← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8671

الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير

محمد أبو شهبة

Полный текст (439 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

كان إمامًا بارعًا في الفقه، والأصول، عالمًا بالتفسير والحديث، وإن لم يكن من حفاظه وأئمته، وله من المؤلفات كنز الدقائق في الفقه، والمنار في أصول الفقه والعمدة في أصول الدين، ومدارك التنزيل، وحقائق التأويل، وهو ما نحن بصدده، وغيرها. قيمة تفسيره العلمية: هو من كتب التفاسير الوسيطة، لا هو بالطويل الممل، ولا بالقصير المخل، وهو يعتبر بحق مختصرًا لتفسير الكشاف غير أنه صانه من الآراء الاعتزالية التي بثها الزمخشري في تفسيره، وحذف منه طريقة السؤال والجواب، في الإفصاح عن وجوه البلاغة، وأسرار الإعجاز، وبيان المعاني، وهي الطريقة التي عرف بها الزمخشري، وهو من التفاسير التي تعنى بالتنبيه إلى القراءات السبع المتواترة، ونسبة كل قراءة إلى قارئها. وقد جاء الكتاب كأصله مقلًّا من ذكر الإسرائيليات، وقد يذكر بعضها وينبه على عدم صحته، وذلك كما صنع في قصة داود وسليمان والغرانيق، وقد يذكر بعض الخرافات والموضوعات، من قصص وأحاديث ولا يفطن إليها، وذلك: كما ذكر في تفسير قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيه﴾ ، فقد ذكر الرأي الباطل، وهو: إخفاء حبها في قلبه، وتفسير قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ ، فقد ذكر: أنها نزلت في على، وفاطمة، والحسن والحسين، مع أن السورة كلها مكية، وتفسير: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَاد﴾ : فقد ذكر هنا: أن المراد بها مدينة وذكر في وصفها عجائب وغرائب، وهي من خرافات بني إسرائيل وكذلك ذكر في كتابه الحديث الموضوع في فضائل القرآن سورة سورة، فلتكن على حذر من كل هذا.

стр. 177

٦- لباب التأويل في معاني التنزيل: ومؤلفه هو: علاء الدين أبو الحسن على بن محمد إبراهيم، الشيحي١ البغدادي، الشافعي الصوفي، المشهور بالخازن؛ وذلك لأنه كان خازن كتب خانقاه٢

стр. 178

السميساطية، بدمشق، ولد ببغداد سنة ثمانٍ وسبعين وستمائة، قال ابن قاضي شهبة: وكان من أهل العلم، جمع، وألَّف وحدث ببعض مصنفاته. وكان صوفيا، حسن السمت، بشوش الوجه، متوددًا للناس، ومن مؤلفاته: شرح عمدة الأحكام، ومقبول المنقول في عشر مجلدات، جمع فيه بين مسندي الشافعي، وأحمد بن حنبل، والكتب الستة، والموطأ وسنن الدارقطني، ورتبة على الأبواب، وهذا يدل على أنه كانت له مشاركته في العناية بالحديث وإن لم يكن من حفاظه، ونقاده، و "لباب التأويل، في معاني التنزيل" وهو ما نحن بصدده. منهجه في تفسيره وقيمته العلمية: وقد صدر كتابه هذا بمقدمة مفيدة في فضل القرآن وتلاوته، ووعيد من تكلم في تفسير بغير علم، وجمع القرآن وترتيبه ونزوله على سبعة أحرف، ومعنى التفسير والتأويل، وقد جمع كتابه هذا من تفسير البغوي، وغيره من التفاسير التي تقدمته، وليس له فيه كما يقول في ديباجته سوى النقل، والانتخاب، مع حذف الأسانيد وتجنب التطويل. ومن حسنات هذا الكتاب: عناية صاحبه بتخريج الأحاديث: أي بيان من رواها من الأئمة في كتابه، مشيرا إلى صاحب الكتاب بالحرف تارة، وذاكرا الاسم تارة، وما لم يكن في الكتب المشهورة ورواه البغوي؛ عزاه إليه، وما أخذه البغوي عن الثعلبي بينه. وقد امتلأ هذا التفسير كأصليه: تفسير البغوي، وتفسير الثعلبي بالقصص، والأخبار، والإسرائيليات الباطلة، ولا سيما في قصص الأنبياء، وأخبار الأمم الماضية، والفتن، والملاحم، ومن الحق أن نقول هنا: إن الخازن قد يكر على بعض الإسرائيليات والموضوعات ولا سيما ما يتعلق منها بالطعن في عصمة، وما يخل بالعقيدة الصحيحة بالإبطال والإطناب في ذلك: كما فعل في قصة الغرانيق، وقصة هاروت وماروت، وداود، وسليمان ونحوها. كما أنه قد يذكر الكثير من الإسرائيليات المشتملة على العجائب والغرائب، والتي لا يشهد لها نقل صحيح، ولا عقل سليم، ولا يعقب بتضعيف أو إبطال، وسأنبه عليها إن شاء الله تعالى.

стр. 179

٧- البحر المحيط لأبي حيان: ومؤلفه هو: الإمام أثير الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الأندلسي، الغرناطي، الجياني، الشهير بأبي حيان، ولد سنة أربع وخمسين وستمائة من الهجرة، وتوفي سنة أربع وخمسين وسبعمائة. كان ﵀ ملمًّا بالقراءات؛ متواترها، وصحيحها، وشاذها، كما كان على جانب كبير من العلم باللغة وآدابها، والعلم بالنحو والصرف حتى صار إماما فيهما، وذا رأي معتبر في مسائلهما، ولذلك غلب عليه في تفسيره: الإكثار من النحو، والصرف، واللغة؛ كما أسلفت وله مؤلفات منها: غريب القرآن في مجلد، وشرح التسهيل وهو كتاب جليل، وكتاب "البحر المحيط" في التفسير، وهو ما نحن بصدده الآن، وقد عكف على تأليفه لما نصب مدرسا للتفسير في قبة السلطان الملك المنصور، وفي دولة ولده: الملك الناصر. وكان ذلك في أواخر سنة عشر وسبعمائة، وقد خطا سنه نحو السابعة والخمسين من عمره المبارك١. منهجه في تفسيره وقيمته العلمية: وقد اعتمد أبو حيان في تفسيره على تفاسير من تقدمه، ولا سيما تفسير الإمامين الجليلين: أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري، وأبي محمد عبد الحق المعروف بابن عطية، وعلى ثقافته اللغوية، والنحوية، والصرفية، والأدبية، التي يظهر أثرها واضحا في كتابه، وهو من كتب التفسير بالرأي والاجتهاد الممدوح. وكتاب التفسير لأبي حيان لم يخلُ كغيره من كتب التفسير من ذكر الروايات المأثورة عن النبي ﷺ ، وعن الصحابة، والتابعين. وهو: من التفاسير التي يقل فيها ذكر الإسرائيليات، والموضوعات وقد عني بالتنبيه إلى الكثير منها، وبيان عدم صحتها، وتحذير القارئ من الاغترار بها، وكثيرا ما يضرب عن ذكرها، مشيرا إلى بطلانها، وقد يوجزها، ثم يكر عليها بالإبطال والتزييف،

