لنا، قال: "هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثالا الأرز" قلت: وما الأرز؟ قال: "شجر بالشام طول الشجرة عشرون ومائة ذراع في السماء"، قال رسول الله ﷺ : "هؤلاء الذين لا يقوم لهم جبل، ولا حديد، وصنف منهم، يفترش إحدى أذنيه، ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفيل، ولا وحش، ولا جمل، ولا خنزير إلا أكلوه، ومن مات منهم أكلوه، مقدمتهم بالشام وساقتهم يشربون أنهار المشرق، وبحيرة طبرية".
وقد ذكر ابن جرير في تفسيره هذه الرواية وغيرها من الروايات الموقوفة، وكذلك صنع القرطبي في تفسيره، وإذا كان بعض الزنادقة استباحوا لأنفسهم نسبة هذا إلى رسول الله ﷺ فكيف استباح هؤلاء الأئمة ذكر هذه المرويات المختلقة المكذوبة على رسول الله في كتبهم؟!
وهذا الحديث المرفوع نص الإمام أبو الفرج ابن الجوزي في موضوعاته وغيره على أنه موضوع١، ووافقه السيوطي في اللآلئ، فكيف يذكره في تفسيره ولا يعقب عليه؟! وحق له أن يكون موضوعا؛ فالمعصوم ﷺ أجلُّ من أن يروى عنه مثل هذه الخرافات، وفي كتب التفسير من هذا الخلط وأحاديث الخرافة شيء كثير، ورووا في هذا عن عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وعن كعب الأحبار، ولكي تتأكد أن ما رفع إلى رسول الله إنما هي إسرائيليات نسبت إلى النبي زورا وكذبا: نذكر لك ما روي عن كعب، قال: "خلق يأجوج ومأجوج، ثلاثة أصناف، صنف كالأرز، وصنف: أربعة أذرع طول، وأربعة أذرع عرض، وصنف يفترشون آذانهم، ويلتحفون بالأخرى، يأكلون مشائم٢ نسائهم".
وعلى حين نراهم يذكرون من هول وعظم خلقهم ما سمعت، إذ هم يروون عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "إن يأجوج ومأجوج شبر، وشبران، وأطولهم ثلاثة أشبار، وهم من ولد آدم"، بل رووا عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "بعثني الله ليلة أسرى بي إلى يأجوج، ومأجوج، فدعوتهم إلى دين الله وعبادته فأبوا أن يجيبوني، فهم في النار، مع من عصى من ولد آدم وإبليس" والعجب أن السيوطي قال عن هذا
стр. 317
الحديث: إن سنده واهٍ، ولا أدرى لم ذكره مع وهاء سنده؟! قال صاحب الدر: وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر والطبراني والبيهقي في البعث، وابن مردويه، وابن عساكر عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، ولو أرسلوا لأفسدوا على الناس معايشهم، ولا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا، وإن من ورائهم ثلاث أمم: تاويل، وتاريس، ونسك".
قال: وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وصححه، والبيهقي في البعث، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "إن يأجوج ومأجوج يحفرون السد كل يوم، حتى إذا كانوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا، فستفتحونه غدًا، ولا يستثني فإذا أصبحوا وجدوه قد رجع كما كان، فإذا أراد الله بخروجهم على الناس: قال الذي عليهم: ارجعوا، فستفتحونه إن شاء الله ويستثني١، فيعودون إليه، وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه، ويخرجون على الناس، فيستقون المياه، ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع مخضبة بالدماء، فيقولون: قهرنا من في الأرض، وعلونا من في السماء، قسوا، وعلوا، فيبعث الله عليهم نغفا٢ في أعناقهم فيهلكون"، قال رسول الله ﷺ : "فوالذي نفس محمد بيده: إن دواب الأرض لتسمن، وتبطر، وتَشْكَر شكرًا٣ من لحومهم"٤.
ومهما كان سند مثل هذا؛ فهو من الإسرائيليات عن كعب وأمثاله، وقد يكون رفعها إلى النبي غلطًا وخطأً من بعض الرواة أو كيدًا يكيد به الزنادقة اليهود للإسلام، وإظهار رسوله بمظهر من يروي ما يخالف القرآن، فالقرآن قد نص بما لا يحتمل الشك على أنهم لم يستطيعوا أن يعلوا السد، ولا أن ينقبوه، قال تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ ٥.
стр. 318
وإليك ما ذكره في هذا الإمام الحافظ، الناقد، البصير ابن كثير في تفسيره، قال بعد أن ذكر من رواه: وأخرجه الترمذي من حديث أبي عوانة، عن قتادة، ثم قال: غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه، وإسناده جيد قوي، ولكن متنه في رفعه نكارة؛ لأن ظاهر الآية: يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه، ولا من نقبه؛ لإحكام بنائه وصلابته وشدته، ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار، أنهم قبل خروجهم يأتونه، فيلحسونه، حتى لا يبقى منه إلا القليل فيقولون: غدا نفتحه، فيأتون من الغد وقد عاد كما كان، فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل، فيقولون كذلك، فيصبحون وهو كما كان، فيلحسونه، ويقولون: غدا نفتحه، ويلهمون أن يقولوا: إن شاء الله، فيصبحون وهو كما فارقوه، فيفتحونه، وهذا متجه، ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب، فإنه كان كثيرًا ما كان يجالسهن ويحدثنه، فحدث به أبو هريرة، فتوهَّم بعض الرواة عنه أنه مرفوع، فرفعه، والله أعلم١.
ومن الإسرائيليات المستنكرة في هذا ما روي: أن يأجوج ومأجوج خلقوا من مني خرج من آدم، فاختلط بالتراب، وزعموا: أن آدم كان نائما فاحتلم، فمن ثم اختلط منيه بالتراب، ومعروف أن الأنبياء لا يحتملون؛ لأن الاحتلام من الشيطان.
قال ابن كثير: وهذا قول غريب جدًّا، لا دليل عليه، لا من عقل ولا من نقل، ولا يجوز الاعتماد ههنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب، لما عندهم من الأحاديث المفتعلة. والله أعلم٢.
والخلاصة:
إن أصحاب الكهف، وذا القرنين، ويأجوج ومأجوج، حقائق ثابتة لا شك، وكيف لا، وقد أخبر بها الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولكن الذي ننكره أشد الإنكار هذه الخرافات والأساطير التي حكيت حولهم، وتدسست إلى المرويات الإسلامية، والله ورسوله بريئان منها، وإنما هي من أخبار بني إسرائيل وأكاذيبهم، وتحريفاتهم.
стр. 319
٢٥- الإسرائيليات في قصة بلقيس ملكة سبأ:
ومن الإسرائيليات ما ذكره بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: الآية ٤٤] .
فقد ذكر ابن جرير، والثعلبي والبغوي، والخازن، وغيرهم: "أن سليمان أراد أن يتزوجها، فقيل له: إن رجليها كحافر الحمار، وهي شَعْرَاء الساقين، فأمرهم، فبنوا له هذا القصر على هذه الصفة، فلما رأته حسبته لجة، وكشفت عن ساقيها لتخوضه، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس قدما وساقا، إلا أنها كانت شعراء الساقين، فكره ذلك، فسأل الإنس ما يذهب هذا؟ قالوا: الموسي، فقالت بلقيس: لم تمسني حديدة١ قط، وكره سليمان ذلك، خشية ان تقطع ساقيها، فسأل الجن: فقالوا: لا ندري، ثم سأل الشياطين؟ فقالوا: إنا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء، فاتخذوا لها النورة ٢ والحمام، فكانت النورة والحمام من يومئذ"٣.
وقد روي هذا عن ابن عباس ﵄ ومجاهد، وعكرمة، ومحمد بن كعب القرظي، والسدي، وابن جريج وغيرهم.
وروي أيضا: أنها سألت سيدنا سليمان عن أمرين قالت له: أريد ماء ليس من أرض ولا من سماء!! فسأل سليمان الإنس، ثم الجن، ثم الشياطين، فقالت الشياطين: هذا هين، أجر الخيل، ثم خذ عرقها، ثم املأ منه الآنية، فأمر بالخيل فأجريت، ثم أخذ العرق فملأ من الآنية!!
وسألته عن لون الله فوثب سليمان عن سريره، وفزع من السؤال، وقال: لقد سألتني -يا رب- عن أمر، إنه ليتعاظم في قلبي أن أذكره لك، ولكن الله
стр. 320
أنساه، وأنساهم ما سألته عنه.
وأن الشياطين خافوا لو تزوجها سليمان، وجاءت بولد، أن يبقوا في عبوديته، فصنعوا له هذا الصرح الممرد١، فظنَّته ماء، فكشفت عن ساقيها لتعبره، فإذا هي شعراء، فاستشارهم سليمان: ما يذهبه؟. فجعلت له الشياطين النورة٢.
قال العلامة ابن كثير في تفسيره بعد أن ذكر بعض المرويات: والأقرب في مثل هذه السياقات: أنها متلقاة عن أهل الكتاب، مما وجد في صحفهم، كرواية كعب، ووهب، سامحهما الله فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل من الأوابد٣، والغرائب والعجائب مما كان، وما لم يكن، ومما حرف، وبدل، ونسخ، وقد أغنانا الله عن ذلك ما هو أصح منه، وأنفع، وأوضح، وأبلغ، ولله الحمد والمنة.
