أسباب الخطأ في التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي والاجتهاد
مدخل
...
أسباب الخطأ في التفسير بالمأثور، والتفسير بالرأي والاجتهاد:
يمكننا إجمال أهم أسباب الخطأ والغلط في التفسير بالمأثور في الأمور الآتية:
١- تنزيل اللفظ القرآني على غير ما يراد منه، وإلصاق ذلك بالقرآن لصقا، من غير أن يكون في اللفظ دلالة عليه، بحيث لا يشهد له سياق، ولا سباق، ويصير كالبقلة الشاذة بين الزهور، والورد.
٢- عدم التمييز بن الصحيح والضعيف، والموضوع، وبين المقبول، والمردود، وعدم التفرقة بين الجيد والرديء، والاكتفاء بذكر الأسانيد من غير نقد للرواة.
٣- عدم التمييز بين الدخيل، وغير الدخيل، والإكثار من النقل عن أهل الكتاب الذين أسلموا، وفيه الكثير من الإسرائيليات والخرافات، والأباطيل التي لا يشهد لها نقل صحيح، ولا عقل سليم.
٤- حذف الأسانيد، ونقل الأقوال من غير عزوها إلى قائليها، ولا بيان مم استُقِيَتْ؟ ومن أين جاءت؟ وبذلك التبس الحق بالباطل، واختلط الخطأ بالصواب، فصار من يسنح له رأي يذكره، ولو كان خطأ، ومن يقع على قول ينقله، ولو كان باطلا، فجاء من بعدهم فنقله، ظانا أن له أصلا، وهو قول مخترع، مبتدع، باطل.
وقال الإمام ابن تيمية ما خلاصته:
وأما التفسير بالرأي والاجتهاد: فقد وقع فيه الغلط من جهتين حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين، وتابعيهم بإحسان؛ فإن التفاسير التي يذكر فيها كلام هؤلاء صرفا، لا يكاد يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين، مثل: تفسير عبد الرزاق، والفريابي، ووكيع بن الجراح، وعبد بن حميد، ومثل: تفسير الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وبقي بن مخلد، وأمثالهم، والذين أخطأوا في التفسير فريقان: "أحدهما"، قوم اعتقدوا معاني، ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها.
стр. 143
ثانيهما: قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، المنزل عليه، والمخاطب به.
فالأولون: راعوا المعنى الذي رأوه، من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان، والآخرون: راعوا مجرد اللفظ. وما يجوز عندهم أن يريد به العربي، من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم به، وسياق الكلام، ثم هؤلاء كثيرا ما يغلطون في احتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة، كما يغلط في ذلك الذين قبلهم، كما أن الأولين كثيرا ما يغلطون في صحة المعنى الذي فسروا به القرآن، كما يغلط في ذلك الآخرون، وإن كان نظر الأولين إلى المعنى أسبق، ونظر الآخرين إلى اللفظ أسبق.
والأولون صنفان: تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه، وأريد به، وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه، ولم يرد به، وفي كل الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه، وإثباته من المعنى باطلا، فيكون خطؤهم في الدليل، والمدلول، وقد يكون حقا، فيكون خطؤهم في الدليل، لا في المدلول، وهذا كما أنه وقع في تفسير القرآن، فإنه وقع في تفسير الحديث.
فالذين أخطأوا في الدليل والمدلول مثل: طوائف من أهل البدع اعتقدوا مذهبا يخالف الحق الذي عليه الأمة الوسط، الذي لا يجتمعون على ضلالة، كسلف الأمة، وأئمتها، وعمدوا إلى القرآن، فتأولوه على آرائهم، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لا في آرائهم، ولا في تفسيرهم، وعمدوا إلى القرآن، فتأولوه على آرائهم، تارة يستدلون بآيات على مذهبهم، ولا دلالة فيها، وتارة يتأولون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن مواضعه.
ومن هؤلاء: فرق الخوارج، والروافض، والجهمية، والمعتزلة، والقدرية، والمرجئة وغيرهم.
стр. 144
تفاسير المعتزلة:
والمعتزلة من أعظم الناس كلاما وجدالا، وقد صنفوا تفاسير على أصول مذهبهم، مثل: تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم شيخ إبراهيم بن إسماعيل ابن علية، الذي كان
стр. 145
يناظر الشافعي، ومثل: كتاب أبي على الجبائي، والتفسير الكبير للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني، والتفسير لعلي بن عيسى الرماني، والكشاف لأبي القاسم الزمخشري.
والمقصود: أن مثل هؤلاء اعتقدوا رأيا، ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين لا في رأيهم، ولا في تفسيرهم، وما من تفسير من تفاسيرهم الباطلة إلا وبطلانه يظهر من وجوه كثيرة، وذلك من جهتين: تارة من العلم بفساد قولهم، وتارة من العلم بفساد ما فسروا به القرآن؛ إما دليلا على قولهم، أو جوابا على المعارض لهم، ومن هؤلاء: من يكون حسن العبارة فصيحا، ويدس السم في كلامه، وأكثر الناس لا يعلمون، كصاحب الكشاف ونحوه، حتى أنه يروج على خلق كثير من أهل السلف كثير من تفاسيرهم الباطلة.
стр. 146
تفسير ابن جرير وابن عطية وأمثاله:
وتفسير ابن عطية وأمثاله أتبَعُ للسنة، وأسلَمُ من البدعة، ولو ذكر كلام السلف المأثور عنهم على وجهه لكان أحسن وأجمل فإنه كثيرا ما ينقل من تفسير محمد بن جرير الطبري، وهو من أجل التفاسير وأعظمها قدرا، ثم إنه يدع ما نقله ابن جرير عن السلف، لا يحكيه بحال، ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين، وإنما يعني بهم طائفة من أهل الكلام، الذين قرروا أصولهم بطرق من جنس ما قررت به المعتزلة أصولهم، وإن كان أقرب إلى السنة من المعتزلة، لكن ينبغي أن يعطي كل ذي حق حقه، ويعرف أن هذا من جملة التفسير على المذهب.
فإن الصحابة، والتابعين، والأئمة إذا كان لهم في تفسير الآية قول، وجاء قوم فسروا الآية بقول آخر؛ لأجل مذهب اعتقدوه، وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة والتابعين، صار مشاركا للمعتزلة، وغيرهم من أهل البدع، في مثل هذا.
وفي الجملة: من عدل عن مذاهب الصحابة، والتابعين، وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئا في ذلك، بل مبتدعا، وإن كان مجتهدا مغفورا له خطؤه، فالمقصود بيان طرق العلم، وأدلته، وطرق الصواب.
ونحن نعلم: أن القرآن قرأه الصحابة، والتابعون، وتابعوهم، وأنهم كانوا أعلم
стр. 147
بتفسيره، ومعانيه، كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله ﷺ ، فمن خالف، وفسر القرآن بخلاف تفسيرهم فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعا..... والمقصود هنا: التنبيه على مثار الاختلاف في التفسير، وأن من أعظم أسبابه: البدع الباطلة، التي دعت أهلها إلى أن حرفوا الكلم عن مواضعه، وفسروا كلام الله ورسوله ﷺ بغير ما أُيد به وتأولوه على غير تأويله.
