← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 8674

بحوث في تاريخ السنة المشرفة

أكرم العمري

Полный текст (309 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أحمد بن محمد بن سعيد السبيعي الهمداني "ت٣٣٣هـ"١. ١- كتاب التاريخ وذكر من روى الحديث٢. ٢- كتاب من روى عن أمير المؤمنين. ٣- كتاب من روى عن الحسن والحسين. ٤- كتاب من روى عن علي بن الحسين. ٥- كتاب من روى عن أبي جعفر. ٦- كتاب من روى عن زيد بن علي. ٧- كتاب الرجال وهو كتاب من روى عن جعفر بن محمد. ٨- كتاب الشيعة من أصحاب الحديث. نصر بن صباح أبو القاسم البلخي: معرفة الناقلين٣. أحمد بن محمد بن الحسن القمي "ت٣٥٠هـ" كتاب الطبقات٤. عبد العزيز بن يحيى الجلودي الأزدي البصري: كتاب أخبار المحدثين٥. عيسى بن مهران المستعطف: كتاب المحدثين٦.

стр. 177

حمزة بن القاسم بن علي أبو يعلى: كتاب من روى عن جعفر بن محمد من الرجال١. محمد بن عيسى بن عبيد بن يقطين: كتاب الرجال٢. محمد بن الحسن بن علي أبو عبد الله المحاربي: كتاب الرجال٣. محمد بن علي بن الحسين بنموسى بن بابويه أبو جعفر القمي "ت٣٨١هـ": كتاب الرجال المختارين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم٤. محمد بن عمر بن سالم البراء التميمي الجعابي: ١- كتاب الشيعة من أصحاب الحديث وطبقاتهم٥. ٢- كتاب من روى الحديث من بني هاشم٦. علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري٧. أحمد بن نوح بن علي السيرافي: ١- كتاب الزيادات على أبي العباس بن سعد في رجال جعفر بن محمد٨. ٢- وكتاب الرجال الذين رووا عن أبي عبد الله٩.

стр. 178

أحمد بن محمد بن عبيد الله الجوهري "ت٤٠١هـ": ١- كتاب الاشتمال على معرفة الرجال "ذكر فيه من روى عن كل إمام مختصر"١. ٢- كتاب من روى الحديث من بني عمار بن ياسر٢. عباد بن يعقوب الرواجني: كتاب المعرفة في معرفة الصحابة٣. أبو عبد الله الحسني: أخبار المحدثين٤. أبو عمر محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي "القرن الرابع" معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين. أبو القاسم علي بن الحسين بن موسى العلوي المرتضى "ت٤٣٦هـ"٥. أبو العباس أحمد بن علي النجاشي "ت٤٥٠هـ" كتاب الرجال. أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي "ت٤٦٠هـ": ١- كتاب الفهرست. ٢- كتاب الرجال. وقد فقدت سائر المصنفات التي ذكرتها فلم يبق منها سوى خمس مصنفات هي كتاب الرجال للبرقي، وكتاب رجال الكشي, وكتاب رجال النجاشي، وكتابي الرجال والفهرست للطوسي وهي الكتب المعتمدة عند الشيعة، وقد اعتمدت المصنفات المتأخرة عليها في المادة إذ نقلت عنها كثيرا. كما أن بعض المصنفين اقتصر عمله على الجمع بين كتابين أو أكثر منها: وفيما يلي وصف لهذه المصنفات حسب قدمها:

стр. 179

١- كتاب الرجال ١: لأبي جعفر أحمد بن أبي عبد الله البرقي "ت٢٧٤هـ" وقد اقتصر فيه على الشيعة وبضع الصحابة الذين وقفوا إلى جانب الإمام علي وأيدوا خلافته عقب وفاة النبي ﷺ ، وقد رتب الرواة على أساس صحبتهم للنبي ﷺ أو أحد الأئمة المعصومين عندهم وبذلك جاء ترتيب الأسماء مماثلا لنظام الطبقات كما استعمل في الفترة التي فيها صنف البرقي كتابه. حيث يقوم ترتيب الكتاب على اللقيا بين الراوي والإمام فيذكر في أصحاب كل إمام من لقيه وروى عنه، وهكذا ذكر البرقي في كتابه أصحاب النبي ﷺ ، ثم أصحاب علي، ثم أصحاب الحسن، ثم أصحاب الحسين، ثم أصحاب علي بن الحسين وهكذا حسب تتابع الأئمة، إلى أن ذكر أصحاب أبي محمد الحسن العسكري, ثم ذكر النساء ورتبهم حسب الرواية عن الأئمة أيضا. وفي نهاية الكتاب عقد فصلا ذكر فيه أسماء الصحابة المنكرين على أبي بكر ﵁ توليه الخلافة، حيث رأوا أن عليا ﵁ أحق بها. وقد اقتصر في تراجمه على تجريد الأسماء في الغالب وذكر النسبة إلى القبيلة أو المدن وذكر من كان منهم عربيا أو مولى، ولا يستعمل عبارات الجرح والتعديل، ولا يطيل ذكر الأنساب، ولا يسجل الوفيات. ٢- رجال الكشي ٢: لأبي عمر محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي "من علماء القرن الرابع الهجري" وهو تهذيب لكتاب الكشي الذي كان يعرف باسم "معرفة الناقلين عن الأئمة الصادقين" وقد قام الطوسي بتهذيبه وتخليصه من الأغلاط التي وقع فيها النساخ، كما أنه حذف كثيرا من تراجمه وسماه بـ "اختيار الرجال" وقد تناولت الأيدي اختيار الطوسي واشتهر بـ "رجال الكشي"، أما معرفة الناقلين

стр. 180

عن الأئمة الصادقين الذين هو الأصل, فإنه فقد منذ فترة مبكرة١. إن كتاب رجال الكشي يضم تراجم بعض الرواة الشيعة من الثقات والمجروحين، وقد رتب التراجم على أساس لقاء الراوي بأحد الائمة المعصومين عند الشيعة وروايته عنه فعندئذ يذكره في أصحاب الإمام، فالكشي يذكر أولا أصحاب علي ﵁، فأصحاب الحسن، ثم أصحاب الحسين، ثم أصحاب علي بن الحسين وهكذا حتى ينتهي بذكر أصحاب الحسن العسكري. وقد أدى اتباع هذا الترتيب إلى تكرار ترجمة الراوي عندما يروي عن أكثر من إمام فيذكر في أصحابهم جميعا. وتتراوح تراجمه بين بضعة عشر صفحة كترجمة سلمان الفارسي ﵁ وبين السطر والسطرين، وتتضمن الترجمة أخبارا تتقدمها الأسانيد تبين مدى إخلاص صاحب الترجمة للائمة من آل البيت وتذكر ثناء الأئمة عليه أوتجريحهم له، وهذه الأخبار هي التي تحدد توثيق أو تضعيف الراوي في الغالب لأن المؤلف قلما يستعمل عبارات الجرح والتعديل٢. وترد خلال الترجمة بعض فتاوى الأئمة والرواة أصحاب التراجم مما يدل على مكانة المترجمين في العلم والفقه، كما أن بعض الأخبار تشير إلى الصفات الخلقية والجسمية للمترجم، ويذكر عقائد بعض الرواة أحيانا كقوله "كان واقفيا"٣، وقوله "كان من علبائية"٤، وقوله "كان من الطيارة"٥. ولا يهتم بذكر الأنساب وقلما يذكر سني الوفيات.

стр. 181

٣- كتاب الرجال ١: لأبي العباس أحمد بن علي بن أحمد بن العباس النجاشي "ت٤٥٠هـ" وقد ذكر في مقدمة الكتاب أنه أراد به الرد على من يقول من مخالفيهم بأن الشيعة لا سلف لهم ولا مصنف، ولذلك فقد ذكر تراجم من لهم كتب من رجال الشيعة، وقد يورد قائمة طويلة تستغرق صفحة كاملة بأسماء مصنفات صاحب الترجمة، وهو بذلك يقارب كثيرا كتاب الفهرست لابن النديم، فالمصنفات التي ذكرها ليست كلها في العلوم الشرعية من فقه وحديث وتفسير وإنما فيها أيضا كتب النحو والأدب والشعر والتاريخ والنوادر، ولكن الذي يجعله من كتب الرجال أن التراجم تضمنت التعريف بالراوي بذكر اسمه ونسبته وأحيانا ذكر نسبه وبلده الذي عاش فيه والمدن التي رحل إليها, وربما ذكر بعض شيوخ المترجم وبعض من رووا عنه، وقد يذكر عقيدته كقوله "كان واقفا"٢، ومذهبه كقوله "كان زيديا"٣، كما يستعمل في كثير من التراجم عبارات الجرح والتعديل مثل "ثقة"٤ و"فيه نظر"٥ و"كان ضعيفا في حديثه متهوما له"٦. وترد في بعض التراجم أخبار تدل على توثيق الأئمة لصاحب الترجمة وتكشف عن صلته بهم وإخلاصه لهم. وقد نقل بعض هذه الأخبار عن كتب سابقة مثل طبقات ابن سعد وكتاب أبي زرعة الرازي وكتاب الرجال للكشي، ولكن معظم الأخبار جاءت عن طريق شيوخه الكثيرين وتتقدمها الأسانيد في الغالب. وبعض التراجم طويلة بلغت الأربع صفحات وبعضها الآخر لا يتجاوز السطر الواحد.

