غلبة الضعف على التفسير بالمأثور:
قلنا: إن التفسير بالمأثور يشمل التفسير بالقرآن الكريم، أو بالسنة أو بأقوال الصحابة، والتابعين.
أما تفسير القرآن بالقرآن: فهو لا غبار عليه، ولا اعتراض، وإنما يأتي الغلط من المفسر، بأن يفسر الشيء بما ليس بتفسير له عند التحقيق.
وأما تفسير القرآن بما صح وثبت عن النبي ﷺ فهو على العين والرأس، وليس لأحد أن يرفضه، أو يتوقف فيه بعد ثبوته، وقد صح عن الأئمة الأربعة المجتهدين في الأحكام أن كل واحد منهم قال: "إذا صح الحديث فهو مذهبي، واضربوا بقولي عرض الحائط"١، وإذا كان هذا في الحلال والحرام، فما بالك بالتفسير الذي لا يتعلق
стр. 107
بالحلال والحرام؟ إنه واجب الاتباع من باب أولى، وأما الضعيف والموضوع المختلق على النبي: فأحرى به أن يرد.
وأما تفاسير الصحابة والتابعين، وهي أكثر من أن تحصى: ففيها الصحيح، والحسن، والضعيف، والموضوع، والإسرائيليات، التي تشتمل على خرافات بني إسرائيل، وأكاذيبهم، وقد تدسست إلى الكتب الإسلامية، ولا سيما كتب التفسير، وأصبحت تكون ركاما، غثًّا مجموعًا من هنا وهناك، سواء في ذلك ما كان خاصا بالتفسير المأثور وما جمع بين المأثور وغيره، فما كان من هذه الروايات صحيحا أو حسنا: أخذنا به، وما كان ضعيفا، أو واهيا، أو موضوعا، أو من الإسرائيليات: نبذناه ولا كرامة.
стр. 108
ملاحظة الأئمة القدامي لهذه الظاهرة:
وقد تنبه العلماء المحدثون القدامى، إلى هذه الظاهرة، وهي: غلبة الضعف على الرواية بالمأثور، فقد روي عن الإمام الجليل أحمد بن حنبل أنه قال: "ثلاثة ليس لها أصل: التفسير والملاحم، والمغازي"، وقال المحققون من أصحاب الإمام: مراده: أن الغالب أنه ليس لها أسانيد صحيحة متصلة، وإلا فقد صح من ذلك شيء غير قليل، كما قلنا فيما سبق، وحققناه، وقيل: لأن الغالب عليها المراسيل١.
وروي عن الإمام الكبير الشافعي أنه قال: "لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث"، ومهما كان في هذه الكلمة من مبالغة، فهي تدل على كثرة ما وضع على ابن عباس، وألصق به، ونسب إليه زورا.
стр. 109
أسباب الضعف في التفسير بالمأثور:
لقد دخل الوضع والكذب في الحديث، فلا جرم أن دخل في التفسير بالمأثور، فقد كان التفسير كما قلنا جزءا من الحديث، وإن أقدم كتاب وصل إلينا في الحديث وهو: موطأ الإمام مالك اشتمل على "كتاب التفسير"، وقد سار على هذا بعض المؤلفين في
стр. 110
الحديث، حتى بعد أن انفصل التفسير بمعناه الفني الدقيق، وصار علما مستقلا، كما ذكرنا.
ويرجع الضعف والوضع في التفسير بالمأثور إلى أسباب أهمها:
١- ما دسه الزنادقة من اليهود والفرس والرومان وغيرهم في الرواية الإسلامية، فقد دخل هؤلاء الإسلام وهم يضمرون له الشر والعداوة والكيد، وتستروا بالإسلام، بل بالغ بعضهم في التستر فتظاهر بحب آل بيت النبي ﷺ ، ولما كانوا لا يمكنهم مواجهة سلطان الإسلام لا عن طريق الحرب والعداوة السافرة، ولا عن طريق الحجة والبرهان، فقد توصلوا إلى أغراضهم الدنيئة عن طريق الوضع، والاختلاق، والدس في المرويات الإسلامية على النبي ﷺ وعن الصحابة، والتابعين، وكان للتفسير ولا ريب كفل من هذا، وكان هذا الصنف من أخبث الوضاعين، فقد وضعوا على النبي أحاديث يخالفها المحسوس، أو يناقضها المعقول، أو تشهد أذواق الحكماء بسخافتها، وإسفافها، مما لا يليق بالعقلاء.
٢- الخلافات السياسية والمذهبية: فقد سولت هذه الخلافات لأرقاء الدين، وضعفاء الإيمان أن يضعوا أحاديث تؤيد مذاهبهم، وأحاديث في فضائل متبوعيهم، وفي مثالب مخالفيهم، وذلك: كما فعل الشيعة، ولا سيما الروافض، فقد وضعوا في فضل سيدنا علي وآله أحاديث كثيرة، ونسبوا إليه كل علم وفضل، وفيها ما يتعلق بتفسير بعض آيات القرآن، وبأسباب النزول، كما وضعوا أحاديث في ذم السادة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وغيرهم.
وكذلك: فعل أنصار العباسين، فقد وضعوا على ابن عباس روايات كثيرة، ولا سيما في تفسير القرآن، وصوروه بصورة العالم بكل شيء وقولوه ما لم يقل، كما وضعوا أحاديث في مثالب الأمويين وذمهم، وقابلهم أنصار الأمويين بالمثل، فضلا عن أعقل العقلاء، وإنما ينصبون بذلك المكيدة لضعفاء الأحلام، وأرقاء الدين، حتى يقعوا في ريبة فتتزلزل من نفوسهم عقيدة: أن الإسلام تنزيل من حكيم عليم.
قال ابن قتيبة١. "الحديث مدخله الشوب والفساد من وجوه ثلاثة: الزنادقة، واجتيالهم للإسلام، وتهجينه ببث الأحاديث المستبشعة، والمستحيلة، كالأحاديث التي
стр. 111
قدمنا ذكرها من عرق الخيل، وعيادة الملائكة، وقفص الذهب على جمل أورق، وزغب الصدر ونور الذراعين، مع أشياء ليست تخفى على أهل الحديث"١.
وقال حماد بن زيد: "وضعت الزنادقة أربعة عشر ألف حديث ولما جيء بعبد الكريم بن أبي العوجاء، خال معن بن زائدة، الذي قتله محمد بن سليمان بن علي العباسي، أمير البصرة، بعد سنة مائة وستين في زمن المهدي، اعترف حينئذ بوضع أربعة آلاف حديث مما يحرم فيها الحلال، ويحلل فيها الحرام، وكان عبد الكريم هذا متهما بالمانويه، وكان يضع أحاديث بأسانيد يغتر بها من لا معرفة له بالجرح والتعديل. وتلك الأحاديث ضلالات في التشبيه، والتعطيل وبعضها بعيد عن أحكام الشريعة٢، كما كان ينتسب إلى الرافضة في الظاهر، ووضع لهم الأحاديث التي اغتروا بها٣، وقد كان الزنادقة حملوا الكثير من الخرافات والأباطيل، مما هو مسطور في كتبهم، ودسوها في الرواية الإسلامية وفسروا بها بعض الآيات القرآنية، ونسبوها زورًا إلى النبي، أو الصحابة، والتابعين، فجاء من لا يعلم الحقيقة، فطعن في الإسلام بسبب هذه المرويات الباطلة مثل حديث: "عوج بن عوق"، وأمثاله وقد ناهض العلماء حركة الزندقة بالتنبيه إلى ضلالاتهم ودسهم: كما قاومهم الخلفاء، والأمراء بقتلهم، وصلبهم.
وكذلك فعل الخوارج٤، والقدرية٥، والمرجئة٦، والكرامية٧، والباطنية٨.
