← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8671

الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير

محمد أبو شهبة

Полный текст (439 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بينهما، وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما قد وقعا فيه من الذنوب، وعرفوا أنه من كان في غيب فهو أقل خشية فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض، فلما وقعا فيما وقعا فيه من الخطيئة، قيل لهما: اختارا عذاب الدنيا، أو عذاب الآخرة، فقالا: أما عذاب الدنيا فينقطع ويذهب، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له، فاختارا عذاب الدنيا فجعلا ببابل فهما بها يعذبان معلقين بأرجلهما، وفي بعض الروايات، أنهما علماها الكلمة التي يصعدان بها إلى السماء، فصعدت، فمسخها الله، فهي هذا الكوكب المعروف بالزهرة١. ويذكر السيوطي أيضًا في كتابه ما رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه٢، والبيهقي في سننه: عن عائشة، أنها قدمت عليها امرأة من دومة الجندل، وأنها أخبرتها أنها جيء لها بكلبين أسودين فركبت كلبا، وركبت امرأة أخرى الكلب الآخر، ولم يمض غير قليل، حتى وقفتا ببابل، فإذا هما برجلين معلقين بأرجلهما، وهما هاروت وماروت، واسترسلت المرأة التي قدمت على عائشة في ذكر قصة عجيبة غريبة. ويذكر أيضا: أن ابن المنذر أخرج من طريق الأوزاعي، عن هارون بن رباب، قال: دخلت على عبد الملك بن مروان وعنده رجل قد ثنيت له وسادة، وهو متكئ عليها، فقالوا: هذا قد لقي هاروت، وماروت فقالوا له: حدثنا رحمك الله: فأنشأ الرجل يحدث بقصة عجيبة غريبة٣. وكل هذا من خرفات بني إسرائيل، وأكاذيبهم التي لا يشهد لها عقل، ولا نقل، ولا شرع، ولم يقف بعض رواة هذا القصص الباطل عند روايته عن بعض الصحابة والتابعين ولكنهم أوغلوا باب الإثم، والتجني الفاضح، فألصقوا هذا الزور إلى النبي ﷺ ورفعوه إليه، فقد قال السيوطي: أخرج سعيد، وابن جرير، والخطيب في تاريخ، عن نافع، قال: سافرت مع ابن عمر، فلما كان من آخر الليل:

стр. 212

قال: يا نافع: انظر: هل طلعت الحمراء؟ قلت: لا، مرتين أو ثلاثا، ثم قلت: قد طعلت، قال: لا مرحبا بها، ولا أهلا: قلت: سبحان الله!! نجم مسخر، ساع، مطيع!! قال: ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ قال: "وإن الملائكة قالت: يا رب كيف صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب؟ قال: إني ابتليتهم وعافيتكم، قالوا: لو كنا مكانهم ما عصيناك، قال: فاختاروا ملكين منكم، فلم يألوا جهدا أن يختاروا فاختاروا هاروت وماروت، فنزلا، فألقى الله عليهم الشبق، قلت: وما الشبق؟ قال: الشهوة، فجاءت امرأة يقال لها: الزهرة فوقعت في قلبيهما، فجعل كل واحد منهما يخفي عن صاحبه ما في نفسه، ثم قال أحدهما للآخر: هل وقع في نفسك ما وقع في قلبي؟ قال: نعم، فطلباها لأنفسهما، فقالت: لا أمكنكما حتى تعلماني الاسم الذي تعرجان به إلى السماء، وتهبطان، فأبيا، ثم سألاها أيضا، فأبتن ففعلا، فلما استطيرت طمسها الله كوكبا، وقطع أجنحتها، ثم سألا التوبة من ربهما، فخيرهما بين عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة، فأوحى الله إليهما: أن ائتيا "بابل"١ فانطلقا إلى بابل، فخسف بهما، فهما منكوسان بين السماء والأرض، معذبان إلى يوم القيامة، ثم ذكر أيضا رواية أخرى، مرفوعة إلى النبي ﷺ لا تخرج في معناها عما ذكرنا٢، ولا ينبغي أن يشك مسلم عاقل فضلا عن طالب حديث في أن هذا موضوع على النبي ﷺ مهما بلغت أسانيده من الثبوت فما بالك إذا كانت أسانيدها واهية، ساقطة، ولا تخلو من وضاع، أو ضعيف، أو مجهول؟!! ونص على وضعه أئمة الحديث!! وقد حكم بوضع هذه القصة الإمام أبو الفرج ابن الجوزي٣، ونص الشهاب العراقي على أن من اعتقد في هاروت وماروت أنهما ملكان يعذبان على خطيئتهما: فهو كافر بالله.

стр. 213

العظيم١، وقال الإمام القاضي عياض في "الشفاء"، وما ذكره أهل الأخبار، ونقله المفسرون في قصة هاروت وماروت: لم يرد فيه شيء لا سقيم٢، ولا صحيح عن رسول الله ﷺ وليس هو شيئًا يؤخذ بالقياس. وكذلك: حكم بوضع المرفوع من هذه القصة: الحافظ: عماد الدين ابن كثير، وأما ما ليس مرفوعا: فبين أن منشأة روايات إسرائيلية عن كعب وغيره، ألصقها زنادقة أهل الكتاب بالإسلام، قال ﵀ في تفسيره بعد أن تكلم على الأحاديث الواردة في هاروت وماروت، وأن روايات الرفع غريبة جدا، وأقرب ما يكون في ذلك أنه من رواية عبد الله بن عمر، عن كعب الأحبار، كما قال عبد الرزاق في تفسيره عن الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله بن ابن عمر، عن كعب، ورفع مثل هذه الإسرائيليات إلى النبي كذب واختلاق ألصقه زنادقة أهل الكتاب، زورا وبهتانا" وذكر مثل ذلك في البداية والنهاية٣. أقول: وهذا الذي قاله العلامة ابن كثير هو: الحق الذي لا ينبغي أن يقال غيره. وليس أدل على هذا من أن ابن جرير رواها بالسند الذي ذكره ابن كثير، وبغيره عن ابن عمر، عن كعب الأحبار٤، ولكن بعض الرواة غلطا، أو سوء نية، رفعها ونسبها إلى النبي ﷺ ، وكذا ردها المحققون من المفسرين الذين مهروا في معرفة أصول الدين، وأبت عقولهم أن تقبل هذه الخرافات: كالإمام الرازي، وأبي حيان، وأبي السعود، والآلوسي، ثم هذه من ناحية العقل غير مسلمة، فالملائكة معصومون عن مثل هذه الكبائر، التي لا تصدر من عربيد، وقد أخبر الله عنهم بأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، كما ورد في بعض الروايات التي أشرت إليها آنفا رد لكلام الله، وفي رواية أخرى: أن الله قال لهما: لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم لعصيتماني، فقالا: لو فعلت بنا

стр. 214

يا رب ما عصيناك!! ورد كلام الله كفر، ننزه عنه من له علم بالله وصفاته، فضلًا عن الملائكة. ثم كيف ترفع الفاجرة إلى السماء، وتصير كوكبا مضيئا، وما النجم الذي يزعمون أنه: "الزهرة" وزعموا أنه كان امرأة، فمسخت إلا في مكانه، من يوم أن خلق الله السموات والأرض. وهذه الخرافات التي لا يشهد لها نقل صحيح، ولا عقل سليم هي كذلك مخالفة لما صار عند العلماء المحدثين أمرا يقينا، ولا أدرى ماذا يكون موقفنا أمام علماء الفلك، والكونيات، إذا نحن لم نزيف هذه الخرافات، وسكتنا عنها، أو انتصرنا لها؟!! وإذا كان بعض العلماء المحدثين١ مال إلى ثبوت مثل هذه الروايات التي لا نشك في كذبها، فهذا منه تشدد في التمسك بالقواعد، من غير نظر إلى ما يلزم من الحكم بثبوت ذلك من المحظورات، وأنا لا أنكر أن بعض أسانيدها صحيحة أو حسنة، إلى بعض الصحابة أو التابعين، ولكن مرجعها ومخرجها من إسرائيليات بني إسرائيل، وخرافاتهم، والراوي قد يغلط، وبخاصة في رفع الموقوف، وقد حققت هذا في مقدمات البحث، وأن كونها صحيحة في نسبتها لا ينافي كونها باطلة في ذاتها، ولو أن الانتصار لمثل هذه الأباطيل يترتب عليه فائدة ما لغضضنا الطرف عن مثل ذلك، ولما بذلنا غاية الجهد في التنبيه إلى بطلانها، ولكنها فتحت على المسلمين باب شر كبير، يجب أن يغلق. ويرحم الله الإمام الحافظ الناقد البصير: ابن كثير فقد نبه على أصل الداء، ووصف له الدواء، وبيَّن الحق والصواب في موقف المسلم من هذه الخرافات. ما التفسير الصحيح للآية؟ وليس من شأني في هذا الكتاب مجرد الهدم والإبطال لهذه الإسرائيليات والخرافات فحسب، ولكني إلى ذلك سأعنى بتفسير الآيات التي حرفت عن مواضعها، تفسيرا علميا صحيحا، يشهد له النقل الصحيح، والعقل السليم، والسابق واللاحق من الآيات،