стр. 182

٤- كتاب الفهرست ١: لأبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي "ت٤٦٠هـ", وقد ذكر في مقدمته سبب تاليفه ومنهجه في الكتاب، فقد حاول كما فعل معاصره النجاشي استيفاء المؤلفين من الشيعة وذكر مصنفاتهم مع بيان إسناد المؤلف إليهم. وهو يشير إلى ما قيل في المصنف من التعديل والتجريح وهل يعول على روايته أم لا، وبيان اعتقاده وهل هو موافق للحق أو هو مخالف له٢. وسائر من ذكرهم من الشيعة الإمامية إلا من نص فيه على خلاف ذلك من الرجال الزيدية والفطحية والواقفة وغيرهم٣، ويتراوح طول تراجمه بين السطر الواحد والصفحتين وغالبا ما تحدد قائمة مؤلفات المترجم طول ترجمته أو قصرها. وتبدأ الترجمة بذكر نسب الرجل وكنيته ونسبته إلى بلدته وأحيانا إلى قبيلته ثم يذكر روايته عن الأئمة أوبعض شيوخه، ثم يطلق إحدى عبارات الجرح والتعديل عليه، ثم يسرد مصنفاته وبعد ذلك يورد طريق إسناده إليه، وقد ختم بعض التراجم بذكر سني الوفيات. ٥- كتاب الرجال: لأبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي أيضا وقد ألفه بعد كتابه الفهرست٤. وهو مرتب على الطبقات وإن لم يصرح باسم الطبقات، فقد ذكر

стр. 183

أولا أصحاب النبي ﷺ ، ثم أصحاب الحسن, ثم أصحاب الحسين وهكذا حتى انتهى إلى ذكر أصحاب الحسن العسكري، وهكذا اعتمد اللقيا بين الراوي والإمام أساسا للترتيب. وقد رتب أصحاب كل إمام على حروف المعجم، فإذا انتهى من ذكر الأسماء ذكر من عرف بكنيته من أصحاب الإمام، ثم ذكر بعد ذلك النساء ممن روين عن الإمام. وقد اتبع هذا الترتيب في سائر الكتاب، فلما انتهى من ذكر أصحاب الأئمة عقد بابا ذكر فيه من لم يرو عن واحد من الأئمة لكنه عاد فذكر بعض من كان قد أوردهم في أصحاب الأئمة١. أما عن طبيعة التراجم فد اقتصر في الغالب على تجريد أسماء الرواة، فلا يزيد على ذكر الاسم واسم الأب والكنية والنسبة وقد يذكر شهوده بدرا أو احدا أو يذكر المصر الذي نزله الصحابي، كما يذكر اشتراك بعض أصحاب علي في الجمل أو صفين، ولم يقصد الكلام عن التوثيق والتجريح وإن أورد أحيانا بعض عبارات الجرح والتعديل وإنما فعل ذلك عندما يكون الرجل مظنة التوثيق وهو عنده مجروح، أو منظة التجريح وهو عنده ثقة فيذكر ما يدل على توثيقه أو تجريحه. وهذه نماذج لما استعمله من عبارات التعديل: ثقة، ثقة, ثقة، ثقة صحيح، ثقة مأمون، من أصحابنا، أحد الأركان الأربعة، جليل القدر، بصير بالفقه، حفظة، مستقيم المذهب، خير، مشكور، مرضي، رجل صالح، فاضل، دين. وأما عبارات الجرح التي استعملها فمنها ضعيف، فيه نظر، مخلط، خبيث، مجهول، مدلس، ملعون، غالي ملعون، واقفي, يقول بالتفويض من الطيارة.

стр. 184

أسس تنظيم كتب علم الرجال التنظيم على النسب ... أسس تنظيم كتب علم الرجال: اتبعت كتب علم الرجال في تنظيم مادتها الأسس الأربعة التالية: ١- التنظيم على النسب. ٢- التنظيم على الطبقات. ٣- التنظيم على المدن. ٤- التنظيم على حروف المعجم. ١- التنظيم على النسب: كان للأنساب أهمية كبيرة عند العرب في الجاهلية فاهتموا بحفظها وكان شعرهم الذي يكون الشطر الأكبر من أدبهم يحتوي على ثروة من علم النسب١، ولا شك أن حياة البداوة التي جعلت من القبيلة أكبر وحدة اجتماعية وسياسية في حياتهم لها دخل كبير في اهتمامهم بالأنساب إذ لابد لأفراد القبيلة من معرفة مفاخر آبائهم وأجدادهم وأصالة أنسابهم، كما لابد لهم منمعرفة مثالب القبائل الأخرى فبذلك يوفرون مادة لأهم أغراض شعرهم: الفخر والهجاء. وقد استمر الاهتمام بالأنساب بعد ظهور الإسلام وانتشاره وقيام دولته، فلم يمنع الإسلام الاهتمام بالأنساب وإن كان قد قاوم العصبية القبلية، وكل

стр. 185

عصبية جاهلية ذلك لأن العصبية شيء ومعرفة الأنساب شيء آخر، فقد حث القرآن الكريم الناس على التعارف، ولا يكون التعارف دون معرفة الأنساب١. وقد نسب النبي ﷺ نفسه، وحض على تعلم الأنساب، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "علموا أنسابكم تصلوا أرحامكم" ٢. وكان الرسول ﷺ يعرف أنساب قبائل العرب وربما نسب بعض أصحابه، "قال عمرو بن مرة الجهني كنت عند رسول الله ﷺ فقال: "من كان من معد فليقم" فقمت فقال لي: "إجلس" فعل ذلك ثلاثا. قلت يا رسول الله ممن نحن؟ قال: "أنتم من قضاعة بن مالك بن حمت بن سبأ" ٣. كما نسب أيضا سعدا حين سأله: من أنا يا رسول الله؟ قال: "أنت سعد بن مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة، من قال غير ذلك فعليه لعنة الله" ٤. وكان أبو بكر الصديق ﵁ أعلم قريش بأنسابها شهد له النبي ﷺ بذلك٥. وورد عن عمر بن الخطاب ﵁ قوله "تعلموا من الأنساب ما تصلون به أرحامكم وتعرفون به ما يحل كم مما يحرم عليكم من النساء، ثم انتهوا" ٦. وقد حدث في حياته ﷺ أن اجتمع بعض الصحابة على رجل يحدث بالأنساب في المسجد فيذكر ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ دخل المسجد فإذا

стр. 186

جماعة فقال: "ما هذا؟ " قالوا: رجل علامة. قال النبي ﷺ : وما العلامة؟ " قالوا: رجل عالم بأيام الناس وعالم بالعربية وعالم بالأشعار وعالم بالأشعار العرب، فقال رسول الله ﷺ : "هذا علم لا يضر أهله" ١. وبإسناد آخر عن أبي هريرة، أنه قال: "هذا علم لا ينفع وجهل لا يضر" ٢، وهكذا لم ينههم النبي ﷺ عن الاجتماع على تعلم الأنساب والأخبار والأشعار، وقد حدث الكلام عنها في مسجده بالذات، وأما قوله: "هذا علم لا ينفع" في رواية أبي هريرة ﵁ فلعله أراد الأشعار والأخبار لأن نفع علم الأنساب ظاهر وقد حض ﷺ تعلمه٣. إذ أن قسما من أحكام الشرع يحتاج تطبيقها إلى معرفة الأنساب، ولذلك كانت معرفة بعض الأنساب فرضا على المسلمين كمعرفة نسب النبي ﷺ ومعرفة أن الخلافة لا تجوز إلا في قريش فلو جهلت الأنساب لأمكن ادعاء الخلافة لمن لا تحل له، وكمعرفة الأنسان أباه وأمه وكل من يلقاه بنسب في رحم محرمة لما يترتب على ذلك من أحكام الزواج والمواريث٤. لقد رتب ديوان الجند الذي أنشأه عمر بن الخطاب ﵁ على القبائل، وقد راعى عمر القرابة من النبي ﷺ في تسلسل القبائل التي سجلها فقدم بني هاشم على غيرهم من العشائر القرشية، وقدم قريش على غيرها من القبائل العربية٥، وقد أصبح هذا التسلسل في ترتيب العشائر أساسا اتبعته كتب النسب التي كتبت في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري فيما بعد. ويمكن أن نعتبر ديوان الجند أول تقييد شامل للأنساب وكانت الحاجات العملية للدولة هي التي أدت إلى ظهوره.

стр. 187

لقد أعطت السابقة في الإسلام والمشاركة في الغزوات الأولى مع النبي ﷺ أصحابها مكانة مرموقة بين المسلمين، وهذا ما حدث للمهاجرين الأولين والبدريين والأحديين وأهل بيعة العقبة، وقد امتدت آثار ذلك إلى ابنائهم وأحفادهم فاهتم هؤلاء بحفظ أنسابهم والتعريف بها لما في ذلك من قيمة اجتماعية، وينبغي أن لا ننسى أن أهل السابقة في الجهاد تمتعوا بامتيازات اقتصادية أيضا زمن عمر بن الخطاب١. وقد ظل التماسك القبلي قويا عندما استقر العرب في الأمصار المفتوحة فكانت خطط الأمصار كالبصرة والكوفة قائمة على أساس قبلي حيث سكنت كل عشيرة في موضع خاص بها٢. وكانت القبيلة هي الوحدة العسكرية في ميادين القتال، كما كانت أساسا للتنظيم الاجتماعي والإداري في الأمصار٣. وهذه العوامل جعلت معرفة الأنساب ضرورة دينية واجتماعية وعسكرية وإدارية فاستمر الاهتمام بها حتى برز في ظل الدولة الإسلامية عدد من كبار النسابين الذين كانوا يعتمدون على ذاكرتهم قبل بدء تدوين الأنساب منهم من جيل الصحابة أبوجهم بن حذيفة بن غانم القرشي العدوي فهو أحد أربة كانت قريش تأخذ منهم علم النسب٤، وقد استمر اهتمامه بالأنساب بعد إسلامه، وجبير بن مطعم بن عدي الذي كان من أعلم الناس بالأنساب٥، ودغفل بن حنظلة السدوسي الذي اختاره معاوية بن أبي سفيان لتعليم ابنه يزيد علم الأنساب٦ وعبيد بن شرية الذي اشتهر بمعرفة أنساب