стр. 180

ولا سيما فيما يدرك بطلانه وكذبه بالعقل والنظر، لا بنقد الأسانيد، والتعديل، والتجريح؛ لأنه لم يكن من أئمة الحديث، ونقاده المميزين بين صحيحه وضعيفه. وذلك مثل ما فعل في تزييف قصة هاروت وماروت١، وما روي في قصة يوسف ﵇ وهَمِّهِ والبرهانِ الذي رآه٢، وقصة داود ﵇ وزوجة أوريا٣، وقصة سليمان عليه السلام٤، وما روي في سبب فتنة أيوب، على ما ذكره الزمخشري٥، وإن كان وافق على بلائه، على ما روي، وذكر في ذلك حديثا عن النبي، وأنه تساقط لحمه. ولم يسلم تفسير أبي حيان من الإسرائيليات، والروايات الموضوعة المكذوبة على النبي ﷺ أو على الصحابة، وذلك مثل ما ذكره في حجر موسى، وعلى أي هيئة كان، وما ذكره من الحديث المكذوب على النبي ﷺ في أسماء الكواكب الاثني عشر التي رآها يوسف ﵇، وكذا وقع فيما وقع فيه الزمخشري وغيره: في ذكر الروايات الباطلة في قصة إرم ذات العماد٦. مهما يكن من شيء فتفسير أبي حبان من التفاسير المتحفظة، والمقلة في ذكر الإسرائيليات والموضوعات، فرحمه الله، وأثابه.

стр. 181

٨- السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير: ومؤلفه هو: الشيخ العلامة: شمس الدين محمد بن محمد الشربيني الشافعي، الخطيب، نشأ بالقاهرة، وعلى شيوخ عصره أخذ، ولما رأوه أهلا للفتوى، والتدريس أجازوه بهما، فدرس، وأفتى، وانتفع به خلق كثير.

стр. 182

وقد كان ﵀ على جانب من الصلاح، والورع، والزهد، وكثرة العبادة، وكان يعتكف طوال شهر رمضان من كل عام، توفي عصر يوم الخميس الثاني من شعبان سنة ٩٧٧، سبع وسبعين وتسعمائة هجرية. ومن مؤلفاته: شرح كتاب المنهاج، وشرح كتابه التنبيه، و"السراج المنير" في التفسير، وهو ما نحن بصدده الآن. منهجه في تفسيره وقيمته العلمية: وهو تفسير وسط بين الإطناب والإيجاز، اقتصر فيه على أصح الأقوال غالبا، ولم يذكر من الأعاريب إلا ما كانت الحاجة ماسة إليه، اعتمد فيه صاحبه على تفاسير من سبقه كالزمخشري والبيضاوي، والبغوي، والرازي وغيرهم، وقد ينقل فيه بعض تفسيرات مأثورة عن السلف، كما التزم فيه أن لا يذكر من الأحاديث إلا صحيحها، وحسنها، دون ذكر الضعيف والموضوع، ولذلك يتعقب الزمخشري، والبيضاوي في ذكرهما للحديث الموضوع الطويل في فضائل السور سورة، سورة، كما ينبه على الأحاديث الضعيفة إن روى شيئا منها في تفسيره١. ولم يخلُ تفسير الخطيب من ذكر بعض القصص الإسرائيلي، منها ما يمر عليها مرورا مع غرابتها، من غير تعقيب لها بتصحيح، أو تضعيف، أو بيان منشئها، ومن أين جاءت، وغالب ذلك فيما يحتمل الصدق والكذب من أخبار بني إسرائيل، وليس فيه طعن في عصمة الأنبياء ومنها ما يذكره، ثم يتعقبه بما يدل على ضعفه، أو بطلانه، وهو يصنع ذلك في القصص الإسرائيلي الذي فيه ما يخل بعصمة الأنبياء، وذلك: مثل ما فعل في قصة سيدنا داود، على ما يرويها القصاص.

стр. 183

٩- إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم: ومؤلفه هو: الإمام القاضي المفتي أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى العمادي الحنفي، ولد سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة، بقرية قريبة من القسطنطينية، ونشأ في

стр. 184

بيت عرف بالعلم، والفضل، والدين، تتلمذ على والده، وغيره من العلماء، وعلَّ من معينه بعد نَهْلٍ، حتى صار علما من أعلام العلم، تولى التدريس مدة، ثم ولى القضاء، وصار يتنقل فيه من بلد إلى بلد، حتى انتهى به الأمر إلى الإفتاء، وكان أبو السعود عالما، أديبا، متمكنا من اللغات الثلاث العربية، والفارسية، والتركية، وقد مكنت له معرفته بهذه اللغات الاطلاع على الكثير من الكتب التي أُلِّفَتْ بها، فاكتسب علمًا غزيرًا، ولم يدع له التدريس، وولاية القضاء، والتنقل بين البلاد مجالا للتأليف، فلم يترك لنا إلا تفسيره هذا، وبعض حواشٍ أخرى على تفسير الكشاف، وعلى شرح العناية على الهداية، وهي ناقصة، وبعد هذه الحياة العلمية الحافلة توفي بالقسطنطينية في أوائل جمادي الأولى سنة اثنتين وثمانين، وتسعمائة من الهجرة، ودفن بجوار الصحابي الجليل: أبي أيوب الأنصاري، فرضي الله عنه، وأرضاه. منهجه في تفسيره وقيمته العلمية: اشتغل العلامة أبو السعود في حياته بتدريس الكتابين المشهورين: الكشاف، وتفسير البيضاوي، حتى في الأوقات التي كان يخرج فيها مع السطان سليمان القانون غازيا، كان يشتغل بالتدريس لطلبته الذين كانوا لا يفارقونه، وقد كانت نفسه تتوق إلى تفسير جامع بين تفسير الكشاف، وتفسير البيضاوي، وأن يضيف إليهما ما اكتسبه من غيرهما من الكتب، ومن الفهوم التي فتح الله بها عليه في تفسير القرآن حتى حقق الله هذه الأمنية في آخر حياته، فكان ثمرة ذلك هذا التفسير العظيم الذي اشتهر بشهرة صاحبه، وعكف أهل العلم من يومها على دراسته، وسماه: "إرشاد العقل السليم، إلى مزايا القرآن الكريم"١، ولكنه خلصه من اعتزاليات الزمخشري، ونهج فيه منهج أهل السنة. ومن أهم مميزات هذا التفسير: أنه خال من الاستطرادات والتوسع في ذكر الأحكام الفقهية والنحوية، ويكاد يكون خالصا للتفسير، وقد عني فيه عناية بالغة بإبراز وجوه البلاغة وأسرار الإعجاز في القرآن الكريم، ولا سيما في باب الفصل والوصل، ووجوه المناسبات بين الآيات، ولما كان أبو السعود ليس عربي المربى، وتغلب عليه الناحية العقلية، فقد جاءت عباراته وأساليبه في تفسيره فيها شيء كثير من العمق والدقة اللذين