وأما الذين يخطئون في الدليل لا في المدلول: فمثل كثير من الصوفية والوعاظ، والفقهاء وغيرهم، يفسرون بمعانٍ صحيحة، لكن القرآن لا يدل عليها، مثل كثير مما ذكره أبو عبد الرحمن السلمي١ في حقائق التفسير وإن كان فيما ذكروه ما هو معانٍ باطلة فإن ذلك يدخل في القسم الأول، وهو الخطأ في الدليل والمدلول جميعا، حيث يكون المعنى الذي قصدوه فاسدا٢. أقول: وهو فصل قيم جيد، يدل على علم واسع بالتفسير والمفسرين ومثل هذا: يمكن أن يقال في التفسير بالمأثور، فقد يذكرون قصة صحيحة، ولكن لفظ القرآن لا يدل عليها فيكون الخطأ في الدليل، يعني: في دلالة الألفاظ على هذا، وقد تكون القصة باطلة في نفسها ولا يدل لفظ القرآن عليها، ويتكلف في دلالة اللفظ عليها، فيكون الخطأ في الدليل والمدلول، وذلك مثل: ما ذكره بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ، إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ ٣، الآيات، فقد ذكروا في هذا قصة باطلة وهي: قصة داود مع "أوريا": قائد جيشه، وزوجته الجميلة، التي أراد داود ضمها إلى نفسه، مع أنه كانت له تسع وتسعون امرأة ... بالقصة باطلة قطعا، كما سنبين ذلك فيما يأتي إن شاء الله تعالى ثم إنهم في سبيل هذا فسروا النعجة بالمرأة، وبذلك أخطأوا في الدليل والمدلول
стр. 148
الاختلاف بين السلف في التفسير اختلاف تَنَوُّع:
قلنا: إن الصحابة تلقوا معظم تفسير القرآن عن النبي ﷺ ولذا: كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلا جدا، وهو: إن كان بين التابعين أكثر منه بين الصحابة، فهو قليل بالنسبة إلى من بعدهم، ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة، وربما تكلموا في ذلك بالاستنباط والاستدلال، بل ربما تكلموا في ذلك بما سمعوه من أهل الكتاب الذين أسلموا.
والخلاف بين السلف في التفسير قليل، وأما خلافهم في الأحكام: فهو أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى: اختلاف تنوع وتفنن في العبارة، لا اختلاف تضادٍّ، وذلك نوعان:
"أحدهما": أن يعبر واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر، مع اتحاد المسمى كتفسيرهم:
"الصراط المستقيم" فقال بعضهم: هو القرآن -أي اتباعه- لقول النبي ﷺ في حديث علي الذي رواه الترمذي، ورواه أبو نعيم من طرق متعددة: "هو حبل الله المتين، والذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم"، وقال بعضهم: هو الإسلام لقوله ﷺ في حديث النواس بن سمعان، الذي رواه أحمد، والترمذي والنسائي مرفوعا: "ضرب الله مثلا، صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران، وفي السورين أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة، وداعٍ يدعو من فوق الصراط، وداعٍ يدعو على رأس الصراط" قال: فالصراط المستقيم: هو الإسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب: محارم الله، والستور المرخاة هي: حدود الله، والداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي فوق الصراط: واعظ الله في قلب كل مؤمن. فهذان القولان متفقان؛ لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر، كما أن لفظ "صراط": يشعر بوصف ثالث.
وكذا قول من قال: هو السنة والجماعة: وقول من قال: هو طريق العبودية، وقول من قال: هو طاعة الله ورسوله ﷺ ، فكلهم أشاروا إلى ذات واحدة، لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها.
стр. 149
"الصنف الثاني": أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه، مثل ذلك: ما نقل في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّه﴾ ١ فمعلوم: أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات والمنتهك للحرمات، والمقتصد يتناول: فاعل الواجبات وتارك المحرمات، والسابق، يدخل فيه من سبق، فتقرب بالحسنات أي النوافل مع الواجبات فالظالمون هم: أصحاب الشمال، والمقتصدون هم: أصحاب اليمين، والسابقون هم المقربون.
ثم إن كلا منهم يذكر هذا في نوع من أنواع الطاعات، كقول القائل: السابق: الذي يصلي في أول الوقت، والمقتصد: الذي يصلي في أثنائه، والظالم لنفسه، الذي يؤخِّر العصر إلى الإصفرار، أو يقول السابق: المحسن بالصدقة مع الزكاة، والمقتصد: الذي يؤدي الزكاة المفروضة فقط، والظالم مانع الزكاة.
وهذا الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوع التفسير؛ تارة لتنوع الأسماء والصفات، وتارة لذكر بعض أنواع المسمى، هو الغالب في تفسير سلف الأمة، الذي يظن أنه مختلف.
ومن التنازع الموجود منهم، ما يكون اللفظ فيه محتملا للأمرين؛ إما لكونه مشتركا في اللغة، كلفظ القسورة٢ الذي يراد به الرامي، ويراد به الأسد، ولفظ عسعس٣، الذي يراد به إقبال الليل وإدباره، وإما لكونه متواطئا في الأصل، لكن المراد به أحد النوعين، أو أحد الشيئين كالضمائر، في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ ٤ وكلفظ: ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ وما أشبه ذلك. فمثل هذا يجوز أن يراد به كل المعاني التي قالها السلف، وقد لا يجوز ذلك،
стр. 150
فالأول: إما لكون الآية نزلت مرتين، فأريد به هذا تارة، وهذا تارة أخرى، وإما لكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به معنياه؛ إذ قد جوز ذلك أكثر الفقهاء المالكية، والشافعية والحنبلية، وكثير من أهل الكلام، وإما لكون اللفظ متواطئا، فيكون عاما إذا لم يكن لتخصيصه موجب، فهذا النوع إذا صح فيه القولان، كان من الصنف الثاني.
ومن الأقوال الموجودة عنهم، ويجعلها بعض الناس اختلافا: أن يعبروا عن المعاني بألفاظ متقاربة، لا مترادفة، فإن الترادف في اللغة قليل وأما في ألفاظ القرآن: فإما نادر، وإما معدوم، وقل أن يعبر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدي جميع معناه، وهذا من أسباب إعجاز القرآن، فإذا قال القائل: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ ١، إن المور هو: الحركة كان تقريبا؛ إذ المور حركة خفيفة سريعة، وكذلك إذا قال: الوحي: الإعلام: أو قيل: أوحينا إليك: أنزلنا إليك أو قيل: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ٢ أي أعلمنا، وأمثال ذلك، فهذا كله تقريب لا تحقيق، فإن الوحي هو: إعلام سريع خفي، والقضاء إليهم، أخص من الإعلام، فإن فيه إنزالا إليهم وإيحاء إليهم، والعرب تضمِّن الفعل معنى الفعل، وتعدِّيه تعديته ... ومثل ذلك ما قاله أحدهم في قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَت﴾ ٣ أي تحبس. وقال الآخر: ترتهن، ونحو ذلك، لم يكن اختلاف التضاد وإن كان المحبوس قد يكون مرتهنا، وقد لا يكون؛ إذ هذا تقريب للمعنى، كما تقدم.
وجميع عبارات السلف في مثل هذا نافع جدا؛ لأن مجموع عباراتهم أدل على المقصود، من عبارة أو عبارتين وهذا الفصل الذي لخصته من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، من النفاسة بمكان٤.
стр. 151
التعارض بين التفسير بالمأثور والتفسير بالاجتهاد وما يتبع في الترجيح بينهما:
١- التعارض معناه: التقابل والتنافي، بأن يدل أحدهما على إثبات والآخر على نفي مثلا، بحيث لا يمكن اجتماع مقتضاهما، كأن كلا منهما وقف في عرض الطريق، فمنع الآخر من السير فيه، وأما إذا كانا غير متنافيين، بأن جاز اجتماعهما، فلا يسمى تعارضا، ولو كانا متغايرين وذلك مثل ما ذكرناه آنفا في تفسيرهم: "الصراط المستقيم": بأقوال كثيرة، ولكنها غير متنافية، ومثل ما ذكروه في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ ، فإنها وإن كانت متغايرة فهي غير متنافية، ويمكن اجتماعها؛ لأن كل واحد ذكر فردا من أفراد العام.