التفسير الصحيح لبناء الصرح:
والحق: أن سليمان ﵊ أراد ببنائه الصرح: أن يريها عظمة ملكه، وسلطانه، وأن الله أعطاه من الملك ومن أسباب العمران والحضارة ما لم يعطها، فضلًا عن النبوة التي هي فوق الملك، والتي دونها أية نعمة، وحاشا لسليمان ﵇ وهو الذي سأل الله أن يعطيه حكما يوافق حكمه -أي: الله، فأوتيه أن يتحايل هذا التحايل، حتى ينظر إلى ما حرم الله عليه، وهما ساقاها، وهو أَجَلُّ من ذلك وأسمى.
ولولا أنها رأت من سليمان ما كان عليه من الدين المتين، والخلق الرفيع، لما أذعنت إليه لما دعاها إلى الله الواحد الحق، ولما ندمت على ما فرط منها من عبادة الكواكب والشمس، وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين.
стр. 321
٢٦- الإسرائيليات في هدية ملكة سبأ لسيدنا سليمان:
ومن الإسرائيليات: ما ذكره كثير من المفسرين كابن جرير، والثعلبي، والبغوي، وصاحب الدر، في الهدية التي أرسلتها بلقيس إلى سيدنا سليمان ﵊ وإليك ما ذكره البغوي في تفسيره، وذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: الآية ٣٥] .
قال البغوي:
فأهدت إليه وصفاء ووصائف، قال ابن عباس: ألبستهم لباسا واحدا كي لا يعرف الذكر من الأنثى، وقال مجاهد: ألبس الغلمان لباس الجواري، وألبس الجواري لبسة الغلمان، واختلفوا في عددهم، فقال ابن عباس: مائة وصيف، ومائة وصيفة١، وقال مجاهد ومقاتل: مائتا غلام، ومائتا جارية، وقال قتادة وسعيد بن جبير وغيرهما: أرسلت إليه بلبنة من ذهب في حرير، وديباج ...
وقال وهب وغيره: عمدت بلقيس إلى خمسمائة غلام، وخمسمائة جارية، فألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقا من ذهب، وفي آذانهم أقراطا، وشنوفا مرصعات بأنواع الجواهر، وألبست الجواري لباس الغلمان: الأقبية والمناطق، وحملت الجواري على خمسمائة رمكة٢، والغلمان على خمسمائة برذون٣ على كل فرس لجام من ذهب مرصع بالجواهر، وغواشيها من الديباج الملون، وبعثت إليه خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة، وتاجا مكللا بالدر، والياقوت، وأرسلت إليه المسك والعنبر والعود وعمدت إلى حقة، فجعلت فيها درة ثمينة غير مثقوبة، وخرزة مثقوبة معوَجَّة الثقب، وأرسلت مع الهدية رجالا من عقلاء قومها، وكتبت معهم كتابا إلى سليمان بالهدية، وقالت: إن كنت نبيا فميز لي بين الوصائف والوصفاء، وأخبرني بما في الحقة قبل أن تفتحها، واثقب الدر ثقبا مستويا، وأدخل خيطا في الخرزة المثقوبة من غير علاج إنس ولا جن، ورووا أيضا: أن سليمان عيه
стр. 322
السلام أمر الجن أن يضربوا لبنات الذهب ولبنات الفضة، ثم أمرهم أن يفرشوا الطريق من موضعه الذي هو فيه إلى تسعة فراسخ ميدانا واحدا بلبنات الذهب والفضة!!! وأن يعدوا في الميدان أعجب دواب البر والبحر، فأعدوها، ثم قعد على سريره، وأمر الشياطين أن يصطفوا صفوفا فراسخ، وأمر الإنس فاصطفوا فراسخ، وأمر الوحوش، والسباع والهوام، والطير، فاصطفوا فراسخ عن يمينه، وعن يساره، فلما دنا القوم من الميدان، ونظروا إلى ملك سليمان، ورأوا الدواب التي لم ترَ أعينهم مثلها تروث على لبن الذهب والفضة، تقاصرت أنفسهم، ورموا بما معهم من الهدايا، ثم كان أن استعان سليمان بجبريل، والشياطين، والأرضة في الإجابة عما سألته عنه١.
ومعظم ذلك مما لا نشك أنه من الإسرائيليات المكذوبة٢، وأي ملك في الدنيا يتسع لفرش تسع فراسخ بلبنات الذهب والفضة؟!! وفي رواية وهب ما يدل على الأصل الذي جاءت منه هذه المرويات، وأن من روى ذلك من السلف فإنما أخذه عن مسلمة أهل الكتاب وما كان أجدر كتب التفسير أن تتنزه عن مثل هذا اللغو، والخرافات التي تدسست إلى الرواية الإسلامية فأساءت إليها.
стр. 323
الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ، وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ، وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِي﴾ ١.
فقد روى كثير من المفسرين، منهم ابن جرير٢ والبغوي٣، و "صاحب الدر"٤ في هذا روايات كثيرة عن بعض الصحابة والتابعين وكعب الأحبار: أن الذبيح هو إسحاق.
ولم يقف الأمر عند الموقوف على الصحابة والتابعين، بل رفعوا ذلك زورا إلى النبي ﷺ .
روى ابن جرير، عن أبي كريب، عن زيد بن حباب، عن الحسن بن دينار، عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب، عن النبي ﷺ قال: "الذبيح إسحاق".
وهو حديث ضعيف ساقط لا يصح الاحتجاج به؛ فالحسن بن دينار متروك، وشيخه علي بن زيد بن جدعان منكر الحديث٥.
وأخرج الديلمي في مسند الفردوس بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إن داود سأل ربه فسأله، فقال: اجعلني مثل إبراهيم، وإسحاق ويعقوب، فأوحى الله إليه: إني ابتليت إبراهيم بالنار فصبر، وابتليت إسحاق بالذبح فصبر، وابتليت يعقوب فصبر".
وبما أخرجه الدارقطني، والديلمي، في مسند الفردوس بسندهما عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "الذبيح إسحاق".
وهي أحاديث لا تصح ولا تثبت، وأحاديث الديلمي في مسند الفردوس شأنها
стр. 324
معروف، والدارقطني ربما يخرج في سننه ما هو موضوع١.
وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن أبي حاتم في تفسيره من طريق الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى خيرني بين أن يغفر لنصف أمتي أو شفاعتي، فاخترت شفاعتي، ورجوت أن تكون أعم لأمتي، ولولا الذي سبقني إليه العبد الصالح لعجلت دعوتي، إن الله تعالى لما فرج عن إسحاق كرب الذبح قيل له: يا إسحاق: سلْ تُعطَه قال: أما والله لأتعجلنها قبل نزغات الشيطان: اللهم من مات لا يشرك بالله شيئا قد أحسن فاغفر له".
وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ضعيف، ويروي المنكرات، والغرائب فلا يحتج بمروياته، وقال ابن كثير: الحديث غريب منكر، وأخشى أن يكون فيه زيادة مدرجة، وهو قول: "إن الله لما فرج ... " وإن كان محفوظا، فالأشبه أنه إسماعيل، وحرفوه بإسحاق، إلى غير ذلك من الأخبار، وفيها من الموقوف، والضعيف، والموضوع كثير، ومتى صح حديث مرفوع في أن الذبيح إسحاق قبلناه، ووضعناه على العين والرأس، ولكنها كما رأيت لم يصح منها شيء٢.
والحق: أن المرويات في أن الذبيح إسحاق هي من إسرائيليات أهل الكتاب، وقد نقلها من أسلم منهم، ككعب الأحبار، وحملها عنهم بعض الصحابة والتابعين تحسينا للظن بهم، فذهبوا إليه، وجاء بعدهم العلماء فاغتروا بها، وذهبوا إلى أن الذبيح: إسحاق٣، وما من كتاب من كتب التفسير، والسير، والتواريخ إلا ويذكر فيه الخلاف بين السلف في هذا، إلا أن منهم من يعقب ببيان وجه الحق في هذا، ومنهم من لا يعقب اقتناعا بها، أو تسليمًا لها.
وحقيقة هذه المرويات: أنها من وضع أهل الكتاب؛ لعداوتهم المتأصلة من قديم الزمان للنبي الأمي العربي، وقومه العرب، فقد أرادوا أن لا يكون لإسماعيل الجد الأعلى للنبي والعرب فضل أنه الذبيح حتى لا ينجرَّ ذلك إلى النبي ﷺ وإلى الجنس العربي.
стр. 325
تحريفهم للتوراة:
ولأجل أن يكون هذا الفضل لجدهم إسحاق ﵇ لا لأخيه إسماعيل حرفوا التوراة في هذا، ولكن الله أبى أن لا يغفلوا عما يدل على هذه الجريمة النكراء، والجاني غالبا يترك من الآثار ما يدل على جريمته، والحق يبقى له شعاع، ولو خافت، يدل عليه، مهما حاول المبطلون إخفاء نوره، وطمس معالمه، فقد حذفوا من التوراة لفظ: "إسماعيل"، ووضعوا بدله لفظ: "إسحاق" ولكنهم عن كلمة كشفت عن هذا التزوير، وذاك الدس المشين.