стр. 215

حتى يزداد القارئ يقينا أنها دخيلة على القرآن الكريم، وإليك التفسير الصحيح. قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ ١. وليس في الآية ما يدل ولو من بعد على هذه القصة المنكرة، وليس السبب في نزول الآية ذلك، وإنما السبب: أن الشياطين في ذلك الزمن السحيق كانوا يسترقون السمع من السماء، ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها، ويُلْقُونها إلى كهنة اليهود وأحبارهم. وقد دوَّنها هؤلاء في كتب يقرؤونها، ويعلمونها الناس، وفشا ذلك في زمن سليمان ﵇ حتى قالوا: هذا علم سليمان وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم، وبه يسخر الإنس، والجن، والريح التي تجري بأمره، وهذا من افتراءات اليهود على الأنبياء، فأكذبهم الله بقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ ٢. ثم عطف عليه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ فالمراد بما أنزل هو: علم السحر الذي نزلا ليعلماه الناس، حتى يحذروا منه، فالسبب في نزولهما هو: تعليم الناس أبوابا من السحر، حتى يعلم الناس الفرق بين السحر والنبوة، وأن سليمان لم يكن ساحرا، وإنما كان نبيا مرسلا من ربه، وقد احتاط الملكان ﵉ غاية الاحتياط، فما كانا يُعلِّمان أحدا شيئا من السحر حتى يُحذِّراه، ويقولا له: إنما نحن فتنة أي بلاء واختبار، فلا تكفر بتعلمه والعمل به، وأما من تعلمه للحذر منه، وليعلم الفرق بينه وبين النبوة والمعجزة؛ فهذا لا شيء فيه، بل هو أمر مطلوب، مرغوب فيه إذا دعت الضرورة إليه، ولكن الناس ما كانوا يأخذون بالنصيحة، بل كانوا يفرقون به بين المرء وزوجه، وذلك بإذن الله ومشيئته، وقد دلت الآية: على أن تعلم السحر لتحذير الناس من الوقوع فيه والعمل به

стр. 216

مباح، ولا إثم فيه، وأيضا تعلمه؛ لإزالة الاشتباه بينه، وبين المعجزة، والنبوة مباح، ولا إثم فيه، وإنما الحرم والإثم في تعلمه أو تعليمه للعمل به، فهو مثل ما قيل: عرفت الشر لا للشر ... لكن لتوقِّيهِ ومن لا يعرف الشر ... من الناس يقعْ فِيهِ واليهود عليهم لعائن الله لما جاءهم رسول الله ﷺ وكان يعلمون أنه النبي الذي بشرت به التوراة حتى كانوا يستفتحون به على المشركين قبل ميلاده وبعثته، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، ونبذوا كتابهم التوراة، وكتاب الله القرآن وراء ظهورهم، وبدل أن يتبعوا الحق المبين اتبعوا السحر الذي توارثوه عن آبائهم والذي علمتهم إياه الشياطين، وكان الواجب عليهم أن ينبذوا السحر، ويحذروا الناس من شره، وذلك كما فعل الملكان: هاروت وماروت من تحذير الناس من شروره، والعمل به، وهذا هو التفسير الصحيح للآية، لا ما زعمه المبطلون الخرفون وبذلك: يحصل التناسق بين الآيات وتكون الآية متآخية متعانقة، ولا أدري ما الصلة بين ما رووه من إسرائيليات، وبين قوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ الآية. والعجب: أن الإمام ابن جرير حوَّم حول ما ذكرناه في تفسير الآية ثم لم يلبث أن ذكر ما ذكر! والخلاصة: على القارئ أن يحذر من هذه الإسرائيليات؛ سواء وجدها في كتاب تفسير، أو حديث أو تاريخ أو مواعظ، أو أدب أو.......

стр. 217

٢- إسرائيليات في المسوخ من المخلوقات: ويوغل بعض زنادقة أهل الكتاب، فيضعون على النبي ﷺ خرافات في خلق بعض أنواع الحيوانات التي زعموا أنها مسخت، ولو أن هذه الخرافات نسبت إلى كعب الأحبار وأمثاله، أو إلى بعض الصحابة، والتابعين لَهَانَ الأمرُ، ولكن عظيم الإثم أن

стр. 218

ينسب ذلك إلى المعصوم ﷺ ، وهذا اللون من الوضع والدس من أخبث وأقذر أنواع الكيد للإسلام ونبي الإسلام. فقد قال السيوطي عفا الله عنه بعد ما ذكر طامات وبلايا في قصة هاروت وماروت، من غير أن يعلق عليها بكلمة؛ أخرج الزبير بن بكار في الموفقيات، وابن مردويه، والديلمي، عن علي: أن النبي ﷺ سئل عن المسوخ١ فقال: هم ثلاثة عشر: الفيل، والدب، والخنزير، والقرد، والجريث٢، والضب، والوطواط، والعقرب، والدعموص، والعنكبوت، والأرنب، وسهيل، والزهر، فقيل: يا رسول الله وما سبب مسخهن؟ وإليك التخريف والكذب الذي نبرئ ساحة رسول الله منهما فقال: أما الفيل: فكان رجلًا جبارًا لوطيا، لا يدع رطبا، ولا يابسا، وأما الدب: فكان مؤنثًا يدعو الناس إلى نفسه، وأما الخنزير: فكان من النصارى الذين سألوا المائدة، فلما نزلت كفروا، وأما القردة: فيهود اعتدوا في السبت، وأما الجريث: فكان ديوثا٣، يدعو الرجال إلى حليلته، وأما الضب: فكان أعرابيا يسرق الحاج بمحجنه، وأما الوطواط: فكان رجلا يسرق الثمار من رءوس النخل، وأما العقرب: فكان رجلا لا يسلم أحد من لسانه، وأما الدعموص٤: فكان نَمَّامًا يُفَرق بين الأحبة، وأما العنكبوت: فامرأة سحرت زوجها، وأما الأرنب: فإمرأة كانت لا تطهر من حيضها، وأما سهيل: فكان عشَّارًا باليمن، وأما الزهرة: فكانت بنتا لبعض ملوك بني إسرائيل افتتن بها هاروت، وماروت؛ ألا قبَّح الله من وضع هذا الزور والباطل، ونسبه إلى من لا ينطق عن الهوى. ومما لا يقضي منع العجب: أن السيوطي ذكر هذا الهراء من غير سند، ولم يعقب عليه بكلمة استنكار، ومثل هذا: لا يشك طالب علم في بطلانه، فضلا عن عالم كبير، وقد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع، وقد ذكره السيوطي في اللآلئ، وتعقبه بما لا يجدي، وكان من الأمانة العلمية أن يشير إلى هذا، وبعد هذا الكذب والتخريف ينقل السيوطي ما رواه الطبراني في الأوسط بسند ضعيف كذا قال: عن عمر بن الخطاب قال: جاء

стр. 219

جبريل إلى النبي ﷺ في غير حينه، ثم ذكر قصة طويلة في وصف النار، وأن النبي بكى، وجبريل بكى، حتى نوديا: لا تخافا إن الله أمنكما أن تعصياه١، وأغلب الظن: أنه من الإسرائيليات التي دست في الرواية الإسلامية.

стр. 220

٣- الإسرائيليات في بناء الكعبة: البيت الحرام والحجر الأسود: وكذلك أكثَرَ السيوطي في تفسيره: "الدر المنثور" عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ١، من النقل عن الأزرقي، وأمثاله من المؤرخين والمفسرين الذين هم كحاطبي ليل، ولا يميزون بين الغث والسمين، والمقبول، والمردود، في بناء البيت، ومن بناه قبل إبراهيم: أهم الملائكة أم آدم؟ والحجر الأسود ومن أين جاء؟ وما ورد في فضلهما، وقد استغرق في هذا النقل الذي معظمه من الإسرائيليات التي أخذت عن أهل الكتاب بضع عشرة صحيفة٢، لا يزيد ما صح منها أو ثبت عن عُشْرِ هذا المقدار. ولو أنه اقتصر على الرواية الصحيحة التي رواها البخاري في صحيحه٣، ورواها غيره من العلماء الأثبات، لأراحنا، وأراح نفسه، ولما أفسد العقول، وسمم النفوس بكل هذه الإسرائيليات، التي نحن في غنية عنها بما تواتر من القرآن، وثبت من السنة الصحيحة؛ وفي الحق: أن ابن جرير كان مقتصدا في الإكثار من ذكر الإسرائيليات في هذا الموضع، وإن كان لم يسلم منها، وذكر بعضها، وذلك مثل ما رواه بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لما أهبط الله آدم من الجنة قال: إني مهبط معك بيتا يطاف حوله كما يطاف حول عرشي، ويصلى عنده، كما يصلى عند عرشي، فلما كان زمن الطوفان، رفع، فكانت الأنبياء يحجونه، ولا يعلمون مكانه٤، حتى بوأه الله إبراهيم