стр. 188

وأخبار اليمن وصحار العبدي والشرقي بن القطامي وغيرهم١ وقد استمر الاهتمام بالأنساب خلال القرنين الأول والثاني الهجريين ولكن التأليف في الأنساب بدأ في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، ولعل أول من ألف في الأنساب بعد محاولة الزهري التي لم تتم هو أبو اليقظان النسابة "ت١٩٠هـ" ومعاصره مؤرج بن عمرو السدوسي "ت١٩٥هـ" وهشام بن الكلبي "ت٢٠٤هـ" ولا غرابة في أن يكون هؤلاء الثلاثة عراقيين فقد تركزت في العراق فعاليات النسابين خلال القرنين الأولين للهجرة في الكوفة والبصرة وهما مركزان نشيطان للقبال العربية٢. ولم يقتصر الاهتمام بالأنساب على النسابين الذين كانت الأنساب مادتهم الرئيسية فقد اهتم المحدثون أيضا منذ القرون الأولى بالأنساب فلا نجد محدثا كبيرا إلا وله علم بالنسب وممن عرف بذلك سعيد بن المسيب أحد كبار التابعين، وقد تابعه في الاهتمام بالأنساب ابنه محمد بن سعيد٣ وتلميذه محمد بن شهاب الزهري الذي يقول: "ما خططت سوداء في بيضاء إلا نسب قومي"٤ وقتادة بن دعامة السدوسي الذي قال فيه أبو عمرو بن العلاء: "أنه كان من أنسب الناس"٥، والقاسم بن ربيعة وكان الحسن البصري إذا سئل النسب، قال: "عليكم بالقاسم بن ربيعة"٦. وترجع عناية المحدثين بالأنساب إلى أهميتها في معرفة رواة الحديث ولذلك فقد استمر الاهتمام بالأنساب في أوساط المحدثين خلال القرن الثاني الهجري وعندما ظهرت المصنفات في رجال الحديث احتوت مادة غزيرة في

стр. 189

النسب. وليست مادة النسب هذه دخيلة على علم الرجال، فالأصل في كتب الرجال التعريف بالرواة بذكر أنساب آبائهم وأمهاتهم، وقد انتقد ابن الأثير كتابي أبي عبد الله بن مندة وأبي نعيم الأصبهانيين في معرفة الصحابة لأنهما أكثرا ذكر الأحاديث والكلام عليها وبيان عللها ولم يطيلا نسب الشخص وأخباره وأحواله مما يعرف به، وامتدح من ناحية كتاب "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" لابن عبد البر القرطبي لأنه استقصى ذكر الأنساب وأحوال الشخص ومناقبه وكل ما يعرف به حتى أنه يقول هو ابن أخي فلان وابن عم فلان وصاحب الحادثة الفلانية، وكان هذا هو المطلوب من التعريف أما ذكر الأحاديث وعللها وطرقها فهو بكتب الحديث أشبه١. وهكذا أوضح ابن الأثير أن النسب من المادة الأساسية في كتب الرجال، فلا عجب إذا وجدنا بعض المصنفين في علم الرجال يرتبون مادتهم على النسب. والترتيب على النسب يعني أن المصنف يجمع الرواة الذين هم من عشيرة أو قبيلة واحدة في موضع واحد يقدم لهم مثلا بقوله: ومن قريش ثم من بني هاشم فلان وفلان.. ويذكرهم، ثم يتبع نسقا معينا في عرض القبائل والعشائر بأن يبدأ بمضر ثم قحطان، ولا يقدم قحطان على مضر، كذلك يبدا من مضر بقريش ثم بقية قبائل مضر وهذا التقديم قائم على أساس القرابة من النبي ﷺ ، وقد سبق القول أن أول من اتبع هذا التسلسل عند سرد الأنساب عمر بن الخطاب في تدوين الديوان، ولما ظهرت كتب الأنساب تقيدت بهذا التسلسل، ثم امتد هذا التنظيم إلى كتب الرجال التي نظمت مادتها على النسب، بل امتد أيضا إلى بعض المسانيد الحديثية التي رتبت الشيوخ على القبائل٢. ومن هذا يتضح أن تنظيم القبائل بهذا الشكل إسلامي بحت ولا يرجع إلى أصول جاهلية.

стр. 190

إن أقدم من أخذ بالترتيب على النسب من المصنفين في الرجال هما خليفة ابن خياط "ت٢٤٠هـ" في "الطبقات" ومحمد بن سعد "ت٢٣٠هـ" في "الطبقات الكبرى". فأما خليفة فقد كان أكثر التزاما بالترتيب على النسب حيث جعل النسب هو الأساس الوحيد في ترتيب الصحابة في المدينة، ولم يعتبر السابقة في الإسلام ولا تقدم سنة الوفاة، ولا التفاضل بين الصحابة، وبهذا استطاع أن يعرض الرواة من الصحابة على أساس العشائر دون إخلال بهذا الأساس سواء في ما كتبه عن الصحابة في المدينة أو ما كتبه عن الصحابة في الأمصار كالكوفة والبصرة، وكذلك فعل عند كلامه عن الصحابة الذين نزلوا بلاد الشام. ويستمر التقسيم على النسب ظاهرا في طبقات خليفة عند كلامه عن التابعين في الكوفة والبصرة والمدينة، ولا يتجاوز هذا الأساس إلا في موضع واحد فقط عند ذكره للطبقة الثانية من التابعين في المدينة، فقد قدم ابناء المهاجرين على غيرهم معتبرا السابقة في الإسلام، ولكنه عاد بعد ذلك إلى الترتيب النسبي. وقد حافظ خليفة بن خياط على النسق الذي اتبعه في تسلسل القبائل من بداية كتابه حتى يتلاشى عنده الترتيب على النسب بعد التابعين، مما يؤكد أن تسلسل القبائل عنده لم يكن مجرد ترتيب عرضي بل هو أمر مقصود قائم على فكرة القرابة من النبي ﷺ وهو بذلك يتابع كتب الأنساب. إن الترتيب على النسب يختفي بعد طبقة التابعين، ولا يعود إلى الظهور إلا في القسم الأخير الذي خصصه للنساء. أما محمد بن سعد فقد مزج بين الترتيب حسب السابقة في الإسلام وحسب النسب في القسم الذي خصصه للصحابة في المدينة١، حيث اعتبر السابقة في الإسلام الأساس الأول، فوضع البدريين طبقة أولى، وجعل من له إسلام قديم وهاجر إلى الحبشة أو شهد أحدا ثم من أسلم قبل فتح مكة طبقة

стр. 191

ثانية من الصحابة, ولم يسم الطبقة الثالثة من الصحابة وهم من أسلم بعد الفتح، غير أنه رتب الرجال ضمن الطبقة الواحدة على اساس النسب، فهو يبدأ في طبقة البدريين مثلا ببني هاشم ثم بقية بطون قريش ثم مضر فالأوس فالخزرج.. إن اعتبار ابن سعد السابقة في الإسلام جعله يقسم الصحابة إلى ثلاث طبقات١. ومن ثم فلم يعد بإمكانه المحافظة على الترتيب النسبي بصورة دقيقة كما فعل خليفة بن خياط الذي اعتبر الصحابة طبقة واحدة، فترجمة العباس بن عبد المطلب مثلا تأتي عند خليفة بن خياط بعد ترجمة النبي ﷺ مباشرة في حين تتقدمها عند ابن سعد تراجم الكثيرين من الذين شهدوا بدرا ولا تأتي ترجمة العباس عنده إلا في الطبقة الثانية من الصحابة. وبينما يمتد الترتيب على النسب في طبقات خليفة إلى الصحابة في الأمصار وإلى طبقة التابعين فغن ابن سعد يقتصر في استعمال الترتيب النسبي على الصحابة والصحابيات٢ في المدينة. إن خليفة وابن سعد اهتما بالترتيب على النسب في القسم الذي خصصاه للصحابة من كتابيهما في الطبقات، في حين تقل مراعاتهم لذلك في بقية أقسام كتابيهما، وقد ألفت كتب كثيرة في معرفة الصحابة منذ أوائل القرن الثالث الهجري، ولكن لم يصل إلينا منها إلا القليل، وأقدم ما وصل إلينا كتاب "تسمية أولاد العشرة" لعلي بن المديني "ت٢٣٤هـ" ورغم أنه لا يرتب كتابه على النسب

