١٧- الإسرائيليات في قصة يوسف ﵇:
وقد وردت في قصة يوسف ﵇ إسرائيليات ومرويات مختلفة مكذوبة، فمن ذلك، ما أخرجه ابن جرير في تفسيره والسيوطي في: "الدر المنثور" وغيرهما في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لَأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ "يوسف: الآية ٤".
قال السيوطي: وأخرج سعيد بن منصور، والبزار، وأبو يعلي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والعقيلي في الضعفاء، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه١، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي معا في الدلائل عن جابر بن عبد الله ﵁ قال:
"جاء بستاني اليهودي إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف ﵇ ساجدة له، ما أسماؤها؟ فسكت النبي ﷺ فلم يجبه بشيء. فنزل جبريل ﵇ فأخبره بأسمائها، فبعث رسول الله ﷺ إلى البستاني اليهودي فقال: "هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها" قال: نعم: قال: "حرثان، والطارق والذيال وذو الكفتان، وقابس، ودنان، وهودان، والفيلق، والمصبح، والضروح، والفريخ، والضياء، والنور٢، رآها في آفق السماء ساجدة له فلما قص يوسف على يعقوب قال: هذا أمر مشتت يجمعه الله من بعد" فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها٣.
والذي يظهر لي أنه من الإسرائيليات وألصقت بالنبي زورًا، ثم إن سيدنا يوسف رأي كواكب بصورها لا بأسمائها، ثم ما دخل الاسم فيما ترمز إليه الرؤيا؟!!
ومدار هذه الرواية على الحكم بن ظهير، وقد ضعفه الأئمة، وتركه الأكثرون، وقال
стр. 282
الجوزجاني: ساقط، وهو صاحب حديث حسن يوسف١".
وقال الإمام الذهبي في "ميزان الاعتدال٢": قال ابن معين: ليس بثقة، وقال مرة: ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث وقال مرة: تركوه، وهو راوي حديث: "إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه"!! فهل مثل هذا تعتبر روايته في مثل هذا، وبحسبه سقوطا مقالة البخاري فيه: "منكر الحديث" و: "تركوه".
стр. 283
الإسرائيليات في قوله تعالى: ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه
مدخل
...
١٨- الإسرائيليات في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّه﴾
ومن الإسرائيليات المكذوبة التي لا توافق عقلا ولا نقلا: ما ذكر ابن جرير في تفسيره، وصاحب: "الدر المنثور" وغيرهما من المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّه﴾ فقد ذكروا في هم يوسف ﵊ ما ينافي عصمة الأنبياء وما يخجل القلم من تسطيره، لولا أن المقام مقام بيان وتحذير من الكذب على الله وعلى رسله، وهو من أوجب الواجبات على أهل العلم.
فقد رووا عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن هم يوسف ﵇ ما بلغ؟ قال: حل الهميان -يعني السراويل- وجلس منها مجلس الخائن، فصيح به: يا يوسف: لا تكن كالطير له ريش، فإن زنى قعد ليس له ريش، ورووا مثل هذا عن على ﵁ وعن مجاهد وعن سعيد بن جبير.
ورووا أيضا في البرهان الذي رآه، ولولاه لوقع في الفاحشة بأنه نودي: أنت مكتوب في الأنبياء، وتعمل عمل السفهاء وقيل: رأى صورة أبيه يعقوب في الحائط، وقيل: في سقف الحجرة وأنه رآه على إبهامه، وأنه لم يتعظ بالنداء، حتى رأى أباه على هذه الحال، بل أسرف واضعو هذه الإسرائيليات الباطلة، فزعموا أنه لما لم يرعوِ من رؤية
стр. 284
صورة أبيه عاضا على أصابعه، ضربه أبوه يعقوب، فخرجت شهوته من أنامله، ولأجل أن يؤيد هؤلاء الذين افتروا على الله ونبيه يوسف هذا الافتراء، يزعمون أيضا أن كل أبناء يعقوب قد ولد له اثنا عشر ولدا ما عدا يوسف، فإنه نقص بتلك الشهوة التي خرجت من أنامله ولدا، فلم يولد له غير أحد عشر ولدا، بل زعموا أيضا في تفسير البرهان، فما روي عن ابن عباس أنه رأى ثلاث آيات من كتاب الله: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيه﴾ ، وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ وقيل: رأي: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ !!، ومن البديهي أن هذه الآيات بهذا اللفظ العربي لم تنزل على أحد قبل نبينا محمد ﷺ وإن كان الذين افتروا هذا لا يعدمون جوابا، بأن يقولوا: رأى ما يدل على معاني هذا الآيات بلغتهم التي يعرفونها، بل قيل في البرهان: إنه أري تمثال الملك، وهو العزيز، وقيل خياله١، وكل ذلك مرجعه إلى أخبار بني إسرائيل وأكاذيبهم التي افتجروها على الله وعلى رسله، وحمله إلى بعض الصحابة والتابعين: كعب الأحبار ووهب بن منبه، وأمثالهما.
وليس أدل على هذا: مما روي عن وهب بن منبه قال: "لما خلا يوسف، وامرأة العزيز، خرجت كف بلا جسد بينهما، مكتوب عليها بالعبرانية: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَت﴾ ، ثم انصرفت الكف، وقاما مقامهما، ثم رجعت الكف بينهما، مكتوب عليها بالعبرانية: ﴿إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ، كِرَامًا كَاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ، ثم انصرفت الكف، وقاما مقامهما، فعادت الكف الثالثة مكتوب عليها: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ وانصرفت الكف، وقاما مقامهما فعادت الكف الرابعة مكتوب عليها بالعبرانية: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ ، فولَّى يوسف ﵇ هاربا٢.
стр. 285
وقد كان وهب أو من نقل عنه وهب ذكيًّا بارعًا حينما زعم أن ذلك كان مكتوبا بالعبرانية، وبذلك أجاب عما استشكلته، ولكن مع هذا لن يجوز هذا الكذب إلا على الأغرار والسذج من أهل العلم ولا أدرى أي معنى يبقى للعصمة بعد أن جلس بين فخذيها، وخلع سرواله؟! وما امتناعه عن الزنا عن مروياتهم المفتراة إلا وهو مقهور مغلوب؟!
ولو أن عربيدا رأى صورة أبيه بعد مماته تحذره من معصية لكف عنها، وانزجر، فأي فضل ليوسف إذًا، وهو نبي من سلالة أنبياء؟!!
ثم ما هذا الاضطراب الفاحش في الروايات؟! أليس الاضطراب الذي لا يمكن التوفيق بينه كهذا من العلل التي رد المحدثون بسببها الكثير من المرويات؟! لأنه أمارة من أمارات الكذب والاختلاق، والباطل لجلج، وأما الحق فهو أبلج.
ثم كيف يتفق ما حيك حول نبي الله يوسف ﵊ وقول الحق تبارك عقب ذكر الهم: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِين﴾ ١، فهل يستحق هذا الثناء من حل التكة، وخلع السروال، وجلس بين رجليها؟! ولا أدرى أنصدق الله ﵎، أم نصدق كذبة بني إسرائيل ومخرفيهم؟!!
بل كيف يتفق ما روى هو وما حكاه الله عن زليخا بطلة المراودة، حيث قالت: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِين﴾ ٢ وهو اعتراف صريح للبطلة التي أعيتها الحيل عن طريق التزين حينا، والتودد إليه بمعسول القول، حينا آخر،
стр. 286
والإرهاب والتخويف حينا ثالثا، فلم تفلح: ﴿لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلِيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِين﴾ ,
وانظر ماذا كان جواب السيد العفيف، الكريم ابن الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم صلوات الله وسلامه: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ، فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ٢، وقصده ﵇ بقوله: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُن﴾ : تبرؤ من الحول والطول، وأن الحول والقوة إنما هما من الله، وسؤال منه لربه، واستعانة به على أن يصرف عنه كيدهن، وهكذا: شأن الأنبياء.
بل قد شهد الشيطان نفسه ليوسف ﵇ في ضمن قوله كما حكاه الله سبحانه عنه بقوله: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِين﴾ ٣ ويوسف بشهادة الحق السالفة من المخلصين.
وكذلك شهد ليوسف شاهد من أهلها٤، فقال: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيم﴾ ٥، وقد أسفر التحقيق عن براءة يوسف وإدانة زليخا: امرأة العزيز.
