← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8671

الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير

محمد أبو شهبة

Полный текст (439 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ، ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ، وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ، وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ١. ذكر السيوطي في "الدر المنثور" وغيره، عن قتادة ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ ... الآية، قال: ذهاب الأهل والمال، والضر الذي أصابه في جسده، قال: ابتلي سبع سنين وأشهرا، فألقي على كناسة بني إسرائيل، تختلف الدواب في جسده، ففرَّج الله عنه، وأعظم له الأجر، وأحسن. قال: وأخرج أحمد في الزهد، وابن أبى حاتم، وابن عساكر عن ابن عباس ﵄، قال: إن الشيطان عرج إلى السماء فقال: يا رب سلطني على أيوب ﵇، قال الله: قد سلطتك على ماله، وولده، ولم أسلطك على جسده، فنزل: فجمع جنوده فقال لهم: قد سلطت على أيوب ﵇ فأروني سلطانكم فصاروا نيرانا، ثم صاروا ماء، فينما هم بالمشرق إذا هم بالمغرب، وبينما هم بالمغرب إذا هم بالمشرق، فأرسل طائفة منهم إلى زرعه، وطائفة إلى أهله، وطائفة إلى بقره، وطائفة إلى غنمه، وقال: إنه لا يعتصم منكم إلا بالمعروف: فأتوه بالمصائب بعضها على بعض، فجاء صاحب الزرع فقال: يا أيوب، ألم ترَ إلى ربك: أرسل على زرعك عدوا، فذهب به، وجاء صاحب الإبل، وقال: ألم ترَ إلى ربك أرسل على إبلك عدوا، فذهب بها، ثم جاء صاحب البقر، فقال: ألم ترَ إلى ربك أرسل على بقرك عدوا، فذهب بها، وتفرد هو ببنيه جمعهم في بيت أكبرهم، فينما هم يأكلون، ويشربون إذ هبت ريح فأخذت بأركان البيت، فألقته عليهم، فجاء الشيطان إلى أيوب بصورة غلام، فقال: يا أيوب، ألم تر إلى ربك جمع بنيك في بيت أكبرهم، فينما هم يأكلون، ويشربون؛ إذ هبت ريح، فأخذت بأركان البيت، فألقته عليهم، فلو رأيتهم حين اختلطت دماؤهم، ولحومهم بطعامهم، وشرابهم، فقال له أيوب: أنت الشيطان، ثم قال له: أنا اليوم كيوم ولدتني أمي، فقام، فحلق رأسه، وقام يصلي، فرنَّ إبليس رنَّةً سمع بها أهل السماء وأهل الأرض، ثم خرج إلى السماء، فقال: أي

стр. 352

رب، إنه قد اعتصم، فلسلطني عليه، فإني لا أستطيعه إلا بسلطانك، قال: قد سلطتك على جسده، ولم أسلطك على قلبه، فنزل، فنفخ تحت قدمه نفخة، قرح ما بين قدميه إلى قرنه، فصار قرحة واحدة، وألقي على الرماد، حتى بدا حجاب قلبه، فكانت امرأته تسعى إليه، حتى قالت له: أما ترى يا أيوب، قد نزل بي والله من الجهد والفاقة ما إن بعت قروني برغيف، فأطعمك، فادع الله أن يشفيك، ويريحك، قال: ويحك؛ كنا في النعيم سبعين عاما، فاصبري حتى نكون في الضر سبعين عاما، فكان في البلاء سبع سنين، ودعا، فجاء جبريل ﵇ يومًا فأخذ بيده، ثم قال: قم: فقام، فنحاه عن مكانه، وقال: اركض برجلك، هذا مغتسل بارد وشراب، فركض برجله، فنبعت عين، فقال: اغتسل، فاغتسل منها، ثم جاء أيضا، فقال: اركض برجلك فنبعت عين أخرى، فقال له: اشرب منها، وهو قوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ ، وألبسه الله حلة من الجنة. فتنحى أيوب، فجلس في ناحية، وجاءت امرأته، فلم تعرفه، فقالت: يا عبد الله، أين المبتلى الذي كان هنا، لعل الكلاب ذهبت به، أو الذئاب، وجعلت تكلمه ساعة، فقال: ويحك، أنا أيوب!! قد رد الله علي جسدي، ورد الله عليه ماله، وولده عيانًا ومثلهم معهم ... ١. قال: وأخرج أحمد في الزهد، عن عبد الرحمن بن جبير ﵁ قال: ابتلي أيوب بماله، وولده، وجسده، وطرح في المزبلة، فجاءت امرأته تخرج، فتكتسب عليه ما تطعمه، فحسده الشيطان بذلك، فكان يأتي أصحاب الخير والغنى، فيقول: اطردوا هذه المرأة التي تغشاكم، فإنها تعالج صاحبها، وتلمسه بيدها، فالناس يتقذرون طعامكم من أجلها، فجعلوا لا يدنونها منهم، ويقولون تباعدي ونحن نطعمك، ولا تقريبنا ... وقد ذكر ابن جرير، وابن أبي حاتم الكثير من هذه الروايات في تفسيريهما، منها: ما هو موقوف، وبعضها مرفوع إلى النبي ﷺ ، وكذلك ذكر ابن جرير والبغوي، وغيرهما، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ

стр. 353

الرَّاحِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ ١ الكثير من الإسرائيليات. فقد رويا قصة أيوب وبلائه عن وهب بن منبه، في بضع صحائف، وقد التبس فيها الحق بالباطل، والصدق بالكذب٢. وقال ابن كثير في تفسيره عند هذه الآية: "وقد روي عن وهب بن منبه في خبره -يعني أيوب- قصة طويلة، ساقها ابن جرير، وابن أبي حاتم بالسند عنه، وذكرها غير واحد من متأخري المفسرين، وفيها غرابة، تركناها لحال الطول. ومن العجيب: أن الحافظ الناقد ابن كثير وقع فيما وقع فيه غيره في قصة أيوب، من ذكر الكثير من الإسرائيليات ولم يعقب عليه٣، مع أن عهدنا به أنه لا يذكر شيئا من ذلك إلا وينبه على مصدره، ومن أين دخل في الرواية الإسلامية، ولا أظن أنه يرى في هذا أنه مما تباح روايته!!! فقد ذكر أنه يقال: إنه أصيب بالجذام في سائر بدنه، ولم يبق منه سليم سوى قلبه ولسانه، يذكر بهما الله ، حتى عافه الجليس، وصار منبوذا في ناحية من البلد، ولم يبق أحد من الناس يحنو عليه غير زوجته، وتحملت في بلائه ما تحملت، حتى صارت تخدم الناس، بل قد باعت شعرها بسبب ذلك، ثم قال: وقد روي: أنه مكث في البلاء مدة طويلة، ثم اختلفوا في السبب المهيج له على هذا الدعاء، فقال الحسن يعني البصري وقتادة: ابتلي أيوب ﵇ سبع سنين وأشهرا ملقى على كناسة بني إسرائيل، تختلف الدواب في جسده، ففرج الله عنه، وأعظم له الأجر، وأحسن عليه الثناء، وقال وهب بن منبه: مكث في البلاء ثلاث سنين، لا يزيد ولا ينقص. وقال السدي٤: تساقط لحم أيوب، حتى لم يبق إلا العصب والعظام ... ثم ذكر قصة طويلة.

стр. 354

ثم ذكر ما رواه ابن أبي حاتم بسنده، عن الزهري، عن أنس بن مالك: أن النبي ﷺ قال: "إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب، والبعيد، إلا رجلين من إخوانه له، كانا يغدوان إليه، ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين، فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله، فيكشف ما به، فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب ﵇: ما أدرى ما تقول، غير أن الله يعلم أني كنت أَمُرُّ على الرجلين يتنازعان، فيذكران الله، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكرا الله إلا في حق، قال: وكان يخرج في حاجته، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده، حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأت عليه، فأوحى الله إلى أيوب في مكانه،: أن اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب". وقال ابن كثير: رفع هذا الحديث غريب جدا، وقال الحافظ ابن حجر: وأصح ما ورد في قصته: ما أخرجه ابن أبي حاتم، وابن جرير، وصححه ابن حبان، والحاكم، بسند عن أنس: أن أيوب ... ثم ذكر مثل ذلك. أقول: والمحققون من العلماء على أن نسبة هذا إلى المعصوم ﷺ إما من عمل بعض الوضاعين الذين يركبون الأسانيد للمتون، أو من غلط بعض الرواة، وأن ذلك من إسرائيليات بني إسرائيل وافتراءاتهم على الأنبياء، والأصحية هنا نسبية، على أن صحة السند لا تنافي أن أصله من الإسرائيليات، كما قلت مرارًا، والإمام الحافظ ابن حجر على جلالته ربما يوافق على تصحيح ما يخالف الأدلة العقلية والنقلية، كما فعل في قصة الغرانيق، وهاروت وماروت وكل ما روي موقوفا أو مرفوعا لا يخرج عما ذكره وهب بن منبه، في قصة أيوب، التي أشرنا إليها آنفا، وما رواه ابن إسحاق أيضا، فهو مما أخذه عن وهب، وغيره. وهذا يدل أعظم الدلالة على أن معظم ما روي في قصة أيوب مما أخذ عن أهل الكتاب الذين أسلموا، وجاء القصاصون المولعون بالغرائب، فزادوا في قصة أيوب، وأذاعوها، حتى اتخذ منها الشحاذون، والمتسولون وسيلة لاسترقاق قلوب الناس، واستدرار العطف عليهم.