стр. 185

يبدُوَانِ في نظر القارئين له لونا من ألوان التعقيد والغموض والإغراب، وقد يذكر المبتدأ، أو الشرط ولا يذكر الخبر، أو جواب الشرط إلا بعد بضعة أسطر، ومن مميزاته خلوه غالبا من القصص الإسرائيلي، وإذا ذكر شيئا منه فإنه يذكره مضعفا له، أو منكرا أو مبطلا، ومبينا منشأه، وذلك مثل ما صنع في قصة هاروت، وماروت، قال: "وأما ما يحكى من أن الملائكة ﵈ لما رأوا ما يصعد من ذنوب بني آدم عيروهم..... فمما١ لا تعويل عليه؛ لما أن مداره رواية اليهود، مع ما فيه من المخالفة لأدلة العقل والنقل٢" وقصة يوسف ﵇، في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّه﴾ : فقد ذكر ما روى من الإسرائيليات في رؤيته برهان ربه، ثم قال: "إن كل ذلك إلا خرافات، وأباطيل تمجها الآذان، وتردها العقول، والأذهان، ويل لمن لاكها ولفقها، أو سمعها وصدقها"٣. نعم: قد ذكر بعض الإسرائيليات التي لا تخل بعصمة الأنبياء، ولكن فيها غرابة وبُعد، ولم يعقب عليها، وذلك مثل ما ذكره في الحجر الذي ضربه سيدنا موسى بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشر عينا، وما ذكره في صفة يأجوج ومأجوج، وأن طول الواحد منهم ستمائة ذراع، وصفة إرم ذات العماد، مما هو من خرافات بني إسرائيل ومما يؤخذ عليه، ذكره متابعا للزمخشري والبيضاوي الأحاديث المروية في فضائل القرآن سورة سورة، وهي موضوعة باتفاق أهل العلم بالحديث، ومثل الحديث الذي ذكره في فضل سورة الفاتحة، حيث قال: وعن حذيفة بن اليمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتما مقضيا، فيقرأ صبي من صبيانهم في "الكتاب" ٤!!: الحمد لله رب العالمين، فيسمعه الله، فيرفع عنهم العذاب أربعين سنة"، وما ذكره متابعا للزمخشري وغيره في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ، وسأعرض لهذا ولغيره عند التفصيل. إن شاء الله تعالى.

стр. 186

١٠- روح المعاني في تفسير القرآن، والسبع المثاني: ومؤلفه هو: خاتمة المحققين، وعمدة المدققين، وإمام المفسرين، أبو الثناء شهاب الدين السيد الإمام محمود بن عبد الله الآلوسي١ البغدادي، الحنفي٢، مفتي بغداد، وعالمها في القرن الثالث عشر الهجري. وُلِدَ سنة سبع عشرة ومائتين بعد الألف من الهجرة، في جانب الكرخ من بغداد. نبغ في العلوم من صغره، وأخذ عن كثير من فحول علماء عصره منهم والده، والشيخ خالد النقشبندي، واشتغل بالتدريس، والتأليف وهو ابن ثلاث عشرة، وقد تتلمذ عليه كثيرون، وتخرج على يديه بعض العلماء الفضلاء من بلاد مختلفة، ولما ولي الإفتاء شرع يدرس كل العلوم في داره، بجوار جامع الشيخ عبد الله العاقولي بالرصافة، وقد ساعده على ذلك: نبوغه في علوم شتى، وجمع إلى العلم النقلي والعقلي الأدبَ وفنونَه، فمن ثم عرف بجزالة التعبير، وسلاسة الأسلوب، وحسن التصرف في القول، وبروحه اللطيفة الفكهة، ومن تعبيراته اللطيفة التي لا تخلو من الفكاهة تسميته للحروف الزائدة بأنها: "سيف خطيب"، وعن النكات البلاغية بأنها: "كالوردة، إن دعكتها أزلت ما فيها من رائحة وجمال". ولم يترك لنا من المؤلفات كثيرًا، على ما كان يمتاز به من التبحر في كل علم، وفن، وسعة الإطلاع، وإجادة الاختيار والاختصار ومن مؤلفاته: شرح السلم في المنطق، وقد فقد، "والأجوبة العراقية عن الأسئلة الاهورية"، و"الأجوبة العراقية على الأسئلة الإيرانية" و"درة الغواص في أوهام الخواص"، و"النفحات القدسية في المباحث الإمامية"، و"الفوائد السنية في علم آداب البحث"، وبحسبه "روح المعاني"، الذي اشتمل على مباحث: بعضها يصل إلى رسالة صغيرة، وكانت وفاته بعد هذه الحياة.

стр. 187

العلمية المباركة: عام سبعين ومائتين وألف١ بعد الهجرة، فرضي الله عنه وأرضاه. منهجه في تفسيره وقيمته العلمية: وتفسير "روح المعاني" خير تفسير، وأجمعه، وأوفاه، وقد جمع فيه خلاصة كل كتب التفسير قبله وحواشيها، ولا سيما حاشية: تفسير الكشاف، وحاشية الشهاب الخفاجي على تفسير البيضاوي، وقد حل بعض رموزها، وعباراتها الخفية التي استعصى فهم المراد منها على العلماء، وله استدراكات قيمة، وتعقبات دقيقة لمن سبقه من العلماء. وكثيرًا ما يدلي برأيه بين الآراء، فهو ليس مجرد ناقل، بل له شخصيته العلمية البارزة، وأفكاره النيرة، وليس في تفسيره ما يؤاخذ عليه إلا كثرة الاستطرادات، والتوسع فيما يستطرد إليه، حتى يكاد يغرق القارئ لكتابه في بحر هذه الاستدراكات، ولو أن أحدا نزع ما استطرد إليه من كتابه، لجاءت في رسائل كثيرة، وكذلك ذكره للتفسير الإشاري، فليس ثمة ما يدعو إليه؛ ولعله فعل ذلك لنزعة تصوُّفية، وليجيء كتابه جامعا لكل الألوان التفسيرية، ومرضيا لجميع الأذواق. ولما كان الإمام الآلوسي من المتأخرين، وكانت له مشاكرة علمية في كثير من العلوم، وسعة اطلاع على كلام من سبقوه، ولا سيما علماء الحديث، وأئمته العارفين بمتونه وأسانيده، فمن ثم لم يقع فيما وقع فيه بعض المفسرين السابقين له من ذكر الأحاديث الموضوعة في الفضائل وغيرها، وكذلك خلا تفسيره من الاغترار بالإسرائيليات، وهو إنما ذكرها لينبه إلى اختلاقها، وبطلانها وتحذير المسلمين ولا سيما طلبة العلم وأهله من التصديق بها أو أن لها أصلا في الإسلام، ولم أعلم أحدا من المفسرين، بعد العلامة الحافظ ابن كثير في تفسيره، حارب الإسرائيليات، والموضوعات، مثل ما فعل الإمام الآلوسي في تفسيره، فقد أفاض في رد هذه الإسرائيليات والمختلفات، كما صنع في قصة اسماعيل، وإسحاق، وأيهما الذبيح؟ وبيان أن كونه إسحاق رأي باطل تدسس إلى الرواية الإسلامية وفي قصة يوسف وداود وسليمان وأيوب ونحوها الغرانيق......... وقد