стр. 192

بل اعتبر في الترتيب السابقة في الإسلام والفضل إلا أن أثر الترتيب النسبي يظهر في ذكر ابناء الصحابة وأحفادهم بصورة مجتمعة. وأما كتاب "معرفة الصحابة" لأبي عبد الله بن مندة "ت٣٩٥هـ" فهو مرتب على حروف المعجم، وكذلك كتاب "معرفة الصحابة" لأبي نعيم "ت٤٣٠هـ". وكتاب "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" لابن عبد البر "ت٤٦٣هـ". ومن الكتب المتأخرة التي اعتمدت على كتب المتقدمين وحفظت لنا بعض مادتها كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير الجزري "ت٦٣٠هـ" وقد جمع فيه كتب ابن مندة وأبي نعيم وابن عبد البر ونقل عن أبي موسى محمد بن أبي بكر بن أبي عيسى الأصفهاني "ت٥١٨هـ" الذي استدرك على ابن مندة، وعن أبي علي الغساني الذي استدرك على ابن عبد البر، كما نقل عن آخرين أيضا لم يذكرهم في قائمة مصادره منهم جعفر بن محمد المستغفري "ت٤٣٢هـ" ولكن ابن الأثير لم يذكر شيا عن ترتيب هذه المؤلفات، أما كتاب ابن الأثير نفسه فقد رتبه على حروف المعجم. وكذلك رتب العسقلاني "ت٨٥٢هـ" كتاب "الإصابة في تمييز الصحابة" على حروف المعجم أيضا. وهكذا فإن سائر ما وصل إلينا من كتب الصحابة مرتب على حروف المعجم إلا كتاب "تسمية أولاد العشرة" لابن المديني، كما يشير السخاوي إلى أن كتاب أبي أحمد العسكري "ت٣٨٢هـ" في "معرفة الصحابة" مرتب على القبائل١. وخلاصة القول، أنه لا يوجد ما يشير إلى استمرار الترتيب على النسب بصورته الدقيقة كما استعمله ابن سعد وخليفة بن خياط، ويمكن القول أن معظم المصنفين في "معرفة الصحابة" تركوا الترتيب على النسب لأنه يجعل تناول الكتاب والإفادة منه من الصعوبة بمكان خاصة وأنهم لم يكونوا يستعملون

стр. 193

فهارس مفصلة كالتي نجدها في المصادر المطبوعة في وقتنا الحاضر، ولذلك فقد لجأوا إلى الترتيب على حروف المعجم. وأخيرا فليس من الغريب أن لا نجد أثرا للترتيب على النسب في كتب الرجال الأخرى فإن الترتيب على النسب كما تمثل بدقة عند ابن سعد، وخليفة إنما يتعلق بالقسم الخاص بالصحابة وأنساب الصحابة معلومة، فإذا تخلت كتب معرفة الصحابة عن الترتيب على النسب فكيف نتوقع استمرار الترتيب على النسب في كتب الرجال الأخرى التي تشتمل على كثيرين من الموالي أو العرب الذين لم تضبط أنسابهم كما ضبطت أنساب الصحابة.

стр. 194

٢- التنظيم على الطبقات: لم يستعمل القرآن الكريم لفظ "الطبقة" ولكنه استمعل "طبق" و"طباق" قال تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَق﴾ ١. وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ ٢.وتذكر معاجم اللغة كلمة "الطبقة" في مادة "طبق". وطبق من الناس أي جماعة، والمطابقة: الموافقة، وطبقات الناس مراتبهم٣. قال ابن الأعرابي: "الطبق الجماعة من الناس يعدلون جماعة مثلهم"٤. وقد حاول اللغويون المتقدمون تحديد الطبقة زمنيا فذكر الهجري عن ابن عباس: الطبقة عشرون سنة٥. ولكننا إذا قبلنا مثل هذا التحديد فإن من الصعوبة أن نسلم بظهور فكرة الطبقات بهذا الوضوح والدقة في جيل ابن عباس. ولا يمكن في هذا المجال أن نعول على حديث "أمتي على خمس طبقات كل طبقة أربعون عاما، فأما طبقتي وطبقة أصحابي فأهل علم وإيمان، وأما الطبقة الثانية ما بين الأربعين إلى الثمانين فأهل بر وتقوى ثم الذين يلونهم إلى عشرين ومائة سنة

стр. 195

أهل تراحم وتواصل ثم الذين يلونهم إلى ستين ومائة أهل تدابر وتقاطع، ثم الهرج الهرج النجا النجا"١. فقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات٢. وقد أطلقت الطبقة على القرن مجازا، إذا اقتصرنا على تحديد معين للقرن وهو الجيل٣. ورغم هذه المحاولات في تحديد الطبقة زمنيا فإن استعمال الطبقة كوحدة زمنية ثابتة لم يظهر إلا في فترة متأخرة جدا وذلك حينما استعملها الذهبي وجعلها تساوي عشر سنين٤. ويرى روزنثال أن تقسم الطبقات إسلامي أصيل وأنه أقدم تقسيم وجد في التفكير التاريخي الإسلامي وأنه نتيجة طبيعة لفكرة صحابة الرسول فالتابعون ... إلخ، ولا علاقة له بمؤثرات خارجية٥. ومما يؤيد هذا الرأي حديث أورده البخاري ونصه "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"٦، فخير القرون الصحابة ثم التابعون ثم أتباع التابعين٧. على أن للقرن تعاريف متباينة منها أنه مائة سنة وقد بين الحافظ ابن حجر أنه التحديد المشهور، وقال: "والمراد بقرن النبي ﷺ الصحابة، وقد ظهر أن الذي بين البعثة وآخر من مات من الصحابة مائة سنة وعشرون سنة أو دونها أو فوقها"٨.

стр. 196

إن أبسط أشكال التقسيم على الطبقات هواستعمالها بمعنى جيل، وقد استعمل بعض المصنفين كلمة قرن بدل طبقة، فعل ذلك بحشل في "تاريخ واسط" الذي ألفه سنة ٢٨٨هـ، رغم ان استعمال الطبقات كان معروفا في عصره١، بل أن بحشل نفسه استعمله في مؤلفه مرة٢. وقد قسم الرواة من أهل واسط حتى طبقة شيوخه إلى أربعة قرون٣. إن استعمال الطبقة للدلالة على الجيل يتمثل بصورة واضحة في مصنفات ابن حبان البستي "ت٣٥٤هـ" ففي كتابيه" الثقات" و"مشاهير علماء الأمصار" قسم الرواة إلى أربع طبقات هي الصحابة والتابعون وأتباع التابعين وتبع الأتباع. وكذلك فعل الحاكم النيسابوري "ت٤٠٤هـ" في تاريخ نيسابور حيث قسم الرواة إلى صحابة، تابعين، أتباع التابعين. فلما انتهى من ذكر أتباع التابعين، قال: "ثم الأتباع وهو القرن الرابع بعد النبوة والثالث بعد الصحابة"٤، وهكذا استعمل الحاكم الطبقة والقرن والجيل كمترادفات. ولكن أقدم استعمال للطبقة لم يكن بمعنى الجيل كما لم يكن بسيطا كما استعمله ابن حبان فيما بعد وإن كان التقسيم إلى صحابة ... تابعين. أتباع التابعين واضحا تمام الوضوح في أقدم ما وصل إلينا من كتب الطبقات ولكنه بمثابة إطار يحتوي على تقسيمات أصغر ضمنه. فقد قسم الصحابة وحدهم إلى عدة طبقات بلغت أحيانا اثنتي عشر طبقة بالنظر إلى السبق في الإسلام والهجرة وشهود المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم٥. وقد قسمهم البعض إلى أكثر من اثنتي عشر طبقة٦. وكذلك قسم كل من التابعين وأتباع التابعين إلى عدة طبقات. وقد تباين عدد طبقات كل من الصحابة والتابعين والأتباع في كتب الرجال لأن

стр. 197

ذلك يتصل بذوق المصنف واجتهاده، وأقدم ما وصل إلينا من كتب الطبقات كتاب "الطبقات" لخليفة بن خياط وكتاب "الطبقات الكبرى" لمحمد بن سعد وكتاب "الطبقات" لمسلم بن الحجاج "ت٢٦١هـ". وتسمية هذه الكتب بالطبقات يدل على تأصل نظام الطبقة في هذه الفترة المبكرة. أما خليفة بن خياط فقد اعتبر الصحابة كلهم طبقة واحدة إذ لم يعتبر شرطا غير كونهم صحابة فلم يأبه إلى السابقة في الإسلام أوالفضل كما يفعل معاصره محمد بن سعد. أما التابعون والأتباع فقد قسمهم إلى عدة طبقات يتباين عددها بين المدن ولم يميز بين طبقات التابعين وطبقات الأتباع ومن بعدهم بل ذكر طبقات الرواة بتعاقب حتى عصره. وأما محمد بن سعد فقد جعل الصحابة ثلاث طبقات١، ويرى البعض أنه جعلهم خمس طبقات٢ وقد اعتبر في تقسيمهم السابقة في الإسلام فقد جعل البدريين طبقة أولى والمسلمين الأوائل ممن شهد أحدا وما بعدها من المشاهد طبقة ثانية وألحق بهم من أسلم قبل الفتح٣، ولم يذكر ابن سعد من أسلم بعد الفتح حيث يكونون حسب ترتيبه الطبقة الثالثة. أما التابعون فتختلف طبقاتهم بين المدن ولكنه بصورةعامة جعلهم ثلاث طبقات وربما بلغ بهم أربع طبقات٤، ولكن التمييز بين التابعين وأتباع التابعين ومن بعدهم في طبقات ابن سعد عسير إلا على من له معرفة واسعة بالرجال، لأنه سرد طبقاتهم جميعا بتعاقب ولم يفصل بينهم كما فعل في تمييز الصحابة عن غيرهم٥.