٢- التفسير بالمأثور الثابت بالنص القطعي لا يمكن أن يعارض بالتفسير بالرأي والاجتهاد؛ لأن الرأي إما أن يكون قطعيًّا، إن كان موافقا للدليل العقلي، أو للدليل النقلي القطعي، وإما أن يكون ظنيا، أما الأول. فلأنه تعارض بين قطعتين، وأما الثاني: فلأن الرأي الخالي من الدليل العقلي والنقلي اجتهاد، يستند إلى القرائن والأمارات والدلالات الظاهرة فحسب، وذلك لا يوصل إلا إلى الظن فحسب، ولا يوصل إلى علم قطعي، ولا يمكن أن يعارض الظني القطعي وإلا لزم مساواة المرجوح بالراجح، وذلك باطل في قضية العقل.
٣- أما إذا كان المأثور ليس نصا قطعيا بل ظاهرا، أو خبر آحاد أو نحو ذلك، مما لا يوجب العلم القطعي، وقد عارضه التفسير بالرأي والاجتهاد.
وفي هذه الحالة لا يخلو: إما أن يكون ما حصل فيه التعارض مما لا مجال للرأي فيه كسبب النزول، أو أحوال القيامة، واليوم الآخر، أو للرأي فيه مجال.
فإن كان الأول: لم يقبل الرأي، وكان المعوَّل عليه فيه هو المأثور فقط، إن كان عن النبي ﷺ أو عن الصحابي بشرط أن لا يكون معروفا بالأخذ عن أهل الكتاب، كما أسلفنا، وإن كان الثاني: فلا يخلو: إما أن يمكن الجمع بين المأثور والرأي، أم لا.
فإن أمكن الجمع: حمل النظم الكريم عليهما، وذلك مثل: تفسير القوة، في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ بالرمي، فإن هذا
стр. 152
لا ينافي تفسيره بكل مستحدث من أنواع الأسلحة التي تستعمل في القذف، والرمي كالمدافع، والصواريخ والقنابل، ونحوها؛ لأنها كلها داخلة تحت مسمى الرمي.
وإن لم يمكن الجمع: حمل النظم الكريم على ما ورد من المأثور، إن كان ثابتا بطريق صحيح، عن النبي ﷺ أو بطريق صحيح عن الصحابة، بشرط أن لا يكون الصحابي معروفا برواية الإسرائيليات؛ لأن الصحابة أعلم بالقرآن والمراد به منَّا؛ لمشاهدتهم الوحي وتنزلاته، والملابسات المحيطة به، ولأنهم عربة فصحاء أصلاء. وأما المنقول عن التابعين، ولا سيما أهل الكتاب الذين أسلموا: فإن التفسير بالرأي حينئذ يكون متقدما على التفسير بالمأثور.
أما إذا لم ينقل عن أهل الكتاب، أو عمن عرف بالأخذ عنهم، وكان معارضا للرأي: فينظر في الأمر: فما ثبت منهما بدليل سمعي، أو شهد له دليل سمعي، حمل النظم الكريمة عليه، وأما إذا لم يثبت أحدهما بسمع، ولم يؤيد بسمع، فإن كان الاستدلال طريقا إلى تقوية أحدهما، وترجيحه، رجح ما قواه الدليل، فإذا تعارضت الأدلة في المراد: علم أنه قد صار من المتشابهات، فيؤمن به على ما أراد الله تعالى، ولا يتهجم على تعيين المراد من النظم الكريم: وينزل حينئذ منزلة المجمل قبل تفصيله، والمشتبه قبل بيانه.
٤ يقدم المأثور الثابت بطريق صحيح عن النبي ﷺ أو عن الصحابة رضوان الله عليهم كما تقدم، إذا لم يكن المعنى الذي دل عليه بالرأي والاجتهاد موافقا لما قام عليه الدليل العقلي، أو موافقا لقطعي آخر نقلي، أو مستندا إلى قطعي علمي كالنظريات العلمية، التي أصبحت حقائق ثابتة مقررة، ككُرَوية الأرض مثلا، ودورانها حو نفسها، وحدوث الخسوف والكسوف، وإلا ففي هذه الحالة يؤول المأثور ليرجع إلى الرأي الموافق للدليل العقلي، أو النقلي القطعي، أو العلم القطعي، إذا أمكن تأويله، جمعا بين الأدلة؛ وذلك لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، وإن لم يكن حمل النظم الكريم في هذه الحالة على ما يقتضيه الرأي والاجتهاد، ترجيحا للراجح حينئذ على المرجوح١.
стр. 153
أهم كتب التفسير بالمأثور
جامع البيان في تفسير القرآن لابن جرير الطبري
...
أهم كتب التفسير بالمأثور:
وسأقتصر في هذا الفصل على الكتب المطبوعة التي هي في أيدي الناس، ولن أذكر من المخطوطات، إلا إذا كان أصلا لبعض المطبوعات كتفسير الثعلبي، فإنه أصل لتفسير البغوي، في التفسير المأثور، كما ذكر ذلك البغوي في مقدمة تفسيره١.
ومن هذه الكتب: ما كله أو معظمه في التفسير بالمأثور، كتفسير ابن جرير، والسيوطي، ومنها: ما اشتمل على المأثور، والرأي، والاجتهاد كتفسير الثعلبي، والبغوي، وابن كثير، وإليك كلمة موجزة عن كل منها:
جامع البيان في تفسير القرآن لابن جرير الطبري:
ومؤلفه: هو الإمام الحافظ، المفسر، الفقيه، المؤرخ أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري٢ ولد بآمل من بلاد طبرستان، سنة أربع وعشرين ومائتين للهجرة، لقي الكثيرين من الشيوخ وأخذ عنهم، وروى عنه الكثيرون، وكان من القناعة والزهد بمكان، وهو رأس المفسرين الذين وصلت إلينا كتبهم، جمع من العلوم ما لم يشاركه أحد من أهل عصره، وكان حافظا لكتاب الله عالما بالقراءات بصيرا بالمعاني، عالما بالسنن، وطرقها، وصحيحها وسقيمها وناسخها، ومنسوخها، عالما باللغة، والأدب، عالما بأحوال الصحابة والتابعين، وكان مثالا مشرفا للتفاني في العلم والبحث والتأليف، وما ظنك برجل مكث أربعين سنة يكتب كل يوم أربعين ورقة؟! وبعد هذه الحياة الحافلة بالعلم، والتأليف، توفي ببغداد، ليومين بقيا من شوال، سنة عشر وثلاثمائة، وقد صلى على قبره عدة شهور، ورثاه خلق كثير٣.
منهج ابن جرير في تفسيره:
وتفسيره من أجل التفاسير بالمأثور، وأعظمها قدرا، ذكر فيه ما روي في التفسير عن النبي ﷺ وعن الصحابة والتابعين، وأتباعهم.
стр. 154
وقد كانت التفاسير قبل ابن جرير لا يذكر فيها إلا الروايات الصرفة، من غير أن يذكروا من عندهم شيئا، حتى جاء ابن جرير، فزاد توجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، وذكر الأعاريب والاستنباطات، والاستشهاد بأشعار العرب على معاني الألفاظ.
ثناء الأئمة عليه:
وقد حظي تفسير ابن جرير بثناء الأئمة عليه، قال الإمام النووي في تهذيبه: "وكتاب ابن جرير لم يصنف أحد مثله"، وقال الشيخ الإمام أبو حامد الإسفراييني شيخ الشافعية: "لو رحل رجل إلى الصين، حتى يَحصُلَ على تفسير ابن جرير، لم يكن ذلك كثيرا عليه"، وقال الإمام ابن تيمية: "هو من أجل التفاسير، وأعظمها قدرا"١، ولم أجد من فضَّل غيره عليه، إلا ما كان من ابن حزم، فقد فضل عليه تفسير الإمام بقي بن مخلد، حيث قال: أقطع إنه لم يؤلف في الإسلام مثل تفسيره، لا تفسير ابن جرير ولا غيره"٢ وهو غير مطبوع.
