من أنواع الشرك في الألوهية والتعبد:
ثالثا: شرك النية والإرادة والقصد
أولا: المراد بهذا النوع
هو أن ينوي العبد ويريد ويقصد بعمله جملة وتفصيلا غير الله .
أو هو العمل الصالح للدنيا فقط. أو هو الذي يعمل العمل من غير إيمان، أو كان غرضه وهدفه الحياة الدنيا فقط١؛ فمن كان غرضه الدنيا لا غير، لا يريد إلا إياها، ولا يحب ولا يبغض إلا من أجلها، ولا يوالي ولا يعادي إلا عليها؛ فليس له في الدنيا إلا ما قدر لهن وهو في الآخرة من أهل النار.
ثانيا: دليل هذا النوع
يدل على هذا النوع قول الله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥-١٦] ؛ فهؤلاء لم يعملوا إلا للحياة الدنيا وزينتها فقط؛ فليس لهم في الآخرة ثواب؛ لأنهم لم يريدوا بعملهم الآخرة، وإنما أرادوا الدنيا٢.
من أنوع الشرك في الألوهية والتعبد:
رابعا: شرك الطاعة
تمهيد:
سبق أن ذكرنا أن توحيد الألوهية يعني: إفراد الله بالعبادة٣. ومن العبادة: الخضوع له في الحكم، وتنفيذ أوامره ظاهرا وباطنا٤، كما قال سبحانه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠] ؛ فالحكم حق له.
ولا يتم الإيمان إلا بتحكيم شرع الله ، كما قال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] .
стр. 107
أولا: تعريفه
يعرف شرك الطاعة بأنه: مساواة غير الله بالله في التشريع والحكم١. أو طاعة العلماء والأمراء في المعصية، مع استحلال ذلك٢؛ فكل من أطاع مخلوقا في تحريم الحلال، أو تحليل الحرام؛ فهو مشرك شرك طاعة. يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: إن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلوات الله وسلامه عليهم، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم٣.
ثانيا: من أدلة هذا النوع
يدل لهذا النوع أدلة كثيرة؛ منها:
١- قول الله : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] ؛ فهؤلاء اتخذوا علماءهم، ومشايخهم وقراءهم سادة لهم من دون الله، يطيعونهم في معاصي الله، فيحلون ما أحلوه لهم مما قد حرمه الله عليهم، ويحرمون ما يحرمونه عليهم، مما قد أحله الله لهم٤.
٢- عن عدي بن حاتم ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] ؛ فقال لرسول الله ﷺ : إنا لسنا نعبدهم! قال ﷺ : "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه"؟ قال عدي: بلى.
فقال رسول الله ﷺ : "فتلك عبادتهم" ٥.
٣- قول الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] ؛ فسمى سبحانه الاحتكام إلى غير شرعه تحاكما إلى الطاغوت٦.
стр. 108
٤- قول الله : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] ؛ فنفى الإيمان عن المعرضين عن الاحتكام إلى شرعه، وأقسم بنفسه أنه لن يؤمن أحد حتى يحكم بما جاء به الرسول ﷺ ، وحتى ينتفي عن صدره الضيق والحرج من ذلك.
ثالثا: من الأمثلة على هذا النوع
١- الطاعة في تحكيم القوانين الوضعية بدلا من الشريعة الإسلامية، والاحتكام إليها.
٢- الطاعة في تحليل ما علم تحريمه من دين الإسلام بالضرورة؛ مثل الربا، والزنا، والتبرج، والسفور، والقمار، ونحو ذلك من سائر المعاملات المنصوص على تحريمها، ولا مجال للاجتهاد فيها.
٣- الطاعة في تحريم ما أحل الله وأباحه؛ مثل أكل اللحوم، وتعدد الزوجات، والملكية الفردية، وغير ذلك.
وعن هذه الأمثلة يقول الشيخ الشنقيطي ﵀: الحلال هو ما أحله الله، والحرام هو ما حرمه الله، والدين هو ما شرعه الله؛ فكل تشريع من غيره باطل، والعمل به بدل تشريع الله -عند من يعتقد أنه مثله، أو خير منه-، كفر بواح، لا نزاع فيه"١.
خاتمة لهذا النوع:
علماء الأمة الإسلامية اتفقوا على أن الحكم لله وحده؛ لأنه المالك للخلق وحده؛ فله الحكم والأمر فيهم بما شاء.
يقول الإمام أبو حامد الغزالي ﵀: "أما استحقاق نفوذ الحكم؛ فليس إلا لمن له الخلق والأمر. فإنما النافذ حكم المالك على مملوكه، ولا مالك إلا الخالق ، فلا حكم ولا أمر إلا له. أما النبي ﷺ ، والسلطان، والسيد، والأب، والزوج، فإذا أمروا وأوجبوا، لم يجب شيء بإيجابهم، بل بإيجاب الله تعالى طاعتهم؛ لولا ذلك لكان كل مخلوق أوجب على غيره شيئا، كان للموجب عليه أن يقلب عليه الإيجاب؛ إذا ليس أحدهما أولى من الآخر.
فإذا: الواجب طاعة الله تعالى، وطاعة من أوجب الله طاعته٢.
стр. 109
من أنواع الشرك في الألوهية والتعبد:
خامسا: شرك المحبة
تمهيد:
سبق أن شكرنا أن العبادة تقوم على ثلاثة أركان، أحدها المحبة١. وهي محبة العبودية التي تستلزم الذل لله، والخضوع له، وتعظيمه، ومال طاعته، وإيثاره على غيره .
وهذه المحبة هي المحبة الواجبة؛ إذ المحبة ثلاثة أنواع:
أولا: أنواع المحبة: المحبة ثلاثة أنواع:
١- محبة واجبة: وهي التي سبقت الإشارة إليها؛ محبة طاعة الله، والانقياد له٢؛ وهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع، وكمال الطاعة، وإيثار المحبوب على غيره؛ فهذه المحبة خالصة لله، لا يجوز أن يشرك معه فيها أحد٣.
٢- محبة محرمة، أو شركية: وهي صرف تلك المحبة الواجبة لله ، إلى غيره؛ فمن أحب غير الله حب ذل وخضوع، فقدم طاعته على طاعة الله، وآثر محابه على محاب الله، فقد جعله ندا لله.
وعنها يقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: إن من اتخذ ندا تساوي محبته محبة الله، فهو الشرك الأكبر٤. وهذه المحبة: قليلها وكثيرها ينافي في محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم٥.
٣- محبة طبيعية، أو جبلية: وهذه مباحة، ما لم تصل إلى تعظيم المحبوب إلى الحد الذي لا يليق إلا بالله . ومن أمثلة هذه المحبة: حب الإنسان لوطنه، والوالد لولده، والزوج لزوجه، وذي المال لماله، وغير ذلك. وعنها يقول مولانا : ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤] .
ثانيا: كيف يقع الشرك في المحبة؟ تقدم أن الإنسان إذا صرف المحبة الواجبة لله ، لغير الله ، فقد اشرك في المحبة.
стр. 110
ثالثا: دليل هذا النوع: من الدلة على هذا النوع: قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: من الآية ١٦٥] . وقد تقدم معناها١.
شبهة والرد عليها:
يعترض بعض الواقعين في هذا النوع من الشرك: بأنهم يحبون الله حبا شديدا، ربما أشد من حبهم لأندادهم، فأين الشرك في ذلك؟.
وعلى شبهتهم هذه رد العلامة ابن القيم ﵀ بقوله: وترى المشرك يكذب حاله وعمله قوله؛ فإنه يقول: لا نحبهم كحب الله، ولا نسويهم بالله، ثم يغضب لهم ولحرماتهم إذا انتهكت أعظم مما يغضب لله، ويستبشر بذكرهم، ويتبشبش به، سيما إذا ذكر عنهم ما ليس فيهم؛ من إغاثة اللهفان، وكشف الكربات، وقضاء الحاجات، وأنهم الباب بين الله وبين عباده؛ فإنك ترى المشرك يفرح، ويسر، ويحن قلبه، وتهيج منه لواعج التعظيم والخضوع لهم والموالاة، وإذا ذكرت له الله وحده، وجردت توحيده، لحقته وحشتة، وضيق، وحرج، ورماك بنقص الإلهية التي له، وربما عاداك٢.
من أنواع الشرك في الألوهية والتعبد:
سادسا: شرك الخوف
تمهيد:
سبق أن ذكرنا أن العبادة تقوم على ثلاثة أركان، أحدها الخوف٣. وهو عبدية القلب التي لا يجوز تعلقها بغير الله ؛ فيخاف العبد مولاه أن يصيبه بما يشاء من العقوبات، والمصائب، والأوصاف؛ ويخاف مما توعد به العصاة في الآخرة من النكال والعذاب.
وهذا هو الخوف الواجب صرفه لله ، ولا يجوز أن يصرف لكائن من كان سوى الله ﷻ .