стр. 221

عليه السلام وأعلمه مكانه، فبناه من خمسة أجبل: من حراء، وثبير، ولبنان، وجبل الطور، وجبل الخمر. وأعجب من ذلك: ما رواه بسنده عن عطاء بن أبي رباح، قال: لما أهبط الله آدم من الجنة: كان رجلاه في الأرض، ورأسه في السماء!! يسمع كلام أهل السماء ودعاءهم، يأنس إليهم فهابته الملائكة، حتى شكت إلى الله في دعائها، وفي صلاتها، فوجه إلى مكة، فكان موضع قدمه قرية وخطوه مفازة حتى انتهى إلى مكة وأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة، فكانت على موضع البيت الآن فلم يزل يطوف به، حتى أنزل الله الطوفان فرفعت تلك الياقوتة، حتى بعث الله إبراهيم، فبناه، فذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ ١ إلى غير ذلك مما مرجعه إلى أخبار بني إسرائيل وخرافاتهم، ولم يصح في ذلك خبر عن المعصوم ﷺ ، ويرحم الله الإمام الحافظ ابن كثير؛ فقد بين لنا منشأ معظم هذه الروايات التي هي من صنع بني إسرائيل، ودس زنادقتهم، فقد قال فيما رواه البيهقي في الدلائل من طرق عن عبد الله بن عمرو ابن العاص عن النبي ﷺ : "بعض الله جبريل إلى آدم، فأمره، ببناء البيت، فبناه آدم، ثم أمره بالطواف به، وقال له: أنت أول الناس، وهنا أول بيت وضع اللناس". قال ابن كثير: إنه من مفردات ابن لهيعة، وهو ضعيف، والأشبه والله أعلم أن يكون موقوفا على عبد الله بن عمرو بن العاص، ويكون من الزاملتين٢ اللتين أصابهما يوم اليرموك، من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث بما فيهما٣. وقال في "بدايته": ولم يجئ في خبر صحيح عن المعصوم: أن البيت كان مبنيا قبل الخليل ﵇ ومن تمسك في هذا بقوله: ﴿مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ فليس بناهض ولا ظاهر، لأن مراده: مكانه المقدر في علم الله تعالى، المقرر في قدرته، المعظم عند الأنبياء موضعه من لدن آدم إلى زمان إبراهيم٤.

стр. 222

٤- الإسرائيليات في قصة التابوت: ومن الإسرائيليات، التي التبس فيها الحق بالباطل: ما ذكره غالب المفسرين في تفاسيرهم: في قصة طالوت، وتنصيبه ملِكًا على بني إسرائيل، واعتراض بني إسرائيل عليه، وإخبار نبيهم لهم بالآية الدالة على ملكه، وهي التابوت، وذلك عند قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١. فقد ذكر ابن جرير، والثعلبي، والبغوي، والقرطبي، وابن كثير، والسيوطي في: "الدر" وغيرهم في تفاسيرهم كثيرا من الأخبار عن الصحابة والتابعين، وعن وهب بن منبه، وغيره من مسلمة أهل الكتاب في وصف التابوت، وكيف جاء، وعلام يشتمل، وعن السكينة وكيف صفتها. فقد ذكروا في شأن التابوت: أنه كان من خشب الشمشاد٢، نحوًا من ثلاثة أذرع في ذراعين، كان عند آدم إلى أن مات، ثم عند شيث، ثم توارثه أولاده، إلى إبراهيم، ثم كان عند إسماعيل، ثم يعقوب، ثم كان في بني إسرائيل، إلى أن وصل إلى موسى ﵇ فكان يضع فيه التوراة ومتاعا من متاعه، فكان عنده إلى أن مات، ثم تداوله أنبياء بني إسرائيل إلى وقت شمويل، وكان عندهم حتى عصوا، فغلبوا عليه؛ غلبهم عليه العمالقة. وهذا الكلام وإن كان محتملا للصدق والكذب، لكننا في غنية ولا يتوقف تفسير الآية عليه. وقال بعضهم: إن التابوت إنما كان في بني إسرائيل، ولم يكن من عهد آدم ﵇، وأنه الصندوق الذي كان يحفظ فيه موسى ﵇ التوراة، ولعل هذا أقرب إلى الحق والصواب، وكذلك أكثروا من النقل في: "السكينة"، فروى عنه

стр. 223

علي بن أبي طالب ﵁ هي: ريج فجوج١ هفافة، لها رأسان ووجه كوجه الإنسان. وقال مجاهد: حيوان كالهِرِّ، لها جناحان، وذَنَب، ولعينيه شعاع، إذا نظر إلى الجيش انهزم، وقال محمد بن إسحاق، عن وهب بن منبه: السكينة: رأس هرة ميتة، إذا صرخت في التابوت بصراخ هر أيقنوا بالنصر، وهذا من خرافات بني إسرائيل وأباطيلهم، وعن وهب بن منبه أيضا قال: السكينة: روح من الله تتكلم، إذا اختلفوا في شيء تتكلم، فتخبرهم ببيان ما يريدون. وعن ابن عباس: السكينة طست من ذهب، كانت تغسل فيه قلوب الأنبياء، أعطاه الله موسى ﵇. والحق أنه ليس في القرآن ما يدل على شيء من ذلك، ولا فيما صح عن النبي ﷺ وإنما هذه من أخبار بني إسرائيل التي نقلها إليها مسلمة أهل الكتاب، وحملها عنهم بعضهم الصحابة والتابعين ومرجعها إلى وهب بن منبه، وكعب الأحبار وأمثالهما. التفسير الصحيح للسكينة: والذي ينبغي أن تفسر به السكينة: أن المراد بها: الطمأنينية، والسكون الذي يحل بالقلب، عند تقديم التابوت أمام الجيش، فهي من أسباب السكون، والطمأنينة، وبذلك: تقوى نفوسهم، وتشتد معنوياتهم فيكون ذلك من أسباب النصر، فهو مثل قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْه﴾ ٢ أي طمأنينته، وما ثبت به قلبه، ومثل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ ٣. وقوله: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ ٤. فالمراد بالسكينة طمأنينة القلوب، وثبات النفوس.

стр. 224

ويعجبني في هذا ما قاله الإمام أبو محمد: عبد الحق، ابن عطية حيث قال: والصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة، من بقايا الأنبياء وآثارهم، فكانت النفوس تسكن إلى ذلك، وتأنس، وتقوى١. وكذلك: ذكروا في مجيء التابوت أقوالا متضاربة، يرد بعضها بعضًا، مما يدل على أن مرجعه إلى أخبار بني إسرائيل، وابتداعهم، وأنه ليس فيه نقل يعتدُّ به. فروى عن ابن عباس أنه قال: جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض، حتى وضعته بين يدي طالوت، والناس ينظرون، وعن السدي: أصبح التابوت في دار طالوت، فآمنوا بنبوة شمعون وأطاعوا طالوت، وقال الحسن: كان التابوت مع الملائكة في السماء٢، فلما ولي طالوت الملك حملته الملائكة، ووضعته بينهم، وقال قتادة: بل كان التابوت في التيه، خلفه موسى عند يوشع بن نون، فبقي هناك حتى حملته الملائكة، ووضعته في دار طالوت، فأقروا بمكة. وذكر غيرهم: أن التابوت كان بأريحاء، وكان الذين استولوا عليه وضعوه في بيت آلهتهم: تحت صنمهم الأكبر، فأصبح التابوت على رأس الصنم، فأنزلوه، فوضعوه تحته، فأصبح كذلك، فسمروه تحته، فأصبح الصنم مكسور القوائم، مُلقىً بعيدًا، فعلموا أن هذا أمر من الله لا قبل لهم به، فأخرجوا التابوت من بلدهم فوضعوه في بعض القرى، فأصاب أهلها أمراض في رقابهم، وقيل: جعلوه في مخرأة٣ قوم لهم، فكان كل من تبرز هناك أصيب بالناسور وقيل: بالباسور، فتحيروا في الأمر، فقالت لهم امرأة كانت عندهم من سبي بني إسرائيل، من أولاد الأنبياء: لا تزالون ترون ما تكرهون ما دام هذا التابوت فيكم، فأخرجوه عنكم، فأتوا بعجلة، بإشارة تلك المرأة، وحملوا عليها التابوت، ثم علقوها على ثورين، وضربوا جنوبهما، فأقبل الثوران يسيران، ووكل الله بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما، فأقبلا حتى وقفا على أرض بني إسرائيل، فكسرا نيريهما٤، وقطعا حبالهما، ووضعا التابوت في أرض فيها حصاد بني إسرائيل، ورجعا إلى