ما أُخِذَ على تفسير ابن جرير:
وقد أُخِذ على تفسير ابن جرير: أنه يذكر الروايات من غير بيان وتمييز لصحيحها من ضعيفها، والظاهر أنه من المحدثين الذين يرون أن ذكر السند، ولو لم ينص على درجة الرواية، يخلي المؤلف عن المؤاخذة والتبعة.
ولم يسلم تفسير ابن جرير على جلالة مؤلفه من الروايات الواهية والمنكرة، والضعيفة والإسرائيليات، وذلك مثل ما ذكره من حديث الفتون، وفي قصص الأنبياء، وما ذكره في قصة زواج النبي ﷺ بالسيدة زينب بنت جحش، على ما يرويها القصاص والمبطلون، وإن كان ذكر الرواية الصحيحة، ويا ليته اقتصر عليها، وسأنبه على ذلك فيما يأتي إن شاء الله تعالى.
стр. 155
الدر المنثور في التفسير المأثور
...
الدر المنثور في التفسير بالمأثور:
ومؤلفه هو: الإمام الحافظ جلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد السيوطي ولد سنة تسع وأربعين وثمانمائة، وتوفي والده وهو صغير، فأوصى به إلى جماعة منهم: الإمام الكمال بن الهمام، وقد لقي الكثيرين من الشيوخ، وأخذ عنهم، وافتن وتبحر في كثير من العلوم حتى قال: إنه وصل فيها إلى رتبة الاجتهاد، وترك من المؤلفات كثرة كاثرة، حتى قيل: إنها تزيد عن الخمسمائة، وكان من حفاظ الحديث وعلمائه المتبحرين فيه، العالِمِين به رواية ودراية، متنا، ورجالا، ومصطلحا، وقد اعتزل الناس في آخر حياته، وترك التدريس والإفتاء، وتفرغ للعبادة، وكانت وفاته بمقياس الروضة، بالقاهرة المُعِزِّيَة، سنة إحدى عشرة وتسعمائة، فرضي الله عنه، وأرضاه.
منهجه في تفسيره:
وكتابه: "الدر المنثور في التفسير بالمأثور": جمع فيه الروايات عن النبي، والصحابة، والتابعين، ولم يذكر فيه إلا المرويات الصرفة، وقد ذكر في مقدمته، أنه لخصه من كتابه: "ترجمان القرآن"، وهو التفسير المسند إلى رسول الله ﷺ وإلى الصحابة والتابعين، وقد التزم فيه إخراج الأسانيد التي روى بها الأئمة هذه المرويات، وعزى كل رواية إلى من أخرجها.
ما أُخِذَ عليه:
وقد أُخِذَ على هذا التفسير: أنه وإن عزى الروايات إلى مخرجيها لكن لم يبين لنا منزلتها من الصحة، أو الحسن، أو الضعف أو الوضع وقلما ينبه إلى ذلك، ويا ليته بيَّن ذلك، وليس كل قارئ للكتاب يمكنه أن يعرف ذلك بمجرد ذكر السند، ولا سيما في عصورنا المتأخرة والذي يظهر لي: أنه من المحدثين الذين يرون أن إبراز السند يخلي من العهدة والتبعة، وفي الكتاب إسرائيليات وبلايا كثيرة، ولا سيما في قصص الأنبياء، وذلك مثل ما ذكره في قصة هاروت وماروت وفي قصة الذبيح، وأنه إسحاق، وفي قصة يوسف، وفي قصة داود، وسليمان، وفي قصة إلياس، وأسرف في ذكر المرويات في بلاء أيوب ﵇، ومعظمه مما لا يصح، ولا يثبت، وإنما هو من إسرائيليات بني
стр. 156
إسرائيل، وأكاذيبهم على الأنبياء، وسأعرض لكل ذلك بالتفصيل إن شاء الله تعالى.
стр. 157
كتب جمعت بين المأثور وغيره:
١- الكشف والبيان عن تفسير القرآن:
ومؤلفه: هو الشيخ أبو إسحاق: أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري صاحب التفسير والعرائس في قصص الأنبياء، وقد نقل ابن خلكان عن السمعاني١ أنه يقال له الثعلبي والثعالبي٢، وهو لقب له، وليس بنسب، وكان مقرئا، مفسرا، واعظا، أديبا، حافظا كما قال ياقوت في معجمه٣، وقد ذكره الإمام عبد الغفار بن إسماعيل الفارسي في كتابه: "تاريخ نيسابور"، وقال: هو صحيح النقل موثوق به، روى عن أبي طاهر ابن خزيمة، والإمام أبي بكر بن مهران المقرئ، وعنه أخذ الإمام أبو الحسن الواحدي التفسير، وأثنى عليه، وكانت وفاته سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وقيل سبع وثلاثين٤.
منهجه في تفسيره:
ولم يقصر تفسيره على المأثور فحسب، بل جمع فيه إلى المأثور ذكر الوجوه، والقراءات، والعربية واللغات، والإعراب والموازنات، والتفسير والتأويلات، والأحكام والفقهيات، والحكم والإشارات، والفضائل والكرامات..... ثم ذكر في أول الكتاب: أسانيده إلى مصنفات أهل عصره، وكتب الغريب، والمشكل، والقراءات٥.
стр. 158
قيمة تفسيره من جهة الرواية:
لئن كان أثنى عليه بعض العلماء: كعبد الغفار الفارسي، فقد آخذه، ونقده البعض الآخر من علماء الرواية، والدراية، وأئمة النقد، فقد ملأ كتابه هذا بالموضوعات والقصص الإسرائيلي، الذي فسر به بعض القرآن الكريم، وهذا هو الحق والصواب، وذلك مثل: ما ذكره في تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْف﴾ : فقد ذكر عن السدي، ووهب، وغيرهما كلاما طويلا في أسماء أصحاب الكهف وعددهم بل يروي أن النبي ﷺ طلب من ربه رؤية أصحاب الكهف، فأجابه الله: بأنه لن يراهم في دار الدنيا، وأمره بأن يبعث لهم أربعة من خيار أصحابه، ليبلغوهم رسالته، إلى آخر القصة التي لا يكاد العقل يصدقها.
وكذا ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ ، وما ذكره في تفسير سورة مريم، عن قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُه﴾ ، فقد روى عن السدي ووهب وغيرهما قصصًا كثيرة، وأخبارًا في نهاية الغرابة والبعد١، إلى غير ذلك مما ذكره في فضائل السور، وفضائل بعض الصحابة كسيدنا علي.
ومن العجيب حقا: أنه ذكر في مقدمة تفسيره٢ أن الله رزقه ما عرف به الحق من الباطل، وميز به الصحيح من السقيم، وعاب من جمع بين الغث والسمين، والواهي، والمتين!!.
ولا أدري كيف يكون حال كتابه لو لم يرزق ذلك؟!
وقد نقد الإمام ابن تيمية كتابه هذا، فقال: "والثعلبي هو في نفسه كان في خير ودين، وكان حاطب ليل٣، ينقل ما وجد في كتب التفسير: من صحيح، وضعيف، وموضوع٤.
стр. 159
الصنيع المذموم، ومن وجد فيه شيئا مما سأذكره عند نقد المرويات تفصيلا فلنبذه، ولا يذكره إلا مقترنًا ببيان وضعه، أو ضعفه.
стр. 160
٢- معالم التنزيل:
ومؤلفه هو: العلامة الشيخ أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد البغوي١، الفقيه الشافعي، المحدث، المفسر، يعرف بأبي القراء، ويلقب بمحيي السنة وركن الدولة وكان تقيا، ورعا، زاهدا متقشفا، قانعا، لا يلقي الدرس إلا على طهارة، وإذا أكل لا يأكل إلا الخبز وحده، ثم صار يأتدم بالزيت، وله المؤلفات المفيدة، منها: "شرح السنة" وكتاب: "المصابيح" في الحديث، وتفسيره هذا، وغيرها، وكانت وفاته سنة عشر وخمسمائة، وقيل سنة ست عشرة وخمسمائة٢.