стр. 188

مكث هذا الإمام في تأليف كتابه خمس عشرة سنة١؛ بحث ونقب، وقرأ، واختصر، وسهر فيه الليالي الطوال، وكان كثيرا ما ينشد، وحق له ذلك: سهري لتنقيح العلوم ألذَّ لي ... من وصل غانية وطيب عناق وتمايلي طربا لحل عويصة ... أشهى وأحسن من مدام الساقي وألذ من نقر الفتاة لدفها ... نقري لدفع الرمل عن أوراقي٢

стр. 189

و الخلاصة: أن كتب التفسير ما عدا القليل منها سواء منها ما كان بالمأثور صرفا، أو غلب عليه المأثور أو كان بالرأي والاجتهاد، لم تخل غالبا من الإسرائيليات الباطلة، والأحاديث الموضوعة، والواهية. وبحسبنا ما قدمته من ذكر أشهر كتب التفسير أيا كان لونه، والتعريف بكل تفسير، ولا سيما من الجهة التي ألفت لأجلها كتابي هذا، لأن هذا الكتاب ليس دراسة موضوعية لكتب التفسير، وإلا لتناولت كل تفسير من جوانبه المتعددة. ولا يضير القارئ: أني لم أذكر كل كتب التفسير: مخطوطها، ومطبوعها؛ لأن منهجي كما أسلفت: التنبيه إلى الإسرائيليات، والموضوعات، وبيان من ذكرها في تفسيره في حدود ما استطعت، واطلعت عليه، فإذا وجدها القارئ في أي كتاب في التفسير، بل وفي غيره ككتب الوعظ والأخلاق، والتاريخ، والقصص، والأدب..... فلا يغتَرَّ بها، وليحذر من اعتقاد ما فيها، أو إذاعته ونشره، وبذلك تكون الفائدة بهذا الكتاب أعم، وأشمل إن شاء الله تعالى.

стр. 190

نقد التفسير بالمأثور إجمالا: ذكرت فيما سبق: نقد بعض العلماء الأئمة المحدثين للتفسير بالمأثور إجمالا. فمن ذلك: قول الإمام أحمد: "ثلاثة ليس لها أصل: التفسير، والملاحم، والمغازي". ١- ابتدأ تأليفه في رجب سنة ١٢٥٢هـ، وفرغ منه في ربيع الآخر سنة ١٢٦٧هـ أي قبل وفاته بنحو ثلاث سنين. ٢ كان من عادة السابقين، وقد أدركناهم أنهم يجففون كتاباتهم بوضع التراب عليها.

стр. 191

وقد حملها المحققون من أصحاب الإمام: على أن مراده أن الغالب أنه ليس لها أسانيد صحيحة متصلة، وقيل: لأنها يغلب عليها المراسيل، وقال الخطيب البغدادي: هذا محمول على كتب مخصوصة في هذه المعاني الثلاثة، فأشهرها كتابان للكلبي، ومقاتل ابن سليمان، وقد قال الإمام أحمد في تفسير الكلبي: إنه من أوله إلى آخره كذب، لا يحل النظر فيه. وكذلك: روي عن الإمام الشافعي أنه قال: "لم يثبت١ عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث"، ومهما كان فيه من مبالغة: فهي تدل على كثرة ما وضع على ابن عباس.

стр. 192

نقد الطرق والرواة تفصيلا الطرق عن ابن عباس ... نقد الطرق والرواة تفصيلا: وكذلك نقد العلماء المحدثون النقاد الرواة الذين رووا التفسير بالمأثور، والطرق التي رويت بها هذه التفاسير تفصيلا، وتنصيصًا. وسأذكر جميع ما ذكروه في هذا، ليتبين لنا أنهم ﵃ قاموا بما يجب عليهم من البيان خير قيام، وإنما الناس هم الذين فرطوا في الوقوف على كلامهم، والسير على منهجهم، حتى يتبين الصحيح من الضعيف، والحق من الباطل، والجيد من الرديء. ١- الطرق عن ابن عباس: طريق على بن أبي طلحة عن ابن عباس: من جيد الطرق والأسانيد عن ابن عباس: طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي عنه، قال الإمام الجليل أحمد بن حنبل: بمصر صحيفة في التفسير، رواها علي بن أبي

стр. 193

طلحة، لو رحل رجل إلى مصر قاصدا ما كان كثيرا، أسنده أبو جعفر النحاس في "ناسخه". وقال الخليلي في الإرشاد: تفسير معاوية بن صالح قاضي الأندلس، عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، رواه الكبار عن أبي صالح، عن معاوية. وأجمع الحفاظ على أن علي بن أبي طلحة لم يسمعه من ابن عباس. طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: وقال أيضا: وهذه التفاسير الطوال، التي أسندوها إلى ابن عباس غير مرضية، ورواتها مجاهيل، كتفسير جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس. الطرق عن ابن جريج ١: قال الخليلي أيضا: وعن ابن جريج٢ في التفسير: جماعة رووا عنه، وأطولها ما يرويه بكر بن سهل الدمياطي، عن عبد الغني بن سعيد، عن موسى بن محمد، عن ابن جريج، وفيه نظر. وروى محمد بن ثور عن ابن جريج نحو ثلاثة أجزاء كبار، وتلك صحيحة. وروى الحجاج بن محمد، عن ابن جريج، نحو جزء، وذلك صحيح، متفق عليه. طريق شبل بن عباد المكي: وتفسير شبل بن عباد المكي، عن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قريب إلى الصحة.

стр. 194

تفسير عطاء بن دينار، وأبي روق: وتفسير عطاء بن دينار يكتب، ويحتج به، وتفسير أبي روق نحو جزء صححوه. تفسير إسماعيل السدي: قال: وتفسير إسماعيل السدي يورده بأسانيد إلى ابن مسعود، وابن عباس. وروى عن السدي: الأئمة مثل: الثوري، وشعبة، لكن التفسير الذي جمعه رواه أسباط بن نصر، وأسباط لم يتفقوا عليه، غير أن أمثل التفاسير: تفسير السدي. فأما ابن جرير؛ فإنه لم يقصد الصحة، وإنما روى في كل آية من الصحيح والسقيم. تفسير مقاتل بن سليمان: قال: وأما تفسير مقاتل بن سليمان: فمقاتل في نفسه ضعفوه، وقد أدرك الكبار من التابعين، والشافعي أشار إلى أن تفسيره صالح١، يعني: للاحتجاج به. مقالة الإمام الحافظ ابن حجر: وللإمام الحافظ ابن حجر كلام طويل في هذه المرويات عن الصحابة والتابعين، ونقد الطرق التي رويت بها، ذكره في أوله كتابه: أسباب النزول الذي سماه: "العجب العجاب، في بيان الأسباب". قال ﵀ وأجزل ثوابه: "والتابعون من أصحاب ابن عباس ﵄ والطرق عنهم والذين اشتهر عنهم القول في ذلك من التابعين أصحاب ابن عباس ﵄ وفيهم ثقات، وضعفاء". روايات الثقات عن ابن عباس: فمن الثقات: مجاهد، وابن جبير، ويروى التفسير عنه من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، والطريق إلى ابن أبي نجيح قوية.

