٢- ما روته أم المؤمنين عائشة، وابن عباس ﵁ قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه؛ فقال وهو كذلك:
"لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا.
قالت عائشة ﵂: ولولا ذلك لأبرز قبرهن غير أنه خشى أن يتخذ مسجدا١؛ أي: لولا نهيه ﷺ عن اتخاذ المساجد على القبور لكشف قبر النبي ﷺ ، ولم يتخذ عليه الحائل.
فلعن ﵊ في هذا الحديث من كان قبلنا، وأنكر عليهم. وإنكاره صنيعهم هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: أنهم يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما لهم.
والثاني: أنهم يجوزون الصلاة في دافن الأنبياء والسجود في مقابرهم، والتوجه إليها حالة الصلاة نظرا منهم بذلك إلى عبادة الله، والمبالغة في تعظيم النبياء. والأول هو الشرك الجلي، والثاني الخفي؛ فلذلك استحقوا اللعن٢.
٣- ما رواه جندب بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، إني أنهاكم عن ذلك" ٣. ولهذا النهي منه ﷺ "بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر الرسول ﷺ ، فأعلوا حيطان تربته، وسدوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبرة ﷺ ، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذا كان مستقبل المصلين، فتتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وتحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلث من جهة الشمال، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره"٤.
٤- ما رواه جابر بن عبد الله ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يخصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه٥.
стр. 142
ويلاحظ النهي عن البناء على القبور في هذه الأحاديث، واللعن على ذلك؛ "فهذا التحذير منه ﷺ ، واللعن عن مشابهة أهل الكتاب في بناء المساجد على قبر الرجل الصالح صريح في النهي عن المشابهة في هذا، ودليل على الحذر من جنس أعمالهم؛ حيث لا يؤمن في سائر أعمالهم أن تكن من هذا الجنس، ثم من المعلوم ما قد ابتلي به كثير من هذه الأمة؛ من بناء المساجد على القبور، واتخاذ القبور مساجد بلا بناء.
وكلا الأمرين محرم، ملعون فاعله بالمستفيض من السنة"١.
٥- ما رواه أبو الهياج الأسدي، قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : "أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته" ٢؛ ففي قوله: "أن لا تدع تمثالا إلا طمسته": الأمر بتغييير صور ذوات الأرواح٣.
وقوله: "ولا قبرا مشرفا إلا سويته": أي لا يرفع القبر على الأرض رفعا كثيرا، ولا يسنم، بل يرفع نحو شبر، ويسطح٤.
قال العلامة محمد بن علي الشوكاني ﵀: "اعلم أنه اتفق الناس سابقهم ولاحقهم، وأولهم وآخرهم، من لدن الصحابة ﵃ إلى هذا الوقت: أن رفع القبور والبناء عليها بدعة من البدع التي ثبت النهي عنها، واشتد وعيد رسول الله ﷺ لفاعلها"٥.
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: والتحقيق الذي لا شك فيه: أنه لا يجوز البناء على القبور، ولا تجصيصها٤، واستدل بالحديثين السابقين.
ثانيا: أحاديث تنهى عن الصلاة إلى القبور، أو اتخاذها عيدا: ومنها:
الأحاديث التي تقدمت بالنهي عن اتخاذ القبور مساجد، دليل واضح في النهي عن الصلاة إليها؛ لأن من قصد القبور للصلاة عندها، أو إليها، فقد اتخذها مساجد وأعيادا، وارتكب ما نهى الله ورسوله عنه، ووقع في وسيلة من وسائل الشرك الأكبر٦.
стр. 143
وقد دلت أحاديث كثيرة على تحريم الصلاة إلى القبور، أو اتخاذها عيدا، ومن ذلك:
١- ما رواه أبو مرثد الغنوي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا إليها" ١؛ ففيه تصريح بالنهي عن الصلاة إلى قبر. قال الشافعي ﵀: وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس٢.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ معلقا على هذا الحديث: فلا يجوز أن يصلي إلى شيء من القبور؛ لا قبور الأنبياء ولا غيرهم، لهذا الحديث الصحيح، ولا خلاف بين المسلمين أنه لا يشرع أن يقصد الصلاة إلى القبر، بل هذا من البدع المحدثة، وكذلك قصد شيء من القبور لا سيما قبور الأنبياء والصالحين عند الدعاء. وإذا لم يجز قصد استقباله عند الدعاء لله تعالى، فدعاء الميت نفسه أولى أن لا يجوز، كما أنه لا يجوز أن يصلي مستقبله، فلأن لا يجوز الصلاة له بطريق الأولى٣.
٢- ما رواه أبو هريرة رضي الله عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" ٤.
فإذا كان هذا في حق قبره ﷺ الذي هو أفضل قبر على وجه الأرض، فكيف بقبر غيره من البشر. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ معلقا على هذا الحديث:
"ووجه الدلالة: أن قبر رسول الله ﷺ أفضل قبر على وجه الرض. وقد نهى عن اتخاذه عيدا. فقبر غيره أولى بالنهي كائنا من كان، ثم إنه قرن ذلك بقوله ﷺ : "ولا تتخذوا بيوتكم قبورا": أي لا تعطلوها عن الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور. فأمر بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور٥.
стр. 144
وقد ذكر الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀ أن من أعظم المحدثات وأسباب الشرك بالقبور: الصلاة عندها، واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها. وقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه١.
ولصحة هذه النصوص وتواترها عن النبي ﷺ ، وتنوع الوعيد الوارد فيها، أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من سلف هذه الأمة وجميع من سار على نهجهم على تحريم اتخاذ المساجد على القبور، أو البناء عليها، أو الصلاة إليها.
ومن غربة الإسلام أن هذا الذي لعن رسول الله ﷺ فاعليه تحذيرا لأمته أن يفعلوه معه ﷺ ومع الصالحين من أمته، قد فعله الخلق الكثير من متأخري هذه الأمة، واعتقدوه قربة من القربات، وهو من أعظم السيئات والمنكرات، وما شعروا أن ذلك محادة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم٢.
ملاحظة: لا يجوز الطواف بالقبور، ويعتبر شركا؛ لأن الطواف بالكعبة عبادة لله ؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] ؛ ولا يجوز صرف هذه العبادة لغير الله تعالى. والطواف بالقبور يعتبر تعظيما وعبادة لصاحب القبر، وفيه مضاهاة للطواف بالكعبة. والله إنما شرع حج بيته، والطواف به، ولم يشرع الطواف عند غيره؛ فالطواف ببيته توحيد وعبادة ونفي للشرك؛ لأن المعبود بحق أمرنا أن نصرفه إليه في ذلك المكان. قال : ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦] ٣.
стр. 145
المطلب الثالث: الغلو في الأنبياء والصالحين، والتبرك بآثارهم من الوسائل المفضية إلى الشرك
تمهيد:
أمة محمد ﷺ هي الأمة الوسط، وهي الأمة المجانبة للغلو والإجحاف، فلا إفراط عندها ولا تفريط. وقد نهيت هذه الأمة عن الغلو على لسان رسولها ﷺ ، في قوله: "إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" ١.
والنهي عن الغلو نهي عن الشرك؛ لأن الغلو مطية الشرك باله ، والشرك بالله أعظم ذنب عصي الله به.
لذلك يجب على أبناء هذه الأمة الحذر منه، لئلا يهلكوا كما هلك من كان قبلهم، فيخسروا دنياهم، ويوبقوا أخراهم.
ومن مظاهر الغلو الذي نهينا عنه: الغلو في الأنبياء والصالحين؛ فإن الشياطين ما اجتالت البشرية عن فطرتها التي فطرها الله عليها، إلا بالغلو في رجال صالحين، حتى قال قائلها: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] .
وبيان هذا المظهر من مظاهر الغلو الذي نهينا عنه يمكن في المسائل التالية:
المسألة الأولى: المبالغة في مدح الأشخاص
المخلوق له منزلة لا يتعداها. فإن جاوز الناس فيها حدها؛ فقد غلوا فيه. وإنما حدثت عبادة الأصنام بسبب الغلو في المخلوق، وإنزاله فوق منزلته، حتى جعل فيها حظ من الإلهية، وشبه بالله تعالى. وهذا هو التشبيه الذي أبطله الله ، وبعث رسله بإنكاره، والرد على أهله٢.