فكيف تتفق كل هذه الشهادات الناصعة الصادقة، وتلك الروايات المزورة؟!! وقد ذكر الكثير من هذه الروايات ابن جرير الطبري، والثعلبي، والبغوي، وابن كثير، والسيوطي، وقد مر بها ابن كثير بعد أن نقلها حاكيا من غير أن ينبه إلى زيفها، وهو الناقد البصير!!
стр. 287
ومن العجيب حقا: أن الإمام ابن جرير على جلالة قدره يحاول أن يضعف في تفسيره مذهب الخلف الذين ينفون هذا الزور والبهتان، ويفسرون الآيات على حسب ما تقتضيه اللغة، وقواعد الشرع، وما جاء في القرآن والسنة الصحيحة الثابتة، ويعتبر هذا المرويات التي سُقْتُ لك زروًا منها آنفا، هي: قول جميع أهل العلم بتأويل القرآن الذين يؤخذ عنهم١!!! وكذلك تابعه على مقالته تلك الثعلبي والبغوي في تفسيريهما٢!!
وهذا المرويات الغثة المكذوبة التي يأباها النظم الكريم، ويجزم العقل والنقل باستحالتها على الأنبياء ﵈ هي التي اعتبرها الطبري ومن تبعه أقوال السلف!!
بل يسير في خط اعتبار هذا المرويات، فيورد على نفسه سؤالا فيقول: فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يوصف يوسف بمثل هذا وهو لله نبي؟! ثم أجاب بما لا طائل تحته، ولا يليق بمقام الأنبياء٣ قاله الواحدى في تفسيره: "البسيط".
وأعجب من ذلك: ما ذهب إليه الواحدي في: "البسيط" قال: قال المفسرون الموثوق بعلمهم، المرجوع إلى روايتهم، الآخذون للتأويل، عمن شاهدوا التنزيل: هَمَّ يوسف ﵇ بهذه المرأة هما صحيحا وجلس منها مجلس الرجل من المرأة، فلما رأى البرهان من ربه زالت كل شهوة منه.
وهي غفلة شديدة من هؤلاء الأئمة لا نرضاها، ولولا أني أنزه لساني وقلمي عن الهجر من القول، وأنهم خلطوا في مؤلفاتهم عملا صالحا وآخر سيئا لقسوت عليهم، وحق لي هذا، لكني أسأل الله لي ولهم العفو والمغفرة.
وهذه الأقوال التي أسرف في ذكرها هؤلاء المفسرون: إما إسرائيليات وخرافات وضعها زنادقة أهل الكتاب القدماء، الذي أرادوا بها النيل من الأنبياء والمرسلين، ثم
стр. 288
حملها معهم أهل الكتاب الذين أسلموا وتلقاها عنهم بعض الصحابة، والتابعين، بحسن نية، أو اعتمادا على ظهور كذبها وزيفها.
وإما أن تكون مدسوسة على هؤلاء الأئمة، دسها عليهم أعداء الأديان، كي تروج تحت هذا الستار، وبذلك يصلون إلى ما يريدون من إفساد العقائد، وتعكير صفو الثقافة الإسلامية الأصيلة الصحيحة، وهذا ما أميل إليه!.
стр. 289
الفرية على المعصوم ﷺ :
في قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْب﴾ .
ولكي يؤيدوا باطلهم الذي ذكرناه آنفا، رووا عن الصحابة والتابعين ما لا يليق بمقام الأنبياء، واختلقوا على النبي ﷺ زورًا، وقولوه ما لم يقله، قال صاحب "الدر": وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في "شعب الإيمان" عن ابن عباس ﵄ قال: لما جمع الملك النسوة قال لهن: أنتن راودتن يوسف عن نفسه؟ قلن: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِين﴾ ، قال يوسف: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ ، فغمزه جبريل ﵇ فقال: ولا حين هممت بها؟ فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ .
قال: وأخرج ابن جرير عن مجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، والسدي مثله، وأخرج الحاكم في تاريخه، وابن مردويه والديلمي عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ قال: لما قال يوسف ذلك قال جبريل ﵇: ولا يوم هممت بما هممت به؟ فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوء﴾ ، قال: وأخرج ابن جرير عن عكرمة مثله، وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم: عن حكيم بن جابر في قوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ
стр. 290
أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ قال جبريل: ولا حين حللت السراويل؟ إلى غير ذلك من المرويات المكذوبة، والإسرائيليات الباطلة، التي خرجها بعض المفسرين الذين كان منهجهم ذكر المرويات وجمع أكبر قدر منها، سواء منها ما صح وما لم يصح، والإخباريون الذين لا تحقيق عندهم للمرويات، وليس أدل على ذلك من أنها لم يخرجها أحد من أهل الكتاب الصحيحة، ولا أصحاب الكتب المعتمدة الذين يرجع إليهم في مثل هذا.
القرآن يرد هذه الأكاذيب:
وقد فات هؤلاء الدساسين الكذابين أن قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْب﴾ ... الآيتين١ ليس من مقالة سيدنا يوسف ﵇، وإنما هو من مقالة امرأة العزيز، وهو ما يتفق وسياق الآية، ذلك: أن العزيز لما أرسل رسوله إلى يوسف لإحضاره من السجن قال له: ارجع إلى ربك، فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن فأحضر النسوة، وسألهن، وشهدن ببراءة يوسف، فلم تجد امرأة العزيز بدا من الاعتراف، فقالت: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْب﴾ .... الآيتين١ ليس من مقالة سيدنا يوسف ﵇ وإنما هو من مقالة امرأة العزيز، وهو ما يتفق وسياق الآية، ذلك أن العزيز لما أرسل رسوله إلى يوسف لإحضاره من السجن قال له: ارجع إلى ربك، فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن فأحضر النسوة، وسألهن، وشهدن ببراءة يوسف، فلم تجد امرأة العزيز بدا من الاعتراف، فقالت: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَق﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ فكل ذلك من قولها: ولم يكن يوسف حاضرا ثَمَّ؛ بل كان في السجن، فكيف يعقل أن يصدر منه ذلك في مجلس التحقيق الذي عقده العزيز؟.
وقد انتصر لهذا الرأي الذي يوائم السياق والسباق: الإمام ابن تيمية، وألف في ذلك تصنيفا على حدة.
قال الإمام الحافظ المفسر ابن كثير في تفسيره: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْب﴾ :
تقول: إنما اعترفت بهذا على نفسي، ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب في نفس الأمر، ولا وقع المحذور الأكبر، وإنما راودت هذا الشاب مراودة، فامتنع، فلهذا اعترفت؛ ليعلم أني بريئة، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ، وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ تقول المرأة: ولست أبرئ نفسي؛ فإن النفس تتحدث، وتتمنى، ولهذا راودته لأن
стр. 291
﴿النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ أي: إلا من عصمه الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهذا القول هو الأشهر والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام، وقد حكاه الماوردي في تفسيره، وانتدب لنصره الإمام أبو العباس ابن تيمية ﵀ فأفرده بتصنيف على حدة.
وبعد أن ذكر بعض ما ذكره ابن جرير الذي ذكرناه آنفا عن ابن عباس، وتلاميذه، وغيره قال: والقول الأول أقوى، وأظهر؛ لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك، ولم يكن يوسف ﵇ عندهم، بل بعد ذلك أحضره الملك١.
стр. 292
التفسير الصحيح لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾
والصحيح في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّه﴾ أن الكلام تم عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِه﴾ وليس من شك في أن همها كان بقصد الفاحشة، ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ .
الكلام من قبيل التقديم والتأخير، والتقدير: ولولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها، فقوله تعالى: ﴿وهم بها﴾ ، جواب "لولا" مقدم عليها ومعروف في العربية أن "لولا" حرف امتناع لوجود، أي: امتناع الجواب لوجود الشرط، فيكون الهم ممتنعا لوجود البرهان الذي ركزه الله في فطرته، والمقدم إما الجواب، أو دليله على الخلاف في هذا بين النحويين، والمراد بالبرهان: هو حجة الله الباهرة الدالة على قبح الزنا وهو شيء مركوز في فطر الأنبياء، ومعرفة ذلك عندهم وصل إلى عين اليقين، وهو ما نعبر عنه بالعصمة، وهي التي تحول بين الأنبياء والمرسلين وبين وقوعهم في المعصية، ويرحم الله الإمام: جعفر بن محمد الصادق ﵄ حيث قال: البرهان: النبوة التي أودعها الله في صدره، حالت بينه وبين ما يسخط الله .