أنواع الخوف: الخوف أنواعه ثلاثة، كما المحبة:
١- خوف واجب: وقلنا هو الخوف من الله أن يصيبك بما يشاء والمطلوب فيه:
стр. 111
أن يحملك على فعل المأمورات، واجتناب المنهيات والمحظورات. وهذا الخوف يجب أن يكون مقترنا بالرجاء والمحبة؛ بحيث لا يكون خوفا باعثا على القنوط من رحمة الله، أو اليأس من روح الله ؛ فالمؤمن يسير إلى الله بين الخوف والرجاء؛ بحيث لا يذهب مع الخوف فقط حتى يقنط من رحمة الله، ولا يذهب مع الرجاء فقط حتى يأمن من مكر الله؛ لأن القنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله ينافيان التوحيد. قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] "١.
٢- خوف طبيعي٢: وهو الخوف مما يخاف منه طبعا؛ كالخوف من السبع، كالأسد ونحوه، والعدو المبغت، وغير ذلك، مع اعتقاد أن النفع والضر بيد الله وحده. وهذا الخوف مباح، وهو غير مذموم. وقد وقع لموسى ﵇، يقول تعالى حاكيا عنه: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١] .
٣- الخوف المحرم: وهو قسمان:
الأول: الخوف السري "الاعتقادي"، وسمي اعتقاديا لأن محله القلب وهو: الخوف من غير الله أن يؤثر فيه، أو يصيبه لما لا يقدر عليه إلا الله ؛ من مرض، أو منع رزق، أو إصابة بفقر، أو نحو ذلك بقدرته ومشيئته، كما قال الله عن قوم هود ﵇ إنهم قالوا له: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [هود: ٥٤] ٣.
وهذا الخوف هو الخوف الشركي؛ فمن وقع فيه وقع في الشرك الأكبر.
стр. 112
الثاني: الخوف العملي١: وهو الخوف من الناس المؤدي إلى ترك الواجب، أوالمؤدي إلى عمل المحرم.
وهذا الخوف حرام، وينافي كال التوحيد، وهو خوف أصغر.
ودليله: قول الله : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ؛ فاخشوهم: أي واتركوا الجهاد، ويشهد لهذا القسم أيضا قوله ﷺ : "إن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ما منعك إذ رأيت المنكر أن لا تغيره؟ فيقول: رب خشية الناس؛ فيقول: إياي كنت أحق أن تخشى" ٢.
خاتمة:
أنواع الشرك في الألوهية كثير تتعلق بعبادته ومعاملته؛ فمن صرف شيئا من العبادة لغير الله ؛ فقد وقع في هذا النوع من أنواع الشرك، سواء أكانت العبادة المصروفة لغير الله: نذرا، أو ذبحا، أو سجودا، أو حبا، أو ذلا، أو توكلا، أو رجاء، أو خوفا، أو دعاء، أو غير ذلك.
стр. 113
المطلب الثاني: الشرك الأصغر
أولا: تعريف الشرك الأصغر
يعرف الشرك الأصغر بأنه: مساواة غير الله بالله في هيئة الفعل وأقوال اللسان. أو: كل ما أطلل عليه الشرع وصف الشرك، لكنه لا يخرج من الملة١.
يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: وأما الشرك الأصغر؛ فهو جميع الأقوال والأفعال التي يتوسل بها إلى الشرك؛ كالغلو في المخلوق الذي لا يبلغ رتبة العبادة؛ كالحلف بغير الله، وكيسير الرياء، ونحو ذلك٢.
ثانيا: حكم الشرك الأصغر، مع دليله
١- الشرك الأصغر من أكبر الكبائر بعد الشرك الأكبر، ومعصية من أكبر المعاصي، لما فيه من تسوية غير الله بالله .
٢- الشرك الأصغر لا ينقض التوحيد، بل يتنافى مع كماله.
٣- الشرك الأصغر لا يحبط جميع العمل، بل يحبط العمل المصاحب.
٤- الشرك الأصغر إن مات صاحبه عليه؛ فإنه يموت مسلما، ولكن شركه لا يغفر له -على الراجح من قولي العلماء، بل يعاقب عليه، وإن دخل بعد ذلك الجنة٣.
٥- صاحب الشرك الأصغر في الآخرة إن دخل النار لا يخلد فيها. والدليل على الشرك الأصغر: قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] . وقوله ﷺ : "يقول الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه" ٤.
ثالثا: من أنواع الشرك الأصغر
ينقسم الشرك الأصغر إلى أنواع، سأذكر منها بإذن الله:
стр. 114
أولا: يسير الرياء من أنواع الشرك الأصغر
أولا: تعريف الرياء لغة واصطلاحا: اليراء في اللغة مشتق من الرؤية، يقال: فعله رياء؛ أي ليراه الناس، فيحصل على الصيت والذكر١.
والرياء اصطلاحا: إظهار العبادة بقصد رؤية الناس. أو التصنع للمخلوق؛ كالمسلم الذي يعمل لله، ويصلي لله، ولكنه يحسن صلاته وعمله ليمتدحه الناس٢.
ووجه المطابقة بين المعنيين: أن المرائي يقصد رؤية الناس لعمله.
ثانيا: حكم الرياء، مع الدليل
الرياء محرم بنص الكتاب والسنة. فمن الكتاب: قوله : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: من الآية١١٠] ، ومن السنة: قوله ﷺ : "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال"؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي، فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل" ٣. وقوله ﷺ : "إن أخوف ما أخاف عليكم: الشرك الأصغر؛ الرياء؛ يقول الله يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء " ٤. وقوله ﷺ : "من صلى يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك ومن صام يرائي فقد أشرك" ٥.
ملاحظة:
لاحظنا في الحديث الأول أن رسول الله ﷺ سمى الرياء شركا خفيا، فما وجه التسمية؟
الجواب: لأن صاحبه يظهر أن عمله لله ، ويخفي في قلبه أنه لغيره. أو: لأن صاحبه يقع فيه، دون أن يلقي له بالا.
ويشهد لهذا المعنى قوله ﷺ : "الشرك في هذه الملة أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء" ٦.
стр. 115
ثانيا: السمعة من أنواع الشرك الأصغر:
أولا: تعريف السمعة لغة واصطلاحا
السمعة في اللغة مشتقة من السماع والإسماع. وهي ما يسمع به من صيت. يقال: فعل ذلك رياء وسمعة؛ أي ليراه الناس ويسمعوا به١.
والسمعة اصطلاحا: إظهار العبادة بقصد سماع الناس. أو تحدث الإنسان بأعماله التي عملها ليمدحه الناس بها. ويدخل فيه: أن يعمل العمل ليلا، ثم يحدث به الناس في النهار٢.
والفرق بين الرياء والسمعة: أن الرياء يتعلق بحاسة البصر والسمعة تتعلق بحاسة السمع٣.
ثانيا: حكم السمعة، مع الدليل
السمعة محرمة بنص الكتاب والسنة؛ فمن الكتاب: قوله :
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: من الآية١١٠] ، ومن السنة: قوله ﷺ : "من سمع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به" ٤.
ثالثا: متى ينقلب حكم الرياء والسمعة من شرك أصغر إلى شرك أكبر
يدخل الرياء والسمعة تحت حكم الشرك الأكبر بأحد ثلاثة أمور:
١- أن يرائي الإنسان، أو يسمع بأصل إيمانه؛ يظهر أمام الناس أنه مؤمن ليعصم دمه وماله.
٢- أن يغلب الرياء أو السمعة على أعمال الإنسان.
٣- أن يغلب على أعماله إرادة الدنيا؛ بحيث لا يريد بها وجه الله.
رابعا: حكم العبادة إذا اتصل بها رياء أو سمعة
إذا كان قصد العابد بعبادته مراءاة الناس من الأصل؛ فهذا مبطل للعبادة. أما إذا طرأ الرياء أو السمعة أثناء العبادة؛ فلا يخلو حال العبادة من أن يكون أولها مرتبطا بآخرها -كالصلاة مثلا، فتبطل جميع العبادة إذا لم يدافع الرياء أو السمعة وسكن إليهما، أما إذا لم يكن أول العبادة مرتبطا بآخرها -كالصدقة مثلا بمائة ريال؛ خمسون منها دخله الرياء- فيبطل منها ما خالطه الرياء أو السمعة٥.
стр. 116
ثالثا: إرادة الإنسان بعمله الدنيا من أنواع الشرك الأصغر:
أولا: المراد بهذا النوع
هو أن يعمل الإنسان أعمالا صالحة مما يبتغي بها وجه الله ، يريد بها وجه الله ؛ ولكن خالط إرادته ونيته شيئا آخر، كإرادة الدنيا، إما لقصد المال أو الجاه؛ كالذي يجاهد، أو يتعلم العلم ليأخذ مالا، أو ليحتل منصبا؛ أو يتعلم القرآن، أو يواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد، أو نحو ذلك من الأعمال١.