стр. 146
ورسولنا ﷺ هو سيد ولد آدم، وأفضل الأنبياء والمرسلين، وأول شافع وأول مشفع قد حذرنا من الغلو فيه، والإسراف في مدحه، حتى قال ﷺ : "لا تطروني١ كما أطرت النصارى ابن مريم؛ فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله رسوله" ٢.
وحين جاءه ناس فقالوا له: يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، قال: "يا أيا الناس! قولو بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، وأنا محمد عبد الله ورسوله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله " ٣.
فإذا كان هذا النهي في حقه ﷺ : أن لا يزاد في مدحه، فغيره أولى أن لا يزاد في مدحهم.
وليست المبالغة في مدحه ﷺ دليلا على محبته، فإن المحبة إنما تعلم بالاتباع، ولو كان هؤلاء المسرفين في المدح صادقين في حبه ﷺ ، لامتنعوا عن الغلو فيه؛ لأنه نهى عن ذلك، وأمرنا أن ننتهي عما نهانا عنه. يقول ﷺ : "فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" ٤.
ونحن نحبه ﷺ ، وهو أحب إلينا من أنفسنا، وآبائنا، وأبنائنا، وأهلينا، وأموالنا.
ونعلم أنه لا طريق إلى الله إلا بمتابعته ﷺ ، وفعل ما أمر، والانتهاء عما نهى عنه وزجر. فلا نفعل ما نهانا عنه من الغلو فيه، ومجاوزة الحد في شخصه الكريم.
المسألة الثانية: تصوير الأنبياء والصالحين، واتخاذ تماثيل لهم:
لقد كان سبب وقوع أول شرك في بني آدم، هو الغلو في الأشخاص وتقديسهم، واتخاذ تماثيل لهم؛ فقد روى البخاري في صحيحه، عن ابن عباس ﵄
стр. 147
قال: "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمذان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع؛ أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحي الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا. فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت" ١.
فـ "أول ما حدثت الأصنام على عهد نوح ﵇، وكانت البناء تبر الآباء، فمات رجل منهم، فجزع عليه، فجعل لا يصبر عنه؛ فاتخذ مثالا على صورته، فكلما اشتاق إليه نظره، ثم مات ففعل به كما فعل، حتى تتابعوا على ذلك. فمات الآباء، فقال الأبناء: ما اتخذ آباؤنا هذه إلا أنها كانت آلهتهم. فعبدوها٢.
فكان تساهلهم في تصوير هؤلاء الصالحين وتعليق صورهم في مجالسهم، من أسباب عبادة ذريتهم لهذه التماثيل من دون الله . يقول الإمام القرطبي ﵀: "إنما فعل ذلك أوائلهم ليأتنسوا برؤية تلك الصور، ويتذكروا بها أحوالهم الصالحة، فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون الله تعالى عند قبورهم؛ فمضت لهم بذلك أزمان. ثم إنه خلف من بعدهم خلف جهلوا أغراضهم، ووسوس لهم الشيطان أن آباءهم وأجدادهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها. فعبدوها. فحذر النبي ﷺ من مثل ذلك، وشدد النكير والوعيد على فعل ذلك، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك"٣.
وقد دلت الأحاديث الكثيرة على تحريم التصوير، خشية أن يؤدي تعليقها، والافتتان بها إلى عبادتها من دون الله ، ومن هذه الأحاديث:
стр. 148
١- ما تقدم عن أبي الهياج الأسدون، من قول علي بن أبي طالب ﵁ له: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : "أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته" ١.
٢- قوله ﷺ : "إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون" ٢، وفيه حرمة تصوير الحيوان.
قال النووي: قال العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر؛ لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد، وسواء صنعه لما يمتهن أم لغيره، فصنعه حرام٣.
٣- وجاء رجل إلى عبد الله بن عباس ﵄ فقال: يا أبا عباس! إني إنسان إنما معيشتي من صنعة يدي، وإني أصنع هذه التصاوير؛ فقال ابن عباس: لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله ﷺ ، سمعته يقول: "من صور صورة فإن الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ فيها أبدا" فربا الرجل ربوة شديدة واصفر وجهه.
فقال ابن عباس: ويحك إن أبيت إلا أن تصنع؛ فعليك بهذا الشجر؛ كل شيء ليس فيه روح٤.
٤- وقد دخل أبو هريرة ﵁ إلى دار مروان بن الحكم، فرأى فيها تصاوير. فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله : ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي؟ فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة" ٥.
стр. 149
المسألة الثالثة: التبرك بآثار الأنبياء والصالحين
التبرك: طلب البركة، والبركة: كثرة الخير، وزيادته، واستمراره١.
والشيء الذي يتبرك بهن قد يكون فيه بركة دينية، وقد يكون فيه بركة دنيوية، وقد يكون فيه بركة دينية ودنيوية معا.
فمثال الأول: المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد رسول الله ﷺ ، والمسجد الأقصى، لما فيها من الأجر العظيم لمن صلى فيها، وغير ذلك.
ومثال الثاني: الماء واللبن، لما فيهما من المنافع الدنيوية الكثيرة.
ومثال الثالث: القرآن؛ ففيه منافع دينية ودنيوية كثيرة. ويكفي أن من تمسك به أفلح في الدنيا والآخرة، وهو شفاء للقلوب والأبدان٢.
والتبرك المقصود في هذه المسألة، هو التبرك بالأشخاص، وهو ينقسم إلى قسمين:
١- تبرك بذواتهم.
٢- وتبرك بآثارهم.
وكلا النوعين يكون شركا إذا اعتقد المتبرك أن المتبرك به يهب البركة بنفسه؛ فيبارك في الأشياء استقلالا، أو يطلب منه الخير والنماء فيما لا يقدر عليه إلا الله.
وإنما قلنا بأنه شرك لأن الله موجد البركة وواهبها، والعباد سبب، يقول ﷺ حين تفجر الماء من بين أصابعه: "البركة من الله" ٣، ويقول ﵊ مخاطبا مولاه : "والخير كله في يديك" ٤.
أما إذا لم يعتقد المتبرك في المتبرك به أنه واهب البركة، بل نسب ذلك إلى الله ، فالأمر فيه تفصيل؛ لأن المتربك به قد يكون رسول الله ﷺ ، أو يكون غيره من الأولياء والصالحين.
أولا: المبترك به هو رسول الله ﷺ
إن كان المتبرك به هو رسول الله ﷺ ، فلا شك أن رسولنا ﷺ مبارك في ذاته وآثاره، كما كان مباركا في أفعاله٥.
стр. 150
ولقد تبرك صحابته ﵄ بذاته ﷺ ، وبآثاره الحسية المنفصلة منه ﷺ في حياته، وأقرهم ﷺ على ذلك، ولم ينكر عليهم. ثم إنهم ﵃ تبركوا ومن أتى بعدهم من سلف هذه الأمة الصالح بآثاره ﷺ بعد وفاته، مما يدل على مشروعية هذا التبرك١.
فقد تبركت أم المؤمنين عائشة ﵂ بيده الشريفة؛ فكانت تقرأ عليه بالمعوذات حين اشتد وجعه، وتمسح عليه بيده نفسه، رجاء بركتها، كما قالت٢.
وكان الصحابة ﵃ يمسحون بيديه ﷺ ، ويضعونها على وجوههم رجاء بركتها٣.
وكانوا يتبركون بشعره ﷺ ، وقد أقرهم على ذلك، بل إنه وزعه عليهم٤.
وكانوا يتبركون بعرقه٥ وبريقه٦ ﷺ ، وبنخامته فيدلكون بها وجوههم وجلودهم٧.
وكتب السنة مليئة بتبرك أولئك الأخيار بسيد المصطفين الأطهار ﷺ في حياته، وبعد وفاته٨.
ولقد كانت أعظم بركة نالوها: اتباعه ﷺ ، والاقتداء به، والسير على منهاجه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: كما كان أهل المدينة لما قدم عليهم النبي ﷺ في بركته لما آمنوا به وأطاعوه. فببركة ذلك حصل لهم سعادة الدنيا والآخرة.