стр. 293
وهذا هو القول الجزل الذي يوافق ما دل عليه العقل من عصمة الأنبياء، ويدعو إليه السابق واللاحق، وأما كون جواب لولا لا يجوز أن يتقدم عليها فهذا أمر ليس ذا خطر، حتى نعدل عن هذا الرأي الصواب، إلى التفسيرات الأخرى الباطلة، لهم يوسف ﵇ والقرآن هو أصل اللغة، فورود أي أسلوب في القرآن يكفي في كونه أسلوبا عربيا فصيحًا، وفي تأصيل أي قاعدة من القواعد النحوية فلا يجوز لأجل الأخذ بقاعدة نحوية أن نقع في محظور لا يليق بالأنبياء كهذا.
وقد قال الإمام الآلوسي في تفسيره في الرد على المبرد في تشنيعه على قراءة حمزة -أحد القراء السبعة- في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ﴾ ١ بجر لفظ الأرحام عطفا على الضمير المجرور من غير إعادة حرف الجر، وهو أحد القراء السبعة الذين قال أساطين الدين: إن قراءتهم متواترة عن رسول الله ﷺ ومع هذا، لم يقرأ به وحده، بل قرأ به جماعة من غير السبعة، كابن مسعود، وابن عباس، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، وقتادة ومجاهد وغيرهم كما نقله ابن يعيش فالتشنيع على هذا الإمام في غاية الشناعة، ونهاية الجسارة والبشاعة وربما يخشى منه الكفر، وما ذكر من امتناع العطف على الضمير المجرور، هو مذهب البصريين، ولسنا متعبدين باتباعهم، وقد أطال أبو حيان في "البحر" الكلام في الرد عليهم، وادعى أن ما ذهبوا إليه غير صحيح، بل الصحيح ما ذهب إليه الكوفيون من الجواز، وورد ذلك في لسان العرب نثرا ونظما، وإلى ذلك ذهب ابن مالك"٢.
وقيل: إن ما حصل من هَمِّ يوسف كان خطرة، وحديث نفس بمقتضى الفطرة البشرية، ولم يستقر، ولم يظهر له أثره، قال البغوي في تفسيره: "قال بعض أهل الحقائق: الهَمُّ هَمَّان: همٌّ ثابت، وهو إذا كان معه عزم، وعقد، ورضا، مثل هم امرأة العزيز، والعبد مأخوذ به، وهمٌّ عارض، وهو الخطرة وحديث النفس من غير اختيار، ولا عزم مثل هم يوسف ﵇ والعبد غير مأخوذ به، ما لم يتكلم به أو يعمل"٣، وقيل: همت به هم شهوة وقصد للفاحشة، وهم هو يضربها، ولا أدري
стр. 294
كيف يتفق هذا القول وقوله تعالى: ﴿لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّه﴾ .
والقول الجزل الفحل هو ما ذكرناه أولا، والسر في إظهاره في هذا الأسلوب والله أعلم: تصوير المشهد المثير المغرى العرم، الذي هيأته امرأة العزيز لنبي الله يوسف، وأنه لولا عصمة الله له، وفطرته النبوية الزكية، لكانت الاستجابة لها، والهم بها أمرا محققا، وفي هذا تكريم ليوسف، وشهادة له بالعفة البالغة، والطهارة الفائقة.
стр. 295
١٩- الإسرائيليات في سبب لبث يوسف في السجن:
ومن الإسرائيليات ما يذكره بعض المفسرين في مدة سجن يوسف ﵇ وفي سبب لبثه في السجن بضع سنين، وذلك عند تفسير قوله تعالى:
﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِين﴾ [يوسف: الآية ٤٢] .
فقد ذكر ابن جرير، والثعلبي، والبغوي، وغيرهم أقوالا كثيرة في هذا، فقد قال وهب بن منبه: أصاب أيوب البلاء سبع سنين، وترك يوسف في السجن سبع سنين، وعذب بختنصر فحول في السباع سبع سنين١.
وقال مالك بن دينار: لما قال يوسف للساقي: اذكرني عند ربك. قيل له: يا يوسف اتخذت من دوني وكيلا، لأطيلن حبسك، فبكى يوسف، وقال: يا رب، أنسى قلبي كثرة البلوى فقلت كلمة، ولن أعود.
وقال الحسن البصري: دخل جبريل ﵇ على يوسف في السجن فلما رآه يوسف عرفه، فقال له: يا أخا المنذرين، إني أراك بين الخاطئين؟! فقال له جبريل: يا طاهر يا ابن الطاهرين يقرأ عليك السلام رب العالمين، ويقول لك: أما استحيت مني أن استشفعت بالآدميين؟! فوعزتي وجلالي لألبثنك في السجن بضع سنين، فقال يوسف: وهو في ذلك عني راضٍ؟ قال: نعم، قال: إذًا لا أبالي.
стр. 296
وقال كعب الأحبار: قال جبريل ليوسف: إن الله تعالى يقول: من خلقك؟ قال: الله . قال: فمن حبَّبَك إلى أبيك؟ قال: الله، قال: فمن نجاك من كرب البئر؟ قال: الله، قال: فمن علمك تأويل الرؤيا؟ قال: الله، قال: فمن صرف عنك السوء، والفحشاء؟ قال: الله، قال: فكيف استشفعت بآدمي مثلك؟ ١، فلما انقضت سبع سنين قال الكلبي: وهذه السبع سوى الخمسة٢ التي قبل ذلك جاء الفرج من الله، فرأى الملك ما رأى من الرؤيا العجيبة، وعجز الملأ عن تفسيرها، تذكر الساقي يوسف وصدق تعبيره للرؤى، فذهب إلى يوسف، فعبرها له خير تعبير، فكان ذلك سبب نجاته من السجن، وقول امرأة العزيز: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِين﴾ .
وأغلب الظن عندي: أن هذا من الإسرائيليات، فقد صورت سجن يوسف على أنه عقوبة من الله لأجل الكلمة التي قالها، مع أنه ﵇ لم يقل هجرا، ولا منكرا، فالأخذ في أسباب النجاة العادية، وفي أسباب إظهار البراءة والحق، لا ينافي قط التوكل على الله تعالى، والبلاء للأنبياء ليس عقوبة، وإنما هو لرفع درجاتهم، وليكونوا أسوة وقدوة لغيرهم، في باب الابتلاء، وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : "أشد الناس بلاء الأنبياء، فالأمثل، فالأمثل".
وقد روى ابن جرير ههنا حديثا مرفوعا فقال: حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا عمرو بن محمد، عن إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا، قال: قال النبي ﷺ : "لو لم يقل -يعني يوسف- الكلمة التي قالها ما لبث في السجن طول ما لبث، حيث يبتغي الفرج من عند غير الله".
ولو أن هذا الحديث كان صحيحا أو حسنا: لكان للمتمسكين بمثل هذه الإسرائيليات التي أظهرت سيدنا يوسف بمظهر الرجل المذنب المدان وجهة، ولكن الحديث شديد الضعف، لا يجوز الاحتجاج به أبدا.
стр. 297
قال الإمام الحافظ الناقد: ابن كثير: "وهذا الحديث ضعيف جدا"١؛ لأن سفيان بن وكيع الراوي عنه ابن جرير ضعيف، وإبراهيم بن يزيد أضعف منه أيضا، وقد روى عن الحسن وقتادة مرسلا عن كل منهما، وهذه المرسلات ههنا لا تقبل٢، ولو قبل المرسل من حيث هو في غير هذا الموطن، والله أعلم٣" وقد تكلف بعض المفسرين للإجابة عما يدل عليه هذا الحديث، وحاله كما سمعت بل تكلف بعضهم، فجعل الضمير في: "فأنساه" ليوسف وهو غير صحيح، والذي يجب أن نعتقده أن يوسف ﵊ مكث في السجن كما قال الله تعالى بضع سنين.
والبضع: من الثلاث إلى التسع، أو إلى العشر من غير تحديد للمدة، فجائز أن تكون سبعا، وجائز أن تكون تسعا، وجائز أن تكون خمسا، ما دام ليس هناك نقل صحيح عن المعصوم ﷺ وكذلك: نعتقد أنه لم يكن عقوبة على كلمة وإنما هو بلاء ورفعة درجة ثم كيف يتفق هذا الحديث الضعيف هو وما روي عن النبي في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " ... ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي" وفي لفظ للإمام أحمد: "لو كنت أنا لأسرعت الإجابة، وما ابتغيت العذر".
стр. 298
٢٠- الإسرائيليات في شجرة طوبى:
ومن الإسرائيليات: ما ذكره بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ ١.