стр. 326
نص التوراة:
ففي التوراة: "الإصحاح الثاني والعشرون فقرة ٢": فقال الرب: خذ ابنك وحيدك الذي تحبه: إسحاق، واذهب إلى أرض المريا، واصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك ... ".
وليس أدل على كذب هذا، من كلمة، "وحيدك" وإسحاق ﵇ لم يكن وحيدا قط! لأنه ولد ولإسماعيل نحو أربع عشرة سنة كما هو صريح توراتهم في هذا، وقد بقي إسماعيل ﵇ حتى مات أبوه الخليل، وحضر وفاته، ودفنه وإليك ما ورد في هذا:
ففي سفر التكوين: "الإصحاح السادس عشرة الفقرة ١٦" ما نصه:
"وكان أبرام -يعني إبراهيم- ابن ست وثمانين سنة، لما ولدت هاجر إسماعيل لأبرام"، وفي سفر التكوين: "الإصحاح الحادي والعشرون فقرة ٥" ما نصه: "وكان إبراهيم ابن مائة سنة حين ولد له إسحاق ابنه......".
وفي الفقرة ٩ وما بعدها ما نصه:
-٩ ورأت سارة ابن هاجر المصرية الذي ولدته لإبراهيم يمرح.
١٠- فقالت لإبراهيم: اطرد هذه الجارية وابنها، لأن ابن هذه الجارية لا يرث مع ابني إسحاق.
١١- فقبح الكلام جدا في عيني إبراهيم لسبب ابنه.
١٢- فقال الله لإبراهيم: لا يقبح في عينيك من أجل الغلام، ومن أجل جاريتك، في كل ما تقول سارة اسمع لقولها؛ لأنه بإسحاق يدعى لك نسل
١٣- وابن الجارية أيضا سأجعله أمة؛ لأنه نسلك"٢ ... إلى آخر القصة.
فما قولكم يا أيها اليهود المحرفون؟! وكيف يتأتى أن يكون إسحاق وحيدًا؟! مع هذه النصوص التي هي من توراتكم التي تعتقدون صحتها، وتزعمون أنها ليست
стр. 327
محرفة!!، ثم ما رأيكم أيها المغترون بروايات أن الذبيح إسحاق، بعد ما تأكدتم تحريف التوراة في هذا؟
وقد دل القرآن الكريم، ودلت التوراة، ورواية البخاري في صحيحه١: على أن الخليل إبراهيم ﵊ أسكن هاجر وابنها عند مكان البيت المحرم، حيث بُنِيَ فيما بعد، وقامت مكة بجواره، وقد عبرت التوراة بأنهما كانا في برية فاران، وفاران هي مكة، كما يعبر عنها في العهد القديم، وهذا هو الحق في أن قصة الذبح كان مسرحها بمكة ومنى، وفيها يذبح الحجاج ذبائحهم اليوم، وقد حرف اليهود النص الأول وجعلوه: "جبل المريا"، وهو الذي تقع عليه مدينة أورشليم القديمة مدينة القدس العربية اليوم ليتمَّ لهم ما أرادوا، فأبى الحق إلا أن يظهر تحريفهم!!
وقد ذكر العلامة ابن تيمية وتلميذه ابن كثير: أن في بعض نسخ التوراة: "بكرك"٢ بدل: "وحيدك" وهو أظهر في البطلان، وأدل على التحريف؛ إذ لم يكن إسحاق بكرا للخليل بنص النوراة، كما ذكرنا آنفا.
الذبيح هو إسماعيل ﵇:
والحق: أن الذبيح هو إسماعيل ﵇، وهو الذي يدل عليه ظواهر الآيات القرآنية، والآثار عن الصحابة والتابعين، ومنها ما له حكم الرفع بتقرير النبي ﷺ له.
فلا عجب أن ذهب إليه جمهرة الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم وأئمة العلم والحديث، منهم الصحابة النجباء، والسادة العلماء: علي، وابن عمر٣، وأبو هريرة، وأبو الطفيل، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والشعبي، والحسن البصري، ومحمد بن كعب القرظي، وسعيد بن المسيب، وأبو جعفر محمد الباقر، وأبو صالح والربيع
стр. 328
ابن أنس، وأبو عمرو بن العلاء وأحمد بن حنبل وغيرهم، وهو إحدى الروايتين وأقواهما عن ابن عباس.
وفي زاد المعاد، لابن القيم: أنه الصواب عند علماء الصحابة والتابعين فمن بعدهم.
وهذا الرأي هو المشهور عند العرب قبل البعثة، نقلوه بالتواتر جيلا عن جيل، وذكره أمية بن أبي صلت في شعر له.
العلماء المحققون على أنه إسماعيل:
وقد نقل العلامة ابن القيم، عن شيخه الإمام: ابن تيمية في هذا الموضوع كلاما جيدا، قال ما خلاصته:
ولا خلاف بين النسابين: أن عدنان من ولد إسماعيل ﵇ وإسماعيل هو القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وأما القول بأنه إسحاق فباطل من عشرين وجها وسمعت شيخ الإسلام: ابن تيمية قدس الله روحه يقول: هذا القول متلقى عن أهل الكتاب، مع أنه باطل بنص كتابهم، فإن فيه: "إن الله أمر إبراهيم بذبح ابنه بكره"، وفي لفظ: "وحيده" ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين: أن إسماعيل هو بكر أولاده، والذي غر هؤلاء: أنه في التوراة التي بأيديهم: "اذبح ابنك إسحاق" قال: وهذه الزيادة من تحريفهم وكذبهم؛ لأنها تناقض قوله: "اذبح بكرك ووحيدك" ولكن اليهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف، وأحبوا أن يكون لهم، وأن يسوقوه إليهم، ويختاروه لأنفسهم دون العرب، ويأبى الله إلا أن يجعل فضله لأهله.
وكيف يسوغ أن يقال: إن الذبيح إسحاق؟، والله تعالى قد بشر أم إسحاق به، وبابنه يعقوب، قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوب﴾ ١.
فمحال أن يبشرها بأن يكون لها ولد، وللولد ولد، ثم يأمر بذبحه، ولا ريب أن يعقوب ﵇ داخل في البشارة، ويدل عليه أيضا: أن الله ذكر قصة إبراهيم وابنه الذبيح في سورة الصافات ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِين﴾ وهذا.
стр. 329
ظاهر جدًّا في أن المبشر به غير الأول، بل هو كالنص فيه، وغير معقول في أفصح الكلام وأبلغه أن يبشر بإسحاق بعد قصة يكون فيها هو الذبيح، فتعين أن يكون الذبيح غيره.
وأيضا: فلا ريب أن الذبيح كان بمكة، ولذلك جعلت القرابين يوم النحر بها، كما جعل السعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار؛ تذكيرًا لشأن إسماعيل وأمه، وإقامته لذكر الله، ومعلوم أن إسماعيل وأمه هما اللذان كانا بمكة دون إسحاق وأمه ...
ولو كان الذبح بالشام كما يزعم أهل الكتاب لكانت القرابين والنحر بالشام، لا بمكة، وأيضا فإن الله سبحانه سمى الذبيح حليما؛ لأنه لا أحلم ممن أسلم نفسه للذبح طاعة لربه، ولما ذكر إسحاق سماه عليما: ﴿قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيم﴾ ١. وهذا إسحاق بلا ريب؛ لأنه من امرأته وهي المبشرة به، وأما إسماعيل فمن السرية٢، وأيضا فلأنهما بشرا به على الكبر واليأس من الولد، فكان ابتلاؤهما بذبحه أمرا بعيدا، وأما إسماعيل فإنه ولد قبل ذلك.... إلى آخر ما قال٣.
دلالة الآثار على أن الذبيح إسماعيل:
وكذلك دلت بعض الأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين على أن الذبيح إسماعيل، روى الحاكم في المستدرك وابن جرير في تفسيره بسنده، وغيرهما، عن عبد الله بن سعيد الصنابجي، قال: حضرنا مجلس معاوية، فتذاكر القوم إسماعيل، وإسحاق أيهما الذبيح؟ فقال بعضهم: إسماعيل، وقال البعض: إسحاق، فقال معاوية: على الخبير سقطتم، كنا عند رسول الله ﷺ فأتاه أعرابي، فقال: يا رسول الله خلفت الكلأ يابسا، والمال عابسا٤، هلك العيال، وضاع المال، فعد علي مما أفاء الله تعالى عليك يا ابن الذبيحين، فتبسم رسول الله ﷺ ولم ينكر عليه فقال القوم: من الذبيحان يا أمير المؤمنين؟ فقال: إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر الله إن سهل أمرها أن ينحر بعض بنيه، فلما فرغ أسهم بينهم، فكانوا عشرة، فخرج السهم
стр. 330
على عبد الله، فأراد أن ينحره فمنعه أخواله: بنو مخزوم، وقالوا: أرْضِ ربك، وافدِ ابنك، ففداه بمائة ناقة، قال معاوية: هذا واحد، والآخر إسماعيل١.
وشهد شاهد من أهلها:
وروى ابن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي، أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة، فقال له عمر: إن هذا لشيء ما كنت أنظر فيه، وإني لأراه كما قلت، ثم أرسل إلى رجل كان يهوديا، فأسلم وحسن إسلامه، وكان من علمائهم فسأله: أي ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال: إسماعيل والله يا أمير المؤمنين وإن يهود لتعلم بذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب، وهذا هو الحق الذي يجب أن يصار إليه، قال ابن كثير في تفسيره: والذي استدل به محمد بن كعب القرظي على أنه إسماعيل أثبت، وأصح، وأقوى والله أعلم"٢.