بل كل مؤمن آمن بالرسول ﷺ وأطاعه حصل له من بركة الرسول ﷺ بسبب إيمانه وطاعته من خير الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله٩.
стр. 151
ثانيا: المتبرك به غير رسول الله ﷺ ؛ من الأولياء والصالحين:
لم يرد دليل صحيح يجيز التبرك بغير النبي ﷺ ، وهذا يجعل التبرك بأجساد الصالحين وآثارهم يدخل في دائرة التبرك البدعي؛ لذلك لم يرد عن أحد من أصحاب النبي ﷺ ، ولا عن أحد من التابعين أنهم تبركوا بأحد من الصالحين؛ فلم يتبركوا بأفضل هذه الأمة بعد نبيها، وهو أبو بكر الصديق ﵁، ولا بغيره من العشرة المبشرين بالجنة، ولا بأحد من أهل البيت، ولا غيرهم. ولو كان خيرا لسبقونا إليه؛ لحرصهم الشديد على فعل جميع أنواع البر والخير١.
وقد أمعوا كلهم ﵃ على ترك التبرك بجسد أو آثار أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
فدل ذلك على عدم مشروعية هذا التبرك.
ولا يجوز أن يقاس على رسول الله ﷺ أحد من البشر لوجوه٣؛ منها:
١- عدم المقاربة؛ فضلا عن المساوة للنبي ﷺ في الفضل والبركة؛ فليس أحد من الأولياء أو الصالحين يقاس برسول الله ﷺ في فضله أو بركته.
٢- عدم تحقق الصلاح؛ فإنه لا يتحقق إلا بصلاح القلب. وهذا أمر لا يمكن الاطلاع عليه إلا بنص؛ كالصحابة الذين أثنى الله عليهم ورسوله، أو أئمة التابعين، ومن اشتهر بصلاح ودين، كالأئمة الأربعة ونحوهم من الذين تشهد لهم الأئمة بالصلاح. أما غيرهم؛ فغاية الأمر أن نظن أنهم صالحون، فنرجو لهم.
٣- لو ظننا صلاح شخص، فلا نأمن أن يختم له بخاتمة سوء. والأعمال بالخواتيم. فلا يكون أهلا للتبرك بآثاره.
٤- أن الصحابة ﵁ لم يكونوا يفعلون ذلك مع غير رسولنا ﷺ لا في حياته، ولا بعد موته ولو كان خيرا لسبقونا إليه.
إذا ليس لأحد أن يتبرك بجسد أو آثار أحد كائنا من كان، لإجماع الصحابة على ترك التبرك بأجساد أو آثار غيره ﷺ من الأولياء والصالحين.
стр. 152
المطلب الرابع: الأعياد والاحتفالات البدعية من الوسائل المفضية إلى الشرك
تمهيد:
شرع الله لأمة محمد ﷺ عيدين سنويين، وعيدا أسبوعيا؛ ففي الدنيا للمؤمنين ثلاثة أعياد: عيد يتكرر كل أسبوع، وعيدان يأتيان في كل عام مرة مرة، من غير تكرر في السنة١، وهما عيد الفطر وعيد الأضحى.
فلا يجوز إحداث أعياد أو احتفالات أخرى. بل كل ما أحدث يدخل تحت مسمى البدعة التي نهى عنها رسول الله ﷺ بقوله: "وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" ٢.
قول الحافظ ابن رجب ﵀: وأصل هذا أنه لا يشرع أن يتخذ المسلمون عيدا، إلا ما جاءت الشريعة باتخاذه عيدا، وهو يوم الفطر، ويوم الأضحى وأيام التشريق، وهي أعياد العام، ويوم الجمعة، وهو عيد الأسبوع. وما عدا ذلك فاتخاذه عيدا وموسما بدعة لا أصل له في الشريعة٣.
وقد أدث الناس أعيادا لم يشرعها الله ، ولا رسوله ﷺ ، فابتدعوا في دين الله، وزادوا فيه ونقصوا، وعارضوا بصنيعهم قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: من الآية٣] .
وقد قسم الدكتور عبد الله بن جبرين ما أحدثه الناس من الأعياد والاحتفالات إلى ثلاثة أنواع٤:
стр. 153
النوع الأول:
أيام لم تعظمها الشريعة أصلا، ولم يحدث فيها حادث له شأن، ومن أمثلة هذا النوع: ما أحدث في شهر رجب من عبادات؛ صلاة، أو صيام، أو زكاة، أو غير ذلك. يقول الحافظ ابن رجب: فأما الصلاة فلم يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة تختص به، والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذب، وباطل لا تصح. وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء١.
وأماالصيام فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه رضي الله عنه١. وأما الزكاة فقد اعتاد أهل هذه البلاد إخراج الزكاة في شهر رجب، ولا أصل له في السنة، ولا عرف عن أحد من السلف٢.
النوع الثاني:
أيام وليالي جاء في الشرع ما يدل على فضلها؛ فهذه يتقييد المسلم بالعبادات المشروعة فيها، ولا يحدث عبادات ليس لها أصل في الشرع، ومن أمثلة هذا النوع ما أحدث في ليلة النصف من شعبان من صلاة الألفية، وغير ذلك. وهذه الصلاة المحدثة -كما ذكر العلامة ابن القيم- وضعت في الإسلام بعد أربعمائة سنة من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم٣.
النوع الثالث:
أيام وليالي حدثت فيها حوادث مهمة، ولكن لم يأت في الشرع ما يدل على فضلها، أو على مشروعية التعبد لله أو الاحتفال فيها. ومن أمثلة هذا النوع:
١- حادثة الإسراء والمعراج:
فالإسراء والمعراج حادثتان ثابتان في كتاب الله ، وفي سنة رسول الله ﷺ ، ولكن لم يرد في تحديد وقتهما حديث صحيح ولا ضعيف. بل ليس هناك ما يعتمد عليه في تحديد الشهر الذي حدثتا فيه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: لم يقم دليل علوم لا على شهرها، ولا على عشرها، ولا على عينها، بل النقول في ذلك منقطعة مختلفة، ليس فيها ما يقطع به٤.
стр. 154
ولو ثبت أن هذه الحادثة وقعت في ليلة بعينها، فلا يجوز تخصيصها، أو تفضيلها على غيرها من الليالي بشيء من العبادات، لعدم ورود الشرع بشيء من ذلك.
ومن فعل شيئا من ذلك فقد ابتدع في دين الله ما ليس منه. يقول الشيخ علي محفوظ ﵀ عن ابتداع أصحاب هذا العصر احتفالات ما أنزل الله بها من سلطان: ومنها ليلة المعراج التي شرف الله تعالى هذه الأمة بما شرع لهم فيها، وقد تفنن أهل هذا الزمان بما يأتونه في هذه الليلة من المنكرات، وأحدثوا فيها من أنواع البدع ضروبا كثيرة؛ كالاجتماع في المساجد، وإيقاد الشموع والمصابيح فيها وعلى المنارات، مع الإسراف في ذلك، واجتماعهم للذكر والقراءة، وتلاوة قصة المعراج١.
٢- حادثة المولد النبوي:
لم يستطع العلماء تحديد ليلة بعينها ولد فيها رسولنا ﷺ ، بل ولا شهر بعينه، وبينهم في ذلك خلاف مشهور؛ فمنهم من قال إنه ولد في رجب، ومنهم من قال في رمضان، ومنهم من قال في ربيع الأول. حتى من قالوا إنه ﷺ ولد في ربيع الأول اختلفوا في تحديد يوم مولده: أهو الثاني، أو الثامن، أو العاشر، أو الثاني عشر، أو السابع عشر، أو الثامن عشر، أو الثاني والعشرين٢.
وأتى العبيديون في القرن الرابع الهجري، فجزموا أن مولده ﷺ كان في شهر ربيع الأول؛ في الثاني عشر منه، وأحدثوا الاحتفال فيه٣، فخالفوا ما عليه المسلمون طيلة أربعة قرون. على الرغم من عدم وجود ما يرجح قولهم.
والذي أجمع عليه العلماء: أن الأمة الإسلامية أصيبت في هذا الشهر بأعظم مصاب، وهو وفاته ﷺ ، والذي عليه جمهورهم أيضا: أنها كانت في الثاني عشر من هذا الشهر٤.
