدائم لتنسيق التعريب التابع لجامعة الدول العربية، والذي يتخذ المغرب مقرًّا له، والمجمع العلمي العربي بدمشق١، وأخيرًا مجمع اللغة العربية بالأردن.
أما مجمع اللغة العربية بالقاهرة فقد نص في مرسومه على أن من أهم أغراضه "أن يقوم بوضع معجم تاريخي للغة العربية" وقد أخذ نفسه بذلك منذ البداية وكون في دروته الأولى "لجنة المعجم" من كبار اللغوين العرب والمستعربين. كذلك جاء في قانون إنشاء مجمع العربية "افتتح عام ١٩٣٤" أن من أهدافه وضع معجمات ثلاثة.
١- معجم وجيز يقتصر على الألفاظ الكثيرة الدوران بمقدار ما يناسب الدراسات الأولى.
٢- معجم وسيط يتوسع فيه، مع الاقتصار على الألفاظ المستعملة في فصيح الكلام تأليفًا وإنشاء بمقدار ما يناسب الدراسات الوسطى.
٣- معجم بسيط يكون ديوانًا عامًّا للغة، جامعًا شواردها وغريبها، مبينًا أطوار كلماتها وما طرأ على بعضها من توسع في الاستعمال، أو تغير في المعنى في عصور اللغة المختلفة.
كذلك جاء في هذا القانون أن من أهدافه وضع معجمات صغيرة لمصطلحات العلوم والفنون وغيرها.
стр. 309
ولم ينفذ المجمع بعد كل مشروعاته وإنما نفذ منها ما يأتي:
١- المعجم الوسيط: وقد طبع ثلاث طبعات حتى الآن ظهرت أولاها عام ١٩٦١ في جزءين كبيرين يحتويان على نحو ١١٠٠ صفحة من ثلاثة أعمدة ومن القطع الكبير، ويشتمل على نحو ٣٠ ألف مادة، ومليون كلمة وستمائة صورة. وظهرت طبعته الأخيرة عام ١٩٨٥.
وقد كان الغرض من تأليفه تدارك أخطاء السابقين في تأليفهم، وقصورهم في الشرح والترتيب. فقد كان مما يعيب المعاجم القديمة -على غزارة مادتها وتنوع أساليبها- أنها لم تعد تواجه العصر ولا مقتضياته، لأن في شروحها غموضًا، وفي بعض تعاريفها خطأ، وفي تبويبها لبسًا.
وقد وقف أصحاب المعاجم إلى جانب ذلك عند حدود زمنية ضيقة ففقدت معاجمهم كثيرًا من معالم الحياة والتطور. كذلك من شروط المعجم الحديث أن يكون سهل المأخذ واضحًا دقيقًا مصورًا ما أمكن، محكم التبويب، وهذا ما حاول المجمع تطبيقه بالفعل. كما يمتاز باشتماله على مصطلحات العلوم والفنون، وضمه كثيرًا من ألفاظ الحياة العامة، واحتوائه على عديد من الألفاظ المولدة والمعربة حديثًا. كما راعى المعجم قرارات المجمع المختلفة في دوراته مثل قياسية صوغ المصدر الصناعي، وقياسية تعدية الفعل الثلاثي بالهمزة، وقياسية صوغ مطاوع فعل على تفعل وهكذا١.
وفي سبيل الترتيب الداخلي روعي في ترتيب الكلمات تقديم الأفعال على الأسماء. والمجرد على المزيد، والمعنى الحسي على العقلي، والحقيقي على المجازي، والفعل اللازم على المتعدي ... وهكذا.
стр. 310
وقد اكتشف المجمع بعض هنات في معجمه تداركها في طبعتيه الثانية والثالثة.
٢- المعجم الكبير: ظهر منه جزءان فقط، يشمل الأول منهما قسمًا من حرف الهمزة. وقد ظهر لأول مرة عام ١٩٥٦. وهو يسير على الترتيب الهجائي العادي بعد تجريد الكلمة من الزوائد. ويدل على الحجم الذي ينتظر أن يظهر فيه المعجم ذلك الجزء الذي يقع في نحو ٤٢٨ صفحة "عدا الفهارس التي تقع في ٩٠ صفحة والمقدمة التي تقع في ٨ صفحات"، ولم يصل إلا إلى مادة "أخى" من حرف الهمزة.
وقد التزم المعجم ما يأتي:
١- تصدير كل مادة بمعانيها الرئيسية إجمالًا ثم يتناول كلًّا منها تفصيلًا.
٢- ذكر أصل المادة أو أصولها في الساميات إن وجد ذلك.