стр. 198

ويحق هنا أن نتساءل عن مفهوم الطبقة عند خليفة بن خياط ومحمد بن سعد؟ هل للطبقة عندهما مفهوم زمني معين؟ إن التمحيص يدل على أن خليفة بن خياط ومحمد بن سعد كليهما لم يعتبرا سني الوفيات أساسا يعتمدانه في التقسيم على الطبقات. فالتداخل كبير بين سني وفيات تراجم الطبقات المتتالية، ففي طبقات خليفة نجد أن وفيات الطبقة الرابعة من البصريين مثلا تتراوح بين "١١٠-١١٥هـ" بينما وفيات الطبقة الخامسة تتراوح بين "١٢٨-١٣٢هـ" كذلك تتراوح وفيات الطبقة السادسة منهم بين "١٣٦-١٥٦هـ" في حين تترواح وفيات الطبقة السابعة منهم بين "١٤٩-١١٥هـ" وأما في طبقات ابن سعد فتتراوح وفيات الطبقة الأولى من الكوفيين مثلا بين "٦٢-١١٥هـ" وتترواح وفيات الطبقة الثانية منهم "٨٣-١١١هـ" وهكذا جعل في الطبقة الأولى من تأخرت وفياتهم عن أهل الطبقة الثانية. فالتقسيم على الطبقات إذ لا يقوم على اعتبار سني الوفيات في هذه الفترة المبكرة فعلى أي أساس يقوم إذا؟ لقد ذكرت أن أساس تقسيم الصحابة إلى طبقات عند ابن سعد هو اعتبار السابقة في الإسلام، أما طبقات التابعين ومن بعدهم فقائم عند خليفة وابن سعد على اعتبار اللقيا بين الصحابة والتابعين، فكبار التابعين هم الذين رووا عن كبار الصحابة ذوي السابقة والفضل, وهم الطبقة الأولى من التابعين، أما التابعون الذين رووا عن صغار الصحابة ولم يلتقوا بكبارهم لعدم لحاقهم بهم فيكونون طبقة ثالثة أو رابعة، وكذلك فإن من روى عن سعيد بن المسيب وغيره من كبار التابعين فإنهم يكونون الطبقة الأولى من أتباع التابعين. إن كتابي خليفة بن خياط ومحمد بن سعد في تراجم المحدثين قد وضعا لخدمة علم الحديث ومن ثم فقد جاء ترتيب كتابيهما على الطبقات ملائما لهذا

стр. 199

الغرض حيث استعملا الطبقة للدلالة على القوم المتشابهين من حيث اللقاء والسن وبعبارة أدق من حيث تقاربهم في السن وفي الشيوخ الذين أخذوا عنهم. وذكر التقارب في السن هنا لا يتناقض مع قولي أن الطبقات لم تعتبر الوفيات أساسا تقوم عليه إذ من الطبيعي أن من يلقى كبار الصحابة يكون متقدما في السن وتتقدم وفاته في العادة على وفاة من يلقى صغار الصحابة، ولذلك نجد أن وفيات الطبقة الأولى غالب ما تتقدم على وفيات الطبقات التالية. إن عدم اعتبار سني الوفيات أساسا للتقسيم على الطبقات هو الذي جعل الطبقة في فترة النشأة لا تتخذ مفهوم الوحدة الزمنية الثابتة، فمرة تكون حوالي العشر سنوات، وأخرى تقارب العشرين سنة، وثالثة في حدود الجيل وربما تجاوزته. إن التمييز بين طبقات الصحابة والتابعين ومن بعدهم لها علاقة بنقد إسناد الحديث فهي وسيلة لمعرفة ما في الحديث من غرسال أو انقطاع١ أو عضل أو تدليس٢. وبمعرفة طبقات الرواة أيضا يمكن التمييز بين السماء المتشابهة والمتفقة، فقد يتفق اسمان في اللفظ فيظن أن أحدهما الآخر، فإذا أردنا التمييز بينهما فينبغي معرفة طبقتيهما إن كانا من طبقتين، فإن كانا من طبقة واحدة فربما أشكل الأمر، وربما عرف ذلك بمن فوقه أو دونه من الرواة، فربما كان أحد المتفقين في الإسم لا يروي عمن روى عنه الآخر فإن اشتركا في الراوي الأعلى وفيمن روي عنهما فالإشكال حينئذ أشد، وإنما يميز ذلك أهل الحفظ والمعرفة٣.

стр. 200

وبسبب الجهل بالطبقات غلط غير واحد من المصنفين فربما ظن راويا آخر غيره، وربما أدخل راويا في غير طبقته١. إن فائدة التقسيم على الطبقات تتم لو اتبع المصنفون تقسيما واحدا، ولم يتباين عدد الطبقات بين مصنف وآخر. فتباين عدد الطبقات عندهم يجعل النسبة إلى الطبقة ليست مطلقة بل تتقيد بطريقة كل مصنف، فلم يعد بالإمكان أن نكتفي بالقول مثلا أن عبد الرحمن بن أبي الزناد في الطبقة السادسة من أهل المدينة فهو كذلك عند ابن سعد فقط أما في طبقات خليفة فهو في الطبقة الثامنة. ومن ذلك أيضا أن أنس بن مالك وغيره من صغار الصحابة مع العشرة وغيرهم من أكابر الصحابة من طبقة واحدة إذا نظرنا إلى تشابههم في أصل صفة الصحبة كما فعل خليفة بن خياط ومن بعده ابن حبان، أما إذا نظرنا إلى تفاوت الصحابة في سوابقهم ومراتبهم كانوا عدة طبقات كما فعل ابن سعد ومن قلده وعندها لا يكون أنس وغيره من صغار الصحابة من طبقة العشرة بل دونهم بطبقات٢. وقد أخذ الحافظ المزي على نظام الطبقات أنه يوهم أحيانا، ذلك أن للصحابي رواية عن النبي ﷺ وعن غيره، فإذا رأى من لا خبرة له رواية الصحابي عن الصحابي ظن الأول تابعيا فيكشفه في التابعين فلا يجده، لذلك رأى العسقلاني أن سياق الرواة علىاختلاف طبقاتهم مساقا واحدا على الحروف أولى٣. ورغم المآخذ على نظام الطبقات إلا أنه كان ملائما لأغراض الحديث التي ابتكر من أجلها، ومن ثم فإن استعماله لم يقتصر على خليفة بن خياط ومحمد بن سعد بل استعمله معاصرون لهم ومتأخرون عنهم، واستمر التقسيم على الطبقات أساسا تتبعه بعض المصنفات في الرجال حتى القرن الثامن الهجري.

стр. 201

وممن رتب كتابه على الطبقات الإمام مسلم بن الحجاج "ت٢٦١هـ" في كتابه "الطبقات" وقد ذكرت المراجع أنه اقتصر على الصحابة والتابعين واكتفى بتجريد الأسماء١، وأنه قسم التابعين إلى ثلاثة طبقات٢، إلا أن المراجع لم تشر إلى طريقته في عرض الصحابة وهل اعتبرهم طبقة واحدة أم أكثر؟ واتبع نظام الطبقات أبوعروبة الحسين بن محمد بن مودود الحراني "ت١٣٧هـ" في كتابه "الطبقات"٣ إلا أن ما بقي منه لا يكفي لتوضيح حدود الطبقة عنده، إلا أنه اعتبر الصحابة طبقة واحدة. واتبع هذا الترتيب ابن حبان البستي "ت٣٥٤هـ" في كتابيه "الثقات" و"مشاهير علماء الأمصار"، وقد اعتبر الصحابة طبقة أولى والتابعين طبقة ثانية والأتباع طبقة ثالثة وتبع الأتباع طبقة رابعة. وكذلك فإن قسما من التواريخ المحلية اتبعت نظام الطبقات أيضا مثل "طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها" لأبي الشيخ الأنصاري "ت٣٦٩هـ" حيث قسمهم حتى عصره إلى إحدى عشرة طبقة. وكذلك "تاريخ الرقة" لمحمد بن سعيد القشيري "ت٣٣٤هـ" و"تاريخ داريا" لعبد الجبار الخولاني "ت٣٧٠هـ" ولا يختلف مفهوم الطبقة عند هؤلاء المؤلفين جميعا علما وجدناه عند ابن سعد وخليفة بن خياط. وقدامتد استعمال نظام الطبقات إلى كتب التراجم الأخرى كتراجم

стр. 202

القراء١ والفقهاء٢ والصوفية٣ والشعراء٤ والأدباء٥ والنحاة٦ والأطباء٧ مما يدل على تأثير نظام الطبقات وشيوع استعماله في مجالات عديدة في حين أنه لم يبتكر إلا لخدمة علم الحديث. وعندما لم يلتزم أبو نعيم الأصبهاني "ت٤٣٠هـ" في كتابه "حلية الأولياء" بنظام الطبقات بصورة دقيقة في سائر كتابه بل اكتفى بالتمييز بين الصحابة ومن تلاهم وخلط التابعين ومن بعدهم انتقده ابن الجوزي "ت٥٩٧هـ" فقال "إنه خلط في ترتيب القوم من ينبغي أن يؤخر وأخر من ينبغي أن يقدم فعل ذلك في الصحابة وفيمن بعدهم، فلا هو ذكرهم على ترتيب الفضائل ولا على ترتيب المواليد ولا جمع أهل كل بلد في مكان، وربما فعل هذا في وقت ثم عاد فخلط خصوصا في أواخر الكتاب فلا يكاد طالب الرجل يهتدي إلى موضعه"٨. وقد رتب ابن الجوزي كتابه "صفة الصفوة" على الطبقات متبعا طريقة ابن سعد حيث اعتبر السابقة في الإسلام فقسم الصحابة إلى خمس طبقات، ثم ذكر التابعين ومن بعدهم على الطبقات أيضا، ويتداخل التنظيم على الطبقات مع التنظيم على المدن حيث يذكر الطبقات ضمن المدينة الواحدة، ويذكر أنه فعل ذلك تسهيلا للطلب على الطالب٩.