стр. 112
وأضرابهم، فقد وضعوا أحاديث تؤيد مذاهبهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ثم إنه لسبب تطرف هؤلاء وضلالهم، دخلت الرافضة الإمامية ثم الفلاسفة، ثم القرامطة١، وغيرهم فيما هو أبلغ من ذلك، وتفاقم الأمر في الفلاسفة، والقرامطة، والرافضة؛ فإنهم فسروا القرآن بأنواع لا يقضي العالم منها عجبه، فتفسير الرافضة كقولهم: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبّ﴾ هما: أبو بكر وعمر، قوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ ٢ أي: بين أبي بكر، وعمر، وعلي في الخلافة، وقالوا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ٣ هي: عائشة وقوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ ٤: طلحة والزبير، وقوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ : عليا وفاطمة، وقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ٥: الحسن والحسين، وقوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ٦ هو: علي، ويذكرون الحديث الموضوع بإجماع أهل العلم، وهو: تصدقه بخاتمه في الصلاة وكذلك قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ ٧: نزلت في علي لما أُصيب بحمزة، ومما يقارب هذا من بعض الوجوه: ما يذكره كثير من المفسرين في مثل قوله: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَار﴾ ٨: إن "الصابرين": رسول الله، و"الصادقين": أبو بكر، و"القانتين": عمر، والمنفقين": عثمان، والمستغفرين" علي، وفي مثل قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَه﴾ : أبو بكر، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّار﴾ : عمر، ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُم﴾ : عثمان، ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ ٩: علي، وأعجب من ذلك:
стр. 113
قول بعضهم: ﴿وَالتِّينِ﴾ : أبو بكر، ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ : عمر، ﴿وَطُورِ سِينِين﴾ : عثمان، ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِين﴾ ١: علي، وأمثال هذه الخرافات التي تتضمن تفسير اللفظ بما لا يدل عليه٢، وقد أطلت القول في هذا، في كتابي: "الوضع في الحديث وآثاره السيئة في كتب العلوم"٣.
٣- القُصَّاص: فقد كانت هناك فئة تقص بالمساجد، وتذكر الناس، وترغبهم، وترهبهم، ولما كان هؤلاء ليسوا من أهل العلم بالحديث، وكان غرضهم من ذكر القصص استمالة العوام، فقد اختلقوا بعض القصص الباطل، وروجوا البعض الآخر بذكرهم له، وفي هذا الكثير من الإسرائيليات والخرافات والأباطيل، وقد تلقفها الناس منهم؛ لأن من طبيعة العوام الميل إلى العجائب والغرائب.
ويعجبني في هذا: ما ذكره ابن قتيبة عن القصاص، قال: فإنهم يميلون وجه العوام إليهم، ويستدرون ما عندهم بالمناكير، والأكاذيب من الأحاديث، ومن شأن العوام: القعود عند القاص ما كان حديثه عجيبا خارجا عن فطر العقول، أو كان رقيقا يحزن القلوب، فإذا ذكر الجنة قال: فيها الحوراء من مسك أو زعفران وعجيزتها ميل في ميل، ويبوِّئ الله وليه قصرا من لؤلؤة بيضاء، فيها سبعون ألف مقصورة، في كل مقصورة سبعون ألف قبة، ولا يزال هكذا في السبعين ألفا، لا يتحول عنها.
ومن هؤلاء القصاص: من كان يبتغي الشهرة والجاه بين الناس، ومنهم: من كان يقصد التعيش والارتزاق، ومنهم من كان سيء النية خبيث الطوية، يقصد الإفساد في الدين، وحجب جمال القرآن بما يفسره به من أباطيل وخرافات.
وقد حدثت بدعة القص في آخر عهد الفاروق: عمر ﵁، وقد كان ملهما حقا، حينما أبى أن يقص قاص في المسجد، وفيما بعد صار حرفة، ودخل فيه من لا خلاق له في العلم، وقد ساعدهم على الاختلاق: أنهم لم يكونوا من أهل الحديث.
стр. 114
والحفظ، وغالب من يحضرهم جهال، فجالوا وصالوا في هذا الميدان، وأتوا بما لا يقضى منه العجب.
ومن صفاقاتهم في هذا: ما روي أنه صلى أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين بمسجد الرصافة، فقام بين أيديهم قاص، فقال: حدثنا أحمد بن حنبل، ويحيى بن معينن قالا: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "من قال: لا إله إلا الله خلق الله من كل كلمة طيرا، منقاره من ذهب، وريشه من مرجان"، وأخذ في قصة نحوا من عشرين ورقة! فجعل أحمد بن حنبل ينظر إلى يحيى بن معين، ويحيى ينظر إليه فقال: أنت حدثته بهذا! قال: والله ما سمعت بهذا إلا الساعة، فلما انتهى أشار له يحيى، فجاء متوهما نوالا، فقال له يحيى: من حدثك بهذا؟ قال: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، فقال: أنا يحيى. وهذا أحمد، ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله صلى الله عيه وسلم، فإن كان ولا بد فعلى غيرنا، فقال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل أحمقان، ما تحققته إلا الساعة، فقال له يحيى: وكيف؟ قال: كأنه ليس في الدنيا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين غيركما، لقد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين! ١ فما كان منهما إلا ان رضيا من النقاش بالسلامة.
ومن يدري، فلعلهما لو أطالا معه القول، لنالهما ما نال الشعبي، فقد دخل مسجدا، فإذا رجل عظيم اللحية، وحوله ناس يحدثهم، وهو يقول: إن الله خلق صورين، في كل صور نفختان، قال: فخففت صلاتي، ثم قلت له: اتق الله يا شيخ، إن الله لم يخلق إلا صورا واحدا، فقال لي: يا فاجر أنا يحدثني فلان، وفلان، وترد علي، ثم رفع نعله، وضربني فتتابع القوم علي ضربا، فو الله ما أقلعوا عني حتى قلت لهم: إن الله خلق ثلاثين صورا في كل صور نفختان!! وهكذا كان القصاص مصدر شر وبلاء على الإسلام والمسلمين.
٤- بعض الزهاد والمتصوفة: فقد استباح هؤلاء لأنفسهم وضع الأحاديث، والقصص في الترغيب، والترهيب، ونحوهما، وتأولوا في الحديث المتواتر المعروف:
стр. 115
"من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"، وقالوا: إنما تكذب للنبي ولا نكذب عليه١. وهو جهل منهم باللغة والشرع، فكل ذلك كذب عليه؛ لأن الكذب هو عدم مطابقة الأمر للواقع، فكل من ينسب إلى النبي، أو إلى الصحابة، أو إلى التابعين ما لم يقولوه، فقد كذب عليهم، قيل لأبي عصمة نوح بن أبي مريم: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة؟ فقال: "رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي محمد بن إسحاق، فوضعت هذا؛ حسبة لوجه الله". وعن طريق هؤلاء دخل في التفسير شيء كثير.
٥- النقل عن أهل الكتاب الذين أسلموا ككعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام، وتميم الداري وأمثالهم، وقد حمل هؤلاء الكثير من المرويات المكذوبة، والخرافات الباطلة، الموجودة في التوراة وشروحها، وكتبهم القديمة التي تلقوها عن أحبارهم ورهبانهم جيلا بعد جيل، وخلفا عن سلف، ولم تكن هذه الإسرائيليات والمرويات مما يتعلق بأصول الدين، والحلال والحرام، وهي التي جرى العلماء من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم على التثبت منها، والتحري عن رواتها، وإنما كانت فيما يتعلق بالقصص، وأخبار الأمم الماضية، والملاحم٢، والفتن، وبدء الخلق، وأسرار الكون، وأحوال يوم القيامة.
وقد تنبه إلى هذا بعض الأئمة القدامى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية، المتوفى سنة ٧٢٨هـ، في أثناء الكلام عن تفاسير الصحابة، قال: "وهذا غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير٣، في تفسيره عن هذين الرجلين: ابن مسعود، وابن عباس، ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب، التي أباحها رسول الله ﷺ حيث قال: "بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل
стр. 116
ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ولهذا كان عبد الله بن عمرو قد أصاب يوم اليرموك زاملتين١ من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث، من الإذن في ذلك، ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد"٢، وقال أيضًا في رده على البكري، منكرًا عليه استدلاله بالحديث الذي يرويه، عن استشفاع آدم بالنبي ﷺ : هذا الحديث، وأمثاله لا يُحتج به في إثبات حكم شرعي، لم يسبقه أحد من الأئمة إليه..... فإن هذا الحديث لم ينقله أحد عن النبي ﷺ لا بإسناد حسن، ولا صحيح، بل ولا ضعيف يستأنس به، ويعتضد به، وإنما نقل هذا وأمثاله كما تنقل الإسرائيليات التي كانت في أهل الكتاب وتنقل عن مثل كعب، ووهب، وابن إسحاق، ونحوهم، من أخذ ذلك عن مسلمة أهل الكتاب أو غير مسلمتهم كما روي: أن عبد الله بن عمرو وقعت له صحف يوم اليرموك من الإسرائيليات، وكان يحدث منها بأشياء"٣.