стр. 355

الحق في هذه القصة: وقد دل كتاب الله الصادق، على لسان نبيه محمد الصادق على أن الله ﵎ ابتلى نبيه أيوب ﵊ في جسده وأهله وماله، وأنه صبر حتى حتى صار مضرب الأمثال في ذلك، وقد أثنى الله عليه هذا الثناء المستطاب، قال عز شأنه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب﴾ ، فالبلاء مما لا يجوز أن يشك فيه أبدًا، والواجب على المسلم: أن يقف عند كتاب الله، ولا يتزيد في القصة كما تزيد زنادقة أهل الكتاب، وألصقوا بالأنبياء ما لا يليق بهم، وليس هذا بعجيب من بني إسرائيل الذين لم يتجرأوا على أنبياء الله ورسله فحسب بل تجرأوا على الله ﵎ ونالوا منه وفحشوا عليه، ونسبوا إليه ما قامت الأدلة العقلية والنقلية المتواترة على استحالته عليه من قولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ ١ وقولهم:: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ ٢، عليهم لعائن الله. والذي يجب أن نعتقده: أنه ابتلي، ولكن بلاءه لم يصل إلى حد هذه الأكاذيب، من أنه أصيب بالجذام٣، وأن جسمه أصبح قرحة، وأنه أُلقِيَ على كناسة بني إسرائيل، يرعى في جسده الدود، وتعبث بن دواب بني إسرائيل، أو أنه أصيب بمرض الجدري. وأيوب عليه صلوات الله وسلامه أكرم على الله من أن يلقى على مزبلة، وأن يصاب بمرض ينفر الناس من دعوته، ويقززهم منه، وأي فائدة تحصل من الرسالة وهو على هذه الحال المرزية التي لا يرضاها الله لأنبيائه ورسله؟. والأنبياء إنما يبعثون من أوساط٤ قومهم، فأين كانت عشيرته فتواريه، وتطعمه؟! بدل أن تخدم امرأته الناس، بل وتبيع ضفيرتيها في سبيل إطعامه!! بل أين كان أتباعه، والمؤمنون منه، هل تخلَّوا عنه في بلائه؟! وكيف والإيمان ينافي ذلك؟!

стр. 356

الحق: أن نسج القصة مهلهل، لا يثبت أمام النقد، ولا يؤيده عقل سليم، ولا نقل صحيح، وأن ما أصيب به أيوب من المرض إنما كان من النوع غير المنفر، والمقزز، وأنه من الأمراض التي لا يظهر أثرها على البشرة، كالروماتيزم، وأمراض المفاصل، والعظام ونحوها، ويؤيد ذلك: أن الله لما أمره أن يضرب الأرض بقدمه، فنبعت عين، فاغتسل، منها، وشرب، فبرأ بإذن الله، وقيل: إنه ضرب الأرض برجله فنبعت عين حارة، فاغتسل منها، وضربها مرة أخرى، فنبعت عين باردة، فشرب منها، والله أعلم بالصواب، وظاهر القرآن عدم التعدد في الضرب ولا في نبع الماء. مقالة الإمام القاضي أبي بكر ابن العربي: ويعجبني ما قاله الإمام القاضي أبو بكر ابن العربي ﵀ قال: "ولم يصح عن أيوب في أمره إلا ما أخبرنا الله عنه في كتابه في آيتين: الأولى في قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرّ ... ﴾ والثانية في "ص": ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ وأما النبي ﷺ : فلم يصح عنه أنه ذكره بحرف واحد إلا قوله: "بينما أيوب يغتسل، إذ خر عليه رجل من جراد من ذهب ... " ١ الحديث، وإذا لم يصح فيه قرآن، ولا سنة إلا ما ذكرنا فمن الذي يوصل السامع إلى أيوب خبره، أم على أي لسان سمعه؟!، والإسرائيليات مرفوضة عند العلماء على البتات، فأعرض عن سطورها بصرك، وأصم عن سماعها أذنيك؛ فإنها لا تعطي فكرك إلا خيالا، ولا تزيد فؤادك إلا خبالا، وفي الصحيح واللفظ للبخاري: أن ابن عباس قال: "يا معشر المسلمين، تسألون أهل الكتاب، وكتابكم الذي أنزل على نبيكم أحدث الأخبار بالله، تقرءونه محضا لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب قد بدلوا من كتب الله، وغيروا وكتبوا بأيديهم الكتب، فقالوا: هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم، فلا والله ما رأينا رجلا منهم يسألكم عن الذي أنزل عليكم" ٢ وقد أنكر النبي ﷺ في حديث الموطأ على عمر قراءته التوراة".

стр. 357

وقال الإمام الآلوسي في تفسيره، بعد أن ذكر بعض مما ذكرنا: وعظم بلائه ﵇ مما شاع وذاع ولم يختلف فيه اثنان، لكن في بلوغ أمره إلى أن ألقي على كناسة، ونحو ذلك فيه خلاف. قال الطبرسي: قال أهل التحقيق: إنه لا يجوز أن يكون بصفة يستقذره الناس عليها؛ لأن في ذلك تنفيرًا، فأما الفقر والمرض، وذهاب الأهل فيجوز أن يمتحنه الله تعالى بذلك. وفي هداية المريد للَّقاني: أنه يجوز على الأنبياء ﵈ كل عرض بشري، ليس محرما ولا مكروها، ولا مباحا مرزيا، ولا مزمنا، ولا مما تعافه الأنفس، ولا مما يؤدي إلى النفرة، ثم قال بعد ورقتين: واحترزنا بقولنا: ولا مزمنا ولا مما تعافه الأنفس. عما كان كذلك كالإقعاد، والبرص والجذام، والعمى، والجنون. وأما الإغماء: فقال النووي: لا شك في جوازه عليهم؛ لأنه مرض بخلاف الجنون، فإنه نقص، وقيد أبو حامد يعني الغزالى الإغماء بغير الطويل، وجزم به البلقيني، قال السبكي: وليس كإغماء غيرهم، لأنه إنما يستر حواسهم الظاهرة، دون قلوبهم، لأنها معصومة من النوم الأخف، قالك ويمتنع عليهم الجنون، وإن قل، لأنه نقص، ويلحق به العمى، ولم يعمى نبي قط، وما ذكر عن شعيب من أنه كان ضريرا لم يثبت، وأما يعقوب فحصلت له غشاوة وزالت. انتهى. وفرق بعضهم في عروض ذلك بين أن يكون بعد التبليغ وحصول الغرض من النبوة: فيجوز، وبين أن يكون قبل: فلا يجوز، ولعلك تختار القول بحفظهم مما تعافه النفوس، ويؤدي إلى الاستقذار والنفرة كما يشعر به ما روي عن قتادة، ونقله القصاص في كتبهم، وذكر بعضهم أن داءه كان الجدري، ولا أعتقد صحة ذلك، والله تعالى أعلم١.

стр. 358

٣٢- الإسرائيليات في قصة إرم ذات العماد: ومن الإسرائيليات ما يذكره بعض المفسرين: كالطبري، والثعلبي، والزمخشري، وغيرهم في تفسير قول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ

стр. 359

الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ ١. فقد زعموا أن إرم مدينة، وذكروا في بنائها، وزخارفها ما هو من قبيل الخيال، ورووا في ذلك: أنه كان لعادٍ ابنان: شداد، شديد، فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد فملك الدنيا، فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني مثلها، فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدينة عظيمة، وسورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، ولما تم بناؤها سار إليها بأهب٢ مملكته، فلما كان منها مسيرة يوم وليلة بعث الله تعالى عليهم صيحة من السماء، فهلكوا. وروى وهب بن منبه عن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له فوقع عليها يعني مدينة إرم، فحمل منها ما قدر عليه، وبلغ خبره معاوية، فاستحضره، وقص عليه فبعث إلى كعب الأحبار، فسأله عنها فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانه أحمر، أشقر، قصير، على حاجبه خال، ثم التفت، فأبصر ابن قلابة، فقال: هذا والله ذاك الرجل٣. وهذه القصة موضوعة، كما نبه إلى ذلك الحفاظ، وآثار الوضع لائحة عليه، وكذلك ما روي أن إرم: مدينة دمشق، وقيل: مدينة الإسكندرية، قال السيوطي في "الدر المنثور": وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن عكرمة، قال: إرم هي دمشق، وأخرج ابن جرير، وعبد بن حميد، وابن عساكر عن سعيد المقبري مثله، وأخرج ابن عساكر، عن سعيد بن المسيب، مثله، قال: واخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن محمد بن كعب القرظي، قال: إرم هي الإسكندرية٤. وكل ذلك من خرافات بني إسرائيل، ومن وضع زنادقتهم، ثم رواها مسلمة أهل الكتاب فيما رووا، وحملها عنهم بعض الصحابة والتابعين، وألصقت بتفسير القرآن.

