← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8671

الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير

محمد أبو شهبة

Полный текст (439 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أبا ... ولا يتشعب النسل في أحد عشر من الولد إلى هذا العدد الذي زعموه، اللهم إلا المئين والآلاف، فربما يكون، وأما أن يتجاوز هذا إلى ما بعدهما من عقود الأعداد فبعيد، واعتبر ذلك في الحاضر المشاهد، والقريب المعروف تجد زعمهم باطلًا، ونقلهم كاذبًا. قال: والذي ثبت في "الإسرائيليات": أن جنود سليمان كانت اثني عشر ألفًا خاصة، وأن مقرباته كانت ألفا، وأربعمائة فرس مرتبطة على أبوابه، هذا هو الصحيح من أخبارهم، ولا يلتفت إلى خرافات العامة منهم، وفي أيام سليمان ﵇، وملكه كان عنفوان دولتهم، واتساع ملكهم١. وهذا الفصل من النفاسة بمكان، فلذلك حرصت على ذكره؛ لأنه يفيدنا في رد الكثير من الإسرائيليات التي وقعت فيها المغالط، والأخبار الباطلة، والخرافات التي كانت سائدة في العصور الأولى.

стр. 247

١٠- الإسرائيليات في "المائدة التي طلبها الحواريون ": ومن الإسرائيليات التي ذكرها المفسرون عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ، قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ ١. وقد اختلف العلماء في المائدة: أنزلت أم لا؟ وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا على نزولها، وهذا هو ظاهر القرآن، فقد وعد الله، ووعدُهُ محقق لا محالة، وذهب الجنس

стр. 248

ومجاهد إلى أنها لم تنزل؛ وذلك لأن الله سبحانه لما توعدهم على كفرهم بعد نزولها بالعذاب البالغ غاية الحد خافوا أن يكفر بعضهم، فاستعفوا، وقالوا: لا نريدها فلم تنزل، ولا أدرى ما الحامل لهم على هذا؟! وقد أحيطت المائدة بأخبار كثيرة، أغلب الظن: أنها من الإسرائيليات رويت عن وهب بن منبه، وكعب، وسلمان، وابن عباس، ومقاتل، والكلبي، وعطاء، وغيرهم، بل رووا في ذلك حديثًا عن عمار بن ياسر عن النبي ﷺ أنه قال: "إنها نزلت خبزًا ولحمًا، وأمروا أن لا يخونوا، ولا يدخروا لغد" وفي رواية: بزيادة "ولا يخبئوا، فخانوا وادخروا، ورفعوا لغد، فمسخوا قردة وخنازير"، ورفع مثل هذا إلى النبي غلط، ووهم من أحد الرواة على ما أرجح، فقد روى هذا ابن جرير في تفسيره مرفوعان وموقوفان والموقوف أصح، وقد نص على أن المرفوع لا أصل له الإمام أبو عيسى الترمذي فقال: بعد أن روى الروايات المرفوعة: "هذا حديث قد رواه أبو عاصم وغير واحد، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن خلاس، عن عمار بن ياسر موقوفا، ولا نعرفه مرفوعا إلا من حديث الحسن بن قزعة"، وبعد أن ذكر رواية موقوفة عن أبي هريرة، قال: "وهذا أصح من حديث الحسن بن قزعة، ولا نعرف للحديث المرفوع أصلا"١. وقد اختلفت المرويات في هذا، فروى العوفي عن ابن عباس: أنها خوان عليه خبز وسمك، يأكلون منه أينما نزلوا، إذا شاءوا، وقال عكرمة عن ابن عباس: كانت المائدة سمكة، وأريغفة٢، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: أنزل على المائدة كل شيء إلا الخبز واللحم. وقال كعب الأحبار: نزلت المائدة تطير بها الملائكة بين السماء والأرض، عليها كل الطعام إلا اللحم. وقال وهب بن منبه: أنزلها من السماء على بني إسرائيل، فكان ينزل عليهم في كل يوم في تلك المائدة من ثمار الجنة، فأكلوا ما شاءوا من ضروب شتى، فكان يقعد عليها أربعة ألاف، وإذا أكلوا أنزل الله مكان ذلك لمثلهم فلبثوا على ذلك ما شاء الله .

стр. 249

وقال وهب أيضا: نزل عليهم أقرصة من شعير، وأحوات١، وحشا الله بين أضعافهن البركة، فكان قوم يأكلونن ثم يخرجون، ثم يجيء آخرون فيأكلون، ثم يخرجون، حتى أكل جميعهم، وأفضلوا، وهكذا لم يتفق الرواة على شيء، مما يدل على أنها إسرائيليات مبتدعة، وليس مرجعها إلى المعصوم ﷺ والحق أبلج، والباطل لجلج لا يُتفق عليه غالبا. وسأكتفي بذكر الرواية الطويلة التي ذكرها ابن أبي حاتم، في تفسيره بسنده، عن وهب بن منبه، عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي ﵁ وخلاصتها: "أن الحواريين لما سألوا عيسى ابن مريم ﵇ المائدة كره ذلك؛ خشية أن تنزل عليهم، فلا يؤمنوا بها، فيكون فيها هلاكهم، فلما أبوا إلا أن يدعو لهم الله لكي تنزل، دعا الله، فاستجاب له، فأنزل الله تعالى سفرة حمراء بين غمامتين؛ غمامة فوقها وغمامة تحتها، وهم ينظرون إليها في الهواء منقضة من السماء، تهوي إليهم، وعيسى ﵊ يبكي خوفا من الشرط الذي اتخذ عليهم فيها فما زال يدعو حتى استقرت السفرة بين يديه، والحواريون حوله يجدون رائحة طيبة، لم يجدوا رائحة مثلها قط، وخرَّ عيسى ﵊ والحواريون سجَّدًا، شكرا لله تعالى وأقبل اليهود ينظرون إليهم، فرأوا ما يغمهم، ثم انصرفوا، فأقبل عيسى ﵇ ومن معه ينظرونها فإذا هي مغطاة بمنديل، فقال ﵇: من أجرؤنا على كشفه، وأوثقنا بنفسه، وأحسننا بلاء عند ربه، حتى نراها، ونحمد ربنا ونأكل من رزقه الذي رزقنا؟ فقالوا: يا روح الله وكلمته، أنت أولى بذلك، فقام واستأنف وضوءا جديدا، ثم دخل مصلاه، فصلى ركعات، ثم بكى طويلا، ودعا الله تعالى أن يأن له في الكشف عنها، ويجعل له ولقومه فيها بركة، ورزقا، ثم انصرف، وجلس حول السفرة وتناول المنديل، وقال: بسم الله خير الرازقين، وكشف عنها، فإذا عليها سمكة ضخمة مشوية، ليس عليها بواسير٢، وليس في جوفها شوك، يسيل السمن٣.

стр. 250

منها، قد نضد حولها بقول من كل صنف غير الكراث، وعند رأسها خل، وعند ذنبها ملح، وحول البقول خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الآخر تمرات، وعلى الآخر خمس رمانات، وفي رواية: على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد١ فقال شمعون رأس الحواريين لعيسى: يا روح الله وكلمته، أمن طعام الدنيا هذا، أم من طعام الجنة؟ فقال عيسى: أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون من الآيات، وتنتهوا عن تنقير المسائل؟! ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا في سبب نزول هذه الآية، فقال له شمعون: لا وإله إسرائيل ما أردت بهذا سؤالا٢ يا ابن الصديقة، فقال عيسى ﵇ ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا، ولا من طعام الجنة، إنما هو شيء ابتدعه الله في الهواء بالقدرة الغالبة القاهرة. فقالوا: يا روح الله وكلمته، إنا نحب أن يرينا الله آية في هذه الآية: فقال ﵇: سبحان الله تعالى أما اكتفيتم؟! ثم قال: يا سمكة عودي بإذن الله تعالى حية كما كنت، فأحياها الله، وعادت حية طرية، يا سمكة عودي بإذن الله تعالى كما كنت مشوية، فعادت، ثم دعاهم إلى الأكل فامتنعوا، حتى يكون هو البادئ، فأبى، ثم دعا لها الفقراء والزمنى، وقال: كلوا من رزق ربكم، ودعوة نبيكم، واحمدوا الله تعالى الذي أنزلها لكم، فيكون مهنئوها لكم وعقوبتها على غيركم، وافتتحوا أكلكم باسم الله تعالى، واختتموه بحمد الله، ففعلوا، فأكل منها ألف وثلاثمائة إنسان بين رجل وامرأة، يصدرون عنها، كل واحد منهم شبعان يتجشَّأ، ونظر عيسى والحواريون، فإذا ما عليها كهيئته، إذ نزلت من السماء، لم ينقص منها شيء، ثم إنها رفعت إلى السماء وهم ينظرون، فاستغنى كل فقير أكل منها وبرئ كل زمن أكل منها، وندم الحواريون وأصحابهم الذين أبوا أن يأكلوا منها ندامة سالت منها أشفارهم، وبقيت حسرتها في قلوبهم، إلى يوم الممات٣.