منهجه في التفسير:
قال صاحب كشف الظنون: "معالم التنزيل في التفسير".... وهو كتاب متوسط، نقل فيه عن مفسري الصحابة، والتابعين ومن بعدهم.
وليس خالصا للتفسير بالمأثور، بل جمع فيه بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي والاجتهاد المقبول، كما لم يذكر فيه الأسانيد، اكتفاء بذكرها في أول كتابه، كما صنع الثعلبي، في تفسيره الذي هو أصل تفسيره ومرجعه.
قيمة تفسيره العلمية:
وهذا التفسير من خيرة التفاسير، وأسهلها وأبعدها عن التعقيد، وعدم الاستطراد، وعدم الإكثار من المباحث اللغوية، والنحوية، والفقهية.
стр. 161
وقد جمع فيه بين الصحيح، والضعيف، وذكر فيه كثيرا من الإسرائيليات، كأصله، وذلك كما صنع في قصة: "هاروت وماروت" وقصة "داود"، و"سليمان"، وكما صنع في تفسير قوله تعالى: ﴿نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ فقد ذكر: أن "ن هو: الحوت الذي على ظهره الأرض، وهو ولا شك من خرافات بني إسرائيل وأباطيلهم، قال فيه ابن تيمية: "والبغوي تفسيره مختصر من الثعلبي، لكن صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة"١.
مناقشة ابن تيمية:
أما صيانته عن الآراء المبتدعة فمسلم، أما أنه صانه عن الأحاديث الموضوعة: فإن أراد الحديث الطويل في فضائل السور سورة سورة، فمسلم، وإن أراد غير ذلك: فلست موافقا لشيخ الإسلام؛ لأنه ذكر في كتابه بعض الموضوعات، والإسرائيليات بكثرة، اللهم إلا أن يقال: إنه أقل من تفسير الثعلبي في الموضوعات والإسرائيليات، وسأعرض للكثير منها عند التفصيل إن شاء الله تعالى.
стр. 162
٣- تفسير القرآن العظيم:
ومؤلفه هو: الإمام الجليل: الحافظ: عماد الدين أبو الفداء، إسماعيل بن عمر بن كثير، القرشي، الدمشقي، الفقيه، الشافعي، ولد حوالي سنة سبعمائة. سمع من ابن الشحنة، والآمدي، وابن عساكر، كما لازم الحافظ المزي وقرأ عليه تهذيب الكمال، وصاهره على ابنته، وأخذ عن ابن تيمية، وفتن بحبه، وامتحن بسببه، وهو من أخلص تلاميذ ابن تيمية، وأخذ عن ابن تيمية، وفتن بحبه، وامتحن بسببه، وهو من أخلص تلاميذ ابن تيمية، وأشدهم اتباعًا له في آرائه الفقهية، والتفسيرية، حتى كان يفتي برأيه في مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد، وأوذى بسبب ذلك. قال فيه الحافظ الذهبي في المعجم المختص: الإمام، المفتي، المحدث البارع، فقيه متفنن، محدث متقن، ومفسر.... وله تصانيف مفيدة، وقال فيه الحافظ ابن عمر في: "الدرر الكامنة" إنه كان من محدثي الفقهاء، وقال: سارت تصانيفه في البلاد في حياته، وانتفع بها بعد وفاته، ومن تأليفاته.
стр. 163
القيمة: كتاب البداية والنهاية في التاريخ، وهو أجل كتب التاريخ من جهة الرواية، وتحقيق معاني المرويات وطبقات الشافعية، وشرع في شرح البخاري ولكنه لم يتمه..... وبعد حياة حافلة بالعلم، والتأليف، توفي سنة أربع وسبعين وسبعمائة هـ، فرضي الله عنه وأرضاه.
منهجه في تفسيره وخصائصه:
وتفسيره من أجل التفاسير، إن لم يكن أجلها وأعظمها، جمع فيه بين التفسير، والتأويل والرواية والدراية، مع العناية التامة بذكر الأسانيد، وبيَّن صحيحها من ضعيفها من موضوعها، ونقد الرجال، والجرح، والتعديل، واستيفاء الآيات في الموضوع الأول وتفسير القرآن بالقرآن، مع حسن البيان، وعدم التعقيد، وعدم التشعيب في المسائل، والاستطراد الكثير، ومن خصائص هذا التفسير العظيم: أنه يعتبر نسيج وحده في التنبيه على الإسرائيليات والموضوعات في التفسير، تارة يذكرها، ويعقب عليها بأنها دخيلة على الرواية الإسلامية، ويبين أنها من الإسرائيليات الباطلة المكذوبة، وتارة لا يذكرها بل يشير إليها، ويبين رأيه فيها، وقد تأثر في هذا بشيخه الإمام ابن تيمية١، وزاد على ما ذكره كثيرا، وكل من جاء بعد ابن كثير من المفسرين، ممن تنبه إلى الإسرائيليات والموضوعات، وحذر منها، هم عالة عليه في هذا، ومدينون له فيها بهذا الفضل: كالإمام الآلوسي، والأستاذ الإمام محمد عبده، والسيد محمد رشيد رضا رحمهم الله تعالى، ولهذا الكتاب فضل كبير علي في تنبيهي إلى الإسرائيليات، والموضوعات في كتب التفسير وهو معتمدي، ومرجعي الأول في هذا الباب، وللإمام ابن كثير حاسية دقيقة، وملكة راسخة في نقد المرويات والتنبيه إلى منشئها ومصدرها، وكيف تدسست إلى الرواية الإسلامية، وقد تعقب ابن جرير على جلالته وتقدمه في بعض الإسرائيليات والموضوعات التي ذكرها في تفسيره، ولا عجب في هذا، فهو من مدرسة عرفت بحفظ الحديث، والعلم به رواية، ودراية، وأصالة النقد، والجمع بين المعقول والمنقول، وهي مدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه: ابن القيم
стр. 164
والذهبي، وابن كثير، وأمثالهم، فجازاه الله على صنيعه هذا خير الجزاء. وسيظهر ذلك بوضوح فيما سأذكره إن شاء الله في هذا الكتاب.
стр. 165
نظرات مجملة في أشهر كتب التفسير بالرأي والاجتهاد
الكشاف عن حقائق التنزيل، وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
...
نظرات مجملة في أشهر كتب التفسير بالرأي والاجتهاد:
وفي هذا الفصل: سأذكر أشهر كتب التفسير، سواء منها ما كان على منهج أهل السنة والجماعة، أم على مذهب أهل الاعتزال، أم على منهج أهل الكلام، مع تعريف موجز بها، وبمؤلفيها، وسأتناولها من الجانب الذي يتصل بهذا البحث فحسب، لا من جوانبها الأخرى.
ومما ينبغي أن يعلم: أن كتب التفسير بالرأي والاجتهاد أيا كان لونها واتجاهها لا تخلو من الروايات المأثورة؛ إذ من شرط التفسير بالاجتهاد: أن يعتمد على ما ثبت بالنقل، فمن ثم: اشتملت على الأحاديث الموضوعة والإسرائيليات الباطلة، وإن اختلفت في ذلك قلة وكثير، وسأقتصر على المطبوع منها، وسأنبه على ما إذا كانت بها إسرائيليات أم لا، وسأدع التفصيل لحينه إن شاء الله تعالى.