وبعد هذا التحقيق والبحث، يتبين لنا أن الصحيح أن الذبيح إسماعيل ﵇ وأن ما روي من أنه إسحاق؛ المرفوع منه إما موضوع، وإما ضعيف لا يصح الاحتجاج به، والموقوف منه على الصحابة أو على التابعين إن صح سنده إليهم هو من الإسرائيليات التي رواها أهل الكتاب الذين أسلموا، وأنها في أصلها من دس اليهود، وكذبهم، وتحريفهم للنصوص حسدًا للعرب، ولبني العرب. فقاتلهم الله أنَّى يؤفكون.
وقد جاز هذا الدس اليهودي على بعض كبار العلماء كابن جرير، والقاضي عياض، والسهيلي، فذهبوا إلى أنه إسحاق، وتحير بعضهم في الروايات فتوقف، كالسيوطي، وحاول بعضهم الجمع بينهما فزعم أن الذبح وقع مرتين، والحق: ما وضحناه لك، فلا تجوز، ولا تتوقف ولا تقل بالتكرار، والله الهادي إلى الحق.
٢٨- الإسرائيليات في قصة إلياس ﵇:
ومن الإسرائيليات التي اشتملت عليها بعض كتب التفسير: ما ذكروه في قصة إلياس.
стр. 333
عليه السلام عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ، أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ، اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ، فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ، إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ، وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ، سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ، إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.
فقد روى البغوي، والخازن، وصاحب "الدر"، وغيرهم، عن ابن عباس، والحسن وكعب الأحبار، ووهب بن منبه، مرويات تتعلق بإلياس ﵇.
قال صاحب "الدر المنثور": أخرج ابن عساكر، عن الحسن ﵁ في قوله: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال: "إن الله تعالى بعث إلياس إلى بعلبك، وكانوا قوما يعبدون الأصنام، وكانت ملوك بني إسرائيل متفرقة على العامة، كل ملك على ناحية يأكلها، وكان الملك الذي كان إلياس معه يقوم له أمره، ويقتدي برأيه، وهو على هدى من بين أصحابه، حتى وقع إليهم قوم من عبدة الأصنام، فقالوا: ما يدعون إلا إلى الضلالة، والباطل، وجعلوا يقولون له: اعبد هذه الأوثان التي تعبد الملوك، وهم على ما نحن عليه، يأكلون، ويشربون وهم في ملكهم يتقلبون، وما تنقص دنياهم من ربهم الذي تزعم أنه باطل، وما لنا عليهم من فضل، فاسترجع إلياس، فقام شعر رأسه، وجلده، فخرج عليه إلياس.
قال الحسن: وإن الذي زين لذلك الملك امرأته وكانت قبله تحت ملك جبار، وكان من الكنعانيين في طول، وجسم، وحسن، فمات زوجها فاتخذت تمثالا على صورة بعلها من الذهب، وجعلت له حدقتين من ياقوتتين، وتوجته بتاج مكلل بالدر والجوهر، ثم أقعدته على سرير، تدخل عليه، فتدخنه، وتطيبه، وتسجد له، ثم تخرج عنه، فتزوجت بعد ذلك هذا الملك الذي كان إلياس معه، وكانت فاجرة قد قهرت زوجها، ووضعت البعل في ذلك البيت، وجعلت سبعين سادنا٢ فعبدوا البعل، فدعاهم إلياس إلى الله فلم يزدهم ذلك إلا بعدا، فقال إلياس: اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك، وعبادة غيرك، فغير ما بهم من نعمتك، فأوحى الله إليه: إني قد جعلت
стр. 334
أرزاقهم بيدك، فقال: اللهم أمسك عنهم القطر ثلاث سنين، فأمسك الله عنهم القطر، وأرسل إلى الملك فتاه اليسع، فقال: قل له: إن إلياس يقول لك: إنك اخترت عبادة البعل على عبادة الله. واتبعت هوى امرأتك. فاستعد للعذاب والبلاء، فانطلق اليسع، فبلغ رسالته للملك، فعصمه الله تعالى من شرك الملك، وأمسك الله عنهم القطر، حتى هلكت الماشية والدواب، وجهد الناس جهدا شديدا وخرج إلياس إلى ذروة جبل، فكان الله يأتيه برزق، وفجر له عينا معينا لشرابه وطهوره، حتى أصاب الناس الجهد، فأرسل الملك إلى السبعين، فقال لهم: سلو البعل أن يفرج ما بنا، فأخرجوا أصنامهم، فقربوا لها الذبائح، وعطفوا عليها، وجعلوا يدعون، حتى طال ذلك بهم، فقال لهم الملك: إن إله إلياس كان أسرع إجابة من هؤلاء، فبعثوا في طلب إلياس، فأتى، فقال: أتحبون أن يفرج عنكم؟ قالوا: نعم، قال: فأخرجوا أوثانكم، فدعا إلياس ﵇ ربه أن يفرج عنه، فارتفعت سحابة مثل الترس١، وهم ينظرون، ثم أرسل الله عليهم المطر، فتابوا ورجعوا.
قال: وأخرج ابن عساكر، عن كعب ﵁ قال: "أربعة أنبياء اليوم أحياء، اثنان في الدنيا: إلياس والخضر، واثنان في السماء: عيسى وإدريس".
قال: وأخرج ابن عساكر، عن وهب ﵁ قال: دعا إلياس ﵇ ربه، أن يريحه من قومه، فقيل له: انظر يوم كذا وكذا، فإذا رأيت دابة لونها مثل لون النار فاركبها. فجعل يتوقع ذلك اليوم، فإذا هو بشيء قد أقبل على صورة فرس، لونه كلون النار، حتى وقف بين يديه، فوثب عليه، فانطلق به، فكان آخر العهد به، فكساه الله الريش، وكساه النور، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، فصار في الملائكة ﵈.
قال: وأخرج ابن عساكر، عن الحسن ﵁ قال: إلياس ﵇ موكل بالفيافي. والخضر ﵇ بالجبال، وقد أعطيا الخلد في الدنيا إلى الصيحة الأولى٢ وأنهما يجتمعان كل عام بالموسم.
стр. 335
قال: وأخرج الحاكم، عن كعب ﵁ قال: كان إلياس صاحب جبال وبرية يخلو فيها يعبد ربه وكان ضخم الرأس، خميص البطن، دقيق الساقين، في صدره شامة حمراء، وإنما رفعه الله إلى أرض الشام، لم يصعد به إلى السماء، وهو الذي سماه الله ذا النون١.
وكل هذا من أخبار بني إسرائيل وتزيداتهم واختلافاتهم، وما روي منها عن بعض الصحابة والتابعين: فمرجعه إلى مسلمة أهل الكتاب ككعب، ووهب وغيرهما، وقد رأيت كيف تضارب وتناقض كعب ووهب، فكعب يقول: لم يصعد به إلى السماء، ويزعم أنه ذو النون، ووهب يقول: إنه رفعه إلى السماء، وصار في عداد الملائكة ﵈ وأن بعض الروايات تقول: إنه الخضر والبعض الآخر يقول: إنه غير الخضر، إلى غير ذلك من الاضطرابات والأباطيل، كزعم مختلق الروايات الأولى: "أن الله أوحى إلى إلياس إني قد جعلت أرزاقهم بيدك"، بينما في بعض الروايات الأخرى: أن الله أبى عليه ذلك مرتين، وأجابه في الثالثة، وهكذا الباطل يكون مضطربا لجلجا، وأما الحق: فهو ثابت أبلج.
ولم يقف الأمر عند نقل هذه الإسرائيليات عمن ذكرنا، بل بلغ الافتراء ببعض الزنادقة والكذابين إلى نسبة ذلك إلى النبي ﷺ كي يؤيد به أكاذيب بني إسرائيل وخرافاتهم وكي يعود ذلك بالطعن على صاحب الرسالة العامة الخالدة ﷺ .
قال السيوطي في "الدر": وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الخضر هو: إلياس".
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل، وضعفه عن أنس ﵁ قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فنزلنا منزلا، فإذا رجل في الوادي يقول: اللهم اجعلني من أمة محمد المرحومة، المغفورة، المثاب لها، فأشرفت على الوادي، فإذا رجل طوله ثلاثمائة ذراع وأكثر، فقال: من أنت؟ قلت: أنس خادم رسول الله ﷺ فقال: أين هو؟ قلت: هو ذا يسمع كلامك قال: فأته،
стр. 336
وأقرئه مني السلام، وقل له: أخوك إلياس يقرئك السلام، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فجاء حتى عانقه، وقعدا يتحدثان فقال له: يا رسول الله: إني إنما آكل في كل سنة يوما، وهذا يوم فطري فكل أنت، وأنا، فنزلت عليهما مائدة من السماء، وخبز، وحوت، وكرفس، فأكلا، وأطعماني، وصليا العصر، ثم ودعني، وودعته، ثم رأيته مر على السحاب نحو السماء.
قال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال الإمام الذهبي: بل هو موضوع، قبح الله من وضعه، قال -أي الذهبي: وما كنت أحسب ولا أجوز أن الجهل يبلغ بالحاكم أن يصحح مثل هذا.