стр. 251

وكانت المائدة إذا نزلت بعد ذلك: أقبل إليها بنو إسرائيل يسعون من كل مكان، يزاحم بعضهم بعضا، فلما رأى ذلك، جعلها نوبا تنزل يوما ولا تنزل يوما، ومكثوا على ذلك أربعين يوما، تنزل عليهم غبا، عند ارتفاع النهار، فلا تزال موضوعة يؤكل منها، حتى إذا قالوا١ ارتفعت عنهم إلى جو السماء، وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض، حتى تتوارى عنهم٢. فأوحى الله تعالى إلى عيسى ﵊: أن اجعل رزقي لليتامى، والمساكين، والزمنى دون الأغنياء من الناس، فلما فعل ذلك ارتاب بها الأغنياء، وعمصوا ذلك، حتى شكوا فيها في أنفسهم، وشككوا فيها الناس، وأذاعوا في أمرها القبيح، والمنكر، وأدرك الشيطان منهم حاجته، وقذف وساوسه في قلوب المرتابين، فلما علم عيسى ذلك منهم قال: هلكتم وإله المسيح، سألتم نبيكم أن يطلب المائدة لكم إلى ربكم، فلما فعل، وأنزلها عليكم رحمة، ورزقا، وأراكم فيها الآيات والعبر كذبتم بها، وشككتم فيها فأبشروا بالعذاب؛ فإنه نازل بكم إلا أن يرحمكم الله تعالى، وأوحى الله تعالى إلى عيسى ﵇ إني آخذ المكذبين بشرطي، فإني معذب منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، فلما أمسى المرتابون بها، وأخذوا مضاجعهم في أحسن صورة مع نسائهم آمنين، فلما كان في آخر الليل مسخهم الله خنازير، فأصبحوا يتبعون الأقذار في الكناسات. قال ابن كثير في تفسيره بعد ذكره: "هذا أثر غريب٣ جدا قطعه ابن أبي حاتم في مواضع من هذه القصة، وقد جمعته أنا ليكون سياقه أتم، وأكمل، والله أعلم". أقول: ومن هذه الروايات الغريبة دخل البلاء على الإسلام والمسلمين؛ لأن غالبها لا يصح، ولذا قال الإمام الجليل أحمد بن حنبل: "لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب؛ فإنها مناكير، وعامتها عن الضعفاء".

стр. 252

وقال الإمام مالك: "شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس" وقال ابن المبارك: "العلم: الذي يجيئك من ههنا وههنا" يعني المشهور الذي رواه الكثيرون. رواها البيهقي في المدخل وروى عن الزهري أنه قال: "ليس من العلم ما لا يُعرَف، إنما العلم ما عُرِف وتواطأت عليه الألسن١". وأحب أن أنبه إلى أن أصل القصة ثابت بالقرآن الذي لا شك فيه وإنما موضع الشك في كل هذه التزيدات التي هي من الإسرائيليات. وقد ذكر المفسرون جميعا كل ما يدور حول قصة المائدة، وإن اختلفوا في ذلك قلة وكثرة٢، والعجب أن أحدا لم ينبه على أصل هذه المرويات، والمنبع الذي نبعت منه، حتى الإمامين الجليلين: ابن كثير والآلوسي، وإن كان ابن كثير قد أشار من طرف خفي إلى عدم صحة معظم ما روى، ولعلهم اعتبروا ذلك مما يباح روايته، ويحتمل الصدق والكذب، فذكروه من غير إنكار له، وكان عليهم أن ينزهوا التفسير عن هذا وأمثاله. وقد شكك في القصة الطويلة التي اختصرناها الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، فقال: قلت: في هذا الحديث مقال، ولا يصح من قبل إسناده٣. ثم عرض بعد لما روي مرفوعا، وموقوفا، وذكر ما قاله الإمام أبو عيسى الترمذي: من أن الموقوف أصح، وأن المرفوع لا أصل له٤. التفسير الصحيح للآيات: ولأجل أن نكون على بينة من أن تفسير الآيات، والانتفاع بها، والاهتداء بهديها.

стр. 253

ليس متوقِّفًا على ما رووا من أخبار وقصص، تفسر لك الآيات تفسيرا صحيحا، كما هو منهجنا في كل ما عرضنا له، فأقول وبالله التوفيق: قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ إذ: ظرف لما مضى من الزمان، وهو مفعول لفعل محذوف، والتقدير: اذكر -يا محمد- ما حدث في هذا الزمن البعيد؛ ليكون دليلًا على صدق نُبُوَّتِك، فما كنت معهم، ولا صاحب أهل الكتاب، ولم تكن قارئا، ولا كاتبا. الحواريون: جمع حواري وهم: المخلصون الأصفياء من أتباع عيسى ﵇ ويطلق أيضا على الأصحاب المخلصين من أتباع الأنبياء، وفي الحديث الصحيح: "إن لكل نبي حواريا وحواري: الزبير "يعني ابن العوام". المائدة: الخوان الذي عليه الطعام، فإن لم يكن عليها طعام فهو خوان: السماء؛ إما المعروفة أو المراد بها جهة العلو؛ فإنها قد تطلق ويراد بها كل ما علا. وليس المراد بالاستفهام هو أصل الاستطاعة، وأنهم ما كانوا يعلمون هذا؛ لأن السائلين كانوا مؤمنين، عارفين، عالمين بالله وصفاته، بل في أعلى درجات هذه الصفات، وإنما المراد بالسؤال: الإنزال بالفعل، من قبيل إطلاق السبب وإرادة المسبب، والمعنى: هل يجيبنا ربك -يا نبينا عيسى- إلى ذلك أم لا؟ وقال بعض العلماء: ليس ذلك بشك في الاستطاعة، وإنما هو تلطُّف في السؤال، وأدب مع الله تعالى بهذه الصيغة المهذبة كقول الرجل لآخر: هل تستطيع أن تعتبني على كذا، وهو يعلم أنه يستطيع. وأما قول من قال: إنه من قول من كان مع الحواريين، فبعيد؛ لخروجه عن ظاهر الآية، ولا سيما أن تفسير الآية مستقيم غاية الاستقامة على ما ذكرنا. وهذا السؤال إما لفقرهم وحاجتهم، وإما لتعرف فضل نبيهم عيسى، وفضلهم وكرامتهم عند ربهم. وأما ما روي أن عيسى أمرهم بصيام ثلاثين يومًا، ثم ليسألوا ربهم ما يشاءون،

стр. 254

فصاموا وسألوا، فلست منه على ثلج ﴿قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين﴾ . ليس هذا شكا في إيمانهم، وإنما هو أسلوب معهود، حملا على التقوى، كما قال تعالى في حق المؤمنين الصادقين، من هذه الأمة المحمدية: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين﴾ ١ والمعنى: اتقوا الله ولا تسألوه، فعسى أن يكون فتنة لكم، وتوكَّلوا على الله في طلب الرزق، أو اتقوا الله ودعوا كثرة السؤال؛ فإنكم لا تدرون ما يحل بكم عن اقتراح الآيات؛ لأن الله سبحانه إنما يفعل الأصلح لعباده ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين﴾ ١، من أهل الإيمان بالله ورسله، ولا سيما أنه سبحانه آتاكم من الآيات ما فيه غنية عن غيره ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ بدأوا بالغذاء المادي، ثم ثنوا بالغذاء الروحي، فقالوا: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ ، وهو مثل قول الخليل إبراهيم ﵇: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ٢. ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ أي: نزداد علما، ويقينًا بصدقك، وحقيقة رسالتك: ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: المقرين المعترفين لله بالوحدانية، ولك بالنبوة، والرسالة، أو: من الشاهدين عليها لمن لم يرها ويعاينها. ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ . العيد: يوم الفرح والسرور، ﴿لِأَوَّلِنَا﴾ : لأول أمتنا، ﴿وَآخِرِنَا﴾ : لآخر أمتنا أو لنا، ولمن بعدنا. ﴿وَآيَةً مِنْك﴾ أي: دليلا، وحجة على قدرتك، على كل شيء، وعلى إجابتك لدعوتي، فيصدقوني فيما أبلغه عنك، ﴿وَارْزُقْنَا﴾ أي: من عندك رزقًا هنيئًا لا كلفة فيه، ولا تعب، ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ أي: خير من أعطى ورزق؛ لأنك الغني الحميد. ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ .

стр. 255

أي: فمن يكفر أي: يكذب بها من أمتك يا عيسى، وعاندها، فإني أعذبه عذابا، لا أعذبه أحدًا من عالمي زمانكم، وهذا على سبيل الوعيد لهم، والتهديد. وليس في الآية ما يدل على أنهم كفروا، ولا على أن غيرهم قد كفر بها، ولا على أنهم استعفوا من نزول المائدة، وإنما الذي دعا بعض المفسرين إلى هذه الأقوال ما سمعت من الروايات الإسرائيلية، وها نحن قد فسرنا الآيات تفسيرًا علميًّا صحيحًا من غير حاجة إلى ما روي، مما يدل دلالةً قاطعةً على أن مفسر القرآن في غنية عن الإسرائيليات التى شوهت جمال القرآن وجلاله.

стр. 256

١١- الإسرائيليات في سؤال موسى ربَّه الرؤيةَ: ومن الإسرائيليات ما يذكره بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الأعراف الآية ١٤٣" فقد ذكر الثعلبي، والبغوي، وغيرهما عن وهب بن منبه، وابن إسحاق قالا: "لما سأل موسى ربه الرؤية أرسل الله الضباب، والصواعق، والظلمة، والرعد، والبرق وأحاطت بالجبل الذي عليه موسى أربعة فراسخ من كل جانب، وأمر الله ملائكة السماوات أن يعترضوا على موسى، فمرت به ملائكة السماء الدنيا كثيران١ البقر، ينبع أفواههم بالتسبيح والتقديس بأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد، ثم أمر الله ملائكة السماء الثانية: أن اهبطوا على موسى، فاعترضوا عليه، فهبطوا عليه أمثال الأسود، لهم لجب بالتسبيح والتقديس، ففزع العبد الضعيف ابن عمران مما رأى، وسمع، واقشعرت كل شعرة في رأسه وجسده، ثم قال: لقد ندمت على مسألتي، فهل ينجيني من مكاني الذي أنا فيه؟ فقال له خير الملائكة٢ ورأسهم: يا موسى اصبر لما سألت، فقليل من كثير

стр. 257

ما رأيت، ثم أمر ملائكة السماء الثالثة: أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه، فهبطوا أمثال النسور، لهم قصف ورجف، ولجب شديد، وأفواههم تنبع بالتسبيح، والتقديس كجلب الجيش العظيم، ألوانهم كلهب النار، ففزع موسى، واشتد فزعه، وأيس من الحياة، فقال له خير الملائكة: مكانك حتى ترى ما لا تصبر عليه. ثم أمر الله ملائكة السماء الرابعة: أن اهبطوا، فاعترضوا على موسى بن عمران، فهبطوا عليه لا يشبههم شيء من الذين مروا به قبلهم، ألوانهم كلهب النار، وسائر خلقهم كالثلج الأبيض، أصواتهم عالية بالتقديس، والتسبيح، لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مروا به من قبلهم، فاصطكت ركبتاه، وارتعد قلبه، واشتد بكاؤه، فقال له خير الملائكة ورأسهم: يا ابن عمران: اصبر لما سألت، فقليل من كثير ما رأيت. ثم أمر الله ملائكة السماء الخامسة: أن اهبطوا، فاعترضوا على موسى، فهبطوا عليه لهم سبعة ألوان، فلم يستطع موسى أن يتبعهم بصره، لم ير مثلهم، ولم يسمع مثل أصواتهم، فامتلأ جوفه خوفا، واشتد حزنه، وكثر بكاؤه، فقال له خير الملائكة ورأسهم: يا ابن عمران مكانك، حتى ترى بعض ما لا تصبر عليه. ثم أمر الله ملائكة السماء السادسة: أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه، فهبطوا عليه في يد كل ملك منهم مثل النخلة الطويلة نارا أشد ضوءا من الشمس، ولباسهم كلهب النار، إذا سبحوا وقدسوا جاوبهم من كان قلبهم من ملائكة السماوات كلهم، يقولون بشدة أصواتهم: سبوح قدوس، رب الملائكة والروح، رب العزة أبدا لا يموت، وفي رأس كل ملك منهم أربعة أوجه، فلما رآهم موسى رفع صوته، يسبح معهم حين سبحوا، وهو يبكي ويقول: رب اذكرني ولا تنس عبدك، لا أدري أأنفلت مما أنا فيه أم لا؟ إن خرجت احترقت، وإن مكثت مت، فقال له كبير الملائكة ورأسهم: قد أوشكت١ يا ابن عمران أن يشتد خوفك، وينخلع قلبك، فاصبر للذي سألت.

стр. 258

ثم أمر الله أن يحمل عرشه ملائكة السماء السابعة، فلما بدا نور العرش، انفرج الجبل من عظمة الرب جلا جلاله، ورفعت ملائكة السماوات أصواتهم جميعا، يقولون: سبحان الملك القدوس، رب العزة أبدا لا يموت، بشدة أصواتهم، فارتج الجبل، واندكت كل شجرة كانت فيه، وخر العبد الضعيف موسى صعقا على وجهه، ليس معه روحه، فأرسل الله برحمته الروح، فتغشاه، وقلب عليه الحجر الذي كان عليه موسى، وجعله كهيئة القبة؛ لئلا يحترق موسى١ فأقام موسى يسبح الله، ويقول: آمنت بك ربي، وصدقت أنه لا يراك أحد فيحيا، من نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه، فما أعظمك وأعظم ملائكتك، أنت رب الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك، ولا يعدلك شيء، ولا يقوم لك شيء، ربِّ تُبْتُ إليك، الحمد لله لا شريك لك، ما أعظمك، وما أجللك رب العالمين، فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ ، وبعد أن ذكر الأقوال الكثيرة فيما تبدى من نور الله، قال: ووقع في بعض التفاسير: طارت لعظمته ستة أجبل، وقعت ثلاثة بالمدينة: أحد، وورقان ورضوى، ووقعت ثلاثة بمكة: ثور، وثبير، وحراء٢. وهذه المرويات وأمثالها مما لا نشك أنها من إسرائيليات بني إسرائيل، وكذبهم على الله، وعلى الأنبياء، وعلى الملائكة، فلا تلقِ إليها بالًا، وليس تفسير الآية في حاجة إلى هذه المرويات، والآية ظاهرة واضحة، وليس فيها ما يدل على امتناع رؤية الله في الآخرة كما دل على ذلك القرآن الكريم، والسنة الصحيحة المتواترة، وغاية ما تدل عليه امتناع الرؤية البصرية في الدنيا؛ لأن العين الفانية لا تقدر أن ترى الذات الباقية. ومن ذلك أيضا: ما ذكره الثعلبي، والبغوي، والزمخشري في تفاسيرهم عند قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ أي: مغشيا عليه، وليس المراد ميتا كما قال قتادة. فقد قال البغوي: في بعض الكتب: إن ملائكة السماوات أتوا موسى وهو مغشي عليه، فجعلوا يركلونه بأرجلهم، ويقولون: يا ابن النساء الحيض، أطمعت في رؤية

стр. 259

رب العزة؟ ١!! وذكر مثل هذا الزمخشري في تفسيره، وقد نقلها؛ لأنها تساعده على إثبات مذهبه الفاسد وجماعته، وهو استحالة رؤية الله في الدنيا، والآخرة. وهذا وأمثاله مما لا نشك أنه من الإسرائيليات المكذوبة، وموقف بني إسرائيل من موسى، ومن جميع أنبياء الله معروف، فهم يحاولون تنقيصهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. وقد تنبه إلى هذا الإمام أحمد بن المنير صاحب "الانتصاف من صاحب الكشاف"، فقال: وهذه حكاية إنما يوردها من يتعسف لامتناع الرؤية فيتخذها عونا وظهرا على المعتقد الفاسد، والوجه التورّك بالغلط على ناقلها، وتنزيه الملائكة ﵈ من إهانة موسى الكليم بالوكز بالرجل، والغمص في الخطاب٢. ويرحم الله الإمام الآلوسي حيث قال في تفسيره: "ونقل بعض القصاصين، أن الملائكة كانت تمر عليه حينئذ، فيلكزونه بأرجلهم، ويقولون: يا ابن النساء الحيض، أطمعت في رؤية ربك؟ وهو كلام ساقط لا يُعوَّل عليه بوجه؛ فإن الملائكة ﵈ مما يجب تبرئتهم من إهانة الكليم بالوكز بالرجل، والغمص في الخطاب٣.