وقد وافق ابن تيمية على مقالته أحد تلاميذه، وهو: الإمام الحافظ المفسر ابن كثير، فذكر نحوا من ذلك في مقدمة تفسيره٤.
وقد جاء بعد ابن تيمية: الإمام العالم المؤرخ، واضع أساس علم الاجتماع: عبد الرحمن بن خلدون، المتوفى سنة ٨٠٨، فأبان عن ذلك بأوفى وأتم في هذا في مقدمته المشهورة في أثناء الكلام عن علوم القرآن من التفسير والقراءات، قال: "وصار التفسير على صنفين تفسير نقلي، مسند إلى الآثار المنقولة عن السلف، وهي: معرفة الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول، ومقاصد الآي، وكل ذلك لا يعرف إلا بالنقل عن الصحابة والتابعين، وقد جمع المتقدمون في ذلك وأوعوا، إلا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث، والسمين، والمقبول، والمردود.
стр. 117
والسبب في ذلك: أن العرب لم يكونوا أهل كتاب، ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة، والأمية، وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات، وبدء الخليقة وأسرار الوجود؛ فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدون منهم، وهم أهل التوراة من اليهود، ومن تبع دينهم من النصارى، وأهل الكتاب الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حمير، الذين أخذوا بدين اليهودية، فلما أسلموا بقوا علي ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها مثل أخبار بدء الخليقة وما يرجع إلى الحدثان١، والملاحم، وأمثال ذلك، وهؤلاء مثل: كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام، وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عنهم، وفي أمثال هذه الأغراض أخبار موقوفة عليهم وليست مما يرجع إلى الأحكام، فتتحرى فيها الصحة التي يجب بها العمل ويتساهل المفسرون في مثل ذلك، وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات، وأصلها -كما قلنا- عن أهل التوراة الذين يسكنون البادية، ولا تحقيق عندهم بمعرفة ما ينقلونه من ذلك، إلا أنهم بعُد صيتهم، وعظمت أقدارهم لما كانوا عليه من المقامات في الدين والملة، فتلقيت بالقبول من يومئذ"٢.
وفي كتب التفسير من هذه الإسرائيليات طامات وظلمات، والكثير منها لم ينبِّه ناقلوه على أصله، ولم يوقف على قائله، فكانت مثارا للشك، والطعن، والتقول على الإسلام ونبيه ﷺ .
٦- نقل كثير من الأقوال، والآراء المنسوبة إلى الصحابة والتابعين من غير إسناد، ومن غير تحرٍّ عن رواتها، فمن ثم التبس الصحيح بالضعيف، والحق بالباطل، وصار كل من يقع على رأي يعتمده ويورده، ثم يجيء من بعدهم فينقله؛ على اعتبار أن له أصلا، وتحسينا للظن بقائله، ولا يكلف نفسه مؤنة البحث عن منشأ الرواية، وعمن رويت، ومن رواها عنه.
стр. 118
خطورة رفع هذه الإسرائيليات إلى النبي ﷺ :
ولو أن هذه الإسرائيليات ولا سيما المكذوب والباطل منها وقف بها عند قائليها، لكان الأمر محتملا بعض الشيء، ولكن الشناعة وكبر الإثم: أن بعض الزنادقة، والوضاعين وضعفاء الإيمان، قد رفعوا هذه الإسرائيليات إلى المعصوم ﷺ ونسبوها إليه صراحة، وهنا يكون الضرر الفاحش والجناية الكبرى على الإسلام والتجني الآثم على النبي ﷺ ٠؛فإن نسبة الغلط، أو الخطأ أو الكذب إلى الراوي أيا كان أهون بكثير من نسبة ذلك إلى النبي ﷺ .
وإن ما اشتملت عليه بعض الإسرائيليات من الخرافات، والأباطيل ليصد أي إنسان -مهما بلغ من التسامح في هذا العصر الذي نعيش فيه -عن الدخول في الإسلام، ويحمله على أن ينظر إليه نظرة الشك، والارتياب.
ولهذا: ركز المبشرون والمستشرقون طعونهم في الإسلام ونبيه على مثل هذه الإسرائيليات والموضوعات؛ لأنهم وجدوا فيها ما يسعفهم على ما نصبوا أنفسهم له من الطعن في الإسلام، وإرضاء لصليبيتهم التي رضعوها في لبان أمهاتهم.
وهذه الأباطيل والخرافات مهما بلغ إسنادها من السلامة من الطعن فيه، لا نشك في تبرئة ساحة النبي ﷺ عنها: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ .
الموقوف من الإسرائيليات على الصحابة والتابعين:
ولو أن هذه الإسرائيليات جاءت مروية صراحة عن كعب الأحبار أو وهب بن منبه، أو عبد الله بن سلام، وأضرابهم، لدلت بعزوها إليهم أنها مما حملوه، وتلقوه عن كتبهم ورؤسائهم قبل إسلامهم، ثم لم يزالوا يذكرونه بعد إسلامهم. وأنها ليست مما تلقوه عن النبي أو الصحابة، ولكانت تشير بنسبتها إليهم إلى مصدرها، ومن أين جاءت وأن الرواية الإسلامية بريئة منها.
ولكن بعض هذه الإسرائيليات بل الكثير منها جاء موقوفا على الصحابة، ومنسوبا إليهم ﵃ فيظن من لا يعلم حقيقة الأمر، ومن ليس من أهل العلم بالحديث أنها متلقاة عن النبي ﷺ ؛ لأنها من الأمور التي لا مجال للرأي فيها، فلها
стр. 119
حكم المرفوع إلى النبي، وإن لم تكن مرفوعة واضحة.
تَحَوُّط دقيق للمحدثين:
وقد كان أئمة علم أصول الحديث، والرواية، أبعد نظرًا، وآصل تفكيرًا، وأوسع اطلاعًا، وأدق في تقعيدهم لقواعد النقد في الرواية حينما قالوا: إن الموقوف على الصحابة يكون له حكم المرفوع إلى النبي بشرطين:
١- أن يكون مما لا مجال للرأي فيه.
٢- أن لا يكون راويه معروفًا بالأخذ عن أهل الكتاب الذين أسلموا وبرواية الإسرائيليات، ومن ثم: يجد الباحث الحصيف المنصف مخارج لهذه الروايات الموقوفة على الصحابة، وهي في نفسها مكذوبة وباطلة فهي: إما إسرائيليات، أخذها بعض الصحابة الذين رووها، عن أهل الكتاب الذين أسلموا؛ ورووها ليعلم ما فيها من الغرائب والعجائب، ولم ينبهوا على كذبها وبطلانها اعتمادا على ظهور كذبها وبطلانها، ولعلهم نبهوا إلى كذبها وعدم صحتها، ولكن الرواة لم ينقلوا هذا عنهم، وإما أن تكون مدسوسة على الصحابة، وضعها عليهم الزنادقة، والملحدون، كي يظهروا الإسلام وحملته بهذا المظهر المنتقد المشين، وأما ما يحتمل الصدق والكذب منها، وليس فيه ما يصدم نقلًا صحيحًا، أو عقلا سليمًا، فذكروه لما فهموه من الإذن لهم في روايتها من قوله ﷺ : "وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"، وهذا النوع أقل خطرًا من الأول، إلا أنه لا فائدة تُذكَر من الاشتعال به، بل كان حجابا لجمال القرآن، وتفسيره الصحيح.
وكذلك جاء الكثير جدًّا من هذه الإسرائيليات عن التابعين، واحتمال أخذها عن أهل الكتاب الذين أسلموا، أكثر من احتمال أخذها عن الصحابة، فمنشؤها في الحقيقة هو ما ذكر لك، وهي: التوراة وشروحها، والتلمود وحواشيه، وما تلقوه عن أحبارهم، ورؤسائهم الذين افتروا، وحرفوا وبدلوا، ورواتها الأول، هم: كعب الأحبار، ووهب بن منبه وأمثالهما؛ والنبي ﷺ والصحابة رضوان الله عليهم بريئون من هذا.