وأخلق بهذا أن يكون موضوعا، كما قاله الإمام الحافظ الناقد البصير الذهبي.
стр. 337
٢٩- الإسرائيليات في قصة داود ﵇:
ومن الإسرائيليات التي تخل بمقام الأنبياء، وتنافي عصمتهم، ما ذكره بعض المفسرين في قصة سيدنا داود ﵇ عند تفسير قوله تعالى:
﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ، إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا ١ وَعَزَّنِي ٢ فِي الْخِطَابِ، قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ، فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ٣.
فقد ذكر ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبغوي، والسيوطي في: "الدر المنثور"٤
стр. 338
من الأخبار ما تقشعر منه الأبدان، ولا يوافق عقلا، ولا نقلا، عن ابن عباس، ومجاهد، ووهب بن منبه، وكعب الأحبار، والسدي، وغيرهم ما محصلها: أن داود ﵇ حدث نفسه: إن ابتلي أن يعتصم فقيل له: إنك ستبتلى وستعلم اليوم الذي تبتلى فيه، فخذ حذرك، فقيل له: هذا اليوم الذي تبتلى فيه فأخذ الزبور١، ودخل المحراب، وأغلق بابه، وأقعَدَ خادمه على الباب، وقال: لا تأذن لأحد اليوم، فبينما هو يقرأ الزبور، إذ جاء طائر مذهب يدرج بين يديه، فدنا منه، فأمكن عليه لينظر أين وقع، فإذا هو بامرأة عند بركتها تغتسل من الحيض، فلما رأت ظله نفضت شعرها، فغطت جسدها به، وكان زوجها غازيا في سبيل الله، فكتب داود إلى رأس الغزاة: أن اجعله في حملة التابوت٢، وكان حملة التابوت إما أن يفتح عليهم، وإما أن يقتلوا، فقدمه في حملة التابوت، فقُتِل، وفي بعض هذه الروايات الباطلة أنه فعل ذلك ثلاث مرات، حتى قتل في الثالثة، فلما انقضت عدتها، خطبها داود ﵇، فتسور عليه الملكان، وكان ما كان، مما حكاه الله تعالى: "رُفِع ذلك إلى النبي".
ولم يقف الأمر عند هذه الروايات الموقوفة عن بعض الصحابة والتابعين، ومسلمة أهل الكتاب بل جاء بعضها مرفوعا إلى النبي ﷺ .
قال صاحب: "الدر": وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن جرير، وابن أبي حاتم بسند ضعيف، عن أنس رض الله عنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقمل: "إن داود ﵇ حين نظر إلى المرأة، قطغ٣ على بنى إسرائيل وأوصى صاحب الجيش، فقال: إذا حضر العدو فقرب فلانا بين يدي التابوت"، وكان التابوت في ذلك الزمان يستنصر به، من قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل أو ينهزم معه الجيش، فقتل، وتزوج المرأة، ونزل الملكان على داود ﵇ فسجد، فمكث أربعين ليلة ساجدا حتى نبت الزرع من دموعه على رأسه،
стр. 339
فأكلت الأرض جبينه، وهو يقول في سجوده: "رب ذل داود ذلة أبعد مما بين المشرق والمغرب، رب إن لم ترحم ضعف داود، وتغفر ذنوبه جعلت ذنبه حديثا في المخلوق من بعده، فجاء جبريل ﵇ من بعد أربعين ليلة، فقال: يا داود إن الله قد غفر لك، وقد عرفت أن الله عدل لا يميل، فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة، فقال: يا رب دمي الذي عند داود قال جبريل: ما سألت ربك عن ذلك، فإن شئت لأفعلن، فقال، نعم، فعرج جبريل، وسجد داود ﵇، فمكث ما شاء الله، ثم نزل، فقال: قد سألت الله يا داود عن الذي أرسلني فيه، فقال: قل لداود: إن الله يجمعكما يوم القيامة، فيقول له: هب لي دمك الذي عند داود، فيقول: هو لك يا رب، فيقول: فإن لك في الجنة ما شئت، وما اشتهيت عوضًا"، وقد رواها البغوي أيضا عن طريق الثعلبي١ والرواية منكرة مختلقة على الرسول. وفي سند هذه الرواية المختلقة على رسول الله ﷺ : ابن لهيعة، وهو مضعف في الحديث، وفي سندها أيضا: يزيد بن أبان الرقاشي، كان ضعيفا في الحديث.
وقال فيه النسائي، والحاكم أبو أحمد: إنه متروك، وقال فيه ابن حبان: كان من خيار عباد الله، من البكائين بالليل، غفل عن حفظ الحديث شغلا بالعبادة، حتى كان يقلب كلام الحسن يجعله عن أنس عن النبي ﷺ فلا تحل الرواية عنه إلا على جهة التعجب٢.
وقال العلامة ابن كثير في تفسيره٣: "وقد ذكر المفسرون ههنا قصة، أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات، ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه، ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثا لا يصح سنده؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي، عن أنس ﵁، ويزيد وإن كان من الصالحين، لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة".
ومن ثم يتبين لنا: كذب رفع هذه الرواية المنكرة إلى رسول الله ﷺ ، ولا نكاد نصدق ورود هذا عن المعصوم، وإنما هي اختلاقات، وأكاذيب من إسرائيليات أهل
стр. 340
الكتاب، وهل يشك مؤمن عاقل يقر بعصمة الأنبياء في استحالة صدور هذا عن داود ﵇، ثم يكون على لسان من؟ على لسان من كان حريصا على تنزيه إخوانه الأنبياء عما لا يليق بعصمتهم، وهو: نبينا محمد ﷺ ومثل هذا التدبير السيء، والاسترسال فيه على ما رووا لو صدر من رجل من سوقة الناس وعامتهم، لاعتبر هذا أمرا مستهجنا مستقبحا، فكيف يصدر من رسول جاء لهداية الناس، زكت نفسه، وطهرت سريرته، وعصمه الله من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وهو الأسوة الحسنة لمن أرسل إليهم؟!!
ولو أن القصة كانت صحيحة كانت صحيحة لهذبت بعصمة داود، ولنفرت منه الناس، ولكان لهم العذر في عدم الإيمان، فلا يحصل المقصد الذي من أجله أرسل الرسل، وكيف يكون على هذه الحال من قال الله تعالى في شأنه: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ، قال ابن كثير في تفسيرها: "وإن له يوم القيامة لقربة الله بها وحسن مرجع وهو: الدرجات العالية في الجنة لنبوته وعدله التام في ملكه، كما جاء في الصحيح: "المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يقسطون في حكمهم وما ولوا" وقال رسول الله ﷺ : "إن أحب الناس إلى يوم القيامة وأقربهم مني مجلسًا إمام عادل، وإن أبغض الناس إليَّ يوم القيامة، وأشدهم عذابا: إمام جائر" رواه أحمد، والترمذي١.
ولكي يستقيم هذا الباطل قالوا: إن المراد بالنعجة هي: المرأة، وأن القصة خرجت مخرج الرمز والإشارة، ورووا أن الملكين لما سمعا حكم داود، وقضاءه بظلم صاحب التسع والتسعين نعجة لصاحب النعجة، قالا له: وما جزاء من فعل ذلك؟ قال: يقطع هذا، وأشار إلى عنقه، وفي رواية: "يضرب من ههنا، وههنا وههنا" وأشار إلى جبهته، وأنفه، وما تحته، فضحكا، وقالا، "أنت أحق بذلك منه، ثم صعدا".
وذكر البغوي في تفسيره وغيره، عن وهب بن منبه: أن داود لما تاب الله عليه بكى على خطيئته ثلاثين سنة، لا يرقأ دمعه ليلا، ولا نهارا، وكان أصاب الخطيئة، وهو ابن
стр. 341
سبع وسبعين سنة، فقسم الدهر بعد الخطيئة على أربعة أيام: يوم للقضاء بين بني إسرائيل، ويوم لنسائه، ويوم يسيح في الفيافي، والجبال، والسواحل، ويوم يخلو في دار له فيها أربعة آلاف محراب، فيجتمع إليه الرهبان فينوح معهم على نفسه، فيساعدونه على ذلك، فإذا كان يوم نياحته يخرج في الفيافي، فيرفع صوته بالمزامير، فيبكي، ويبكي معه الشجر، والرمال، والطير، والوحش، حتى يسيل من دموعهم مثل الأنهار، ثم يجيء إلى الجبال فيرفع صوته بالمزامير، فيبكي، وتبكي معه الجبال، والحجارة، والدواب والطير، حتى تسيل من بكائهم الأودية، ثم يجيء إلى الساحل فيرفع صوته بالمزامير، فيبكي، وتبكى معه الحيتان، ودواب البحر وطير الماء والسباع١ ...
والحق: أن الآيات ليس فيها شيء مما ذكروا، وليس هذا في شيء من كتب الحديث المعتمدة، وهي التي عليها المعول، وليس هناك ما يصرف لفظ النعجة من حقيقته إلى مجازه، ولا ما يصرف القصة عن ظاهرها إلى الرمز والإشارة.
وما أحسن ما قال الإمام القاضي عياض: "لا تلتفت إلى ما سطره الأخباريون من أهل الكتاب، الذين بدلوا، وغيروا ونقله بعض المفسرين، ولم ينص الله تعالى على شيء من ذلك في كتابه، ولا ورد في حديث صحيح، والذي نص عليه في قصة داود: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ وليس في قصة داود، وأوريا خبر ثابت٢.