стр. 155
فمن احتفل بمولده ﷺ في شهر ربيع الأول، وفي الثاني عشر منه، فإنما يحتفل بمصاب الأمة؛ لما تقدم من إجماع العلماء على أن وفاته ﷺ كانت يوم الاثنين، في شهر ربيع الأول، وقول جمهورهم أنها في الثاني عشر منه. وليس من محبته أن نقيم احتفالا يوم وفاته.
ولو فرض أن مولده ﷺ كان في هذا الشهر، وفي الثاني عشر منه، لما جاز لأحد أن يحتفل بهذه المناسبة؛ لعدم ورود دليل شرعي يجيز ذلك؛ ولأن الصحابة ﵁ لم يفعلوه، مع أنهم أشد اتباعا له ﷺ ، وأشد حبا ممن أتى بعدهم. وكذلك لم يفعله أهل القرون الثلاثة المفضلة؛ فلو كان خيرا لسبقونا إليه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في شأن اتخاذ مولد النبي ﷺ عيدا: فإن هذا لم يفعله السلف، مع قيام المقتضى له، وعدم المانع فيه لو كان خيرا. ولو كان هذا خيرا محضا أو راجحا، لكان السلف ﵃ أحق به منا؛ فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﷺ وتعظيما له منا، وهم على الخير أحرص. وغنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته، وطاعته، واتباع أمره، وإحياء سنته باطنا وظاهرا، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان.
فإن هذه طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان١.
ولا أدل على عدم احتفال السلف الصالح بالمولد النبوي من اختلافهم في تعيين تاريخ ولادته ﷺ ؛ فلو كان يشرع فيها شيء من العبادات -على سبيل الافتراض- لعينها الصحابة واهتموا بها، ولكانت معلومة مشهورة٢.
"وبالجملة فإنه ينبغي للمسلم الذي يحب الله تعالى، ويحب نبيه ﷺ أكثر مما يحب نفسه وولده، أن يسير على خطى ومنهج الحبيب محمد بن عبد الله ﷺ -فداه أبي وأمي- وأن يكثر من قراءة وحفظ الكتاب الذي أنزل عليه، ومن حفظ وتدارس سنته وسيته في كل أيام وليالي العام، وأن يكثر من الصلاة والسلام عليه في جميع الأوقات، وبالأخص في كل يوم جمعة وليلتها من كل أسبوع٣.
стр. 156
الفصل الثاني: الكفر، وأنواعه
المبحث الأول: معنى الكفر
معنى الكفر لغة:
الكفر في اللغة: الجحود. وأصله من الكفر، وهو الستر والتغطية. يقال: كفر الشيء كفرا: ستره وغطاه. ويقال: كفر الزارع البذور بالتراب، غطاها وسترها؛ فهو كافر. وكفر التراب ما تحته: غطاه. وكفر الليل الأشياء بظلامه، غطاها وسترها، فهو كافر، وتكفر بالشيء: تغطى به وتستر. وكفر نعمة الله، وكفر بها كفورا وكفرانا: جحدها وسترها١.
معنى الكفر في الشرع:
الكفر ضد الإيمان، ويعرف شرعا بأنه: جحد ما لا يتم الإسلام بدونه. أو جحد ما لا يتم كمال الإسلام بدونه٢.
والصلة بين المعنيين: أن جاحد الحق كأنه ساتر له، مغطية، وجاحد نعم الله: كأنه ساتر لها، مغطيها٣.
ملاحظة هامة:
التكفير من الأحكام الشرعية -التي يطلقها الشارع؛ فلا يجوز لأحد إطلاقه بمجرد الهوى، أو بقياس عقلي، أو نحو ذلكن بل هو حق لله ورسوله ﷺ ، فلا يطلق هذا الوصف على أحد إلا بعد استحقاقه له. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: فإن الإيجاب والتحريم والثواب والعقاب والتكفير والتفسيق هو إلى الله ورسوله، ليس لأحد في هذا حكم؛ وإنما على الناس إيجاب ما أوجبه الله ورسوله، وتحريم ما حرمه الله ورسوله٤.
стр. 157
المبحث الثاني: أنواع الكفر الأكبر
تمهيد:
الكفر نوعان: كفر أكبر، وكفر أصغر؛ فالكفر الأكبر اعتقادي، يخرج من الإيمان بالكلية. والكفر الأصغر عملي، ينافي كمال الإيمان، ولا ينافي مطلقه؛ فهو لا يخرج من الإيمان بالكلية، بل ينقص من كماله١.
والحديث في هذا المبحث منصب على الكفر الأكبر، وهو الاعتقادي، الذي ينافي الإيمان، ويضاده من كل وجه، ويخرج صاحبه عن الدين والملة، ويوجب له الخلود في النار، كما قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦] .
وغنما قلنا عن هذا النوع إنه اعتقادي، لأن مقره القلب.
وقلنا إنه ينافي الإيمان ويضاده؛ لأننا عرفنا الإيمان بأنه قول وعمل؛ "قول القلب وعمله، وقول اللسان، وعمل الجوارح"؛ فإذا زالت هذه الأربعة، زال الإيمان بالكلية، وإذا زال تصديق القلب، لم تنفع البقية١. والكافر جاحد غير مصدق كما بينا ذلك آنفا.
والكفر الأكبر أنواع متعددة، من لقي الله بنوع منها، لم يغفر له، وقد ذكر بعضها العلامة ابن القيم ﵀ بقوله: وأما الكفر الأكبر، فخمسة أنواع: كفر تكذيب، وكفر استكبارا وإباء مع التصديق، وكفر إعراض، وكفر شكن وكفر نفاق٢.
ومن أنواع الكفر الأكبر أيضا: كفر البغض، والكفر بدعوى علم الغيب.
وسأقتصر على ذكر بعض أنواع الكفر الأكبر -بإذن الله- في المطالب التالية:
стр. 158
المطلب الأول: من أنواع الكفر الأكبر "كفر الجحود "
أولا: تعريفه
هو أن يعرف الإنسان الحق بقلبه؛ لكنه لا يقر به ولا يعترف به بلسانه، وبالتالي لا ينقاد بجوارحه، فهو جاحد له ظاهرا، مع معرفته باطنا١.
ثانيا: من الأمثلة عليه، مع الأدلة
١- كفر فرعون وقومه؛ حيث جحدوا الله بألسنتهم، مع معرفتهم له بقلوبهم.
كما قال عنهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤] ، وعللوا جحودهم بقولهم -كما حكى الله عنهم: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] .
٢- كفر اليهود؛ حيث جحدوا نبوة رسولنا ﷺ ، وكتموا أمره، وكتموا صفاته الموجودة في كتبهم، على الرغم من معرفتهم له كمعرفتهم لأبنائهم، يقول عنهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] ، ويقول : ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: من الآية ٨٩] .
ثالثا: نوعا كفر الجحود
قسم العلامة ابن القيم ﵀ كفر الجحود إلى نوعين: جحود مطلق عام، وجحود مقيد خاص؛ فالمطلق: أن يجحد جملة: ما أنزل الله، وإرساله الرسول.
والخاص المقيد: أن يحد فرضا من فروض الإسلام، أو تحريم محرم من محرماته، أو صفة وصف الله بها نفسه، أو خبرا أخبر الله به؛ عمدا، أو تقديما لقول من خالفه عليه، لغرض من الأغراض٢.
رابعا: أمر يجدر التنبيه إليه
من جحد شيئا مما تقدم ذكره -في أمثلة الجحود الخاص المقيد- جهلا أو تأويلا يعذر فيه صاحبه، فلا يكفر صاحبه به؛ كحديث الذي جحد قدرة الله عليه، وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح. ومع هذا فقد غفر الله له، ورحمه لجهله؛ إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه، ولم يجحد قدرة الله على إعادته عنادا أو تكذيبا٢.
стр. 159
المطلب الثاني: من أنواع الكفر الأكبر "كفر الإباء والاستكبار "
أولا: تعريفه
هو أن يعرف الإنسان الحق بقلبه، ويعترف به بلسانه، ولكنه يأبى أن يقبله أو يدين به؛ إما أشرا وبطرا، وإما احتقارا له ولأهله، أو لسبب آخر١.