ويجوز أن يكون بعضها مما ألصق بالتابعين، ونسب إليهم زورا ولا سيما أن أسانيد
стр. 120
معظمها لا تخلو من ضعيف أو مجهول، أو متهم بالكذب، أو الوضع، أو معروف بالزندقة، أو مغمور في دينه وعقيدته.
стр. 121
بعض الإسرائيليات قد يصح السند إليها:
ولعل قائلا يقول: أما ما ذكرت من احتمال أن تكون هذه الروايات الإسرائيلية مختلقة، موضوعة على بعض الصحابة والتابعين، فهو إنما يتجه في الروايات التي في سندها ضعيف أو مجهول، أو وضاع، أو متهم بالكذب، أو سيء الحفظ، يخلط بين المرويات، ولا يميز، أو نحو ذلك، ولكن بعض هذه الروايات حكم عليها بعض حفاظ الحديث بأنها صحيحة السند أو حسنة السند، أو إسنادها جيد، أو ثابت، ونحو ذلك، فماذا تقول فيها؟!
والجواب: أنه لا منافاة بين كونها صحيحة السند، أو حسنة السند أو ثابتة السند، وبين كونها من إسرائيليات بني إسرائيل، وخرافاتهم، وأكاذيبهم فهي صحيحة السند إلى ابن عباس، أو عبد الله بن عمرو بن العاص، أو إلى مجاهد، أو عكرمة، أو سعيد بن جبير وغيرهم، ولكنها ليست متلقاة عن النبي، لا بالذات، ولا بالواسطة ولكنها متلقاة عن أهل الكتاب الذين أسلموا، فثبوتها إلى من رويت عنه شيء، وكونها مكذوبة في نفسها، أو باطلة، أو خرافة، شيء آخر، ومثل ذلك: الآراء والمذاهب الفاسدة اليوم، فهي ثابتة عن أصحابها، ومن آرائهم ولا شك، ولكنها في نفسها فكرة باطلة، أو مذهب فاسد.
стр. 122
رواية الكذب ليس معناه أنه هو الذي اختلقه
...
راوية الكذب ليس معناه أنه هو الذي اختلقه:
وأحب أن أنبه هنا إلى حقيقة، وهي: أنه ليس معنى أن هذه الإسرائيليات المكذوبات والباطلات مروية عن كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام، وأمثالهم أنها من وضعهم، واختلاقهم، كما زعم ذلك بعض الناس اليوم، وإنما معنى ذلك: أنهم هم الذين رووها، ونقلوها لبعض الصحابة والتابعين من كتب أهل الكتاب ومعارفهم، وليسوا هم الذين اختلقوها، وإنما اختلقها، وافتجرها أسلافهم القدماء.
ولم يقل أحد من أئمة الجرح والتعديل على حصافتهم، وبُعد نظرهم: أن كعبا،
стр. 123
ووهبا، وعبد الله بن سلام، وتميم الداري، وأمثالهم كانوا وضاعين، يتعمدون الكذب، والاختلاق من عند أنفسهم، وإنما الذي قالوه عنهم: أنهم كانوا هم الواسطة في حمل ونقل معارف أهل الكتاب إلى المسلمين، وأن البعض رواها عنهم، فليس الذنب ذنبهم، وإنما الذنب ذنب من نقلها، ورواها عنهم من غير بيان لكذبها وبطلانها.
ولما كانت رواية الإسرائيليات تدور غالبا على كعب، ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام، وأنهم هم الذين كان الاتهام منصبا عليهم أكثر من غيرهم، فسأذكر لكل منهم ترجمة، كي يتبين المنصف آراء أئمة الجرح والتعديل فيهم:
стр. 124
ترجمات:
١- عبد الله بن سلام:
هو: أبو يوسف عبد الله بن سلام١ بن الحارث من بني قينقاع، وهو: من ذرية يوسف الصديق ﵇، وكان اسم عبد الله بن سلام في الجاهلية الحصين، فسماه النبي ﷺ عبد الله رواه ابن ماجه، وكان من حلفاء الخزرج من الأنصار، أسلم أول ما دخل النبي ﷺ المدينة٢ ولإسلامه قصة ذكرها البخاري في صحيحه؛ ذلك أن النبي مدة مقامه في دار الصحابي الجليل: أبي أيوب الأنصاري قدم عليه أحد أحبار اليهود وعلمائهم، وهو: عبد الله بن سلام، وكان يعلم من كتبهم أوصاف النبي المبعوث في آخر الزمان فلما جاء إلى النبي ﷺ سأله بعض أسئلة، تأكد منها أنه نبي؛ لأنه ما يعلمها إلا نبي مرسل، فأسلم، وقال للرسول: لا تعلن إسلامي، حتى تسأل اليهود عني؛ لأنهم إن علموا إسلامي فسينقصونني، فأرسل إليهم النبي ﷺ وسألهم عنه، فقالوا: خيرنا وابن خيرنا، فلما أخبرهم بإسلامه، قالوا: شرنا وابن شرنا. وإليك هذه القصة، كما رواها البخاري في صحيحه عن أنس ﵁ قال في حديث هجرة النبي، وصاحبه الصديق إلى المدينة: "فلما جاء نبي الله ﷺ جاء
стр. 125
عبد الله بن سلام، فقال: أشهد أنك رسول الله، وأنك جئت بحق، وقد علمت يهود أني سيدهم، وابن سيدهم، وأعلمهم، وابن أعلمهم فادعهم، فاسألهم عني، قبل أن يعلموا أني قد أسلمت؛ فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا في ما ليس في، فأرسل النبي ﷺ فأقبلوا، فدخلوا عليه فقال لهم رسول الله ﷺ : "يا معشر اليهود، ويلكم اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا، وأني جئتكم بحق، فأسلموا"، قالوا: ما نعلمه؟ قالوا للنبي ﷺ قالها ثلاث مرار١، قال: "فأي رجل فيكم عبد الله ابن سلام؟ " قالوا: ذاك سيدنا، وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: "أفرأيتم إن أسلم"؟ قالوا: حاشا الله ما كان ليسلم...." وكررها ثلاثا وأجابوه كذلك ثلاثا"، قال: "يا ابن سلام، اخرج عليهم"، فخرج عليهم، فقال: يا معشر اليهود: اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو، إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحق، فقالوا: كذبت، وفي رواية أخرى: أنهم قالوا: شرنا، وابن شرنا، وتنقصوه قال: هذا ما كنت أخاف يا رسول الله٢، وقد أسلم بإسلامه أهل بيته، وعمة له تسمى: خالدة٣.
وقد بشره النبي ﷺ بأنه من أهل الجنة، وقالوا: إنه فيه نزلت الآية الكريمة: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِه﴾ ٤ الآية، روى البخاري في صحيحه بسنده، عن سعد بن أبي وقاص، قال: وما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض: إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام٥، قال: وفيه: نزلت هذه
стр. 126
الآية: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِه﴾ الآية١ قال: لا أدري قال مالك: الآية، أو في الحديث٢.
وروى البخاري في صحيحه بسنده عن قيس بن عباد، قال: "كنت جالسا في مسجد المدينة، فدخل رجل على وجهه أثر الخشوع، فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة، فصلى ركعتين تجوَّز٣ فيهما، ثم خرج وتبعته، فقلت: إنك حين دخلت المسجد قالوا: هذا رجل من أهل الجنة، قال: والله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم٤، وسأحدثك لم ذاك؟ رأيت رؤيا على عهد رسول الله ﷺ فقصصتها عليه، ورأيت كأني في روض، ذكر من سعتها، وخضرتها، وسطها عمود من حديد أسفله في الأرض، وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة، فقيل لي: ارق، قلت: لا أستطيع، فأتاني مِنْصَف٥ فرفع ثيابي من خلفي، فرقيت حتى كنت في أعلاها، فأخذت العروة فقيل لي: استمسك فاستيقظت وإنها لفي يدي، فقصصتها على النبي ﷺ قال: "تلك الروضة: الإسلام، وذلك العمود، عمود الإسلام، وتلك العروة عروة الإسلام، فأنت على الإسلام حتى تموت"، وذاك الرجل: عبد الله بن سلام٦.