فمن ذلك ما رواه ابن جرير بسنده، عن وهب، قال: إن في الجنة شجرة يقال لها: طوبى، يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، زهرتها رياط، وورقها برود،
стр. 299
وقضبانها عنبر، وبطحاؤها ياقوت، وترابها كافور، ووحلها مسك، يخرج من أصلها أنهار الخمر، واللبن، والعسل، وهي مجلس لأهل الجنة، فبينما هم في مجلسهم؛ إذ أتتهم ملائكة من ربهم، يقودون نجبًا١ مزمومة بسلاسل من ذهب، وجوهها كالمصابيح حسنا، ووبرها كخز المرعزي من لينه، عليها رحال٢ ألواحها من ياقوت، ودفوفها من ذهب، وثيابها من سندس، وإستبرق، فيفتحونها، يقولون: إن ربنا أرسلنا إليكم لتزوروه، وتسلموا عليه، قال: فيركبونها فهي أسرع من الطائر، وأوطأ من الفراش، نجبا من غير مهنة، يسير الرجل إلى جنب أخيه، وهو يكلمه، ويناجيه، لا تصيب أذن راحلة منها أذن الأخرى ولا برك٣ راحلة برك الأخرى، حتى أن الشجرة لتتنحى عن طريقهم؛ لئلا تفرق بين الرجل وأخيه، قال: فيأتون إلى الرحمن الرحيم، فيسفر لهم عن وجهه الكريم، حتى ينظروا إليه، فإذا رأوه قالوا: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، وحق لك الجلال والإكرام، قال: فيقول تعالى عند ذلك: أنا السلام، ومني السلام، وعليكم السلام، حقت رحمتي ومحبتي، مرحبا بعبادي الذين خشوني بغيب، وأطاعوا أمري، قال: فيقولون: ربنا لم نعبدك حق عبادتك، ولم نقدرك حق قدرك، فأذن لنا في السجود قدامك، قال: فيقول الله: إنها ليست بدار نصب، ولا عبادة ولكنها دار ملك ونعيم، وإني قد رفعت عنكم نصب العبادة فسلوني ما شئتم، فإن لكل رجل منكم أمنية، فيسألونه، حتى أن أقصرهم أمنية ليقول: ربي تنافس أهل الدنيا في دنياهم، فتضايقوا فيها، رب فآتني مثل كل شيء كانوا فيه من يوم خلقتها إلى أن انتهت الدنيا، فيقول الله تعالى: لقد قصرت بك أمنيتك.
ولقد سألت دون منزلتك، هذا لك مني؛ لأنه ليس في عطائي نكد، ولا قصر يد، قال: ثم يقول: أعرضوا على عبادي ما لم يبلغ أمانيهم ولم يخطر لهم على بال، قال: فيعرضون عليهم حتى تقصر بهم أمانيهم التي في أنفسهم، فيكون فيما يعرضون عليهم براذين مقرنة على كل أربعة منها سرير من ياقوتة واحدة، على كل سرير منها قبة من ذهب،
стр. 300
مفرغة، في كل قبة منها فرش من فرش الجنة، متظاهرة، في كل قبة منها جاريتان من الحور العين، على كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة، وليس في الجنة لون إلا وهو فيهما، ولا ريح ولا طيب إلا قد عبق بهما، ضوء وجوههما غلظ القبة، حتى يظن من يراهما أنهما دون القبة، يرى مخهما من فوق سوقهما كالسلك الأبيض في ياقوتة حمراء، يريان له من الفضل على صاحبه كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل، ويرى هو لهما مثل ذلك، ويدخل إليهما فيحييانه ويقبلانه، ويتعلقان به، ويقولان له: والله ما ظننا أن الله يخلق مثلك، ثم يأمر الله الملائكة فيسيرون بهم صفا في الجنة، حتى ينتهي كل رجل منهم إلى منزلته التي أعدت له١.
وقد وصف ابن كثير في تفسيره هذا الأثر: بأنه غريب عجيب وساقه، وقد روى هذا الأثر ابن أبي حاتم بسنده، عن وهب أيضا وزاد زيادات أخرى٢.
التفسير الصحيح لقوله: ﴿طُوبَى لَهُم﴾
والمأثور عن السلف في تفسير طوبى غير ذلك، فروي عن ابن عباس ﵄ في تفسيرها: فرح لهم وقرة عين، وقال عكرمة: نِعَم لما لهم، وقال قتادة: حسنى لهم، وقال إبراهيم النختي: خير لهم وكرامة.
وروي أيضًا عن بعض الصحابة، وغير واحد من السلف: أن طوبى شجرة في الجنة، بل وَرَدَ ذلك عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: "طوبى شجرة في الجنة، ظلها مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها" ٣.
بل قيل: إنها الشجرة التي ذكرها النبي ﷺ في قوله: "إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها" رواه أحمد، والبخاري، ومسلم في بعض روايات أحمد والبخاري: اقرأوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُود﴾ ٤.
ونحن لا ننكر احتمال أن تكون هذه الشجرة المذكورة في الحديث الصحيح، ولكن
стр. 301
الذي ننكره، ونقول: إنه من الإسرائيليات: هذه الزيادات التي زادها وهب، ومن أخذ عنه، ونحن في غنية عن هذا بما ثبت في الأحاديث الصحاح، وها نحن نرى أنها جاءت خالية من هذه التخريفات والتهويلات التي ننزه عنها الرواية الإسلامية.
стр. 302
٢١- الإسرائيليات في إفساد بني إسرائيل:
ومن الإسرائيليات في كتب التفسير: ما يذكره بعض المفسرين عند قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا، ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا، إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا، عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: الآيات من ٤-٨] .
وليس من قصدنا هنا: تحقيق مَرَّتَىْ إفسادهم، ومن سلط عليهم في كلتا المرتين، فلذلك موضع آخر١.
وإنما الذي يتصل ببحثي: بيان ما روي من الإسرائيليات في هاتين المرتين، واسم من سلط عليهم، وصفته وكيف كان، وإلام صار أمره، وقد كانت معظم الروايات في بيان العباد ذوي البأس الشديد الذين سلطوا عليهم تدور حول "بختنصر" البابلي، وقد أحاطوه بهالة من العجائب، والغرائب، والمبالغات التي لا تصدق، وقد أخرج هذه الروايات ابن جرير في تفسيره، وأكثر منها جدا٢، وابن أبي حاتم والبغوي٣، وغيرهم عن ابن عباس،
стр. 303
وابن مسعود، وعن سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وعن السدي، وعن وهب بن منبه، وابن إسحاق، وغيرهم، وخرجها من غير ذكر أسانيدها مع عزوها إلى مخرجيها السيوطي في "الدر المنثور"١.
وفيها ولا شك الكثير من أكاذيب بني إسرائيل التي اختلقها أسلافهم، وتنوقلت عليهم، ورواه أخلافهم من مسلمة أهل الكتاب الذين أسلموا، وأخذها عنهم بعض الصحابة والتابعين تحسينا للظن بهم، ورواها من غير تنبيه إلى ما فيها.
وفي هذه الأخبار الإسرائيلية ما يحتمل الصدق والكذب، ولكن الأولى عدم الاشتغال به، وأن لا يفسر القرآن به، وأن نقف عند ما قصه الله علينا، من غير أن نفسد جمال القرآن، وجلاله بمثل هذه الإسرائيليات.
وقد أكثر ابن جرير هنا من النقل عن ابن إسحاق، وفي بعضها روي عن ابن إسحاق عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه٢، وفي بعضها بسنده عن وهب بن منبه في ذكر ابن إسحاق، وبذلك وقفنا على من كان المصدر الحقيقي لهذه المرويات، وأنه وهب، وأمثاله من مسلمة أهل الكتاب.
وقد سود ابن جرير بضع صفحات من كتابه في النقل عن ابن إسحاق وعن وهب ولا أحب أن أنقل هذا بنصه؛ فإن في ذلك تسويدًا للصفحات، ولكني سأذكر البعض ليكون القارئ لهذا التفسير على حذر من مثل ذلك.
قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة قال: حدثني ابن إسحاق قال: "كان مما أنزل الله على موسى٣ في خبره عن بني إسرائيل، وفي إحداثهم، ما هم فاعلون بعده، فقال: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ إلى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ .
فكانت بنو إسرائيل وفيهم الأحداث والذنوب، وكان الله في ذلك متجاوزا عنهم.