стр. 360

الكريم، قال ابن كثير في تفسيره: ومن زعم أن المراد بقوله: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ : مدينة إما دمشق، أو اسكندرية، أو غيرها، ففيه نظر، فإنه كيف يلتئم الكلام على هذا: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ إن جعل بدلا أو عطف بيان١؟ فإنه لا يتسق الكلام حينئذ، ثم المراد إنما هو الإخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعاد، وما أحل الله بهم من بأسه الذي لا يرد، لا المراد الإخبار عن مدينة أو إقليم، وإنما نبهت على ذلك؛ لئلا يُغتَرَّ بكثير مما ذكره جماعة من المفسرين عن هذه الآية، من ذكر مدينة يقال لها: إرم ذات العماد، مبنية بلبن الذهب والفضة، وأن حصباءها لآلئ وجواهر، وترابها بنادق المسك ... فإن هذا كله من خرافات الإسرائيليين، من وضع بعض زنادقتهم؛ ليختبروا بذلك القول الجهلة من الناس أن تصدقهم في جميع ذلك، وقال فيما روي عن ابن قلابة: فهذه الحكاية ليس يصح إسنادها، ولو صح إلى ذلك الأعرابي فقد يكون اختلق ذلك، أو أصابه نوع من الهوس، والخيال، فاعتقد أن ذلك له حقيقة في الخارج، وهذا ما يقطع بعدم صحته٢، وهذا قريب مما يخبر به كثير من الجهلة، والطامعين، والمتحيلين من وجود مطالب تحت الأرض فيها قناطير الذهب والفضة ... فيحتالون على أموال الأغنياء والضعفة، والسفهاء، فيأكلونها بالباطل، في صرفها في بخاخير، وعقاقير، ونحو ذلك من الهذيانات، ويطنزون بهم. الصحيح في تفسير الآية: والصحيح في تفسير الآية: أن المراد بعاد، إرم ذات العماد، قبيلة عادة المشهورة، التي كانت تسكن الأحقاف، شمالي حضرموت، وهي عاد الأولى، التي ذكرها الله سبحانه في سورة النجم، قال سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ ، ويقال لمن بعدهم: عاد الآخرة وهم ولد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح، قال ابن إسحاق وغيره: وهم الذين بعث فيهم رسول الله هودًا ﵇ فكذبوه، وخالفوه، فأنجاه الله من بين أظهرهم، ومن آمن معه منهم، وأهلكهم ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ، سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ

стр. 361

نَخْلٍ خَاوِيَةٍ، َهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَة﴾ ؟ وقد ذكر الله قصتهم في القرآن في غير ما وضع؛ ليعتَبِر بمصرعهم المؤمنون، فقوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَاد﴾ : بدل من عاد أو عطف بيان زيادة تعريف بهم، وقوله تعالى: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ لأنهم كانوا في زمانهم أشد الناس خلقة، وأعظمهم أجساما، وأقواهم بطشا، وقيل: ذات الأبنية التي بنوها، والدور، والمصانع التي شادوها، وقيل: لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشعر التي ترفع بالأعمدة الغلاظ الشداد، والأول أصح وأولى، فقد ذكرهم نبيهم هود بهذه النعمة، وأرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة الله ﵎ الذي خلقهم ومنحهم هذه القوة فقال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ ٢. وقوله هنا: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاد﴾ أي القبيلة المعروفة المشهورة التي لم يخلق مثلها في بلادهم، وفي زمانهم؛ لقوتهم، وشدتهم وعظم تركيبهم. ومهما يكن من تفسير ذات العماد: فالمراد القبيلة، وليس المراد مدينة، فالحديث في السورة إنما هو عمن مضى الأقوام الذين مكن الله لهم في الأرض، ولما لم يشكروا نعم الله عليهم، ويؤمنوا به وبرسله، بطش بهم، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ففيه تخويف لكفار مكة، الذين هم دون هؤلاء في كل شيء وتحذيرهم أن يصيبهم مثل ما أصاب هؤلاء. ما روي في عظم طولهم لا يصح: وليس معنى قوتهم، وعظم خلقهم، وشدة بطشهم، أنهم خارجون عن المألوف في الفطرة، فمن ثم لا نكاد نصدق ما روي في عظم أجسامهم، وخروج طولهم عن المألوف المعروف حتى في هذه الأزمنة، فقد روى ابن جرير في تفسيره، وابن أبي حاتم وغيرهما عن قتادة قال: كنا نحدث أن إرم قبيلة من عاد، كان يقال لهم: ذات

стр. 362

العماد، كانوا أهل، ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاد﴾ ، قال: ذكرنا لنا أنهم كانوا اثنى عشر ذراعا١ طولا في السماء، وهذا من جنس ما روي في العماليق، وأغلب الظن عندي أن من ذكر لهم ذلك هم أهل الكتاب الذين أسلموا، وأنه من الإسرائيليات المختلقة. وأيضا لا نكاد نصدق ما روي عن المعصوم ﷺ في هذا، فقد روى ابن أبي حاتم، قال: حدثنا أبي، قال حدثنا أبو صالح كاتب الليث، قال: حدثني معاوية بن صالح، عمن حدثه، عن المقدام بن معد يكرب عن النبي ﷺ أنه ذكر إرم ذات العماد فقال: "كان الرجل منهم يأتي إلى الصخرة، فيحملها على كاهله، فيلقيها على أي حي أراد فيهلكهم" ٢ ولعل البلاء، والاختلاق فيه من المجهول، وروى مثله ابن مردويه٣. ولعن الله من نسب مثل هذا الباطل إلى النبي ﷺ ، ولا نشك أن هذا من عمل زنادقة اليهود والفرس وأمثالهم، الذين عجزوا أن يقاوموا سلطان الإسلام، فسلكوا في محاربته مسلك الدس، والاختلاق، بنسبة أمثال هذه الخرافات إلى المعصوم ﷺ ، وأنا أعجب لمسلم يقبل أمثال هذه المرويات التي تزري بالإسلام، وتنفر منه، ولا سيما في هذا العصر الذي تقدمت فيه العلوم، والمعارف، وأصبح ذكر مثل هذا يثير السخرية، والاستنكار والاستهزاء.

стр. 363

الإسرائيليات فيما يتعلق بعمر الدنيا وبدء الخلق وأسرار الوجود وتعليل بعض الظواهر الكونية مدخل ... الإسرائيليات فيما يتعلق بعمر الدنيا وبدء الخلق وأسرار الوجود وتعليل بعض الظواهر الكونية: والتابعين، وجاء بعضه مرفوعا إلى النبي ﷺ ، وهنا تكون الطامة؛ لأن هذه الروايات متهافتة باطلة، فنسبتها إلى المعصوم ﷺ من الخطورة بمكان. وكأن هؤلاء الذين وضعوها وألصقوها بالنبي ﷺ زورا، كانوا يدركون ببعد نظرهم أنه سيأتي اليوم الذي تتكشف فيه الحقائق العلمية لهذه الأمور الكونية، ومعرفة عصمة النبي ﷺ ، وأنه ما ينطق عن الهوى، ويقللوا الثقة بالأنبياء، وهم قوم من الزنادقة الذين جمعوا بين الزندقة، والعلم، والمعرفة ببعض الظواهر، والعلوم الكونية، وهم أعظم الطوائف كيدا للإسلام، لخبث نياتهم، وإحكام كيدهم. ولا أدري ماذا يكون موقف الداعي إلى الله في المجتمعات العلمية، والبيئات المتحضرة إذا وُوجِهَ بمثل هذه الروايات الباطلة التي تغض من شأن الإسلام وهو منها براء؟ ولو أن هذه المرويات صحت أسانيدها لربما كان للمتمسكين بها، والمنتصرين لها بعض المعذرة، أما وهي ضعيفة أسانيدها، واهية مخارجها، فالواجب ردها ولا كرامة، وأحب أن أقول: إن معظم هذه المرويات في الأمور الكونية تخالف مخالفةً ظاهرةً المقرراتِ والحقائقَ العلميةَ التي أصبحت في حكم البديهات والمسلمات ككرويةِ الأرض، ودورانها، وسبب حدوث الخسوف والكسوف ونحوها، والانتصار لهذه المرويات التي تصادم الحقائق العلمية الثابتة، مما يعود على الإسلام بالضرر والنقض، وينفر منه المفكرون وذوو العلم، والمعرفة، بل هي أضر على الإسلام من طعن أعدائه فيه. ويعجبني غاية الإعجاب في هذا المقام، ما ذكره الإمام حجة الإسلام الغزالي في مقدمة كتابه: "تهافت الفلاسفة" وسأنقله بنصه؛ لنفاسته، وعظم نفعه في بيان ما ينبغي أن يكون موقف المسلم الواعي الفطن، من النظريات والمقررات العلمية. قال ﵀: القسم الثاني١: ما لا يصدم مذهبهم فيه أصلًا من أصول الدين، وليس من ضرورة تصديق الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم منازعتهم فيه، كقولهم: إن