стр. 225

أرضهما، فلم يُرع بني إسرائيل إلا التابوت، فكبروا، وحمدوا الله تعالى، فذلك قوله تعالى: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ﴾ ، أي تسوقه. وكل هذا من أخبار بني إسرائيل الذين غيروا، وبدلوا، فالله أعلم بصحتها، وأقرب هذه الأقوال من الصحة، وما يدل عليه القرآن هو: ما روى عن ابن عباس ﵄. وكذلك اختلفوا في تعيين البقية الباقية مما ترك آل موسى وآل هارون١، وكانت محفوظة في التابوت. فعن ابن عباس، قال: عصاه -أي موسى- ورضاض٢ الألواح؛ لأنها انكسرت لما ألقاها موسى ﵇ حين عاد، فوجدهم يعبدون العجل، وكذا قال قتادة، والسدي، والربيع بن أنس، وعكرمة، وزاد: والتوراة. وقال أبو صالح: عصا موسى. وعصا هارون، ولو حين من التوراة وقفيز من المن الذي كان ينزل على بني إسرائيل في التيه، وقيل: عصا موسى، ونعلاه، وعصا هارون وعمامته، وثياب موسى، وثياب هارون، ورضاض الألواح، إلى غير ذلك. وهي أقوال متقاربة، ولا يرد بعضها بعضا، وهي محتملة، والله أعلم بالصواب منها، وهي من الأخبار التي تحتمل الصدق والكذب، فلا نصدقها، ولا نكذبها. والذي نقطع به، ويجب الإيمان به: أنه كان في بني إسرائيل تابوت أي صندوق من غير بحث في حقيقته وهيئته، ومن أين جاء؛ إذ ليس في ذلك خبر صحيح عن المعصوم، وأن هذا التابوت كان فيه مخلفات من مخلفات موسى، وهارون ﵉ مع احتمال أن يكون تعيين ذلك في بعض ما ذكرنا آنفا، وأن هذا التابوت كان مصدر سكينة، وطمأنينة لبني إسرائيل، ولا سيما عند قتال عدوهم، وأنه عاد إلى بني إسرائيل، تحمله الملائكة، من غير بحث في الطريق التي حملته بها الملائكة، وبذلك

стр. 226

كان التابوت آية دالة على صدق طالوت في كونه ملكا عليهم، وما وراء ذلك من الأخبار التي سمعتها لم يقم عليها دليل.

стр. 227

٥- الإسرائيليات في قصة قتل داود جالوت: ومن الإسرائيليات: ما يذكره المفسرون في قصة قتل داود، وهو: جندي صغير في جيش طالوت جالوتَ الملك الجبار، وذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ١. فقد ذكر الثعلبي، والبغوي، والخازن، وصاحب "الدر المنثور"، وغيرهم، في تفاسيرهم ما خلاصته: أنه عبر النهر فيمن عبر مع طالوت ملك بني إسرائيل إيشا: أبو داود في ثلاثة عشر ابنا له وكان داود أصغرهم، وكان يرمي بالقذافة٢ فلا يخطئ، وأنه ذكر لأبيه أمر قذافته تلك، وأنه دخل بين الجبال، فوجد أسدا فأخذ بأذنيه، فلم يهجه، وأنه مشى بين الجبال، فسبح، فما بقي جبل حتى سبح معه، فقال له أبوه: أبشر؛ فإن هذا خير أعطاك الله تعالى إياه. فأرسل جالوت إلى طالوت: أن ابرز إليَّ، أو أبرز إليَّ من يقاتلني، فإن قتلني فلكم ملكي، وإن قتلته فلي ملككم، فشق ذلك على طالوت، فنادى في عسكره: من قتل جالوت زوجته ابنتي، وناصفته ملكي، فهاب الناس جالوت، فلم يجبه أحد. فسأل طالوت نبيهم أن يدعو الله تعالى فدعا الله في ذلك، فأتى بقرن فيه دهن القدس، وتنور من حديد، فقيل: إن صاحبكم الذي يقتل جالوت هو الذي يوضع هذا القرن على رأسه، فيغلي الدهن حتى يدهن منه رأسه، ولا يسيل على وجهه، بل يكون على رأسه كالإكليل٣، ويدخل هذا التنور فيملؤه، ولا يتقلقل فيه. فدعا طالوت بني إسرائيل، فجربهم، فلم يوافقه منهم أحد، فأوحى الله إلى نبيهم:

стр. 228

إن في ولد "إيشا" من يقتل الله به جالوت، فدعا طالوت إيشا، فقال: اعرض هذا على بنيك، فأخرج له اثنى عشر رجلا أمثال السواري١، فجعل يعرضهم على القرن، فلا يرى شيئا فقال لإيشا: هل بقي لك ولد غيرهم؟ فقال: لا فقال نبي هذا الزمان: يا رب إنه زعم أن لا ولد له غيرهم، فقال الله: كذب، فقال هذا النبي لإيشا: إن الله كذبك!! فقال إيشا: صدق الله، يا نبي الله، إن لي ابنا صغيرا، يقال له: داود، استحييت أن يراه الناس لقصر قامته وحقارته فخلفته في الغنم يرعاها، وهو في شعب كذا وكذا، وكان داود رجلا قصيرا، مسقاما، مصغارا، أزرق أمعر٢، فدعاه طالوت، ويقال: بل خرج إليه، فوجد الوادي قد سال بينه وبين الزريبة التي كان يريح إليها، فوجده يحمل شاتين يجيز بهما السيل، ولا يخوض بهما الماء، فلما رآه قال: هذا هو لا شك فيه، هذا يرحم البهائم، فهو بالناس أرحم، فدعاه، ووضع القرن على رأسه، ففاض يعني من غير أن يسيل على وجهه فقال طالوت: هل لك أن تقتل جالوت، وأزوجك ابنتي، وأجري خاتمك في ملكي؟ قال: نعم، قال: وهل آنست من نفسك شيئا تتقوى به على قتله؟ قال: نعم، وذكر بعض ذلك. فأخذ طالوت داود، ورده إلى عسكره، وفي الطريق مر داود بحجر، فناداه: يا داود احملني؛ فإني حجر هارون الذي قتل بي ملك كذا، فحمله في مخلاته، ثم مر بآخر، فناداه قائلا: إنه حجر موسى الذي قتل به ملك كذا، فأخذه في مخلاته، ثم مر بحجر ثالث، فناداه قائلا له: احملني؛ فإني حجرك الذي تقتل بي جالوت، فوضعه في مخلاته. فلما تصافوا للقتال، وبرز جالوت، وسال المبارزة، انتدب له داود، فأعطاه طالوت فرسا، ودرعا، وسلاحا، فلبس السلاح، وركب الفرس، وسار قريبا، ثم لم يلبث أن

стр. 229

نزع ذلك، وقال لطالوت: إن لم ينصرني الله لم يغنِ عني هذا السلاح شيئا!!، فدعني أقاتل جالوت كما أريد، قال: فافعل ما شئت، قال: نعم. فأخذ داود مخلاته، فتقلدها، وأخذ المقلاع، ومضى نحو جالوت، وكان جالوت من أشد الرجال، وأقواهم، وكان يهزم الجيش وحده، وكان له يبضة فيها ثلاثمائمة رطل حديدا١ فلما نظر إلى داود ألقى الله في قلبه الرعب، وبعد مقاومة بينهما، وتوعد كل منهما الآخر، أخرج داود حجرا من مخلاته، ووضعه في مقلاعه وقال: باسم إله إبراهيم، ثم أخرج الآخر وقال: باسم إله إسحاق، ووضعه في مقلاعه، ثم أخرج الثالث وقال: باسم إله يعقوب، ووضعه في مقلاعه، فصارت كلها حجرا واحدا، ودور داود المقلاع، ورمى به، فسخر له الله الريح، حتى أصاب الحجر أنف البيضة، فخلص إلى دماغه، وخرج من قفاه، وقتل من ورائه ثلاثين رجلا، وهزم الله تعالى الجيش، وخر جالوت قتيلا، فأخذه يجره، حتى ألقاه بين يدي طالوت، ففرح جيش طالوت فرحا شديدا، وانصرفوا إلى مدينتهم، والناس يذكرون بالخير داود. فجاء داود طالوت، وقال له: أنجز لي ما وعدتني، فقال: وأين الصداق؟، فقال له داود: ما شرطت على صداقا غير قتل جالوت، ثم اقترح عليه طالوت أن يقتل مائتي رجل من أعدائهم، ويأتيه بغلفهم٢، ففعل، فزوجه طالوت ابنته، وأجرى خاتمه في ملكه، فمال الناس إلى داود، وأحبوه، وأكثروه ذكره، فحسده طالوت، وعزم على قتله، فأخبر ابنة طالوت رجل من أتباعه، فحذرت داود، وأخبرته بما عزم أبوها عليه، وبعد مغامرة من طالوت لقتل داود، ومكيدة وحيلة من داود، أنجى الله داود منه، فلما أصبح الصباح، وتيقن طالوت أن داود لم يقتل، خاف منه، وتوجَّس خيفة، واحتاط لنفسه، ولكن الله أمكن داود منه ثلاث مرات، ولكن لم يقتله، ثم كان أن فر داود من