والمحققون ذهبوا إلى ما ذهب إليه القاضي، قال الداودي: ليس في قصة داود وأوريا خبر يثبت، ولا يظن بنبي محبة قتل مسلم، وقد روي عن سيدنا علي أنه قال: من حدث بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة، وذلك حد الفرية على الأنبياء٣، وهو كلام مقبول من حيث المعنى، إلا أنه لم يصح عن الإمام ذلك كما قال العراقي.
стр. 342
التفسير الصحيح للآيات:
وإذا كان ما روي من الإسرائيليات الباطلة التي لا يجوز أن تفسر بها الآيات، فما التفسير الصحيح لها إذًا؟
والجواب: أن داود ﵇ كان قد وزع مهام أعماله، ومسئولياته نحو نفسه، ونحو الرعية على الأيام، وخص كل يوم بعمل، فجعل يومًا للعبادة، ويومًا للقضاء وفصل الخصومات، ويومًا للاشتغال بشئون نفسه وأهله، ويومًا لوعظ بني إسرائيل ففي يوم العبادة: بينما كان مشتغلا بعبادة ربه في محرابه، إذ دخل عليه خصمان تسورا عليه من السور، ولم يدخلا من المدخل المعتاد، فارتاع منهما، وفزع فزعًا لا يليق بمثله من المؤمنين، فضلًا عن الأنبياء المتوكلين على الله غاية التوكل، الواثقين بحفظه، ورعايته ومثل الأنبياء في علوم شأنهم، وقوة ثقتهم بالله والتوكل عليه ألا تعلق نفوسهم بمثل هذه الظنون بالأبرياء، ومثل هذا الظن وإن لم يكن ذنبا في العادة، إلا أنه بالنسبة وظن بهما سوءا، وأنهما جاءا ليقتلاه، أو يبغيا به شرًّا، ولكن تبين له أن الأمر على خلاف ما ظن، وأنهما خصمان جاءا يحتكمان إليه، فلما قضى بينهما، وتبين له أنهما بريئان مما ظنه بهما، استغفر ربه، وخر ساجدا لله تعالى؛ تحقيقًا لصدق توبته والإخلاص له، وأناب إلى الله غاية الإنابة.
للأنبياء يعتبر خلاف الأولى، والأليق بهم، وقديما قيل: "حسنات الأبرار سيئات المقربين"، فالرجلان خصمان حقيقة، وليسا ملكين كما زعموا، والنعاج على حقيقتها، وليس ثمة رموز ولا إشارات، وهذا التأويل هو الذي يوافق نظم القرآن ويتفق وعصمة الأنبياء، فالواجب الأخذ به، ونبذ الخرافات، والأباطيل، التي هي من صنع بني اسرائيل، وتلقفها القصاص وأمثالهم ممن لا علم عندهم، ولا تمييز بين الغث والسمين. وقيل: إن الذي صنعه داود: أنه خطب على خطبة أوريا، فآثره أهلها عليه، وقد كانت الخطبة على الخطبة حرام في شريعتهم، كما هي حرام في شريعتنا.
وقيل: إنه طلب من زوجها أوريا أن ينزل له عنها وقد كان هذا في شريعتهم، ومستساغا عندهم، وقيل: إنه أوخذ؛ لأنه حكم بمجرد سماعه لكلام أحد الخصمين،
стр. 343
وكان عليه أن يسمع كلام الخصم الآخر١، وقد قيل: إذا جاءك أحد الخصمين، وقد فقئت عينه، فلا تحكم له؛ لجواز أن يكون خصمه قد فقئت عيناه، وهذه الأقوال الثلاثة ونحوها لست منها على ثلج، ولا اطمئنان، فإنها وإن كانت لا تخل بالعصمة لكنها تخدشها، ثم هي لا تليق بالصفوة المختارة من الخلق، وهم الأنبياء، فالوجه الجدير بالقبول في تفسير الآيات هو الأول فعض عليه، واشدد به يديك.
стр. 344
٣٠- الإسرائيليات في قصة سليمان ﵇:
ومن الإسرائيليات ما يذكره بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَاَبَ﴾ ١.
وقد ذكر الكثير منها في تفاسيرهم، ابن جرير، وابن أبي حاتم، والثعلبي، والبغوي، وغيرهم، وذكركل ما روى منذ لك من غير تمييز بين الصحيح والضعيف، والغث والسمين، السيوطي، في "الدر المنثور" وليته إذ فعل نقد كل رواية، وبين منزلتها من القبول والرد، وما هو من الإسرائيليات، وما ليس منها، قال السيوطي في "الدر": أخرج النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، بسند قوي عن ابن عباس-﵄ قال:
أراد سليمان –﵇ أ، يدخل الخلاء٢، فأعطى الجرادة خاتمه، وكانت جرادة امرأته، وكانت أحب نسائه إليه، فجاء الشيطان في صورة سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي، فأعطته، فلما لبسه، دانت له الجن، والإنس، والشياطين، فلما خرج سليمان –﵇ من الخلاء، قال لها: هاتي خاتمي، فقالت: قد أعطيته سليمان، قال: أنا سليمان، قالت: كذبت، لست سليمان، فجعل لا يأتي أحدا يقول له: أنا سليمان إلا كذبه، حتى جعل الصبيان يرمونه بالحجارة، فلما رأى ذلك: عرف أنه من أمر الله – وقام الشيطان يحكم بين الناس، فلما أراد الله تعالى أن يرد على سليمان –﵇ سلطانه ألقى الله في قلول الناس إنكار ذلك الشيطان، فأرسلوا إلى
стр. 345
نساء سليمان –﵇ فقالوا لهن: أيكون من سليمان شء؟ قلن: نعم، إنه يأتينا١ ونحن حيض، وما كان يأتينا قبل ذلك! فلما رأى الشيطان أنه قد فطن له: ظن أن أمره قد انقطع، فكتبوا كتبا فليها سحر، ومكر، فدفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أثاروها٢، وقرأوه على الناس، قالوا: بهذا كان يظهر سليمان على الناس، ويغلبهم، فأكفر الناس سليمان، فلم يزالوا يكفرونه، وبعث ذلك الشيطان بالخاتم، فطرحه في البحر، فتلقته سمكة، فأخذته، وكان سليمان –﵇ يعمل على شط البحر بالأجر، فجاء رجل، فاشترى سمكا؛ فيه تلك السمكة في بطنها الخاتم، فدعا سليمان –﵇ فقال له: تحمل لي هذا السمك، ثم انطلق إلى منزله، فلما انتهى الرجل إلى باب داره أعطاه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فأخذها سليمان –﵇ فشق بطنها، فإذا الخاتم في جوفها، فأخذه، فلبسه، فلما لبسه دانت له الإنس، والجن، والشياطين، وعاد إلى حاله، وهرب الشيطان حتى لحق بجزيرة من جزائر البحر، فأرسل سليمان –﵇ في طلبه، وكان شيطانا مريدا يطلبونه ولا يقدرون عليه حتى وجدوه يوما نائما، فجاؤوا فبنوا عليه بناينا من رصاص، فاستيقظ، فوثب، فجعل لا يثب في مكان من البيت إلا أن دار معه الرصاص، فأخذوه وأوثقوه: وجاءوا به إلى سليمان –﵇، فأمر به، فنقب له في رخام، ثم أدخل في جوفه، ثم سد بالنحاس، ثم أمر به، فطرح في البحر، فذلك قوله: ﴿ولقد فتنا سليمان والقينا على كرسيه جسدا ... ﴾ ، يعني الشيطان الذي كان تسلط عليه.
وقد روى السيوطي في "الدر" روايات أخرى، عن ابن عباس وقتادة، في أن هذا الشيطان كان يسمى صخرا، وروي عن مجاهد: أن اسمه آصف، وأن سليمان سأله: كيف تفتنون الناس؟! فقال الشيطان: أرني خاتمك أخبرك، فلما أعطاه نبذه آصف في البحر، فساح سليمان، وذهب ملكه، وقعد آصف على كرسيه، حتى كان ما كان من أمر السمكة، والعثور على الخاتم، ورجوع ملك سليمان إليه.
غير أن في رواية قتادة، ومجاهد: أن الشيطان لم يسلط على نساء سليمان، ومنعهن الله
стр. 346
منه، فلم يقربهن، ولم يقربنه١
ونحن لا نشك في أن هذه الخرافات من أكاذيب بني إسرائيل، وأباطيلهم، وأن ابن عباس وغيره تلقوها عن مسلمة أهل الكتاب وليس أدل على هذا مما ذكره السيوطي في "الدر" قال: وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، عن ابن عباس ﵄ قال: أربع آيات من كتاب الله لم أدر ما هي؟ حتى سألت عنهن كعب الاحبار ﵁ ... وذكر منها وسألته عن قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قال: الشيطان أخذ خاتم سليمان ﵇ الذي فيه ملكه، فقذف به في البحر، فوقع في بطن سمكة، فانطلق سليمان يطوف؛ إذ تصدق عليه بتلك السمكة فاشتواها، فأكلها، فإذا فيها خاتمه، فرجع إليه ملكه٢.