١- الكشاف عن حقائق التنزيل، وعيون الأقاويل في وجوه التأويل:
ومؤلفه هو: الإمام محمود بن عمر بن محمد بن عمر النحوي اللغوي، الأديب، المعتزلي الزمخشري١ الملقب بجار الله، لأنه ارتحل إلى مكة، وأقام بها مجاورا للبيت، وفيها ألف كتابه هذا، ولد سنة سبع وستين وأربعمائة، وقد برع في اللغة، والأدب والنحو، ومعرفة أنساب العرب، وأيامهم حتى فاق أقرانه، كما كان عالما بكثير من العلوم الإسلامية، كالفقه، ولا سيما الفقه الحنفي، والأصول والتفسير وغيرها، ثم
стр. 166
اعتنق مذهب الاعتزال، ودعا إليه، وصار من أئمة المعتزلة، والمنافحين عنهم، وله مؤلفات كثيرة، منها: ربيع الأبرار، والأساس، والفائق، وكانت وفاته سنة ثمانٍ وثلاثين وخمسمائة.
قيمة تفسير الزمخشري العلمية:
إن تفسير الكشاف من خير كتب التفسير وأجلها، ولولا نزعته الاعتزالية في بعض الآيات القرآنية، لما تناوله المعترضون بالنقد، ولما شنأه بعض الناس، وبحسب هذا الكتاب فضلا ومنزلة أن كل من جاء بعد الزمخشري عالة عليه فيما يذكره فيه من أسرار الإعجاز، والغوص على المعاني البلاغية الدقيقة.
ولبراعته في الكلام، وتمكنه من فنون القول، وبعد غوره يدس بعض آرائه في أثناء تفسيره، وتروج على خلق كثير من أهل السنة ولذا قال البلقيني: استخرجت من الكشاف اعتزالا بالمناقيش من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَاز﴾ ١.
قال: أي فوز أعظم من دخول الجنة٢، أشار إليه به إلى عدم الرؤية٣، وقال ابن تيمية أثناء الكلام عن تفاسير المعتزلة: ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة، يدس البدع في كلامه، وأكثر الناس لا يعلمون، كصاحب الكشاف ونحوه، حتى إنه يروج على خلق كثير من أهل السنة كثير من تفاسيرهم الباطلة٤.
ومن مميزات هذا التفسير:
١- خلوه من الحشو والتطويل.
٢- سلامته من القصص الإسرائيلي غالبا، وإذا ذكر بعضه فإنه قد يفنده، كما فعل في قصة داود وسليمان، ولكن وجدت به بعض الموضوعات التي لا تدرك بالعقل، وإنما يعلمها أئمة الحديث ونقاده، وذلك مثل الحديث الطويل المروي في فضائل السور، سورة سورة، وكذلك ما روى في قصة السيدة زينب بنت جحش،
стр. 167
وحاول تبريره، وقد يذكر بعض الإسرائيليات، ولا ينفدها، مثل ما ذكره: في قصة يأجوج ومأجوج، بل ذكر هنا حديثا موضوعا على النبي صلى الله عليه وسلم١ وسأتناول ذلك بالتفصيل فيما يأتي إن شاء الله تعالى:
٣ اعتماده في بيان المعاني على لغة العرب وأساليبهم في الخطاب.
٤ عنايته الفائقة بالإبانة عن أسرار الإعجاز القرآني بطريقة فنية قائمة على الذوق الأدبي.
٥ اتباعه طريقة السؤال: "إن قلتَ "بفتح التاء"، ويقول في الجواب: "قلتُ: بضم التاء" وهي طريقة من طرق التشويق، في التعليم وترسيخ المعاني في النفس.
الانتصاف:
وقد قيض الله لهذا الكتاب من نبه إلى ما فيه من اعتزاليات، وبين ما فيه من انحراف، وميل باللفظ القرآني إلى مذهب أهل الاعتزال، وهو: الإمام أحمد بن محمد المعروف بابن المنير، عالم الإسكندرية وقاضيها، وخطيبها، فألف كتابه: "الانتصاف"٢، وهو يدل على علو كعب هذا الإمام في العلوم الشرعية، والبلاغية، وأصول الدين، وأصول الفقه، وبهذا الكتاب النفيس يمكن للقارئ لتفسير الكشاف أن يقرأه مع الأمن عليه أن يزيغ، أو يضل في متاهات الاعتزال.
تخريج أحاديث الكشاف:
وقد تنبه إلى ما في تفسير الكشاف من الروايات الضعيفة، والموضوعة، بعض المحدثين، فقام بإكمال هذا النقص خير قيام، وسد هذه الثغرة التي دخل منها على القراء ضرر كثير، فقد ألف الإمام الحافظ الفقيه: عبد الله بن يوسف الزيلعي المتوفى سنة ٧٧٢هـ رسالة في تخريج أحاديث الكشاف، وما فيه من قصص وآثار، بيَّن فيها الصحيح من الحسن من الضعيف من الموضوع، وقد لخصها الإمام الحافظ
стр. 168
الفقيه أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، المتوفى سنة ٨٥٢هـ، في رسالة سماها: "الكافِ الشافِ في تخريج أحاديث الكشاف"، وقد طبعت مع الكشاف في بعض الطبعات، فجزاهما الله خير الجزاء.
стр. 169
٢- تفسير مفاتيح الغيب:
ومؤلفه هو الإمام، النظار، المتكلم فخر الدين: محمد ابن العلامة ضياء الدين عمر الرازي١، المشتهر بخطيب الري، وهو عربي، قرشي من سلالة سيدنا أبي بكر الصديق ﵁، وكان مولده سنة ٥٤٣هـ ثلاث وأربعين وخمسمائة في مدينة الري، وكانت حينئذ العاصمة الكبرى لبلاد العراق العجمي، وقد بادت الآن، وتوجد خرائبها، وآثارها على مقربة من مدينة: "طهران" عاصمة المملكة الإيرانية.
وقد تنقل الإمام فخر الدين في البلاد الأعجمية، من الري إلى خراسان، وبخارى إلى العراق، والشام، وكان أكثر استقراره وتدريسه "بخوارزم"٢، ثم استوطن مدينة: "هراة" من البلاد الأفغانية، وكانت وفاته بها سنة ٦٠٦هـ ست وستمائة٣.
وقد كان الإمام من كبار أهل العلم بالأصلين: أصول الدين، وأصول الفقه، وكبار علماء الكلام على مذهب أهل السنة، فمن ثم ناقش -وأكثر- أهل الاعتزال وغيرهم، وكذلك كان عالما بالفلسفة، ومذاهب الفلاسفة، فمن ثم: سلك مسلك الحكماء الإلهيين، فصاغ أدلته في مباحث الإلهيات، على نمط استدلالاتهم العقلية، ولكن مع تهذيبها بما يوافق أصول أهل السنة، وتعرض لآراء الفلاسفة، في قدم العالم وغيره وشبههم، وتفنيدها، ونقضها في مواضع من كتابه.
وكذلك: سلك مسلك الحكماء الطبيعين في الكونيات، فتكلم في خلق السماوات، والأرض، وما فيها من إنسان، وحيوان، ونبات، مبينا حكمة الله في مخلوقاته، مستدلا
стр. 170
بها على وجود الله، وعلمه، وقدرته وإرادته وسائر صفاته.
وقد قصد الإمام الرازي من دراسته التفسيرية: أن يبين تفوق الحكمة القرآنية على سائر الطرق الفلسفية، وانفراد القرآن بهداية العقول البشرية، إلى غايات الحكمة، من طريق العصمة، فقد كتب في وصيته التي أملاها عند احتضاره:
"لقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيت فيها فائدة تساوي الفائدة التي وجدتها في القرآن؛ لأنه يسعى في تسليم العظيم والجلال لله، ويمنع عن التعمق في إيراد المعارضات والمناقضات وما ذاك إلا للعلم بأن العقول البشرية تتلاشى في تلك الحقائق العميقة والمناهج الخفية".