стр. 195

ومنهم: عكرمة، ويروى التفسير عنه من طريق: الحسن بن واقد النحوي عنه، ومن طريق: محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد؛ مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير هكذا بالشك ولا يضر؛ لكونه عن ثقة. ومن طريق معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وعلي صدوق، ولم يلقَ ابن عباس، لكنه إنما حمل عن ثقات أصحابه، فلذلك كان البخاري، وأبو حاتم، وغيرهما يعتمدون على هذه النسخة. ومن طريق ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، لكن فيما يتعلق بالبقرة، وآل عمران، وما عدا ذلك هو الخراساني، وهو لم يسمع من ابن عباس، فيكون منقطعا، إلا إن صرح ابن جريج بأنه عطاء بن أبي رباح١. روايات الضعفاء عن ابن عباس، وطرقها: محمد بن السائب الكلبي "متهم بالكذب": ومن روايات الضعفاء عن ابن عباس ﵄ التفسير المنسوب لأبي النصر محمد بن السائب الكلبي؛ فإنه يرويه عن أبي صالح وهو مولى أم هانئ عن ابن عباس، والكلبي متهم بالكذب، وقد مرض فقال لأصحابه في مرضه: كل شيء حدثتكم عن أبي صالح كذب. السدي الصغير "كذاب": قال: ومع ضعف الكلبي فقد روى عنه تفسيره مثله، أو أشد ضعفا محمد بن مروان السدي الصغير، وروى عن محمد بن مروان مثله، أو أشد ضعفا، وهو صالح بن محمد الترمذي.

стр. 196

من روى التفسير عن الكلبي من الثقات والضعفاء حفظا: وممن روى التفسير عن الكلبي من الثقات، سفيان الثوري، ومحمد بن فضيل بن غزوان، ومن الضعفاء من قبل الحفظ حبله بكسر الحاء المهملة، وتثقيل الموحدة، وهو على العنزي بفتح المهملة، والنون بعدها زاي منقوطة. ومنهم١ جويبر بن سعيد وهو واه: روى التفسير عن الضحاك بن مزاحم وهو صدوق عن ابن عباس وهو لم يسمع منه شيئا. من روى التفسير عن الضحاك: وممن روى التفسير عن الضحاك: علي بن الحكم وهو ثقة، وعلي بن سلمان وهو صدوق وأبو روق عطية بن الحارث، وهو لا بأس به. عثمان بن عطاء الخراساني: ومنهم: عثمان بن عطاء الخراساني، يروي التفسير عن أبيه، عن ابن عباس، ولم يسمع أبوه من ابن عباس: إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير: ومنهم: إسماعيل بن عبد الرحمن السدي٢ بضم السين المهملة وتشديد الدال وهو كوفي صدوق، لكن جمع التفسير من طرق منها: - عن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة بن شراحيل عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة ﵃ وغيرهم وخلط روايات الجميع، فلم تتميز روايات الثقة من الضعيف، ولم يلقَ السدي من الصحابة إلا أنس بن مالك، وربما التبس بالسدي الصغير الذي تقدم ذكره.

стр. 197

طريق إبراهيم بن الحكم: ومنهم: إبراهيم بن الحكم بن أبان العدني، وهو ضعيف، يروي التفسير عن أبيه، عن عكرمة؛ وإنما ضعفوه لأنه وصل كثيرا من الأحاديث بذكر ابن عباس، وقد روى عنه تفسيره عبد بن حميد. طريق اسماعيل بن أبي زياد: ومنهم: إسماعيل بن أبي زياد الشامي وهو ضعيف جمع كثيرا؛ فيه الصحيح والسقيم، وهو في عصر أتباع التابعين. طريق عطاء بن دينار: ومنهم: عطاء بن دينار وفيه لين يروي التفسير عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ويرويه عنه ابن لهيعة، وهو ضعيف. قتادة والطرق عنه: ومن تفاسير التابعين: ما يروى عن قتادة رحمه الله تعالى وهو من طرق منها: رواية عبد الرزاق عن معمر عنه. ورواية آدم بن أبي إياس، وغيره، عن شيبان عنه. ورواية يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة. تفسير الربيع بن أنس عن أبي العالية: ومن تفاسيرهم: تفسير الربيع بن أنس، عن أبي العالية، واسمه: رفيع بضم الراء، وفتح الفاء وسكون الياء الرياحي بالمثناة التحتية، والحاء المهملة وبعضه لا يسمى الربيع فوقه أحدا، وهو يروي من طرق؛ منها رواية أبي عبيد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه عنه. تفسير مقاتل بن حيان: ومنها: تفسير مقاتل بن حيان، من طريق محمد بن مزاحم، عن بكير بن معروف

стр. 198

عنه، ومقاتل هذا صدوق١، وهو غير مقاتل بن سليمان الآتي ذكره. تفسير زيد بن أسلم: ومن تفاسير ضعفاء التابعين فمن بعدهم: تفسير زيد بن أسلم من رواية ابنه عبد الرحمن عنه، وهي نسخة كبيرة يرويها ابن وهب وغيره، عن عبد الرحمن عن أبيه، وفيه أشياء كثيرة لا يسندها لأحد، وعبد الرحمن من الضعفاء، وأبوه من الثقات٢. تفسير مقاتل بن سليمان: ومنها: تفسير مقاتل بن سليمان، وقد نسبوه إلى الكذب، وقال الشافعي: مقاتل قاتله الله، وإنما قال الشافعي ﵁ فيه ذلك؛ لأنه اشتهر عنه القول بالتجسيم وروى تفسير مقاتل هذا أبو عصمة: نوح بن أبي مريم الجامع، وقد نسبوه إلى الكذب٣. ورواه أيضا عن مقاتل الحكم بن هذيل، وهو ضعيف، لكنه أصلح حالا من أبي عصمة. تفسير يحيى بن سلام المغربي: ومنها: تفسير يحيى بن سلام المغربي، وهو كبير، في نحو ستة أسفار، فيه النقل عن التابعين وغيرهم، وهو لين الحديث٤، فيما يروي مناكير٥ كثيرة، وشيوخه مثل: سعيد بن أبي عروبة، ومالك الثوري.

стр. 199

تفسير سنيد: ويقرب منه تفسير سنيد١، واسمه: الحسين بن داود، وهو من طبقة شيوخ الأئمة الستة، يروي عن حجاج بن محمد المصيصي كثيرا، وعن أنظاره، وفيه لين، وتفسيره نحو تفسير يحيى بن سلام، وقد أكثر ابن جريج التخريج منه. تفسير موسى بن عبد الرحمن الصنعاني: ومن التفاسير الواهية، لوهاء رواتها: التفسير الذي جمعه موسى بن عبد الرحمن الثقفي الصنعاني، وهو قدر مجلدين، يسنده إلى ابن جريح، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ وقد نسب ابن حبان موسى هذا إلى وضع الحديث، ورواه عن موسى عبد الغني بن سعيد الثقفي، وهو ضعيف.