ثانيا: حكم هذا النوع، مع الدليل: إرادة الإنسان بعمله الدنيا محرم، والدليل
١- من كتاب الله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥-١٦] ؛ فأخبر أن من كانت الدنيا همه وطلبته، جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها جزاء٢.
٢- ومن السنة: عن أبي هريرة ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله! رجل يريد الجهاد، وهو يبتغي عرضا من أعراض الدنيا؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا أجر له". فأعاد عليه ثلاثا، والنبي ﷺ يقول: "لا أجر له" ٣.
ثالثا: الفرق بين الرياء والسمعة وبين إرادة الإنسان بعمله الدنيا
العامل بهذه الأنواع يعمل العمل الصالح مما يبتغي به وجه الله؛ ولكن المرائي أو المسمع يريد رؤية الناس أو سماعهم، ويقصد من ذلك أن يمدحوه ويعظموه، ويطمع أن ينال الجلالة في أعينهم. أما من كان يريد بعمله الدنيانفهو يعمل لأجل الدراهم، أو لشيء من متاع الدنيا، فهو أعقل من الأول، وإن كان كلاهما خاسرا -والعياذ بالله٤.
стр. 117
رابعا: أقسام الناس في العمل، وما يريدون به: ينقسمون إلى أقسام، منها:
١- قسم يريدون بأعمالهم الدنيا فقط، ولا إرادة لديهم له، ولا هم لهم له، ولا طلب للآخرة. وهذا رياء محض، وهو شرك أكبر يقع فيه المنافقون١.
٢- قسم يريدون بأعمالهم الله ، ولكن يخالط إرادتهم ونيتهم شيئا آخر؛ كإرادة الناس -مثل يسير الرياء والسمعة، أو إرادة المال، أو المتاع مثل من يعمل العمل أمام ولي المرأة ليوافق على زواجه منها، أو يحفظ القرآن من أجل أن يعين إماما في المسجد.
وهذا من الشرك الأصغر٢، وفاعله قد صار بإرادته لهذه الأشياء عبدا لها، وينطبق عليه قول رسول الله ﷺ : "تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة ٣، إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض" ٤.
٣- قسم يعمل بطاعة الله مخلصا له في ذلك؛ ولكنه على عمل يكفره كفرا يخرجه من الإسلام٥.
رابعا: الاستسقاء بالأنواء "النجوم" من أنواع الشرك الأصغر
أولا: المراد بالاستسقاء بالأنواء: الاستسقاء: طلب السقيا، والمراد نسبة مجيء المطر إلى الأنواء.
والأنواء: جمع، مفرده نوء. والأنواء هي منازل النجوم، وهي ثمان وعشرون منزلة، ينزل كل ثلاث عشرة ليلة منزلة منها. وسمي نوءا -من ناء ينوء نوءا، إذا نهض وطلع- لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب -مع طلوع الفجر- ناء -نهض وطلع- أخرى في
стр. 118
مقابلها في المشرق، فتنقضي جميعا مع انقضاء السنة؛ "٢٨×١٣=٣٦٤"١.
وقد كانت العرب في الجاهلية تزعم أنه مع سقوط المنزلة وطلوع رقيبها يكون مطر، وينسبون نزوله إليها، فيقولون: مطرنا بنوء كذا٢.
ثانيا: حكم هذا النوع، مع الدليل: الاستسقاء بالأنواء محرم، والدليل:
١- من الكتاب: قول الله : ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ؛ وتفسيرها: ما رواه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ يقول: شكركم، ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ : تقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، بنجم كذا وكذا"٣.
٢- من السنة: ما روي عن زيد بن خالد ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر؛ فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" ٤.
ثالثا: متى يكون الاستسقاء بالأنواء شركا أكبر، ومتى يكون شركا أصغر؟ المسألة فيها تفصيل:
١- من اعتقد أن للنجم تأثيرا -بدون مشيئة الله، فينسب المطر إلى النجم نسبة إيجاد واختراع؛ فهذا من الشرك الأكبر.
٢- من اعتقد أن للنجم تأثيرا -بمشيئة الله، والله جعل هذا النجم سببا لنزول المطر، وأجرى العادة بوجود المطر عند ظهور ذلك النجم؛ فهذا محرم -على الصحيح، وهو شرك أصغر.
стр. 119
يقول الشيخ صديق حسن خان ﵀: من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فلا يخلو؛ إما أن يعتقد أن له تاثيرا في نزول المطر، فهذا شرك كفر "أي أكبر"، وهو الذي يعتقده أهل الجاهلية؛ كاعتقادهم أن دعاء الميت والغائب يجلب لهم نفعا ويدفع عنهم ضرا.
أما إذا قال مطرنا بنوء كذا مثلا، مع اعتقاد أن المؤثر هو الله وحده؛ لكنه أجرى العادة بوجود المطر عند سقوط ذلك النجم، فالصحيح أنه يحرم"١، وهو شرك أصغر٢؛ لأنه نسب نعمة الله إلى غيره، ولأن الله لم يجعل النوء سببا لإنزال المطر فيه، وإنما هو فضل منه ورحمة، يحبسه إذا شاء، وينزله إذا شاء٣.
خامسا: الحلف بغير الله من أنواع الشرك الأصغر:
أولا: الأمثلة عليه: كقول الرجل: وحياتي، والنبي، وأبي، والكعبة، وتربة فلان إلخ.
ثانيا: حكمه، مع الأدلة: هو محرم، وهو شرك أصغر -أصغر في مقابل الأكبر؛ وإلا فهو لي بصغير؛ إذا هو أكبر من بقية الكبائر. وقد حذر منه الرسول ﷺ لسد الطرق الموصلة إلى الشرك، ولحماية جناب التوحيد، فيجب على العبد التسليم والإذعان.
وقد دلت الأدلة الكثيرة على تحريمه، وعلى أنه من الشرك، ومن تلك:
١- قول رسول الله ﷺ : "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" ٤.
٢- جاء رجل إلى عبد الله بن عمر ﵄، فقال: احلف بالكعبة؛ فقال:
أحلف برب الكعبة، فإن عمر كان يحلف بأبيه، فقال له النبي ﷺ : "لا تحلف بأبيك، فإنه من حلف بغير الله فقد أشرك" ٥.
стр. 120
٣- قول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي اله عنه: "لأن أحلف بالله كاذبا، أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا" ١.
سؤال: لماذا فضل ابن مسعود ﵁ الحلف بالله كاذبا على الحلف بغيره صادقا؟
أجاب الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ ﵀ عن هذا السؤال بقوله: "لأن الحلف بالله توحيد، والحلف بغيره شرك، وإن قدر الصدق في الحلف بغير الله، فحسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك"٢.
ثالثا: هل تنعقد يمين الحالف بغير الله ؟ العلماء مجمعون على أن اليمين لا تنعقد إلا إذا حلف الإنسان بالله ، أو بأسمائه وصفاته. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
وأما الحلف بغير الله؛ من الملائكة، والأنبياء، والمشايخ، والملوك، وغيرهم، فإنه منهي عنه، غير منعقد باتفاق الأئمة فمن حلف بشيخه، أو بتربته، أو بحياته، أو بحقه على الله، أو بالملوك، أو بنعمة السلطان، أو بالسيف، أو بالكعبة، أو بأبيه، أو تربة أبيه، أو نحو ذلك، كان منهيا عن ذلك، ولم تنعقد يمينه باتفاق المسلمين٣.
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: اعلم أن اليمين لا تنعقد إلا بأسماء الله وصفاته، فلا يجوز القسم بمخلوق٤.
رابعا: متى ينقلب الحلف بغير الله إلى شرك أكبر؟ ينقلب الحلف بغير الله إلى شرك أكبر:
إذا قام بقلب الحالف تعظيم من حلف به من المخلوقات مثل تعظيم الله عز وجل٥.
جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: فإن قام بقلبه تعظيم لمن حلف به من المخلوقات مثل تعظيم الله، فهو شرك أكبر؛ فإن كان جاهلا علم، فإن أصر فهو والعالم ابتداء سواء، كل منهما يكون مشركا شركا أكبر٦.
стр. 121
سادسا: قول ما شاء الله وشئت، ولولا الله وأنت، ونحو ذلك من أنواع الشرك الأصغر.
تمهيد:
من الشرك في الألفاظ: قول الرجل: ما شاء الله وشئت، ولولا الله وأنت، وما لي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، وحسبي الله وأنت، ونحو ذلك من الألفاظ التي تجري على ألسنة الناس، وفيها تسوية بين الخالق والمخلوق.