٣ رد الكلمات المأخوذة من لغات أجنبية إلى أصولها.
٤- ترتيب المادة بحسب المعاني الكبرى، مع التدرج من المدلولات المادية إلى المعنوية.
٥- الاستشهاد بالشعر والنثر مع اختلاف العصور، ومع الترتيب الزمني بقدر الإمكان.
٦- ذكر ما لا بد من ذكره من الأعلام والتعريف بها في إيجاز، وكذلك أسماء الأمكنة.
٧- الإشارة إلى المرجع حين يكون ذلك مفيدًا.
٨- العناية بالضبط بالشكل١.
стр. 311
وقد أعيد طبع الجزء الأول مؤخرًا ونشرته دار المعارف بالقاهرة مع بعض تعديلات، ومحاولة لتدارك أخطاء الطبعة الأولى.
٣- معجم ألفاظ القرآن الكريم: وقد بدأ المجمع في إخراجه تباعًا منذ عام ١٩٥٣ حيث أصدر الجزء الأول منه ثم في سنة ١٩٥٩ ظهر الجزء الثاني، وفي سنة ١٩٦١ ظهر الجزء الثالث ووصل إلى آخر حرف السين وقد انتهى طبع المعجم عام ١٩٧٠، وأعادت دار الشروق طبعه في مجلد واحد. ويعد المجمع الآن لطبعة جديدة، وألف لجنة لتعيد النظر في تنسيق المعجم واستدراك ما فات في الطبعات الأولى.
وهو مرتب على الترتيب الهجائي العادي ويشرح ألفاظ القرآن شرحًا لغويًّا مع بيان المزيد والمجرد والمصدر والمشتقات، وإذا كان للفظ معان مختلفة قدمت الحسية على المعنوية، ورتبت الأخيرة بحسب أهميتها وكثرة ورودها في القرآن ١.
٤- مصطلحات العلوم والفنون: يقف المجمع نحو ٧٠% من نشاطه في جمع المصطلحات ومناقشتها وإقرارها. وقد أخرج قديمًا كراسات في مصطلحات بعض العلوم ومنذ سنة ١٩٤٢ وهو يوالي إخراج مجموعات كبيرة كل عام تضم مصطلحاته التي يقرها المؤتمر السنوي وهي في حدود الألفين تقريبًا٢، وقد ظهرت مجموعات كبيرة من هذه المصطلحات تضم كل مجموعة مصطلحات علم أو فن معين، كما يحرص المجمع على نشرها في مجلته الدورية.
٥- المعجم الوجيز: وقد صدرت طبعته الأولى عام ١٩٨٠، وهو معجم مدرسي كتب بروح العصر ولغته ويتلاءم مع مراحل التعليم العام.
وأضيف فيه إلى المادة اللغوية التقليدية ما دعت إليه الضرورة من
стр. 312
الألفاظ المولدة أو المستحدثة أو المعربة أو الدخيلة، كما أورد طائفة من المصطلحات الشائعة التي يستعملها التلاميذ.
وقد رتب المعجم على حسب أصول الكلمات. ورتبت الأصول على حسب أوائلها. واختارت لجنة الوجيز من مادة الوسيط ما رأت فيه الوفاء بحاجة الطالب. وجاء مجموع ما حواه زهاء خمسة آلاف مادة، صور منها ما يحتاج توضيحه إلى تصوير من نحو نبات أو حيوان أو آلة، فاشتمل على أكثر من ٦٠٠ صورة.
وراعت اللجنة جملة من القواعد تحقق الاختصار والترتيب الداخلي للمواد، وظهر في ٦٨٧ صفحة تحوي كل صفحة ثلاثة أعمدة١.
وأما المكتب الدائم لتنسيق التعريب٢ فلم يوجه اهتمامه للمعاجم الشاملة، وإنما لمعاجم المصطلحات، وقام بمهمة التنسيق بين جهود العلماء في التعريب.
وقد تأسس المكتب عام ١٩٦٩ وألحق بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عام ١٩٧٢. ومنذ ذلك الحين وهو يصدر دورية منظمة باسم "اللسان العربي" يخصص من بين أجزائها جزءًا لمشاريع المعاجم المنسقة إلى جانب ما يطبعه طبعات مستقلة. وقد نشر المكتب من هذا القبيل عشرات من المعاجم المتخصصة معظمها ثلاثي اللغة "عربي - انجليزي - فرنسي" تسهيلًا لعمل الباحثين وتيسيرًا لنشر المصطلحات التقنية والعلمية في الوطن العربي.
стр. 313
ولدى المكتب مشروعات كثيرة منها:
١- إعداد معجم للألفاظ المنحدرة من أصل فصيح إلى اللهجات العامية في البلاد العربية.