стр. 364

كسوف القمر عبارة عن انمحاء ضوء القمر، بتوسط الأرض بينه، وبين الشمس، من حيث إنه يقتبس نوره من الشمس، والأرض كرة، والسماء محيط بها من الجونب، فإذا وقع القمر في ظل الأرض، انقطع عنه نور الشمس، وكقولهم: إن كسوف الشمس معناه: وقوف جرم القمر بين الناظر وبين الشمس، وذلك عند اجتماعهما في العقدتين على دقيقة واحدة، وهذا الفن أيضا لسنا نخوض في إبطاله؛ إذ لا يتعلق به غرض، ومن ظن أن المناظرة في إبطال هذا من الدين فقد جنى على الدين، وضعف أمره؛ فإن هذه الأمور تقوم عليها براهين هندسية، وحسابية، لا تبقى معها ريبة، فمن يطلع عليها، ويتحقق أدلتها حتى يخبر بسببها عن وقت الكسوفين وقدرهما، ومدة بقائهما إلى الانجلاء، إذا قيل له: إن هذا خلاف الشرع لم يسترب فيه، وإنما يستريب في الشرع، وضرر الشرع ممن ينصره لا بطريقة، أكثر من ضرره ممن يطعن فيه بطريقة، وهو كما قيل: عدو عاقل خير من صديق جاهل. فإن قيل: فقد قال رسول الله ﷺ : "إن الشمس والقمر لآيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله تعالى، والصلاة" ١، فكيف يلائم هذا ما قالوه؟ قلنا: وليس في هذا ما يناقض ما قالوه؛ إذ ليس فيه إلا نفي وقوع الكسوف لموت أحد، أو لحياته، والأمر بالصلاة عنده، والشرع الذي يأمر بالصلاة عند الزوال، والغروب، والطلوع من أين يبعد أن يأمر عند الكسوف بها استحبابا؟ فإن قيل: فقد روي: أنه قال في آخر الحديث: "ولكن الله إذا تجلى لشيء خضع له"، فيدل على أن الكسوف خضوع بسبب التجلي، قلنا: هذه الزيادة لم يصح نقلها، فيجب تكذيب ناقلها، وإنما المروي ما ذكرناه٢، كيف؟ ولو كان صحيحا لكان.

стр. 365

تأويله أهون من مكابرة أمور قطعية، فكم من ظواهر أولت بالأدلة القطعية التي لا تنتهي في الوضوح إلى هذا الحد!! وأعظم ما يقدح به الملحدة، أن يصرح ناصر الشرع، بأن هذا وأمثاله على خلاف الشرع، فيسهل عليه طريق إبطال الشرع، إن كان شرطه أمثال ذلك؛ وهذا لأن البحث في العالم عن كونه حادثًا، أو قديمًا، ثم إذا ثبت حدوثه فسواء كان كرة، أو بسيطا، أو مثمنا أو مسدسا، وسواء كانت السماوات وما تحتها ثلاث عشرة طبقة، كما قالوه، أو أقل، أو أكثر، فنسبة النظر فيه إلى البحث الإلهي كنسبة النظر إلى طبقات البصل، وعددها، وعدد حب الرمان، فالمقصود كونها من فعل الله فقط، كيفما كانت"١. وقد سقت هذا الكلام القيم ليعتبر به هؤلاء الذين لا يزالون في عصرنا هذا ينكرون كروية الأرض، ودورانها، وأسباب حدوث بعض الظواهر الكونية كالخسوف، والكسوف، وحدوث الرعد، والبرق، والصواعق وقانون الجاذبية، ونحوها: مما لا ينبغي لعاقل أن يرتاب فيه. وليعتبر به أيضا هؤلاء الذين ينكرون بعض المكتشفات العلمية التي جدت في عصرنا كغزو الفضاء، والوصول إلى القمر، وانعدام الوزن في حالات خاصة، ونحوها باسم الدين، فإن ذلك كما قال الإمام العظيم الغزالي أضر على الدين من طعن أعدائه فيه، ولْنأخذ بعد هذه المقدمة الللازمة في بيان الإسرائيليات والأكذوبات في الكون، وما يتعلق به.

стр. 366

ما يتعلق بعمر الدنيا: فقد ذكروا في عمر الدنيا، أنه سبعة آلاف سنة، وأن النبي محمد ﷺ بعث في آخر السادسة، فقد ورد ذلك مرفوعا إلى النبي ﷺ وحكم عليه ابن الجوزي بالوضع في كتابه: "الموضوعات"، وأحرى به أن يكون مختلقا مكذوبا على رسول الله ﷺ . وكذلك: جاء بعض هذه الأخبار موقوفا على ابن عباس ﵄، وقد

стр. 367

ذكر ذلك في كتب التفسير، وبعض كتب الحديث، وكتب التواريخ ونحوها، وقد قال السيوطي: إنها صحيحة. أقول: وعلى فرض تسليم صحتها، فصحتها عن ابن عباس لا ينفي أنها من الإسرائيليات التي تحملها ابن عباس وغيره، لما فهموه من الإذن في الأخذ عن أهل الكتاب الذين أسلموا، وهذا لا ينافي كونها باطلة في نفسها، فمعظم الإسرائيليات من هذا النوع. ولا أدري ماذا يقول المنتصرون لمثل هذه الأباطيل، فيما هو ثابت: من أن عمر الدنيا أضعاف أضعاف ذلك، حتى أصبح ذلك من البدهيات المسلمات، وإن التمسك بمثل هذه الروايات أضر على الدين من طعن أعدائه. ولو أن النبي ﷺ بعث كما يقولون في آخر المائة السادسة، لقامت القيامة من زمن مضى، فظهر أن الواقع والمشاهدة يكذبان ذلك أيضا، ويردانه.

стр. 368

ما يتعلق بخلق الشمس والقمر: ومن ذلك أيضا ما ذكره ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والثعلبي، وغيرهم من المفسرين، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ ١. فقد رووا عن ابن عباس أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله لما أبرم خلقه، فلم يبقَ من خلقه غير آدم ﵇ خلق شمسا من نور عرشه، فأما ما كان في سابق علم الله أن يدعها شمسا، فإنه خلقها مثل الدنيا، ما بين مشارقها ومغاربها، وأما ما كان في سابق علمه أن يطمسها ويحولها قمرا، فإنه خلقها مثل الشمس في الضوء، وإنما يرى الناس صغرهما؛ لشدة ارتفاعهما، ولو تركهما الله كما خلقهما في بدء الأمر لم يعرف الليل من النهار، ولا النهار من الليل، ولكان الأجير ليس له وقت يستريح فيه، ولكان الصائم لا يدري إلى متى يصوم، ومتى يفطر، إلى أن قال: فأرسل جبريل، فأمرَّ

стр. 369

جناحه على وجه القمر ثلاث مرات، وهو يومئذ شمس فمحا عنه الضوء، وبقي فيه النور، فذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ فالسواد الذي ترونه في القمر هو: أثر ذلك المحو". وكذلك روى هذا الباطل ابن أبي حاتم، وابن مردويه، وسنده واهٍ؛ لأن فيه نوح بن أبي مريم وهو وضَّاع دجال وقد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع والاختلاق١, ومنشؤه من الإسرائيليات التي ألصقت بالنبي زورا، وفيه من الركاكة اللفظية، والمعنوية ما يشهد بوضعه على النبي، وليس عليه شيء من نور النبوة. وما كان رسول الله ﷺ يتعرض للكونيات بهذا التفصيل، ولما سئل عن الهلال لم يبدو صغيرا ثم يكبر حتى يصير بدرا، ثم يصغر، أجاب بالفائدة، فقال: ﴿هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ﴾ ؛ لأن بالأهلة تعرف السنون، والشهور، وعليها تتوقف مصالح الناس الدينية والدنيوية، فيها يعرفون حجهم، وصومهم، وإخراج زكاتهم، وحلول آجال ديونهم ونحوها، وليس من الحكمة التعرض لمثل هذه الكونيات بالتفصيل، فتركها لعقول الناس، وإدراكاتهم أولى، ولا سيما أنه لا يتوقف على معرفة الأمة لمثل هذه الأمور فائدة دينية، والقرآن والسنة النبوية حينما يعرضان للحديث عن الكونيات يكون غرضهما انتزاع العبرة، والاستدلال بما أودع فيهما على وجود الله جل وعلا، ووحدانيته، وقدرته، وعلمه، وسائر صفاته ولذلك لا نقف فيما صح وثبت من الأحاديث على مثل هذا التفصيلات التي نجدها في الآثار الضعيفة، والإسرائيليات الباطلة. ويعجبني في هذا ما نقله الآلوسي في تفسيره، عن بعض العلماء قال: "وذكر بعض الفضلاء: أنه لم يجئ في ترتيب الأجرام العلوية، والسفلية، وشرح أحوالهما كما فعل الفلاسفة عن الشارع شيء؛ لما أن ذلك ليس من المسائل المهمة في نظره ﵊ وليس المهم إلا التفكر، والاستدلال بها على وحدة الصانع، وكماله جل شأنه وهو حاصل بما يحسن منها فسبحان من رفع السماء بغير عمد، ومد الأرض، وجعل فيها رواسي"٢.