أولا: حكمه، مع الأدلة: هذا الأمر لا يجوز استعماله، ولا التهاون في النطق فيه؛ لأنه نوع من أنوع الشرك الأصغر؛ إذا حرف الواو يقتضي التشريك؛ فحين تقول: جاء أحمد وعلي تكون قد سويت بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم -وهو المجيء؛ لأن الواو وضعت لمطلق الجمع، وهي لا تفيد ترتيبا ولا تعقيبا، ووجودها فيه تسوية بين الخالق والمخلوق.
ومعلوم أن التسوية بين الخالق والمخلوق شرك، والله ذكر أن من أسباب ضلال المشركين كونهم يسوون الأنداد برب العالمين، قال تعالى حاكيا عنهم قولهم في النار:
﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ، تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٦-٩٨] .
وقد دلت الأدلة الكثيرة على تحريم هذا النوع، وعلى أنه من الشرك، ومن تلك:
١- قول الله : ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: من الآية٢٢] . فسرها حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس ﵄ بقوله: الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفا سوداء في ظلمة الليل. وهوأن تقول: والله، وحياتك يا فلان، وحياتي، وتقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا القط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، هذا كله شرك"١.
٢- عن ابن عباس ﵄ أن رجلا قال للنبي ﷺ : ما شاء وشئت. قال: "أجعلتني لله ندا، بل ما شاء الله وحده" ٢.
٣- قول رسول الله ﷺ : "إذا حلف أحدكم فلا يقل: ما شاء الله وشئت؛ ولكن ليقل: ما شاء الله ثم شئت" ٣.
стр. 122
٤- قول رسول الله ﷺ : "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان؛ ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان" ١.
يقول العلامة ابن القيم ﵀ معلقا على هذا الحديث: هذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة كقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيم﴾ [التكوير: ٢٨] ؛ فكيف بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما لي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض.
فوازن بين هذه الألفاظ وبني قول القائل: ما شاء الله وشئت، ثم انظر أيهما أفحش!
يتبين لك أن قائلها أولى بجواب النبي ﷺ لقائل تلك الكلمة، وأنه إذا كان قد جعل لله ندا بها؛ فهذا قد جعل من لا يداني رسول الله ﷺ في شيء من الأشياء -بل لعله أن يكون له من أعدائه- ندا لرب العالمين"٢.
ثانيا: كيف يتقى هذا الشرك؟ أفضل سبيل للوقاية من هذا الشرك، وعدم الوقوع فيه، هو التزام ما علمنا إياه رسول الله ﷺ من استبدال الواو بـ "ثم"؛ فنعدل عن الواو التي تقتضي تسوية المخلوق بالخالق، إلى"ثم" التي تقتضي الترتيب والتراخي؛ فمثلا: غذا قلنا: ما شاء وشئت -وعطفنا بالواو، اقتضى ذلك التسوية بين مشيئة الله ومشيئة المخلوق.
أما إذا قلنا: ما شاء الله ثم شئت -وعطفنا بـ "ثم"- فإنه يقتضي تقديم مشيئة الله ، وأنها فوق مشيئة المخلوق٣.
فإذا عطفنا مشيئة المخلوق على مشيئة الخالق بـ "ثم"، فرقنا بين المشيئتين، وقدمنا مشيئة الخالق على مشيئة خلقه.
كذا الحوادث: نسندها إلى الله أولا، ثم إلى المخلوق؛ فمثلا إذا أردنا أن نقول: لولا وجود فلان لحصل كذان نقول: لولا الله، ثم وجود فلان لحصل كذا، مع الاعتقاد بأن الأسباب ليست مستقلة بذاتها في التأثير؛ وإنما يكون تاثيرها بقدرة الله ومشيئته٤.
стр. 123
سابعا: الرقى من أنواع الشرك الأصغر
أولا: تعريف الرقى
الرقى لغة جمع رقية، وهي العوذة. أو ما يعرف عند العامة بـ "العزيمة"، أو "التعويذة" التي يرقى بها صاحب الآفة -كالحمى والصرع، وتقرأ على المريض أو اللديغ أملا في شفائه١.
ولا يبعد المعنى الشرعي للرقية عن المعنى اللغوي كثيرا؛ فالرقية شرعا: ما يقرأ على المريض من الآيات القرآنية، أو الأدعية المشروعة، أو غيرها من الأدعية المباحة المجربة٢.
ثانيا: نوعا الرقي
الرقى نوعان: شرعية، وبدعية "وتدخل فيها الشركية". وتوضيح هذين النوعين يمكن في الوقفتين التاليتين:
الوقفة الأولى: مع الرقى الشرعية
الرقى مشروعة بإجماع العلماء إذا تحققت فيها شروط معلومة.
شروط الرقية الشرعية:
قال الحافظ ابن حجر ﵀: "وقد أجمع العلماء على جواز الرقى، عند اجتماع ثلاثة شروط:
أن يكون بكلام الله تعالى، وبأسمائه وصفاته.
وباللسان العربي، أو بما يعرف عناه من غيره.
وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بذات الله تعالى"٣.
فالرقية الشرعية لا بد أن تكون:
١- بشيء من كلام الله، أو توسلا بأسمائه وصفاته، أو بأدعية مشروعة، أو مباحة.
٢- باللسان العربي، أو بما يعرف معناه من أية لغة أخرى.
٣- أن يكون فعلها صادرا عن عقيدة صحيحة بأن الشافي هو الله ، وأنه هو الضار والنافع ؛ فلا يعتقد أنها تشفي بذاتها، فإذا اعتقد ذلك كان شكا أكبر، وإن اعتقد مقارنتها للشفاء -لا يحصل الشفاء إلا بوجودها- كان شركا أصغر.
стр. 124
أدلة الرقية الشرعية:
دلت الأدلة الكثيرة على جواز الرقى إذا تحققت فيها الشروط السابقة.
ولكثرة هذه الأدلة صنفتها وفق موضوعها، واقتصرت على ذكر مثال أو مثالين لكل موضوع.
١- إقرار رسول الله ﷺ لجماعة من أصحابه عرضوا عليه رقاهم؛ فعن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله! كيف ترى في ذلك؟
فقال ﷺ : "اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" ١. وعن جابر ابن عبد الله ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله: إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، وإنك نهيت عن الرقى، قال: فعرضوها عليه، فقال ﷺ : "ما أرى بأسا، من استطاع منكم أن ينفع أخاه، فليفعل" ٢.
٢- إقراره ﷺ لفريق من الصحابة فعلوا الرقية؛ كإقراره ﷺ للرهط الذين نزلوا بأحد أحياء العرب، فلدغ سيد الحي، فرقاه أحد الصحابة بسورة الفاتحة، وأخذ على ذلك جعلا، فقال ﷺ : "وما يدريك أنها رقية؟ أصبتم، اقسموا، واضربوا لي بسهم" ٣.
٣- فعله ﷺ الرقية بنفسه؛ فعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات؛ فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن، وأمسح بيده نفسه لبركتها٤. قال معمر -أحد رواة هذا الحديث: فسألت الزهري وهو شيخه في هذه الرواية: كيف ينفث؟ قال: كان ينفث على يديه، ثم يمسح بهما وجهه٤.
٤- فعله ﷺ الرقية بغيره؛ فعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يعوذ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى، ويقول: "اللهم رب الناس، أذهب البأس، واشفه وأنت الشافي،
стр. 125
لا شفاء إلا شفاءك، شفاء لا يغادر سقما" ١. وعنها ﵂ أنه ﷺ كان يقول للمريض: "بسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفي سقيمنا، بإذن ربنا" ١.
٥- أمره ﷺ بالرقية؛ فعن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة٢؛ فقال: "استرقوا لها، فإن بها النظرة" ٣.
وعن أفعاله ﷺ هذه مع الرقية، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "كان ﷺ يرقي نفسه، وغيره، ولا يطلب من أحد أن يرقيه"٤.
ملاحظة: لا يتنافى التداوي بالرقى؛ من كتاب الله ، ومن سنة رسول الله ﷺ مع التوكل؛ لأن الله ﷻ جعل الرقى سببا لدفع مكروهات كثيرة على لسان رسوله ﷺ ، وقد تواتر فعل الرسول ﷺ للرقية بنفسه، وغيره، وأمره بها، وإقراره لصحابته على فعلها٥. فالرقية مشروعة وهي من الأدوية الناجعة النافعة بإذن الله، إذا انضم إليها صدق القصد من جهة العليل، وقوة التوجه إلى الله من جهة المداوي، مع قوة القلب بالتقوى والتوكل على من يذهب البأس٦.
الوقفة الثانية: مع الرقى البدعية: وتدخل فيها الشركية؛ لأن من البدع ما يكون شركا.
فالرقية الشركية هي كل رقية اشتملت على شرك؛ كالقسم بالمخلوقات من شمس، أو قمر، أوملائكة، أو جن، أو غير ذلك؛ أو الاستغاثة بالمخلوقات فيما لا يقدر عليه إلا الخالق ؛ أو المشتملة على دعاء المخلوق من دون الله، ليكشف أمرا لا يكشفه إلا الله ، هذا كلها شرك، لا يجوز لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتعاطاه٧.