قيمة تفسيره العلمية:
إن تفسير: مفاتيح الغيب" من أجل التفاسير، وإن كان أطال في الاستدلال، ورد الشبه، إطالة كادت تغطي على كونه كتاب تفسير ولست مع ابن عطية الذي قال فيه: "فيه كل شيء إلا التفسير"؛ فإنه ﵀ مع الاستطراد إلى ذكر الأدلة والبراهين، قد وفى التفسير حقه، ولولا أن هذا ليس من غرضي في هذا الكتاب، لأقمت على هذا ألف دليل، ومن مميزات هذا التفسير الجليل: أنه يكاد يخلو من الإسرائيليات، وإذا ذكر شيئا فذلك لأجل أن يبطله، وذلك كما صنع في قصة هاروت وماروت، وقصص داود، وسليمان وغيرهما، كما تعرض بالتزييف لبعض المرويات التي تخل بعَظَمَة النبي ﷺ وأبطلها كما صنع في قصة الغرانيق، وسنعرض لإبطالها إن شاء الله.
نعم قد ذكر بعض المرويات التي تعتبر من الإسرائيليات، وذلك مثل ما روي في: "ن" وأنه الحوت الذي على ظهره الأرض، وإن كان ضعفه فيما ضعف من أقوال في هذه الآية، ولكن لم يعوَّل في التضعيف على مخالفتها للعقل، أو ضعفها من جهة النقل، أو كونها من الإسرائيليات، وإنما اعتمد على وجه أخر يرجع إلى النحو١.
стр. 171
٣- أنوار التنزيل، وأسرار التأويل:
ومؤلفه هو: الشيخ الإمام، قاضي القضاة، ناصر الدين أبو الخير عبد الله بن عمر بن محمد بن علي البيضاوي، الشافعي، أصله من "شيراز" في جنوب إيران، وبها كانت نشأته العلمية الأولى، وبها تخرج في الفقه والأصول، والمنطق، والكمة، والكلام والأدب، وبرع في الأصوليين، وضم علوم العربية والأدب إلى علوم الشريعة والحكمة، ولى قضاء شيراز مدة، وكانت وفاته بتبريز سنة خمس وثمانين وستمائة١ وقيل: سنة إحدى وتسعين وستمائة٢، ومن مؤلفاته القيمة: كتاب المنهاج وشرحه في أصول الفقه، وكتاب "الطوالع" في أصول الدين، وأنوار التنزيل، وأسرار التأويل، وهو ما نحن بصدده وغيرها.
تفسيره وقيمته العلمية:
وتفسيره جامع بين التفسير والتأويل على مقتضى القواعد اللغوية والشرعية، وهو متأثِّر في طريقته في بيان الألفاظ، والتراكيب، ونكت البلاغة- بتفسير الكشاف للزمخشري، ولكنه قرر فيه الأدلة على أصول أهل السنة، وهو في هذا متأثر بالإمام فخر الدين الرازي.
وقد صاغ الإمام البيضاوي تفسيره صياغة محكمة دقيقة، فهو لا يضع الكلمة إلا بميزان، ونحا فيه منحى الإيجاز والتركيز، فمن ثم: وضعت عليه التعاليق، والحواشي؛ لشرح دقائقه، وحل رموزه وأَجَلُّ حواشيه حاشية الشهاب الخفاجي٣، وهي ديوان علم وأدب، وفيها غاية التحقيقات، والتدقيقات فيها عرضت له من مسائل وقضايا علمية.
وقد كان تفسير البيضاوي وحواشيه -ولا يزال- مشغلة الدارسين في الجامعات الإسلامية أحقابا من الزمان، وحبب الناس فيه: خلوه من النزعات الاعتزالية التي نفرت الكثيرين من تفسير الكشاف، الذي هو كأصله.
стр. 172
والإسرائيليات في هذا التفسير قليلة جدا، ولكن مما أخذ عليه: اشتماله على بعض الروايات الموضوعة، التي لا تدلك بالعقل والنظر، وإنما يعرف حقيقتها حفاظ الحديث، ونقاده، ولا سيما في باب الفضائل١ فقد ذكر في آخر كل سورة، الحديث الطويل الموضوع في فضائل السور سورة سورة، ومن ثم نرى أن البيضاوي على جلالته وعلمه لم يسلم مما وقع فيه صاحب الكشاف قبله من ذكره هذا الحديث وغيره من الأحاديث، من غير بيان لدرجتها من الصحة، أو الحسن، أو الضعف، أو الوضع، وهو أمر وقع فيه معظم المفسرين، ممن ليسوا من أهل العلم بالحديث رواية ودراية، وقد كفاه وكفى الدارسين لهذا الكتاب الإمام المحدث الشيخ عبد الرءوف المناوي، فألف كتابا سماه: "الفتح السماوي في تخريج أحاديث البيضاوي"، وكذلك قام الإمام الشهاب الخفاجي ببيان هذه الروايات الموضوعة، والضعيفة، فلهما من الله جزيل الجزاء.
стр. 173
٤- الجامع لأحكام القرآن، والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان:
ومؤلفه هو: الإمام أبو عبد الله: محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرْح١ الأنصاري. الخزرجي الأندلسي، القرطبي، المفسر، كان من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين الورعين، الزاهدين في الدنيا المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة كانت أوقاته كلها معمورة مشغولة ما بين عبادة، وتأليف، وكانت وفاته سنة إحدى وسبعين، وستمائة، ومن مؤلفاته كتاب: "الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى"، وكتاب: "التذكار في أفضل الأذكار"، وكتاب: "شرح التقصي وغيرها"٢.
تفسيره وقيمته العلمية:
تفسير القرطبي من أجل التفاسير، وأعظمها نفعا، أسقط منه القصص والتواريخ،
стр. 174
وذكر عوضا عنها أحكام القرآن بتوسع، حتى حافَ بها على التفسير، واستنباط الأدلة وذكر القراءات والإعراب والناسخ والمنسوخ.
ومن محاسن هذا التفسير: أنه يخرج الأحاديث، ويعزوها إلى من رووها من الأئمة غالبا، كما أنه صان كتابه عن الإكثار من ذكر الإسرائيليات والأحاديث الموضوعة، كما أنه إذا ذكر بعض الإسرائيليات والموضوعات مما يخل بعصمة الملائكة، أو الأنبياء، أو يخل بالاعتقاد؛ فإنه يكر عليها بالإبطال، أو يبين أنها ضعيفة، وذلك كما فعل في قصة هاروت وماروت، وقصة داود، وسليمان وقصة الغرانيق، وقصة زواج النبي بالسيدة زينب بنت جحش، وربما ينبه أيضا على بعض الموضوعات في أسباب النزول، وذلك: مثل ما رواه القصاص، وأمثالهم، في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ الآيات١.
غير أنه قد وجد فيه بعض الإسرائيليات والموضوعات على قلة مثل ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض﴾ ٢ وعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّه﴾ ، فقد ذكر في البرهان أمورا إسرائيلية، ولا تصح، وعند تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاد﴾ ٣ إلى غير ذلك مما سأعرض لبيانه، وتزييفه، فيما يأتي إن شاء الله تعالى.
стр. 175
مدارك التنزيل وحقائق التنزيل
...
٥- مدارك التنزيل، وحقائق التأويل:
ومؤلفه هو: الإمام أبو البركات: عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي الحنفي١، المتوفى سنة إحدى وسبعمائة للهجرة.
стр. 176
كان إمامًا بارعًا في الفقه، والأصول، عالمًا بالتفسير والحديث، وإن لم يكن من حفاظه وأئمته، وله من المؤلفات كنز الدقائق في الفقه، والمنار في أصول الفقه والعمدة في أصول الدين، ومدارك التنزيل، وحقائق التأويل، وهو ما نحن بصدده، وغيرها.
قيمة تفسيره العلمية:
هو من كتب التفاسير الوسيطة، لا هو بالطويل الممل، ولا بالقصير المخل، وهو يعتبر بحق مختصرًا لتفسير الكشاف غير أنه صانه من الآراء الاعتزالية التي بثها الزمخشري في تفسيره، وحذف منه طريقة السؤال والجواب، في الإفصاح عن وجوه البلاغة، وأسرار الإعجاز، وبيان المعاني، وهي الطريقة التي عرف بها الزمخشري، وهو من التفاسير التي تعنى بالتنبيه إلى القراءات السبع المتواترة، ونسبة كل قراءة إلى قارئها.