وقد روى الحديث عن النبي ﷺ ، وروى عنه أبناه: يوسف ومحمد، وأبو هريرة، وأبو بردة بن أبي موسى الأشعرى، وعطاء بن يسار وغيرهم، وشهد مع سيدنا عمر ﵁ فتح بيت المقدس والجابية، وقد عده بعضهم في
стр. 127
البدريين، وأما ابن سعد: فذكره في الطبقة الثالثة ممن شهد الخندق، وما بعدها وكانت وفاته سنة ثلاث وأربعين من الهجرة.
فها نحن نرى: أنه كان من أعلم اليهود؛ بشهادتهم، وأنه كان من علماء الصحابة بعد إسلامه، وبحسبه فضلا: شهادة النبي ﷺ بأنه من أهل الجنة، وشهادة أصحاب رسول الله ﷺ له كما سمعت، فهل يجوز في العقل أن يشهد النبي بالجنة لرجل يصدر منه الكذب، وفي أي شيء؟ في الحديث!! ثم هو صحابي، والصحابة كلهم عدول، فمن المستبعد جدًّا أن يكذب في الرواية، ولم أر أحدا من علماء الجرح والتعديل، وأئمة العلم والدين تناوله، أو ذكر فيه ما يخدش عدالته إلا ما كان من الكتاب المتأخرين الذين تأثروا بكلام المستشرقين، وأتباعهم، ونوايا المستشرقين ولا سيما اليهود منهم، نحو الإسلام، والنبي، والصحابة موسومة بالخبث، والعداوة، وسوء الظنة، ولا أدرى كيف نعدل عن كلام الأئمة الأثبات، ونأخذ بكلام المستشرقين؟!!
وأحب أن أقرر هنا: أن حفاظ الحديث، ونقاده البصيرين به قد تعرضوا لكل المرويات عن عبد الله بن سلام وغيره، وبينوا الصحيح من الضعيف، والمقبول من المردود.
ونحن لا ننفي أن عبد الله بن سلام، روى بعض ما علمه من معارف أهل الكتاب وثقافتهم، ورويت عنه، ولكن الذي ننفيه، أن يكون ألصق هذه المرويات بالنبي ﷺ ونسبها إليه زورا، وأنه كان وضاعا كذابا، ومن يرى خلاف هذا فنحن نطالبه بالحجة، والبرهان، وكانت وفاته سنة ثلاث وأربعين للهجرة.
٢- كعب الأحبار:
هو: كعب بن ماتع١، بن عمرو بن قيس من آل ذي رعين، وقيل: ذي الكلاع الحميري، وقيل: غير ذلك في اسم جده ونسبه، يكني أبا إسحاق، كان في حياة
стр. 128
النبي ﷺ رجلا، وكان يهوديا عالما بكتبهم، حتى كان يقال له: كعب الحبر، وكعب الأحبار١.
وكان إسلامه في خلافة سيدنا عمر، وقيل: في خلافة الصديق، وقيل: إنه أسلم في عهد النبي ﷺ ، ولكن تأخرت هجرته، فمن ثم لم يره، والأول هو الأصح والأشهر، وقد سكن المدينة وغزا الروم في خلافة عمر، ثم تحول في عهد سيدنا عثمان إلى الشام، فسكنها، إلى أن مات بحمص، في خلافة عثمان سنة اثنتين، أو ثلاث، أو أربع وثلاثين، والأول هو الأكثر، وقد كان عنده علم بكتب أهل الكتاب، والثقافة اليهودية، كما كان له حظ من الثقافة الإسلامية ورواية الأحاديث.
روى عن النبي ﷺ ، ولكنه مرسل؛ لأنه لم يلقَ النبي ولم يسمع منه، وعن عمر، وصهيب، والسيدة عائشة، وروى عنه من الصحابة معاوية، وأبو هريرة، وابن عباس، وبقية العبادية، وعطاء بن أبي رباح، وغيره من التابعين.
وقد أثنى عليه العلماء، قال ابن سعد: ذكروه لأبي الدرداء فقال: "إن عند ابن الحميرية لعلما كثيرا" والظاهر أنه أراد مما يتعلق بكتب أهل الكتاب، وأخرج ابن سعد من طريق عبد الرحمن بن جبير بن نفير، قال: قال معاوية: ألا إن كعب الأحبار أحد العلماء، إن كان عند العلم كالبحار، وإن كنا فيه لمفرطين"، وقال فيه الحافظ ابن حجر في "الفتح": كان من أخيار الأحبار٢.
رأي علماء الجرح والتعديل فيه:
وعلماء الجرح والتعديل، وهم الذين لا تخفى عليهم حقيقة أي راوٍ، مهما تستر، لم يتهموه بالوضع والاختلاق، والجمهور على توثيقه، ولم نجد له ذكرا في كتب الضعفاء والمتروكين، وقد ترجم له الإمام الذهبي ترجمة قصيرة في: "تذكرة الحفاظ"، وتوسع ابن عساكر في ترجمته، في: "تاريخ دمشق"، وأطال أبو نعيم في: "حلية الأولياء".
стр. 129
في أخباره، وعظاته وتخويفه لعمر، وترجم له الحافظ ابن حجر في: "الإصابة"، و: "تهذيب التهذيب"، وتكاد تتفق كلمة النقاد على توثيقه١.
مقالة سيدنا معاوية بن كعب:
ولكن قد يعكر على ما ذكرنا: ما ورد في حقه في الصحيح: روى البخاري في صحيحه بسنده، عن حميد بن عبد الرحمن: أنه سمع معاوية وهو يحدث رهطا من قريش بالمدينة -يعني لما حج في خلافته- وذكر كعب الأحبار، فقال: "إن كان من أصدق -وفي رواية: لمن أصدق- هؤلاء الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب"٢.
وظاهر كلام معاوية، يخدش كعبا في بعض مروياته، كما يدل أيضا على أن الذين كانوا يحدثون بمعارف أهل الكتاب، كان فيهم صادقون، وأن كعبا كان من أصدق هؤلاء، ولكنها لا تدل على أنه وضاع أو كذاب.
وقد حسن العلماء الظن بكعب، فحملوا هذه الكلمة على محمل حسن قال ابن التين: وهذا نحو قول ابن عباس في حق كعب المذكور: "بدل من قبله فوقع في الكذب، قال والمراد بالمحدثين، أنداد كعب ممن كانوا من أهل الكتاب، وأسلموا، فكان يحدث عنهم، وكذا من نظر في كتبهم، فحدث عما فيها، قال: ولعلهم كانوا مثل كعب إلا أن كعبا كان أسد منهم بصيرة، وأعرف بما يتوقاه، وقال ابن حبان في "الثقات": أراد معاوية أنه يخطئ أحيانا فيما يخبر به، ولم يرد أنه كان كذابا، وقال ابن الجوزي: المعنى: أن بعض الذي يخبر به كعب عن أهل الكتاب يكون كذابا، لا أنه يتعمد الكذب٣.
والظاهر: أن سيدنا معاوية ﵁ لم يقل مقالته هذه في كعب الأحبار إلا بعد أن اختبره في مروياته، وآرائه، فوجد بعضها لا يوافق الحق والصدق، وأنه كان
стр. 130
يذكر آراء، وأقوالا ليست صحيحة، وتحتاج إلى المراجعة والتثبت.
وليس أدل على هذا: من هذه الحادثة التي كانت بين معاوية، وكعب، فقد روى ابن لهيعة قال: حدثني سالم بن غيلان، عن سعيد بن أبي هلال: أن معاوية بن أبي سفيان قال لكعب الأحبار: أنت تقول: إن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا؟! فقال له كعب: إن كنت قلت ذلك فإن الله قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ ، وهذا إن صح: يدل على أنه كان يذكر آراء من عند نفسه، وباجتهاده في بعض الروايات، وهي غير صحيحة، وإلا فلو كان موجودا في التوراة أو في غيرها لكان الأقرب في الرد أن يقول في الرد: وجدت ذلك في كتب الأولين.