стр. 200

طرق المرويات في سبب النزول: وقد يوجد كثير من أسباب النزول في كتب المغازي، فما كان منها من رواية معتمر بن سليمان عن أبيه، أو من رواية إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة، فهو أصلح مما فيه من كتاب محمد بن إسحاق، وما كان من رواية محمد بن إسحاق أمثل مما فيه من رواية الواقدي١. وقال الإمام السيوطي في الإتقان بعد ما ذكر كلام الخليلي في "الإرشاد" الذى ذكرته آنفا: وتفسير السدي -يعني: السدي الكبير- يورد منه ابن جرير كثيرا من طريق السدي عن أبي مالك: عن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وناس من الصحابة هكذا، ولم يورد منه ابن أبي حاتم شيئا؛ لأنه التزم أن يخرج أصح ما ورد، والحاكم يخرج منه في مستدركه أشياء ويصححه، لكن من طريق مرة، عن ابن مسعود ﵁، وناس فقط دون الطريق الأول، وقد قال ابن كثير: إن هذا الإسناد يروي به السدي أشياء فيها غرابة.

стр. 201

الطرق الجياد عن ابن عباس: ومن جيد الطريق عن ابن عباس: طريق قيس، عن عطاء ابن السائب، عن سعيد بن جبير، عنه وهذه الطريق صحيحة على شرط الشيخين وكثيرا ما يخرج منها الفريابي والحاكم في مستدركه، ومن ذلك طريق ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد؛ مولى آل زيد بن ثابت، عن عكرمة أو سعيد بن جبير عنه -أي: ابن عباس- هكذا بالتردد وهي طريق جيدة، وإسنادها حسن، وقد أخرج عنها ابن جرير، وابن أبي حاتم كثيرا، وفي معجم الطبراني الكثير منها أشياء. أوهى الطرق عن ابن عباس: وأوهى طرقه طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، فإذا انصم إلى ذلك رواية محمد بن مروان السدي الصغير، فهي سلسلة الكذب، وكثيرا ما يخرج منها الثعلبي والواحدي، لكن قال ابن عدي في الكامل: للكلبي أحاديث صالحة، وخاصة عن أبي صالح، وهو معروف بالتفسير، وليس لأحد تفسير أطول منه، ولا أشبع. وبعده -في أن روايته أوهى- مقاتل بن سليمان، إلا أن الكلبي يفضَّل عليه، لما في مقاتل من المذاهب الردية. الطرق الضعيفة عن ابن عباس: وطريق الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس منقطعة؛ فإن الضحاك لم يلقه، فإذا انضم إلى ذلك رواية بشر بن عمارة، عن أبي روق، عنه، فضعيفة؛ لضعف بشر، وقد أخرج من هذه النسخة كثيرا ابن جرير، وابن أبي حاتم. وإن كان من رواية جويبر عن الضحاك، فأشد ضعفا؛ لأن جويبرا شديد الضعف، متروك، ولم يخرج ابن جرير، ولا ابن أبي حاتم من هذا الطريق شيئا، إنما خرجها ابن مردويه، وأبو الشيخ ابن حيان. وطريق العوفي عن ابن عباس، أخرج منها ابن جرير، وابن أبي حاتم كثيرا، والعوفي ضعيف، ليس بِوَاهٍ، وربما حسن له الترمذي١.

стр. 202

قال السيوطي: ورأيت في فضائل الإمام الشافعي، لأبي عبد الله بن أحمد بن شاكر القطان، أنه أخرج بسنده من طريق ابن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: "لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث".

стр. 203

٢- تفسير أبي بن كعب والطرق عنه: وأما أبي بن كعب، فعنه نسخة كبيرة يرويها أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عنه، وهذا إسناد صحيح. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم منها كثيرا، وكذا الحاكم في مستدركه، والإمام أحمد في مسنده١. ومن الطرق الحسنة عنه: طريق وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه، وهذه الطريق يخرج منها الإمام أحمد في مسنده، وهي على شرط الحسن؛ لأن عبد الله بن محمد بن عقيل؛ وإن كان صدوقا تكلم فيه من جهة حفظه، قال الترمذي في سننه: "عبد الله بن محمد بن عقيل، هو صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه، والحميدي يحتجون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل، قال محمد -يعني: البخاري: هو مقارب الحديث"، ونص الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد، على أن حديثه حسن٢.

стр. 204

٣- أشهر الطرق عن ابن مسعود: ١- طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، وقد قيل: إنها أصح الأسانيد.

стр. 205

٢- طريق الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، وقد قيل: إنها أصح الأسانيد أيضا١. ٣- طريق الأعمشن عن أبي الضحي، عن مسروق، عن ابن مسعود وهي من أصح الطرق وأسلمها، وقد اعتمد عليها البخاري في صحيحه. ٤- طريق مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود، وهي صحيحة أيضًا، وقد اعتمد عليها البخاري في صحيحه. ٥- طريق الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، وهذه طريق صحيحة، يخرج منها البخاري في صحيحه، وكفى بتخريج البخاري شاهدًا على صحة هذا الطرق الثلاث. ٦- طريق السدي الكبير، عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وقد ذكرناها فيما سبق.

стр. 206

٤- أصح الطرق عن علي ﵁: ١- طريق محمد بن سيرين، عن عبيدة١بفتح العين وكسر الياء السلماني بفتح السين، وسكون اللام عن علي، وقد قال علي بن المديني، وعمرو بن علي الفلاس: إنها أصح الطرق. ٢- طريق الزهري، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي، وقد قال أبو بكر بن أبي شيبة: إنها أصح الأسانيد. ٣- طريق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جدهن عن على، وهي من أصح الطرق أيضا كما قيل. ٤- طريق يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن سليمان التيمي، عن الحارث بن سويد، عن علي، وهي من أصح الطرق أيضا٢.

стр. 207

أشهر الطرق الضعيفة والواهية والساقطة: طريق أبي يعلى، عن إسماعيل بن السدي، عن علي بن عباس، عن مسلم الملائي، عن حبة بن جوين، عن علي، عن أنس بن مالك قالوا: حبة لا يساوي حبة١. طريق يحيى بن عبد الحميد، عن علي بن مسهر، عن الأعمش، عن موسى بن طريف، عن عباية عن علي.... وموسى بن طريف ضعيف يحتاج إلى من يعدله، وعباية: أقل منه، ليس بشيء حديثه٢. طريق شريك عن كهيل، عن سويد بن غفلة، عن الصنابحي، عن على٣ إلى غير ذلك من الطرق التي نقدها أئمة الحديث، وبينوا الصحيح من الضعيف.