стр. 370

ما يتعلق بتعليل بعض الظواهر الكونية: ومن ذلك: ما يذكره بعض المفسرين، وما يوجد في بعض كتب الحديث في غروب الشمس، وأنها إذا غربت ابتلعها حوت، وما يتعلق بالسماوات، والأجرام السماوية ومن أي الجواهر هي، والأرض وعلام استقرت، وأنها على ظهر حوت، وما يذكرونه في تعليل برودة الآبار في الصيف، وسخونتها في الشتاء، وعن منشأ الرعد والبرق، وعن منشأ السحاب، إلى نحو ذلك مما لا نصدق وروده عن المعصوم ﷺ وما ورد منه موقوفا، فمرجعه إلى الإسرائيليات الباطلة، أو إلى الزنادقة الذين أرادوا أن يظهروا الإسلام بمظهر الدين الخرافي الذي ينافي العلم، والسنن الكونية. فقد روي عن أبي أمامة الباهلي: أن رسول الله ﷺ قال: "وُكِّلَ بالشمس تسعة أملاك، يرمونها بالثلج كل يوم، لولا ذلك ما أتت على شيء إلا أحرقته" رواه الطبراني. وفي أحد رواته عقير بن معدان، وهو ضعيف جدا، ولو أن الحديث صحيح السند، أو ثابت، لتمحلنا، وقلنا: إنه من قبيل التمثيل، أما وهو بهذا الضعف، فلنلق به دبر آذاننا. وعن ابن عمر، قال: "سئل النبي ﷺ فقيل: أرأيت الأرض على ما هي؟ قال: الأرض على الماء" قيل: الماء على ما هو؟ قال: "على صخرة" فقيل: الصخرة على ما هي؟ قال: "هي على ظهر حوت يلتقي طرفاه بالعرش" قيل الحوت على ما هو؟ قال: "على كاهل ملك، قدماه على الهواء". رواه البزار عن شيخه عبد الله بن أحمد -يعني ابن شبيب، وهو ضعيف، وعن الربيع بن أنس قال: "السماء الدنيا موج مكفوف، والثانية: صخرة، والثالثة: حديد، والرابعة: نحاس، والخامسة: فضة، والسادسة: ذهب، والسابعة: ياقوت" رواه الطبراني في الأوسط هكذا موقوفا على الربيع، وفيه أبو جعفر الرازي، وثقه أبو حاتم وغيره، وضعفه النسائي وغيره١. وروى الطبراني في الأوسط بسنده، فقال: حدثنا محمد بن يعقوب الأهوازي

стр. 371

الخطيب، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن عبد الصمد السلمي، قال: حدثنا أبو عمران الحراني، قال: حدثنا ابن جريج عن عطاء، عن جابر بن عبد الله، أن خزيمة بن ثابت -وهو ليس بالأنصاري المشهور- كان في عير لخديجة وأن النبي ﷺ كان معه في تلك العير، فقال له: يا محمد؛ أرى فيك خصالا، وأشهد أنك النبي الذي يخرج من تهامة وقد آمنت بك، فإذا سمعت بخروجك أتيتك، فأبطأ عن النبي ﷺ ، حتى كان يوم فتح مكة أتاه فلما رآه قال: "مرحبا بالمهاجر الأول" و ... ثم قال: يا رسول الله؛ أخبرني عن ضوء النهار، وظلمة الليل، وعن حر الماء في الشتاء، وعن برده في الصيف، وعن البلد الأمين، وعن منشأ السحاب وعن مخرج الجراد، وعن الرعد والبرق، وعن ما للرجل من الولد، وما للمرأة؟ فقال رسول الله ﷺ : "أما ظلمة الليل، وضوء النهار، فإن الشمس إذا سقطت تحت الأرض، فأظلم الليل لذلك، وإذا أضاء الصبح ابتدرها سبعون ألف ملك، وهي تقاعس كراهية أن تعبد من دون الله، حتى تطلع، فتضيء، فيطول الليل بطول مكثها، فيسخن الماء لذلك، وإذا كان الصيف: قل مكثها، فبرد الماء لذلك، وأما الجراد: فإنه نثرة حوت في البحر، يقال له: "الأبوات"، وفيه يهلك، وأما منشأ السحاب: فإنه ينشأ من قبل الخافقين، ومن بين الخافقين تلجمه الصبا والجنوب، ويستدبره الشمال والدبور، وأما الرعد: فإنه ملك بيده مخراق١ يدني القاصية: ويؤخر الدانية، فإذا رفع برقت، وإذا زجر رعدت، وإذا ضرب صعقت، وأما ما للرجل من الولد، وما للمرأة فإن للرجل العظام، والعروق، والعصب، وللمرأة اللحم، والدم، والشعر، وأما البلد الأمين: فمكة". وقال الهيثمي في زوائده: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه يوسف بن يعقوب أبو عمران، ذكر الذهبي هذا الحديث في ترجمته، ولم يذكر تضعيفه عن أحد! ٢. أقول: والحق أن الذهبي حكم ببطلان هذا الخبر، وقال: إن راويه عن يوسف بن يعقوب مجهول، وهو محمد بن عبد الرحمن السلمي المذكور، وأحرى به أن يكون

стр. 372

باطلا، ورحم الله الإمام الحافظ الناقد أبا عبد الله الذهبي، الذي أبان لنا قيمة هذه المرويات الباطلة، من منذ بضعة قرون. وإليك ما قاله الإمام الذهبي بنصه قال: يوسف بن يعقوب، أبو عمران، عن ابن جريج، بخبر باطل طويل، وعنه إنسان مجهول، واسمه: عبد الرحمن السلمي، قال الطبراني: حدثنا محمد بن يعقوب الأهوازي الخطيب. ثم ذكر الإسناد الذي ذكرته آنفا، وبعض المتن، إلا أنه قال: "إن خزيمة بن ثابت الأنصاري" ... وقال: ذكره أبو موسى في الطوالات وروى بعضه عبدان الأهوازي، عن السلمي هذا١. فكيف يقول الهيثمي، ذكر الذهبي هذا الحديث في ترجمته، ولم ينقل تضعيفه عن أحد؟! إنه والله العجب!! وقد وافق الذهبي فيما قال الإمام الحافظ ابن حجر في: لسان الميزان"٢، فقد ذكر ما ذكره الذهبي، غير أنه قال: عن جابر بن عبد الله أن خزيمة بن ثابت وليس بالأنصاري كان في عير لخديجة ... وذكر القصة السابقة. وما ذكره الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" من أنه ليس بالأنصاري هو الصحيح، فهو خزيمة بن حكيم السلمي، ويقال له: ابن ثابت أيضا، كان صهر خديجة أم المؤمنين، فهو غير خزيمة بن ثابت الأنصاري، المشهور بأنه ذو الشهادتين قطعا٣. ومما يروى في مثل هذا ما روي عن صباح بن أشرس، قال: "سئل ابن عباس عن المد والجزر، فقال: إن ملكًا موكَّلًا بناموس البحر، فإذا وضع رجله فاضت، وإذا رفعها غاضت"، قال الهيثمي: رواه أحمد وفيه من لم أعرفه. أقول: والبلاء غالبا، إنما يكون من المجاهيل. وعن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ قال: "المجرة التي في السماء هي عرق حية تحت العرش"، روه الطبراني في المعجم الكبير والأوسط، وقال: لا يروى عن

стр. 373

النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد، وفيه عبد الأعلى بن أبي سحرة، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، أقول: والبلاء من هذا الذي لا يُعرَف. وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يا معاذ؛ إني مرسلك إلى قوم هل عناد، فإذا سئلت عن المجرة التي في السماء فقل: هي لعاب حية تحت العرش" رواه الطبراني، وفيه الفضل بن المختار وهو ضعيف١. أقول: وأحرى بمثل هذا أن لا يروى إلا من طريق ضعيف. وكل هذا الذي ذكرناه، وأمثاله مما لا نصدق وروده عن المعصوم ﷺ وإنما هو من أكاذيب بني إسرائيل وخرافاتهم أو من وضع الزنادقة الخبثاء، وألصق بالنبي زورا، وما كان رسول الله ﷺ ليتكلم في الكونيات، والفلكيات وأسباب الكائنات بهذا التفصيل، كما حققت لك آنفا، وفي هذه المرويات من السذاجة العلمية، والتهافت ما لا يليق بعاقل؛ فضلا عن أعقل العقلاء، الذي ما كان ينطق عن الهوى ﷺ . وأيضا: فهذه التعليلات لا تتفق هي والمقررات العلمية المستقرة الثابتة، التي أصبحت في حكم اليقينات اليوم، ولا أدري كيف يكون حال الداعية إلى الإسلام اليوم في البلاد المتقدمة في العلم والمعرفة إذا لهج بمثل هذه الأباطيل التي تضُرُّ بالدين أكثر مما ينال منه أعداؤه؟ ولو أن هذه المرويات كانت في كتب معتمدة من كتب الحديث، والرواية التي تعنى بذكر الأحاديث الصحيحة والحسنة، لكان للمنتصرين لها بعض العذر؛ أما وهي كما علمت غير معتدٍّ بها؛ لضعف أسانيدها، ومخالفتها للعقل، والعلم اليقيني، فاضرب بها عرض الحائط ولا كرامة، وكفى إفسادها العقول والأفكار أحقابا من الزمان، ورحم الله أئمتنا الأوائل الذين تنبهوا إليها، ونقدوها وزيفوها.