وكذا ذكرها مطولة جدا البغوي في تفسيره، عن محمد ابن إسحاق عن وهب بن منبه٣.
قوة السند لا تنافي كونها إسرائيليات:
وأحب أن أؤكد هنا ما ذكرته قبل: من أن قوة السند لا تنافي كونها مما أخذه ابن عباس وغيره عن كعب الأحبار وأمثاله من مسلمة أهل الكتاب، فثبوتها في نفسها لا ينافي كونها من إسرائيليات بني إسرائيل، وخرافاتهم، وافتراءتهم على الأنبياء.
سلفي من العلماء في رد هذا الغثاء:
وقد سبق إلى التنبيه إلى ذلك: الإمام القاضي عياض في "الشفا": "ولا يصح ما نقله الإخباريون من تشبه الشيطان به، وتسلطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه؛ لأن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا، وقد عصم الأنبياء من مثله"٤، وكذلك الإمام الحافظ الناقد: ابن كثير في تفسيره ٥ قال بعد أن ذكر الكثير منها:
стр. 347
وهذه كلها من الإسرائيليات، ومن أنكَرِها ما قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين، قال: حدثنا محمد بن العلاء، وعثمان بن أبي شيبة، وعلي بن محمد، قالوا: حدثنا أبو معاوية "قال": أخبرنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قال: أراد سليمان ﵊ أن يدخل الخلاء..... ثم ذكر الرواية التي ذكرناها أولا.
ثم قال: إسناده إلى ابن عباس ﵄ قوي، ولكن الظاهر أنه إنما تلقاه ابن عباس ﵄ إن صح عنه من أهل الكتاب، وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان ﵊، فالظاهر أنهم يكذبون عليه، ولهذا كان في هذا السياق منكرات من أشدها ذكر النساء، فإن المشهور عن مجاهد وغير واحد من أئمة السلف: أن ذلك الجني لم يسلط على نساء سليمان، بل عصمهن الله منه، تشريفا، وتكريما لنبيه ﵇، وقد رويت هذه القصة مطولة عن جماعة من السلف ﵃ كسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم، وجماعة آخرين، وكلها متلقاة عن أهل الكتاب، والله أعلم بالصواب.
أقول: كلها أكاذيب، وتلفيقات، ولكن بعض الكذبة من بني إسرائيل كان أحرص، وأبعد غورا من البعض الآخر، فلم يتورط فيما تورط فيه البعض، من ذكر تسلط الشيطان على نساء داود ﵇ وذلك حتى يكون لما لفقه، وافتراه، بعض القبول عند الناس، أمام البعض الآخر، فكان ساذجا في كذبه، مغفلا في تلفيقه،، فترك آثار الجريمة بينة واضحة، وبذلك: اشتمل ما لفقه على دليل كذبه.
ومن العجيب: أن الإمام السيوطي نبه في كتابه: "تخريج أحاديث الشفاء": أنها إسرائيليات، تلقاها ابن عباس عن أهل الكتاب، وليته نبه إلى ذلك في التفسير.
نسج القصة مهلهل:
والحق: أن نسج القصة مهلهل، عليه أثر الصنعة والاختلاق، ويصادم العقل السليم، والنقل الصحيح في هذا.
стр. 348
وإذا جاز للشيطان أن يتمثل برسول الله سليمان ﵇ فأي ثقة بالشرائع تبقى بعد هذا؟! وكيف يسلط الله الشيطان على نساء نبيه سليمان، وهو أكرم على الله من ذلك؟!
وأي ملك أو نبوة يتوقف أمرهما على خاتم يدومان بدوامه، ويزولان بزواله؟! وما عهدنا في التاريخ البشري شيئا من ذلك.
وإذا كان خاتم سليمان ﵇ بهذه المثابة فكيف يغفل الله شأنه في كتابه الشاهد على الكتب السماوية ولم يذكره بكلمة؟! وهل غير الله سبحانه خلقة سليمان في لحظة، حتى أنكرته أعرف الناس به، وهي: زوجته جرادة؟!!
الحق: أن نسج القصة مهلهل، لا يصمد أمام النقد، وأن آثار الكذب والاختلاق بادية عليها.
نسبة بعض هذه الأكاذيب إلى رسول الله:
وقد تجرأ بعض الرواة، أو غلط، فرفع بعض هذه الإسرائيليات إلى رسول الله ﷺ قال السيوطي في "الدر المنثور": وأخرج الطبراني في الأوسط١، وابن مردويه بسند ضعيف، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ولد لسليمان ولد، فقال الشيطان تواريه من الموت، قالوا: نذهب به إلى المشرق، فقال: يصل إليه الموت، قالوا: فإلى المغرب قال: يصل إليه الموت، قالوا: إلى البحار، قال: يصل إليه الموت، قالوا: نضعه بين السماء والأرض، قال: نعم، ونزل عليه ملك الموت، فقال: إني أمرت بقبض نسمة طلبتها في البحار، وطلبتها في تخوم الأرض فلم أصبها، فبينا أنا قاعد أصبتها، فقبضتها وجاء جسده، حتى وقع على كرسي سليمان، فهو قول الله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ ".
وهذا الحديث موضوع على رسول الله ﷺ وقد يكون ذلك من عمل بعض الزنادقة، أو غلط بعض الرواة، وقد نبه على وضعه الإمام: الحافظ أبو الفرج ابن
стр. 349
الجوزي، وقال: يجيى -يعني: ابن كثير- يروي عن الثقات ما ليس من حديثهم، ولا ينسب إلى نبي الله سليمان ذلك، ووافقه السيوطي على وضعه١، ولا يشك في وضع هذا إلا من يشك في عصمة الأنبياء عن مثله، وأحرى بمثل هذا أن يكون مختلفًا على نبينا ﷺ ، وعلى نبي الله: سليمان ﵇، وإنما هو من إسرائيليات بني إسرائيل وأكاذيبهم.
ما هو الصحيح في تفسير الفتنة؟!:
والصحيح المتعين في تفسير الفتنة هو ما جاء في الصحيحين، واللفظ للبخاري، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:
"قال سليمان بن داود: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، تحمل كل امرأة فارسا يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه ٢: قل: إن شاء الله، فلم يقل، ولم تحمل واحدة منهن شيئا، إلا واحدة جاءت بولد ساقط إحدى شقيه"، فقال النبي ﷺ : "لو قالها لجاهدوا في سبيل الله أجمعين".
فهذا هو المتعين في تفسير الآية، وخير ما يفسر به كلام الله هو ما صح عن رسول الله، وقد بينت بعض الروايات: أن الترك كان نسيانا، والمراد بصاحبه: الملك كما جاء في بعضها.
стр. 350
٣١- الإسرائيليات في قصة أيوب ﵇:
ومن القصص التي تزيَّد فيها المتزيدون، واستغلها القصاصون، وأطلقوا فيها لخيالهم العنان: قصة سيدنا أيوب ﵇، فقد رووا فيها ما عصم الله أنبياءه عنه، وصوروه بصورة لا يرضاها الله لرسولٍ من رسله.
فقد ذكر بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ
стр. 351
أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ، ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ، وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ، وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ١. ذكر السيوطي في "الدر المنثور" وغيره، عن قتادة ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ ... الآية، قال: ذهاب الأهل والمال، والضر الذي أصابه في جسده، قال: ابتلي سبع سنين وأشهرا، فألقي على كناسة بني إسرائيل، تختلف الدواب في جسده، ففرَّج الله عنه، وأعظم له الأجر، وأحسن.
قال: وأخرج أحمد في الزهد، وابن أبى حاتم، وابن عساكر عن ابن عباس ﵄، قال: إن الشيطان عرج إلى السماء فقال: يا رب سلطني على أيوب ﵇، قال الله: قد سلطتك على ماله، وولده، ولم أسلطك على جسده، فنزل: فجمع جنوده فقال لهم: قد سلطت على أيوب ﵇ فأروني سلطانكم فصاروا نيرانا، ثم صاروا ماء، فينما هم بالمشرق إذا هم بالمغرب، وبينما هم بالمغرب إذا هم بالمشرق، فأرسل طائفة منهم إلى زرعه، وطائفة إلى أهله، وطائفة إلى بقره، وطائفة إلى غنمه، وقال: إنه لا يعتصم منكم إلا بالمعروف: فأتوه بالمصائب بعضها على بعض، فجاء صاحب الزرع فقال: يا أيوب، ألم ترَ إلى ربك: أرسل على زرعك عدوا، فذهب به، وجاء صاحب الإبل، وقال: ألم ترَ إلى ربك أرسل على إبلك عدوا، فذهب بها، ثم جاء صاحب البقر، فقال: ألم ترَ إلى ربك أرسل على بقرك عدوا، فذهب بها، وتفرد هو ببنيه جمعهم في بيت أكبرهم، فينما هم يأكلون، ويشربون إذ هبت ريح فأخذت بأركان البيت، فألقته عليهم، فجاء الشيطان إلى أيوب بصورة غلام، فقال: يا أيوب، ألم تر إلى ربك جمع بنيك في بيت أكبرهم، فينما هم يأكلون، ويشربون؛ إذ هبت ريح، فأخذت بأركان البيت، فألقته عليهم، فلو رأيتهم حين اختلطت دماؤهم، ولحومهم بطعامهم، وشرابهم، فقال له أيوب: أنت الشيطان، ثم قال له: أنا اليوم كيوم ولدتني أمي، فقام، فحلق رأسه، وقام يصلي، فرنَّ إبليس رنَّةً سمع بها أهل السماء وأهل الأرض، ثم خرج إلى السماء، فقال: أي
стр. 352
رب، إنه قد اعتصم، فلسلطني عليه، فإني لا أستطيعه إلا بسلطانك، قال: قد سلطتك على جسده، ولم أسلطك على قلبه، فنزل، فنفخ تحت قدمه نفخة، قرح ما بين قدميه إلى قرنه، فصار قرحة واحدة، وألقي على الرماد، حتى بدا حجاب قلبه، فكانت امرأته تسعى إليه، حتى قالت له: أما ترى يا أيوب، قد نزل بي والله من الجهد والفاقة ما إن بعت قروني برغيف، فأطعمك، فادع الله أن يشفيك، ويريحك، قال: ويحك؛ كنا في النعيم سبعين عاما، فاصبري حتى نكون في الضر سبعين عاما، فكان في البلاء سبع سنين، ودعا، فجاء جبريل ﵇ يومًا فأخذ بيده، ثم قال: قم: فقام، فنحاه عن مكانه، وقال: اركض برجلك، هذا مغتسل بارد وشراب، فركض برجله، فنبعت عين، فقال: اغتسل، فاغتسل منها، ثم جاء أيضا، فقال: اركض برجلك فنبعت عين أخرى، فقال له: اشرب منها، وهو قوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ ، وألبسه الله حلة من الجنة.