стр. 126
ويدخل في الرقى البدعية: ما فقد شرطا من شروط الرقية الشرعية١، ومن ذلك٢:
١- إذا كانت الرقية سحرية؛ لأن الله حرم السحر، وبين أنه كفر، وأن الساحر لا يفلح أبدا قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] .
٢- إذا كانت الرقية بعبارات غير واضحة، ومعنى غير مفهوم، فهي رقية بدعية؛ فإن ما لا يعقل معناه، وما لا يفهم مبناه، لا يؤمن أن يكون منه شرك، وما كان مظنة الشرك، فلا يجوز تعاطيه أبدا -من باب سد الذرائع٣.
٣- ويدخل في هذا: ما كان بعبارات محرمة؛ كالسب، والشتم، واللعن؛ فإن الله لم يجعل دواء أمة محمد ﷺ فيما حرمه عليها، يقول ﷺ : "إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكم داء دواء، فتداووا ولا تداووا بحرام" ٤، ونهى ﷺ عن الدواء الخبيث٥.
٤- ألا تكون الرقية على هيئة محرم؛ كأن يتقصد فعلها حال كونه جنبا، أو في مقبرة، أو حمام، أو وهو كاشف لعورته، أو غير ذلك.
٥- ألا يظن الراقي، أو المرقي أن الرقية تستقل بالشفاء، أو دفع المكروه وحدها.
فإذا اعتقد أنها تؤثر بذاتها، فهذا هو الشرك الأكبر؛ لأن الشافي هو الله وحده.
стр. 127
ثامنا: التمائم من أنواع الشرك الأصغر
أولا: تعريف التمائم
التمائم لغة جمع تميمة، وهي خرزات كان الأعراب يعلقونها على أولادهم لدفع العين بزعمهم. أو قطعة من الجلد أو الورق، يكتب عليها أدعية وأوراد، يعلقها بعض الناس على مرضاهم، بغرض دفع شر متوقع، أو الشفاء من مرض حاصل وقع١.
ويتضح من تعريف التميمية أنها كانت تتخذ لغرضين:
١- دفع الشرك المتوقع؛ من مرض أو عين، قبل أن يحصل "كالذي يعلق على الصبيان، أو الفرس، أو المساكن، أو السيارات".
٢- دفع الشر الذي وقع بالفعل "وهذا الذي يعلق على المريض".
ثانيا: حكم تعليق التمائم
تعليق التمائم من باب شرك الأسباب، وهذا قد يكون أكبر، وقد يكون أصغر، حسب حال صاحبه، ولذلك ينظر في حال المتعلق، وفي حال المعلق.
يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى عن التمائم: قد تكون شركا أكبر إذا اعتقد معلق التميمة أنها تحفظه، أو تكشف عنه المرض، أو تدفع عنه الضرر، دون إذن الله ومشيئته٢، ويقول ﵀ في موضع آخر: والصواب أن تعليق التمائم ليس من الاستهزاء بالدين، بل من الشرك الأصغر، ومن التشبه بالجاهلية، وقد يكون شركا أكبر على حسب ما يقوم بقلب صاحب التعليق من اعتقاد النفع فيها، وأنها تنفع وتضر دون الله ، وما أشبه هذا الاعتقاد، أما إذا اعتقد أنها سبب للسلامة من العين أو الجن ونحو ذلك، فهذا من الشرك الأصغر؛ لأن الله سبحانه لم يجعلها سببا، بل نهى عنها وحذر، وبين أنها شرك على لسان رسوله ﷺ ، وما ذاك إلا لما يقوم بقلب صابحها من الالتفات إليها، والتعلق بها٣.
فتعليق التمائم مع اعتقاد أنها سبب للسلامة من الشر الواقع أو المتوقع: شرك أصغر.
وتعليق التمائم مع اعتقاد أنها تنفع وتضر دون إذن الله ومشيئته: شرك أكبر.
стр. 128
ثالثا: نوعا التمائم: التمائم نوعان؛ محرمة، ومختلف فيها.
النوع الأول: التمائم المحرمة
وهي التي جمعت أحد هذه الأمور "واحد يكفي كي تكون محرمة":
١- ليست من الكتاب، ولا من السنة، بل هي من طلاسم اليهود، أو المشركين، أو مستخدمي الجن، ونحوهم.
٢- إذا كانت من الخرز، أو الأوتار، أو الحلق من الحديد وغيره كالأساور؛ فإن تعليقها محرم بلا ريب؛ إذ ليست من الأسباب المباحة، ولا الأدوية المعروفة١.
٣- إذا كان فيها شرك؛ كالاستغاثة بأحد غير الله .
٤- إذا كان صاحبها أو حاملها يعتقد أنها تنفع بذاتها، وأنه إن رفعها بقي المرض٢.
أدلة التمائم المحرمة: جاءت أدلة كثيرة بتحريم التمائم التي فيها أحد هذه الأمور السابقة، ومن هذه الأدلة:
١- قول الله : ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨] .
٢- قول رسول الله ﷺ : "من تعلق تميمة فقد أشرك" ٣.
٣- قول رسول الله ﷺ : "إن الرقى والتمائم والتولة ٤ شرك" ٥.
٤- قول رسول الله ﷺ : "من تعلق شيئا وكل إليه" ٦.
стр. 129
النوع الثاني: التمائم المختلف فيها وهي التي جمعت الشروط التالية ١
١- أن تكون بشيء من القرآن الكريم، أو بالأدعية الصحيحة.
٢- أن تكون بلغة عربية مفهومة، أو بلغة أخرى يفهم معناها.
٣- أن تكون خالية من الطلاسم، والشركيات.
٤- أن يكون صاحبها على عقيدة صافية؛ بأنه لا يجلب النفع ولا يدفع الضر إلا الله.
حكم هذا النوع من التمائم:
هذا النوع من التمائم قد اختلف العلماء في حكمه، فرأى بعضهم جوازه، وبعضهم تحريمه. يقول الإمام أحمد: "التعليق كله يكره، والرقى ما كان من القرآن، فلا بأس به"٢.
أدلة من قال بتحريم هذا النوع ٣:
١- عموم النهي الوارد في التمائم، دون تخصيص نوع منها؛ فقد جاء المنع من تعليق التمائم دون تفصيل. ولو كان تعليق التمائم مشروعا، لبينه رسول الله ﷺ كما بين الرقية وأذن فيها بقوله: "لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك"٤.
٢- إن القول بجواز تعليق التمائم المختلف فيها قد يعطل سنة الرقية المتفق عليها.
٣- إن القول بتعليق التمائم متردد بين الجواز والتحريم. وما كان كذلك فالأولى اجتنابه درءا للمفاسد، واتقاء للشبهات.
٤- تعليق التمائم وسيلة مفضية إلى الشرك؛ فقد يعتقد معلقها أنه لولا التمائم لحصل له كذا وكذا فيحصل فيها تعلق القلب، فيفضي إلى اعتقاد أنها مؤثرة بذاتها. وهذا شرك. وسد الذرائع واجب، ودفع المفاسد مقدم على جلب المصالح٥.
стр. 130
٥- يؤدي تعليقها إلى حمل القرآن ممن لا يفقه معناه، ولا يعرف منزلته، فلا يوقره، وقد يعرض آيات القرآن للامتهان؛ سيما إذا دخل إلى دورات المياه، أو الأماكن القذرة.
وقد تبقى عليه وهو جنب، كما أنها قد تعلق على الأطفال مع تلبسهم بالنجاسة.
٦- إن غالب من يتعاطاها صناعة واستعمالا لا يعرفون بصحة الإيمان، ولا بصلاح العمل.
٧- إن عمل التمائم قد صار نوعا من أنواع الاتجار بكتاب الله ودينه القويم؛ ففي القول بجوازها فتح الباب أما الدجالين والمشعوذين لعمل التمائم الشركية، والاتجار بها بحجة أنها من القرآن الكريم.
والقول بالمنع من تعليق التمائم هو الراجح والله أعلم، لما تقدم١. وعلى هذا القول عدد كبير من الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين.
قال إبراهيم بن يزيد النخعي الكوفي "ت٩٦هـ": كانوا يكرهون التمائم كلها، من القرآن وغير القرآن٢. ومراده من قوله "كانوا": أي أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁ وهم من سادات التابعين٣.
تاسعا: التطير من أنواع الشرك الأصغر
أولا: تعريف التطير
التطير والطيرة: هي التشاؤم، وهو مصدر من تطير يتطير تطيرا وطيرة.
يقول الحافظ ابن حجر ﵀: وأصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير، فإذا خرج أحدهم لأمر، فإن رأى الطير طار يمنة تيمن به واستمر، وإن رآه طار يسرة تشاءم به ورجع، وربما كان أحدهم يهيج الطير ليطير، فيعتمدها؛ فجاء الشرع بالنهي عن ذلك٤.