стр. 260

١٢- الإسرائيليات في ألواح التوراة: ومن الإسرائيليات: ما ذكره الثعلبي والبغوي، والزمخشري، والقرطبي والآلوسي وغيرهم، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ "الأعراف: ١٤٥" فقد ذكر في الألواح: مم هي؟ وما عددها؟ أقوالا كثيرة عن بعض الصحابة والتابعين وعن كعب، ووهب، من أهل الكتاب الذين أسلموا مما يشير إلى منبع هذه الروايات، وأنها من إسرائيليات بني إسرائيل، وفيها من المرويات ما يخالف المعقول.

стр. 261

والمنقول، وإليك ما ذكره البغوي في هذا، قال: قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَه﴾ : يعني لموسى، ﴿فِي الْأَلْوَاح﴾ : قال ابن عباس: يريد ألواح التوراة، وفي الحديث: "كانت من سدر الجنة، طول اللوح اثنا عشر ذراعا". وجاء في الحديث: "خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده" ١. وقال الحسن: كانت الألواح من خشب، وقال الكلبي: كانت من زبرجدة خضراء. وقال سعيد بن جبير، كانت من ياقوت أحمر، وقال الربيع: كانت الألواح من برد٢. وقال ابن جريج: كانت من زمد، أمر الله جبريل حتى جاء بها من عدن، وكتبها بالقلم الذي كتب به الذكر، واستمد من نهر النور!! وقال وهب: أمر الله بقطع الألواح من صخرة صماء، لينها الله له، فقطعها بيده، ثم شققها بيده، وسمع موسى صرير القلم بالكلمات العشر، وكان ذلك في أول يوم من ذي القعدة، وكانت الألواح عشرة أذرع، على طول موسى!! وقال مقاتل ووهب: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ كنقش الخاتم. وقال الربيع بن أنس: نزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير، يقرأ الجزء منه في سنة، لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى، ويوشع، وعزير، وعيسى٣. فكل هذه الروايات المتضاربة التي يرد بعضها بعضا مما نحيل أن يكون مرجعها المعصوم ﷺ وإنما هي من إسرائيليات بني إسرائيل، حملها عنهم بعض الصحابة والتابعين.

стр. 262

بحسن نية، وليس تفسير الآية متوقفا على كل هذا الذي رووه، والذي يجب أن نؤمن به، أن الله أنزل الألواح على موسى، وفيها التوراة١، أما هذه الألواح مم صنعت؟ وما طولها وما عرضها؟ وكيف كتبت؟ فهذا لا يجب علينا الإيمان به، والأَوْلى عدم البحث فيه؛ لأن البحث فيه لا يؤدي إلى فائدة، ولا يوصل إلى غاية، ومن ذلك: ما يذكره بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ فقد جعلوا التوراة مشتملة على كل ما كان وكل ما يكون، وهذا مما لا يعقل، ولا يصدق، فمن ذلك: ما ذكره الإمام الآلوسي في تفسيره قال: وما أخرجه الطبراني، والبيهقي في "الدلائل" عن محمد بن يزيد الثقفي، قال: اصطحب قيس بن خرشة، وكعب الأحبار حتى إذا بلغا صفين، وقف كعب، ثم نظر ساعة، ثم قال: ليهراقن بهذه البقعة من دماء المسلمين شيء لا يراق ببقعة من الأرض مثله. فقال قيس: ما يدريك؟ فإن هذا من الغيب الذي استأثر الله تعالى به؟!! فقال كعب: ما من الأرض شبر إلا مكتوب في التوراة التي أنزل الله تعالى على موسى، ما يكون منه، وما يخرج منه إلى يوم القيامة!! وهو من المبالغات التي روي أمثالها عن كعب ولا نصدق ذلك، ولعلها من الكذب الذي لاحظه عليه الصحابي الداهية معاوية بن أبي سفيان ﵁ على ما أسلفنا سابقا، ولا يعقل قط أن يكون في التوراة كل أحداث الدنيا إلى يوم القيامة. والمحققون من المفسرين سلفا وخلفا على أن المراد أن فيها تفصيلا لكل شيء، مما يحتاجون إليه في الحلال والحرام، والمحاسن والقبائح مما يلائم شريعة موسى وعصره، وإلا فقد جاء القرآن الكريم بأحكام وآداب، وأخلاق لا توجد في التوراة قط. وقد ساق الإمام الآلوسي هذا الخبر؛ للاستدلال به لمن يقول: إن كل شيء عام،

стр. 263

وكأنه استشعر بُعده فقال عقبة: "ولعل ذكر ذلك من باب الرمز، كما ندعيه في القرآن١". وإني لأقول للآلوسي ومن لف لفه: إن هذا مردود وغير مقبول، ونحن لا نسلم بأن في القرآن رموزا، وإشارات لأحداث، وإن قاله البعض، والحق أحق أن يتبع.

стр. 264

١٣- إسرائيلية مكذوبة في سبب غضب موسى لما ألقى الألواح: ومن الإسرائيليات: ما رواه ابن جرير في تفسيره، والبغوي في تفسيره، وغيرهما في سبب غضب سيدنا موسى ﵊ حتى ألقى الألواح من يديه، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ ١ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ "الأعراف: الآية: ١٥٠". فقد روي عن قتادة أنه قال: نظر موسى في التوراة، فقال: رب إني أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، اجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون -أي: آخرون في الخلق- سابقون في دخول الجنة رب اجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم، يقرءونها، وكان من قبلهم يقرءون كتابهم نظرا، حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئا، ولم يعرفوه، وإن الله أعطاهم من الحفظ شيئا لم يعطه أحدا من الأمم، قال: رب اجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول، وبالكتاب الآخر، ويقاتلون فصول الضلالة، حتى ليقاتلون الأعور الكذاب، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم ويؤجرون

стр. 265

عليها، وكان من قبلهم إذا تصدق بصدقة، فقبلت منه بعث الله نارا فأكلتها وإن ردت عليه تركت فتأكلها السباع والطير، وإن الله أخذ صدقاتهم من غنيهم لفقيرهم، قال: رب فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة، إذا هم أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة، رب اجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم المشفعون، والمشفوع لهم، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد. قال قتادة: فذكر لنا أن نبي الله موسى نبذ الألواح، وقال: اللهم اجعلني من أمة محمد. أقول: إن آثار الوضع والاختلاق بادية عليه، والسند مطعون فيه، وهي أمور مأخوذة من القرآن، والأحاديث، ثم صيغت هذه الصياغة الدقيقة، وجعلت على لسان موسى ﵇ والظاهر المتعين أن إلقاء سيدنا موسى بالألواح إنما كان غضبا وحمية لدين الله وغيره لانتهاك حرمة توحيد الله ﵎ وأما ما ذكره قتادة فغير مسلم. وإليك ما قاله الإمام الحافظ الناقد ابن كثير في تفسيره١ قال: "ثم ظاهر السياق أنه -أي: سيدنا موسى- ألقى الألواح؛ غضبًا على قومه، وهذا قول جمهور العلماء سلفًا وخلفًا، وروى ابن جرير عن قتادة في هذا قولا غريبا، لا يصح إسناده إلى حكاية قتادة، وقد رده ابن عطية وغير واحد من العلماء، وهو جدير بالرد، وكأنه تلقاه قتادة عن بعض أهل الكتاب، وفيهم كذابون، ووضاعون، وأفاكون، وزنادقة. وصدق ابن كثير فيما قال، وأرجح أن يكون من وضع زنادقتهم كي يظهروا الأنبياء بمظر المتحاسدين، لا بمظهر الإخوان المتحابين. وقال الإمام القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾ أي: مما اعتراه من الغضب والأسف، حين أشرف على قومه، وهم عاكفون على عبادة العجل، وعلى أخيه في إهمال أمرهم، قاله سعيد بن جبير ولذا قيل: "ليس الخبر كالمعاينة"، ولا التفات لما روي عن قتادة إن صح، ولا يصح أن إلقاء الألواح إنما كان لما رأى من فضيلة أمة محمد.