стр. 374

ما ذكره المفسرون في الرعد والبرق في كتبهم: ومعظم كتب التفاسير بالمأثور وغيره ذكرت أن الرعد اسم ملك يسوق السحاب، وأن الصوت المسموع صوت زجره السحاب، أو صوت تسبيحه، وأن البرق أثر من المخراق الذي يزجر به السحاب، أو لهب ينبعث منه، على أن المخراق من نار، وذلك عند

стр. 375

تفسير قوله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِه﴾ ١ الآية، ويكاد لم يسلم من ذلك أحد منهم، إلا أن منهم من يحاول أن يوفق بين ظاهر الآية وما قاله الفلاسفة الطبيعيون في الرعد والبرق فيؤول الآية، ومنهم: من يبقي الآية على ظاهرها، وينحي باللائمة على الفلاسفة وأضرابهم، الذين قاربوا أن يصلوا إلى ما وصل إليه العلماء في العصر الحديث ففي تفسير الخازن٢ قال: أكثر المفسرين على أن الرعد اسم للملك الذي يسوق السحاب، والصوت المسموع منه تسبيحه، ثم أورد على هذا القول أن ما عطف عليه، وهو قوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ يقتضي أن يكون المعطوف عليه مغايرا للمعطوف؛ لأنه الأصل ثم أجاب بأنه من قبيل ذكر الخاص قبل العام تشريفا! وقد بسط الإمام الآلوسي في تفسيره كما هي عادته الأقوال في الآية، وذكر أن للعلماء في إسناد التسبيح إلى الرعد قولين: أن في الكلام حذفا؛ أي: سامعوا الرعد، أو أن الإسناد مجازي من قبيل الإسناد إلى السبب والحامل عليه، والباء في "بحمده" للملابسة أي يسبح السامعون لذلك الصوت متلبسين بحمد الله، فيقولون: سبحان الله، والحمد لله. ومن العلماء من قال: إن تسبيح الرعد بلسان الحال لا بلسان المقال حيث شبه دلالة الرعد على قدرة الله وعظمته، وإحكام صنعته، وتنزيهه عن الشريك والعجز، بالتسبيح والتنزيه والتحميد اللفظي، ثم استعار لفظ "يسبح" لهذا المعنى، وقالوا: إن هذا المعنى أنسب وأقعد من الآخر. وكل هذا من العلماء في الحقيقة تخلص من حمل الآية على ظاهرها، وأن المراد بالرعد، الملك الموكل بالسحاب، ثم قال الآلوسي: والذي اختاره أكثر المحدثين أن الإسناد حقيقي، بناء على أن الرعد اسم للملك الذي يسوق السحاب، فقد رأى أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وآخرون عن ابن عباس ﵄، أن اليهود سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ فقال عليه الصلاة

стр. 376

والسلام: "ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب، بيديه مخراق من نار، يزجر به السحاب، يسوقه حيث أمره الله تعالى"، قالوا: فما ذلك الصوت الذي نسمعه؟ قال: "صوته" قالوا: "صدقت". وهذا الحديث إن صح: يمكن حمله على التمثيل، ولكني لا يطمئن قلبي إليه، ولا أكاد أصدق وروده عن المعصوم ﷺ وإنما هو من إسرائيليات بني إسرائيل ألصقت بالنبي ﷺ زورا، ثم كيف يتلاءم ما روي مع قوله قبل: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ ، فالآية في بيان قدرة الله وعظمته في إحداث هذه الآيات الكونية على حسب ما خلقه الله في الكون من نواميس، وأسباب عادية! وإنما المناسب أن نفسر تسبيح الرعد بلسان الحال، وعطف الملائكة على الرعد يقتضي أن يكون الرعد غيرها لما ذكرنا، وكأن السر في الجمع بينهما: بيان أنه تواطأ على تعظيم الله وتنزيهه الجمادات والعقلاء، وأن ما لا يعقل منقاد لله وخاضع لانقياد العقلاء سواء بسواء، ولا سيما الملائكة الذين هم مفطورون على الطاعة والانقياد، ومن الحق أن نذكر أن بعض المفسرين كانت لهم محاولات؛ بناء على ما كان من العلم بهذه الظواهر الكونية في عصرهم جادة، في تفسير الرعد والبرق، كابن عطية ﵀ فقد قال: وقيل: إن الرعد ريح تخفق بين السحاب، وروي ذلك عن ابن عباس، واعترض عليه أبو حيان، واعتبر ذلك من نزغات الطبيعيين، مع أن قول ابن عطية أقرب إلى الصواب من تفسير الرعد بصوت الملك الذي يسوق السحاب، والبرق بضوء مخراقه، وقد حاول الإمام الرازي التوفيق بين ما قاله المحققون من الحكماء، وما ورد في هذه الأحاديث والآثار، وقد أنكر عليه أبو حيان هذا أيضا. ثم ذكر الإمام الآلوسي آراء الفلاسفة في حدوث الرعد، وتكوُّن السحاب وأنه عبارة عن أبخرة متصاعدة قد بلغت في صعودها إلى الطبقة الباردة من الهواء، ثم تكثفت بسبب البرد، ولم يقدر الهواء على حملها، فاجتمعت وتقاطرت، ويقال لها: مطر. أقول: وقد أصابوا في تكون السحاب ونزول المطر، فآخر ما وصل إليه العلم اليوم هو.

стр. 377

هذا، وأما في تكوُّن الرعد، والبرق فقد حاولوا، وقاربوا، وإن لم يصلوا إلى الحقيقة العلمية المعروفة اليوم، وبحسبهم فضلا هذا. وبعد أن ذكر الآلوسي الردود، والاعتراضات على ما قاله الفلاسفة، وهي -والحق يقال- لا تنهض أن تكون أدلة في رد كلامهم، قال: وقال بعض المحققين: لا يبعد أن يكون في تكون ما ذكر أسباب عادية، كما في الكثير من أفعاله تعالى، وذلك لا ينافي نسبته إلى المحدث الحكيم جل شأنه، ومن أنصف لم يسعه إنكار الأسباب بالكلية، فإن بعضها كالمعلوم بالضرورة، قال: وبهذا أنا أقول١. وأنا بهذا أيضا أقول، وكون الظواهر الكونية جعل الله نواميس خاصة لحدوثها، لا ينافي قط أنه سبحانه الخالق للكون، والمدبر له سبحانه، فهو سبحانه هو الموجد لهذه النواميس، وهو الموجد لهذه السنن التي يسير عليها الكون، فإن بعض هذه النواميس والسنن أصبحت معلومة فإنكارها باسم الدين، أو التشكيك فيها -ومنها تكون السحب، وحدوث الرعد، والبرق، والصواعق- إنما يعود على الدين بالضعف، ويضره أكثر من طعن أعدائه فيه، ولعلك على ذكر مما ذكرته عن حجة الإسلام الغزالي ﵀ في هذا المقام.

стр. 378

أقوال الرسول عند سماع الرعد ورؤية البرق: وقد وردت أحاديث أخرى صحاح وحسان، تبين ما كان يقوله ﷺ عند حدوث هذه الظواهر الكونية، وهي تدل على كمال المعرفة بالله، وأنه سبحانه هو المحدث لها، وأنها تدل على تنزيه الله، وتعظيمه، وحمده؛ فقد أخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، عن ابن عمر قال: "كان رسول الله ﷺ إذا سمع صوت الرعد، والصواعق قال: "اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك"؛ لأن احتمال الإهلاك والتعذيب بهذه الآيات الكونية أمر قريب ممكن. وأخرج أبو داود في مراسيله عن عبد الله بن أبي جعفر: أن قومًا سمعوا الرعد فكبروا، فقال رسول الله ﷺ : "إذا سمعتم الرعد فسبحوا، ولا تكبروا"،.

стр. 379

وذلك لما فيه من التأدب بأدب القرآن وأسلوبه في قوله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِه﴾ ، ولأن دلالته على تنزيه الله من النقص والشريك أولى من دلالته على التعظيم، وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس أنه ﵊ كان يقول إذا سمع الرعد: "سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم". وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير عن أبي هريرة قال: كان ﷺ إذا سمع الرعد قال: "سبحان من يسبح الرعد بحمده". فهذا هو اللائق برسول الله ﷺ وبعصمته لا ما روي من أن الرعد ملك أو صوت زجره للسحاب، وأن البرق أثر سوطه الذي يزجر به السحاب.