стр. 131
وكانوا يسمونه السانح، والبارح؛ فالسانح ما ولاك ميامنه، بأن يمر عن يسارك إلى يمينك. والبارح بالعكس. وكانوا يتيمنون بالسانح، ويتشاءمون بالبارح؛ لأنه لا يمكن رميه إلا بأن ينحرف إليه. وليس في شيء من سنوح الطير وبروحها ما يقتضي ما اعتقدوه.
وإنما هو تكلف بتعاطي ما لا أصل له؛ إذ لا نطق للطير ولا تمييز فيستدل بفعله على مضمون معنى فيه، وطلب العلم من غير مظانه جهل من فاعله١.
ولم يقتصر التطير التطير على الطيور والحيوانات، بل انسحب هذا الاعتقاد على غير الطير؛ فلقد كانوا يتشاءمون ببعض الأشهر؛ كشهر صفر الذي كان يمتنع بعضهم عن الزواج فيه أو السفر.
كذلك كانوا يتشاءمون من المرضى، فيمتنعون عن مجالستهم، أو مآكلتهم.
وكذا كانوا يتشاءمون بذي العاهة؛ كالأعرج، والأعور، وغيرهما.
ثانيا: من الأدلة على تحريم التطير
١- قول الله عن آل فرعون: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٣١] ؛ فآل فرعون كانوا إذا أصابهم بلاء وقحط تطيروا -تشاءموا- بموسى ﵇ ومن معه، وقالوا: هذا بسبب موسى وأصحابه، أصابنا بشؤمهم. فأخبر أن ما قضى عليهم وقدر لهم، إنما جاءهم من قبل كفرهم وتكذيبهم بآياته ورسله٢. ففي هذه الآية نهي عن التطير، ووعيد فيه٣.
٢- قول رسول الله ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة" ٤.
стр. 132
٣- قول رسول الله ﷺ : "لا طيرة، وخيرها الفأل". قالوا: وما الفأل؟ قال: "الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم" ١.
ما الفرق بين الطيرة وبين الفأل؟ الطيرة سوء ظن بالله ، وصرف شيء من حقوقه لغيره، وتعلق للقلوب بمخلوق لا ينفع ولا يضر. والفأل حسن الظن بالله ، والرسول ﷺ "إنما كان يعجبه الفأل؛ لأن التشاؤم سوء ظن بالله تعالى بغير سبب محقق، والتفاؤل حسن ظن به ، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى على كل حال" ٢.
٤- قول رسول الله ﷺ : "الطيرة شرك، الطيرة شرك. وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل" ٣، وزيادة: "وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل"، أي: وما منا إلا وقد وقع في قلبه شيء من ذلك؛ ولكن لما توكلنا على الله في جلب النفع ودفع الضر، أذهبه الله عنا بتوكلنا عليه وحده٤.
ثالثا: حكم الطيرة: الطيرة محرمة شرعا، وهي من الشرك الأصغر المنافي لكمال التوحيد، لما فيها من سوء الظن بالله، وتعلق القلوب بغيره، وصرف شيء من حقوقه لغيره.
وتنقلب إلى شرك أكبر إذا اعتقد أن هذه الأشياء التي تطير بها فاعلة بنفسها، أو سبب مؤثر في جلب النفع ودفع الضر. وقد تقدم قوله ﷺ : "الطيرة شرك".
رابعا: حصول التطير عند بعض المؤمنين، وعلاجه: الطيرة التي في الأفعال والأقوال تكون من بعض المؤمنين؛ فقد يقع في نفس الإنسان شيء من التطير، ولكن الله يذهبه بالتوكل عليه.
стр. 133
فالتطير أمر قد يقع من الإنسان، كما قال ذلك الصحابي لرسول الله ﷺ : ومنا أناس يتطيرون. قال ﷺ : "ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه؛ فلا يصدنكم" ١؛ فأخبر ﷺ أن تأذي الإنسان وتشاؤمه بالطيرة إنما هو في نفسه وعقيدته، لا في المتطير به، فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ويصده٢.
والطيرة هي ما أمضاك، أو ردك، كما قال رسول الله ﷺ : "من ردته الطيرة عن حاجته، فقد أشرك"، قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: "أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك" ٣.
وهذا من العلاج؛ فإن الإنسان إذا قال ذلك، وأعرض عما وقع في قلبه، ولم يلتفت إليه، كفر الله عنه ما وقع في قلبه ابتداءا، لزواله عن قلبه بهذا الدعاء المتضمن للاعتماد على الله وحده، والإعراض عما سواه٤.
فعلاج هذا التطير الذي يقع في نفس الإنسان، يكون بصدق التوكل على الله ، واعتقاد أنه وحده هو النافع والضار. ويضاف إلى صدق الالتجاء: الدعاء الذي علمناه الرؤوف بنا، الحريص علينا ﷺ ، وقد تقدم: "اللهم لا خير إلا خيرك".
وكذلك الدعاء الآخر: "فإذا رأى أحدكم ما يكره، فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك"٥؛ ففيه نفي تعليق القلب بغير الله في جلب نفع أو دفع ضر، وهذا هو التوحيد، وهودعاء مناسب لمن وقع في قلبه شيء من الطيرة، وتصريح بأنها لا تجلب نفعا، ولا تدفع ضرا٦.
стр. 134
المبحث الثالث: وسائل الشرك المنافية للتوحيد، أو لكماله
تمهيد
...
المبحث الثالث: وسائل الشرك المنافية للتوحيد، أو لكفاله
تمهيد:
رسول الله ﷺ حمى جناب التوحيد من كل ما ينقضه، أو ينقصه، وحذر أمته من المساس به، وسد كل طريق يؤدي إلى نقيضه، أو يخدش كماله، وشبه حرصه على أمته بقوله: "إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل الرجل يحجزهن، ويغلبنه، فيتقحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار: هلم عن النار، هلم عن النار، فتغلبوني، تقحمون فيها " ١؛ فهو الرحيم بأمته ﷺ ، الرؤوف بهم، الحريص على وقايتهم من سبل الغواية، وحمايتهم من كل ما يكون سببا في هلاكهم.
ولكن بعض هذه الأمة عصت نبيها بفعل بعض ما نهاها عنه وحذرها منه، واتبعت خطوات الشيطان الذي زين لهم الباطل ودعاهم إليه، وكانت من نتيجة هذا العصيان:
الوقوع في نقيض التوحيد٢، أو فيما ينقص من كماله٣.
ولا ريب أن هؤلاء قبل أن يقعوا فيما وقعوا فيه، كانوا قد سلكوا وسائل حذروا من سلوكها، وطرقا كان قد طلب منهم أن لا يطرقوها.
ومعرفة هذه الوسائل من الأمور المعينة على تجنبها. ويمكن بيان بعضها في المطالب التالية:
стр. 135
المطلب الأول: التوسل البدعي، والتوسل الشرعي، وأنواعه
سبب إدخال التوسل في هذا المبحث:
إنما أدخلنا التوسل في الوسائل المنافية للتوحيد أو لكماله، لأن التوسل إلى الله بذات أو جاه أحد مخلوقاته محذور من وجهين: أحدهما أنه أقسم على الله في دعائه بأحد مخلوقاته، ولا يجوز الحلف بغير الله كما تقدم١.
والمحذور الثاني أنه اعتقد أن لأحد على الله حقا، وليس للعباد حق على الله إلا ما أوجبه على نفسه من نصرة المؤمنين، وإنجاء الموحدين، وإثابة المطيعين، واستجابة دعاء الداعين٢.
معنى التوسل لغة: يقال: وسل فلان يسل إلى الله بالعمل وسلا: رغب وتقرب. ووسل فلان إلى الله، وتوسل وسيلة وتوسيلا: أي عمل عملا تقرب به إليه. وأنا متوسل إليه بكذا، وواسل، ووسلت إليه، وتوسلت إلى الله بالعمل: تقربت٣.
معنى التوسل شرعا:
يعرف التوسل شرعا بأنه: التقرب إلى الله بطاعته، وعبادته، واتباع رسوله ﷺ ، وبكل عمل يحبه ويرضاه٤. أو: عبادة يراد بها التوصل إلى رضوان الله والجنة٥.
من أدلة التوسل الشرعي:
١- قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة﴾ [المائد: ٣٥] ؛ أي تقربوا إلى الله بطاعته، والعمل بما يرضيه٦.
٢- قول الله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] ، والوسيلة: هي القربة٧.
стр. 136
أقسام التوسل:
التوسل ينقسم إلى قسمين: توسل شرعي، وتوسل بدعي.
فالتوسل الشرعي: هو ما كان ثابتا بالشرع؛ بأن يدل عليه دليل من الكتاب أو السنة.