стр. 203

إن الترتيب على الطبقات استمر متبعا في ميدانه الأصيل فرتبت بعض كتب الرجال على الطبقات حتى فترة متأخرة، فقد رتب عبد الغني المقدسي الجماعيلي "ت٦٠٠هـ" كتابه "الكمال في معرفة الرجال"١ على الطبقات، ولكن المزي "ت٧٤٢هـ" لم يحافظ على ترتيب الكمال عندما هذبه حيث رتبه على حروف المعجم وكذلك الذهبي "ت٧٤٨هـ" في كتابه "الكاشف عن رجال الكتب الستة"٢ وهو مختصر من تهذيب الكمال للمزي٣ اتبع الترتيب على حروف المعجم، كذلك فعل العسقلاني في كتابه "تهذيب التهذيب" الذي هو تهذيب لكتاب "تهذيب الكمال للمزي". إن أبرز من اهتم بنام الطبقات في القرن الثامن الهجري هو الحافظ الذهبي "ت٧٤٨هـ" في كتبه "تذكرة الحفاظ" و"تاريخ الإسلام" و"المجرد في أسماء رجال كتاب ابن ماجه" ففي ثالث هذه الكتب نجده يرتب الرجال على الطبقات ويسمي الطبقة بإسم أحد الأعلام البارزين فيها فيقول: طبقة الأعمش وابن عون؛ طبقة الزهري وأيوب؛ طبقة ابن المسيب ومسروق, إلا أن هذه الطبقات ليست مرتبة على أساس زمني كما هو شأن كتب الطبقات الأخرى، بل اكتفى بتجميع من هم من طبقة واحدة، أما كتابه "تذكرة الحفاظ" فهو كما يدل عنوانه في تراجم الحفاظ فقط، وليس كتابا شاملا لرواة الحديث، وقد قسم الحفاظ حتى عصره إلى إحدى وعشرين طبقة، واعتبر في ذلك اللقيا، وقلما اعتبر سني الوفيات٤ التي نلاحظ تداخلها بين الطبقات

стр. 204

المتتالية، وقد أشار الذهبي إلى ذلك بقوله "ولابد في كل طبقة من مجاذبة الطبقتين، وإلا فلو بولغ في تقسيم الطبقات لجاءت كل طبقة ثلاث طبقات وأكثر"١. ويمكن القول أن الطبقة في "تذكرة الحفاظ" تساوي الجيل في الغالب. أما كتابه "تاريخ الإسلام" فقد رتبه الذهبي على السنين والطبقات معا، فهو يذكر أحداث كل سنة ثم يترجم لم توفي فيها، وربما قدم الوفيات على الأحداث. وقد أشار الذهبي إلى نقص المادة التي اعتمدها "ولم يعتن القدماء بضبط وفيات العلماء وغيرهم حتى ضبطوا جماعة فيهم جهالة بالنسبة إلى معرفتنا لهم، فلهذا حفظ وفيات خلق من المجهولين، وجهلت وفيات أئمة من المعروفين، وأيضا فإن عدة بلدان لم يقع إلينا أخبارها إما لكونها لم يؤرخ علماءها أحد من الحفاظ، أو جمع لها تاريخ ولم يقع إلينا"٢. وبسبب عدم ضبط القدماء للوفيات لجأ الذهبي إلى عقد فصل في الوفيات التي حدثت خلال فترة حكم الخليفة كلها فقد عقد فلا فيمن توفي في خلافة عمر٣، وفصلا آخر فيمن توفي في خلافة عثمان٤، ولكنه استطاع في معظم السنين أن يذكر سني الوفيات, وقد استعمل الطبقة كوحدة زمنية واضحة الحدود وجعلها تساوي عشر سنوات٥، وبذلك خالف الذهبي الأقدمين الذين اعتبروا اللقيا أساس التقسيم على الطبقات بل خالف نهجه هو في تذكرة الحفاظ الذي اعتبر فيه اللقيا ولم يعتبر الوفيات، ومع ذلك فإن الذهبي المحدث لا يستطيع أن يتخلص نهائيا من اعتبار اللقيا ففي ترجمة عبد الله بن الصمات في الطبقة الثامنة يقول "وقد تأخرت وفاته عن هذه الطبقة فسيعاد إن شاء الله تعالى"٦.

стр. 205

٣- التنظيم على المدن: إن أقدم ما وصل إلينا من كتب الرجال التي اتبعت التنظيم على المدن كتاب "الطبقات" لخليفة بن خياط وكتاب "الطبقات الكبرى" لمحمد بن سعد ثم كتاب "الطبقات" لمسلم بن الحجاج "٢٦١هـ" ثم كتاب "التاريخ الكبير" لابن أبي خيثمة "٢٧٩هـ" ثم كتاب "مشاهير علماء الأمصار" لابن حبان البستي "ت٣٥٤هـ" وقد مثل هؤلاء المؤلفون شمول النظرة واتساع الأفق فكانت رقعة العالم الإسلامي بحدوده المترامية ميدانا فسيحا لدراساتهم، على أن نصيب المدن في كتبهم كان يتوقف على مكانتها العلمية ومدى نشاط الرواية فيها، فكلما كان عدد علمائها كثيرا وكانت الرواية فيها نشيطة كلما خصص لا المصنفون نصيبا أوفر في كتبهم، لذلك كان حظ المدينة المنورة وافرا في هذه المصنفات جميعا. فقد خصص لها خليفة بن خياط أكثر من ثلث كتابه وكان حظها في طبقات ابن سعد وافرا أيضا. فمن مجموع الستة مجلدات التي تناولت تراجم رجال الحديث نجد ثلاثة أجزاء تخصص للصحابة والصحابيات من أهل المدينة١، ومجلدا رابعا أشرك فيه مع المدينة بقية مدن الحجاز الأخرى إلا أن للمدينة فيه حصة أكبر٢. وللمدينة نصيب كبير أيضا في تاريخ ابن أبي خيثمة وفي كتاب مشاهير علماء الأمصار لابن حبان، واتفاق المصنفين على إعطاء المدينة هذه الأهمية الكبيرة له أهمية في الدلالة على كثرة العلماء ونشاط الرواية فيها وتفوقها على مراكز لعلم الأخرى في العالم الإسلامي خلال القرنين الأولين للهجرة على الأقل, ولا عجب في ذلك لأن المدينة دار السنة فيها تجمع الصحابة في حياة رسول الله ﷺ عن طريق الهجرة حيث تلقوا الرواية عن النبي ﷺ فكانوا مصادر العلم لمن جاء بعدهم من حملة العلم ورواة الآثار. ومن المدينة انتشر العلم إلى بقية المدن والأمصار بخروج عدد كبير من الصحابة منها بعد وفاة النبي ﷺ حيث استقروا في البلاد المفتوحة ونشروا العلم والرواية فيها.

стр. 206

إن المكانة العلمية والأدبية التي تمتعت بها المدينة تجعل من الصعوبة بمكان أن تتقدمها أية بلدة أخرى حتى أن ابن الجوزي "القرن السادس الهجري" أراد أن يتخذ بغداد نقطة البداية في ترتيب كتابه "صفة الصفوة" لأنها أولى من غيرها إلا أنه "لما لم يمكن تقديمها على المدينة ومكة لشرفهما"١ فإنه بدأ بالمدينة ثم ذكر مكة قبل بغداد. أما بقية مدن الحجاز فقد كان دورها في الرواية ضئيلا إذا قيست بالمدينة، وتبرز بينها مكة بسبب مركزها الديني واجتماع العلماء فيها في مواسم الحج حيث يعقدون بعض الحلقات العلمية خلال هذا الموسم كما برز بعض الموالي من أهلها في العلم والرواية. إن نشاط الرواية يظهر بصورة قوية تكاد تضاهي المدينة في العراق وعلى وجه التحديد في الكوفة والبصرة فقد استقر فيهما عدد كبير من الصحابة فيهم من اشتهر بقراءة القرآن مثل أبي موسى الأشعري وفيهم من عرف بالفقه مثل عبد الله بن مسعود الذي أسس مدرسة في الكوفة برز من بين تلاميذها عدد من جهابذة العلم، وكان للدور السياسي الذي لعبته الكوفة في القرن الأول الهجري خاصة أثر كبير في تنشيط الرواية فيها فالنزاع السياسي بين دمشق والكوفة جعل الحاجة إلى الرواية قوية لدعم وجهات نظر المتنازعين في عصر كان أهله يهتمون كثيرا بموافقة أعمالهم للشرع الذي كان يعني آنذاك نصوص القرآن والحديث. أما دور البصرة في الرواية فهو يلي دور الكوفة فقد نزلها صحابة لا يقل عددهم عمن نزلوا الكوفة، ولكن عدد من اشتهر بالرواية من التابعين من أهل البصرة أقل من عددهم في الكوفة. فقد ذكر ابن سعد ما ينيف على الخمسمائة تابعي ممن عرفوا بالرواية من أهل الكوفة ولم يزد عدد التابعين الذين عرفوا بالرواية من أهل البصرة على المائتين إلا قليلا، ولعل في ذلك ما يلقي ضوءا على درجة شيوع العلم وكثرة العلماء في المدينتين.

стр. 207

وتأتي بقية مدن العراق بعد الكوفة والبصرة في النشاط العلمي خلال الفترة التي شملتها دراسة كل من خليفة بن خياط ومحمد بن سعد، ويلاحظ تأخر بناء مدينتي واسط وبغداد فلم ينزل فيها صحابي ولا تابعي بل نزح إليهما أتبع التابعين من الكوفة والبصرة١، فكان إزدهار العلم ببغداد متأخرا عن دراسة خليفة وابن سعد لذلك لم تحظ بنصيب وافر في كتابيهما وقد أصبحت بغداد فيما بعد مدينة العلم وموسم العلماء حتى ذكرها ابن حبان في جملة المدن التي نزلها الصحابة تعصبا لها بعد أن ذكر أنها محدثة لم ينزلها أحد من الصحابة٢. ولم تكن أهمية المشرق الإسلامي قد برزت في الرواية خلال القرنين الأولين للهجرة لذلك لم ينل عناية كبيرة عند خليفة بن خياط ولا عند محمد بن سعد وقد ازدهرت الرواية فيه خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين ومن ثم فقد اعتبرهما ابن حبان من الأقاليم "المشهورة في الإسلام المعروفة بعلماء الأيام"٣. كذلك كان دور غرب العالم الإسلامي ثانويا في الرواية خلال القرنين الأولين إلا الشام فقد نزلها عدد كبير من الصحابة وتليها من حيث نشاط الرواية مصر أما الجزيرة والعواصم والثغور.. أما أيلة وأفريقية الأندلس فلم تبرز في هذه الفترة المبكرة فكان حظها في كتابي خليفة وابن سعد قليلا أيضا. ويبدو من ملاحظة تسلسل المدن عند خليفة بن خياط ومحمد بن سعد أن كليهما راعى في تقديم البلدة على غيرها كثرة العلماء ونشاط الرواية فيها وهذا يظهر في إتفاهما على تقديم المدينة فالكوفة فالبصرة على بقية المدن الإسلامية كذلك فعل ابن حبان بعد ما ينيف على القرن من ظهور كتابي خليفة وابن سعد. كذلك نجد أن خليفة يذكر الصحابة من أهل المدينة ثم ينتقل مباشرة إلى الكلام عن الكوفة قبل أن يتم طبقات اهل المدينة، ولا يعود إلى ذكر التابعين.