٢- إعداد معجم أحادي للغة للتعابير السياقية والاصطلاحية.
٣- إنشاء بنك مركزي عربي للمصطلحات العلمية والتقنية.
٤- إعداد معجم الألفاظ الفصيحة التي دخلت عربية العصر الحديث وهي عامية الأصل.
٥- إعداد معجم للمعاني يجمع الحصيلة اللغوية في كل علم وفن، مما يمده به الكتاب والهيئات بقصد نشرها في كتاب مستقل على الترتيب الموضوعي، وقد أوصى مؤتمر التعريب المنعقد بالرباط من ٣- ٧ إبريل سنة ١٩٦١ بوضع هذا المعجم ليكون عونًا لأبناء العربية على العثور على الألفاظ الدقيقة لما يجول في أذهانهم من المعاني والصور. وقد عرضت على مؤتمر التعريب الرابع "١٩٨٠" مجموعات من مصطلحات التعليم المهني والتقني فأقرها.
٦- عمل معجم حي يجمع في صورة مبسطة ومحددة المفردات العربية الجارية في الاستعمال العربي السليم اليوم ومعانيها الراهنة تختار من الكتب الدراسية والجامعية والمؤلفات العلمية الحديثة وقوائم المصطلحات التي تنشرها المجامع اللغوية ومن الصحف والمجلات السائرة والقصص الجارية.
٧- عمل معاجم ثنائية اللغة للمصطلحات العلمية والفنية والحضارية والمعربة.
وقد أنجز المكتب الدائم كثيرًا من هذه المشروعات وبخاصة معاجم المصطلحات التي بدأ في إنجازها ونشرها مثل معجم الفيزياء والرياضيات
стр. 314
"فرنسي - إنجليزي - عربي" والمعجم السياحي، "فرنسي - إنجليزي - عربي"١، وعشرات غيرها.
أما المجمع العلمي العربي بدمشق: فقد اتسعت أهدافه لتشمل مختلف العلوم الحديثة والقديمة، واتجهت معظم جهوده المعجمية إلى وضع المصطلحات العربية لكي تحل محل الألفاظ الأعجمية، وإصدار قوائم لنقد لغة الصحافة والكتابة والمحادثة وتنقيتها من الشوائب. وله اتصال بالمجامع اللغوية الأخرى لتوحيد الجهود ولا سيما في مجال المصطلحات٢.
أولي = ولى
أولى = وول - أول
أول = وول - وأل
بال "اسم" = بول
برية = برأ
بلبل = بلل
بنو = بني - بنو
بيهق = بهق
تارة = تور - تير
تترى = وتر
تجاه = وجه
تخمة = وخم
تراث - ورث
ترقوة = رقو - رقي - ترق
تعالى "الله" = علو
تقوى = وقى
تكلة = وكل
ثُبات = ثبو
ثَبات = ثبت
ثري = "يائية".
ثقات = وثق
جبروت = جبر
جدّة = جدد
جدَة = وجد
جمجمة = جمم
جوهر = جهر
حادي "عدد" = وحد
حادي "الإبل" = حدو
حانوت = حنو
حسان = حسس - حسن
حصاة = "يائية"
حماة = "واوية".
حواء = حوا
خنزير = خزر - خنزر
داء = دوأ
دم = دمي
دواء = دوا
دويّ = دوا
ديمومة = ديم = دمم
دية = ودي
ذر "أمر" = وذر
ذر: ذرر
ربان = ربب
رحموت = رحم
رحى = "يائية"
رمان = رمم - رمن
رياح = روح
زكاة = واوية
زن "أمر من زان" = زين
زن "أمر من وزن" = وزن
سام = سوم
سام = سمم
سنا = "واوية".
стр. 317
سواء = سوى
سواسية = سوى
سية "القوس" = سيا
سيّان = سوى
شتان - شتت
شتى "متفرقة" = شتت
شتى "من الشتاء" = شتي
شجي = "يائية".
شذا = واوية".
شفا = شفه - شفو
شكاة = "واوية".
شيطان = شيط - شطن
عمار "يصور" = صور
صار "يصير" = صير
صبا = "واوية".
صدى = "يائية".
صفا = "واوية".
طلا = "واوية".
طوبى = طيب
عصا = "واوية".
عفان = عفن - عفف
عيد = عود.
غداة = "واوية"
غضا = واوية"
فد "أمر من فاد" = فيد
فد "أمر من وفد" = وفد
فراء "جمع فراء: حمار الوحش " = فرأ
فراء "جمع فروط = فرو
فلاة = "واوية".