стр. 230

طالوت في البرية، فرآه طالوت ذات يوم فيها، فأراد قتله، ولكن داود دخل غارًا، وأمر الله العنكبوت، فنسجت عليه من خيوطها، وبذلك نجا من طالوت، ولجأ إلى الجبل، وتعبد مع المتعبدين. فطعن الناس في طالوت بسبب داود، واختفائه، فأسرف طالوت في قتل العلماء والعباد، ثم كان أن وقعت التوبة في قلبه، وندم على ما فعل، وحزن حزنا طويلا، وصار يطلب من يفتيه أن له توبة فلم يجد حتى دل على امرأة عندها اسم الله الأعظم، فذهب إليها، وأمن روعها، فانطلقت به إلى قبر "شمويل"، فخرج من قبره وأرشده إلى طريق التوبة، وهو أن يقدم ولده ونفسه في سبيل الله حتى يقتلوا، ففعل، وجاء قاتل طالوت إلى داود لخيبره بقتله، فكانت مكافأته على ذلك: أن قتله، وأتى بنو إسرائيل إلى داود، وأعطوه خزائن طالوت، وملكوه على أنفسهم، وقد استغرق ذلك من تفسير البغوي بضع صحائف١. وفي هذا الذي ذكروه الحق والباطل، والصدق، والكذب، ونحن في غنية عنه بما في أيدينا من القرآن والسنة، وليس في كتاب الله ما يدل على ما ذكروه، ولسنا في حاجة إلى شيء من هذا في فهم القرآن وتدبره، فلا تلقِ إليه بالا، وارم به دبر أذنيك، فإن فيه تجنِّيًا على من اصطفاه الله ملكا عليهم، وكذبا على نبي الله داود، ويرحم الله الإمام العلامة ابن كثير فقد أعرض عن ذكره، ونبه إلى أنه من الإسرائيليات، فقال في قوله تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوت﴾ : "ذكروا في الإسرائيليات٢ أنه قتله بمقلاع كان في يده رماه به، فأصابه، فقتله، وكان طالوت قد وعده إن قتل جالوت أن يزوجه ابنته، ويشاطره نعمته، ويشركه في أمره، فوفى له ثم آل الملك إلى داود ﵇ مع ما منحه الله من النبوة العظيمة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ الذي كان بيد طالوت، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: النبوة بعد شمويل، ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ من العلم الذي اختصه به ﵊.

стр. 231

٦- الإسرائيليات في قصص الأنبياء والأمم السابقة: وقد جاء في كتب التفسير على اختلاف مناهجها إسرائيليات كواذب، ومرويات بواطل، لا يحصيها العد، وذلك فيما يتعلق بقصص الأنبياء والمرسلين والأمم والأقوام السابقين وقد رويت عن بعض الصحابة، والتابعين وتابعيهم، وورد بعضها مرفوعًا إلى النبي ﷺ كذبًا وزورًا. وهذه المرويات والحكايات لا تَمُتُّ إلى الإسلام، وإنما هي من خرافات بني إسرائيل وأكاذيبهم، وافتراءاتهم على الله، وعلى رسله، رواها عن أهل الكتاب الذين أسلموا، أو أخذها من كتبهم بعض الصحابة والتابعين، أو دست عليهم، بل فيها ما حرفوا للأجله التوراة، وذلك مثل ما فعلوا في قصة إسحاق بن إبراهيم، وأنه هو الذبيح، كما سيأتي. ولا يمكن استقصاء كل ما ورد من الإسرائيليات، وإلا لاقتضى هذا مجلدات كبارا، ولكني سأكتفي بما هو ظاهر البطلان، ولا يتفق وسنن الله في الأكوان، وما يخل بالعقيدة الصحيحة في أنبياء الله ورسله التي يدل عليها العقل السليم، والنقل الصحيح.

стр. 232

٧- ما ورد في قصة آدم ﵇: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيه﴾ . فمن تلك الإسرائيليات: ما رواه ابن جرير١ في تفسيره بسنده عن وهب بن منبه قال: لما أسكن الله آدم وذريته أو زوجته -الشك من أبي جعفر، وهو في أصل كتابه "وذريته"- ونهاه عن الشجرة، وكانت شجرة غصونها متشعبة بعضها في بعض، وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم٢، وهي الثمرة التي نهى الله آدم عنها وزوجته، فلما أراد إبليس أن يستنزلهما دخل في جوف الحية، وكانت للحية أربعة قوائم، كأنها بختية٣ من

стр. 233

أحسن دابة خلقها الله، فلما دخلت الحية الجنة خرج من جوفها إبليس، فأخذ من الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته فجاء بها إلى حواء، فقال: انظري إلى هذه الشجرة، ما أطيب ريحها، وأطيب طعمها، وأحسن لونها فأخذت حواء فأكلت منها، ثم ذهبت إلى آدم، فقالت له مثل ذلك حتى أكل منها، فبدت لهما سوءاتهما، فدخل آدم في جوف الشجرة فناداه ربه: يا آدم أين أنت؟ قال: أنا هنا يا رب، قال: ألا تخرج؟ قال: أستحيي منك يا رب، قال: ملعونة الأرض التي خلقت منها، لعنة يتحول عمرها شوكا.... ثم قال: يا حواء، أنت التي غررت عبدي؛ فإنك لا تحملين حملا إلا حملتيه كرها، فإذا أردت أن تضعي ما في بطنك، أشرفت على الموت مرارا، وقال للحية: أنت التي دخل الملعون في جوفك حتى غر عبدي، ملعونة أنت لعنة تتحول قوائمك في بطنك، ولا يكن لك رزق إلا التراب، أنت عدوة بني آدم، وهم أعداؤك.... قال عمرو: قيل لوهب: وما كانت الملائكة تأكل!! قال: يفعل الله ما يشاء١، قال ابن جرير: وروى ابن عباس نحو هذه القصة. ثم ذكر ابن جرير بسنده عن ابن عباس، وعن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة نحو هذا الكلام٢، وفي السند أسباط عن السدي، وعليهما تدور الروايات، وقد قدمنا حالهما في الرواية. وكذلك: ذكر السيوطي في "الدر المنثور" ما رواه ابن جرير وغيره في هذا، مما روي عن ابن عباس، وابن مسعود، ولكنه لم يذكر الرواية عن وهب من منبه٣، وأغلب كتب التفسير بالرأي ذكرت هذا أيضا، وكل هذا من قصص بني إسرائيل الذي تزيدوا فيه، وخلطوا حقا بباطل، ثم حمله عنهم ابن عباس، وغيره من الصحابة والتابعين، وفسروا به القرآن الكريم. ويرحم الله ابن جرير، فقد أشار بذكره الرواية عن وهب: إلى أن ما يرويه عن ابن عباس، وابن مسعود إنما مرجعه إلى وهب وغيره من مُسلِمة أهل الكتاب، ويا لتيه لم ينقل شيئا من هذا، ويا ليت من جاء بعده من المفسرين صانوا تفاسيرهم عن مثل هذا.

стр. 234

وفي رواية ابن جرير الأولى ما يدل على أن الذين رووا عن وهب وغيره كانوا يشكون فيما يروونه لهم، فقد جاء في آخرها: "قال عمرو١، قيل لوهب: وما كانت الملائكة تأكل؟!! قال: يفعل الله ما يشاء" فهم قد استشكلوا عليه: كيف أن الملائكة تأكل؟! وهو لم يأتِ بجواب يُعتدُّ به. ووسوسة إبليس لآدم ﵇ لا تتوقف على دخوله في بطن الحية؛ إذ الوسوسة لا تحتاج إلى قرب ولا مشافهة، وقد يوسوس إليه وهو على بعد أميال منه، والحية خلقها الله يوم خلقها على هذا، ولم تكن لها قوائم كالبختي، ولا شيء من هذا٢. ما ذكر في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ : ومن الروايات التي لا تثبت ما ذكره السيوطي في "الدر" قال: أخرج الطبراني في المعجم الصغير، والحاكم، وأبو نعيم، والبيهقي كلاهما في الدلائل، وابن عساكر، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ : "لما أذنب آدم الذنب الذي أذنبه، رفع رأسه إلى السماء، فقال: أسألك بحق محمد إلا غفرت لي، فأوحى الله إليه، ومن محمد؟ فقال: تبارك اسمك، لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك، فإذا فيه مكتوب، "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" فعلمت أنه ليس أحد أعظم عندك قدرا ممن جعلت اسمه مع اسمك، فأوحى الله إليه: يا آدم إنه آخر النبيين، من ذريتك، ولولا هو ما خلقتك" ثم قال: وأخرج الديلمي في مسند الفردوس بسند واه٣ عن علي، قال: سألت النبي ﷺ عن قول الله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْه﴾ فقال: إن الله أهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، وإبليس ببيسان، والحية بأصبهان، وكان للحية قوائم كقوائم البعير، ومكث آدم بالهند سنة باكيا على خطيئته، حتى بعث الله إليه