ثانيا: من الأمثلة عليه، مع الأدلة
١- كفر إبليس؛ فإنه لم يجحد أمر الله ، ولا قابله بالإنكار، وغنما تلقاه بالإباء والاستكبارا٢؛ كما قال : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] .
٢- كفر من عرف صدق الرسول ﷺ ، وأنه جاء بالحق من عند الله ؛ عرف، وأقر بذلك، ولم يشك في صدقه؛ لكنه لم ينقد إليه إباء واستكبارا، أو أخذته الحمية وتعظيم الآباء أن يرغب عن ملتهم، أو يشهد عليهم بالكفر٢.
وخير من يمثل هذه الحال: أبو طالب عم رسول الله ﷺ ، الذي عرف صدق ابن أخيه، واعترف بذلك قائلا:
ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا٣
لكن هذه المعرفة والإقرار لم ينفعاه؛ لأنه أبى أن ينقاد ويقول: "لا إله إلا الله محمد رسول الله"؛ خشية أن يقال: ترك دين آبائه وأجداده. وقد سأل العباس ﵁ رسول الله ﷺ عن حال أبي طالب في الآخرة، فأجابه: "هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار" ٤؛ فهو خالد في النار، لكن عذابه أهون من غيره.
стр. 160
المطلب الثالث: من أنواع الكفر الأكبر الكفر بدعوى علم الغيب
أولا: تعريفه
هو اعتقاد أن احدا غير الله تعالى يعلم الغيب. وهو كفر لمعارضته لقوله :
﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥] ، وقوله : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] .
ثانيا: من الأمثلة عليه
الأمثلة على هذا النوع كثيرة، ويمكن بيان بعضها في المسائل التالية.
المسألة الأولى: السحر
أولا: تعريفه
السحر في اللغة: ما خفي ولطف سببه١. وفي الاصطلاح: عزائم ورقى وعقد وكلام يتكلم به، أو يكتب، أو يعمل شيء يؤثر في القلوب والأبدان والعقول؛ فيمرض، ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه٢.
ثانيا: قسما السحر: السحر قسمان ٣
قسم: خيالات ترهب بظاهرها، وتؤثر في القلوب، بيد أنه لا حقيقة لها؛ كسحر سحرة فرعون. قال تعالى عنه: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: من الآية٦٦] .
وقسم: له حقيقة؛ كالذي حدث لر سول الله صلى الله عليه وسلم٣، حين سحره اليهودي لبيد بن أعصم؛ فعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ سحر حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء، وما يفعله، حتى أتاه ملكان؛ فقعد أحدهما عند رجليه ﷺ ، والآخر عند رأسه، فأخبراه بصنيع اليهودي، وأنه سحره في مشط ومشاطة؛ جعله في وعاء طلع النخل، ودفنه في بئر ذي أروان، فأخرجه رسول الله صلى الله عليه وسلم٤.
стр. 161
ثالثا: حكم السحر، مع الدليل: السحر محرم بالكتاب والسنة والإجماع.
وهو من أكبر الكبائر، ومن السبع الموبقات.
ودليل ذلك من كتاب الله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] ؛ فدلت هذه الآية الكريمة على أن السحر كفر، وأن السحرة يفرقون بين المرء وزوجه، كما دلت على أن السحر ليس بمؤثر لذاته نفعا ولا ضرا، وإنما يؤثر بغذن الله الكوني والقدري؛ لأن الله هو الذي خلق الخير والشر. كما دلت الآية الكريمة على أن الذين يتعلمون السحر إنما يتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، وأنه ليس لهم عند الله من خلاق -أي من حظ ونصيب. وهذا وعيد عظيم يدل على شدة خسارتهم في الدنيا والآخرة، وأنهم باعوا أنفسهم بأبخس الأثمان١.
ودليل حرمة السحر من السنة: قوله ﷺ : "اجتنبوا الموبقات: الشرك بالله، والسحر" ٢.
فالسحر من الموبقات. يقول الإمام النووي ﵀ عن السحر: عمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع، وقد عده النبي ﷺ من السبع الموبقات. ومنه ما يكون كفرا، ومنه ما لا يكون كفرا؛ بل معصية كبيرة. فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر، فهو كفر، وإلا فلا. وأما تعلمه وتعليمه فحرام٣؛ فالسحر قد يكون كفرا إذا كان فيه تعظيم غي الله؛ من الجن والشياطين والكواكب وغيرهم، وإذا كان فيه ادعاء علم الغيب.
وأكثر العلماء على أن الساحر كافر يجب قتله٤، وحده -كما في الحديث-: "ضربة بالسيف"٥. وسئل الإمام أحمد عن الساحر، فقال: إذا عرف بذلك فأقر؛ يقتل٦.
стр. 162
رابعا: علاج السحر:
حصل العلاج بأن يقرأ على المسحور: سورة الإخلاص، والمعوذتين، وآية الكرسي، والآيات التي ذكر فيها السحر، وخاصة التي في سورة يونس، في قوله :
﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١] ، شريطة أن يصدر ذلك عن إخلاص، وصدق، وتوكل، وإيمان جازم بأن النافع والضار هو الله وحده.
ولو أضاف سبع ورقات من السدر الأخضر، ودقهن، ووضعهن في ماء تقرأ فيه تلك الآيات، ويحسو منها المسحور ثلاث حسوات، ويغتسل بالباقي، لكان ذلك أفضل١.
المسألة الثانية: الكهانة
أولا: تعريف الكاهن
الكاهن هو الذي يدعي أنه يعلم الغيب، وهو لفظ يطلق على العراف، والرمال، والذي يضرب بالحصى، والمنجم٢؛ فكل من أخبر عن المغيبات في المستقبل، هو كاهن، وكل من ادعى معرفة علم شيء من المغيبات، فهو إما داخل في اسم الكاهن، او مشارك له في المعنى، فيلحق به٣.
فائدة:
سئل الإمام أحمد ﵀: الكاهن شرا أو الساحر؟ قال: كل شر٤.
ثانيا: حكم الكهانة، مع الدليل
الكهانة محرمة بالكتاب، والسنة، والإجماع.
يقول الله مخاطبا رسوله ﷺ : ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] .
ووجه الدلالة من هذه الآية على تحريم الكهانة: أن الله نفي الكهانة عن نبيه ﷺ ؛ لأن الكهان يدعون علم الغيب. ومجرد ادعاء علم الغيب كفر بواح، فاعتبر الله السلامة من الكهانة نعمة. ومفهوم ذلك أن الكهانة تتنافى مع نعمة الإسلام٥.
стр. 163
ومن السنة قوله ﷺ : "ليس منا من تطير أو تطير لهن أوتكهن أو تكهن لهن أو سحر أو سحر له، ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ " ١؛ ففي قوله ﷺ : "أو تكهن أو تكهن له" إشارة إلى أن من تلقى الكهانة عمن يتعاطها، فقد برئ منه رسول الله ﷺ . ففيه وعيد وتحذير من مجرد إتيان الكهان والعرافين ونحوهم ممن يدعون معرفة الغيب -ولو لم يصدقهم- ويشهد لهذا المعنى قوله ﷺ : "من أتى عرافا فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة" ٢. هذا إذا سأله ولم يصدقه. أما إذا سأله، ودقهن فالوعيد أشد -والعياذ بالله تعالى، يقول ﷺ : "من أتى كاهنا فصدقه بما يقول، أو أتى امرأة حائضا، أو أتى امرأة في دبرها، فقد برئ مما أنزل الله على محمد ﷺ " ٣.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ ﵀ معلقا على هذا الحديث: ظاهر الحديث أنه يكفر متى اعتقد صدقه بأي وجه كان٤.
فإذا كان هذا حال من أتى الكاهن، فما هو حال الكاهن نفسه؟!
المسألة الثالثة: التنجيم
أولا: تعريفه
التنجيم -كما يزعم أهله: هو الاستدلال على الحوادث الأرضية قبل حدوثها بالنظر في الأحوال الفلكية٥؛ فيخبر أهل هذه الصناعة عما سيقع في العالم مستقبلا، ويزعمون أنهم استفادوا ذلك من النظر في سير الكواكب في مجاريها، واجتماعها واقترانها، زاعمين أن لها تأثير في العالم السفلي٦.