стр. 208

٥- المروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص في التفسير: وقد روي عن عبد الله بن عمرو تفاسير كثيرة، فيما يتعلق بالقصص وأخبار الفتحة، والآخرة، وما أشبهها، بأن تكون مما تحمله عن أهل الكتاب الذين أسلموا، وما وجده في كتبهم التي أصاب منها في اليرموك زاملتين، وقد نقد العلماء كل ذلك، وبينوا الصحيح من العليل والمقبول من المردود. ومما ذكرنا: يتبين جليا أن العلماء المحدثين نقدوا طرق المرويات في التفسير وغيره، وبينوا الصحيح والضعيف، والموضوع ونبهوا إلى الإسرائيليات، وحذروا منها، ولو أن المفسرين كانوا من أهل الحديث، والنقد، لنزهوا كتبهم مما وقع فيها من المرويات من غثاء وزبد، ولما وقع فيها كل هذا الركام من الإسرائيليات، والخرافات، والأوهام، ولنأخذ في بيان المقصود فنقول -وبالله التوفيق:

стр. 209

الإسرائيليات في القرآن الإسرائيليات في قصة هاروت وماروت ... ١- الإسرائيليات في قصة هاروت وماروت: روى السيوطي في الدر المنثور، في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوت﴾ روايات كثيرة وقصصا عجيبة رويت عن ابن عمر، وابن مسعود،

стр. 210

وعلي، وابن عباس، ومجاهد، وكعب، والربيع، والسدي، رواها ابن جرير الطبري في تفسيره، وابن مردويه، والحاكم، وابن المنذر، وابن أبي الدنيا، والبيهقي، والخطيب في تفاسيرهم وكتبهم١. وخلاصتها: أنه لما وقع الناس من بني آدم فيما وقعوا فيها من المعاصي والكفر بالله، قالت الملائكة في السماء: أي رب، هذا العالم إنما خلقتهم لعبادتك، وطاعتك، وقد ركبوا الكفر، وقتل النفس الحرام، وأكل المال الحرام، والسرقة، والزنا، وشرب الخمر، فجعلوا يدعون عليهم، ولا يعذرونهم فقيل لهم: إنهم في غيب، فلم يعذروهم، وفي بعض الروايات أن الله قال لهم: لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم، قالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا، وفي رواية أخرى: قالوا: لا. فقيل لهم: اختاروا منكم ملكين آمرهما بأمري، وأنهاهما عن معصيتي، فاختاروا هاروت، وماروت، فأهبطا إلى الأرض، وركبت فيهما الشهوة، وأمرا أن يعبدا الله، ولا يشركا به شيئا، ونهيا عن قتل النفس الحرام، وأكل المال الحرام، والسرقة، والزنا، وشرب الخمر، فلبثا على ذلك في الأرض زمانا، يحكمان بن الناس بالحق، وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في سائر الناس كحسن الزهرة في سائر الكواكب، وأنهما أراداها٢ على نفسها، فأبت إلا أن يكونا على أمرها ودينها، وأنهما سألاها عن دينها، فأخرجت لهما صنما، فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا، فذهبا فصبرا ما شاء الله، ثم أتيا عليها، فخضعا لها بالقول، وأراداها على نفسها، فأبت إلا أن يكونا على دينها، وأن يعبدا الصنم الذي تعبده، فأبيا، فلما رأت أنهما قد أبيا أن يعبدا الصنم، قالت لهما: اختارا إحدى الخلال الثلاث: إما أن تعبدا هذا الصنم، أو تقتلا النفس، أو تشربا هذا الخمر، فقالا: هذا لا ينبغي، وأهون الثلاثة شرب الخمر، وسقتهما الخمر، حتى إذا أخذت الخمر فيهما وقعا بها٣ فمر بهما إنسان، وهما في ذلك، فخشيا أن يفشي عليهما، فقتلاه، فلما أن ذهب عنهما السكر، عرفا ما قد وقعا فيه من الخطيئة، وأرادا أن يصعدا إلى السماء، فلم يستطيعا وكشف الغطاء فيما

стр. 211

بينهما، وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما قد وقعا فيه من الذنوب، وعرفوا أنه من كان في غيب فهو أقل خشية فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض، فلما وقعا فيما وقعا فيه من الخطيئة، قيل لهما: اختارا عذاب الدنيا، أو عذاب الآخرة، فقالا: أما عذاب الدنيا فينقطع ويذهب، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له، فاختارا عذاب الدنيا فجعلا ببابل فهما بها يعذبان معلقين بأرجلهما، وفي بعض الروايات، أنهما علماها الكلمة التي يصعدان بها إلى السماء، فصعدت، فمسخها الله، فهي هذا الكوكب المعروف بالزهرة١. ويذكر السيوطي أيضًا في كتابه ما رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه٢، والبيهقي في سننه: عن عائشة، أنها قدمت عليها امرأة من دومة الجندل، وأنها أخبرتها أنها جيء لها بكلبين أسودين فركبت كلبا، وركبت امرأة أخرى الكلب الآخر، ولم يمض غير قليل، حتى وقفتا ببابل، فإذا هما برجلين معلقين بأرجلهما، وهما هاروت وماروت، واسترسلت المرأة التي قدمت على عائشة في ذكر قصة عجيبة غريبة. ويذكر أيضا: أن ابن المنذر أخرج من طريق الأوزاعي، عن هارون بن رباب، قال: دخلت على عبد الملك بن مروان وعنده رجل قد ثنيت له وسادة، وهو متكئ عليها، فقالوا: هذا قد لقي هاروت، وماروت فقالوا له: حدثنا رحمك الله: فأنشأ الرجل يحدث بقصة عجيبة غريبة٣. وكل هذا من خرفات بني إسرائيل، وأكاذيبهم التي لا يشهد لها عقل، ولا نقل، ولا شرع، ولم يقف بعض رواة هذا القصص الباطل عند روايته عن بعض الصحابة والتابعين ولكنهم أوغلوا باب الإثم، والتجني الفاضح، فألصقوا هذا الزور إلى النبي ﷺ ورفعوه إليه، فقد قال السيوطي: أخرج سعيد، وابن جرير، والخطيب في تاريخ، عن نافع، قال: سافرت مع ابن عمر، فلما كان من آخر الليل:

стр. 212

قال: يا نافع: انظر: هل طلعت الحمراء؟ قلت: لا، مرتين أو ثلاثا، ثم قلت: قد طعلت، قال: لا مرحبا بها، ولا أهلا: قلت: سبحان الله!! نجم مسخر، ساع، مطيع!! قال: ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ قال: "وإن الملائكة قالت: يا رب كيف صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب؟ قال: إني ابتليتهم وعافيتكم، قالوا: لو كنا مكانهم ما عصيناك، قال: فاختاروا ملكين منكم، فلم يألوا جهدا أن يختاروا فاختاروا هاروت وماروت، فنزلا، فألقى الله عليهم الشبق، قلت: وما الشبق؟ قال: الشهوة، فجاءت امرأة يقال لها: الزهرة فوقعت في قلبيهما، فجعل كل واحد منهما يخفي عن صاحبه ما في نفسه، ثم قال أحدهما للآخر: هل وقع في نفسك ما وقع في قلبي؟ قال: نعم، فطلباها لأنفسهما، فقالت: لا أمكنكما حتى تعلماني الاسم الذي تعرجان به إلى السماء، وتهبطان، فأبيا، ثم سألاها أيضا، فأبتن ففعلا، فلما استطيرت طمسها الله كوكبا، وقطع أجنحتها، ثم سألا التوبة من ربهما، فخيرهما بين عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة، فأوحى الله إليهما: أن ائتيا "بابل"١ فانطلقا إلى بابل، فخسف بهما، فهما منكوسان بين السماء والأرض، معذبان إلى يوم القيامة، ثم ذكر أيضا رواية أخرى، مرفوعة إلى النبي ﷺ لا تخرج في معناها عما ذكرنا٢، ولا ينبغي أن يشك مسلم عاقل فضلا عن طالب حديث في أن هذا موضوع على النبي ﷺ مهما بلغت أسانيده من الثبوت فما بالك إذا كانت أسانيدها واهية، ساقطة، ولا تخلو من وضاع، أو ضعيف، أو مجهول؟!! ونص على وضعه أئمة الحديث!! وقد حكم بوضع هذه القصة الإمام أبو الفرج ابن الجوزي٣، ونص الشهاب العراقي على أن من اعتقد في هاروت وماروت أنهما ملكان يعذبان على خطيئتهما: فهو كافر بالله.