والتوسل البدعي: هو ما لم يدل عل جوازه دليل، أو وجد الدليل؛ ولكنه لم يثبت، ووجد من الدلة الثابتة ما يناقضه١.
أنواع التوسل الشرعي وأدلته:
التوسل المشروع هو كل توسل دل على جوازه نص من الكتاب أو السنة، والمراد به هنا: اتخاذ وسيلة لإجابة الدعاء؛ بأن يجعل الداعي في دعائه ما يكون سببا في قبوله٢.
وهذا التوسل لا يعلم إلا من طريق الشرع. وهو أنواع، منها٣:
١- التوسل بالله ؛ بذاته المقدسة، أو بأسمائه الحسنى، أو صفاته العلى، أو أفعاله، ودليل ذلك قوله : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] ، وقوله ﷺ في دعائه: "أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحدا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك" ٤.
٢- التوسل بالأعمال الصالحة. ودليل ذلك من كتاب الله، قوله : ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧] ، ومن السنة: قصة النفر الثلاثة الذين توسلوا بأعمالهم الصالحة؛ من بر الوالدين، وترك الفواحش، وأداء الحقوق، فاستجاب الله لهم٥.
стр. 137
٣- التوسل بدعاء الغير:
ودليل ذلك قوله عز وج حكاية عن أبناء يعقوب ﵇: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩٧] ، ومن السنة دعاؤه ﷺ لعكاشة بن محصن ﵁ أن يجعله الله من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب -لما سأله ذلك١.
والأدلة على أنواع التوسل المشروع من الكتاب والسنة كثيرة جدا، وما ذكرته قليل من كثير.
التوسل البدعي:
سبق الحديث عن أنواع التوسل المشروع، وذكرنا منها: التوسل بدعاء الغير، ومثلنا له بصنيع الصحابة ﵁، وتوسلهم بدعاء النبي ﷺ .
وهذا النوع هو الذي أسيء فهمه؛ فظن المخالفون للكتاب والسنة أن المراد التوسل بشخصه ﷺ . مع أن الصحابة ﵃ إنما كانوا يتوسلون بدعائه ﵊ حال حياته؛ كما فعل ذاك الأعرابي الذي دخل عليه وهو يخطب، فسأله الدعاء٢؛ وكذلك الصحابي الذي سأله أن يدعو الله أن يجعله ممن يدخلون الجنة بغير حساب٣، وغير ذلك.
وهذا التوسل إنما يكون في حياته ﷺ ، أما بعد موته، فلا يجوز. من أجل هذا لما أجدب الناس في عهد عمر ﵁ لم يطلبوا من النبي ﷺ أن يستسقي لهم؛ بل استسقى عمر ﵁ بالعباس ﵁ عم رسول الله ﷺ ، وكان مما قاله: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا" ٤. فسقاهم الله عز جل.
стр. 138
وهذا توسل من الصحابة ﵃ بدعاء العباس ﵁، لا بذاته حال حياته، وهو شبيه بتوسلهم بدعاء نبيهم ﷺ في حياته. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأما التوسل بالنبي ﷺ والتوجه به في كلام الصحابة ﵁، فيريدون به التوسل بدعائه وشفاعته١.
والتوسل بدعائه ﷺ مقيد بقيدين: أحدهما: أن يكون التوسل حال حياته ﷺ . وهذا يوضحه توسل عمر ﵁ بالعباس ﵁ بعد موت النبي ﷺ . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما التوسل بدعائه وشفاعته -كما قال عمر، فإنه توسل بدعائه لا بذاته. ولهذا عدلوا عن التوسل به ﷺ إلى التوسل بعمه العباس. ولو كان التوسل بذاته، لكان هذا أولى من التوسل بالعباس؛ فلما عدلوا عن التوسل به ﷺ إلى التوسل بالعباس، علم أن ما كان يفعل في حياته قد تعذر بموته، بخلاف التوسل الذي هو الإيمان به والطاعة له، فإنه مشروع دائما٢.
هذا عن القيد الأول.
أما الثاني: فهو خاص بالمتوسل به، وهو النبي ﷺ حال حياته؛ فلا بد أن يقوم بعمل ما. وهذا يؤكد أن التوسل ليس بذاته، وغنما هو بدعائه وتضرعه إلى الله.
ويوضح ذلك فعل النبي ﷺ عندما توسل الأعرابي بدعائه وهو على المنبر: رفع يديه، وقال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا" ٣.
فالتوسل المشروع: ما كان بدعائه ﷺ حال حياته، لا كما فهم من خالف قوله الكتاب والسنة: أنه توسل بالشخص أو الذات أو الجاه، لا بالدعاء، فأحدثوا عبادة لم ترد في النصوص الشرعية، فسمي ما أحدثوه بدعة، وأطلق على التوسل الذي أحدثوه: "التوسل البدعي".
وقد تمسك هؤلاء بأدلة من تأملها وجد أنها حجة عليهم، لا لهم. ومن هذه:
حديث استسقاء عمر بالعباس، وقد تقدم أنه نص في أن التوسل بدعاء الشخص، يكون حال حياته، لا بعد مماته، بدليل عدول الصحابة ﵁، وهم أفضل الأمة عن التوسل به ﷺ بعد موته إلى التوسل بعمه العباس رضي الله عنه٤.
стр. 139
ومنها حديث الأعمى الذي سأل رسول الله ﷺ أن يدعو الله له أن يعافيه، فعلمه رسول الله ﷺ دعاء يدعو به بعد أن يتوضأ ويصلي ركعتين -كوسيلة بين يدي الدعاء١.
وهذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي ﷺ ، ودلائل نبوته، ودعائه المستجاب، وما أظهره الله ببركة دعائه من الخوارق؛ فإنه ﷺ بدعائه لهذا الأعمى، رد الله عليه بصره، لا بتوسل الأعمى بذاته ﷺ وجاهه. ولو كان السر في دعاء الأعمى وحده وتوسله بذات النبي ﷺ وجاهه دو دعائه؛ لكان كل من دعا بهذا الدعاء من العميان مخلصا، يعافى من وقته أو بعد حين.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وكذلك لو كان كل أعمى توسل به ولم يدع له الرسول ﷺ بمنزلة ذلك الأعمى، لكان عميان الصحابة، أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل الأعمى. فعدلوهم عن هذا إلى هذا -مع أنهم السابقون الأولون؛ المهاجرون والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان؛ فإنهم أعلم منا بالله ورسوله ﷺ ، وما يشرع من الدعاء وما ينفع، وما لم يشرع ولا ينفع وما يكون أنفع من غيره، وهم في وقت رورة ومخمصة وجدب يطلبون تفريج الكربات، وتيسير العسير، وإنزال الغيث بكل طريق ممكن -دليل على أن المشروع ما سلكوه دون ما تركوه٢.
واستدلال المخالفين بحديث الأعمى على جواز التوسل بالذات أو الجاه مردود لما يلي:
١- إن الأعمى إنما جاء طالبا الدعاء؛ فالمسألة من بدايتها توسل بدعاء النبي ﷺ .
٢ إن رسول الله ﷺ وعده بالدعاء، وهو ﷺ لا يخلف وعده أبدا. وقد دعا له كما وعده.
٣- إن رسول الله ﷺ علم الأعمى دعاء يدعو به، وفيه قوله: "اللهم فشفعه في، وشفعني فيه". والشفاعة هي الدعاء. "فشفعه في": أي شفع نبيك ﷺ في، أي اقبل دعاءه لي بأن ترد علي بصري. "وشفعني فيه"؛ أي اقبل دعائي في أن تقبل دعاء النبي ﷺ لي٣.
وثمة أدلة أخرى استدلوا بها، كلها في مصاف الموضوعات، التي لا تنهض بها الحجة٤.
стр. 140
المطلب الثاني: اتخاذ القبور مساجد، والبناء عليها، والصلاة إليها من الوسائل المفضية إلى الشرك
تمهيد:
ذكرنا فيما مضى أن رسولنا ﷺ كان حريصا على حماية جناب التوحيد١.
ومن مظاهر حرصه ﷺ ، تلك الأحاديث الكثيرة التي قالها يحذر أمته عن سلوك الطرق التي تفضي إلى الشرك من اتخاذ القبور مساجد، أو البناء عليها، أو الصلاة إليها.