стр. 164
ثانيا حكم التنجيم، مع الدليل:
قبل الحديث عن حكم التنجيم، تجدر الإشارة إلى أن التنجيم نوعان:
أحدهما: مباح، وهو ما يعرف بعلم الحساب، أو علم التسيير؛ كمعرفة وقت الكسوف، والخسوف، والرصد، وهبوب الرياح، واتجاهاتها، مع الاعتقاد الجازم أن كل شيء يجري في هذا الكون بقضاء الله وقدره. وعند الإخبار بشيء من ذلك يقيد الكلام بمشيئة الله، وبعبارة التوقع؛ فهذا قال العلماء بجوازه. ولا يدخل تحت هذه المسألة١.
أما النوع الثاني: وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية؛ فيدعي المنجم أنه من خلال النظر في النجوم يمكن أن يعرف ما سيقع في الأرض؛ من نصر قوم، أو هزيمة آخرين، أو موت أو حياة، أو قيام أو زوال، أو خسارة لرجل، وربح لآخر.
فهذا النوع هو المراد بهذه المسألة، وهو محرم، وصاحبه يعتبر كافر كفار بواحا إذا اعتقد أن للنجوم تأثيرا ذاتيا في الحوادث الأرضية.
ومن الأدلة على تحريم التنجيم: أن الله إنما خلق النجوم زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدي بها. لم يخلقها سبحانه للاستدلال بها على ما يجري على الأرض.
يقول الله : ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] ، ويقول : ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٧] .
وقد دلت السنة على تحريم التنجيم؛ فمن ذلك: قول رسول الله ﷺ : "من اقتبس شعبة من النجوم، فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد" ٢. وقوله ﷺ : "إن أخوف ما أخاف على أمتي في آخر زمانها: النجوم، وتكذيب بالقدر، وحيف السلطان" ٣.
стр. 165
المبحث الثالث: أنواع الكفر الأصغر
تمهيد:
الكفر الأصغر أحد نوعي الكفر. ومن الفروق بينه وبين الكفر الأكبر١:
١- الكفر الأكبر يحبط العمل؛ كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨] . والأصغر لا يحبط العمل، وإن كان ينقصه.
٢- الكفر الأكبر كفر اعتقادي، والكفر الأصغر كفر عملي.
٣- الكفر الأكبر يخرج من ملة الإسلام، وأما الأصغر فلا يخرج، وصاحبه مؤمن ناقص الإيمان.
٤- الكفر الأكبر إذا مات العبد عليه لم يغفر له. والكفر الأصغر إن مات العبد عليه فهو تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذبه. ولا ينافي ذلك إيجابه للوعيد؛ لأننا نقول إن استحقاقه للوعيد لا يمنع العفو عنه.
٥- الكفر الأكبر يوجب الخلود في النار؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦] ، والكفر الأصغر لا يوجب الخلود في النار إن دخلها صاحبه.
أولا: تعريف الكفر الأصغر
هو كل معصية أطلق عليها الشارع اسم الكفر، مع بقاء اسم الإيمان على عاملها٢؛ فهو معصية عملية لا تخرج عن أصل الإيمان، وإنما توجب لصاحبها الوعيد بالنار، دون الخلود فيها. وسميت كفرا لأنها من خصال الكفر٣.
ثانيا: من أشهر أنواع الكفر الأصغر
للكفر الأصغر أنواع متعددة ضابطها ما تقدم في التعريف:
كل معصية أطلق الشارع عليها اسم الكفر، مع بقاء اسم الإيمان على عاملها.
وبيان بعض هذه الأنواع يمكن في المطالب التالية:
стр. 166
المطلب الأول: من أنواع الكفر الأصغر كفر النعمة
أولا: المراد به
نسبة النعم التي أنعم الله بها علينا إلى غير المنعم ، أو استعمالها في غير مرضات الله؛ كالإسراف، والتبذير، وشراء المحرمات، أو إعطاء النعم لمن نهانا ربنا عن إعطائهم؛ كالسفهاء من الصبيان وغيرهم. قال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] .
ثانيا: الأدلة عليه، من الأدلة على كفر النعمة:
١- قول الله : ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] .
٢- قول الله : ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] ؛ فهؤلاء عرفوا نعم الله ، وعروفا أن الله هو المنعم عليهم بها، ولكنهم جحدوها، وزعموا أنهم ورثوها كابرا عن كابر١.
٣- قصة الثلاثة: الأبرص، والأقرع، والأعمى، الذين أنعم الله عليهم بإصلاح حالهم وبالمال، فجحد اثنان منهم نعمة الله، وقالا: إنما ورثنا هذا المال كابرا عن كابر. واعترف الأعمى بنعم الله، وقال: قد كنت أعمى، فرد الله إلي بصري. فقال له الملك: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك٢.
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ معلقا على هذا الحديث: وهذا حديث عظيم، وفيه معتبر؛ فإن الأولين جحدا نعمة الله، فما أقرا لله بنعمة، ولا نسبا النعمة إلى المنعم بها، ولا أديا حق الله، فحل عليهما السخط، وأما الأعمى فاعترف بنعمة الله، ونسبها إلى من أنعم عليه بها، وأدى حق الله فيها، فاستحق الرضا من الله قيامه بشرك النعمة لما أتى بأركان الشكر الثلاثة التي لا يقوم الشكر إلا بها، وهي الإقرار بالنعمة، ونسبتها إلى المنعم، وبذلها فيما يجب٣.
стр. 167
المطلب الثاني: من أنواع الكفر الأصغر الطعن في الأنساب والنياحة على الميت
أولا: المراد بهما
عيب النسب، والطعن فيه، ورفع الصوت بندب الميت، وتعداد فضائله.
وهما من أنواع الكفر العملي، لما فيهما من مشابهة صنيع الكفار في الجاهلية قبل الإسلام١.
ثانيا: من الأدلة عليهما
١- قول رسول الله ﷺ : "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت" ٢؛ فهاتان الخصلتان بالناس كفر؛ لأنهما من أعمال الجاهلية، وهما قائمتان بالناس، ولا يسلم منهما إلا من سلمه الله عز وجل٣. يقول الإمام النووي في معنى قوله ﷺ : "هما بهم كفر": فيه أقوال أصحها أن معناه: هما من أعمال الكفار وأخلاق الجاهلية٤. فلهذا عدهما العلماء من جنس الكفر العملي.
٢- قول رسول الله ﷺ : "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية" ٥. وقد ذكر رسول الله ﷺ هذه الأصناف الثلاثة؛ لأنها غالبا ما يفعلها الناس عند نزول المصاءئب، وهي من التسخط المنهي عنه، وفيها إظهار عدم الرضا بقدر الله، أو الصبر على قضائه. ودعوى الجاهلية هي: النياحة، وندبة الميت، والدعاء بالويل وشبهة٦. فهذه من أعمال الكفار في الجاهلية قبل الإسلام. من أجل هذا عدها العلماء من جنس الكفر العملي.
стр. 168
المطلب الثالث: من أنواع الكفر الأصغر قتال المسلم
أولا: المراد به
يراد به: قتال المسلم للمسلم بغير وجه حق، وهو نوع من أنواع الكفر العملي، المنافي لكمال الإيمان.
ثانيا: من الأدلة عليه
١- قول رسول الله ﷺ : "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" ١؛ فأطلق ﷺ على قتال المسلم اسم: "الكفر"، تنبيها على عظم حق المسلم، وبيان حكم من قاتله بغير حق.
وهذا كفر عملي لأنه شبيه بفعل الكفار؛ فهو كفر أخوة الإسلام، لا كفر الجحود٢.
٢- قول رسول الله ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" ٣.
فأطلق ﷺ في هذين الحديثين على قتال المسلمين بعضهم بعضا اسم "كفر"، وسمى من يفعل ذلك "كفارا". وليس المراد بالكفر ههنا الكفر الأكبر المخرج من الملة؛ لأن الله أبقى على المتقاتلين من المؤمنين اسم "الإيمان"، فقال سبحانه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] ، ثم سماهم مؤمنين، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠] ، فأثبت لهم الإيمان، وأخوة الإيمان، ولم ينف عنهم شيئا من ذلك٤؛ فعلم أن الكفر هنا كفر عملي لا يخرج صاحبه من دائرة الإسلام، وهو من جنس الكفر الأصغر٥.