стр. 235

جبريل، وقال: يا آدم ألم أخلُقْك بيدي؟ ألم أنفخ فيك من روحي؟ ألم أُسْجِد لك ملائكتي؟ ألم أزوجك حواء أمتي؟ قال: بلى، قال: فما هذا البكاء؟ قال: وما يمنعني من البكاء، وقد أخرجت من جوار الرحمن، قال: فعليك بهذه الكلمات، فإن الله قابل توبتك، وغافر ذنبك، قل: اللهم إني أسألك بحق محمد، وآل محمد، سبحانك لا إله إلا أنت، عملت سوءا وظلمت نفسي، فاغفر لي، إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد سبحانك، لا إله إلا أنت، عملت سوءا وظلمت نفسي، فتب علي، إنك أنت التواب الرحيم، فهؤلاء الكلمات التي تلقى آدم. ولا أدري ما دام سنده واهيا لم ذكره؟! ومثل هذا عليه أمارات الوضع والاختلاق. ويسترسل السيوطي في الدر، فيذكر عن ابن عباس: أنه سأل رسول الله ﷺ عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه، فتاب عليه، قال: "سأل بحق محمد، وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت على، فتاب عليه"، ومثل هذا لا يشك طالب حديث في اختلاقه وأنه من وضع الشيعة، واختلاقهم، ثم يسترسل في الرواية، فيذكر: أن آدم لما هبط كان مسودًّا جسمه ثم بيض الله جسده بصيامه ثلاثة أيام، ولذلك سميت بالأيام البيض، وأنه ﵇ كان يشرب من السحاب، بل يروى عن عكب أنه أول من ضرب الدينار والدرهم، إلى غير ذلك مما لا يخرج عن كونه من الإسرائيليات. التفسير الصحيح للكلمات: والصحيح في الكلمات هو: ما روي عن طرق عدة: أنها قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وقدر واه السيوطي في الدر١ من طرق عدة، ولكنه خلط عملا صالحا، وآخر سيئا، وقد أفاض ابن جرير في تفسيره في ترجيح هذا القول، وإن ذكر غيره من الأقوال التي هي بعيدة عن الحق والصواب. ما نسب إلى ابني آدم لما قتل أحدهما الآخر: ومن ذلك: ما ذكره بعض المفسرين كابن جرير الطبري في تفسيره، والسيوطي في

стр. 236

تفسيره: "الدر المنثور" في قصة ابني آدم: قابيل، وهابيل، وقتل أولهما الآخر، ما روى عن عكب: أن الدم الذي على جبل قاسيون هو دم ابن آدم، وعن وهب: أن الأرض نشفت دم ابن آدم فلعن ابن آدم الأرض، فمن أجل ذلك لا تنشف الأرض دما بعد دم هابيل إلى يوم القيامة، وأن قابيل حمل هابيل سنة في جراب على عنقه، حتى أنتن وتغير، فبعث الله الغرابين قتل أحدهما الآخر، فحفر له، ودفنه، برجليه ومنقاره، فعلم كيف يصنع بأخيه، مع أن القرآن عبر بالفاء، التي تدل على الترتيب والتعقيب من غير تراخٍ، قال تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيه﴾ ١. وروى أيضا: أنه لما قتله أسودَّ جسده، وكان أبيض، فسأله آدم عن أخيه، فقال: ما كنت عليه وكيلا، قال: بل قتلته فلذلك أسودَّ جسدك، إلى نحو ذلك. فكل هذا وأمثاله عدا ما جاء في القرآن من إسرائيليات بني إسرائيل، وقد جاءت بعض الروايات صريحة عن كعب، ووهب، وما جاء عن ابن عباس، ومجاهد وغيرهما، فمرجعه إلى أهل الكتاب الذين أسلموا٢. ما نسب إلى آدم ﵇ من قول الشعر: ومن الإسرائيليات: ما رواه ابن جرير في تفسيره، وما ذكره السيوطي في الدر: من أن آدم لما قتل أحد ابنيه الآخر، مكث مائة عام لا يضحك حزنا عليه، فأتى على رأس المائة، فقيل له: حياك الله وبياك، وبشر بغلام، فعند ذلك ضحك. وكذلك ما ذكره من أن آدم ﵇ رثى ابنه بشعر، روى ابن جرير عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما قتل ابن آدم أخاه بكى آدم، فقال: تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغير قبيح تغير كل ذي لون وطعم ... وقلَّ بشاشة الوجه المليح

стр. 237

قال السيوطي: وأخرج الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس قال: لما قتل ابن آدم أخاه قال آدم ﵇: وذكر البيتين السابقين باختلاف قليل. فأجابه إبليس عليه اللعنة: تنح عن البلاد وساكنيها ... فبي في الخلد ضاق بك الفسيح وكنت بها وزوجك في رخاء ... وقلبك من أذى الدنيا مريح فما انفكت مكايدتي ومكري ... إلى أن فاتك الثمن الربيح١ وقد طعن في نسبة هذه الأشعار إلى نبي الله آدم الإمام الذهبي في كتابه: ميزان الاعتدال، وقال: إن الآفة فيه من المحزمي أو شيخه٢. وما الشعر الذي ذكروه إلا منحول مختلق، والأنبياء لا يقولون الشعر، وصدق الزمخشري حيث قال: "روي أن آدم مكث بعد قتل ابنه مائة سنة لا يضحك، وأنه رثاه بشعر، وهو كذب بحت، وما الشعر إلا منحول ملحون، وقد صح أن الأنبياء معصومون من الشعر"٣. وقد قال الله ﵎: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ ٤. وقال الإمام الآلوسي في تفسيره: وروي عن ميمون بن مهران عن الحبر ابن عباس ﵄ أنه قال: "من قال: آدم ﵇ قد قال شعرا فقد كذب، إن محمدًا ﷺ والأنبياء كلهم في النهى عن الشعر سواء، ولكن لما قتل قابيل هابيل بكاه آدم بالسريانية، فلم يزل ينقل، حتى وصل إلى يعرب بن قحطان، وكان يتكلم بالعربية، والسريانية، فقدم فيه وأخر، وجعله شعرا عربيا" وذكر بعض علماء العربية:

стр. 238

أن في ذلك لحنا، وإقواء، وارتكاب ضرورة، والأولى عدم نسبته إلى يعرب؛ لما فيه من الركاكة الظاهرة١. والحق: أنه شعر في غاية الركاكة، والأشبه أن يكون هذا الشعر من اختلاق إسرائيلي، ليس له من العربية إلا حظ قليل، أو قصاص يريد أن يستولي على قلوب الناس بمثل هذا الهراء.

стр. 239

٨- الإسرائيليات في عظم خلق الجبارين وخرافة عوج بن عوق: ومن الإسرائيليات التي اشتملت عليها كتب التفسير: ما يذكره بعض المفسرين، عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا.....﴾ ١. فقد ذكر الجلال السيوطي في "الدر" كثيرًا من الروايات في صفة هؤلاء القوم، وعظم أجسادهم، مما لا يتَّفق وسنة الله في خلقه، ويخالف ما ثبت في الأحاديث الصحيحة، وذلك مثل ما أخرجه ابن عبد الحكم عن أبي ضمرة قال: "استظل سبعون رجلا من قوم موسى في خف رجل من العماليق!! ومثل ما أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن يزيد بن أسلم قال: بلغني أنه رؤيت ضُبُع وأولادها رابضة في فجاج عين رجل من العماليق!! ومثل ما رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: أمر موسى أن يدخل مدينة الجبارين، فسار بمن معه، حتى نزل قريبا من المدينة، وهي "أريحاء" فبعث إليهم اثني عشر نقيبا، من كل سبط منهم عين؛ ليأتوه بخبر القوم، فدخلوا المدينة، فرأوا أمرا عظيما من هيبتهم، وجسمهم، وعظمهم، فدخلوا حائطًا أي: بستانًا لبعضهم فجاء صاحب الحائط ليجني الثمار، فنظر إلى آثارهم فتبعهم، فكلما أصاب واحدا منهم أخذه، فجعله في كمه مع الفاكهة وذهب إلى ملكهم، فنثرهم بين يديه، فقال الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، اذهبوا فأخبروا صاحبكم، قال: فرجعوا

стр. 240

إلى موسى فأخبروه بما عاينوه من أمرهم، فقال: اكتموا عنا، فجعل الرجل يخبر أخاه وصديقه، ويقول: اكتم عني، فأشيع في عسكرهم، ولم يكتم منهم إلا رجلان: يوشع بن نون، وكالب بن يوحنا، وهما اللذان أنزل الله فيهما: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُون﴾ . ويروي ابن جرير بسنده، عن مجاهد نحوا مما قدمنا، ثم يذكر أن عنقود عنبهم لا يحمله إلا خمسة أنفس، بينهم في خشبة ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس وأربعة١، إلى غير ذلك من الإسرائيليات الباطلة. خرافة عوج بن عوق ٢: ومن الإسرائيليات الظاهرة البطلان، التي ولِعَ بذكرها بعض المفسرين والأخباريين، عند ذكر الجبارين: قصة عوج بن عوق، وأنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع، وأنه كان يمسك الحوت، فيشويه في عين الشمس، وأن طوفان نوح لم يصل إلى ركبتيه، وأنه امتنع عن ركوب السفينة مع نوح، وأن موسى كان طوله عشرة أذرع وعصاه عشرة أذرع، ووثب في الهواء عشرة أذرع، فأصاب كعب عوج فقتله، فكان جسرًا لأهل النيل سنة إلى نحو ذلك من الخرافات، والأباطيل التي تصادم العقل والنقل، وتخالف سنن الله في الخليقة، ولا أدري كيف يتفق هذا الباطل، هو وقول الله ﵎: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ، قَالَ سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ ٣. اللهم إلا إذا كان عوج أطول من جبال الأرض!! فمن تلك الرويات الباطلة المخترعة: ما رواه ابن جرير بسنده عن أسباط، عن السدي، في قصة ذكرها من أمر موسى وبني إسرائيل وبعث موسى النقباء الاثني عشر،