فتنحى أيوب، فجلس في ناحية، وجاءت امرأته، فلم تعرفه، فقالت: يا عبد الله، أين المبتلى الذي كان هنا، لعل الكلاب ذهبت به، أو الذئاب، وجعلت تكلمه ساعة، فقال: ويحك، أنا أيوب!! قد رد الله علي جسدي، ورد الله عليه ماله، وولده عيانًا ومثلهم معهم ... ١.
قال: وأخرج أحمد في الزهد، عن عبد الرحمن بن جبير ﵁ قال: ابتلي أيوب بماله، وولده، وجسده، وطرح في المزبلة، فجاءت امرأته تخرج، فتكتسب عليه ما تطعمه، فحسده الشيطان بذلك، فكان يأتي أصحاب الخير والغنى، فيقول: اطردوا هذه المرأة التي تغشاكم، فإنها تعالج صاحبها، وتلمسه بيدها، فالناس يتقذرون طعامكم من أجلها، فجعلوا لا يدنونها منهم، ويقولون تباعدي ونحن نطعمك، ولا تقريبنا ...
وقد ذكر ابن جرير، وابن أبي حاتم الكثير من هذه الروايات في تفسيريهما، منها: ما هو موقوف، وبعضها مرفوع إلى النبي ﷺ ، وكذلك ذكر ابن جرير والبغوي، وغيرهما، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ
стр. 353
الرَّاحِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ ١ الكثير من الإسرائيليات.
فقد رويا قصة أيوب وبلائه عن وهب بن منبه، في بضع صحائف، وقد التبس فيها الحق بالباطل، والصدق بالكذب٢.
وقال ابن كثير في تفسيره عند هذه الآية: "وقد روي عن وهب بن منبه في خبره -يعني أيوب- قصة طويلة، ساقها ابن جرير، وابن أبي حاتم بالسند عنه، وذكرها غير واحد من متأخري المفسرين، وفيها غرابة، تركناها لحال الطول.
ومن العجيب: أن الحافظ الناقد ابن كثير وقع فيما وقع فيه غيره في قصة أيوب، من ذكر الكثير من الإسرائيليات ولم يعقب عليه٣، مع أن عهدنا به أنه لا يذكر شيئا من ذلك إلا وينبه على مصدره، ومن أين دخل في الرواية الإسلامية، ولا أظن أنه يرى في هذا أنه مما تباح روايته!!!
فقد ذكر أنه يقال: إنه أصيب بالجذام في سائر بدنه، ولم يبق منه سليم سوى قلبه ولسانه، يذكر بهما الله ، حتى عافه الجليس، وصار منبوذا في ناحية من البلد، ولم يبق أحد من الناس يحنو عليه غير زوجته، وتحملت في بلائه ما تحملت، حتى صارت تخدم الناس، بل قد باعت شعرها بسبب ذلك، ثم قال: وقد روي: أنه مكث في البلاء مدة طويلة، ثم اختلفوا في السبب المهيج له على هذا الدعاء، فقال الحسن يعني البصري وقتادة: ابتلي أيوب ﵇ سبع سنين وأشهرا ملقى على كناسة بني إسرائيل، تختلف الدواب في جسده، ففرج الله عنه، وأعظم له الأجر، وأحسن عليه الثناء، وقال وهب بن منبه: مكث في البلاء ثلاث سنين، لا يزيد ولا ينقص. وقال السدي٤: تساقط لحم أيوب، حتى لم يبق إلا العصب والعظام ... ثم ذكر قصة طويلة.
стр. 354
ثم ذكر ما رواه ابن أبي حاتم بسنده، عن الزهري، عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ قال: "إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب، والبعيد، إلا رجلين من إخوانه له، كانا يغدوان إليه، ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين، فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله، فيكشف ما به، فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب ﵇: ما أدرى ما تقول، غير أن الله يعلم أني كنت أَمُرُّ على الرجلين يتنازعان، فيذكران الله، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكرا الله إلا في حق، قال: وكان يخرج في حاجته، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده، حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأت عليه، فأوحى الله إلى أيوب في مكانه،: أن اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب".
وقال ابن كثير: رفع هذا الحديث غريب جدا، وقال الحافظ ابن حجر: وأصح ما ورد في قصته: ما أخرجه ابن أبي حاتم، وابن جرير، وصححه ابن حبان، والحاكم، بسند عن أنس: أن أيوب ... ثم ذكر مثل ذلك.
أقول: والمحققون من العلماء على أن نسبة هذا إلى المعصوم ﷺ إما من عمل بعض الوضاعين الذين يركبون الأسانيد للمتون، أو من غلط بعض الرواة، وأن ذلك من إسرائيليات بني إسرائيل وافتراءاتهم على الأنبياء، والأصحية هنا نسبية، على أن صحة السند لا تنافي أن أصله من الإسرائيليات، كما قلت مرارًا، والإمام الحافظ ابن حجر على جلالته ربما يوافق على تصحيح ما يخالف الأدلة العقلية والنقلية، كما فعل في قصة الغرانيق، وهاروت وماروت وكل ما روي موقوفا أو مرفوعا لا يخرج عما ذكره وهب بن منبه، في قصة أيوب، التي أشرنا إليها آنفا، وما رواه ابن إسحاق أيضا، فهو مما أخذه عن وهب، وغيره.
وهذا يدل أعظم الدلالة على أن معظم ما روي في قصة أيوب مما أخذ عن أهل الكتاب الذين أسلموا، وجاء القصاصون المولعون بالغرائب، فزادوا في قصة أيوب، وأذاعوها، حتى اتخذ منها الشحاذون، والمتسولون وسيلة لاسترقاق قلوب الناس، واستدرار العطف عليهم.
стр. 355
الحق في هذه القصة:
وقد دل كتاب الله الصادق، على لسان نبيه محمد الصادق على أن الله ﵎ ابتلى نبيه أيوب ﵊ في جسده وأهله وماله، وأنه صبر حتى حتى صار مضرب الأمثال في ذلك، وقد أثنى الله عليه هذا الثناء المستطاب، قال عز شأنه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب﴾ ، فالبلاء مما لا يجوز أن يشك فيه أبدًا، والواجب على المسلم: أن يقف عند كتاب الله، ولا يتزيد في القصة كما تزيد زنادقة أهل الكتاب، وألصقوا بالأنبياء ما لا يليق بهم، وليس هذا بعجيب من بني إسرائيل الذين لم يتجرأوا على أنبياء الله ورسله فحسب بل تجرأوا على الله ﵎ ونالوا منه وفحشوا عليه، ونسبوا إليه ما قامت الأدلة العقلية والنقلية المتواترة على استحالته عليه من قولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ ١ وقولهم:: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ ٢، عليهم لعائن الله.
والذي يجب أن نعتقده: أنه ابتلي، ولكن بلاءه لم يصل إلى حد هذه الأكاذيب، من أنه أصيب بالجذام٣، وأن جسمه أصبح قرحة، وأنه أُلقِيَ على كناسة بني إسرائيل، يرعى في جسده الدود، وتعبث بن دواب بني إسرائيل، أو أنه أصيب بمرض الجدري.
وأيوب عليه صلوات الله وسلامه أكرم على الله من أن يلقى على مزبلة، وأن يصاب بمرض ينفر الناس من دعوته، ويقززهم منه، وأي فائدة تحصل من الرسالة وهو على هذه الحال المرزية التي لا يرضاها الله لأنبيائه ورسله؟.
والأنبياء إنما يبعثون من أوساط٤ قومهم، فأين كانت عشيرته فتواريه، وتطعمه؟! بدل أن تخدم امرأته الناس، بل وتبيع ضفيرتيها في سبيل إطعامه!!
بل أين كان أتباعه، والمؤمنون منه، هل تخلَّوا عنه في بلائه؟! وكيف والإيمان ينافي ذلك؟!