وقد علق على هذه الحادثة الحافظ ابن كثير، فقال: وهذا الذي أنكره معاوية ﵁ على كعب الأحبار هو الصواب، والحق مع معاوية في هذا الإنكار؛ فإن معاوية كان يقول عن كعب: إن كنا لنبلو عليه الكذب، يعني فيما ينقله، لا أنه كان يتعمد نقل ما ليس في صحفه، ولكن الشأن في صحفه: أنها من الإسرائيليات التي غالبها مبدل، مصحَّف، محرَّف، مختلق، ولا حاجة لنا مع خبر الله تعالى، ورسول الله ﷺ إلى شيء منها بالكلية، فإنه دخل منها على الناس شر كثير، وفساد عريض. وتفسير كعب قول الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ بأنه يربط خيله بالثريا غير صحيح، ولا مطابق للواقع؛ فإنه لا سبيل للبشر إلى شيء من ذلك، ولا إلى الترقي في أسباب السماوات، وإنما التفسير الصحيح: أن الله يسر له الأسباب أي الطرق، والوسائل إلى فتح الأقاليم والبلاد، وكسر الأعداء، وكبت الملوك، وإذلال أهل الشرك فقد أوتي من كل شيء مما يحتاج إليه مثله سببا١.
وكذلك: نجد أبا هريرة أيضا يراجع كعبا في بعض أقواله، فقد سأله عن الساعة التي في يوم الجمعة، لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي، يسأل الله تعالى شيئا، إلا أعطاه إياه"، فيجيبه كعب: بأنها في جمعة واحدة من السنة، فيرد عليه أبو هريرة قوله هذا، ويبين له: أنها في كل جمعة، فيرجع كعب إلى التوراة، فيرى الصواب مع أبي
стр. 131
هريرة، فيرجع إليه، وكذلك: نجد أبا هريرة يسأل عبد الله بن سلام، عن تحديد هذه الساعة، ويقول له: أخبرني ولا تضنَّ علي، فيجيبه ابن سلام، بأنها آخر ساعة في يوم الجمعة، فيرد عليه أبو هريرة بقوله: كيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة، وقد قال الرسول: "لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي"؟!، وتلك الساعة لا يصلى فيها، فيجيبه بقوله: ألم يقل رسول الله ﷺ : "من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي"؟ ١.
ولو أن الصحابة راجعوا أهل الكتاب في كل مروياتهم التي أخذوها عنهم، لكان من وراء ذلك خير كثير، ولخلت كتب التفسير من هذا الركام من الإسرائيليات، التي تصادم العقل السليم، والنقل الصحيح، ولكن هذا ما كان.
ومع هذا: لم نعلم أحدًا طعن فيه، ورماه بالكذب والاختلاق إلا ما كان من بعض المتأخرين٢.
ومهما يكن من شيء فقد تبين لنا أنه ما كان وضاعا يعتمد الكذب، وأن الإسرائيليات التي رواها، إن كان وقع فيها كذب، وأباطيل، فذلك يرجع إلى من نقل عنهم من أسلافه الذين حرفوا وبدلوا، وإلى بعض كتب اليهود التي حشيت بالأكاذيب، والخرافات وإما إلى خطئه في التأويل كما في قصة ذي القرنين، وزعم كعب أنه كان يربط خيله في الثريا، ويفسر بعض الآيات الواردة في القصة بذلك.
وإما إلى إستناده إلى الظن والحدس من غير دليل، كما في قصته مع الصحابي الجليل أبي هريرة في الساعة التي في يوم الجمعة، وزعمه أنها في جمعة واحدة في السنة، لا في كل جمعة، ثم رجوعه إلى ما رآه أبو هريرة من أنها في كل جمعة من العام.
ومع هذا: ترى أنه كان أولى به وأجمل وهو عالم مسلم، لو أنه تحرى الحق، والصدق، وميز في مروياته بين الغث والسمين، وما يجوز نقله، وما لا يجوز، فإن ناشر مثل هذا لا يخلو من مؤاخذة وإثم، وصدق رسول الله ﷺ حيث يقول: "من
стр. 132
حدث بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين"، رواه مسلم، وكنا نحب لو أنه أراحنا من كل هذا الركام المتهافت، الذي سمم العقول والأفكار، وجرَّ على المسلمين البلاء.
٣- وهب بن منبه:
وهب بن منبه الصنعاني اليمني، وهو: من خيار التابعين، وُلِدَ في آخر خلافة عثمان ﵁، روى عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وغيرهما، وروى عنه عمرو بن دينار المكي، وعوف بن أبي جميلة العبدري، وابناه عبد الله، وعبد الرحمن، وغيرهم وأخرج له البخاري١، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وكانت وفاته بصنعاء، سنة عشر ومائة.
وثقه الجمهور، وخالف الفلاس، فقال: كان ضعيفا، وكان شبهته في هذا أنه كان يُتَّهَم بالقول بالقدر٢، وصنف فيه كتابا، ثم صح عنه أنه رجع عنه، قال حماد بن سلمة: عن أبي سنان، سمعت وهب بن منبه يقول: كنت أقول بالقدر، حتى قرأت بضعة وسبعين كتابا من كتاب الأنبياء: من جعل إلى نفسه شيئًا من المشيئة فقد كفر". فتركت قولي"٣، ولم أر أحدًا طعن فيه بالوضع، أو الاختلاق، والكذب، إلا ما قاله بعض المتأخرين كما أسلفت، وكان كثير النقل عن كتب أهل الكتاب، ويظهر أنه كانت له ثقافة واسعة بكتب الأولين، وحكمهم، وأخبارهم، وقد ذكر عنه ابن كثير في بدايته حكما صائبة، ومواعظ كثيرة، وقصصا استغرقت بضعا وعشرين صحيفة، وليس فيها ما يستنكر إلا القليل وكذلك نقل عنه في التفسير روايات كثيرة جدا، وجلها من الإسرائيليات.
ونحن لا ننكر أنه بسببه دخل في كتب التفسير إسرائيليات، وقصص بواطل، ولكن الذي ننكره أن يكون هو الذي وضع ذلك، واختلقه من عند نفسه، ولكنا مع هذا: لا نخليه من التبعة، والمؤاخذة؛ أن كان واسطة من الوسائط التي نقلت هذا إلى المسلمين، وألصقت بالتفسير إلصاقا، والقرآن منها بريء ويا ليته ما فعل.
стр. 133
أقسام الإسرائيليات
مدخل
...
أقسام الإسرائيليات:
أخبار بني إسرائيل، وأقاويلهم على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما علمنا صحته مما بأيدينا من القرآن والسنة، والقرآن هو: الكتاب المهيمن، والشاهد على الكتب السماوية قبله، فما وافقه فهو: حق وصدق، وما خالفه فهو: باطل وكذب، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ ١.
وهذا القسم صحيح، وفيما عندنا غنية عنه، ولكن يجوز ذكره، وروايته للاستشهاد به، ولإقامة الحجة عليهم من كتبهم، وذلك مثل: ما ذكر في صاحب موسى ﵇، وأنه الخضر فقد ورد في الحديث الصحيح، ومثل ما يتعلق بالبشارة بالنبي ﷺ ، وبرسالته٢، وأن التوحيد هو دين جميع الأنبياء، مما غفلوا عن تحريفه، أو حرفوه، ولكن بقي شعاع منه يدل على الحق.
وفي هذا القسم ورد قوله: ﷺ : "بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدا فليتبوَّأ مقعده من النار" ٣، قال الحافظ في الفتح: أي: لا ضيق عليكم في الحديث عنهم؛ لأنه كان تقدم منه ﷺ الزجر عن الأخذ عنهم، والنظر في كتبهم، ثم حصل التوسع في ذلك، وكان النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية، والقواعد الدينية؛ خشية الفتنة، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك، لما في سماع الأخبار التي كانت في زمنهم من الاعتبار٤.
стр. 134
القسم الثاني: ما علمنا كذبه مما عندنا مما يخالفه، وذلك مثل: ما ذكروه في قصص الأنبياء، من أخبار تطعن في عصمة الأنبياء ﵊، كقصة يوسف، وداود، وسليمان ومثل: ما ذكروه في توراتهم: من أن الذبيح إسحاق، لا إسماعيل، فهذا لا تجوز روايته وذكره إلا مقترنا ببيان كذبه، وأنه مما حرفوه، وبدلوه، قال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِه﴾ .