وقد جاء الكتاب كأصله مقلًّا من ذكر الإسرائيليات، وقد يذكر بعضها وينبه على عدم صحته، وذلك كما صنع في قصة داود وسليمان والغرانيق، وقد يذكر بعض الخرافات والموضوعات، من قصص وأحاديث ولا يفطن إليها، وذلك: كما ذكر في تفسير قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيه﴾ ، فقد ذكر الرأي الباطل، وهو: إخفاء حبها في قلبه، وتفسير قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ ، فقد ذكر: أنها نزلت في على، وفاطمة، والحسن والحسين، مع أن السورة كلها مكية، وتفسير: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَاد﴾ : فقد ذكر هنا: أن المراد بها مدينة وذكر في وصفها عجائب وغرائب، وهي من خرافات بني إسرائيل وكذلك ذكر في كتابه الحديث الموضوع في فضائل القرآن سورة سورة، فلتكن على حذر من كل هذا.
стр. 177
٦- لباب التأويل في معاني التنزيل:
ومؤلفه هو: علاء الدين أبو الحسن على بن محمد إبراهيم، الشيحي١ البغدادي، الشافعي الصوفي، المشهور بالخازن؛ وذلك لأنه كان خازن كتب خانقاه٢
стр. 178
السميساطية، بدمشق، ولد ببغداد سنة ثمانٍ وسبعين وستمائة، قال ابن قاضي شهبة: وكان من أهل العلم، جمع، وألَّف وحدث ببعض مصنفاته. وكان صوفيا، حسن السمت، بشوش الوجه، متوددًا للناس، ومن مؤلفاته: شرح عمدة الأحكام، ومقبول المنقول في عشر مجلدات، جمع فيه بين مسندي الشافعي، وأحمد بن حنبل، والكتب الستة، والموطأ وسنن الدارقطني، ورتبة على الأبواب، وهذا يدل على أنه كانت له مشاركته في العناية بالحديث وإن لم يكن من حفاظه، ونقاده، و "لباب التأويل، في معاني التنزيل" وهو ما نحن بصدده.
منهجه في تفسيره وقيمته العلمية:
وقد صدر كتابه هذا بمقدمة مفيدة في فضل القرآن وتلاوته، ووعيد من تكلم في تفسير بغير علم، وجمع القرآن وترتيبه ونزوله على سبعة أحرف، ومعنى التفسير والتأويل، وقد جمع كتابه هذا من تفسير البغوي، وغيره من التفاسير التي تقدمته، وليس له فيه كما يقول في ديباجته سوى النقل، والانتخاب، مع حذف الأسانيد وتجنب التطويل.
ومن حسنات هذا الكتاب: عناية صاحبه بتخريج الأحاديث: أي بيان من رواها من الأئمة في كتابه، مشيرا إلى صاحب الكتاب بالحرف تارة، وذاكرا الاسم تارة، وما لم يكن في الكتب المشهورة ورواه البغوي؛ عزاه إليه، وما أخذه البغوي عن الثعلبي بينه.
وقد امتلأ هذا التفسير كأصليه: تفسير البغوي، وتفسير الثعلبي بالقصص، والأخبار، والإسرائيليات الباطلة، ولا سيما في قصص الأنبياء، وأخبار الأمم الماضية، والفتن، والملاحم، ومن الحق أن نقول هنا: إن الخازن قد يكر على بعض الإسرائيليات والموضوعات ولا سيما ما يتعلق منها بالطعن في عصمة، وما يخل بالعقيدة الصحيحة بالإبطال والإطناب في ذلك: كما فعل في قصة الغرانيق، وقصة هاروت وماروت، وداود، وسليمان ونحوها.
كما أنه قد يذكر الكثير من الإسرائيليات المشتملة على العجائب والغرائب، والتي لا يشهد لها نقل صحيح، ولا عقل سليم، ولا يعقب بتضعيف أو إبطال، وسأنبه عليها إن شاء الله تعالى.
стр. 179
٧- البحر المحيط لأبي حيان:
ومؤلفه هو: الإمام أثير الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الأندلسي، الغرناطي، الجياني، الشهير بأبي حيان، ولد سنة أربع وخمسين وستمائة من الهجرة، وتوفي سنة أربع وخمسين وسبعمائة.
كان ﵀ ملمًّا بالقراءات؛ متواترها، وصحيحها، وشاذها، كما كان على جانب كبير من العلم باللغة وآدابها، والعلم بالنحو والصرف حتى صار إماما فيهما، وذا رأي معتبر في مسائلهما، ولذلك غلب عليه في تفسيره: الإكثار من النحو، والصرف، واللغة؛ كما أسلفت وله مؤلفات منها: غريب القرآن في مجلد، وشرح التسهيل وهو كتاب جليل، وكتاب "البحر المحيط" في التفسير، وهو ما نحن بصدده الآن، وقد عكف على تأليفه لما نصب مدرسا للتفسير في قبة السلطان الملك المنصور، وفي دولة ولده: الملك الناصر. وكان ذلك في أواخر سنة عشر وسبعمائة، وقد خطا سنه نحو السابعة والخمسين من عمره المبارك١.
منهجه في تفسيره وقيمته العلمية:
وقد اعتمد أبو حيان في تفسيره على تفاسير من تقدمه، ولا سيما تفسير الإمامين الجليلين: أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري، وأبي محمد عبد الحق المعروف بابن عطية، وعلى ثقافته اللغوية، والنحوية، والصرفية، والأدبية، التي يظهر أثرها واضحا في كتابه، وهو من كتب التفسير بالرأي والاجتهاد الممدوح.
وكتاب التفسير لأبي حيان لم يخلُ كغيره من كتب التفسير من ذكر الروايات المأثورة عن النبي ﷺ ، وعن الصحابة، والتابعين.
وهو: من التفاسير التي يقل فيها ذكر الإسرائيليات، والموضوعات وقد عني بالتنبيه إلى الكثير منها، وبيان عدم صحتها، وتحذير القارئ من الاغترار بها، وكثيرا ما يضرب عن ذكرها، مشيرا إلى بطلانها، وقد يوجزها، ثم يكر عليها بالإبطال والتزييف،
стр. 180
ولا سيما فيما يدرك بطلانه وكذبه بالعقل والنظر، لا بنقد الأسانيد، والتعديل، والتجريح؛ لأنه لم يكن من أئمة الحديث، ونقاده المميزين بين صحيحه وضعيفه.
وذلك مثل ما فعل في تزييف قصة هاروت وماروت١، وما روي في قصة يوسف ﵇ وهَمِّهِ والبرهانِ الذي رآه٢، وقصة داود ﵇ وزوجة أوريا٣، وقصة سليمان عليه السلام٤، وما روي في سبب فتنة أيوب، على ما ذكره الزمخشري٥، وإن كان وافق على بلائه، على ما روي، وذكر في ذلك حديثا عن النبي، وأنه تساقط لحمه.
ولم يسلم تفسير أبي حيان من الإسرائيليات، والروايات الموضوعة المكذوبة على النبي ﷺ أو على الصحابة، وذلك مثل ما ذكره في حجر موسى، وعلى أي هيئة كان، وما ذكره من الحديث المكذوب على النبي ﷺ في أسماء الكواكب الاثني عشر التي رآها يوسف ﵇، وكذا وقع فيما وقع فيه الزمخشري وغيره: في ذكر الروايات الباطلة في قصة إرم ذات العماد٦. مهما يكن من شيء فتفسير أبي حبان من التفاسير المتحفظة، والمقلة في ذكر الإسرائيليات والموضوعات، فرحمه الله، وأثابه.