стр. 304
متعطفا عليهم، محسنًا إليهم، فكان مما أنزل بهم في ذنوبهم ما كان قدم إليهم في الخبر على لسان موسى، مما أنزل بهم في ذنوبهم، فكان أول ما أنزل بهم من تلك الوقائع: أن ملكًا منهم كان يدعى صديقه، وكان الله إذا ملك الملك عليهم بعث نبيا يسدده، ويرشده، ويكون فيما بينه، وبين الله، ويحدث إليه في أمرهم لا ينزل عليهم الكتب، إنما يؤمرون باتباع التوراة، والأحكام التي فيها وينهونهم عن المعصية، ويدعونهم إلى ما تركوا من الطاعة، فلما ملك ذلك الملك بعث الله معه شعياء بن أمصيا، وذلك قبل مبعث زكريا، ويحيى وعيسى، وشعياء الذي بشر بعيسى، ومحمد، فملك ذلك الملك بني إسرائيل، وبيت المقدس زمانا، فلما انقضى ملكه، عظمت فيهم الأحداث، وشعياء معه، بعث الله عليهم: "سنجاريب" ملك بابل، ومعه ستمائة ألف راية١ فأقبل سائرا حتى نزل نحو بيت المقدس، والملك مريض، في ساقه قرحة، فجاء النبي شعياء، فقال له: يا ملك بني إسرائيل: إن "سنجاريب" ملك بابل قد نزل بك هو وجنوده، ستمائة ألف راية، وقد هابهم الناس، وفَرَقُوا٢ منهم، فكبُر ذلك على الملك فقال: يا نبي الله، هل أتاك وحي من الله فيما حدث فتخبرنا به؟ كيف يفعل الله بنا، وبسنجاريب وجنوده؟ فقال له النبي ﵇: لم يأتني وحي أُحدث إلي في شأنك، فبينما هم على ذلك: أوحى الله إلى شعياء النبي: أن ائت ملك بني إسرائيل فمره أن يوصي وصيته، ويستخلف على ملكه من شاء من أهل بيته، فإنك ميت ...
ثم استرسل ابن جرير في الرواية، حتى استغرق ذلك أربع صفحات كبار من كتابه٣ لا يشك الناظر فيها أنها من أخبار بني إسرائيل، وفيما ذكره ابن جرير عن ابن إسحاق الصدق، والكذب، والحق، والباطل، ولسنا في حاجة إليه في تفسير الآيات.
وفي الإفساد الثاني، ومن سلط عليهم، روى ابن جرير أيضا قال: حدثني محمد بن سهل بن عسكر، ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه قالا: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثنا ابن عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه.
стр. 305
وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يُتَّهَم، عن وهب بن منبه اليماني واللفظ لحديث ابن حميد أنه كان يقول يعني وهب بن منبه: قال الله ﵎ لأرميا حين بعثه نبيا إلى بني إسرائيل: يا أرميا من قبل أن أخلقك اخترتك، ولأمر عظيم اختبأتك، فبعث الله "أرميا" إلى ذلك الملك من بني إسرائيل، يسدده، ويرشده ويأتيه بالخبر من الله فيما بينه، وبين الله، قال: ثم عظمت الأحداث في بني إسرائيل، وركبوا المعاصي، واستحلوا المحارم، ونسوا ما كان الله صنع بهم، وما نجاهم من عدوهم "سنجاريب" وجنوده، فأوحى الله إلى أرمياء: أنت أئت قومك من بني إسرائيل، واقصص عليهم ما آمرك به، وذكرهم نعمتي عليهم، وعرفهم أحداثهم ...
واسترسل وهب بن منبه فيما يذكره من أخبار بني إسرائيل حتى استغرق ذلك من تفسير ابن جرير ثلاث صفحات كبار١ إلى غير ذلك، مما ذكره ابن جرير، وابن أبي حاتم، وغيرهما، من قصص عجيب غريب في "بختنصر" هذا، وما خرب من البلاد وما قتل من العباد.
الكذب على رسول الله بنسبة هذه الإسرائيليات إليه:
ولو أن هذه الإسرائيليات والأباطيل وقف بها عند رواتها من أهل الكتاب الذين أسلموا، أو عند من رواها عنهم من الصحابة والتابعين لهان الأمر، ولكن عظم الإثم أن تنسب هذه الإسرائيليات إلى المعصوم ﷺ ولا أشك أن هذا الدس من عمل زنادقة اليهود أو الفرس.
روى ابن جرير في تفسيره، قال: حدثنا عصام بن داود بن الجراح، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا سفيان بن سعيد الثوري قال: حدثنا منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش، قال: سمعت حذيفة بن اليمان يقول: قال رسول الله ﷺ : "إن بني إسرائيل لما اعتدوا، وعلوا، وقتلوا الأنبياء، بعث الله عليهم ملك فارس:
стр. 306
بختنصر" وكان الله ملكه سبعمائة سنة١ فسار إليهم، حتى دخل بيت المقدس، فحاصرها، وفتح، وقتل على دم زكريا سبعين ألفا، ثم سبي أهلها، وبني الأنبياء، وسلب حلي بيت المقدس، واستخرج منها سبعين ألفا، ومائة ألف عجلة من حلي، حتى أوردها بابل"٢، قال حذيفة: فقلت يا رسول الله لقد كان بيت المقدس عظيما عند الله، قال: "أجل، بناه سليمان بن داود من ذهب، ودر، وياقوت، وزبرجد وكان بلاطة من ذهب، وبلاطة من فضة، وعمده ذهبا، أعطاه الله ذلك، وسخر له الشياطين يأتونه بهذه الأشياء في طرفة عين، فسار" بختنصر" بهذه الأشياء، حتى دخل بها بابل، فأقام بنو إسرائيل في يديه مائة سنة، تعذبهم المجوس، وأبناء المجوس، فيهم الأنبياء، وأبناء الأنبياء ثم إن الله رحمهم فأوحى إلى ملك من ملوك فارس، يقال له: "كورش" وكان مؤمنا، أن سر إلى بقايا بني إسرائيل حتى تستنقذهم فسار "كورش"، ببني إسرائيل، وحلي المقدس حتى رده إليه.
فأقام بنو إسرائيل مطيعين الله مائة سنة، ثم إنهم عادوا في المعاصي، فسلط الله عليهم "بطيانموس" فغزا بأبناء من غزا مع بختنصر، فغزا بني إسرائيل، حتى أتاهم بيت المقدس، فسبى أهلها، وأحرق بيت المقدس، وقال لهم: يا بني إسرائيل، إن عدتم في المعاصي عدنا عليكم بالسباء، فعادوا في المعاصي، فسير الله عليهم السباء الثالث، ملك رومية، يقال له: "فاقس بن أسبايوس٣" فغزاهم في البر والبحر فسباهم، وسبى حلي بيت المقدس، وأحرق بيت المقدس بالنيران، فقال رسول الله ﷺ : "هذا من صنعة حلي بيت المقدس، ويرده المهدي إلى بيت المقدس، وهو ألف سفينة، وسبعمائة سفينة، يرسي بها على على "يافا" حتى تنقل إلى بيت المقدس، وبها يجمع الله الأولين، والآخرين"، وعفا الله عن ابن جرير، كيف استجاز أن يذكر هذا الهراء، وهذه التخريفات عن المعصوم ﷺ وكان عليه أن يصون كتابه عن أن يسوده بأمثال هذه المرويات الباطلة.
стр. 307
ويرحم الله الإمام الحافظ الناقد ابن كثير، حيث قال في تفسيره:
"وقد روى ابن جرير في هذا المكان حديثا أسنده عن حذيفة مرفوعا مطولا، وهو حديث موضوع لا محالة، لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث، والعجب كل العجب، كيف راجَ عليه مع جلالة قدره، وإمامته، وقد صرح شيخنا: أبو الحجاج المزي ﵀ بأنه موضوع مكذوب، وكتب ذلك على حاشية الكتاب يعني كتاب تفسير ابن جرير وقد وردت في هذا آثار كثيرة إسرائيلية، لم أرَ تطويل الكتاب بذكرها، لأن منها: ما هو موضوع من وضع بعض زنادقتهم، ومنها: ما قد يحتمل أن يكون صحيحا، ونحن في غنية عنها ولله الحمدن وفيما قص الله علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله، ولم يحوجنا الله، ولا رسوله إليهم، وقد أخبر الله عنهم أنهم لما طغَوا، وبغَوا سلط الله عليهم عدوهم، فاستباح بيضتهم، وسلك خلال بيوتهم، وأذلهم، وقهرهم جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد، فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقا كثيرا من الأنبياء والعلماء١.