стр. 169
الفصل الثالث: النفاق، وأنواعه
المبحث الأول: معنى النفاق
معنى النفاق لغة:
النفاق في اللغة: من "النفق"، وهي تدل على الإخفاء وعدم الإظهار. ومنه سمي السرب في الأرض الذي له مخلص إلى مكان نفقا. وقيل لأحد جحري اليربوع: النافقاء والنفقة؛ لأنه يكتمه ويظهر غيره؛ فإذا أتي من جهة القاصعاء، ضرب النافقاء برأسه، فانتفق. يقال: نافق اليربوع، إذا أخذ في نافقائه١.
معنى النفاق في الشرع:
النفاق شرعا: هو أن يظهر المرء ما يوافق الحق، ويبطن ما يخالفه؛ فمن أظهر أمام الناس ما يدل على الحق، وكان حقيقة أمره أنه على باطل من الاعتقاد، أو الفعل، فهو المنافق، واعتقاده، أو فعله هو النفاق٢.
الصلة بين المعنيين:
يلاحظ أن المنافق قد ستر اعتقاده، أو عمله، وأخفاه، وأضمره، فمثله كثل الضب؛ يدخل من جحر ظاهر، ثم إذا شعر بالخطر خرج من باب آخر تتعذر رؤيته. وكذلك يفعل المنافق: يدخل في الإسلام من باب ظاهر؛ فينطق الشهادتين، ويصلي مع الناس، مع أنه يكتم خلاف الإسلام، ويتربص بالمسلمين الدوائر، وينتظر ظهور الكفر، حتى يتخلى عما أظهره، كما قال الله عن المنافقين: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١] .
نوعا النفاق: النفاق نوعان: نفاق أكبر "اعتقادي"، ونفاق أصغر "عملي".
стр. 170
المبحث الثاني: النفاق الأكبر الاعتقادي
أولا: تعريف النفاق الأكبر
هو أن يظهر الرجل للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله، مكذب به١؛ فهو قد أظهر الانقياد والتصديق ظاهرا؛ لكنه أبى ذلك باطنا٢.
ثانيا: حكم النفاق الأكبر
النفاق الأكبر نفاق اعتقادي محله القلب، وصاحبه كافر، خالد مخلد في النار، بل في الدرك الأسفل منها إن لم يتب٣، كما قال : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا﴾ [النساء: ١٤٥] .
وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين، وكشف أسرارهم في القرآن، وجلى لعباده أمورهم ليكونوا منها ومن أهلها على حذر فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدا؛ لأنهم منسوبون إليه، وإلى نصرته وموالاته، وهم أعداؤه في الحقيقة٤.
ثالثا: صفات المنافقين نفاقا أكبر
قد كشف الله في كتابه أسرار المنافقين، وهتك أستارهم، في آيات كثيرة، نزلت تخبر عن أوصافهم، وأهدافهم، ووسائلهم الدنيئة لهدم الدين، أو إضعاف المسلمين.
والنفاق الأكبر "الاعتقادي" قد جمع أهله خصالا كثيرة، وصفات عديدة، سأقتصر على ذكر بعضها، كي لا يقع شيء منها في قلب المؤمن، فيخسر الدنيا والآخرة. فمنها:
١- تكذيب الرسول ﷺ باطنا لا ظاهرا. ودليل هذه الصفة قول الله : ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] ؛ أي كاذبون فيما أظهروا من شهادتهم، وحلفهم بألسنتهم. فمن قال شيئا، واعتقد خلافه، فهو كاذب٥.
стр. 171
٢- موالاة الكافرين، وإعانتهم في حربهم ضد المسلمين. ودليل هذه الصفة قول الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الحشر: ١١] ؛ فهؤلاء المنافقون أطمعوا إخوانهم من أهل الكتاب في نصرتهم، وموالاتهم على المؤمنين، وأقسموا أنهم لن يطيعوا في عدم نصرتهم أحدا يعذلهم أو يخوفهم، وأنهم سينصرونهم ويعينوهم على المسلمين إن قاتلوهم١.
٣- تبييت الشر للمسلمين، وتدبير المكائد لهم. ودليل هذه الصفة قول الله : ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨] ؛ فمخافة الخلق عند هؤلاء المنافقين أعظم من مخافة الله ، لذلك تجدهم يحرصون بالوسائل المباحة والمحرمة على تجنب الفضيحة عند الناس، وهم مع ذلك قد بارزوا الله بالعظائم، ولم يبالوا بنظره واطلاعه عليهم، خصوصا في حال تبييتهم ما لا يرضيه من القول٢.
٤- المسرة بانخفاض دين المسلمين، وكراهية انتصاره. ودليل هذه الصفة قول الله : ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورُ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٤٨] ؛ فقد طلب هؤلاء المنافقون الشر من البداية، واحتالوا في تشتيت أمر المسلمين وإبطال دينهم، حتى أظهر الله دينه، وأعز جنده، والمنافقون كارهون لذلك٣. ومن الأدلة أيضا قوله : ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ [التوبة: ٥٠] ؛ فقد أخبر أن المنافقين إن أصاب رسول الله ﷺ ومن معه نصر وغنيمة ساءهم ذلك، وإن أصابهم قتل وهزيمة، قالوا: عملنا بالحزم فلم نخرج معكم، ثم ينقلبون وهم فرحون بمصابكم وسلامتهم٤.
стр. 172
المبحث الثالث: النفاق الأصغر العملي
أولا: تعريف النفاق الأصغر:
هو ترك المحافظة على أمور الدين سرا، ومراعاتها علنا١.
ثانيا: حكم النفاق الأصغر:
النفاق الأصغر نفاق عملي؛ فصاحبه يدعي الإيمان بالله ، والطاعة لله ولرسوله ﷺ ، ولكنه يعمل أعمالا عدها رسول الله ﷺ من النفاق.
وصاحب هذا النوع لا يخرج عن ملة الإسلام في الدنيا، وهو في الآخرة مستحق للوعيد؛ لكنه لا يخلد في النار إن دخلها.
ثالثا: صفات المنافقين نفاقا أصغر:
ذكر رسول الله ﷺ في أحاديث عديدة علامات ظاهرة، من اتصف بها فقد شابه المنافقين في أعمالهم؛ وإنما بينها رسول الله ﷺ وأخبر عنها كي نحذر من هذه الصفات الذميمة؛ لأنها من علامات النفاق، ويخشى أن يكون هذا النفاق العملي مؤديا إلى نفاق في الاعتقاد -والعياذ بالله تعالى٢.
ومن هذه العلامات:
١- الكذب في الحديث. فيحدث الناس بحديث يصدونه فيه، وهو كاذب.
٢- إخلاف الوعد. فيعد بوعد، ومن نيته أن لا يفي، أو يعد ثم يبدو له أن يخلفه من غير عذر في الخلف٣.
٣- خيانة الأمانة؛ فإذا ائتمن أمانة، لم يؤدها.
٤- الغدر. فإذا عاهد غدر، ولم يف بعهده.
٥- الفجور في الخصومة. فيخرج عن الحق عمدا، حتى يصير الحق باطلا والباطل حقا٤.
стр. 173
وهذه العلامات الخمس جمعها رسول الله ﷺ في قوله: "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" ١، وفي قوله ﷺ : "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان" ١.
تنبيه: النفاق الأصغر "العملي" مقدمة للنفاق الأكبر "الاعتقادي"؛ فمن اتصف بصفات النفاق العملي، فقد أشبه المنافقين "اعتقادا" في أعمالهم، ولكنه ليس على كفرهم أو اعتقادهم.
وإن كان يخشى عليه من النفاق الاعتقادي؛ فالواجب على المؤمن أن يتجنب هذه الصفات؛ لأن الإيمان ينهى عنها. وعلينا أن نعلم أن هذه الصفات إذى اجتمعت في شخص، وغلبت على أعماله، ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها، فهو المنافق الخالص٢ -والعياذ بالله-.
نسأل الله أن يجنب المسلمين هذا الداء العضال، إنه جواد كريم.
стр. 174
الباب الثالث: عقيدة الولاء والبراء
الفصل الأول: نصوص الولاء والبراء في القرآن والسنة
أولا: من نصوص الولاء والبراء في القرآن الكريم
...
الباب الثالث: عقيدة الولاء والبراء
الفصل الأول: نصوص الولاء والبراء في القرآن والسنة
القرآن الكريم والسنة النبوية مليئان بالأدلة التي تأمر بموالاة المؤمنين، وتنهى عن موالاة الكفار، وتحض على البراءة منهم. ونظرا لكثرة هذه النصوص، سأقتصر على ذكر بعضها:
أولا: من نصوص الولاء والبراء في القرآن الكريم
١- قول الله : ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠] ؛ فهذه فيها "النهي العظيم عن اتباع أهواء اليهود والنصارى والتشبه بهم فيما يختص به دينهم"١.
٢- قول الله : ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨] ؛ فنهى المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء وأصدقاء وأصحابا من دون المؤمنين، يعينونهم على المؤمنين، ويدلونهم على عوراتهم، وأخبر أن من فعل ذلك فقد برئ من الله، وبرئ الله منه بارتداده عن دينه، ودخوله في الكفر٢.
٣- قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١] ؛ فأخبر أن من يعاضد اليهود والنصارى ويناصرهم على المسلمين، فحكمه كحكمهم في الكفر والجزاء٣.
стр. 175
٤- قول الله : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣] ؛ فقطع الله الولاية بين الكفار والمؤمنين؛ فجعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض، والكفار بعضهم أولياء بعض، يتناصرون بدينهم، ويتعاملون باعتقادهم١.
٥- قول الله : ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] ؛ فأخبر أنك لا تجد من يؤمن بالله واليوم الآخر إيمانا حقيقيا ثم تصدر منه موادة لمن حاد الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب٢.
٦- قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١] ؛ فنهى سبحانه عن موالاة الكفار، أو إلقاء المودة إليهم، وأخبر ان ذلك مناف للإيمان، ومخالف لملة إبراهيم الخليل ﵇، ومناقض للعقل الذي يوجب الحذر كل الحذر من العدو٣.
٧- قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة: ١٣] ؛ فنهى عن موالاة وموادة ومناصرة الكفار، وأخبر أن هؤلاء الكفار قد حرموا من خير الآخرة؛ فليس لهم منها نصيب، ثم حذر عبادة المؤمنين أن يتولوهم، فيوافقوهم على شرهم وشركهم، فيحرموا خير الآخرة كما حرموا٤.
стр. 176
ثانيا: من نصوص الولاء والبراء في السنة النبوية
١- قول رسول الله ﷺ : "لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام؛ فإذا لقيتم أدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه" ١.
٢- قول رسول الله ﷺ لأحد الصحابة: "أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين" ٢.
٣- قول رسول الله ﷺ : "كل مسلم على مسلم محرم، أخوان نصيران، لا يقبل الله من مشرك بعد ما أسلم عملا، أو يفارق المشركين إلى المسلمي ن " ٣.
٤- قول رسول الله ﷺ : "الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل" ٤.
٥- قول رسول الله ﷺ : "لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي" ٥.
٦- قول رسول الله ﷺ لرأس المنافقين عبد الله بن أبي: "قد كنت أنهاك عن حب يهود" ٦.
٧- قول رسول الله ﷺ : "المرء مع من أحب" ٧.
стр. 177
الفصل الثاني: مفهوم الولاء والبراء، ومنزلته في الدين
المبحث الأول: معنى الولاء والبراء في اللغة والشرع
...
الفصل الثاني: مفهوم الولاء والبراء، ومنزلته في الدين
بعدما أوردنا في الفصل السابق عددا من النصوص الشرعية التي تحث على موالاة المؤمنين، والبراءة من المشركين والكافرين، وتنهى عن موالاة المشركين والكافرين ومحبتهم، أو البراءة من المؤمنين ومعاداتهم، لزم أن نتعرف على معنى الولاء والبراء، كي يكون السلم على بينة من أمره، ومعرفة واضحة لما طلب منه فعله، أو تركه.
وهذا يستدعي أن نتعرف على معنى الولاء والبراء في اللغة، وفي الشرع.
المبحث الأول: معنى الولاء والبراء في اللغة والشرع
أولا: معنى الولاء لغة
الولاء مصدر من والى يوالي ولاء وموالاة، بمعنى: أحب، وقرب، وأدنى، وحابى. والمولى: الحليف، وهو من انضم إليك فعز بعزك، وامتنع بمنعتك.
وتولاك الله: أي نصرك. والولي ضد العدو، وهو: المحب، والصديق، والنصير، والتابع١. فالولاء على هذا يعني في اللغة: الحب، والدنو، والقرب، والنصرة.
ثانيا: معنى البراء لغة
البراء مصدر من برئ يبرأ براء وبراءة بمعنى: أبغض، وتباعد، وتخلص.
يقال: بارأت الرجل، إذا فارقته، وبارأت المرأة، إذا صالحتها على الفراق. وبرئت من كذا، إذا تخلصت منه، وتنزهت، وتباعدت عنه، وبرئ المريض برءا وبرءا، إذا شفي وتخلص مما به. وبرئ فلان من فلان، إذا تباعد وتخلى عنه٢؛ فالبراء لغة يأتي بمعنى التخلص، والتنزه، والتباعد، والتباغض، والتجافي، والمفارقة.
стр. 178
ثالثا: معنى الولاء شرعا
الولاء في الشرع: هو النصرة، والمحبة، والإكرام، والاحترام، والكون مع المحبوبين ظاهرا وباطنا١؛ فهو يعني التقرب وإظهار الود بالأقوال والأفعال والنوايا لمن يتخذه الإنسان وليا. فإن كان هذا التقرب وإظهار الود بالأقوال والأفعال والنوايا مقصودا به الله ورسوله والمؤمنين؛ فهي الموالاة الشرعية الواجبة على كل مسلم.
وإن كان المقصود بالتقرب وإظهار الود بالأقوال والأفعال والنوايا هم الكفار على اختلاف أجناسهم؛ فهي موالاة كفر وردة عن الإسلام إذا صدرت ممن يدعي الإسلام.
أما الكفار ومن في حكمهم من المرتدين والمنافقين، فبعضهم أولياء بعض، فلا يستغرب منهم ذلك٢.
رابعا: معنى البراء شرعا
البراء في الشرع: هو البعد، والخلاص، والعداوة بعد الأعذار والإنذار٣؛ فهو يعني بغض أعداء الله تعالى، ومعاداتهم، ومجافاتهم، والتبري منهم٤، والتخلص من قبائحهم وباطلهم، والتنحي عن التشبه بهم٥.
стр. 179
المبحث الثاني: منزلة الولاء والبراء في الدين الإسلامي
لعقيدة الولاء والبراء منزلة عظيمة في الشرع، تتلخص فيما يأتي١:
١- إن عقيدة الولاء والبراء يرددها المسلم يوميا مرات كثيرة، كلما ردد كلمة الإخلاص:
"لا إله إلا الله"؛ لأنها تعني البراء من كل ما يعبد من دون الله. وهذه الكلمة مزقت كل رابطة، وأهدرت كل وشيجة، إلا وشيجة العقيدة.
стр. 180
٢- إن الحب في الله والبغض في الله شرط من شروط صحة "لا إله إلا الله"؛ لأن من شروطها:
حبها، وحب ما دلت عليه، وحب من نطق بها، ودعا إليها، وبغض ما يضادها١.
٣- إن عقيدة الولاء والبراء هي أوثق عرى الإيمان. يقول رسول الله ﷺ : "أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله" ٢.
٤- إن تحقيق عقيدة الولاء والبراء من مكملات الإيمان. يقول رسول الله ﷺ : "من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان" ٣.
٥- إن تحقيق عقيدة الولاء والبراء تحقيقا تاما سبب لنيل ولاية الله . يقول حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس ﵄: "من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك"٤.
٦- إنها سبب لذوق القلب حلاوة الإيمان. يقول رسول الله ﷺ : "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار" ٥.
٧- إن الاتصاف بصفة الحب في الله، سبب لنيل الأجر العظيم؛ فالمتحابون في الله يظلهم الله في ظله. يقول ﷺ : "إن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي" ٦. والتحاب في الله سبب لنيل محبة الله .