ويمكن تصنيف هذه الأحاديث وفق الموضوعات التالية:
أولا- أحاديث تنهى عن اتخاذ القبور مساجد، أو البناء عليها: ومنها:
١- ما جاء في الصحيح عن عائشة ﵂ أن أم سلمة ﵂ ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور؛ فقال ﷺ : "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" ٢. ويلاحظ الوعيد في هذا الحديث في قوله ﷺ : "أولئك شرار الخلق عند الله"، وهذا الوعيد يتناول من اتخذ قبور الأنبياء مساجد، ومعنى اتخاذها مساجد: أي بناء المساجد عليها٣. ومعلوم أن الفتنة بالقبور كالفتنة بالأصنام، أو أشد. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع ﷺ عن اتخاذ المساجد على القبور، هي التي أوقعت كثير من الأمم، إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر؛ ولهذا تجد أهل الشرك يتضرعون عندها ويخشعون ويخضعون ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله ولا وقت السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد٤. فنهى ﷺ عن بناء المساجد عليها حسما لمادة الشرك، وسدا للطرق المفضية إليه.
стр. 141
٢- ما روته أم المؤمنين عائشة، وابن عباس ﵁ قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه؛ فقال وهو كذلك:
"لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا.
قالت عائشة ﵂: ولولا ذلك لأبرز قبرهن غير أنه خشى أن يتخذ مسجدا١؛ أي: لولا نهيه ﷺ عن اتخاذ المساجد على القبور لكشف قبر النبي ﷺ ، ولم يتخذ عليه الحائل.
فلعن ﵊ في هذا الحديث من كان قبلنا، وأنكر عليهم. وإنكاره صنيعهم هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: أنهم يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما لهم.
والثاني: أنهم يجوزون الصلاة في دافن الأنبياء والسجود في مقابرهم، والتوجه إليها حالة الصلاة نظرا منهم بذلك إلى عبادة الله، والمبالغة في تعظيم النبياء. والأول هو الشرك الجلي، والثاني الخفي؛ فلذلك استحقوا اللعن٢.
٣- ما رواه جندب بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، إني أنهاكم عن ذلك" ٣. ولهذا النهي منه ﷺ "بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر الرسول ﷺ ، فأعلوا حيطان تربته، وسدوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبرة ﷺ ، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذا كان مستقبل المصلين، فتتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وتحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلث من جهة الشمال، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره"٤.
٤- ما رواه جابر بن عبد الله ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يخصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه٥.
стр. 142
ويلاحظ النهي عن البناء على القبور في هذه الأحاديث، واللعن على ذلك؛ "فهذا التحذير منه ﷺ ، واللعن عن مشابهة أهل الكتاب في بناء المساجد على قبر الرجل الصالح صريح في النهي عن المشابهة في هذا، ودليل على الحذر من جنس أعمالهم؛ حيث لا يؤمن في سائر أعمالهم أن تكن من هذا الجنس، ثم من المعلوم ما قد ابتلي به كثير من هذه الأمة؛ من بناء المساجد على القبور، واتخاذ القبور مساجد بلا بناء.
وكلا الأمرين محرم، ملعون فاعله بالمستفيض من السنة"١.
٥- ما رواه أبو الهياج الأسدي، قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : "أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته" ٢؛ ففي قوله: "أن لا تدع تمثالا إلا طمسته": الأمر بتغييير صور ذوات الأرواح٣.
وقوله: "ولا قبرا مشرفا إلا سويته": أي لا يرفع القبر على الأرض رفعا كثيرا، ولا يسنم، بل يرفع نحو شبر، ويسطح٤.
قال العلامة محمد بن علي الشوكاني ﵀: "اعلم أنه اتفق الناس سابقهم ولاحقهم، وأولهم وآخرهم، من لدن الصحابة ﵃ إلى هذا الوقت: أن رفع القبور والبناء عليها بدعة من البدع التي ثبت النهي عنها، واشتد وعيد رسول الله ﷺ لفاعلها"٥.
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: والتحقيق الذي لا شك فيه: أنه لا يجوز البناء على القبور، ولا تجصيصها٤، واستدل بالحديثين السابقين.
ثانيا: أحاديث تنهى عن الصلاة إلى القبور، أو اتخاذها عيدا: ومنها:
الأحاديث التي تقدمت بالنهي عن اتخاذ القبور مساجد، دليل واضح في النهي عن الصلاة إليها؛ لأن من قصد القبور للصلاة عندها، أو إليها، فقد اتخذها مساجد وأعيادا، وارتكب ما نهى الله ورسوله عنه، ووقع في وسيلة من وسائل الشرك الأكبر٦.
стр. 143
وقد دلت أحاديث كثيرة على تحريم الصلاة إلى القبور، أو اتخاذها عيدا، ومن ذلك:
١- ما رواه أبو مرثد الغنوي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا إليها" ١؛ ففيه تصريح بالنهي عن الصلاة إلى قبر. قال الشافعي ﵀: وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ معلقا على هذا الحديث: فلا يجوز أن يصلي إلى شيء من القبور؛ لا قبور الأنبياء ولا غيرهم، لهذا الحديث الصحيح، ولا خلاف بين المسلمين أنه لا يشرع أن يقصد الصلاة إلى القبر، بل هذا من البدع المحدثة، وكذلك قصد شيء من القبور لا سيما قبور الأنبياء والصالحين عند الدعاء. وإذا لم يجز قصد استقباله عند الدعاء لله تعالى، فدعاء الميت نفسه أولى أن لا يجوز، كما أنه لا يجوز أن يصلي مستقبله، فلأن لا يجوز الصلاة له بطريق الأولى٣.
٢- ما رواه أبو هريرة رضي الله عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" ٤.
فإذا كان هذا في حق قبره ﷺ الذي هو أفضل قبر على وجه الأرض، فكيف بقبر غيره من البشر. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ معلقا على هذا الحديث:
"ووجه الدلالة: أن قبر رسول الله ﷺ أفضل قبر على وجه الرض. وقد نهى عن اتخاذه عيدا. فقبر غيره أولى بالنهي كائنا من كان، ثم إنه قرن ذلك بقوله ﷺ : "ولا تتخذوا بيوتكم قبورا": أي لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور. فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور٥.
стр. 144
وقد ذكر الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀ أن من أعظم المحدثات وأسباب الشرك بالقبور: الصلاة عندها، واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها. وقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه١.
ولصحة هذه النصوص وتواترها عن النبي ﷺ ، وتنوع الوعيد الوارد فيها، أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من سلف هذه الأمة وجميع من سار على نهجهم على تحريم اتخاذ المساجد على القبور، أو البناء عليها، أو الصلاة إليها.
ومن غربة الإسلام أن هذا الذي لعن رسول الله ﷺ فاعليه تحذيرا لأمته أن يفعلوه معه ﷺ ومع الصالحين من أمته، قد فعله الخلق الكثير من متأخري هذه الأمة، واعتقدوه قربة من القربات، وهو من أعظم السيئات والمنكرات، وما شعروا أن ذلك محادة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم٢.
ملاحظة: لا يجوز الطواف بالقبور، ويعتبر شركا؛ لأن الطواف بالكعبة عبادة لله ؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] ؛ ولا يجوز صرف هذه العبادة لغير الله تعالى. والطواف بالقبور يعتبر تعظيما وعبادة لصاحب القبر، وفيه مضاهاة للطواف بالكعبة. والله إنما شرع حج بيته، والطواف به، ولم يشرع الطواف عند غيره؛ فالطواف ببيته توحيد وعبادة ونفي للشرك؛ لأن المعبود بحق أمرنا أن نصرفه إليه في ذلك المكان. قال : ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦] ٣.
стр. 145
المطلب الثالث: الغلو في الأنبياء والصالحين، والتبرك بآثارهم من الوسائل المفضية إلى الشرك
تمهيد:
أمة محمد ﷺ هي الأمة الوسط، وهي الأمة المجانبة للغلو والإجحاف، فلا إفراط عندها ولا تفريط. وقد نهيت هذه الأمة عن الغلو على لسان رسولها ﷺ ، في قوله: "إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" ١.
والنهي عن الغلو نهي عن الشرك؛ لأن الغلو مطية الشرك باله ، والشرك بالله أعظم ذنب عصي الله به.
لذلك يجب على أبناء هذه الأمة الحذر منه، لئلا يهلكوا كما هلك من كان قبلهم، فيخسروا دنياهم، ويوبقوا أخراهم.
ومن مظاهر الغلو الذي نهينا عنه: الغلو في الأنبياء والصالحين؛ فإن الشياطين ما اجتالت البشرية عن فطرتها التي فطرها الله عليها، إلا بالغلو في رجال صالحين، حتى قال قائلها: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] .
وبيان هذا المظهر من مظاهر الغلو الذي نهينا عنه يمكن في المسائل التالية:
المسألة الأولى: المبالغة في مدح الأشخاص
المخلوق له منزلة لا يتعداها. فإن جاوز الناس فيها حدها؛ فقد غلوا فيه. وإنما حدثت عبادة الأصنام بسبب الغلو في المخلوق، وإنزاله فوق منزلته، حتى جعل فيها حظ من الإلهية، وشبه بالله تعالى. وهذا هو التشبيه الذي أبطله الله ، وبعث رسله بإنكاره، والرد على أهله٢.