стр. 241

وفيها: فلقيهم رجل من الجبارين يقال له: عوج، فأخذ الاثني عشر فجعلهم في حجزته١، وعلى رأسه حملة حطب، وانطلق بهم إلى امرأته، فقال: انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا، فطرحهم بين يديها، فقال: ألا أطحنهم برجلي؟ فقالت امرأته: بل خلِّ عنهم، حتى يخبروا قومهم بما رأوا، ففعل ذلك، وكذلك ذكر مثل هذا وأشنع منه غير ابن جرير والسيوطي بعض المفسرين، والقصصيين وهي كما قال ابن قتيبة: أحاديث خرافة، كانت مشهورة في الجاهلية، ألصقت بالحديث بقصد الإفساد٢. وإليك ما ذكره الإمام الحافظ الناقد ابن كثير في تفسيره، قال: وقد ذكر كثير من المفسرين ههنا أخبارا من وضع بني إسرائيل، في عظمة خلق هؤلاء الجبارين، وأن منهم عوج بن عنق بنت آدم ﵇، وأنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعا، وثلث ذراع، تحرير الحساب، وهذا شيء يستحيى من ذكره ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله خلق آدم، وطوله ستون ذراعا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن"، ثم ذكروا: أن هذا الرجل كان كافرًا، وأنه كان ولد زنية، وأنه امتنع من ركوب سفينة نوح، وأن الطوفان لم يصل إلى ركبتيه، وهذا كذب وافتراء؛ فإن الله تعالى ذكر أن نوحا دعا على أهل الأرض من الكافرين، فقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِم﴾ ، وإذا كان ابن نوحٍ الكافرُ غرق، فكيف يبقى عوج بن عنق، وهو كافر، وولد زينة؟! هذا لا يسوغ في عقل، ولا شرع، ثم في وجود رجل يقال له: عوج ابن عنق نظر، والله أعلم٣. وقال العلامة ابن قيم الجوزية، بعد أن ذكر حديث عوج: "وليس العجب من جرأة من وضع هذا الحديث، وكذب على الله، وإنما العجب ممن يدخل هذا في كتب العلم

стр. 242

من التفسير وغيره، فكل ذلك من وضْع زنادقة أهل الكتاب الذين قصدوا الاستهزاء، والسخرية بالرسل وأتباعهم، أقول: وسواء أكان عوج بن عوق شخصية وجدت حقيقة، أو شخصية خيالية: فالذي ننكره هو: ما أضفوه عليه من صفات وما حاكوه حوله من أثواب الزور والكذب والتجرؤ على أن يفسر كتاب الله بهذا الهراء، وليس في نص القرآن ما يشير إلى ما حكوه وذكروه، ولو من بعد، أو على وجه الاحتمال، ثم أين زمن نوح من زمن موسى ﵉ وما يدل عليه آية: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ كان في زمن موسى قطعًا، ولا مرية في هذا فهل طالت الحياة بعوق حتى زمن موسى؟! بل قالوا: إن موسى هو الذي قتله، ألا لعن الله اليهود، فكم من علم أفسدوا، وكم من خرافات وأباطيل وضعوا.

стр. 243

٩- الإسرائيليات في قصة التيه: فمن هذه الأخبار العجيبة التي رويت في قصة التيه: ما رواه ابن جرير بسنده عن الربيع، قال: لما قال لهم القوم ما قالوا، ودعا موسى عليهم، أوحى الله إلى موسى أنها محرمة عليهم أربعين سنة، يتيهون في الأرض، فلا تأسَ على القوم الفاسقين، وهم يومئذ ستمائة ألف مقاتل فجعلهم فاسقين بما عصوا، فلبثوا أربعين سنة في فراسخ ستة، أو دون ذلك، يسيرون كل يوم جادين، لكي يخرجوا مها، حتى يمسوا، وينزلوا، فإذا هم في الدار التي منها ارتحلوا، وأنهم اشتكوا إلى موسى ما فعل بهم فأنزل عليهم المن والسلوى١، وأعطوا من الكسوة ما هي قائمة لهم، ينشأ الناشئ فتكون معه على هيئته، وسأل موسى ربه أن يسقيهم، فأتى بحجر الطور، وهو حجر أبيض، إذا ما أنزل القوم ضربه بعصاه، فيخرج منه اثنتا عشرة عينا، لكل سبط منهم عين، قد علم كل أناس مشربهم..... وكذلك: روي أن ثيابهم ما كانت تبلى، ولا تتسخ، وكذلك نقل بعض المفسرين كالزمخشري وغيره: بأنهم كانوا ستمائة ألف، وسعة المعسكر اثنا عشر ميلا،

стр. 244

وكذلك: ذكروا أن الحجر كان من الجنة، ولم يكن حجرا أرضيا، ومنهم من قال: كان على هيئة رأس إنسان، ومنهم من قال: كان على هيئة رأس شاة، وقيل: كان طوله عشرة أذرع، وله شعبتان تتقدان في الظلام، إلى غير ذلك من تزيدات بني إسرائيل، وليس في القرآن ما يدل على هذا الذي ذكروه في وصف الحجر، مع أنه لو أريد بالحجر الجنس، وأن يضرب أي حجر ما، لكان أدل على القدرة، وأظهر في الإعجاز. وقد لاحظ ابن خلدون من قبل المغالط التي تدخل في مثل هذه المرويات، فقال في مقدمته المشهورة: اعلم: أن فن التاريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم، وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا، فهو محتاج إلى مآخذ متعددة، ومعارف متنوعة، وحسن نظر وتثبُّت، يفضيان بصاحبهما إلى الحق، وينكبان به عن المزلات والمغالط؛ لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تحكم أصول العادة، وقواعد السياسة، طبيعة العمران، والأحوال في الاجتماع الإنساني. ولو قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب فربما لم يؤمن فيها من العثور، ومزلَّة القدم، والحيد عن جادة الصدق، وكثيرا ما وقع للمؤرخين، والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات، والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا، أو سمينا، ولم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر، والبصيرة في الأخبار فضلُّوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم، والغلط، سيما في إحصاء الأعداد من الأموال، والعساكر إذا عرضت في الحكايات؛ إذ هي مظنة الكذب ومطية الهذر، ولا بد من ردها إلى الأصول، وعرضها على القواعد، وهذا: كما نقل المسعودي وكثير من المؤرخين في جيوش بني إسرائيل، وأن موسى أحصاهم في التيه، بعد أن أجاز من كان يطيق حمل السلاح خاصة من ابن عشرين، فما فوقها، فكانوا ستمائة ألف أو يزيدون، ويذهل في ذلك عن تقدير مصر والشام، واتساعها لمثل هذا العدد من الجيوش، لكل مملكة حصة من الحامية.

стр. 245

تتسع لها، وتقوم بوظائفها، وتضيق عما فوقها، تشهد بذلك العوائد المعروفة، والأحوال المألوفة..... ولقد كان ملك الفرس ودولتهم أعظم من ملك بني إسرائيل بكثير، يشهد لذلك: ما كان من غلبة بختنصر لهم، والتهامه بلادهم، واستيلائه على أمرهم، وتخريب بيت المقدس قاعدة ملتهم، وسلطانهم وهو من بعض عمال مملكة فارس..... وكانت ممالكهم بالعراقين، وخراسان، وما وراء النهر، والأبواب أوسع من ممالك بني إسرائيل بكثير، ومع ذلك لم تبلغ جيوش الفرس قط مثل هذا العدد ولا قريبا منه، وأعظم ما كانت جموعهم بالقادسية مائة وعشرين ألفا، كلهم متبوع على ما نقله "سيف" قال: وكانوا في أتباعهم أكثر من مائتي ألف، وعن عائشة، والزهري: أن جموع رستم التي حف بهم سعد بالقادسية إنما كانوا ستين ألفا كلهم متبوع. وأيضا: فلو بلغ بنو إسرائيل مثل هذا العدد، لاتسع نطاق ملكهم، وانفسح مدى دولتهم، فإن العمالات، والممالك في الدول على نسبة الحامية، والقبيل القائمين بها في قلتها وكثرتها حسبما نبين ذلك في فصل الممالك من الكتاب الأول١، والقوم لم تتسع ممالكهم إلى غير الأردن، وفلسطين من الشام، وبلاد يثرب، وخيبر، من الحجاز على ما هو المعروف. وأيضا: فالذي بين موسى، وإسرائيل إن هو إلا أربعة آباء، على ما ذكره المحققون، فإن موسى بن عمران بن يصهر بن قاهَِث بفتح الهاء وكسرها بن لاوي بكسر الواو وفتحها ابن يعقوب وهو إسرائيل الله، هكذا نسبه في التوراة، والمدة بينهما على ما نقله المسعودي، قال: دخل إسرائيل مصر مع ولده الأسباط، وأولادهم، حين أتوا إلى يوسف سبعين نفسا، وكان مقامهم بمصر، إلى أن خرجوا مع موسى ﵇ إلى التيه مائتين وعشرين سنة، تتداولهم ملوك القبط من الفراعنة، ويبعد أن يتشعب النسل في أربعة أجيال إلى مثل هذا العدد!! وإن زعموا أن عدد تلك الجيوش إنما كان في زمن سليمان ومن بعده، فبعيد أيضا؛ إذ ليس بين سليمان، وإسرائيل إلا أحد عشر

стр. 246

أبا ... ولا يتشعب النسل في أحد عشر من الولد إلى هذا العدد الذي زعموه، اللهم إلا المئين والآلاف، فربما يكون، وأما أن يتجاوز هذا إلى ما بعدهما من عقود الأعداد فبعيد، واعتبر ذلك في الحاضر المشاهد، والقريب المعروف تجد زعمهم باطلًا، ونقلهم كاذبًا. قال: والذي ثبت في "الإسرائيليات": أن جنود سليمان كانت اثني عشر ألفًا خاصة، وأن مقرباته كانت ألفا، وأربعمائة فرس مرتبطة على أبوابه، هذا هو الصحيح من أخبارهم، ولا يلتفت إلى خرافات العامة منهم، وفي أيام سليمان ﵇، وملكه كان عنفوان دولتهم، واتساع ملكهم١. وهذا الفصل من النفاسة بمكان، فلذلك حرصت على ذكره؛ لأنه يفيدنا في رد الكثير من الإسرائيليات التي وقعت فيها المغالط، والأخبار الباطلة، والخرافات التي كانت سائدة في العصور الأولى.