стр. 380

رأي العلم في حدوث الرعد، والبرق، والصواعق: وإكمالا للفائدة سأذكر ما وصل إليه العلم في حدوث هذه الظواهر الكونية، فأقول -وبالله التوفيق: يقول الدكتور محمد أحمد الغمراوي ﵀ وأثابه في كتابه "سنن الله الكونية": الرياح والكهربائية الجوية: إن الكهربائية التي تتولَّد في الهواء والتي ذكرنا لك بعض مصادرها يكتسبها السحاب عند تكونه على الأيونات التي تحملها تلك الكهربائية في الطبقات العليا الجوية، ولا يُدرَى الآن كيف يفصل الله الأيونات السالبة، من الأيونات الموجبة، قبل تكاثف البخار عليها إن كان هناك فصل لها؟ أم كيف يكون السحاب عظيم التكهرب؛ إما بنوع من الكهرباء، وإما بالنوع الآخر إذا حدث التكاثف على الأيونات وهي مختلطة، ومهما يكن من سر ذلك؛ فإن السحاب مكهرب من غير شك، كما أثبت ذلك فرانكلن لأول مرة في عام ١٧٥٢م وكما أثبت غيره، عظم تكهربه بشتى الطرق بعده، وأنت تعرف أن نوعي الكهربائية يتجاذبان، وأن الموجب والموجب، أو السالب والسالب يتدافعان، أو يتنافران، كما تشاء أن تقول. هذا التدافع أو التنافر من شأنه تفريق الكهربائية، ثم إذا شاء الله ساق السحاب.

стр. 381

بالريح، حتى يقترب السحاب الموجب، من السحاب السالب قربا كافيا، في اتجاه أفقي، أو في اتجاه رأسي أو فيما شاء الله من الاتجاهات، فإذا اقتربا تجاذبا، ومن شأن اقترابهما هذا أن يزيد في كهربائية مجموع السحاب بالتأثير، ولا يزالان يتجاذبان، ويتقاربان، حتى لا يكون محيص من اختلاطهما واتحاد كهربائيتهما أو من اتحاد كهربائيتهما من بعد، وعندئذٍ تحدث شبه شرارة عظمى كهربائية، هي البرق الذي كثيرا ما يُرى في البلاد الكثيرة الأمطار. والمطر نتيجة لازمة لحدوث ذلك الاتحاد الكهربائي، سواء حدث في هدوء أو بالإبراق، فإذا حدث بهدوء حدث بين القطيرات المختلفة في السحابتين، فتجذب كل منهما قرينتها أو قريناتها، حتى تتحد، وتكون قطرة فيها ثقل، فتنزل، وتكبر أثناء نزولنا بما تكتسب من كهربائية، وما تجتذب من قطيرات، أثناء اختراقها السحاب المكهرب، الذي يكون بعضه فوق بعض في السحاب الركام، أما إذا حدث الاتحاد الكهربائي، في شدة البرق، وعنقه، فإنه يحدث لا بين القطيرات، ولكن بين الكتل من السحل، ويسهل حدوثه تخلخل الهواء، أي قلة ضغطه في تلك الطبقات. والبرق: يمثل قوة كهربائية هائلة، تستطيع أن تكوِّن فكرة عنها إذا عرفت أن شرارته قد تبلغ ثلاثة أميال، في طولها أو تزيد، وأن أكبر شرارة كهربائية أحدثها الإنسان لا تزيد عن بضعة أمتار. فالحرارة الناشئة عن البرق لا شك هائلة، فهي تمدد الهواء بشدة، وتحدث مناطق جوية عظيمة مخلخلة، الضغط داخلها يعادل الضغط خارجها، ما دام الهواء داخل المنطقة ساخنا، حتى إذا تشععت حرارته وبردت تلك المناطق برودة كافية، وما أسرع ما تبرد، خف منها الضغط، وصار أقل كثيرا من ضغط الطبقات الهوائية السحابية المحيطة بها، فهجمت عليها فجأة بحكم الفرق العظيم بين الضغطين وتمددت فيها، وحدث لذلك صوت شديد هو صوت الرعد وهزيمه، هذا الصوت قد يكون له صدى بين كتل السحاب، يتردد، فنسميه قعقعة الرعد، أما صوت الشرارة الكهربائية البرقية، فهو: بدء الرعد، ويكون ضعيفا بالنسبة لهزيمه وقعقعته، لذلك: تسمع الرعد ضعيفا في الأول ثم يزداد، كأنما أوله إيذان بتضخمه، كما قد تؤذن الطلقة الفردة بانطلاق بطاريات.

стр. 382

برمَّتها، من المدافع الضخمة في الحروب، فالرعد يحدث لا عند اتحاد الكهربائيتين حين يحدث البرق فقط، ولكن يحدث أكثره بعد ذلك عند تمدد الكتل الهوائية الهاجمة في المنطقة المفرغة، وهي إذا تمددت بردت برودة شديدة، فيتكاثف ما فيها من البخار، ومن كتل السحاب، فينزل على الأرض إما مطرا، وإما بردا، حسب مقدار البرودة الحادثة في تلك المناطق، وهذا هو السبب في أن الرعد والبرق يعقبهما في الغالب مطرات شديدة، سواء أكانت المطرة مائية، أم بردية، وقطرات الماء أو حبات البرد تنمو بعد ذلك باختراقها كتل السحاب المتراكم تحت المنطقة التي حدث فيها التفريغ١. الصواعق: وقد يحدث التفريغ الكهربائي بين السحاب والأرض، بدلا من بين السحاب والسحاب، وهذا يكون عادة إذا كان السحاب عظيم الكهربائية، قريبا من الأرض، فإذا حدث التفريغ ظهر له كالعادة ضوء وصوت، نسمي مجموعهما بالصاعقة، أي أن الصاعقة تفريغ كهربائي بين السحاب والأرض، إذا أصاب حيوانا أو نباتا أحرقه، وهو يحدث أكثر ما يحدث بين الأجسام المدببة على سطح الأرض من شجر أو نحوه، وبين السحاب، ولذا كان من الخطأ الاستظلال بالشجر، أو المظلات في العواصف ذات البرق، على أن الإنسان قد استخدم سهولة حدوث التفريغ بين الأجسام المدببة، والسحاب؛ لوقاية الأبنية من الصواعق، وذلك بإقامته على سطوحها قضبانا حديدية أو نحاسية، مدببة الأطراف، بحيث يكون طرف القضيب المدبب أعلى قليلا من أعلى نقطة في البناء، والطرف الآخر متصلا بلوح فلزي مدفون في أرض رطبة، ومن شأن الأطراف المدببة، أن يكون كل منها بابًا تخرج منه الكهربائية المتجمعة على السطح تدريجًا إلى السحاب الذي يظله، فيحدث التفريغ، أي الاتحاد كهربائية الأرض، وكهربائية السحاب تدريجا، فيمتنع ذلك التفريغ الفجائي المعروف بالصاعقة، على أنه إذا نزلت الصاعقة بالبناء رغم ذلك فالأرجح جدًّا أنها تصيب القضيب المدبب أول ما تصيب، وتنصرف الكهربائية إلى الأرض، بدلا من أن تدك البناء، ولذا يسمى مثل هذا القضيب المدبب الواصل إلى الأرض: بصارفة الصواعق، وقد وجدوا أن السطح الخارجي.

стр. 383

للقضيب هو الطريق الذي تمر به الكهربائية إلى الأرض، لذلك: كلما كان هذا السطح أكبر كان الصرف أعظم، والبناء أحصن، ولذا كانت الصفائح أفعل في حفظ الأبنية، من مثل كتلتها من الأسلاك١.

стр. 384

جبل قاف المزعوم، وحدوث الزلازل: ومن ذلك: ما ذكره بعضهم في تفسير قوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيد﴾ : فقد ذكر صاحب "الدر المنثور" وغيره، روايات كثيرة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: "خلق الله من وراء هذه الأرض بحرا محيطا بها، ثم خلق من وراء ذلك البحر جبلا يقال له: "قاف"، سماء الدنيا مرفوعة عليه، ثم خلق الله تعالى من وراء ذلك الجبل أيضا مثل تلك الأرض سبع مرات، واستمر على هذا حتى عد سبع أرضين، وسبعة أبحر، وسبعة أجبل، وسبع سماوات". وهذا الأثر لا يصح سنده عن ابن عباس، وفيه انقطاع، ولعل البلاء فيه من المحذوف، ولو سلمنا صحته، فقد أخذه من الإسرائيليات. وأخرج ابن أبي الدنيا، وأبو الشيخ عنه أيضا قال: خلق الله تعالى جبلا يقال له: قاف، محيط بالعالم، وعروقه إلى الصخرة التي عليها الأرض، فإذا أراد الله تعالى أن يزلزل قرية أمر ذلك الجبل فيحرك العرق الذي يلي تلك القرية، فيزلزلها، ويحركها، ثم تحرك القرية دون القرية. وكل ذلك كما قال القرافي لا وجود له، ولا يجوز اعتماد ما لا دليل عليه، وهو من خرافات بني إسرائيل الذين يقع في كلامهم الكذب، والتغيير، والتبديل، دست على هؤلاء الأئمة، أو تقبلوها بحسن نية، ورووها لغرابتها، لا اعتقادا بصحتها، ونحمد الله أن وجد في علماء الأمة من رد هذا الباطل، وتنبه له قبل أن تتقدم العلوم الكونية كما هي عليه اليوم، ومن العجيب أن يتعقب كلام القرافي ابن حجر الهيتمي فقال: ما جاء عن ابن عباس مروي من طرق خرجها الحفاظ وجماعة ممن التزموا تخريج الصحيح، وقول.