стр. 213

العظيم١، وقال الإمام القاضي عياض في "الشفاء"، وما ذكره أهل الأخبار، ونقله المفسرون في قصة هاروت وماروت: لم يرد فيه شيء لا سقيم٢، ولا صحيح عن رسول الله ﷺ وليس هو شيئًا يؤخذ بالقياس. وكذلك: حكم بوضع المرفوع من هذه القصة: الحافظ: عماد الدين ابن كثير، وأما ما ليس مرفوعا: فبين أن منشأة روايات إسرائيلية عن كعب وغيره، ألصقها زنادقة أهل الكتاب بالإسلام، قال ﵀ في تفسيره بعد أن تكلم على الأحاديث الواردة في هاروت وماروت، وأن روايات الرفع غريبة جدا، وأقرب ما يكون في ذلك أنه من رواية عبد الله بن عمر، عن كعب الأحبار، كما قال عبد الرزاق في تفسيره عن الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله بن ابن عمر، عن كعب، ورفع مثل هذه الإسرائيليات إلى النبي كذب واختلاق ألصقه زنادقة أهل الكتاب، زورا وبهتانا" وذكر مثل ذلك في البداية والنهاية٣. أقول: وهذا الذي قاله العلامة ابن كثير هو: الحق الذي لا ينبغي أن يقال غيره. وليس أدل على هذا من أن ابن جرير رواها بالسند الذي ذكره ابن كثير، وبغيره عن ابن عمر، عن كعب الأحبار٤، ولكن بعض الرواة غلطا، أو سوء نية، رفعها ونسبها إلى النبي ﷺ ، وكذا ردها المحققون من المفسرين الذين مهروا في معرفة أصول الدين، وأبت عقولهم أن تقبل هذه الخرافات: كالإمام الرازي، وأبي حيان، وأبي السعود، والآلوسي، ثم هذه من ناحية العقل غير مسلمة، فالملائكة معصومون عن مثل هذه الكبائر، التي لا تصدر من عربيد، وقد أخبر الله عنهم بأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، كما ورد في بعض الروايات التي أشرت إليها آنفا رد لكلام الله، وفي رواية أخرى: أن الله قال لهما: لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم لعصيتماني، فقالا: لو فعلت بنا

стр. 214

يا رب ما عصيناك!! ورد كلام الله كفر، ننزه عنه من له علم بالله وصفاته، فضلًا عن الملائكة. ثم كيف ترفع الفاجرة إلى السماء، وتصير كوكبا مضيئا، وما النجم الذي يزعمون أنه: "الزهرة" وزعموا أنه كان امرأة، فمسخت إلا في مكانه، من يوم أن خلق الله السموات والأرض. وهذه الخرافات التي لا يشهد لها نقل صحيح، ولا عقل سليم هي كذلك مخالفة لما صار عند العلماء المحدثين أمرا يقينا، ولا أدرى ماذا يكون موقفنا أمام علماء الفلك، والكونيات، إذا نحن لم نزيف هذه الخرافات، وسكتنا عنها، أو انتصرنا لها؟!! وإذا كان بعض العلماء المحدثين١ مال إلى ثبوت مثل هذه الروايات التي لا نشك في كذبها، فهذا منه تشدد في التمسك بالقواعد، من غير نظر إلى ما يلزم من الحكم بثبوت ذلك من المحظورات، وأنا لا أنكر أن بعض أسانيدها صحيحة أو حسنة، إلى بعض الصحابة أو التابعين، ولكن مرجعها ومخرجها من إسرائيليات بني إسرائيل، وخرافاتهم، والراوي قد يغلط، وبخاصة في رفع الموقوف، وقد حققت هذا في مقدمات البحث، وأن كونها صحيحة في نسبتها لا ينافي كونها باطلة في ذاتها، ولو أن الانتصار لمثل هذه الأباطيل يترتب عليه فائدة ما لغضضنا الطرف عن مثل ذلك، ولما بذلنا غاية الجهد في التنبيه إلى بطلانها، ولكنها فتحت على المسلمين باب شر كبير، يجب أن يغلق. ويرحم الله الإمام الحافظ الناقد البصير: ابن كثير فقد نبه على أصل الداء، ووصف له الدواء، وبيَّن الحق والصواب في موقف المسلم من هذه الخرافات. ما التفسير الصحيح للآية؟ وليس من شأني في هذا الكتاب مجرد الهدم والإبطال لهذه الإسرائيليات والخرافات فحسب، ولكني إلى ذلك سأعنى بتفسير الآيات التي حرفت عن مواضعها، تفسيرا علميا صحيحا، يشهد له النقل الصحيح، والعقل السليم، والسابق واللاحق من الآيات،

стр. 215

حتى يزداد القارئ يقينا أنها دخيلة على القرآن الكريم، وإليك التفسير الصحيح. قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ ١. وليس في الآية ما يدل ولو من بعد على هذه القصة المنكرة، وليس السبب في نزول الآية ذلك، وإنما السبب: أن الشياطين في ذلك الزمن السحيق كانوا يسترقون السمع من السماء، ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها، ويُلْقُونها إلى كهنة اليهود وأحبارهم. وقد دوَّنها هؤلاء في كتب يقرؤونها، ويعلمونها الناس، وفشا ذلك في زمن سليمان ﵇ حتى قالوا: هذا علم سليمان وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم، وبه يسخر الإنس، والجن، والريح التي تجري بأمره، وهذا من افتراءات اليهود على الأنبياء، فأكذبهم الله بقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ ٢. ثم عطف عليه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ فالمراد بما أنزل هو: علم السحر الذي نزلا ليعلماه الناس، حتى يحذروا منه، فالسبب في نزولهما هو: تعليم الناس أبوابا من السحر، حتى يعلم الناس الفرق بين السحر والنبوة، وأن سليمان لم يكن ساحرا، وإنما كان نبيا مرسلا من ربه، وقد احتاط الملكان ﵉ غاية الاحتياط، فما كانا يُعلِّمان أحدا شيئا من السحر حتى يُحذِّراه، ويقولا له: إنما نحن فتنة أي بلاء واختبار، فلا تكفر بتعلمه والعمل به، وأما من تعلمه للحذر منه، وليعلم الفرق بينه وبين النبوة والمعجزة؛ فهذا لا شيء فيه، بل هو أمر مطلوب، مرغوب فيه إذا دعت الضرورة إليه، ولكن الناس ما كانوا يأخذون بالنصيحة، بل كانوا يفرقون به بين المرء وزوجه، وذلك بإذن الله ومشيئته، وقد دلت الآية: على أن تعلم السحر لتحذير الناس من الوقوع فيه والعمل به
следующие страницы →