стр. 247

١٠- الإسرائيليات في "المائدة التي طلبها الحواريون ": ومن الإسرائيليات التي ذكرها المفسرون عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ، قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ ١. وقد اختلف العلماء في المائدة: أنزلت أم لا؟ وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا على نزولها، وهذا هو ظاهر القرآن، فقد وعد الله، ووعدُهُ محقق لا محالة، وذهب الجنس

стр. 248

ومجاهد إلى أنها لم تنزل؛ وذلك لأن الله سبحانه لما توعدهم على كفرهم بعد نزولها بالعذاب البالغ غاية الحد خافوا أن يكفر بعضهم، فاستعفوا، وقالوا: لا نريدها فلم تنزل، ولا أدرى ما الحامل لهم على هذا؟! وقد أحيطت المائدة بأخبار كثيرة، أغلب الظن: أنها من الإسرائيليات رويت عن وهب بن منبه، وكعب، وسلمان، وابن عباس، ومقاتل، والكلبي، وعطاء، وغيرهم، بل رووا في ذلك حديثًا عن عمار بن ياسر عن النبي ﷺ أنه قال: "إنها نزلت خبزًا ولحمًا، وأمروا أن لا يخونوا، ولا يدخروا لغد" وفي رواية: بزيادة "ولا يخبئوا، فخانوا وادخروا، ورفعوا لغد، فمسخوا قردة وخنازير"، ورفع مثل هذا إلى النبي غلط، ووهم من أحد الرواة على ما أرجح، فقد روى هذا ابن جرير في تفسيره مرفوعان وموقوفان والموقوف أصح، وقد نص على أن المرفوع لا أصل له الإمام أبو عيسى الترمذي فقال: بعد أن روى الروايات المرفوعة: "هذا حديث قد رواه أبو عاصم وغير واحد، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن خلاس، عن عمار بن ياسر موقوفا، ولا نعرفه مرفوعا إلا من حديث الحسن بن قزعة"، وبعد أن ذكر رواية موقوفة عن أبي هريرة، قال: "وهذا أصح من حديث الحسن بن قزعة، ولا نعرف للحديث المرفوع أصلا"١. وقد اختلفت المرويات في هذا، فروى العوفي عن ابن عباس: أنها خوان عليه خبز وسمك، يأكلون منه أينما نزلوا، إذا شاءوا، وقال عكرمة عن ابن عباس: كانت المائدة سمكة، وأريغفة٢، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: أنزل على المائدة كل شيء إلا الخبز واللحم. وقال كعب الأحبار: نزلت المائدة تطير بها الملائكة بين السماء والأرض، عليها كل الطعام إلا اللحم. وقال وهب بن منبه: أنزلها من السماء على بني إسرائيل، فكان ينزل عليهم في كل يوم في تلك المائدة من ثمار الجنة، فأكلوا ما شاءوا من ضروب شتى، فكان يقعد عليها أربعة ألاف، وإذا أكلوا أنزل الله مكان ذلك لمثلهم فلبثوا على ذلك ما شاء الله .

стр. 249

وقال وهب أيضا: نزل عليهم أقرصة من شعير، وأحوات١، وحشا الله بين أضعافهن البركة، فكان قوم يأكلونن ثم يخرجون، ثم يجيء آخرون فيأكلون، ثم يخرجون، حتى أكل جميعهم، وأفضلوا، وهكذا لم يتفق الرواة على شيء، مما يدل على أنها إسرائيليات مبتدعة، وليس مرجعها إلى المعصوم ﷺ والحق أبلج، والباطل لجلج لا يُتفق عليه غالبا. وسأكتفي بذكر الرواية الطويلة التي ذكرها ابن أبي حاتم، في تفسيره بسنده، عن وهب بن منبه، عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي ﵁ وخلاصتها: "أن الحواريين لما سألوا عيسى ابن مريم ﵇ المائدة كره ذلك؛ خشية أن تنزل عليهم، فلا يؤمنوا بها، فيكون فيها هلاكهم، فلما أبوا إلا أن يدعو لهم الله لكي تنزل، دعا الله، فاستجاب له، فأنزل الله تعالى سفرة حمراء بين غمامتين؛ غمامة فوقها وغمامة تحتها، وهم ينظرون إليها في الهواء منقضة من السماء، تهوي إليهم، وعيسى ﵊ يبكي خوفا من الشرط الذي اتخذ عليهم فيها فما زال يدعو حتى استقرت السفرة بين يديه، والحواريون حوله يجدون رائحة طيبة، لم يجدوا رائحة مثلها قط، وخرَّ عيسى ﵊ والحواريون سجَّدًا، شكرا لله تعالى وأقبل اليهود ينظرون إليهم، فرأوا ما يغمهم، ثم انصرفوا، فأقبل عيسى ﵇ ومن معه ينظرونها فإذا هي مغطاة بمنديل، فقال ﵇: من أجرؤنا على كشفه، وأوثقنا بنفسه، وأحسننا بلاء عند ربه، حتى نراها، ونحمد ربنا ونأكل من رزقه الذي رزقنا؟ فقالوا: يا روح الله وكلمته، أنت أولى بذلك، فقام واستأنف وضوءا جديدا، ثم دخل مصلاه، فصلى ركعات، ثم بكى طويلا، ودعا الله تعالى أن يأن له في الكشف عنها، ويجعل له ولقومه فيها بركة، ورزقا، ثم انصرف، وجلس حول السفرة وتناول المنديل، وقال: بسم الله خير الرازقين، وكشف عنها، فإذا عليها سمكة ضخمة مشوية، ليس عليها بواسير٢، وليس في جوفها شوك، يسيل السمن٣.

стр. 250

منها، قد نضد حولها بقول من كل صنف غير الكراث، وعند رأسها خل، وعند ذنبها ملح، وحول البقول خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الآخر تمرات، وعلى الآخر خمس رمانات، وفي رواية: على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد١ فقال شمعون رأس الحواريين لعيسى: يا روح الله وكلمته، أمن طعام الدنيا هذا، أم من طعام الجنة؟ فقال عيسى: أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون من الآيات، وتنتهوا عن تنقير المسائل؟! ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا في سبب نزول هذه الآية، فقال له شمعون: لا وإله إسرائيل ما أردت بهذا سؤالا٢ يا ابن الصديقة، فقال عيسى ﵇ ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا، ولا من طعام الجنة، إنما هو شيء ابتدعه الله في الهواء بالقدرة الغالبة القاهرة. فقالوا: يا روح الله وكلمته، إنا نحب أن يرينا الله آية في هذه الآية: فقال ﵇: سبحان الله تعالى أما اكتفيتم؟! ثم قال: يا سمكة عودي بإذن الله تعالى حية كما كنت، فأحياها الله، وعادت حية طرية، يا سمكة عودي بإذن الله تعالى كما كنت مشوية، فعادت، ثم دعاهم إلى الأكل فامتنعوا، حتى يكون هو البادئ، فأبى، ثم دعا لها الفقراء والزمنى، وقال: كلوا من رزق ربكم، ودعوة نبيكم، واحمدوا الله تعالى الذي أنزلها لكم، فيكون مهنئوها لكم وعقوبتها على غيركم، وافتتحوا أكلكم باسم الله تعالى، واختتموه بحمد الله، ففعلوا، فأكل منها ألف وثلاثمائة إنسان بين رجل وامرأة، يصدرون عنها، كل واحد منهم شبعان يتجشَّأ، ونظر عيسى والحواريون، فإذا ما عليها كهيئته، إذ نزلت من السماء، لم ينقص منها شيء، ثم إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون، فاستغنى كل فقير أكل منها وبرئ كل زمن أكل منها، وندم الحواريون وأصحابهم الذين أبوا أن يأكلوا منها ندامة سالت منها أشفارهم، وبقيت حسرتها في قلوبهم، إلى يوم الممات٣.
следующие страницы →