стр. 266

صلى الله عليه وسلم ولم يكن ذلك لأمته، وهذا قول رديء لا ينبغي أن يضاف إلى موسى عليه السلام١. ومما يؤيد أنه من وضع الإسرائيليين الدهاة أن نحوا من هذا المروي عن قتادة قد وراه الثعلبي وتلميذه البغوي عن كعب الأحبار ولا خلاف إلا في تقديم بعض الفضائل وتأخير البعض الآخر، إلا أنه لم يذكر إلقاء الألواح في آخره: "فلما عجب موسى من الخبر الذي أعطى الله محمد وأمته قال: يا ليتني من أصحاب محمد، فأوحى الله إليه ثلاث آيات يرضيه بهن: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ إلى قوله: ﴿دَارَ الْفَاسِقِين﴾ ، ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ٢ قال: فرضى موسى كل الرضاء.

стр. 267

١٤- إسرائيليات وخرافات في بني إسرائيل: ومن الإسرائيليات والخرافات: ما ذكره بعض المفسرين، عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ ١. فقد ذكر ابن جرير في تفسير٢ هذه الآية خبرًا عجيبًا، فقال: حدثنا القاسم، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ . قال: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم، وكفروا، وكانوا اثني عشر سبطًا، تبرأ سبط منهم مما صنعوا، واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم، وبينهم، ففتح الله لهم نفقا في الأرض، فساروا، حتى خرجوا من وراء الصين، فهم هنالك حنفاء مسلمون، يستقبلون قبلتنا.

стр. 268

قال ابن جريج، قال ابن عباس: فذلك قوله: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ . ووعد الآخرة: عيسى ابن مريم. قال ابن جريج: قال ابن عباس: ساروا في السرب سنة ونصفا، وقال ابن عيينة، عن صدقة، عن أبي الهذيل، عن السدي: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ قال: قوم بينكم وبينهم نهر من شهد وقد وصف ابن كثير ما رواه ابن جرير: بأنه خير عجيب!!. وقال البغوي في تفسيره١: قال الكلبي، والضحاك، والربيع: هم قوم خلف الصين، بأقصى الشرق، على نهر مجرى الرمل، يسمى: نهر أرداف، ليس لأحد منهم مال دون صاحبه، يمطرون بالليل، ويصحون بالنهار، ويزرعون لا يصل إليهم منا أحد، وهم على دين الحق، وذكر أن جبريل ﵇ ذهب بالنبي ﷺ ليلة أُسرِي به إليهم، فكلمهم، فقال لهم جبريل: هل تعرفون من تكلمون؟ قالوا: لا، فقال لهم: هذا محمد؛ النبي الأمي، فآمنوا به، فقالوا: يا رسول الله، إن موسى أوصانا أن من أدرك منكم أحمد، فليقرأ عليه مني السلام، فردَّ النبي ﷺ على موسى وعليهم، ثم أقرأهم عشر سور من القرآن نزلت بمكة، وأمرهم بالصلاة والزكاة، وأمرهم أن يقيموا مكانهم، وكانوا يسبتون٢، فأمرهم أن يجمعوا، ويتركوا السبت، وقيل: هم الذين اسلموا من اليهود في زمن النبي ﷺ والأول أصح!! وهي من خرافات بني إسرائيل ولا محالة، والعجب من البغوي أن يجعل هذه الأكاذيب أصح من القول الآخر الذي هو أجدر بالقبول وأولى بالصحة، ونحن لا نشك في أن ابن جريج وغيره ممن رووا ذلك؛ إنما أخذوه عن أهل الكتاب الذين أسلموا، ولا يمكن أبدًا أن يكون متلقَّى عن المعصوم ﷺ . وقال الإمام الآلوسي بعد ذكر ما ذكرناه: "وضعَّف هذه الحكاية ابن الخازن، وأنا

стр. 269

لا أراها شيئا، وأظنك لا تجد لها سندًا يُعوَّل عليه ولو ابتغيت نفقًا في الأرض، أو سلما في السماء"١. التفسير الصحيح للآية: والذي يترجح عندي أن المراد بهم أناس من قوم موسى ﵊ اهتدوا إلى الحق ودعوا الناس إليه، وبالحق يعدلون فيما يعرض لهم من الأحكام والقضايا، وأن هؤلاء الناس وجدوا في عهد موسى وبعده، بل وفي عهد نبينا ﷺ كعبد الله بن سلام وأضرابه، وقد بيَّن الله ﵎ بهذا: أن اليهود وإن كانت الكثرة الكاثرة فيهم تجحد الحق وتنكره، وتجور في الأحكام، وتعادي الأنبياء، وتقتل بعضهم، وتكذب البعض الآخر، وفيهم من شكاسة الأخلاق والطباع ما فيهم، فهنالك أمة كثيرة منهم يهدون بالحق، وبه يعدلون، فهم لا يتأبون عن الحق، ففيه شهادة وتزكية لهؤلاء، وتعريض بالكثرة الغالبة منهم، التي ليست كذلك، والتي جحدت نبوة نبينا محمد ﷺ فيمن جحدها من طوائف البشر، وناصبته العداوة والبغضاء، وهو ما يشعر به قوله سبحانه قبل: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ وبذلك تظهر المناسبة بين هذه الآية والتي قبلها مباشرة، والآيات التي قبل ذلك. أما ما ذكروه: فليس هناك ما يشهد له من عقل، ولا نقل صحيح، بل هو يخالف الواقع الملموس، والمشاهد المتيقن، وقد أصبحت الصين وما وراءها معلوما كل شبر فيها، فأين هم؟ ثم ما هذا النهر من الشهد؟! وما هذا النهر من الرمل؟! وأين هما؟! ثم أي فائدة تعود على الإسلام والمسلمين من التمسك بهذه الروايات التي لا خطام لها، ولا زمام؟! وماذا يكون موقف الداعية إلى الإسلام في هذا العصر الذي نعيش فيه، إذا انتصر لمثل هذه المرويات الخرافية الباطلة؟! إن هذه الروايات لو صحت أسانيدها لكان لها بسبب مخالفتها للمعقول، والمشاهد الملموس ما يجعلنا في حل من عدم.

стр. 270

قبولها فكيف وأسانيدها ضعيفة واهية؟! وقد قلت غير مرة: إن كونها صحيحة السند فرضا لا ينافي كونها من الإسرائيليات.