стр. 208

ومن بعدهم من أهل المدينة إلا بعد أن ينهي كلامه عن أهل الكوفة بكافة طبقاتهم ثم ينتقل إلى البصرة فيذكر طبقاتهم كافة وبعد أن ينتهي منهم يعود إلى المدينة فيذكر بقية طبقاتها، ولعله أراد أن يتم المادة المتعلقة بالصحابة فلاحقهم إلى الأمصار التي استقروا فيها بأعداد كثيفة. وثمة ظاهرة أخرى تبرز عند خليفة هي أنه لم يراع العامل الجغرافي كثيرا في تسلسل المدن التي ذكرها فهو يقفز من مكان إلى آخر فقد انتقل كما ذكرت من الحجازإلى العراق ثم عاد إلى الحجاز وكذلك لم يتناول واسط وبغداد بعد الكوفة والبصرة بل ذكرهما في آخر كتابه ولعله اعتبر في ذلك المكانة العلمية حيث أن واسط وبغداد تأخرت عمارتهما وبالتالي تأخر ازدهار الرواية فيهما عن المدن الأخرى. إن مراعاة العامل الجغرافي تفي تسلسل المدن يظهر عند محمد بن سعد فعندما ذكر المدينة لم ينتقل من الحجاز إلا بعد أن ذكر مراكز العلم الأخرى فيه وهي الطائف واليمن واليمامة والبحرين على التوالي، وعندما ذكر الكوفة والبصرة لم يغادر العراق إلا بعد ذكر واسط والمدائين وبغداد، ثم ذكر المشرق بكافة مراكزه وهي خراسان والري وهمذان وقم على التوالي، ثم ذكر الأنبار، ثم انتقل إلى المغرب فذكر الشام ثم الجزيرة فالعواصم والثغور فمصر فأيلة فأفريقية فالأندلس وهكذا راعى ابن سعد العامل المكاني تسلسل المدن إلى جانب مراعاته المكانة العلمية، ويظهر اعتبار العامل الجغرافي في تسلسل المدن عند مصنف آخر هو مسلم بن الحجاج حيث أن تسلسل ذكر المدن عنده مطابق لما هو عند ابن سعد١ وكذلك يظهر اعتبار العامل الجغرافي عند ابن أبي خيثمة في التاريخ الكبيرفقد ذكر مكة فالطائف فاليمن فاليمامة فالمدينة فالكوفة. وقد أهمل خليفة أماكن ذكرها ابن سعد وهي همذان وقم والأنبار والبحرين والثغور وأيلة والأندلس ولكنه أضاف مراكز جديدة أهملها ابن سعد وهي الموصل والمغرب وقد تناول المغرب بشيء من التفصيل.

стр. 209

وبعد مضي حوالي القرن من تأليف الكتب السالفة الذكر ألف محمد بن حبان البستي "ت٣٥٤هـ" كتابه "مشاهير علماء الأمصار" ورتبه على المدن أيضا ولكنه لم يتقيد بتسلسل المدن الذي وجدناه عند خليفة وابن سعد إلا من حيث تقديم المدينة على بقية المدن، وابن حبان صريح في بيان اقتصاره على الأماكن التي شملها بحثه فهي "ستة أصقاع تشملها عمارة الإسلام وما وراءها من المدن يسكنها غير أولي الأحلام أولها الحجاز بحواليها، والثاني العراق بنواحيها، والثالث الشام بأطرافها والرابع مصر بجوانبها، والخامس اليمن بما والاها، والسادس خراسان بما دار عليها، هذه المدن المشهورة في الإسلام المعروفة بعلماء الأيام"١. وقد ذكر سبب تقديمه المدينة على غيرها من المدن "لأنها مهبط الوحي ومعدن الرسالة وبها نصر المصطفى ﷺ كثيرا، ومنها انتشر الإسلام وظهر أعلام الدين وبها قبر رسول الله ﷺ وضجيعيه أبي بكر وعمر ﵄ وإياها قطن جلة الصحابة"٢. ويشترط ابن حبان استيطان الرجل في المدينة كي يعده من أهلها ولا يهمه بعد ذلك أن تكون وفاته في غيرها٣، ومن هذا العرض نتبين أن العوامل التي أثرت في ترتيب المدن وتقديم بعضها على الآخر هي أولا المكانة العلمية للمدينة، وثانيا الأهمية الدينية وثالثا العامل الجغرافي. وكان كل من خليفة بن خياط ومحمد بن سعد وابن أبي خيثمة واسع الأفق شامل النظرة حين جعل رقعة العالم الإسلامي ميدانا لدراساته ولا شك أن للرحلة في طلب العلم أثرا كبيرا في امتزاج علم الأمصار المختلفة، فقد بدات الرحلة في طلب العلم في جيل الصحابة, فكان الصحابي يرحل في طلب حديث واحد لم يسمعه عن النبي ﷺ أو للتثبت من حديث يشك في دقة حفظه

стр. 210

له، وممن عرف بالرحلة من الصحابة جابر بن عبد الله١ وأبو أيوب الأنصاري٢، واستمرت الرحلة في جيل التابعين لتلقي العلم عن الصحابة الذين تفرقوا في الأمصار عقب الفتوحات، وأصبح طلب الإسناد العالي هدفا للمحدثين فبدل أن يأخذ عن تابعي من طبقته فإنه يرحل إلى الصحابي الذي أخذ عنه التابعي فياخذ عنه مباشرة وكان لظهور الوضع في الحديث أثر في تنشيط هذه الرحلات العلمية طلبا للحديث من مظانه وتدقيقا لمصادره وبحثا عن أصوله وقد اشتهر بذلك من التابعين سعيد بن المسيب ومسروق وعامر الشعبي والحسن البصري وأبو العالية الرياحي٣. وقد اتسع نطاق الرحلة في طلب العلم بعد جيل التابعين وبلغ أوجه في القرنين الثالث والرابع الهجريين، ويقدم الرامهرمزي "ت٣٦٠هـ" قائمة بأسماء المحدثين الذين رحلوا في الأقطار مرتبا إياهم على الطبقات فذكر من رحل منهم إلى عدة أقطار ومن قصد ناحية واحدة للقاء من بها من العلماء، وهذه الأقطار التي كان العلماء يقصدونها هي مراكز الثقافة في العالم الإسلامي آنذاك. وقد كان للرحلة في طلب العلم أثر في شيوع العلم وتكثير طرق الأحاديث والتعرف على رجال الحديث لأن المحدث يذهب إليهم في بلدهم فيخالطهم ويسألهم ويتعرف على أحوالهم وسيرتهم في بلدهم٤، ومع ذك فقد وجدت العصبية المحلية مجالا بين أهل الحديث ففخر بعضهم بمصادر مروايتهم وتهكم بمصادر الآخرين وسخر من شيوخهم "فقد حضر جماعة من أهل الكوفة وأهل الحجاز عند عبد الله بن أدريس فجرى ذكر المسكر فحرمه الحجازيون وجعل أهل الكوفة يحتجون في

стр. 211

تحليله إلى أن قال بعضهم: حدثنا أبو إسحاق عن سعيد بن ذي لعوة عن علي في الرخصة فقال الحجازيون: والله ما تجيئون به عن المهاجرين ولا عن الأنصار ولا عن ابنائهم وإنما تجيئون به عن العميان والعوران والعرجان والعمشان والحولان"١، فرغم أن الجدل ثار حول مسألة فقهية إلا أن نقد الحجازيين انصب على مصادر روايات أهل الكوفة إذ أن هذه الألقاب كلها للموالي ولم يتلقب بها العرب, وهكذا فخر الحجازيون بشيوخهم من المهاجرين والأنصار وتهكموا بالشيوخ الكوفيين من الموالي، ومن ذلك أيضا ما حدث به الأصمعي "أنه سمع عمرو بن قيس يقول: ما ينصفنا أهل العراق نأتيهم بالقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله الطبيب ويأتونا بنظرائهم زعموا بأبي التياح وأبي قلابة أسماء المقابلين، لو أدركنا أبا الجوزاء لأكلناه بتمر ولو أدركنا الشعبي لشعب لنا القدور ولو أدركنا النخعي لنخع لنا الشاة!! "٢. وهكذا تتكرر السخرية بمصادر مرويات أهل العراق، والذين ذكرتهم الرواية كلهم من الموالي. ولنستمع إلى أبي عبد الله المقرئ٣ يخاطب أهل الري فيقول "يا أهل الري من الذي أفلح منكم؟ إن كان ابن الأصبهاني فمنا وإن كان إبراهيم بن موسى قمنا وإن كان جرير فمنا وإن كان الخط فجدي علمكم، ما أفلح منكم إلا رجل واحد ولن أقول لكم حتى تموتوا كمدا"٤. والطريف أن أبا عبد الله المقرئ ولد بالري وإنما أصله من أصبهان فافتخر بمدينة آبائه وعاب على الري مسقط رأسه أنها لم تنجب علماء مشهورين. ولقد دفعت المنافسة العلمية بين مدينة جرجان ومدينة نيسابور شاعرا من نيسابور وهو محمد بن إبراهيم بن يحيى البشتي إلى نظم قصيدة في رجال مدينته مفتخرا بتاريخ وحاضر المدينة العلمي ومباهيا بذلك مدينة جرجان وهذه بعض أبياتها:

стр. 212

ودع ذكر جرجان فإن شيوخنا ... ببلدة نيسابور أعلى فما الحزن فيحيى بن يحيى لا يقاس بغيره ... كفاك به عزا إذا كنت ممتحن وتابعهم إسحق لله دره١ نعم ... والرباطي فضلهم غير مكتمن٢ وقد لعبت عصبية الأمصار دورا في نشوء تواريخ المدن بصورة عامة وبالتالي ظهور تواريخ الرجال المحلية التي تقتصر في التأليف على رجال بلدة بعينها بقصد إظهار مكانتها وتفوقها العلمي على غيرها من المدن، وقد كانت عصبية الأمصار دافعا مباشرا في كتابة بعض تواريخ الرجال المحلية قال حمزة السهمي "ت٤٢٧هـ" في مقدمة كتابه تاريخ جرجان "فإني لما رأيت كثير من البلدان تعصب أهلها وأظهروا مفاخرها بدخول الصحابة ... ﵃ أجمعين بلادهم وكون الخلفاء والأمراء وجماعة من العلماء عندهم، حتى أرخوا لذلك تواريخ وصنفوا فيها تصانيف على ما بلغهم، ولم أر أحدا من مشايخنا ﵏ صنف في ذكرعلماء أهل جرجان تصنيفا أو أرخ لهم تاريخ على توافر علمائها وتظاهر شيوخها وفضلائها فأحببت أن أجمع في ذلك مجموعا" ثم ذكر انحطاط النشاط الفكري في جرجان إذ تفانى العلماء الذين يوثق بعلمهم٣. ولعل أقدم كتاب خصص لرجال مدينة معينة هو تاريخ واسط لبحشل ألفه سنة ٢٨٨هـ وهذا لا يعني أن التواريخ المحلية لم تكن معروفة قبل بحشل، فقد ألف ابن زبالة كتابه "أخبار المدينة" في حدود سنة ١٩٩هـ٤ والف الأزرقي "ت بعد ٢٤٤هـ" كتابه "أخبار مكة" في النصف الأول من القرن الثالث الهجري، ولكن هذه المؤلفات في تواريخ المن لم تتناول تراجم المحدثين في المدينة فلا صلة لها بعلم الرجال. وقد ذكر التقى الفاسي مؤرخ مكة في القرن

стр. 213

الرابع عشر الميلادي في مقدمة كتابه "العقد الثمين" "أنه غير مسبوق بالفصل الذي خصصه للتراجم من كتابه"١ وقد تعجب الفاسي من هذه الظاهرة فقال في كتابه الآخر شفاء الغرام "وإني لا عجب من إهمال فضلاء مكة بعد الأزرقي للتأليف على منواله ومن تركهم تأليفا لتاريخ مكة يحتوي على معرفة أعيانها من أهلها وغيرهم من ولاتها وقضاتها وخطبائها وعلمائها كما صنع فضلاء غيرها من البلاد"٢. "وأما تاريخ المدينة فقد عولج على نمط ما عولج به تاريخ مكة إذ يبدو أنه لم يحتو إلا على قليل من التراجم، يدل على هذا عدم اقتباس كتاب التراجم المتأخرين شيئا من تواريخ المدينة المنورة"٣، إلا نقولا ضئيلة أوردها السخاوي عن عمر بن شبة "ت٢٦٢هـ" في التحفة اللطيفة وهي لا تدل على أن ابن شبة ترجم للأشخاص بالشكل الذي نده في كتب التراجم٤، فتواريخ المدن التي سبقت بحشل كانت تعني بطوبوغرافية المدينة وأخبارها ولم تركز على رجال البلدة لذلك فيمكن القول أن بحشل هو أقدم من أكد على رجال البلدة فقد أصبح العلماء أهم ما تتميز به المدن المتنافسة، ومن ثم فقد غلبت التراجم على مادة تواريخ المدن بعد بحشل. وقد قدم بحشل لكتابه بمقدمة مقتضبة جدا عن تاريخ وخطط واسط لا تتناسب وتواريخ المدن المؤلفة قبله، ثم ترجم لعلمائها، وقد تابعته تواريخ الرجال المحلية التالية في الشكل والمحتوى فالمقدمة ثم ذكر الصحابة فبقية رجال البلدة هو الهيكل العام لسائر تواريخ الرجال المحلية، وإن توسع البعض في المقدمة فضمنها معلومات طبوغرافية وأخبارا وأساطير تتصل بالمكان الذي يكتب عنه مما يعبر عن العصبية للأمصار، كما يبدو أن ذكر من دخل البلدة من

стр. 214

الصحابة له صلة بحديث يرفعه بريدة إلى النبي ﷺ ونصه "من مات من أصحابي ببلدة فهو قائدهم ونورهم يوم القيامة" ١. ومن ثم فقد حوفظ على تقديم الصحابة حتى في التواريخ التي لم ترتب مادتها على الطبقات مثل تاريخ أصبهان لأبي نعيم وتاريخ بغداد للخطيب, لقد نحت كتب الرجال المحلية منحي بحشل في تاريخ واسط فعل ذلك محمد بن سعيد القشيري في "تاريخ الرقة" الذي أملاه سنة ٣٣٤هـ ولكنه اقتصر في المقدمة على خبر فتحها وذكر شروط الصلح٢، وأبو الشيخ الأنصاري "ت٣٦٩هـ" في "طبقات المحدثين بأصبهان" والقاضي عبد الجبار الخولاني "ت٣٧٠هـ" في "تاريخ داريا" ولكن الأخير يحذف المقدمة المتعلقة بأخبار المدينة وأما أبو الشيخ الأنصاري فيتوسع فيها كثيرا ... يتحدث فيها عن طوبوغرافية المدينة ثم عن فضائلها وعجائبها٣، وقد عبر أبو الشيخ بذلك عن إعجابه بمدينته وتعلقه با ... وقد تميزت ترجمة سلمان الفارسي الأصبهاني الأصل بطولها حتى أخذت نصف ما خصصه للصحابة الذين نزلوا أصبهان وعددهم ثمانية عشر صحابيا، ولم ينس أن يذكر اختلاف الروايات في فتح أصبهان أكان عنوة أم صلحا؟ ثم رجح أنه كان صلحا٤. وقد تابعه ونقل عنه كثيرا أبو نعيم الأصبهاني "ت٤٣٠هـ" في كتابه "ذكر أخبار أصبهان"، وإن خالفه في ترتيب كتابه حيث رتب أبو نعيم كتابه على حروف المعجم. أما "تاريخ نيسابور" للحاكم النيسابوري "ت٤٠٥هـ".

стр. 215

فلا يختلف عن طبقات المحدثين بأصبهان لأبي الشيخ في مقدمته وفي ترتيب تراجمه، فهو يبدأ بذكر مفاخر خراسان والأحاديث في فضل الأعاجم ثم خص نيسابور بحديثين هما "خير خراسان نيسابور"والآخر" نعم البلد نيسابور"، ثم ترجم لعلمائها على الطبقات. كذلك فلا يلاحظ وجود اختلاف كبير حتى في التواريخ المحلية المتأخرة مثل "تاريخ بغداد" للخطيب "ت٤٦٣هـ" و"تاريخ دمشق" لابن عساكر "ت٥٥٧هـ" رغم أنهما تميزا بالشمول والتفصيل إذ لم يقتصرا على تراجم المحدثين، كما وتوافرت لهما مادة أضخم نتيجة للتطور الذي أحرزته المدينة الإسلامية. وهكذا لعبت المفاخرات بين المدن دورا كبيرا في صياغة مقدمات تواريخ الرجال المحلية، بل ربما كانت حافزا لتدوين تواريخ الرجال المحلية بقصد إظهار مكانتها وتفوقها العلمي، ولكن ينبغي أن لا ننسى أن الحافز الأصلي هو الرغبة القوية في خدمة علم الحديث عن طريق التعريف بالرواة ومواطنهم، فتواريخ الرجال المحلية تدخل ضمن كتب علم الرجال ويجب أن ينظر إليها بهذا المنظار. وقد أعتبر التعرف على شيوخ البلد ورواياتهم من أول ما تجب معرفته على طالب الحديث في ذلك البلد، فهذا صالح بن أحمد التميمي الحافظ "ت٣٨٤هـ" مؤلف طبقات الهمذانيين يقول "ينبغي لطالب الحديث وعن عني به أن يبدأ بكتب حديث بلده ومعرفة أهله، وتفهمه وضبطه حتى يعلم صحيحه من سقيمه، ويعرف أهل التحديث به وأحوالهم معرفة تامة، إذا كان في بلده علم وعلماء قديما وحديثا، ثم يشتغل بعد بحديث البلدان والرحلة فيه"١. أن ميزة تواريخ الرجال المحلية هي أن معلوماتها عن علماء البلد الذي تختص بدراسته أدق وأكثر استقصاء وشمولا نتيجة عيش المصنف في البيئة التي يؤرخ لرجالها ولذلك فإن تواريخ الرجال المحلية لقيت اهتماما من طلاب
следующие страницы →