стр. 385

الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه: حكمه حكم المرفوع إلى النبي. وأنا أقول للشيخ الهيتمي: إن تخريج من التزم الصحة ليس بحجة، وكم من ملتزم شيئا لم يفِ به، والشخص قد يسهو ويغلط مع عدالته، وأنظار العلماء تختلف، والحاكم -على جلالته- صحَّح أحاديث حكم عليها الإمام الذهبي وغيره بالوضع، وكذلك ابن جرير على جلالته، أخرج روايات في تفسيره، حكم عليها الحفاظ بالوضع، والكذب، ولو سلمنا صحتها عن ابن عباس: فلا ينافي ذلك أن تكون من الإسرائيليات الباطلة، كما قلت غير مرة. وأما أنَّ لها حكم الرفع فغير مسلم؛ لأن المحققين من أئمة الحديث على أن ما لا مجال للرأي فيه له حكم الرفع، إذا لم يكن الصحابي ممن عرف بأنه يأخذ عن مسلمة أهل الكتاب، وابن عباس ممن أخذ عنهم. ثم إني أقول للهيتمي ومن يرى رأيه: أي فائدة نجنيها من وراء هذه المرويات التي لا تتقبلها عقول تلاميذ المدارس فضلا عن العلماء؟!! اللهم إلا أننا نفتح بالانتصار لها بابا للطعن في عصمة النبي ﷺ وإذا جاز هذا في عصور الجهل والخرافات فلا يجوز اليوم، وقد أصبح رواد الفضاء يطوفون حول الأرض، ويرونها معلقة في الفضاء بلا عمد، ولا جبال، ولا بحار، ولا صخرة استقرت عليها الأرض، فهذه الإسرائيليات مخالفة للحس والمشاهدة قطعا، فكيف نتعلق بها؟!. ورحم الله الإمام الآلوسي حيث قال: والذي أذهب إليه ما ذهب إليه القرافي، من أنه لا وجود لهذا الجبل بشهادة الحس، فقد قطعوا هذه الأرض؛ برها وبحرها على مدار السرطان مرات، فلم يشاهدوا ذلك، والطعن في صحة الأخبار، وإن كان جماعة من رواتها ممن التزم تخريج الصحيح أهون من تكذيب الحس، وأمر الزلازل لا يتوقف أمرها على ذلك الجبل، بل هي من الأبخرة، يعنى المتولدة من شدة حرارة جوف الأرض وطلبها الخروج مع صلابة الأرض يعني، فيحصل هذا الاهتزاز وإنكار ذلك مكابرة عند من له عرق من الإنصاف١، ولا أدري لو أن الإمام الجليل الآلوسي عاش.

стр. 386

في عصرنا هذا، ووقف على ما وقفنا عليه من عجائب الرحلات الفضائية، ماذا كان يقول؟ إن كل مسلم ينبغي أن يكون له من العقل الواعي المتفتح، والنظر الثاقب البعيد ما لهذا الإمام الكبير. وإليك ما قاله عالم حافظ ناقد، سبق الإمام الآلوسي بنحو خمسة قرون١: فقد قال في تفسيره عند هذه الآية: وقد روي عن السلف أنهم قالوا: "ق": جبل محيط يجمع الأرض يقال له: جبل قاف، وكأن هذا -والله أعلم- من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس، لما رأى من جواز الرواية عنهم، مما لا يصدق، ولا يكذب، وعندي: أن هذا، وأمثاله، وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم يلبسون به على الناس أمر دينهم، كما افترى في هذه الأمة، مع جلالة قدر علمائها، وحفاظها، وأئمتها أحاديث عن النبي ﷺ ، وما بالعهد من قدم، فكيف بأمر بني إسرائيل مع طول المدى، وقلة الحفاظ النقاد فيهم، وشربهم الخمور، وتحريف علمائهم الكلم عن مواضعه، وتبديل كتب الله وآياته، وإنما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله: "حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"، فيما قد يجوزه العقل، فأما فيما تحيله العقول، ويحكم فيه بالبطلان، ويغلب على الظنون كذبه، فليس من هذا القبيل. والله أعلم٢. قال: وقد أكثر كثير من السلف من المفسرين، وكذا طائفة كثيرة من الخلف، من الحكاية عن كتب أهل الكتاب، في تفسير القرآن المجيد، وليس بهم احتياج إلى أخبارهم، ولله الحمد والمنة، حتى أن الإمام أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي رحمة الله عليه أورد هنا أثرًا غريبًا، لا يصح سنده عن ابن عباس، ثم ساق السند، والمتن الذي ذكرناه آنفا. ثم قال: فإسناد هذا الأثر فيه انقطاع؛ أي: راوٍ سقط من رواته، والذي رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في قوله : "ق": هو اسم من أسماء الله والذي ثبت عن مجاهد وهو من تلاميذ ابن عباس الملازمين.

стр. 387

له، الناشرين لعلمه أنه حرف من حروف الهجاء، كقوله تعالى: "ص، ن، حم، طس، آلم"، فهذه تبعد ما تقدم عن ابن عباس رضي الله عنهما١.

стр. 388

الإسرائيليات في تفسير: ﴿نْ وَالْقَلَم﴾ ومن ذلك: ما يذكر كثير من المفسرين في قوله تعالى: ﴿نْ وَالْقَلَم﴾ من أنه الحوت الذي على ظهره الأرض، ويسمى: "اليهموت"، وقد ذكر ابن جرير، والسيوطي روايات عن ابن عباس، منها: أول ما خلق الله القلم، فجرى: بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء، وخلقت منه السماوات، ثم خلق النون، فبسطت الأرض عليه، فاضطرب النون، فمادت الأرض١، فأثبتت بالجبال، وقد روي عن ابن عباس أيضا: أنه الدواة، ولعل هذا هو الأقرب، والمناسب لذكر القلم، وقد أنكر الزمخشري ورود نون بمعنى: الدواة في اللغة، وروى عنه أيضا: أنه الحرف الذي في آخر كلمة: "الرحمن"، وأن هذا الاسم الجليل فرق في: "الر" و "حم"، و "ن". واضطراب النقل عنه يقلل الثقة بما روي عنه، ولا سيما الأثر الأول عنه، والظاهر أنه افتراء عليه، أو هو من الإسرائيليات ألصق به. وإليك ما قاله إمام حافظ، ناقد، من مدرسة اشتهرت بأصالة النقد، وهو الإمام ابن قيم الجوزية، قال في أثناء كلامه على الأحاديث الموضوعة: "ومن هذا: حديث أن قال: جبل من زمردة خضراء، محيط بالدنيا كإحاطة الحائط بالبستان، والسماء واضعة أكنافها عليه". ومن هذا: حديث: أن الأرض على صخرة، والصخرة على قرن ثور، فإذا حرك الثور قرنه، تحركت الصخرة، فهذا من وضع أهل الكتاب الذين قصدوا الاستهزاء بالرسل.

стр. 389

وقال الإمام أبو حيان في تفسيره: لا يصح من ذلك شيء ما عدا كونه اسما من أسماء حروف الهجاء١.

стр. 390

الموضوعات وكتب التفسير مدخل ... الموضوعات وكتب التفسير: وكذلك: اشتملت بعض كتب التفسير على أحاديث موضوعة في فضائل السور والآيات القرآنية، وكذلك: فيما يتعلق بأسباب النزول وفيما يتعلق بسيرة النبي ﷺ كقصة الغرانيق وتزوجه ببعض أزواجه، وهي: السيدة زينب بنت جحش ﵂. ومن هذه الموضوعات: ما هو خفي دقيق لا يدركه إلا الحفاظ المتقنون العارفون بقواعد الجرح، والتعديل، وتواريخ الرجال، وهذا النوع راجَ على بعض الكتاب وأهل العلم، وتداولوه في كتبهم، وأحاديثهم، وخطبهم، ووعظهم وتذكيرهم للناس. ومنها: ما يدركه من ليس له قدم ثابتة في حفظ الحديث، ونقده والعلم برجاله وأحوال رواته لمصادمته للمعقول، ولما أجمع عليه العلماء من عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن مثله فقد ردوا بعض هذه المكذوبات من جهة العقل والنظر، ولم يتوسعوا في نقده من جهة النقل، والرواية، فكان على أن أستدرك ما فاتهم، وأن أتوسع في نقده من جهة السند والمتن، أو بعبارة أخرى: من جهة النقد الداخلي، والنقد الخارجي، وبذلك لا تبقى هناك أية شبهة في التمسك بهذه المرويات الواهيات الساقطات عن درجة الاعتبار. ومن هذه المرويات المختلقة ما أجمع العلماء على الحكم بوضعه، واختلاقه، ولكن الوقوف على كلامهم وكتبهم ليس متيسرا، ولا سهلا على كل قارئ لهذه.
следующие страницы →