قائل "من القول" = قول
قائل "من القيلولة" = قيل
قذاة = "يائية"
قرنفل = قرفل - قرنفل
قضاة = قضي
قفا = "واوية"
قلا "أ- إنضاج الطعام على المقلاة = قلو
"ب- البغض والهجر" = قلى
قناة = "واوية".
كرة = كرو
كلتا = كلو - كلت
كوكب = ككب - كوكب
لا سيما = سوى
لثه = لثه - لثي - لوث
لدة = ولد
لظى = "يائية"
لغة = لغو - لغي
لهاة = "واوية".
مآب = أوب
مئات = مأو - مأي
ماء = موه
стр. 318
محيص "فعيل" = محص
محيص "مفعل" - حيص
مداك = دوك
مدينة "فعيلة" مدن
مدينة "مفعلة" = دين
مسيح "مفعل" = سيح
مسيح "فعيل" = مسح
مشكاة = شكو
مصير "مفرد مصران" = مصر - صير
معين "ماء" = معن - عين
مقلات = قلت
مقلاة = قلي
ملائكة = ملك _ ألك - لأك
ملكوت = ملك
مهاة = "واوية"
مَوَات = موت
مُوَات = وتى
ميعاد = وعد
ميناء = وني
نار = نور
نبي = نبو
نجاة = "واوية".
نرجس = رجس - نرجس
نسا "عرق" = "واوية".
نيران = نور
هب "أمر من وهب" = وهب
هب "أمر من هيب" = هيب
هب "أمر بمعنى احسب" = وهب
يحموم = حمم
стр. 319
الفصل الخامس: الدراسة المقارنة
من المشهور بين الباحثين أن الدراسة اللغوية المقارنة لم توجد إلا في العصر الحديث، وبعد اكتشاف اللغة السنسكريتية. يقول محمد الأنطاكي: "لم يفطن أحد إلى وجود القرابة بين كل هذه الألسن، ولم يظهر المنهج المقارن إلا بعد العثور على اللسان السنسكريتي".
وهذه المقولة برغم شيوعها ليست صحيحة، على الأقل بالنسبة للدراسات العربية. فقد وجدت منذ القرن العاشر الميلادي "الرابع الهجري" دراسات مقارنة قام بها لغويون متخصصون، ومعظمها تم في المغرب والأندلس على يد لغويين يهود سجلوها باللغة العربية.
وأشهر عملين تما في هذا الخصوص عملا ابن بارون وجودة بن قريش.
وإن وجدت أعمال أخرى أقل قيمة كتلك التي قام بها أبو يوسف القرقساني وداود بن إبراهيم١، ودوناش بن تميم٢.
أما ابن بارون فقد كان من يهود إسبانيا، واسمه بالكامل أبو إبراهيم إسحاق بن بارون، وقد كتب في أواخر القرن الحادي عشر كتابه العظيم "كتاب الموازنة بين اللغة العبرية والعربية"٣. وقد خصص الكتاب للدراسة المقارنة بين اللغتين من جانبي اللغة والنحو، واهتم ببيان أوجه الشبه والخلاف.
стр. 320
والكتاب مقسم إلى قسمين. فالقسم الأول مخصص للنحو المقارن، وأما القسم الثاني فيضم معجمًا مرتبًا ألفبائيًّا لجذور الكلمات الواردة في الكتاب المقدس والتي لها مقابل عربي.
وتبعًا لعهده رتب ابن بارون القسم المعجمي "التالي لقسم النحو" ألفبائيًّا.
وقد بدأه بقوله: "إن الجزء الأول من هذا الكتاب إذا كان قد خصص لمناقشة "رتبة التشارك" بين اللغتين من نواحي "النحو" "وتصرف الأفعال"، وما اتصل بهما، فإن الجزء الثاني سوف يحوي معجمًا يجمع كل الجذور التي نطقها ومعناها يتفقان في كلتا اللغتنين١.
وذكر ابن بارون أن هناك "ضروبًا متقاربة بين اللغتين تشمل:
١- التشابه في الخط واللفظ والمعنى.
٢- التشابه نتيجة لتعاور الحروف المتشابهة المخارج.
٣- التشابه نتيجة لتعاور الحروف المتجاورة.
٤ التشابه نتيجة التصحيف"٢.
إلخ ... إلخ ...
وقد أشار ابن بارون إلى بعض المعجميين العرب ومؤلفاتهم مثل العين للخليل بن أحمد، والجمهرة لابن دريد، والمجرد لكراع. كما أشار إلى بعض النحاة العرب مثل المبرد، والزجاج، وابن الأنباري.
ومن أمثلة المقارنة في القسم النحوي ذكره: