← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8671

الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير

محمد أبو شهبة

Полный текст (439 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

في عصرنا هذا، ووقف على ما وقفنا عليه من عجائب الرحلات الفضائية، ماذا كان يقول؟ إن كل مسلم ينبغي أن يكون له من العقل الواعي المتفتح، والنظر الثاقب البعيد ما لهذا الإمام الكبير. وإليك ما قاله عالم حافظ ناقد، سبق الإمام الآلوسي بنحو خمسة قرون١: فقد قال في تفسيره عند هذه الآية: وقد روي عن السلف أنهم قالوا: "ق": جبل محيط يجمع الأرض يقال له: جبل قاف، وكأن هذا -والله أعلم- من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس، لما رأى من جواز الرواية عنهم، مما لا يصدق، ولا يكذب، وعندي: أن هذا، وأمثاله، وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم يلبسون به على الناس أمر دينهم، كما افترى في هذه الأمة، مع جلالة قدر علمائها، وحفاظها، وأئمتها أحاديث عن النبي ﷺ ، وما بالعهد من قدم، فكيف بأمر بني إسرائيل مع طول المدى، وقلة الحفاظ النقاد فيهم، وشربهم الخمور، وتحريف علمائهم الكلم عن مواضعه، وتبديل كتب الله وآياته، وإنما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله: "حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"، فيما قد يجوزه العقل، فأما فيما تحيله العقول، ويحكم فيه بالبطلان، ويغلب على الظنون كذبه، فليس من هذا القبيل. والله أعلم٢. قال: وقد أكثر كثير من السلف من المفسرين، وكذا طائفة كثيرة من الخلف، من الحكاية عن كتب أهل الكتاب، في تفسير القرآن المجيد، وليس بهم احتياج إلى أخبارهم، ولله الحمد والمنة، حتى أن الإمام أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي رحمة الله عليه أورد هنا أثرًا غريبًا، لا يصح سنده عن ابن عباس، ثم ساق السند، والمتن الذي ذكرناه آنفا. ثم قال: فإسناد هذا الأثر فيه انقطاع؛ أي: راوٍ سقط من رواته، والذي رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄ في قوله : "ق": هو اسم من أسماء الله والذي ثبت عن مجاهد وهو من تلاميذ ابن عباس الملازمين.

стр. 387

له، الناشرين لعلمه أنه حرف من حروف الهجاء، كقوله تعالى: "ص، ن، حم، طس، آلم"، فهذه تبعد ما تقدم عن ابن عباس رضي الله عنهما١.

стр. 388

الإسرائيليات في تفسير: ﴿نْ وَالْقَلَم﴾ ومن ذلك: ما يذكر كثير من المفسرين في قوله تعالى: ﴿نْ وَالْقَلَم﴾ من أنه الحوت الذي على ظهره الأرض، ويسمى: "اليهموت"، وقد ذكر ابن جرير، والسيوطي روايات عن ابن عباس، منها: أول ما خلق الله القلم، فجرى: بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء، وخلقت منه السماوات، ثم خلق النون، فبسطت الأرض عليه، فاضطرب النون، فمادت الأرض١، فأثبتت بالجبال، وقد روي عن ابن عباس أيضا: أنه الدواة، ولعل هذا هو الأقرب، والمناسب لذكر القلم، وقد أنكر الزمخشري ورود نون بمعنى: الدواة في اللغة، وروى عنه أيضا: أنه الحرف الذي في آخر كلمة: "الرحمن"، وأن هذا الاسم الجليل فرق في: "الر" و "حم"، و "ن". واضطراب النقل عنه يقلل الثقة بما روي عنه، ولا سيما الأثر الأول عنه، والظاهر أنه افتراء عليه، أو هو من الإسرائيليات ألصق به. وإليك ما قاله إمام حافظ، ناقد، من مدرسة اشتهرت بأصالة النقد، وهو الإمام ابن قيم الجوزية، قال في أثناء كلامه على الأحاديث الموضوعة: "ومن هذا: حديث أن قال: جبل من زمردة خضراء، محيط بالدنيا كإحاطة الحائط بالبستان، والسماء واضعة أكنافها عليه". ومن هذا: حديث: أن الأرض على صخرة، والصخرة على قرن ثور، فإذا حرك الثور قرنه، تحركت الصخرة، فهذا من وضع أهل الكتاب الذين قصدوا الاستهزاء بالرسل.

стр. 389

وقال الإمام أبو حيان في تفسيره: لا يصح من ذلك شيء ما عدا كونه اسما من أسماء حروف الهجاء١.

стр. 390

الموضوعات وكتب التفسير مدخل ... الموضوعات وكتب التفسير: وكذلك: اشتملت بعض كتب التفسير على أحاديث موضوعة في فضائل السور والآيات القرآنية، وكذلك: فيما يتعلق بأسباب النزول وفيما يتعلق بسيرة النبي ﷺ كقصة الغرانيق وتزوجه ببعض أزواجه، وهي: السيدة زينب بنت جحش ﵂. ومن هذه الموضوعات: ما هو خفي دقيق لا يدركه إلا الحفاظ المتقنون العارفون بقواعد الجرح، والتعديل، وتواريخ الرجال، وهذا النوع راجَ على بعض الكتاب وأهل العلم، وتداولوه في كتبهم، وأحاديثهم، وخطبهم، ووعظهم وتذكيرهم للناس. ومنها: ما يدركه من ليس له قدم ثابتة في حفظ الحديث، ونقده والعلم برجاله وأحوال رواته لمصادمته للمعقول، ولما أجمع عليه العلماء من عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن مثله فقد ردوا بعض هذه المكذوبات من جهة العقل والنظر، ولم يتوسعوا في نقده من جهة النقل، والرواية، فكان على أن أستدرك ما فاتهم، وأن أتوسع في نقده من جهة السند والمتن، أو بعبارة أخرى: من جهة النقد الداخلي، والنقد الخارجي، وبذلك لا تبقى هناك أية شبهة في التمسك بهذه المرويات الواهيات الساقطات عن درجة الاعتبار. ومن هذه المرويات المختلقة ما أجمع العلماء على الحكم بوضعه، واختلاقه، ولكن الوقوف على كلامهم وكتبهم ليس متيسرا، ولا سهلا على كل قارئ لهذه.

стр. 391

التفاسير، فمن ثم وقع فيما وقع فيه الكثيرون من الاغترار بهذه المرويات، وأمثالها، وزعمهم أن لها أصلًا، فكان علي أن أبحث، وأنقب، وأضع بين يدي القارئ ما قاله الأئمة، حتى يكون على حذر منها، ومنها ما اختلف فيه أئمة كبار: منهم من حكم بزيفه، ومنهم من حكمت عليه الصنعة الحديثية، فانتصر لها، وجعل لها أصلا، ولكنه ركب الصعب في بيان المراد منها، وذلك كقصة الغرانيق، فكان لزاما عليَّ أن أرد عليهم بمقتضى القواعد الحديثة أيضا التي أخذناها من كتب الأئمة، وعليها تتلمذنا. لذلك: رأيت إتماما للفائدة، وإكمالا للبحث أن أتعرض لما وصله إليه علمي من الموضوعات بعد الفراغ من الإسرائيليات، وأكشف عما قاله العلماء في تزييف هذه الموضوعات، ومن الله أستمد العون والتوفيق فاللهم أَعِنْ وسدِّدْ.

стр. 392

الأحاديث الموضوعة في فضائل السور والآيات حديث أبي بن كعب الطويل ... الأحاديث الموضوعة في فضائل السور والآيات: لقد وضعت أحاديث كثيرة في فضائل السور والآيات، وقصد واضعوها ترغيب الناس في قراءة القرآن الكريم، وزعموا أن في ذلك حسبة إلى الله تعالى، وقد بينت فيما سبق غلطهم، وفساد قصدهم، وبطلان زعمهم، وأن ذلك داخل تحت الوعيد، في قوله ﷺ : "من كذب عليَّ معتمدا فليتبوأ مقعده من النار" رواه الشيخان وغيرهما، وأنه لا فرق بين الكذب عليه، والكذب له. ١- حديث أبي بن كعب الطويل: فمن ذلك: الحديث الطويل الذي يروى عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ في فضائل القرآن سورة سورة. فقد بحث مؤمل بن إسماعيل، حتى وصل إلى من اعترف بوضعه، قال مؤمل: حدثني شيخ بهذا الحديث، فقلت له: من حدثك بهذا؟ قال: رجل بالمدائن، وهو حيٌّ، فسرت إليه، فقلت: من حدثك، بهذا؟ قال: حدثني شيخ بواسط، فسرت إليه، فقلت: من حدثك بهذا؟ فقال: حدثني شيخ بالبصرة، فسرت إليه، فقلت: من حدثك بهذا؟ فقال: حدثني شيخ بعبادان، فسرت إليه فأخذ بيدي فأدخلني.

стр. 393

بيتًا فإذا فيه قوم من المتصوفة، ومعهم شيخ، فقال: هذا الشيخ الذي حدثني، فقلت: يا شيخ من حدثك بهذا؟ فقال: لم يحدثني أحد، ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن، فوضعنا لهم هذا الحديث، ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن١. وقد روي هذا الحديث من طريق علي بن زيد بن جدعان، وعطاء ابن أبي ميمونة، كلاهما عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب، ومن طريق هارون بن كثير، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة، عن أبي بن كعب، ومن طريق آخر، والحديث بجميع طرقه باطل موضوع٢، وروي عن ابن المبارك أنه قال: أظنه من وضع الزنادقة، ومن ذلك أيضا: حديث عكرمة، عن ابن عباس، في فضائل القرآن سورة سورة، فقد سئل عنه واضعُه نوحُ بن أبي مريم٣، فقال: رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي محمد بن إسحاق فوضعت هذه الأحاديث حسبة!! ٤. وقد خطأ المحدثون من ذكر هذه الأحاديث من المفسرين في كتبهم كالثعلبي، والواحدي، والزمخشري، والنسفي، والبيضاوي، والمولى أبي السعود، ولكن من أبرز سنده، وذكره كالأولين، الثعلبي والواحدي فهو أبسط لعذره؛ إذ أحال ناظره على الكشف عن سنده، والبحث عن رواته، وإن كان لا يجوز له السكوت عليه. وأما من لم يبرز سنده وأورده بصيغة الجزم، فخطؤه أفحش، وعذره أبعد، وذلك كالآخرين: الزمخشري، والنسفي، والبيضاوي وأبي السعود.. قال الإمام ابن الجوزي: وقد فرق هذا الحديث أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره فذكر عند كل سورة منه ما خصها، وتبعه أبو الحسن الواحدي في ذلك، قال: ولا أعجب منهما؛ لأنهما ليسا من أصحاب الحديث، وإنما عجبت من أبي بكر بن أبي داود في كتابه الذي صنفه في:

стр. 394

"فضائل القرآن"، وهو يعلم أنه حديث محال مصنوع بلا شك١. طريقة الثعلبي في ذكر هذا الحديث والواحدي: وقد رجعت إلى تفسير الثعلبي٢ فوجدته يبرز السند كاملا تارة، وتارة يقول: عن أبي بن كعب، قال: قال النبي ﷺ ومن ذلك: ما ذكره في صدر سورة هود؛ قال: وعن أبي بن كعب قال: قال النبي ﷺ : "من قرأ سورة هود أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق نوحًا، وهودًا، وصالحًا، ولوطًا، وموسى". وفي صدر سورة يوسف قال: وعن أبي بن كعب، قال: قال النبي ﷺ : "اقرأوا سورة يوسف؛ فإنه ما من مسلم تلاها وعلَّم أهله إلا هون الله عليه سكرات الموت، وأعطاه القوة أن لا يحسد أحدا". وكذلك الواحدي: يذكر الفضائل في أول السورة؛ ليكون أدعى إلى عناية القارئ وتنشيطه. طريقة الزمخشري ومتابعيه: أما الزمخشري ومتابعوه: فإنهم يذكرون الفضائل في آخر السورة وقد سئل والزمخشري عن هذا، فأجاب بأن الفضائل صفات، وهي تستدعي الموصوف، يعني والموصوف مقدم على صفته، كما أنهم لا يذكرون شيئا من السند حتى الصحابي، وسأضرب أمثلة لما ذكر الزمخشري وغيره، من هذا الحديث الطويل عقب كل سورة حتى يكون القارئ على حذر منها ومن أمثالها، وقد لاحظ واضع هذا الحديث، أن يذكر فيه ما يكون ملائما لما في السورة. فمن ذلك: ما ذكروه في آخر سورة آل عمران: حيث قال: " ... وعن رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة آل عمران أعطي بكل آية منها أمانا على جسر جهنم" وعنه ﵊: "من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران يوم الجمعة، ﷺ وملائكته، حتى تحجب الشمس".

стр. 395

وقال في آخر سورة المائدة: وعن رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة المائدة أعطي من الأجر عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورُفِعَ له عشر درجات، بعدد كل يهودي ونصراني يتنفس في الدنيا". أحاديث موضوعة عن غير أبي بن كعب: وقد يذكر بعض المفسرين في فضائل السور أحاديث موضوعة عن غير أبي بن كعب، وذلك مثل: ما ذكره الزمخشري والبيضاوي في فضل الفاتحة، قالا: وعن حذيفة بن اليمان: أن النبي ﷺ قال: "وإن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتما مقضيا، فيقرأ صبي من صبيانهم في الكتاب: "الحمد لله رب العالمين"، فيرفع الله عنهم العذاب أربعين سنة". قال ولي الدين العراقي: في سنده الجويباري، ومأمون الهروي كذابان، فهو من وضع أحدهما١. وقد يذكر المفسرون في فضائل الآيات ما لا يعرفه المحدثون، وذلك مثل ما ذكره الزمخشري، وتبعه النسفي وغيره، في فضل آية الكرسي٢ من قوله ﷺ : "ما قرئت هذه الآية في دار إلا اهتجرتها الشياطين ثلاثين يوما، ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة، أربعين ليلة، يا علي؛ علِّمها ولدك، وأهلك، وجيرانك، فما نزلت آية أعظم منها". وكذا الحديث الذي ذكره بعده، وهو أن الصحابة تذاكروا أفضل ما في القرآن، فقال لهم علي ﵁: أين أنتم من آية الكرسي، ثم قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا علي: سيد البشر آدم، وسيد العرب محمد ولا فخر، وسيد الفرس سلمان، وسيد الروم صهيب، وسيد الحبشة بلال، وسيد الجبال الطور، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي"، فقد قال الحافظ في تخريج أحاديث الكشاف: لم أجدهما.

стр. 396

المفسرون قد يذكرون أحاديث صحيحة في الفضائل: ولا يتوهمَنَّ متوهمٌ أن جميع ما ذكره الزمخشري، والبيضاوي وأمثالهما في الفضائل موضوع، فإن هذا لم يقله أحد من أهل العلم بالحديث، ولا أهل التحقيق، فقد ذكرا وغيرهما أحاديث في غاية الصحة، وذلك مثل: ما ذكره الزمخشري، من قوله ﷺ : "من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه" فقد رواه البخاري ومسلم، وقوله: "أوتيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يؤتهن نبي قبلي"، فقد أخرجه النسائي، وأحمد١. وكذا ينبغي أن يعلم: أن كل ما ذكره الزمخشري وأمثاله عن أبي بن كعب يكون موضوعا، كلَّا، وحاشا، فقد يذكر عن أبي بن كعب ما هو صحيح أو حسن، وذلك مثل: ما ذكره في آخر تفسيره سورة الفاتحة، حيث قال: وعن رسول الله ﷺ أنه قال لأبي بن كعب: "ألا أخبرك بسورة لم تنزل في التوراة، والإنجيل، والقرآن مثلها"؟ قلت: بلى يا رسول الله: قال: "فاتحة الكتاب؛ إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته" ٢أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي، والحاكم، وصححه على شرط مسلم. وتفسير الحافظ ابن كثير أجل ما يعتمد عليه في أحاديث الفضائل ما صح منها، وما لم يصح، والسور التي صحت في فضائلها الأحاديث: الفاتحة، والزهراوان، والأنعام، والسبع الطوال مجملة، والكهف، ويس، والدخان، والملك، والزلزلة، والنصر، والكافرون، والإخلاص، والمعوذتان، وما عداها لم يصح فيها شيء، وأصح ما ورد في فضائل السور هو، ما ورد في سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ . وكذلك ورد في فضائل السور أحاديث حسان، وأحاديث ضعاف لم تصل إلى حد الوضع، فكن من ذلك على بينة.

стр. 397

الموضوعات في أسباب النزول: ومن الأحاديث، والآثار الموضوعة، المذكورة في كثير من كتب التفاسير: ما يتعلق بأسباب النزول، وسأذكر منها ما تيسر لي الوقوف عليه، منها: ما لا يَتنَبِه إليه إلا الحافظ الناقد المتقن، ومنه ما يدركه الحافظ وغير الحافظ، لظهور بطلانها عقلا ونقلا، كقصة الغرانيق، وقصة زواجه ﷺ بالسيدة زينب بنت جحش، وسنعرض لبيان بطلانهما فيما يأتي إن شاء الله، فمن ذلك ما روي في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ١، فقد روي عن ابن عباس: أنها نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه، حينما خرجوا ذات يوم، فاستقبلهم نفر من الصحابة، فقال ابن أبي: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم، فأخذ بيد الصديق، فقال: مرحبا بالصديق: سيد بني تميم، وثاني رسول الله في الغار. وأخذ بيد عمر، فقال: مرحبا بالفاروق، ثم أخذ بيد علي، فقال: مرحبا بابن عم النبي، وختنه٢، سيد بني هاشم ما خلا رسول الله!! ثم افترقوا، فقال ابن أبي لأصحابه: انظروا كيف أرد هؤلاء، فإذا قابلتموهم، فافعلوا مثل ما فعلت. وهو من رواية السدي؛ أي الصغير، عن الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف: هو سلسلة الكذب لا سلسلة الذهب، وآثار الوضع لائحة عليه، وسورة البقرة: نزلت في أوائل الهجرة، وزواج علي بفاطمة كان في السنة الثانية٣. وقد ذكر هذا السبب الثعلبي، والواحدي، والزمخشري، والنسفي في تفاسيرهم ولم يتنبه أحد منهم إليه وتنبه له ابن جرير، فلم يذكره، وكذا ذكره السيوطي في الدر، إلا

стр. 398

أنه قال: بسند واهٍ، وكان عليه أن لا يذكره، ما دام سنده واهيا، وقد سمعت مقالة الإمام الحافظ ابن حجر فيه. ومن ذلك: ما ذكره بعض المفسرين في سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ الآية١. فقد روى أبو نعيم في الدلائل من رواية محمد بن مروان السدي عن الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس، قال: "راعنا بلسان اليهود: السب القبيح، فكانت اليهود تقولها لرسول الله سرا، فلما سمعها أصحابه أعلنوا بها، فكانوا يقولونها، ويضحكون منها، فسمعها سعد بن معاذ منهم، فقال: لئن سمعتها من رجل منكم لأضربن عنقه فنزلت. قال الحافظ ابن حجر في تخريجه: السدي الصغير متروك، وكذا شيخه، أقول: وهي سلسلة الكذب كما تقدم، وقد ذكر هذا الزمخشري، والبيضاوي، والآلوسي، وغيرهم. ومن ذلك: ما ذكره بعض المفسرين في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِين﴾ ٢ فقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وغيرهما عن خباب بن الأرت، قال: جاء الأقرع بن حابس، وعيينة ابن حصن الفزاري، فوجدا رسول الله ﷺ مع صهيب، وبلال وعمار، وخباب قاعدا في أناس من الضعفاء، فلما رأوهم حول النبي حقروهم، وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا مجلسا يعرف به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك، فنستحيي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، وإذا نحن فرغنا فاقعد معهم، قال: "نعم" قالوا: اكتب لنا كتابا بذلك، فدعا بالصحيفة ودعا عليا ليكتب، فنزل جبريل بهذه الآية

стр. 399

وهذا غير صحيح، فإن الآية مكية، بل قيل: إنها نزلت كلها جملة واحدة، والأقرع بن حابس، وعيينة إنما أسلما بعد الفتح وهذان من المؤلفة قلوبهم، فكيف يعقل نزول الآية بسبب مقالتهم؟ والصحيح أن القائل هم المشركون، ولعل هذا السبب هو ما عناه ابن تيمية بقوله في: "المنهاج"١: وكقولهم: إن آية: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِين﴾ .. نزلت في أهل الصفة فإن هذا الكتاب مما لا يخفى على غير أهل الحديث. وقد ذكر هذا السبب الآلوسي وغيره، ولم ينبهوا إليه، إلا أن الخازن عقب بما يدل على عدم صحته، ومن ذلك: ما ذكره المفسرون: كالزمخشري والنسفي، والخازن، وغيرهم في سبب نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ٢، فقد ذكروا أنها نزلت في سيدنا علي ﵁ حينما مر به سائل، وهو في الصلاة، فطرح له خاتمه، وقد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع، كما حكم عليه بالوضع أيضا: الإمام ابن تيمية وأثر التشيع ظاهر عليه، وجميع أسانيده لا تخلو من ضعف وجهالة٣ والمعروف عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم ما كانوا يشتغلون في الصلاة بغيرها، بل كانوا في غاية الخشوع والاستغراق في الصلاة، والركوع هنا على معناه اللغوي، وهو: الخشوع، والخضوع. قصة الغرانيق موضوعة: ومن ذلك: ما ذكره بعض المفسرين في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٤. فقد ذكر بعض المفسرين في سبب ذلك ما قاله السيوطي: أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير، وابن المنذر، من طريق بسند صحيح: "كما زعم" عن سعيد بن جبير،

стр. 400

قال: قرأ النبي ﷺ بمكة: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فلما بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجدوا وسجد، فنزلت، وأخرجه البزار، وابن مردويه، بوجه آخر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فيما أحسبه وقال: لا يروى متصلا إلا بهذا الإسناد، وبعد أن ذكر له طرقا كثيرة قال: وكلها إما ضعيفة، وإما منقطعة، سوى طريق سعيد بن جبير الأولى وهذا الطريق وطريقان آخران مرسلان عند ابن جرير هم معتمد المصححين للقصة، كابن حجر والسيوطي١. وهذه القصة غير ثابتة: لا من جهة النقل، ولا من جهة العقل والنظر. أما من جهة النقل: فقد طعن فيها كثير من المحققين والمحدثين، قال البيهقي؛ وهو من كبار رجال السنة: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، وقال القاضي عياض في: "الشفاء"٢: إن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون، والمولعون بكل غريب، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم، ومن حكيت عنه هذا المقالة من المفسرين والتابعين، لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صحابي، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية، والمرفوع منها حديث شعبة، عن أبي البشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس -فيما أحسب- "الشك في وصل الحديث": "أن النبي كان بمكة وذكر القصة" قال أبو بكر البزار: هذا الحديث لا نعرفه يروى عن النبي بإسناد متصل، إلا هذا، ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير، وإنما يعرف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، فقد بيَّن أبو بكر أنه لا يعرف عن طريق يجوز ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ما نبه عليه، مع وقوع الشك فيه، الذي لا يوثق به ولا حقيقة معه، وأما حديث الكلبي: فمما لا يجوز الرواية منه، ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه. ا. هـ. وكذا أنكر القصة القاضي أبو بكر ابن العربي وطعن فيها من جهة النقل، وسئل محمد بن إسحاق بن خزيمة، عن

стр. 401

هذه القصة، فقال: هذا من وضع الزنادقة، وصنف في ذلك كتابا١ وذهب إلى وضعها الإمام: أبو منصور الماتريدي، في كتاب "حصص الأتقياء" حيث قال: الصواب أن قوله: تلك الغرانيق العلى من جملة إيحاء الشياطين إلى أوليائه من الزنادقة، حتى يلقوا بين الضعفاء وأرقَّاء الدين؛ ليرتابوا في صحة الدين، والرسالة بريئة من مثل هذه الرواية. فها نحن نرى أن من أنكرها وقضى بوضعها أكثر مما صححها اعتمادا على روايات مرسلة. اضطراب الرواية: ومما يقلل الثقة بالحديث: اضطراب الروايات اضطرابا فاحشا؛ فقائل يقول: إنه كان في الصلاة، وقائل يقول: قالها في نادي قومه، وثالث يقول: قالها وقد أصابته سنة، ورابع يقول: بل حديث نفسه فَسَهَا. ومن قائل: إن الشيطان قالها على لسانه، وإن النبي لما عرضها على جبريل قال: ما هكذا اقرأتك؟ وآخر يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبي قرأها كما رويت: تلك الغرانيق العلى على أنحاء مختلفة، وكل هذا الاضطراب مما يوهن الرواية، ويقلل الثقة بها، والحق أبلج والباطل لجلج. القصة لم يخرجها أحد ممن التزموا الصحيح: والقصة لم يخرجها أحد ممن التزموا الصحاح، ولا أحد من أصحاب الكتب المعتمدة، والذي روي في البخاري عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ قرأ: النجم وهو بمكة، فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس"، وفي رواية ابن مسعود: "أول سورة أنزلت فيها سجدة: والنجم، قال: فسجد رسول الله ﷺ وسجد من خلفه إلا رجلا رأيته أخذ كفا من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافرا"٢. أما سجود المسلمين: فاتباعا لأمر الله، وأما سجود المشركين: فلما سمعوه من أسرار البلاغة.

стр. 402

الفائقة، وعيون الكلم الجوامع، مع التهديد والإنذار، وقد كان العربي يسمع القرآن، فيخر له ساجدا، أضف إلى ذلك ما فيه من موافقة الجماعة، والشخص إذا كان في جماعة يندفع إلى موافقتها من غير ما يشعر، ولو كان الأمر على خلاف ما يهوى ويحب، وهذا أمر مشاهد، وفي علم النفس ما يؤيده، وذكر البخاري في تفسير سورة الحج قال: وقال ابن عباس: ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِه﴾ : إذا حدَّث ألقى الشيطان في حديثه فيبطل الله ما يلقي الشيطان، ويحكم آياته ويقال: أمنيته قراءته، فقد حكى الثاني بصيغة التمريض، التي تدل على الضعف، وليس في هذا ولا ذاك ما يشير إلى ما يزعمون. المعتمدون للقصة: ومع ما ذكرنا من قول المحققين في القصة: فقد حكمت الصنعة والقواعد الاصطلاحية على الحافظ ابن حجر، فصحح القصة وجعل لها أصلا، قال في "الفتح"١ في تفسير سورة الحج، بعد ما ساق في الطرق الكثيرة، وكلها سوى طريق سعيد بن جبير؛ إما ضعيف وإما منقطع لكن كثرة الطرق تدل على أن لها أصلا، مع أن لها طريقين مرسلين آخرين، رجالهما على شرط الصحيح؛ أحدهما: ما أخرجه الطبري من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، حدثني أبو بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فذكر نحوه، والثاني: ما أخرجه أيضا من طريق المعتكمر بن سليمان، وحماد بن سلمة، فرقهما عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية، وبعد أن ذكر كلام القاضي أبي بكر ابن العربي، وعياض قال: وجميع ذلك لا يتمشى مع القواعد؛ فإن الطرق إذا كثرت وتبينت مخارجها: دل ذلك على أن لها أصلا، وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج لاعتداد بعضها ببعض، وإذا تقرر ذلك: تعين تأويل ما فيها مما يستنكر وهو قوله: ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلا، فإنه لا يجوز حمله على ظاهره؛ لأنه يستحيل عليه ﷺ أن يزيد في القرآن عمدا ما ليس منه، وكذا سهوا إن كان مغايرا لما جاء به من التوحيد، لمكان عصمته، وقد سلك العلماء في ذلك مسالك، وبعد أن ذكر الكثير

стр. 403

منها، ولم يرتضه، ارتضى لتصحيح القصة هذا التأويل، وهو أن النبي ﷺ كان يرتل القرآن ترتيلا، فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات ونطق بتلك الكلمة محاكيا نغمته، بحيث سمعها من دنا، فظنه من قوله، وأشاعها بين الناس: قال: وهو الذي ارتضاه القاضي عياض وأبو بكر ابن العربي. ا. هـ، والقاضيان: عياض وأبو بكر رأيهما البطلان نقلا وعقلا ولكنهما ارتضيا ذلك تنزلا على تسليم الصحة. الذي أجيب به على ما ذكره الحافظ:. ١- أن جمهور المحدثين لم يحتجوا بالمرسل، وجعلوه من قسم الضعيف؛ لاحتمال أن يكون المحذوف غير صحابي، وحينئذ يحتمل أن يكون ثقة أو غير ثقة، وعلى الثاني: فلا يؤمَن أن يكون كذابا١، والإمام مسلم قال في مقدمة كتابه: والمرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار: ليس بحجة. وقال ابن الصلاح في مقدمته: "وذكرنا من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه، هو الذي استقر عليه آراء جماهير حفاظ الحديث، وتداولوه في تصانيفهم"، والاحتجاج به مذهب مالك، وأبي حنيفة والشافعي، بشروط ذكرها في رسالته، ونقلها العراقي في شرح ألفيته، وقد قالوا في مراسيل أبي العالية: إنها كالريح كما في "التدريب" وإني لأذكر الحافظ بما ذكره من البلاء في الاحتجاج بالمراسيل في مقدمة كتابه لسان الميزان٢. ٢- الاحتجاج بالمرسل إنما هو في الفرعيات التي يكفي فيها الظن، أما الاحتجاج به على إثبات شيء يصادم العقيدة وينافي دليل العصمة فغير مسلم، وقد قال علماء التوحيد: إن خبر الواحد لو كان صحيحا لا يؤخذ به في العقائد؛ لأنه لا يكتفى فيها إلا باليقين، فما بالك بالضعيف.

стр. 404

٣- هذا التأويل الذي ارتضاه ما أضعفه عند النظر والتأمل، فهو يوقع متأوله فيما فر منه، وهو تسلط الشيطان على النبي، فالتسلط عليه بالمحاكاة، كالتسلط عليه بالإجراء على لسانه، كلاهما لا يجوز، وفتح هذا الباب خطر على الرسالات، وإذا سلمنا أن الشيطان هو الذي نطق في أثناء سكوت الرسول، فكيف لا يسمع ما حكاه الشيطان؟ وإذا سمعها، فكيف لا يبادر إلى إنكارها؟ والبيان في مثل هذا واجب على الفور، وإذا لم يسمع النبي، ألم يسمع أصحابه؟ وإذا سمعوا، فكيف يسكتون؟ وإذا لم يسمعوا فهل بلغ من تسلط الشيطان أن يحول بينهم وبين السماع؟. ومثل هذا: ما ذكره موسى بن عقبة في مغازيه: من أن المسلمين ما سمعوها، وإنما ألقى الشيطان ذلك في أسماع المشركين، فهل كان الشيطان يسر في آذان المشركين دون المؤمنين؟ ثم كيف يتفق هذا وما روي من أن النبي حزن حزنا شديدا، وأن جبريل قال له: ما جئتك بهذا. الحق: أن نسج القصة مهما تأول فيه المتأولون فهو مهلهل متداعٍ لا يثبت أمام البحث. مصادمة القصة للقرآن المتواتر: فقد أفادت القصة: "تسلط الشيطان على النبي بالزيادة في القرآن ما ليس منه، وهو مخالف لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَان﴾ وأي شخص أحق بهذه العبودية من الأنبياء بله رسول الله؟ وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ وأي بشر أصدق إيمانا وأقوى توكلا من رسول الله؟ وقد صدق الشيطان ذلك، كما حكاه الله تعالى عنه بقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ بفتح الللام وكسرها، ومن أحق من الأنبياء بالأصطفاء، أو من أشد إخلاصا منهم؟. وأما بطلان القصة من جهة العقل والنظر: فقد قام الدليل وأجمعت الأمة على عصمته، ﵊ من مثل ما روي إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا، من مدح آلهة العرب وهو كفر، أو أن.

стр. 405

يتسور عليه الشيطان، ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه، ويعتقد النبي ذلك، حتى ينبهه جبريل، وذلك ممتنع في حقه أن يقوله من قبل نفسه عمدا وهو كفر، أو سهوًا وهو معصوم، وقد ثبت بالبراهين والإجماع عصمته من جريان ذلك على لسانه، أو قلبه، لا عمدا ولا سهوا، أو يكون للشيطان سبيل عليه في التبليغ، ولو جوزنا ذلك لذهبت الثقة بالأنبياء، ولوجد المارقون سبيلا للتشكيك في الأديان١. ووجه آخر لفساد هذه القصة: وهو أن الله تعالى ذم الأصنام في هذه السورة، وأنكر على عابديها، وجعلها أسماء لا مسمى لها، وما التمسك بأذيالها إلا أوهام وظنون، فلو أن القصة صحيحة: لما كان هناك تناسب بين ما قبلها وما بعدها، ولكان النظْم مفككا، والكلام متخاذلا، وكيف يقع مدح بين ذمين؟ بل كيف يجوز هذا ممن كمل عقله على كل العقول، واتسع في باب البيان ومعرفة الفصيح علمه؟ وكيف يطمئن إلى مثل هذا التناقض السامعون، وهم أهل اللسان والفصاحة، ومنهم أعداؤه الذين يتلمسون له الزلات والعثرات؟ ولو أن ما روي كان واقعا لشغب المعادون، وارتد الضعفاء من المؤمنين، ولقامت قيامة مكة، كما حدث في الإسراء، ولكن شيئا من ذلك لم يكن. ووجه ثالث: وهو أن بعض الروايات ذكرت أن فيها نزلت: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا، وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ٢، وهاتان الآيتان تردان الخبر الذي رووه؛ لأن الله ذكر: أنهم كادوا يفتنونه ولولا أن ثبته لكاد يركن إليهم، ومفاده: أن الله عصمه من أن يفتري، وثبته، حتى لم يكد يركن إليهم، فقد انتفى قرب الركون فضلا عن الركون، لمكان العصمة والتثبت، وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون، بل افترى بمدح آلهتهم وهذا ضد مفهوم الآيتين، وهو تضعيف للحديث لو صح، فكيف ولا صحة له؟ ولقد طالبته قريش وثقيف؛ إذ مر بآلهتهم أن يقبل بوجهه إليها، ووعدوه الإيمان به إن فعل، فما فعل، ولا كان ليفعل، فكيف يدعي المتخرصون أنه مدح أصنامهم؟ ومما يدل على افتعال القصة: ما ذكره الأستاذ الإمام الشيخ: محمد عبده في رده.

стр. 406

هذه الفرية، وهو أن وصف العرب لآلهتهم بالغرانيق لم يرد لا في نظمهم ولا في خطبهم، ولم ينقل عن أحد أن ذلك الوصف كان جاريا على ألسنتهم، إلا ما جاء في: "معجم ياقوت" من غير سند ولا معروف بطريق صحيح، والذي تعرفه اللغة: أن الغرنوق والغرانيق: اسم لطائر مائي أسود أو أبيض، ومن معانيه: الشاب الأبيض الجميل، ويطلق على غير ذلك "راجع القاموس"، ولا شيء من معانيه اللغوية يلائم معنى الإلهية والأصنام، حتى يطلق عليها في فصيح الكلام الذي يعرض على أمراء الفصاحة والبيان، ولا يجوز أن يكون هذا من قبيل المجاز، بتشبيه الأصنام والآلهة بالغرانيق؛ لأن الذوق الأدبي العربي يأبى ذلك. زعم مردود: وقد حاول أحد أعداء الدين، وهو "سيرموير" المستشرق؛ الذي طبل لهذه القصة وزمر، أن يدعمهما بما يزعم أنه صحيح، وهو ما روي أن النبي لما قال ذلك، تهادن المسلمون والمشركون، وترامى الخبر إلى مهاجري الحبشة، فرجعوا إلى وطنهم، وهو باطل، والسبب في رجوع مهاجري الحبشة، هو إسلام السيد الهمام: عمر بن الخطاب ﵁ فقد أعز الله به الإسلام، وقوى شوكة المسلمين، فخفف المشركون من غلوائهم مما رغب مهاجري الحبشة في الرجوع إلى وطنهم، وانضم إلى ذلك: حدوث ثورة في بلاد النجاشي، كان اعترافه بأن ما جاء به القرآن في عيسى وأنه عبد الله ورسوله حق مصدق لما جاء به الإنجيل، وإيواؤه المسلمين بعض أسبابها، فآثر المسلمون العودة على المقام بالحبشة، خشية أن يتطاير إليهم بعض الشرر والضرر. وإذا كانت القصة غير ثابتة من جهة النقل، وهي مخالفة للقرآن المتواتر، ومناقضة لما ثبت بالعقل، مع تعذر التأويل، فلا جرم أن التحقيق يدعوني إلى أن أصدع بأن حديث الغرانيق مكذوب مختلق وضعه الزنادقة، الذين يحاولون إفساد الدين والطعن في خاتم الأنبياء. وإذ قد انتهينا إلى هذه النتيجة الموفقة: فما معنى الآية حينئذ؟ وللإجابة عن ذلك: أذكر خلاصة ما ذكره الأستاذ الإمام في تفسيرها، وفي تفسيرها وجهان: الأول، أن.

стр. 407

التمني بمعنى القراءة١. إلا أن الإلقاء لا بالمعنى الذي ذكره المبطلون، بل بمعنى إلقاء الأباطيل والشبه مما يحتمله الكلام، ولا يكون مرادا للمتكلم، أو لا يحتمله، ولكن يدعي أن ذلك يؤدي إليه، وذلك من عمل المعاجزين، الذين دأبهم محاربة الحق، يتبعون الشبهة، ويسعون وراء الريبة، ونسبة الإلقاء إلى الشيطان حينئذ؛ لأنه مثير الشبهات بوساوسه، ويكون المعنى: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا حدث قومه عن ربه، أو تلا وحيا أنزل الله فيه هداية لهم، قام في وجهه مشاغبون يتقولون عليه ما لم يقله، ويحرفون الكلم عن مواضعه، وينشرون ذلك بين الناس، ولا يزال الأنبياء يجالدونهم ويجاهدون في سبيل الحق، حتى ينتصر، فينسخ الله ما يلقي الشيطان من شبه، ويثبت الحق، وقد وضع الله هذه السنة في الخلق ليتميز الخبيث من الطيب، فيفتتن ضعفاء الإيمان الذين في قلوبهم مرض، ثم يتمحص الحق عند أهله، وهم الذين أوتوا العلم، فيعلمون أنه الحق من ربهم، وتخبت له قلوبهم. ثانيا: أن التمني: المراد به تشهي حصول الأمر المرغوب فيه وحديث النفس بما كان ويكون، والأمنية من هذا المعنى: وما أرسل الله من رسول، ولا نبي ليدعو قومه إلى هدى جديد، أو شرع سابق إلا وغاية مقصوده، وجل أمانيه، أن يؤمن قومه، وكان نبينا من ذلك في المقام الأعلى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ ، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِين﴾ ، ويكون المعنى: وما أرسلنا من رسول ولا نبي، إلا إذا تمنى هذه الأمنية السامية، ألقى الشيطان في سبيله العثرات، وأقام بينه وبين مقصده العقبات ووسوس في صدور الناس، فثاروا في وجهه، وجادلوه بالسلاح حينا وبالقول حينا آخر، فإذا ظهروا عليه والدعوة في بدايتها، ونالوا منه وهو قليل الأتباع، ظنوا أن الحق في جانبهم، وقد يستدرجهم الله جريا على سنته، يجعل الحرب بينهم وبين المؤمنين سجالا، فينخدع بذلك الذين في قلوبهم شك ونفاق، ولكن سرعان ما يمحق الله ما ألقاه الشيطان من الشبهات، وينشيء من ضعف أنصار الآيات قوة، ومن ذلهم عزة، وتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى ليعلم

стр. 408

الذين أوتوا العلم أن ما جاء به الرسل هو الحق، فتخبت له قلوبهم، وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم، هذا هو الحق، وما عدا ذلك فهو باطل.

стр. 409

٣- إبطال ما ورد في قصة السيدة زينب بنت جحش ﵂: ومن ذلك: ما ذكره بعض المفسرين في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ١. فقد روي عن قتادة وابن زيد٢ أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بيت زيد في غيبته، فرأى زينب في زينتها. وفي رواية: أن الريح كشفت عن ستر بيتها، فرآها في حسنها، فوقع حبها في قلبه فرجع وهو يقول: سبحان الله العظيم، سبحان مقلب القلوب، فلما حضر زيد أخبرته بكلام رسول الله، فذهب زيد، وقال: بلغني أنك أتيت منزلي، فهلا دخلت يا رسول الله، لعل زينب أعجبتك، فأفارقها، فقال له رسول الله: أمسك عليك زوجك، واتق الله، فنزلت الآية، وقد ذكر هذا السبب في تفسير الجلالين، وفسر المفسر الجلال الآية على هذه الرواية، فيقول: وتخفي في نفسك ما الله مبديه تظهره من محبتها وأن لو فارقها زيد تزوجتها، وذكر مثله الزمخشري، والنسفي، وابن جرير، والثعلبي، وغيرهم، إلا ان ابن جرير ذكر بجانب هذا الباطل المدسوس رواية تتفق مع الواقع والحق، وذكر مثل هذه الروايات الباطلة، التي ليس لها من شاهد من نقل ولا عقل، غفلة شديدة، وإن كان من أبرز سنده تبعته أخف، وهذه الرواية إنما هي من وضع أعداء الدين، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم متهم بالكذب، والتحديث بالغرائب، ورواية الموضوعات، ولم يذكر هذا إلا المفسرون والإخباريون المولعون بنقل

стр. 410

كل ما وقع تحت أيديهم من غث أو سمين، ولم يوجد شيء من ذلك في كتب الحديث المعتمدة التي عليها المعول عند الاختلاف، والذي جاء في الصحيح يخالف ذلك، وليس فيه هذه الرواية المنكرة، روى البخاري في صحيحه، عن أنس بن مالك، أن هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾ : نزلت في شأن زينب ابنة جحش، وزيد بن حارثة واقتصر على هذا القدر، وليس فيه شيء من هذا الخلط، وقال الحافظ ابن حجر بعد ذكر رواية قتادة: "ووردت آثار أخرى، أخرجها ابن أبي حاتم، والطبري، ونقلها كثير من المفسرين، لا ينبغي التشاغل بها، وما أوردته هو المعتمد"، وهذه شهادة لها قيمتها، والذي أورده هو ما أخرجه ابن أبي حاتم عن طريق السدي، في هذه القصة، فساقها سياقا واضحا حسنا، ولفظه: بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب: عمة رسول الله، وكان رسول الله أراد أن يزوجها زيد بن حارثة مولاه، فكرهت ذلك، ثم رضيت بما صنع رسول الله، فزوجها إياه، ثم أعلم الله نبيه بعد، أنها من أزواجه، فكان يستحيي أن يأمر بطلاقها، وكان لا يزال بين زيد وزينب ما يكون بين الناس، فأمره رسول الله أن يمسك عليه زوجه، وأن يتقي الله، وكان يخشى أن يعيب عليه الناس، ويقولوا: تزوج امرأة ابنه، وكان قد تبنى زيدا. وهو السبب الصحيح، وروى ابن أبي حاتم أيضا، والطبري، كلٌّ بسنده عن علي ابن الحسين بن علي، قال: أعلم الله نبيه أن زينب ستكون من أزواجه، قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد يشكوها، وقال له: "اتق الله، وأمسك عليك زوجك"، قال الله: قد أخبرتك أني مزوِّجُكَها، وتخفي في نفسك ما الله مبديه١، وقال ابن كثير في تفسيره٢ عند قول الله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ : "ذكر ابن أبي حاتم وابن جرير ههنا أثارا عن بعض السلف ﵃ أحببنا أن نضرب عنهم صفحًا؛ لعدم صحتها فلا نوردها". التفسير الصحيح للآية: وهاك تفسير الآية الذي يساير روحها ونصها، وتشهد له الروايات الصحيحة، وتتجلى

стр. 411

فيه حكمة الله العالية؛ ذلك: أن العرب كان من عادتها التبني، وكانت تلحق الابن المتبنى بالعصبي، وتجري عليه حقوقه في الميراث، وحرمة زوجته على من تبناه، وكانت تلك العادة متأصلة في نفوسهم، كما كان كبيرا أن تتزوج بنات الأشراف من موالٍ، وإن أعتقوا، وصاروا أحرارا طلقاء، فلما جاء الإسلام، كان من مقاصده: أن يزيل الفوارق بين الناس التي تقوم على العصبية، وحمية الجاهلية، فالناس كلهم لآدم وآدم من تراب، وأن يقضي على حرمة زوجة الابن المتبنى، وقد شاء الله أن يكون أول عتيق يتزوج بعربية في الصميم من قريش هو زيد، وأن يكون أول سيد يبطل هذه العادة -حرمة زوجة الابن المتبنى- هو رسول الله، وما على بنات الأشراف أن يتزوجوا بأزواج أدعيائهم، وقد قضوا منهن وطرا، وإمام المسلمين، ومن يصدع بأمر الله، قد فتح هذا الباب، وتزوج حليلة متبناه بعد فراقها، وقد كان كل ما أرد الله، فرسول الله يخطب زينب لزيد، فتأبى، ويأبى بعض أهلها، ويكرر رسول الله الطلب، وينزل الوحي بذلك: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ فلم يبقَ إلا الإذعان من زينب وأهلها، ولكن زيدا وجد منها تعاظما، فيرغب في فراقها، ويستشير الرسول، فينصحه بإمساكها، وكان جبريل قد أخبر رسول الله بأن زينب ستكون زوجة له، وسيبطل الله بزواجه منها هذه العادة، ولكن النبي وجد غضاضة على نفسه أن يأمر زيدا بطلاقها، ويتزوجها من بعد، فتشيع المقالة بين الناس، أن محمدا تزوج حليلة ابنه، وبذلك: يصير عرضة للقيل والقال من أعدائه، وهو في دعوته إلى دين الله أحوج إلى تأييد المؤيدين، فهذا المقدار من خشية الناس حتى أخفى ما أخبره الله به -وهو نكاحها- هو ما عاتبه الله عليه، وقد صرح الله في كلامه بالسبب الباعث على هذا الزواج فقال: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ، هذا هو التفسير الذي يتفق مع الحق والواقع. وقد نسج المستشرقون، والمبشرون، أعداء الدين، من تلك الروايات المختلقة الواهية

стр. 412

ثوبا من الكذب والخيال، وصوروا السيدة زينب وقد رآها النبي الطاهر، كما يصور الشباب الطائش إحدى غادات المسرح، وطعنوا في غير مطعن، فالروايات ليس لها أساس من الصحة فبناؤهم على غير أساس. يقول الدكتور هيكل في "حياة محمد"١: ويطلق المبشرون والمستشرقون لخيالهم العنان، حين يتحدثون عن تاريخ محمد في هذا الموضوع، حتى ليصور بعضهم زينب ساعة رآها النبي، وهي نصف عارية أو تكاد، وقد انسدل ليل شعرها على ناعم جسمها، الناطق بما يكنيه من كل معاني الهوى، وليذكر آخرون: أنه حين فتح باب بيت زيد لعب الهواء بأستار غرفة زينب، وكانت ممدودة على فراشها في ثياب نومها، فعصف منظرها بقلب هذا الرجل الشديد الولع بالمرأة ومفاتنها، فكتم ما في نفسه، وإن لم يُطِقِ الصبر على ذلك طويلا!! وأمثال هذه الصور التي أبدعها الخيال كثير، تراه في موير وفي درمنجم وفي واشنطن ارفنج، وفي لامنس. وغيرهم من المستشرقين والمبشرين. وثمة حجة دامغة تذهب بالقصة من أساسها، فالسيدة زينب هي: بنت أميمة بنت عبد المطلب، بنت عمة رسول الله، وقد ربيت على عينه، وشهدها وهي تحبو، ثم وهي شابة، وله بحكم صلة القرابة معرفة بها، وبمفاتنها، ولا سيما: والنساء كن يبدين من محاسنهن ما حرم الإسلام منه بعد، وهو الذي خطبها على زيد مولاه، وكرر الطلب، حتى استجيب له، روى ابن مردويه عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ لزينب: إني أريد أن أزوجك زيد بن حارثة، فإني قد رضيته لك، قالت: لكني لا أرضاه لنفسي، وأنا أيم قومي، وبنت عمتك، فنزلت الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ قالت: قد أطعتك، فاصنع ما شئت، فغير معقول، والحال كما ذكرت، ألا يكون شاهدها، فلو كان يهواها، أو وقعت من قلبه، فأي شيء كان يمنعه من زواجها، وإشارة منه كافية؛ لأن يقدموها له وما ملكت؟ فمثله وهو في الذروة من قريش نسبا وخلقا ودينا، ما كان يُقدَع أنفه٢. ومن بعد ذلك، فحياة رسول الله من.

стр. 413

صباه إلى كهولته إلى أن توفي ترد هذه الفرية؛ فحياته لم تكن حياة حب واستهتار، ولا عرف عنه أنه كان زير نساء، ولا صريع الغواني؛ وإنما كانت حياة الشرف والكرامة، ما عرفت الدنيا أطهر ذيلا منه، ولا أعف منه، ولا لمست يده قط يد امرأة لا تحل له بشهوة، وكيف يكون على هذا الحال الذي افتروه من خاطبه من يعلم السر وأخفى، بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم﴾ ، ولو كان رسول الله صاحب هوى، أو غرام لأشبع رغبته وهو في ميعة الصبا وشرخ الشباب، أيام أن كان الغيد الكواعب من بنات الأشراف تشرئب أعناقهن إلى أن يكن حليلات له، ولكنه قضى شبابه مع سيدة تزيد على الأربعين، ورضيها زوجا له، حتى توفاها الله، ومهما قيل في جمالها: فهناك غيرها من الأبكار الشابات من يفقنها في الجمال، وللأبكار ما لهن من جاذبية وروعة، ومن قضى بغير ذلك: فقد خالف سنة الله في الفطرة، واتبع شواذ العادات. ولم يكن زواج رسول الله بزوجاته إلا لحكم ومقاصد سامية: فزواجه بعائشة وحفصة توكيد للعلاقة بينه وبين وزيريه، وزواجه بالسيدتين، سودة وزينب بنت عبد الله تكريم لهما، وللعقيدة القوية في شخص زوجيهما١، وزواجه بالسيدة أم سلمة جبر لكسرها، وتعويض لها عن فقد عائلها، وعرفًا لتضحياتها وتضحيات السيد أبي سلمة زوجها، ومهما قيل في أم سلمة، وأنها كانت ذات جمال في شبابها؛ فقد كان في كبر سنها وما مرت به من أحداث جسام، من الهجرة إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وما أنجبت من أولاد، وما رزئت به في فقد الرجل الذي ما كانت تظن أن هناك من هو خير منه. لقد كان في كل ذلك ما يذوي بهذا الجمال، إن لم يذهب به، ثم أليس في غيرها من بنات المهاجرين والأنصار الأبكار من تفوقها جمالا، وشبابا، وثروة، ونضرة؟!. وزواجه بالسيدة: أم حبيبة بنت أبي سفيان حفظ لها من الضيعة وهي في بلاد نائية عن بلادها، فقد تنصر زوجها: عبيد الله بن جحش ومات على نصرانيته، وثبتت هي على إيمانها، وتحملت آلام الوحدة والغربة؛ فلم يكن ثم شيء أجمل مما صنعه الرسول

стр. 414

معها، وقد تزوجها النبي وهي بالحبشة ولم يدخل بها إلا عام سبع بعد خيبر فكيف يكون هذا حال من أولع بالنساء، وصار همه إشباع رغباته الشهوانية ونهمه الجنسي؟!. وزواجه بالسيدة: زينب بنت جحش؛ لإبطال هذه العادة، ويطول بي القول لو استقصيت الحكم في زواجه ﷺ فلذلك مقام آخر. والعجب من هؤلاء الطاعنين إذا وقعوا على ما يشفي غليلهم من باطل الروايات، تمادوا في قلب الحقائق، وأنكروا عقولهم، وتجاهلوا الظروف والملابسات، والبيئة، وأحكامها، والعادات وسلطانها إلى غير ذلك مما يتفيهقون به، بينما يطيشون بالحكم على روايات في غاية الصحة بأنها موضوعة ولا حامل لهم في الحالين إلا الهوى والتعصب. وبعد: فإذا كانت القصة كما رأيت، لا سند لها من جهة النقل، وحياة رسول الله ﷺ تكذبها، وطبيعة البيئة التي جرت فيها تجلت أصولها، فلم يبقَ إلا أنها موضوعة.

стр. 415

سبب نزول مشهور على الألسنة وهو موضوع ... ٤- سبب نزول مشهور على ما هو موضوع: ومن ذلك ما يذكره غالب المفسرين في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ ؛ فقد روي عن ابن عباس، أن الحسن والحسين مَرِضَا، فعادهما جدهما رسول الله، ومعه أبو بكر وعمر، وعادهما من عادهما من الصحابة، فقالوا لعلي كرم الله وجهه: لو نذرت على ولديك، فنذر علي، وفاطمة، وجارية لهما إن برءا أن يصوموا ثلاثة أيام شكرًا لله، فألبس الله الغلامين ثوب العافية، فاستقرض سيدنا علي ثلاثة آصع، فجاء بها، فقامت السيدة فاطمة إلى صاع، فطحنته، وخبزت منه خمسة أقراص على عددهم، فوقف بالباب سائل، فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، أنا مسكين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة، فآثروه، وباتوا لم يذوقوا شيئا، وفي اليوم الثاني: جاء يتيم فأعطوه الأقراص الخمسة كذلك، وفي اليوم الثالث: جاء أسير فعل مثل الأولين، وقد اشتمل الخبر على شعر ركيك، فهبط جبريل على النبي، فقال: خذها يا محمد، فأقرأه: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ السورة. وقد أخرج هذا الخبر معظم المفسرين، ويكاد لم يسلم تفسير منه، حتى إن الحافظ السيوطي ذكره في: "الدر" مع أنه وافق على ضعفه في اللآلئ: وقد نبه على وضعه: الحكيم الترمذي، والحافظ ابن الجوزي، وابن حجر في:

стр. 416

"التخريج"، وقال: آثار الوضع لائحة عليه لفظا ومعنى، فبناء سيدنا علي بالسيدة فاطمة كان بالمدينة في السنة الثانية، مع أن السورة مكية، كما روي عن ابن عباس والجمهور١، فليس من المعقول أن يكون هذا هو السبب، ومن العجيب: أن الإمام الآلوسي قد حاول إثبات الخبر بالخلاف في مكيتها ومدنيتها، وبأن ابن الجوزي متساهل في الحكم بالوضع. ومعظم التفاسير ذكرت هذا السبب؛ لأن الحكم بوضعه يخفي إلا على الحافظ الناقد البصير.

стр. 417

٥- سبب نزول عليه أثر العصبية السياسية: ومن ذلك: ما يذكره بعض المفسرين في سبب نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر﴾ ، قال السيوطي في "الدر المنثور": أخرج الترمذي، وضعفه، وابن جرير، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن يوسف بن مازن الرؤاسي، قال: قام رجل إلى الحسين بن علي، بعدما بايع معاوية، فقال: سودت وجوه المؤمنين، فقال: لا تؤنبني رحمك الله؛ فإن النبي رأى بني أمية على منبره، فساءه ذلك فنزلت: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ، ونزلت: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ،﴾ يملكها بنو أمية، يا محمد، وقد حكم عليه ابن الجوزي بالوضع، وقال فيه ابن كثير: إنه منكر جدا، وحكم ببطلان هذا التأويل أيضًا ابن جرير في تفسيره، حيث قال بعدما ذكر هذا الحديث ضمن أقوال ذكرها، قال: وأشبه الأقوال بظاهر التنزيل من قال: عمل في ليلة القدر خير من عمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وأما الأقوال الأخر، فمعانٍ باطلة لا دلالة عليها من خبر ولا عقل، ولا هي موجودة في التنزيل١، وهذا الحديث معناه غير صحيح، فإن معاوية بن أبي سفيان ﵁ استقل بالملك حين سلم إليه الحسن سنة ٤٠هـ، واستمر ملكهم إلى سنة ١٣٢هـ، لم يخرج ملكهم إلا الحرمان، والأهواز، مدة ابن

стр. 418

الزبير وهي تسع سنين، وخروج بعض الجهات عن ملكهم في هذه المدة لا يكون مبررا لإنقاصها من ملكهم، فمدتهم إذًا: اثنان وتسعون عاما، وهي أكثر من الألف، ولو سلمنا إنقاص مدة ابن الزبير، فمدتهم لا توافق الألف وإن كانت تقرب منها فالحديث المزعوم كيفما حملناه فمعناه غير صحيح، مع أن لوائح الوضع ظاهرة عليه، والترمذي قال فيه: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث القاسم، وهو ثقة، وشيخه مجهول، والبلاء غالبا من المجاهيل، ومما يوهن الحديث ويدل على وضعه أنه سيق لذم دولة بني أمية، ولو أريد ذلك لم يكن بهذا السياق، فإن تفضيل ليلة القدر على أيامهم لا يدل على ذم أيامهم، وأيضا: فإن ليلة القدر شريفة، والسورة الكريمة نزلت لبيان شرفها، فكيف تمدح بتفضيلها على أيام بني أمية، وهي مذمومة بمقتضى هذا الحديث، فالحديث لا يعطي ما أراده الواضع من ذم أيامهم، كما يعارض ما دلت عليه السورة من شرف هذه الليلة، مما لا ينبغي أن يختلف فيه اثنان وقديما قيل: ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصا

стр. 419

ما ذكره بعض المفسرين في تأييد رأي أو بيان معنى: "المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء " فمن ذلك ما ذكره الزمخشري في كشافه، وتابعه النسفي في تفسيره، عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ١. ويحكى أن الرشيد كان له طبيب نصراني، حاذق فقال لعلي بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان: علم الأديان، وعلم الأبدان، فقال له: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابه، فقال: وما هي؟ قال، قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ ، فقال النصراني: ولا يؤثر عن رسولكم شيء في الطب؟ فقال: قد جمع رسولنا ﷺ الطب في ألفاظ يسيرة، فقال: وما هي؟ قال: في قوله: "المعدة بيت الداء، والحمية٢ رأس الدواء، واعط

стр. 420

كل بدن ما عودته" فقال النصراني: ما ترك كتابكم، ولا نبيكم لجالينوس طبا أقول: ولئن أصاب في الآية، فقد أخطأ في ذكره الحديث؛ فإنه ليس من كلام النبي ﷺ وإنما هو من "كلام الحارث بن كلدة" "طبيب العرب١، فنسبته إلى النبي كذب واختلاق عليه، نعم هناك من قول النبي ﷺ ما أهو أدق وأوفى من هذا، وهو قوله ﷺ : "ما ملأ ابن آدم وعاء شراء من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات -أي لقيمات- يقمن صلبه، فإن كان ولا بد، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه"، رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وقد كان الإمام البيضاوي على حق حينما ذكر القصة التي ذكرها الزمخشري، ولكنه اكتفى بالآية، ولم يذكر الحديث، فقد علمت أنه ليس من كلامه ﷺ .

стр. 421

٧- حديث: أنا "ابن الذبيحين ": ومن ذلك: ما ذكره الزمخشري في كشافه، وتبعه النسفي في تفسيره، وغيرهما، عند قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِين﴾ الآيات١ فقد ذكرا في الاستدلال على أن الذبيح: إسماعيل؛ ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: "أنا ابن الذبيحين" يعني جده الأعلى: إسماعيل، وأباه: عبد الله بن عبد المطلب. وهذا الحديث لا يثبت عند المحدثين، قال الإمامان: الزيلعي، وابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف: لم نجده بهذا اللفظ، وقال الحافظ العراقي: إنه لم يقف عليه، ولا يعرف بهذا اللفظ، وأما حديث الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ طالبا العطاء: فقال فيما قال: "فعد علي مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين، فتبسم رسول الله ﷺ ولم ينكر عليه"، فهو حديث حسن، بل صححه الحاكم، وقد ورد من طرق عدة يقوي بعضها بعضا٢.

стр. 422

٨- تفسير شيعي: ومن ذلك ما ذكره بعض المفسرين: كابن جرير في تفسيره، والسيوطي في: "الدر المنثور" ومفسروا الشيعة في تفاسيرهم، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ ١ فقد فسروا المنذر: بالنبي ﷺ ، والهادي بأنه علي ﵁، والجمهور من المفسرين سلفا وخلفا على أن المنذر والهادي هو رسول الله وكذلك ما روي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَة﴾ ٢ من أن المراد بها: أذن علي، فقد رووا: أن النبي صلى الله عليهوسلم لما نزلت الآية أخذ بأذنه وقال: "هي أذنك يا علي"، وفي رواية: "اللهم اجعلها أذن علي"، وهما موضوعان كما نبه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وغيره من الأئمة.

стр. 423

٩- بعض القراءات الموضوعة: ومن الموضوعات التي اشتملت عليها بعض كتب التفسير: كالزمخشري، والنسفي، القراءات الشاذة التي تنسب إلى الإمام أبي حنيفة، وهو بريء منها، ولكنها اختلفت وقد بين ذلك الإمام الخطيب في تاريخه، والإمام الذهبي في: طبقات القراء"، وابن الجزري في "الطبقات" أيضا. وواضعها هو: محمد بن جعفر الخزاعي، المتوفى سنة سبع وأربعمائة ونقلها عنه أبو القاسم الهذلي، قال الذهبي في الميزان في ترجمة: "محمد بن جعفر" هذا: ألف كتابا في قراءة الإمام أبي حنيفة، فوضع الدارقطني خطه عليه، بأن هذا موضوع لا أصل له، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءَ﴾ برفع لفظ الجلالة، ونصب لفظ العلماء، وإذا كانت موضوعة فلا حاجة للتكلف بتصحيح معناها كما فعل الزمخشري في تفسيره١.

стр. 424

خاتمة الكتاب: ١- ها أنذا قد انتهيت ولله الحمد من هذا الكتاب الذي نرجو أن ينفع الله به المسلمين، وأن يبصرهم بحقيقة كتاب ربهم، ويوقفهم على الدخيل الذي دخل كتب التفاسير، وكان جناية على الإسلام والمسلمين. ولست أدَّعِي أني استقصيت كل ما في كتب التفسير من إسرائيليات وموضوعات، فذلك يحتاج إلى عمل طويل، وجهد جهيد، ولكنني ولله الحمد والمنة قد وفقت إلى التنبيه إلى معظمها، والكثير منها، ولا سيما ما يخل بتوحدي الله وصفاته، أو ما يطعن في عصمة الأنبياء، أو ما يصادم الحقائق العلمية، أو ما يباين المعقول، أو يخالف الصحيح من المنقول. ولن يكون هذا بآخر المطاف في هذا الموضوع المهم الخطير، ولكني سأتابع الدرس، والسهر، والبحث والتنقيب، حتى آتي على آخر المستطاع من الإسرائيليات والموضوعات إن شاء الله تعالى. ٢- لقد بذلت غاية الجهد، في الوصول إلى الحق والصواب، ولم يكن من شأني -عَلِمَ اللهُ- التساهل أو التسرع، وإنما كان دأبي التثبت والتروي، ثم التروي، حتى يطمئن قلبي، وينشرح صدري، وترتاح نفسي إلى ما وصلت إليه. ومن الحق والإنصاف أن أقول: إن الكثير مما وصلت إليه قد تنبه إليه العلماء المحققون، والأئمة الحفاظ النقاد المتقنون، من سلف هذه الأمة الإسلامية الخالدة، التي تكفل الله ﷻ بأن يبعث لها على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها. وقد حرصت على أن أبين سلفي من العلماء فيما قلته، فلست ممن يستسمي بما ليس فيه، ولا ممن يجحد فضل علمائنا من سلف الأمة، وخلفها، ولست أيضا ممن يرتفع على أنقاض غيره، وجحود فضل غيره، ومن المؤسف: أن هذه اللوثة قد أصبحت سمة من سمت الكثيرين من الباحثين، والكاتبين، والمؤلفين في هذا العصر الأخير، ورحم الله امرءا عرف قدر نفسه، وأما ما اختلف فيه بعض الأئمة الكبار بالإثبات، والنفي، والحكم بالوضع، وعدم الوضع، كقصة هاروت وماروت، وقصة الغرانيق مثلا، فقد

стр. 425

سلكت فيه مسلك الترجيح من إبداء الحجة والبرهان، مهتديا في ذلك بقولة الإمام الكبير إمام دار الهجرة: "مالك بن أنس" رحمه الله تعالى: "كل أحد يؤخذ منه ويرد عليه، إلا صاحب هذا المقام"، وأشار إلى قبر النبي ﷺ ، فقد خالفت فيهما رأي إمامين كبيرين: الإمام الحافظ ابن حجر، والإمام الحافظ السيوطي على جلالتهما، والحق في الإسلام لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف الرجال بالحق، ورضي الله ﵎، عن سيدنا علي حيث قال: اعرف الحق تعرف أهله، وحسبي في كلا الحالين: ما وافقت فيه، وما خالفت أني مجتهد، والمجتهد مأجور؛ أصاب أم أخطأ، وصدق المبلغ عن رب العالمين ﷺ حيث قال: "إذا اجتهد الحاكم، ثم أصاب فله أجران، وإذا اجتهد ثم أخطأ فله أجر" رواه مسلم في صحيحه. ٣- لم يكن من خلقي إذا ما خالفت عالما مهما كان رأيه، أو مرويه، أن أتطاول عليه، أو أجهل؛ فليس ذلك من خلق العلماء في الإسلام وإنما هو من سمات الأدعياء، المغرورين العاجزين، وإنما كان ديدني: النقد الذاتي، الموضوعي، فأقابل الحجة -إن كانت- بالحجة، والبرهان بالبرهان، والشبهة بالحق واليقين؛ لأن علماءنا وأئمتنا الأوائل -عفا الله عنا وعنهم- حسناتهم أكثر بكثير من سيئاتهم -إن كانت- وصوابهم أوفى من خطئهم، وحقهم أعظم بكثير من باطلهم، وهم ليسوا بمعصومين، وإنما العصمة لله ولرسله الكرام. فمن ثم كنت رفيقًا غاية الرفق بالمفسرين الذين ذكروا الإسرائيليات والموضوعات في تفاسيرهم من غير تنصيص عليها، وكنت أغلِّب جانب الاعتذار عنهم، على جانب التثريب، والاستنكار، كما كنت في غاية الأدب مع الصحابة والتابعين الذين رووا هذه المرويات وحاولت الاعتذار عنهم غير مرة بأنهم إما رووها تحسينا للظن برواتها فيما هو محتمل للصدق والكذب، أو رووها، ولم ينبهوا إلى ما فيها من أكاذيب وخرافات، وأباطيل اعتمادا على ظهور ذلك لقارئها، أو أنهم رووها على سبيل الاستنكار لما فيها، ولكن الراوي عنهم لم ينقل لنا ذلك، أو أن هذه المرويات قد دست عليهم فيما دس في المرويات في الإسلام ومحاولة الاعتذار عنهم هو الأليق بأهل القرون الفاضلة الأولى بشهادة النبي ﷺ -
следующие страницы →