التفسير الصحيح للآية:
وهذا هو الحق الذي ينبغي أن يصار إليه في الآية، والقصص القرآني لا يعنى بذكر الأشخاص، ولا الأماكن؛ لأن الغرض منه العبرة، والتذكير، والتعليم والتأويل، والذي دلت عليه الآية: أنهم أفسدوا مرتين في الزمن الأول، وظلموا وبغوا، فسلط الله عليهم في الأولى من أذلهم وسباهم، ولا يغنيني أن يكون هذا "سنجاريب" أو "بختنصر" وجيشه؛ إذ لا يترتب على العلم به فائدة تُذكر، وسلط الله عليهم في الثانية من أذلهم، وساء وجوههم، ودخل المسجد الأقصى، فأفسد فيه، ودمر، ولا يعنينا أن يكون هذا الذي نكل بهم هو: "طيطوس" الروماني أو غيره؛ لأن المراد من سياق قصته ما قضاه الله على بني إسرائيل أنهم أهل فساد، وبطر، وظلم، وبغي، وأنهم لما أفسدوا وطغوا، وتجبروا سلطه الله عليهم من عباده من نكل بهم، وأذلهم، وسباهم، وشردهم، ثم إن الآيات دلت أيضا على أن بني إسرائيل لا يقف طغيانهم، وبغيهم، وإفسادهم عند المرتين الأوليين، بل الآية توحي بأن ذلك مستمر إلى ما شاء الله، وأن الله سيسلط عليهم من
стр. 308
يسومهم العذاب، ويبطش بهم، ويرد ظلمهم وعدوانهم، قال عز شأنه: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ ، أليس في قوله هذا إنذار ووعيد لهم إلى يوم القيامة؟! بلى.
وما يؤكد هذا الإنذار والوعيد قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١، فهل يسلط الله عليهم اليوم من يرد ظلمهم وبغيهم، وطردهم أهل فلسطين من ديارهم، واغتصاب الديار، واستذلال العباد، واستهانتهم بالقيم الخلقية، والحقوق الإنسانية؟
ذلك ما نرجو، وما ذلك على المسلمين والعرب بعزيز، لو وحدوا الكلمة، وجمعوا الصفوف، وأخذوا الحذر والأهبة، وأعدوا العدة فاللهم حقق وأعِنْ.
стр. 309
٢٢- الإسرائيليات في قصة أصحاب الكهف:
ومن قصص الماضين التي أكثر فيها المفسرون من ذكر الإسرائيليات قصة أصحاب الكهف، فقد ذكر ابن جرير، وابن مردويه، وغيرهما الكثير من أخبارهم التي لا يدل عليها كتاب الله تعالى، ولا يتوقف فهم القرآن وتدبره عليها.
فمن ذلك: ما ذكره ابن جرير في تفسيره، عن ابن إسحاق، صاحب السيرة في قصتهم، فقد ذكر نحو ثلاث ورقات، وذكر عن وهب بن منبه، وابن عباس ومجاهد أخبارا كثيرة١ أخرى وكذلك ذكر السيوطي في "الدر المنثور"٢، الكثير مما ذكره المفسرون عن أصحاب الكهف، عن هويتهم، ومن كانوا؟ وفي أي زمان ومكان وجدوا؟ وأسمائهم؟ واسم كلبهم؟ وأهو قطمير أم غيره؟ وعن لونه أهو أصفر أم أحمر؟ بل روى ابن أبي حاتم من طريق سفيان، قال: رجل بالكوفة يقال له عبيد وكان لا يتهم بالكذب قال: رأيت كلب أصحاب الكهف أحمر، كأنه كساء أبنجاني٣، ولا
стр. 310
أدرى كيف كان لا يتهم بالكذب، وما زعم كذب لا شك فيه، فهل بقي كلب أصحاب الكهف حتى الإسلام؟! وكذلك ذكروا أخبار غرائب في الرقيم، فمن قائل: إنه قرية، وروي ذلك عن كعب الأحبار، ومن قائل: إنه وادٍ بفلسطين، بقرب أيلة، وقيل: اسم جبل أصحاب الكهف إلى غير ذلك مع أن الظاهر أنه كما قال كثير من السلف أنه: الكتاب أو الحجر الذي دون فيه قصته وأخبارهم، أو غير ذلك، مما الله أعلم به، فهو فعيل بمعنى مفعول، أي: مرقوم، وفي الكتاب الكريم: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ، كِتَابٌ مَرْقُومٌ، يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُون﴾ ١، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ، كِتَابٌ مَرْقُوم﴾ ٢.
وفي هذه الأخبار: الحق والباطل، والصدق والكذب، وفيها: ما هو محتمل للصدق والكذب، ولكن فيما عندنا غنية عنه، ولا فائدة من الاشتغال بمعرفته وتفسير القرآن به، كما أسلفنا عن ابن تيمية، بل الأولى والأحسن، أن نضرب عنه صفحًا، وقد أدَّبنا الله بذلك حيث قال لنبيه بعد ذكر اختلاف أهل الكتاب في عدد أصحاب الكهف: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ ٣.
وغالب ذلك ما أشرنا إليه وغيره متلقى عن أهل الكتاب الذين أسلموا، وحمله عنهم بعض الصحابة والتابعين لغرابته، والعجب منه، قال العلامة ابن كثير في تفسيره: "وفي تسميتهم بهذه الأسماء، واسم كلبهم نظر في صحته والله أعلم، قال: غالب ذلك تُلُقِّيَ من أهل الكتاب، وقد قال تعالى: ﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ أي: سهلا هينا لينا: فإن الأمر في معرفة ذلك لا يترتب عليه كبير فائدة "ولا تستفت فيهم منهم أحدا! أي: فإنهم لا علم لهم بذلك إلا ما يقولون من تلقاء أنفسهم، رجما بالغيب، أي: من غير استناد إلى كلام معصوم، وقد جاءك الله يا محمد بالحق الذي لا شك فيه ولا مرية فيه، فهو المقدم على كل ما تقدمه من الكتب والأقوال"٤.
стр. 311
٢٣- الإسرائيليات في قصة ذي القرنين:
ومن الإسرائيليات التي طفحت بها بعض كتب التفسير: ما يذكرونه في تفاسيرهم، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا، إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا، فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ ١ الآيات.
وقد ذكر ابن جرير في تفسيره بسنده، عن وهب بن منبه اليماني، وكان له علم بالأحاديث الأولى، أنه كان يقول: "ذو القرنين: رجل من الروم، ابن عجوز من عجائزهم، ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر، وإنما سُمِّيَ ذا القرنين؛ أن٢ صفحتي رأسه كانتا من نحاس، فلما بلغ وكان عبدا صالحا، قال الله له: يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض، وهي أمم مختلفة ألسنتهم، وهم جميع أهل الأرض، ومنهم أمتان بينهما طول الأرض كله، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كله، وأمم في وسط الأرض منهم الجن، والإنس، ويأجوج ومأجوج ... ثم استرسل في ذكر أوصافه، وما وهبه الله من العلم والحكمة، وأوصاف الأقوام الذين لقيهم، وما قال لهم، وما قالوا له، وفي أثناء ذلك يذكر ما لا يشهد له عقل ولا نقل وقد سود بهذه الأخبار نحو أربعة صحائف من كتابه٣، وكذلك ذكر روايات أخرى في سبب تسميته بذي القرنين، بما لا يخلو عن تخليط وتخبط، وقد ذكر ذلك عن غير ابن جرير: السيوطي في الدر قال: وأخرج ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والشيرازي في الألقاب، وأبو الشيخ، عن وهب بن منبه اليماني، وكان له علم بالأحاديث الأولى أنه كان يقول: كان ذو القرنين رجلا من الروم، ابن عجوز من عجائزهم، ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر، وإنما سمي ذا القرنين: أن صفحتي رأسي كانتا من نحاس ... "٤، وأنا لا أشك في أن ذلك مما تلقاه وهب عن كتبهم، وفيها ما فيها من الباطل، والكذب، ثم حملها عنه بعض التابعين، وأخذها عنهم ابن إسحاق وغيره من أصحاب كتب التفسير،
стр. 312
والسير، والأخبار، ويرحم الله الإمام الحافظ الناقد: ابن كثير، حيث قال في تفسيره: وقد ذكر ابن جرير ههنا عن وهب بن منبه أثرًا طويلا، عجيبا في سير ذي القرنين، وبنائه السد، وكيفية ما جرى له وفيه طول، وغرابة، ونكارة، في إشكالهم، وصفاتهم وطولهم، وقصر بعضهم، وآذانهم، وروى ابن أبي حاتم عن أبيه في ذلك أحاديث غريبة، لا تصح أسانيدها، والله أعلم"١ وحتى لو صح الإسناد إليها، فلا شك في أنها من الإسرائيليات، لأنه لا تنافي بين الأمرين، فهي صحيحة إلى من رويت عنه، لكنها في نفسها من قصص بني إسرائيل الباطل، وأخبارهم الكاذبة.