стр. 271

١٥- الإسرائيليات في نسبة الشرك إلى آدم وحواء: ومن الروايات التي لا تصح، ومرجعها إلى الإسرائيليات: ما ذكره بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١، ٢، ٣. وهذه الآية تعتبر من أشكل آيات القرآن الكريم؛ لأن ظاهرها يدل على نسبة الشرك لآدم وحواء، وذلك على ما ذهب إليه جمهور المفسرين من أن المراد بالنفس الواحدة: نفس آدم ﵇ وبقوله: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ حواء ﵄، وقد أول العلماء المحققون الآية تأويلا يتَّفق وعصمة الأنبياء في عدم جواز إسناد الشرك إليهم عليهم الصلاة والسلام، كما سنبين ذلك إن شاء الله. الحديث المرفوع، والآثار الواردة في هذا: وقد زاد الطين بلة ما ورد من الحديث المرفوع، وبعض الآثار عن بعض الصحابة والتابعين، في تفسير قوله تعالى: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . وقد اغترَّ بهذه الروايات كثير من المفسرين، كابن جرير٤، والثعلبي، والبغوي٥

стр. 272

والقرطبي١، وإن كان ضعف الروايات، ولم تركن نفسه إليها، واعتبرها من الإسرائيليات وصاحب "الدر المنثور"٢. والعجيب: أن إماما كبيرا له في رد الموضوعات والإسرائيليات فضل غير منكور، ومفسرا متأخرا وهو: الإمام الآلوسي قد انخدع بهذه المرويات، فقال: وهذه الآية عندي من المشكلات، وللعلماء فيها كلام طويل، ونزاع عريض، وما ذكرناه، هو الذي يشير إليه الجبائي، وهو مما لا بأس به بعد إغضاء العين عن مخالفته للمرويات.... ثم قال: "وقد يقال: أخرج ابن جرير عن الحبر: أن الآية نزلت في تسمية آدم، وحواء ولديهما بعبد الحارث، ومثل ذلك لا يكاد يقال من قبل الرأي، وهو ظاهر في كون الخبر تفسيرًا للآية....... وأنت قد علمت أنه إذا صح الحديث فهو مذهبي، وأراه قد صح، ولذلك أحجم كميت قلمي عن الجري، في ميدان التأويل، كما جرى غيره والله تعالى الموفق للصواب٣". وبعض المفسرين أعرض عن ذكر هذه المرويات، وذلك كما صنع صاحب الكشاف، وتابعه النسفي. وبعض المفسرين عرض لها، ثم بيَّن عدم ارتضائه لها، وذلك كما صنع الإمام القرطبي في تفسيره، فقال: ونحو هذا مذكور في ضعيف الحديث، وفي الترمذي وغيره، وفي الإسرائيليات كثير ليس لها إثبات، فلا يعوِّل عليها من له قلب، فإن آدم وحواء، وإن غرهما بالله الغرور، فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، على أنه قد سطر، وكتب، قال: قال رسول الله ﷺ : "خدعهما مرتين، خدعهما في الجنة، وخدعهما في الأرض" ٤.

стр. 273

فارس الحلبة الإمام ابن كثير: ولكن فارس هذه الحلبة هو الإمام ابن كثير، فقد نقد المرويات نقدا علميا أصيلا، على مناهج المحدثين وطريقتهم في نقد الرواة وبين أصل هذه المرويات، وأن مرجعها إلى الإسرائيليات، وإني لأعجب كيف أن الإمام الآلوسي، وهو المتأخر الباقعة١، لم يشر إلى كلامه!! لعله لم يطلع عليه. وسأذكر كلام الإمام ابن كثير بنصه، وبطوله لنفاسته، وشدة الحاجة إليه في هذا المقام قال ﵀ وأثابه: يذكر المفسرون ههنا آثارا، وأحاديث، سأوردها وأبيِّن ما فيها، ثم نتبع ذلك ببيان الصحيح في ذلك إن شاء الله وبه الثقة. قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا عبد الصمد "قال"٢ حدثنا عمرو بن إبراهيم، قال: حدثنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة عن النبي ﷺ قال: "ولما وَلَدت حواء طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد الحارث؛ فإنه يعيش فسمته عبد الحارث، فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان، وأمره"، وهكذا رواه ابن جرير عن محمد بن بشار بندار، عن عبد الصمد بن الوارث به٣، ورواه الترمذي في تفسير هذه الآية، عن محمد بن المثنى، عن عبد الصمد، به، وقال: هذا حديث حسن غريب، يعني: انفرد به راويه، لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم، ورواه بعضهم عن عبد الصمد، ولم يرفعه، يعني: لم ينسبه إلى النبي ﷺ . ورواه الحاكم في مستدركه، من حديث عبد الصمد مرفوعا، ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد٤، ولم يخرجاه، ورواه الإمام أبو محمد ابن أبي حاتم في تفسيره،

стр. 274

عن أبي زرعة الرازي، عن هلال بن فياض، عن عمر بن إبراهيم به؛ أي: ببقية السند مرفوعًا وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه، في تفسيره، من حديث شاذ ابن فياض، عن عمر بن إبراهيم مرفوعا. قلت -أي ابن كثير: وشاذ هو هلال، وشاذ لقبه. والغرض: أن هذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه: أحدها: أن عمر بن إبراهيم هذا هو البصري، وقد وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به، ولكن رواه ابن مردويه من حديث المعتمر، عن أبيه، عن الحسن، عن سمرة مرفوعا. فالله أعلم. الثاني: أنه قد روي من قول سمرة نفسه، ليس مرفوعا، كما قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: حدثنا المعتمر عن أبيه قال: حدثنا بكر بن عبد الله، عن سليمان التيمي، عن أبي العلاء بن الشخير عن سمرة بن جندب، قال: "مي آدم ابنه عبد الحارث". والثالث: أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا، فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعا لما عدل عنه، قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن: ﴿جعلا له شركاء فيما آتاهما﴾ ، قال: كان هذا في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم، وحدثنا١ محمد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال: قال الحسن: عني بها ذرية آدم، ومن أشرك منهم بعده، يعني: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ وحدثنا٢ بشر قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قتادة، قال: كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادًا، فهودوا ونصروا٣. وقال ابن كثير: وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن ﵁ أنه فسر الآية

стр. 275

بذلك، وهو من أحسن التفاسير، وأَوْلى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظا عن رسول الله ﷺ لما عدل عنه هو، ولا غيره، ولا سيما مع تقواه لله، وورعه. فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب؛ من آمن منهم مثل كعب، أو وهب بن منبه وغيرهما، كما سيأتي بيانه إن شاء الله، إلا أننا برئنا من عهدة المرفوع، والله أعلم١. فأما الآثار، فقال محمد بن إسحاق بن يسار، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "كانت حواء تلد لآدم ﵇ أولادا فيعبدهم لله ويسميهم عبد الله، وعبيد الله ونحو ذلك، فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس، فقال: إنما لو سميتماه بغير الذي تسميانه به لعاش، قال: فولدت له رجلا، فسماه عبد الحارث، ففيه أنزل الله يقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَة﴾ إلى آخر الآية، وقال العوفي عن ابن عباس: قوله في آدم: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَة﴾ إلى قوله: ﴿فَمَرَّتْ بِه﴾ شكَّت أحملت أم لا؟ ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ الآية، فأتاهما الشيطان، فقال: هل تدريان ما يولد لكما؟ أم هل تدريان ما يكون أبهيمة أم لا؟ وزين لهما الباطل، إنه غوي مبين، وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا فقال لهما الشيطان: إنكما لم تسمياه بي، لم يخرج سويا ومات كما مات الأول، فسميا ولدهما عبد الحارث، فذلك قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ الآية. وقال عبد الله بن المبارك، عن شريك، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ : آدم "حملت" أتاهما إبليس لعنه الله فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما، لتطيعاني، أو لأجعلن له قرني أيل٢، فيخرج من بطنك،

стр. 276

فيشقه، ولأفعلن، ولأفعلن، يخوفهما، فسَمِّيَاه١ عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا، ثم حملت، يعني الثانية فأتاهما، فقال لهما مثل الأول، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا، ثم حملت الثالثة، فأتاهما أيضا فذكر لهما، فأدركهما حب الولد، فسَمَّيَاه عبد الحارث، فذلك قوله تعالى: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ رواه ابن أبي حاتم. وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس جماعة من أصحابه كمجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومن الطبقة الثانية: قتادة، والسدي، وغير واحد من السلف، وجماعة من الخلف، ومن المفسرين من المتأخرين: جماعات لا يحصون كثرة، وكأنه والله أعلم مأخوذ من أهل الكتاب، فإن ابن عباس رواه عن أبي بن كعب٢، كما رواه ابن أبي حاتم، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو الجماهر، قال: حدثنا سعيد يعني ابن بشير عن عقبة، عن قتادة، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب٣، قال: لما حملت حواء أتاها الشيطان، فقال لها: أتطيعيني ويسلم لك ولدك؟ سميه عبد الحارث، فلم تفعل فولدت، فمات، ثم حملت فقال لها مثل ذلك، فلم تفعل، ثم حملت الثالثة، فجاءها فقال: إن تطيعيني يسلم، وإلا فإنه يكون بهيمة، فهيبها، فأطاعا. قال: وهذه الآثار يظهر عليها والله أعلم أنها من آثار أهل الكتاب، وبعد أن بين أن أخبار أهل الكتاب على ثلاثة أقسام: ١ فمنها ما علمنا صحته مما بأيدينا من كتاب أو سنة. ٢ ومنها: ما علمنا كذبه بما دل على خلافه من الكتاب والسنة أيضا. ٣ ومنها: ما هو مسكوت عنه، فهو المأذون في روايته بقوله ﵊: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"، وهو الذي لا يصدق، ولا يكذب،

стр. 277

قال: وهذا الأثر من الثاني أو الثالث فيه نظر١. قال: فأما من حدث به: من صحابي أو تابعي، فإنه يراه من القسم الثالث؛ يعني: ما يحتمل الصدق، والكذب، وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق: آدم وحواء وإنما المراد من ذلك: المشركون من ذريته، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢ فذكر آدم وحواء أولًا كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين، وهو كالاستطراد من الشخص إلى الجنس، وهذا الذي ذهب إليه هذا الإمام الحافظ الناقد ابن كثير في تخريج الحديث والآثار هو الذي يجب أن يصار إليه، وهو الذي ندين الله عليه، ولا سيما أن التفسير الحق للآيتين لا يتوقَّف على شيء مما روى. التفسير الصحيح للآيتين: والمحققون من المفسرين: منهم من نحا منحى العلامة ابن كثير فجعل الآية الأولى في آدم وحواء وجعل قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ الآية في المشركين من ذريتهما، أي: جعلا أولادهما شركاء لله فيما أتاهما، والمراد بهم، الجنس، أي: جنس الذَّكَر والأُنْثى، فمن ثم حسن قوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُون﴾ بالجمع، ويكون هذا الكلام من الموصول لفظا المفصول معنى، ومنهم من جعل الآيتين في ذرية آدم وحواء، أي: خلقكم من نفس واحدة، وهي نفس الذَّكَر، وجعل منها، أي: من جنسها: زوجها وهي: الأنثى، فلما آتاهما صالحا، أي: بشرا سويا كاملا، جعلا -أي: الزوجان الكافران- لله شركاء فيما آتاهما، وبذلك: أبدلا شكر الله؛ كفرانا به وجحودًا، وعلى هذا: لا يكون لآدم وحواء ذكر ما في الآيتين، وهنالك تفاسير أخرى، لست منها على ثلج، ولا طمأنينة٣.

стр. 278

١٦- الإسرائيليات في سفينة نوح: ومن الإسرائيليات التي اشتملت عليها بعض كتب التفسير، كتفسير ابن جرير، و "الدر المنثور" وغيرهما: ما روي في سفينة نوح ﵇ فقد أحاطوها بهالة من العجائب والغرائب، من أي خشب صنعت؟ وما طولها؟ وما عرضها؟ وما ارتفاعها؟ وكيف كانت طبقاتها؟ وذكروا خرافات في خلقة بعض الحيوانات من الأخرى، وقد بلغ ببعض الرواة أنهم نسبوا بعض هذا إلى النبي ﷺ قال صاحب الدر: وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "كانت سفينة نوح ﵇ لها أجنحة وتحت الأجنحة إيوان"، أقول: قبح الله من نسب مثل هذا إلى النبي ﷺ . وأخرج ابن مردويه: عن سمرة بن جندب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم" وذكر أن طول السفينة كان ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعا، وطولها في السماء ثلاثون ذراعا، ثم قال: وأخرج إسحاق بن بشر، وابن عساكر، عن ابن عباس: "أن نوحا لما أمر أن يصنع الفلك، قال: يا رب، وأين الخشب؟ قال: اغرس الشجر، فغرس الساج عشرين سنة..... إلى أن قال: "فجعل السفينة ستمائة ذراع طولها، وستين ذراعا في الأرض يعني عمقها، وعرضها ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون٢ وأمر أن يطليها بالقار٣، ولم يكن في الأرض قار، ففجر الله له عين القار، حيث تنحت السفينة، تغلي غليانا، حتى طلاها، فلما فرغ منها جعل لها ثلاثة أبواب، وأطباقها، وحمل فيها السباع، والدواب، فألقى الله على الأسد الحمى، وشغله بنفسه عن الدواب وجعل الوحش والطير في الباب الثاني، ثم أطبق عليهما.....

стр. 279

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن، قال: "كان طول سفينة نوح ﵇ ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع"، وإليك ما ذكره بعد هذا من العجب العجاب، قال: وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﵄ قال: قال الحواريون لعيسى ابن مريم ﵉: لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة فحدثنا عنها، فانطلق بهم، حتى انتهى إلى كثيب من تراب فأخذ كفا من ذلك التراب، قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا كعب حام بن نوح، فضرب الكثيب بعصاه، قال: قم بإذن الله فإذا هو قائم ينفض التراب على رأسه، قد شاب، قال له عيسى ﵇: هكذا هلكت؟! قال: لا؛ مت وأنا شاب، ولكنني ظننت أنها الساعة قامت، فمن ثم شبت قال: حدثنا عن سفينة نوح قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، كانت ثلاث طبقات، فطبقة فيها الدواب، والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير، فلما كثر أرواث الدواب: أوحى الله إلى نوح: أن اغمز ذنب الفيل، فغمزه، فوقع منه خنزير وخنزيرة!! فأقبلا على الروث، فلما وقع الفأر يخرب السفينة بقرضه أوحى الله إلى نوح: أن اضرب بين عيني الأسد، فخرج من منخره سنور، وسنورة، فأقبلا على الفأر فأكلاه. وفي رواية أخرى: أن الأسد عطس، فخرج من منخره سنوران: ذكر وأنثى، فأكلا الفأر، وأن الفيل عطس، فخرج من منخره خنزيران ذكر وأنثى فأكلا أذى السفينة وأنه لما أراد الحمار أن يدخل السفينة أخذ نوح بأذني الحمار، وأخذ إبليس بذنبه، فجعل نوح ﵇ يجذبه، وجعل إبليس يجذبه، فقال نوح: ادخل يا شيطان. -ويريد به الحمار- فدخل الحمار، ودخل معه إبليس، فلما سارت السفينة جلس إبليس في أذنابها يتغنى، فقال له نوح ﵇: ويلك من أذن لك؟ قال: أنت. قال: متى؟ قال: أن قلت للحمار ادخل يا شيطان، فدخلت بإذنك ... وزعموا أيضا: أن الماعز لما استصعبت على نوح أن تدخل السفينة فدفعها في ذنبها، فمن ثم انكسر، وبدا حياها، ومضت النعجة فدخلت من غير معاكسة فمسح على ذنبها، فستر الله حياها يعني فرجها وزعموا أيضا: أن سفينة نوح عليه السلام

стр. 280

طافت بالبيت أسبوعا بل رووا عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي ﷺ "إن سفينة نوح طافت بالبيت سبعًا، وصلت عند المقام ركعتين"!! وهذا من تفاهات عبد الرحمن هذا، وقد ثبت عنه من طريق أخرى، نقلها صاحب التهذيب "ج ٦ ص ١٧٩" عن الساجي، عن الربيع، عن الشافعي، قال: "قيل لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: حدثك أبوك عن جدك: أن رسول الله ﷺ قال: "إن سفينة نوح طافت بالبيت، وصلت خلف المقام ركعتين؟ "!! قال: نعم، وقد عرف عبد الرحمن بمثل هذه العجائب المخالفة للعقل وتندر به العلماء، قال الشافعي فيما نقل في التهذيب أيضا: "ذكر رجل لمالك حديثا منقطعا، فقال: اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد يحدثك عن أبيه، عن نوح"!! وأن لما رست السفينة على الجودي وكان يوم عاشوراء صام نوح، وأمر جميع من معه من الوحش والدواب فصاموا شكرا لله، إلى غير ذلك من التخريفات والأباطيل١ التي لا نزال نسمعها، وأمثالها من العوام والعجائز، وهذا لا يمكن أن يمت إلى الإسلام بصلة، وإنا لننزه المعصوم ﷺ من أن يصدر عنه ما نسبوه إليه، وإنما هي أحاديث خرافة اختلقها اليهود وأضرابهم على توالي العصور، وكانت شائعة مشهورة في الجاهلية، فلما جاء الإسلام نشرها أهل الكتاب الذين أسلموا بين المسلمين، وهؤلاء رووها بحسن نية، ولم يزيفوها اعتمادا على أنها ظاهرة البطلان، وأوغل زنادقة اليهود وأمثالهم في الكيد للإسلام ونبيه، فزوروا بعضها على النبي ﷺ وما كنا نحب لابن جرير، ولا للسيوطي، ولا لغيرهما أن يسودوا صحائف كتبهم بهذه الخرافات والأباطيل، فاحذر منها أيها القارئ في أي كتاب من كتب التفسير وجدتها، وألق بها دبر أذنيك، وكن عن الحق منافحًا وللباطل مزيفًا.