وفي هذا القسم: ورد النهي عن النبي ﷺ للصحابة عن روايته، والزجر عن أخذه عنهم، وسؤالهم عنه، قال الإمام مالك ﵀ في حديث: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج": المراد جواز التحدث عنهم بما كان من أمر حسن: أما ما عُلِم كذبه فلا١.
ولعل هذا هو المراد من قوله ﷺ : "يا معشر المسلمين: كيف تسألون أهل الكتاب، وكتابكم الذي أنزل على نبيه ﷺ أحدث ٢، تقرءونه لم يشب ٣، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله، وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله، ليشتروا به ثمنا قليلا، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم، لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم" ٤.
القسم الثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا، ولا من ذاك، فلا نؤمن به، ولا نكذبه، لاحتمال أن يكون حقا فنكذبه، أو باطلا فنصدقه، ويجوز حكايته لما تقدم من الإذن في الرواية عنهم. ولعل هذا القسم هو المراد بما رواه أبو هريرة، قال: "كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله، وما أنزل إلينا، وما أنزل إليكم" ٥ الآية، ومع هذا: فالأولى عدم ذكره، وأن لا نضيع الوقت في
стр. 135
الاشتغال به، وفي هذا المعنى: ورد حديث أخرجه الإمام أحمد، وابن أبي شيبة والبزار، من حديث جابر: أن عمر أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه عليه، فغضب، قال: "لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق، فتكذبوا به، أو بباطل، فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعني" ورجاله موثقون؛ إلا أن في مجالد -أحد رواته- ضعفًا، وأخرج البزار أيضا من طريق عبد الله بن ثابت الأنصاري: أن عمر نسخ صحيفة من التوراة، فقال رسول الله ﷺ : "لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء"، وفي سنده جابر الجعفي؛ وهو ضعيف، قال الحافظ في الفتح: واستعمله: "يعني البخاري" في الترجمة: يعني عنوان الباب، لورود ما يشهد بصحته من الحديث الصحيح.
قال ابن بطال عن المهلب: "هذا النهي في سؤالهم عما لا نص فيه؛ لأن شرعنا مكتفٍ بنفسه، فإذا لم يوجد فيه نص، ففي النظر والاستدلال غنىً عن سؤالهم، ولا يدخل في النهي سؤالهم عن الأخبار المصدقة لشرعنا، والأخبار عن الأمم السالفة١ يعني.
стр. 136
تشديد سيدنا عمر على من كان يكتب شيئًا من كتب اليهود:
وقد كانت مقالة النبي ﷺ لعمر، وغضبه لكتابته شيئا من التوراة درسا تعلم منه سيدنا عمر، ومنهجا أخذ الناس به.
روى الحافظ أبو يعلى، بسنده، عن خالد بن عرفطة قال: "كنت جالسا عند عمر؛ إذ أتى برجل من عبد القيس، مسكنه بالسوس، فقال له عمر: أنت فلان ابن فلان العبدي؟ قال: نعم. قال: وأنت النازل بالسوس؟ قال: نعم، فضربه بقناة معه، فقال الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟!
فقال له عمر: اجلس، فجلس، فقرأ عليه: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ ١ فقرأها عليه.
стр. 137
ثلاثا، وضربه ثلاثا، فقال له الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟! قال: أنت الذي نسخت كتاب دانيال؟ ١، قال: مرني بأمرك أتبعه، قال: انطلق فامحه بالحميم٢، والصوف الأبيض، ثم لا تقرأه، ولا تقرئه أحدا من الناس، فلئن بلغني عنك أنك قرأته، أو أقرأته أحدًا من الناس، لأنهكنك عقوبة، ثم قال: اجلس، فجلس بين يديه، فقال: انطلقت أنا فانتسخت كتابا من أهل الكتاب، ثم جئت به في أديم٣، فقال لي رسول الله ﷺ : "ما هذا في يدك يا عمر؟ " قلت: يا رسول الله: كتاب نسخته؛ لنزداد به علما إلى علمنا، فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه، ثم نودي بالصلاة جامعة فقالت الأنصار: أغضب نبيكم؟ السلاح السلاح، فجاءوا حتى أحدقوه بمنبر رسول الله ﷺ ، فقال: "يا أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم، وخواتيمه، واختصر لي اختصارا، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية، فلا تهوكوا، ولا يغرنكم المتهوكون" ٤.
قال عمر: فقمت، فقلت: "رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا وبك رسولا، ثم نزل رسول الله ﷺ " وروى الحافظ أبو بكر الإسماعيلي بسنده عن جبير بن نفير: أن رجلين كانا بحمص في خلافة عمر ﵁ فأرسل إليهما فيمن أرسل من أهل حمص، وكان قد اكتتبا من اليهود شيئا في صحيفة، فأخذاها معهما يستفتيان فيهما أمير المؤمنين عمر، فلما قدما عليه قالا: إنا بأرض أهل الكتاب، وإنا نسمع منهم كلاما تقشعر منه جلودنا، أفنأخذ منه ونترك؟ فقال: سأحدثكما ... ثم ذكر قصته لما كتب شيئا أعجبه من كلام اليهود، وقرأه عليه، فغضب الرسول، وصار يمحوه بريقه ويقول: "لا تتبعوا هؤلاء؛ فإنهم قد هوكوا، وتهوكوا" ٥، حتى محا آخره، حرفا حرفا، ثم قال عمر: فلو علمت أنكما كتبتما منه شيئا جعلتكما نكالا لهذه الأمة، قالا: والله ما نكتب منه شيئا، ثم خرجا بصحيفتهما، فحفرا لها، وعمقا في الحفر، ودفناها، فكان آخر
стр. 138
العهد منها١، وليت من جاء بعد عمر فعل هذا.
وقال الإمام الشافعي ﵀ في حديث: "حدثوا عن بني إسرائيل، ولا حرج": "من المعلوم أن النبي ﷺ لا يجيز التحدث بالكذب فالمعنى: حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه، وأما ما تجوزونه فلا حرج عليكم في التحدث به عنهم، وهو نظير قوله: "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم، ولا تكذبوهم"، ولا يرد الإذن٢، ولا المنع من التحدث بما يقطع بصدقه٣.
وقال الحافظ في الفتح في حديث: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم": أي إذا كان ما يخبرونكم به محتملا، لئلا يكون في نفس الأمر صدقا فتكذبوه، أو كذبا فتصدقوه، فتقعوا في الحرج، ولم يرد النهي عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بوفاقه، نبه على ذلك الشافعي ﵀ ويؤخذ من هذا الحديث: التوقف عن الخوض في المشكلات والجزم فيها بما يقع في الظن، وعلى هذا، يحمل ما جاء عن السلف من ذلك"٤.
وبهذا البيان والتوفيق بين المرويات في هذا الباب: ظهر أن لا تعارض بينها، ولا يخالف بعضها بعضا، وأن لكل حالة حكمها.
مقالة لابن تيمية في هذا:
وللإمام تقي الدين أحمد بن تيمية في هذا: مقالة جيدة، قال ﵀: الاختلاف في التفسير على نوعين منه ما مستنده النقل فقط ومنه ما يعلم بغير ذلك، إذا العلم إما نقل مصدق، وإما استدلال محقق والمنقول: إما عن المعصوم، وإما عن غير المعصوم..... وهذا هو النوع الأول، فمنه ما يمكن معرفة الصحيح منه، والضعيف، ومنه ما لا يمكن معرفة ذلك فيه، وهذا القسم الثاني من المنقول، وهو: ما لا طريق إلى
стр. 139
الجزم بالصدق منه، فالبحث عنه مما لا فائدة فيه، والكلام فيه من فضول الكلام، وأما ما يحتاج المسلمون إلى معرفته: فإن الله نصب على الحق فيه دليلا.
فمثال ما لا يفيد، ولا دليل على الصحيح منه: اختلافهم في أحوال "أصحاب الكهف"، وفي البعض الذي ضرب به موسى البقرة، وفي مقدار سفينة نوح، وما كان خشبها، وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر، ونحو ذلك، فهذه الأمور طريق العلم بها: النقل، وما لم يكن كذلك، بل كان يؤخذ من أهل الكتاب، كالمنقول عن كعب، ووهب، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم ممن أخذ عن أهل الكتاب، فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه إلا بحجة، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم، ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه، وإما أن يحدثوا بباطل فتصدقوه".