ولو أن هذه الإسرائيليات وقف بها عند منابعها، أو من حملها عنهم من الصحابة والتابعين، لكان الأمر محتملا، ولكن الإثم وكِبْر الكذب أن تنسب هذه الأخبار إلى النبي ﷺ ولو أنها كما أسلفت كانت صحيحة في معناها ومبناها لما حل نسبتها إلى رسول الله أبدا، فما بالك وهي أكاذيب ملفقة، وأخبار باطلة؟!
وقد روى ابن جرير وغيره عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ : حديثًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ قال: "حدثنا أبو كريب قال: حدثنا زيد بن حباب، عن ابن لهيعة، قال: حدثني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن شيخين من تجيب، أنهما انطلقا إلى عقبة بن عامر، فقالا له: جئنا لتحدثنا فقال: كنت يوما أخدم رسول الله ﷺ فخرجت من عنده، فلقيني قوم من أهل الكتاب، فقالوا: نريد أن نسأل رسول الله ﷺ فاستأذن لنا عليه، فدخلت عليه فأخبرته فقال: "ما لي، وما لهم، ما لي علم إلا ما علمني الله"، ثم قال: "اسكب لي ماءًا" فتوضأ، ثم صلى، قال: فما فرغ حتى عرفت السرور على وجهه، ثم قال: "أدخلهم علي، ومن رأيت من أصحابي"، فدخلوا، فقاموا بين يديه فقال: إن شئتم سألتم فأخبرتكم عما تجدونه في كتابكم مكتوبًا، وإن شئتم أخبرتكم، قالوا: بلى، أخبرنا، قال: جئتم تسألون عن ذي القرنين، وما تجدونه في كتابكم، كان شابًّا من الروم، فجاء، فبنى مدينة مصر الإسكندرية، فلما فرغ جاءه ملك فعلا به في السماء،
стр. 313
فقال له: ما ترى؟ فقال: أرى مدينتي، ومدائن، ثم علا به، فقال: ما ترى؟ فقال: أرى مدينتي، ثم علا به فقال: ما ترى؟ قال: أرى الأرض، قال: فهذا اليم محيط بالدنيا، إن الله بعثني إليك تعلم الجاهل، وتثبت العالم، فأتى به السد، وهو جبلان لينان يزلق عنهما كل شيء، ثم مضى به حتى جاوز يأجوج ومأجوج، ثم مضى به إلى أمة أخرى، وجوههم وجوه الكلاب، يقاتلون يأجوج ومأجوج، ثم مضى به إلى أمة أخرى، وجوههم وجوه الكلاب، يقاتلون يأجوج ومأجوج، ثم مضى به حتى قطع به أمة أخرى يقاتلون هؤلاء الذين وجوههم وجوه الكلاب، ثم مضى حتى قطع به هؤلاء إلى أمة أخرى قد سماهم"١. ثم عقب ذلك بسرد المرويات في سبب تسميته بذي القرنين.
وذكر السيوطي في "الدر المنثور"٢ مثل ذلك، وقال: إنه أخرجه ابن عبد الحكم في تاريخ مصر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في الدلائل وكل هذا من الإسرائيليات التي دست على النبي ﷺ ولو شئت أن أقسم بين الركن والمقام أن رسول الله ﷺ ما قال هذا، لأقسمت، وابن لهيعة ضعيف في الحديث.
وقد كشف لنا الإمام الحافظ ابن كثير عن حقيقة هذه الرواية في تفسيره، وأنحى باللائمة على من رواها، فقال: "وقد أورد ابن جرير ههنا، والأموي في مغازيه، حديثا أسنده، وهو ضعيف، عن عقبة بن عامر: أن نفرًا من اليهود جاءوا يسألون النبي ﷺ عن ذي القرنين، فأخبرهم بما جاءوا له ابتداء، فكان فيما أخبرهم به: أنه كان شابا من الروم، وأنه بني الإسكندرية، وأنه على به ملك في السماء وذهب به إلى السد، ورأى أقواما وجوههم مثل وجوه الكلاب ... وفيه طول ونكارة، ورفعه لا يصح، وأكثر ما فيه أنه من أخبار بني إسرائيل.
والعجب: أن أبا زرعة الرازي مع جلالة قدره ساقه بتمامه في كتاب "دلائل النبوة"، وذلك غريب منه، فيه من النكارة أنه من الروم، وإنما الذي كان من الروم: الإسكندر الثاني، وهو ابن فيلبس المقدوني، الذي تؤرخ به الروم ... وكان وزيره.
стр. 314
أرسطاطاليس الفيلسوف المشهور، والله أعلم١.
ومن هو ذو القرنين؟:
والذي نقطع به: أنه ليس الإسكندر المقدوني؛ لأن ما ذكره المؤرخون في تاريخه لا يتفق وما حكاه القرآن الكريم عن ذي القرنين، والذي نقطع به أيضا أنه كان رجلا مؤمنا صالحا، ملكه شرق الأرض وغربها، وكان من أمره ما قصه الله تعالى في كتابه، وهذا ما ينبغي أن نؤمن به، ونصدقه، أما معرفة هويته، وما اسمه؟ وأين؟ وفي أي زمان كان؟ فليس في القرآن، ولا في السنة الصحيحة ما يدل عليه، على أن الاعتبار بقصته، والانتفاع بها، لا يتوقف على شيء من ذلك، وتلك سمة من سمات القصص القرآني، وخصيصة من خصائصه أنه لا يعنى بالأشخاص، والزمان، والمكان مثل ما يعنى بانتزاع العبرة منها، والاستفادة منها فيما سيقت له.
стр. 315
٢٤- الإسرائيليات في قصة يأجوج ومأجوج:
من الإسرائيليات التي اتسمت بالغرابة، والخروج عن سنة الله في الفطرة، وخلق بني آدم ما ذكره بعض المفسرين في تفاسيرهم عند قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ ١.
فقد ذكروا عن يأجوج ومأجوج الشيء الكثير من العجائب والغرائب، قال السيوطي في "الدر المنثور"٢: أخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عدي، وابن عساكر، وابن النجار عن حذيفة قال: سألت رسول الله ﷺ عن يأجوج، ومأجوج، فقال: "يأجوج ومأجوج أمة، كل أمة أربعمائة ألف أمة، لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف رجل من صلبه، كلٌّ حمل السلاح" قلت: يا رسول الله، صفهم
стр. 316
لنا، قال: "هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثالا الأرز" قلت: وما الأرز؟ قال: "شجر بالشام طول الشجرة عشرون ومائة ذراع في السماء"، قال رسول الله ﷺ : "هؤلاء الذين لا يقوم لهم جبل، ولا حديد، وصنف منهم، يفترش إحدى أذنيه، ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفيل، ولا وحش، ولا جمل، ولا خنزير إلا أكلوه، ومن مات منهم أكلوه، مقدمتهم بالشام وساقتهم يشربون أنهار المشرق، وبحيرة طبرية".
وقد ذكر ابن جرير في تفسيره هذه الرواية وغيرها من الروايات الموقوفة، وكذلك صنع القرطبي في تفسيره، وإذا كان بعض الزنادقة استباحوا لأنفسهم نسبة هذا إلى رسول الله ﷺ فكيف استباح هؤلاء الأئمة ذكر هذه المرويات المختلقة المكذوبة على رسول الله في كتبهم؟!
وهذا الحديث المرفوع نص الإمام أبو الفرج ابن الجوزي في موضوعاته وغيره على أنه موضوع١، ووافقه السيوطي في اللآلئ، فكيف يذكره في تفسيره ولا يعقب عليه؟! وحق له أن يكون موضوعا؛ فالمعصوم ﷺ أجلُّ من أن يروى عنه مثل هذه الخرافات، وفي كتب التفسير من هذا الخلط وأحاديث الخرافة شيء كثير، ورووا في هذا عن عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وعن كعب الأحبار، ولكي تتأكد أن ما رفع إلى رسول الله إنما هي إسرائيليات نسبت إلى النبي زورا وكذبا: نذكر لك ما روي عن كعب، قال: "خلق يأجوج ومأجوج، ثلاثة أصناف، صنف كالأرز، وصنف: أربعة أذرع طول، وأربعة أذرع عرض، وصنف يفترشون آذانهم، ويلتحفون بالأخرى، يأكلون مشائم٢ نسائهم".