стр. 281

١٧- الإسرائيليات في قصة يوسف ﵇: وقد وردت في قصة يوسف ﵇ إسرائيليات ومرويات مختلفة مكذوبة، فمن ذلك، ما أخرجه ابن جرير في تفسيره والسيوطي في: "الدر المنثور" وغيرهما في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ "يوسف: الآية ٤". قال السيوطي: وأخرج سعيد بن منصور، والبزار، وأبو يعلي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والعقيلي في الضعفاء، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه١، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي معا في الدلائل عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "جاء بستاني اليهودي إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف ﵇ ساجدة له، ما أسماؤها؟ فسكت النبي ﷺ فلم يجبه بشيء. فنزل جبريل ﵇ فأخبره بأسمائها، فبعث رسول الله ﷺ إلى البستاني اليهودي فقال: "هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها" قال: نعم: قال: "حرثان، والطارق والذيال وذو الكفتان، وقابس، ودنان، وهودان، والفيلق، والمصبح، والضروح، والفريخ، والضياء، والنور٢، رآها في آفق السماء ساجدة له فلما قص يوسف على يعقوب قال: هذا أمر مشتت يجمعه الله من بعد" فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها٣. والذي يظهر لي أنه من الإسرائيليات وألصقت بالنبي زورًا، ثم إن سيدنا يوسف رأي كواكب بصورها لا بأسمائها، ثم ما دخل الاسم فيما ترمز إليه الرؤيا؟!! ومدار هذه الرواية على الحكم بن ظهير، وقد ضعفه الأئمة، وتركه الأكثرون، وقال

стр. 282

الجوزجاني: ساقط، وهو صاحب حديث حسن يوسف١". وقال الإمام الذهبي في "ميزان الاعتدال٢": قال ابن معين: ليس بثقة، وقال مرة: ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث وقال مرة: تركوه، وهو راوي حديث: "إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه"!! فهل مثل هذا تعتبر روايته في مثل هذا، وبحسبه سقوطا مقالة البخاري فيه: "منكر الحديث" و: "تركوه".

стр. 283

الإسرائيليات في قوله تعالى: ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه مدخل ... ١٨- الإسرائيليات في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّه﴾ ومن الإسرائيليات المكذوبة التي لا توافق عقلا ولا نقلا: ما ذكر ابن جرير في تفسيره، وصاحب: "الدر المنثور" وغيرهما من المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّه﴾ فقد ذكروا في هم يوسف ﵊ ما ينافي عصمة الأنبياء وما يخجل القلم من تسطيره، لولا أن المقام مقام بيان وتحذير من الكذب على الله وعلى رسله، وهو من أوجب الواجبات على أهل العلم. فقد رووا عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن هم يوسف ﵇ ما بلغ؟ قال: حل الهميان -يعني السراويل- وجلس منها مجلس الخائن، فصيح به: يا يوسف: لا تكن كالطير له ريش، فإن زنى قعد ليس له ريش، ورووا مثل هذا عن على ﵁ وعن مجاهد وعن سعيد بن جبير. ورووا أيضا في البرهان الذي رآه، ولولاه لوقع في الفاحشة بأنه نودي: أنت مكتوب في الأنبياء، وتعمل عمل السفهاء وقيل: رأى صورة أبيه يعقوب في الحائط، وقيل: في سقف الحجرة وأنه رآه على إبهامه، وأنه لم يتعظ بالنداء، حتى رأى أباه على هذه الحال، بل أسرف واضعو هذه الإسرائيليات الباطلة، فزعموا أنه لما لم يرعوِ من رؤية

стр. 284

صورة أبيه عاضا على أصابعه، ضربه أبوه يعقوب، فخرجت شهوته من أنامله، ولأجل أن يؤيد هؤلاء الذين افتروا على الله ونبيه يوسف هذا الافتراء، يزعمون أيضا أن كل أبناء يعقوب قد ولد له اثنا عشر ولدا ما عدا يوسف، فإنه نقص بتلك الشهوة التي خرجت من أنامله ولدا، فلم يولد له غير أحد عشر ولدا، بل زعموا أيضا في تفسير البرهان، فما روي عن ابن عباس أنه رأى ثلاث آيات من كتاب الله: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيه﴾ ، وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ وقيل: رأي: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ !!، ومن البديهي أن هذه الآيات بهذا اللفظ العربي لم تنزل على أحد قبل نبينا محمد ﷺ وإن كان الذين افتروا هذا لا يعدمون جوابا، بأن يقولوا: رأى ما يدل على معاني هذا الآيات بلغتهم التي يعرفونها، بل قيل في البرهان: إنه أري تمثال الملك، وهو العزيز، وقيل خياله١، وكل ذلك مرجعه إلى أخبار بني إسرائيل وأكاذيبهم التي افتجروها على الله وعلى رسله، وحمله إلى بعض الصحابة والتابعين: كعب الأحبار ووهب بن منبه، وأمثالهما. وليس أدل على هذا: مما روي عن وهب بن منبه قال: "لما خلا يوسف، وامرأة العزيز، خرجت كف بلا جسد بينهما، مكتوب عليها بالعبرانية: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَت﴾ ، ثم انصرفت الكف، وقاما مقامهما، ثم رجعت الكف بينهما، مكتوب عليها بالعبرانية: ﴿إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ، ثم انصرفت الكف، وقاما مقامهما، فعادت الكف الثالثة مكتوب عليها: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ وانصرفت الكف، وقاما مقامهما فعادت الكف الرابعة مكتوب عليها بالعبرانية: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ ، فولَّى يوسف ﵇ هاربا٢.

стр. 285

وقد كان وهب أو من نقل عنه وهب ذكيًّا بارعًا حينما زعم أن ذلك كان مكتوبا بالعبرانية، وبذلك أجاب عما استشكلته، ولكن مع هذا لن يجوز هذا الكذب إلا على الأغرار والسذج من أهل العلم ولا أدرى أي معنى يبقى للعصمة بعد أن جلس بين فخذيها، وخلع سرواله؟! وما امتناعه عن الزنا عن مروياتهم المفتراة إلا وهو مقهور مغلوب؟! ولو أن عربيدا رأى صورة أبيه بعد مماته تحذره من معصية لكف عنها، وانزجر، فأي فضل ليوسف إذًا، وهو نبي من سلالة أنبياء؟!! ثم ما هذا الاضطراب الفاحش في الروايات؟! أليس الاضطراب الذي لا يمكن التوفيق بينه كهذا من العلل التي رد المحدثون بسببها الكثير من المرويات؟! لأنه أمارة من أمارات الكذب والاختلاق، والباطل لجلج، وأما الحق فهو أبلج. ثم كيف يتفق ما حيك حول نبي الله يوسف ﵊ وقول الحق تبارك عقب ذكر الهم: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِين﴾ ١، فهل يستحق هذا الثناء من حل التكة، وخلع السروال، وجلس بين رجليها؟! ولا أدرى أنصدق الله ﵎، أم نصدق كذبة بني إسرائيل ومخرفيهم؟!! بل كيف يتفق ما روى هو وما حكاه الله عن زليخا بطلة المراودة، حيث قالت: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِين﴾ ٢ وهو اعتراف صريح للبطلة التي أعيتها الحيل عن طريق التزين حينا، والتودد إليه بمعسول القول، حينا آخر،
следующие страницы →