وكذلك: ما نقل عن التابعين، وإن لم يذكر أنه أخذه عن أهل الكتاب، فمتى اختلف التابعون لم يكن بعض أقوالهم حجة على بعض، وما نقل في ذلك عن بعض الصحابة نقلا صحيحا: فالنفس إليه أسكن مما نقل عن بعض التابعين؛ لأن احتمال أن يكون سمعه من النبي ﷺ ، أو من بعض من سمعه منه أقوى من نقل التابعي، ومع جزم الصاحب فيما يقوله، كيف يقال: إنه أخذه من أهل الكتاب وقد نهوا عن تصديقهم١؟! والمقصود بيان أن الاختلاف الذي لا يعلم صحيحه، ولا يفيد حكاية الأقوال فيه: هو كالمعرفة لما يروى من الحديث الذي لا دليل على صحته، وأمثال ذلك. وأما القسم الأول الذي يمكن معرفة الصحيح منه: فهذا موجود فيما يحتاج إليه، ولله الحمد٢.
وقال في وضع آخر: "وغالب ذلك: يعني المسكوت عنه مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني، ولهذا تختلف أقوال علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيرًا، ويأتي عن المفسرين خلاف بذلك كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون
стр. 140
كلبهم، وعدتهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت، وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به المقتول من البقرة، ونوع الشجرة التي كلم الله منها موسى، إلى ذلك١، مما أبهمه الله في القرآن الكريم، مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم، ولا دينهم، ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز، كما قال تعالى:
﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ ٢.
فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام: وتعليم ما ينبغي في مثل هذا، فإنه تعالى أخبر عنهم بثلاثة اقوال، ضعف القولين الأولين، وسكت عن الثالث، فدل على صحته؛ إذ لو كان باطلا لرده على ردهما، ثم أرشد إلى أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته، فيقال في مثل هذا: ﴿قل ربي أعلم بعدتهم﴾ ، فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس، ممن أطلعه الله عليه، فلهذا قال: ﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ ،
أي لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم عن ذلك، فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب، فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف: أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام، وأنه ينبه على الصحيح منها، ويبطل الباطل، وتذكر فائدة الخلاف، وثمرته، لئلا يطول النزاع، والخلاف فيما لا فائدة تحته، فيشتغل عن الأهم، فأما من حكى خلافا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فهو ناقص؛ إذ قد يكون الصواب في الذي تركه، أو يحكى الخلاف ويطلقه، ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضا، فإن صحح غير الصحيح عامدا، فقد تعمد الكذب، أو جاهلا، فقد أخطأ، كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته، أو حكى أقوالا متعددة لفظا، ويرجع حاصلها إلى قول، أو قولين معنى، فقد ضيع الزمان، وأكثر مما ليس بصحيح، فهو
стр. 141
كلابس ثوبي زور، والله الموفق للصواب١.
стр. 142
أسباب الخطأ في التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي والاجتهاد
مدخل
...
أسباب الخطأ في التفسير بالمأثور، والتفسير بالرأي والاجتهاد:
يمكننا إجمال أهم أسباب الخطأ والغلط في التفسير بالمأثور في الأمور الآتية:
١- تنزيل اللفظ القرآني على غير ما يراد منه، وإلصاق ذلك بالقرآن لصقا، من غير أن يكون في اللفظ دلالة عليه، بحيث لا يشهد له سياق، ولا سباق، ويصير كالبقلة الشاذة بين الزهور، والورد.
٢- عدم التمييز بن الصحيح والضعيف، والموضوع، وبين المقبول، والمردود، وعدم التفرقة بين الجيد والرديء، والاكتفاء بذكر الأسانيد من غير نقد للرواة.
٣- عدم التمييز بين الدخيل، وغير الدخيل، والإكثار من النقل عن أهل الكتاب الذين أسلموا، وفيه الكثير من الإسرائيليات والخرافات، والأباطيل التي لا يشهد لها نقل صحيح، ولا عقل سليم.
٤- حذف الأسانيد، ونقل الأقوال من غير عزوها إلى قائليها، ولا بيان مم استُقِيَتْ؟ ومن أين جاءت؟ وبذلك التبس الحق بالباطل، واختلط الخطأ بالصواب، فصار من يسنح له رأي يذكره، ولو كان خطأ، ومن يقع على قول ينقله، ولو كان باطلا، فجاء من بعدهم فنقله، ظانا أن له أصلا، وهو قول مخترع، مبتدع، باطل.
وقال الإمام ابن تيمية ما خلاصته:
وأما التفسير بالرأي والاجتهاد: فقد وقع فيه الغلط من جهتين حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين، وتابعيهم بإحسان؛ فإن التفاسير التي يذكر فيها كلام هؤلاء صرفا، لا يكاد يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين، مثل: تفسير عبد الرزاق، والفريابي، ووكيع بن الجراح، وعبد بن حميد، ومثل: تفسير الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وبقي بن مخلد، وأمثالهم، والذين أخطأوا في التفسير فريقان: "أحدهما"، قوم اعتقدوا معاني، ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها.
стр. 143
ثانيهما: قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، المنزل عليه، والمخاطب به.
فالأولون: راعوا المعنى الذي رأوه، من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان، والآخرون: راعوا مجرد اللفظ. وما يجوز عندهم أن يريد به العربي، من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم به، وسياق الكلام، ثم هؤلاء كثيرا ما يغلطون في احتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة، كما يغلط في ذلك الذين قبلهم، كما أن الأولين كثيرا ما يغلطون في صحة المعنى الذي فسروا به القرآن، كما يغلط في ذلك الآخرون، وإن كان نظر الأولين إلى المعنى أسبق، ونظر الآخرين إلى اللفظ أسبق.
والأولون صنفان: تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه، وأريد به، وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه، ولم يرد به، وفي كل الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه، وإثباته من المعنى باطلا، فيكون خطؤهم في الدليل، والمدلول، وقد يكون حقا، فيكون خطؤهم في الدليل، لا في المدلول، وهذا كما أنه وقع في تفسير القرآن، فإنه وقع في تفسير الحديث.
فالذين أخطأوا في الدليل والمدلول مثل: طوائف من أهل البدع اعتقدوا مذهبا يخالف الحق الذي عليه الأمة الوسط، الذي لا يجتمعون على ضلالة، كسلف الأمة، وأئمتها، وعمدوا إلى القرآن، فتأولوه على آرائهم، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لا في آرائهم، ولا في تفسيرهم، وعمدوا إلى القرآن، فتأولوه على آرائهم، تارة يستدلون بآيات على مذهبهم، ولا دلالة فيها، وتارة يتأولون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن مواضعه.
ومن هؤلاء: فرق الخوارج، والروافض، والجهمية، والمعتزلة، والقدرية، والمرجئة وغيرهم.
стр. 144
تفاسير المعتزلة:
والمعتزلة من أعظم الناس كلاما وجدالا، وقد صنفوا تفاسير على أصول مذهبهم، مثل: تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم شيخ إبراهيم بن إسماعيل ابن علية، الذي كان
стр. 145
يناظر الشافعي، ومثل: كتاب أبي على الجبائي، والتفسير الكبير للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني، والتفسير لعلي بن عيسى الرماني، والكشاف لأبي القاسم الزمخشري.
والمقصود: أن مثل هؤلاء اعتقدوا رأيا، ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين لا في رأيهم، ولا في تفسيرهم، وما من تفسير من تفاسيرهم الباطلة إلا وبطلانه يظهر من وجوه كثيرة، وذلك من جهتين: تارة من العلم بفساد قولهم، وتارة من العلم بفساد ما فسروا به القرآن؛ إما دليلا على قولهم، أو جوابا على المعارض لهم، ومن هؤلاء: من يكون حسن العبارة فصيحا، ويدس السم في كلامه، وأكثر الناس لا يعلمون، كصاحب الكشاف ونحوه، حتى أنه يروج على خلق كثير من أهل السلف كثير من تفاسيرهم الباطلة.