وعلى حين نراهم يذكرون من هول وعظم خلقهم ما سمعت، إذ هم يروون عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "إن يأجوج ومأجوج شبر، وشبران، وأطولهم ثلاثة أشبار، وهم من ولد آدم"، بل رووا عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "بعثني الله ليلة أسرى بي إلى يأجوج، ومأجوج، فدعوتهم إلى دين الله وعبادته فأبوا أن يجيبوني، فهم في النار، مع من عصى من ولد آدم وإبليس" والعجب أن السيوطي قال عن هذا
стр. 317
الحديث: إن سنده واهٍ، ولا أدرى لم ذكره مع وهاء سنده؟! قال صاحب الدر: وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر والطبراني والبيهقي في البعث، وابن مردويه، وابن عساكر عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، ولو أرسلوا لأفسدوا على الناس معايشهم، ولا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا، وإن من ورائهم ثلاث أمم: تاويل، وتاريس، ونسك".
قال: وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وصححه، والبيهقي في البعث، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "إن يأجوج ومأجوج يحفرون السد كل يوم، حتى إذا كانوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا، فستفتحونه غدًا، ولا يستثني فإذا أصبحوا وجدوه قد رجع كما كان، فإذا أراد الله بخروجهم على الناس: قال الذي عليهم: ارجعوا، فستفتحونه إن شاء الله ويستثني١، فيعودون إليه، وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه، ويخرجون على الناس، فيستقون المياه، ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع مخضبة بالدماء، فيقولون: قهرنا من في الأرض، وعلونا من في السماء، قسوا، وعلوا، فيبعث الله عليهم نغفا٢ في أعناقهم فيهلكون"، قال رسول الله ﷺ : "فوالذي نفس محمد بيده: إن دواب الأرض لتسمن، وتبطر، وتَشْكَر شكرًا٣ من لحومهم"٤.
ومهما كان سند مثل هذا؛ فهو من الإسرائيليات عن كعب وأمثاله، وقد يكون رفعها إلى النبي غلطًا وخطأً من بعض الرواة أو كيدًا يكيد به الزنادقة اليهود للإسلام، وإظهار رسوله بمظهر من يروي ما يخالف القرآن، فالقرآن قد نص بما لا يحتمل الشك على أنهم لم يستطيعوا أن يعلوا السد، ولا أن ينقبوه، قال تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ ٥.
стр. 318
وإليك ما ذكره في هذا الإمام الحافظ، الناقد، البصير ابن كثير في تفسيره، قال بعد أن ذكر من رواه: وأخرجه الترمذي من حديث أبي عوانة، عن قتادة، ثم قال: غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه، وإسناده جيد قوي، ولكن متنه في رفعه نكارة؛ لأن ظاهر الآية: يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه، ولا من نقبه؛ لإحكام بنائه وصلابته وشدته، ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار، أنهم قبل خروجهم يأتونه، فيلحسونه، حتى لا يبقى منه إلا القليل فيقولون: غدا نفتحه، فيأتون من الغد وقد عاد كما كان، فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل، فيقولون كذلك، فيصبحون وهو كما كان، فيلحسونه، ويقولون: غدا نفتحه، ويلهمون أن يقولوا: إن شاء الله، فيصبحون وهو كما فارقوه، فيفتحونه، وهذا متجه، ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب، فإنه كان كثيرًا ما كان يجالسهن ويحدثنه، فحدث به أبو هريرة، فتوهَّم بعض الرواة عنه أنه مرفوع، فرفعه، والله أعلم١.
ومن الإسرائيليات المستنكرة في هذا ما روي: أن يأجوج ومأجوج خلقوا من مني خرج من آدم، فاختلط بالتراب، وزعموا: أن آدم كان نائما فاحتلم، فمن ثم اختلط منيه بالتراب، ومعروف أن الأنبياء لا يحتملون؛ لأن الاحتلام من الشيطان.
قال ابن كثير: وهذا قول غريب جدًّا، لا دليل عليه، لا من عقل ولا من نقل، ولا يجوز الاعتماد ههنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب، لما عندهم من الأحاديث المفتعلة. والله أعلم٢.
والخلاصة:
إن أصحاب الكهف، وذا القرنين، ويأجوج ومأجوج، حقائق ثابتة لا شك، وكيف لا، وقد أخبر بها الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولكن الذي ننكره أشد الإنكار هذه الخرافات والأساطير التي حكيت حولهم، وتدسست إلى المرويات الإسلامية، والله ورسوله بريئان منها، وإنما هي من أخبار بني إسرائيل وأكاذيبهم، وتحريفاتهم.
стр. 319
٢٥- الإسرائيليات في قصة بلقيس ملكة سبأ:
ومن الإسرائيليات ما ذكره بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: الآية ٤٤] .
فقد ذكر ابن جرير، والثعلبي والبغوي، والخازن، وغيرهم: "أن سليمان أراد أن يتزوجها، فقيل له: إن رجليها كحافر الحمار، وهي شَعْرَاء الساقين، فأمرهم، فبنوا له هذا القصر على هذه الصفة، فلما رأته حسبته لجة، وكشفت عن ساقيها لتخوضه، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس قدما وساقا، إلا أنها كانت شعراء الساقين، فكره ذلك، فسأل الإنس ما يذهب هذا؟ قالوا: الموسي، فقالت بلقيس: لم تمسني حديدة١ قط، وكره سليمان ذلك، خشية ان تقطع ساقيها، فسأل الجن: فقالوا: لا ندري، ثم سأل الشياطين؟ فقالوا: إنا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء، فاتخذوا لها النورة ٢ والحمام، فكانت النورة والحمام من يومئذ"٣.
وقد روي هذا عن ابن عباس ﵄ ومجاهد، وعكرمة، ومحمد بن كعب القرظي، والسدي، وابن جريج وغيرهم.
وروي أيضا: أنها سألت سيدنا سليمان عن أمرين قالت له: أريد ماء ليس من أرض ولا من سماء!! فسأل سليمان الإنس، ثم الجن، ثم الشياطين، فقالت الشياطين: هذا هين، أجر الخيل، ثم خذ عرقها، ثم املأ منه الآنية، فأمر بالخيل فأجريت، ثم أخذ العرق فملأ من الآنية!!
وسألته عن لون الله فوثب سليمان عن سريره، وفزع من السؤال، وقال: لقد سألتني -يا رب- عن أمر، إنه ليتعاظم في قلبي أن أذكره لك، ولكن الله
стр. 320
أنساه، وأنساهم ما سألته عنه.
وأن الشياطين خافوا لو تزوجها سليمان، وجاءت بولد، أن يبقوا في عبوديته، فصنعوا له هذا الصرح الممرد١، فظنَّته ماء، فكشفت عن ساقيها لتعبره، فإذا هي شعراء، فاستشارهم سليمان: ما يذهبه؟. فجعلت له الشياطين النورة٢.
قال العلامة ابن كثير في تفسيره بعد أن ذكر بعض المرويات: والأقرب في مثل هذه السياقات: أنها متلقاة عن أهل الكتاب، مما وجد في صحفهم، كرواية كعب، ووهب، سامحهما الله فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل من الأوابد٣، والغرائب والعجائب مما كان، وما لم يكن، ومما حرف، وبدل، ونسخ، وقد أغنانا الله عن ذلك ما هو أصح منه، وأنفع، وأوضح، وأبلغ، ولله الحمد والمنة.
التفسير الصحيح لبناء الصرح:
والحق: أن سليمان ﵊ أراد ببنائه الصرح: أن يريها عظمة ملكه، وسلطانه، وأن الله أعطاه من الملك ومن أسباب العمران والحضارة ما لم يعطها، فضلًا عن النبوة التي هي فوق الملك، والتي دونها أية نعمة، وحاشا لسليمان ﵇ وهو الذي سأل الله أن يعطيه حكما يوافق حكمه -أي: الله، فأوتيه أن يتحايل هذا التحايل، حتى ينظر إلى ما حرم الله عليه، وهما ساقاها، وهو أَجَلُّ من ذلك وأسمى.
ولولا أنها رأت من سليمان ما كان عليه من الدين المتين، والخلق الرفيع، لما أذعنت إليه لما دعاها إلى الله الواحد الحق، ولما ندمت على ما فرط منها من عبادة الكواكب والشمس، وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين.