تحليله إلى أن قال بعضهم: حدثنا أبو إسحاق عن سعيد بن ذي لعوة عن علي في الرخصة فقال الحجازيون: والله ما تجيئون به عن المهاجرين ولا عن الأنصار ولا عن ابنائهم وإنما تجيئون به عن العميان والعوران والعرجان والعمشان والحولان"١، فرغم أن الجدل ثار حول مسألة فقهية إلا أن نقد الحجازيين انصب على مصادر روايات أهل الكوفة إذ أن هذه الألقاب كلها للموالي ولم يتلقب بها العرب, وهكذا فخر الحجازيون بشيوخهم من المهاجرين والأنصار وتهكموا بالشيوخ الكوفيين من الموالي، ومن ذلك أيضا ما حدث به الأصمعي "أنه سمع عمرو بن قيس يقول: ما ينصفنا أهل العراق نأتيهم بالقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله الطبيب ويأتونا بنظرائهم زعموا بأبي التياح وأبي قلابة أسماء المقابلين، لو أدركنا أبا الجوزاء لأكلناه بتمر ولو أدركنا الشعبي لشعب لنا القدور ولو أدركنا النخعي لنخع لنا الشاة!! "٢.
وهكذا تتكرر السخرية بمصادر مرويات أهل العراق، والذين ذكرتهم الرواية كلهم من الموالي. ولنستمع إلى أبي عبد الله المقرئ٣ يخاطب أهل الري فيقول "يا أهل الري من الذي أفلح منكم؟ إن كان ابن الأصبهاني فمنا وإن كان إبراهيم بن موسى قمنا وإن كان جرير فمنا وإن كان الخط فجدي علمكم، ما أفلح منكم إلا رجل واحد ولن أقول لكم حتى تموتوا كمدا"٤.
والطريف أن أبا عبد الله المقرئ ولد بالري وإنما أصله من أصبهان فافتخر بمدينة آبائه وعاب على الري مسقط رأسه أنها لم تنجب علماء مشهورين. ولقد دفعت المنافسة العلمية بين مدينة جرجان ومدينة نيسابور شاعرا من نيسابور وهو محمد بن إبراهيم بن يحيى البشتي إلى نظم قصيدة في رجال مدينته مفتخرا بتاريخ وحاضر المدينة العلمي ومباهيا بذلك مدينة جرجان وهذه بعض أبياتها:
стр. 212
ودع ذكر جرجان فإن شيوخنا ... ببلدة نيسابور أعلى فما الحزن
فيحيى بن يحيى لا يقاس بغيره ... كفاك به عزا إذا كنت ممتحن
وتابعهم إسحق لله دره١ نعم ... والرباطي فضلهم غير مكتمن٢
وقد لعبت عصبية الأمصار دورا في نشوء تواريخ المدن بصورة عامة وبالتالي ظهور تواريخ الرجال المحلية التي تقتصر في التأليف على رجال بلدة بعينها بقصد إظهار مكانتها وتفوقها العلمي على غيرها من المدن، وقد كانت عصبية الأمصار دافعا مباشرا في كتابة بعض تواريخ الرجال المحلية قال حمزة السهمي "ت٤٢٧هـ" في مقدمة كتابه تاريخ جرجان "فإني لما رأيت كثير من البلدان تعصب أهلها وأظهروا مفاخرها بدخول الصحابة ... ﵃ أجمعين بلادهم وكون الخلفاء والأمراء وجماعة من العلماء عندهم، حتى أرخوا لذلك تواريخ وصنفوا فيها تصانيف على ما بلغهم، ولم أر أحدا من مشايخنا ﵏ صنف في ذكرعلماء أهل جرجان تصنيفا أو أرخ لهم تاريخ على توافر علمائها وتظاهر شيوخها وفضلائها فأحببت أن أجمع في ذلك مجموعا" ثم ذكر انحطاط النشاط الفكري في جرجان إذ تفانى العلماء الذين يوثق بعلمهم٣.
ولعل أقدم كتاب خصص لرجال مدينة معينة هو تاريخ واسط لبحشل ألفه سنة ٢٨٨هـ وهذا لا يعني أن التواريخ المحلية لم تكن معروفة قبل بحشل، فقد ألف ابن زبالة كتابه "أخبار المدينة" في حدود سنة ١٩٩هـ٤ والف الأزرقي "ت بعد ٢٤٤هـ" كتابه "أخبار مكة" في النصف الأول من القرن الثالث الهجري، ولكن هذه المؤلفات في تواريخ المن لم تتناول تراجم المحدثين في المدينة فلا صلة لها بعلم الرجال. وقد ذكر التقى الفاسي مؤرخ مكة في القرن
стр. 213
الرابع عشر الميلادي في مقدمة كتابه "العقد الثمين" "أنه غير مسبوق بالفصل الذي خصصه للتراجم من كتابه"١ وقد تعجب الفاسي من هذه الظاهرة فقال في كتابه الآخر شفاء الغرام "وإني لا عجب من إهمال فضلاء مكة بعد الأزرقي للتأليف على منواله ومن تركهم تأليفا لتاريخ مكة يحتوي على معرفة أعيانها من أهلها وغيرهم من ولاتها وقضاتها وخطبائها وعلمائها كما صنع فضلاء غيرها من البلاد"٢.
"وأما تاريخ المدينة فقد عولج على نمط ما عولج به تاريخ مكة إذ يبدو أنه لم يحتو إلا على قليل من التراجم، يدل على هذا عدم اقتباس كتاب التراجم المتأخرين شيئا من تواريخ المدينة المنورة"٣، إلا نقولا ضئيلة أوردها السخاوي عن عمر بن شبة "ت٢٦٢هـ" في التحفة اللطيفة وهي لا تدل على أن ابن شبة ترجم للأشخاص بالشكل الذي نده في كتب التراجم٤، فتواريخ المدن التي سبقت بحشل كانت تعني بطوبوغرافية المدينة وأخبارها ولم تركز على رجال البلدة لذلك فيمكن القول أن بحشل هو أقدم من أكد على رجال البلدة فقد أصبح العلماء أهم ما تتميز به المدن المتنافسة، ومن ثم فقد غلبت التراجم على مادة تواريخ المدن بعد بحشل.
وقد قدم بحشل لكتابه بمقدمة مقتضبة جدا عن تاريخ وخطط واسط لا تتناسب وتواريخ المدن المؤلفة قبله، ثم ترجم لعلمائها، وقد تابعته تواريخ الرجال المحلية التالية في الشكل والمحتوى فالمقدمة ثم ذكر الصحابة فبقية رجال البلدة هو الهيكل العام لسائر تواريخ الرجال المحلية، وإن توسع البعض في المقدمة فضمنها معلومات طبوغرافية وأخبارا وأساطير تتصل بالمكان الذي يكتب عنه مما يعبر عن العصبية للأمصار، كما يبدو أن ذكر من دخل البلدة من
стр. 214
الصحابة له صلة بحديث يرفعه بريدة إلى النبي ﷺ ونصه "من مات من أصحابي ببلدة فهو قائدهم ونورهم يوم القيامة" ١. ومن ثم فقد حوفظ على تقديم الصحابة حتى في التواريخ التي لم ترتب مادتها على الطبقات مثل تاريخ أصبهان لأبي نعيم وتاريخ بغداد للخطيب, لقد نحت كتب الرجال المحلية منحي بحشل في تاريخ واسط فعل ذلك محمد بن سعيد القشيري في "تاريخ الرقة" الذي أملاه سنة ٣٣٤هـ ولكنه اقتصر في المقدمة على خبر فتحها وذكر شروط الصلح٢، وأبو الشيخ الأنصاري "ت٣٦٩هـ" في "طبقات المحدثين بأصبهان" والقاضي عبد الجبار الخولاني "ت٣٧٠هـ" في "تاريخ داريا" ولكن الأخير يحذف المقدمة المتعلقة بأخبار المدينة وأما أبو الشيخ الأنصاري فيتوسع فيها كثيرا ... يتحدث فيها عن طوبوغرافية المدينة ثم عن فضائلها وعجائبها٣، وقد عبر أبو الشيخ بذلك عن إعجابه بمدينته وتعلقه با ... وقد تميزت ترجمة سلمان الفارسي الأصبهاني الأصل بطولها حتى أخذت نصف ما خصصه للصحابة الذين نزلوا أصبهان وعددهم ثمانية عشر صحابيا، ولم ينس أن يذكر اختلاف الروايات في فتح أصبهان أكان عنوة أم صلحا؟ ثم رجح أنه كان صلحا٤.
وقد تابعه ونقل عنه كثيرا أبو نعيم الأصبهاني "ت٤٣٠هـ" في كتابه "ذكر أخبار أصبهان"، وإن خالفه في ترتيب كتابه حيث رتب أبو نعيم كتابه على حروف المعجم. أما "تاريخ نيسابور" للحاكم النيسابوري "ت٤٠٥هـ".
стр. 215
فلا يختلف عن طبقات المحدثين بأصبهان لأبي الشيخ في مقدمته وفي ترتيب تراجمه، فهو يبدأ بذكر مفاخر خراسان والأحاديث في فضل الأعاجم ثم خص نيسابور بحديثين هما "خير خراسان نيسابور"والآخر" نعم البلد نيسابور"، ثم ترجم لعلمائها على الطبقات.
كذلك فلا يلاحظ وجود اختلاف كبير حتى في التواريخ المحلية المتأخرة مثل "تاريخ بغداد" للخطيب "ت٤٦٣هـ" و"تاريخ دمشق" لابن عساكر "ت٥٥٧هـ" رغم أنهما تميزا بالشمول والتفصيل إذ لم يقتصرا على تراجم المحدثين، كما وتوافرت لهما مادة أضخم نتيجة للتطور الذي أحرزته المدينة الإسلامية.
وهكذا لعبت المفاخرات بين المدن دورا كبيرا في صياغة مقدمات تواريخ الرجال المحلية، بل ربما كانت حافزا لتدوين تواريخ الرجال المحلية بقصد إظهار مكانتها وتفوقها العلمي، ولكن ينبغي أن لا ننسى أن الحافز الأصلي هو الرغبة القوية في خدمة علم الحديث عن طريق التعريف بالرواة ومواطنهم، فتواريخ الرجال المحلية تدخل ضمن كتب علم الرجال ويجب أن ينظر إليها بهذا المنظار.
وقد أعتبر التعرف على شيوخ البلد ورواياتهم من أول ما تجب معرفته على طالب الحديث في ذلك البلد، فهذا صالح بن أحمد التميمي الحافظ "ت٣٨٤هـ" مؤلف طبقات الهمذانيين يقول "ينبغي لطالب الحديث وعن عني به أن يبدأ بكتب حديث بلده ومعرفة أهله، وتفهمه وضبطه حتى يعلم صحيحه من سقيمه، ويعرف أهل التحديث به وأحوالهم معرفة تامة، إذا كان في بلده علم وعلماء قديما وحديثا، ثم يشتغل بعد بحديث البلدان والرحلة فيه"١.
أن ميزة تواريخ الرجال المحلية هي أن معلوماتها عن علماء البلد الذي تختص بدراسته أدق وأكثر استقصاء وشمولا نتيجة عيش المصنف في البيئة التي يؤرخ لرجالها ولذلك فإن تواريخ الرجال المحلية لقيت اهتماما من طلاب
стр. 216
الحديث حتى أن بعضها كان يدرس في حلقات العلم وكان الخطيب البغدادي يحدث بتاريخ بغداد فيها"١ وقد نقل أبو سعد السمعاني عن عبد الرحمن بن محمد القزاز أنه سمع جميع كتاب تاريخ مدينة السلام من مصنفه الخطيب إلا جزآن توفيت والدته فشغله دفنها عن سماعهما، ولم يعد الخطيب عليه ما فاته "لأنه شرط في الابتداء أن لا يعاد الفوت لأحد، فبقي الجزء غير مسموع"٢ ويدل قوله "أن لا يعاد الفوت لأحد" أن الخطيب كان يحدث بتاريخه في حضور عدد من الطلاب.
وربما رحل البعض في طلب أحد تواريخ الرجال المحلية من ذلك رحلة أبي الفضل بن الفلكي الهمذاني إلى نيسابور حيث كان أحد دوفعها الحصول على تاريخ نيسابور للحاكم٣.
أن التقسيم على المدن سواء في كتب الطبقات العامة أم نتيجة التصنيف في رجال بلدة واحدة يمكننا من معرفة بلدان الرواة ومواطنهم والصلة بين بعضهم، فمن طريق معرفة أوطان الرواة يمكن التحقق من اللقاء بين الرواة، فإذا لم يكونا من بلد واحد، ولم يدخل أحدهما بلد الآخر ولا التقيا في حج ونحوه، وليست للراوي إجازة بما يروي فعندئذ يعرف أن في السند إرسالا أو انقطاعا اوعضلا أوتدليسا٤.
كما أن معرفة أوطان الرواة ربما تفيد في التمييز بين الاسمين المتفقين في اللفظ فينظر في شيخه وتلميذه الذي روى عنه، فربما كانا أو أحدهما من بلد
стр. 217
أحد المتفقين في الاسم فيغلب على الظن أن أحدهما هو المذكور في السند لا سيما إذا لم يعرف له سماع بغير بلده١.
لقد استعاضت كتب تواريخ الرجال التي لم ترتب على المدن عن ذلك بذكر عداد الرجل في الأمصار، وربما نسبته إلى المدينة والقبيلة معا، أما قول البعض "أن ما حدث للعرب من الانتساب إلى البلاد والأوطان لما غلب عليها من سكنى القرى والمدائن وضياع كثير من أنسابها فلم يبق لها غير الانتساب إلى البلدان، وكانت قبل ذلك تنسب إلى القبائل"٢ فهو يصدق على المتأخرين من الرواة أما المتقدمون فقد ذكرت أنسابهم إلى جانب ذكر الأمصار التي نزلوها وذلك زيادة في التعريف بهم ما فعل البخاري في التاريخ الكبيروهو يترجم للمتقدمين إذ آخرهم من عاش في النصف الأول من القرن الثالث الهجري.
стр. 218
٤- التنظيم على حروف المعجم:
وقد استعمل هذا الترتيب لتسهيل الكشف عن أصحاب التراجم خاصة وأن المؤلفين القدامى لم يستعملوا الفهارس المفصلة التي نجدها في المطبوعات الحديثة, لكن الترتيب على حروف المعجم لم يكن بالدقة التي تظهر في الفهارس التي يضعها المحققون في عصرنا لما ينشرونه من الكتب، فإن مصنفي كتب علم الرجال أحيانا يراعون الحرف الأول من إسم الرواة كما فعل البخاري في كتابيه "التاريخ الكبير" و"الضعفاء الصغير"، وأحيانا يجمعون بين الرواة ذوي الإسم الواحد، وقد يقدمون الحرف على سابقه إذا كثرت الأسماء التي تبدأ بالحرف المتأخر كأن يكون من إسمهم خالد كثيرون ومن إسمم حنين قليلون فيتقدم عليهم الخالدون رغم أن "الخاء" بعد "الحاء" كذلك كثيرا ما يتجاوز المصنفون القاعدة فيقدمون "المحمدين" على سواهم كما فعل الخطيب البغدادي مثلا في "تاريخ بغداد" أو يقدمون الصحابة عامة على من سواهم ضمن الحرف الواحد كما فعل ابن ابي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل".
стр. 219
إن تنظيم التراجم على حروف المعجم حدث منذ فترة مبكرة.
فمن كتب الرجال الأولى المرتبة على حروف المعجم كتاب "التاريخ الكبير" للبخاري المتوفى "٢٥٦هـ" وكتاب "الكنى والأسماء" لمسلم بن الحجاج "ت٢٦١هـ" وكتاب "الضعفاء" للعقيلي "ت٣٢٢هـ" وكتاب "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم الرازي "ت٣٢٧هـ" وكتاب "تاريخ هراة" لأبي إسحاق أحمد بن محمد بن ياسين الهروي الحداد "ت٣٣٤هـ"١ وكتاب "المجروحين من المحدثين" لابن حبان "ت٣٣٤هـ" أما كتاب "الثقات" لابن حبان أيضا فقد رتبه على الطبقات ثم على حروف المعجم ضمن الطبقة الواحدة.
وممن رتب كتابه على حروف المعجم ابن عدي الجرجاني "ت٣٦٠هـ" في كتابيه "أسامي من روى عنهم البخاري" وكتاب "الكامل في ضعفاء المحدثين"، ومن بعد الكلاباذي "ت٣٩٨هـ" في كتابه "الأسماء والكنى" وإن كان متأثرا بفكرة الطبقات حيث قسم الرواة إلى صحابة ثم تابعين ومن بعدهم وضمن هذا التقسيم رتب الرواة على حروف المعجم، وكذلك استعمل أبو عبد الله بن مندة "ت٣٩٥هـ" الترتيب على المعجم في كتابه "معرفة الصحابة"، ثم الحاكم "ت٤٠٥هـ" في "تسمية من أخرجهم البخاري ومسلم" رغم أنه قدم الصحابة على غيرهم متأثرا بنظام الطبقات، ثم السهمي "ت٤٢٧هـ" في "تاريخ جرجان".
ثم تلاحقت كتب التراجم المرتبة على حروف المعجم وتدريجيا تخلصت من آثار نظام الطبقات، فالخطيب البغدادي "ت٤٧٦هـ" في "تاريخ بغداد" رتب كتابه على حروف المعجم بادئا بترتيب السماء على المعجم ثم اصحاب الكنى ثم النساء في آخر الكتاب وبذلك تخلى -إلى حدث كبير- عن نظام الطبقات. لقد مالت كتب التراجم منذ القرن الخامس إلى الترتيب على حروف المعجم وترك
стр. 220
نظام الطبقات والمدن لتسهيل مهمة من يبحث فيها, فاستعمال كتب الرجال المصنفة على الطبقات والمدن والأنساب تتطلب معرفة بصاحب الترجمة لا يمتلكها الكثيرون ممن يراجعونها خاصة وأنه لا توجد آنذاك فهارس للكتب. لقد صرح كثير من المصنفين بالدافع الذي جعلهم يختارون الترتيب على حروف المعجم.
قال ابن حبان "ت٣٣٤هـ" في كتاب "الثقات" "فإنا نفصل أسماء أتباع التابعين ونذكر ما يعرف من أنساب المشهورين منهم وأوقات موتهم ونقصد في نظر اسمائهم المعجم ليكون أسهل عند البغية لمن أراد، لعلمي بتعذر حفظ الجل منه على أكثر الناس"١.
وقال ابن عدي الجرجاني "ت٣٦٠هـ" في مقدمة كتابه "الكامل في معرفة ضعفاء المحدثين" "وصنفته على حروف المعجم ليكون أسهل على من طلب راويا منهم"٢.
وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في مقدمة كتابه "ذكر أخبار أصبهان":
"اما بعد. فإن بعض الإخوان رعاهم الله سأل الاحتذاء بمن تقدمنا من السلف ورواة الحديث في نظم كتاب يشتمل على أسامي الرواة والمحدثين.... وابتغي أن يكون ذلك مرتبا على حروف المعجم ليسهل الوقوف عليه فأجبته إلى ذلك"٣. لقد كانت الرغبة إذا في تسهيل مراجعة هذه التصانيف هي العامل الوحيد الذي حدا بالأقدمين إلى الترتيب على حروف المعجم متخلين عن نظام الطبقات والمدن بصورة تدرجية.
وقد علل الحافظ أبو الحجاج يوسف بن الزكي المزي تخليه عن نظام الطبقات الذي اتبعه صاحب الكمال٤ "ت٦٠٠هـ" بأن نظام الطبقات
стр. 221
يوهم أحيانا. إذ أن للصحابي رواية عن النبي ﷺ وعن غيره، فإذا رأى من لا خبرة له رواية الصحابي عن الصحابي ظن الأول تابعيا فيكشفه في التابعين فلا يجده فكان سياق الرواة كلهم مساقا واحدا على الحرف أولى١.
стр. 222
علم الرجال والتاريخ:
لقد كانت كتب الرجال يطلق عليها "تأريخ" سواء كانت مرتبة على الطبقات أم على حروف المعجم، ومن هنا حاول المتأخرون أن يميزوا بين التواريخ والطبقات، وقد اعتبر العز بن جماعة ذلك من الأمور المشكلة، وحاول التمييز بينها بعبارة غامضة فقال: "والحق عندي أنهما بحسب الذات يرجعان إلى شيء واحد، وبحسب الاعتبار يتحقق ما بينهما من التغاير"١.
وقد عقب السخاوي على ذلك بقوله: "بينهما عموم وخصوص وجهي، فيجتمعان في التعريف بالرواة وينفرد التاريخ بالحوادث، والطبقات بما إذا كان في البدريين مثلا من تأخرت وفاته عمن لم يشهدها، لاستلزامه تقديم المتأخر الوفاة"٢.
وقد ذكر السخاوي أن كلامه في التفريق بين التاريخ والطبقات ينطبق على مصنفات الأقدمين في الطبقات، ذلك لأن المتأخرين راعوا في الطبقات سني الوفيات.
إن بعض المؤلفين أطلقوا على كتبهم في الرجال اسم التاريخ منذ فترة مبكرة ترجع إلى النصف الأول من القرن الثالث الهجري، حيث أطلقه البخاري على بعض مصنفاته في الرجال وهي "التاريخ الكبير" و"التاريخ الأوسط" و"التاريخ الصغير" كذلك فعل معاصره علي بن المديني "ت٢٣٤هـ" حيث سمى كتابه في الرجال بـ "التاريخ" وسمى ابن أبي خيثمة "ت٢٧٩هـ".
كتابه بـ "التاريخ الكبير" وتابعهم في ذلك بعض المؤلفين التالين، وكانت كلمة
стр. 223
التاريخ قد استعملت للتاريخ الحولي منذ تلك الفترة المبكرة أيضا حيث سمي خليفة بن خياط حولياته باسم "التاريخ"١ على أن الجزم بذلك يبدو صعبا وأيا كان الأمر فإن المؤلفين الأوائل في الرجال اعتبروا كتبهم تاريخا ولعل تبرير ذلك يعود إلى ذكر سنوات الولاة والوفاة لبعض المترجمين.
وقد استمر اعتبار كتب الرجال من فروع التاريخ حتى بعد أن تبلورت بعض المفاهيم حول تعريف التاريخ وتحديد مجالاته وأغراضه وظهرت في الدراسات المتأخرة التي قام بها الكافيجي٢ سنة ٨٧٩هـ والسخاوي٣ "ت٩٠٢هـ" فقد اعتبر السخاوي "علم التاريخ فن من فنون الحديث النبوي"٤.
وذكر في فوائد علم التأريخ أنه "يظهر الشيخ الذي جعل روايته عنه من مقصده كان قد مات قبل مولده أو كان قد اختل عقل أو اختلط أو لم يجاوز بلدته التي لم يدخلها الطالب قط"٥. وبيان ذلك كله من مباحث علم الرجال.
وقد استشهد السخاوي على جلالة علم التاريخ بأن السخاوي ألف "التاريخ الكبير" بين القبر النبوي والمنبر الشريف وكان يصلي لكل ترجمتين ركعتين٦ وكتاب التاريخ الكبيرهذا من كتب الرجال وعندما ذكر السخاوي قوائم بأسماء التصانيف في التاريخ أورد ضمنها أنواع المصنفات في علم الرجال وقد اعتبر السخاوي معرفة تاريخ الرجال واجبا في حين أن معرفة الأخبار والأشعار وما إلى ذلك لا يعدو أن يكون مباحا٧، ولم يقتصر اعتبار علم الرجال من
стр. 224
فروع التواريخ وذكر فوائده ضمن فوائد التاريخ على السخاوي فقد ذكر معاصره السيوطي "ت٩١١هـ" أن "من فوائد التاريخ معرفة الآجال وحلولها وانقضاء العدد وأوقات التعاليق ووفيات الشيوخ ومواليدهم والرواة عنهم فنعرف بذلك كذب الكاذبين وصدق الصادقين"١.
وقد تابعهما كل من حاجي خليفة وطاش كبرى زاده في اعتبار علم الرجال أحد فروع علم التاريخ٢. وقد تساءل روزنثال عما إذا كان من الصحيح قبول التراجم بشكلها الحالي كعنصر بارز في علم التاريخ كما فعل المؤرخون المسلمون؟ مع اعترافه بأن التراجم جزء أساسي من التاريخ وأن فيها مقدارا لا بأس به من المادة التي يمكن تصنيفها واعتبارها تأريخية٣. وطبيعي أن ذلك ينطبق على كتب التراجم المتأخرة بصورة أوضح إلا أنه ينطبق أيضا على كتب الرجال التي حوت مادة تأريخية دقيقة وموثوقة لكنها قليلة ومشتتة فقد قدمت خلال التراجم معلومات منها ما يتصل بالإدارة، كذكر الولاة والقضاة ومنها ما يتعلق بتواريخ الغزوات والمعارك حيث ترد عرضا عند ذكر اشتراك أصحاب التراجم في الغزوات، ومنها ما يتعلق بخطط المدن التي ترد عرضا أيضا خلال تحديد محل سكنى صاحب الترجمة، وكذلك التعريف بالعشائر التي نزلت في المدن عندما تكون مرتبة على المدن وحاوية على الأنساب.
ولكتب الرجال أهمية خاصة في التعريف بالحياة الثقافية للمدن والأقطار الي تناولت تراجم علمائها، وهذه المعلومات قد تسد بعض الفجوات في المادة التي تقدمها الكتب التأريخية كأن يتم بها إكمال قوائم الولاة أو القضاة في مدينة معينة أو خلال فترة محددة، أو تكمل معلومات الكتب التأريخية عن خطط المدن وما شاكل، على أنه من الضروري عدم المبالغة في أهمية المادة التأريخية التي تقدمها كتب الرجال.
стр. 225
وتظهر أهمية كتب الرجال في نوع من الدراسات التأريخية التي ظهرت حديثا وهي ما يسمى بعلم "تأريخ التأريخ" الذي يتعرض لدراسة الأصول التي استقى منها المؤخرون مادتهم ونقد هذه الأصول حيث تقدم كتب الرجال معلومات لها أهمية بالغة في التعريف برواة الأخبارة وبيان أحوالهم وعقائدهم وأخلاقهم مما يلقي ضوءا على دوافعهم وأغراضهم، وقد مكن من الإفادة من كتب الرجال في هذا المجال المشاركة الجدية التي قام بها المحدثون في نقل الأخبار١ إلى جانب رواية الحديث التي جعلت كتب الرجال تترجم لهم، ولكن ينبغي أن لا يبالغ في ذلك فإن معظم التراجم التي ذكرتها كتب الرجال قصيرة والمعلومات التي أوردتها مقتضبة ولكنها في حالات كثيرة تنفرد بها مما يجعل لها أهمية كبيرة.
ويبرز تأثير علم الرجال على كتب التراجم من حيث الشكل والمحتوى رغم أن كتب التراجم لم تقتصر على رجال الحديث، بل تناولت أيضا الملوك والأمراء والولاة والقضاة والشعراء والأدباء والقراء وغيرهم، فترتيب مادة الترجمة من حيث الاهتمام بضبط الأسماء وذكر الأنساب وبيان الصفات الخلقية والعقلية والجسمية وذكر شيوخ المترجم وتلاميذه وبعض مروياته أحيانا والاعتناء بذكر سني الوفيات، وهذه التراجم لا تختلف في طبيعة المادة ولا التنظيم عما هي عليه في كتب الرجال.
ويظهر أثر علم الرجال في التنظيم العام الذي اتبعته كتب التراجم في ترتيب مادتها، فالتنظيم على الطبقات أو على حروف المعجم هما أساس ترتيب كتب التراجم، وقد سبقت كتب الرجال إلى استعمال هذين الأساسين في عرض مادتها.
وقد لا يكون من المجازفة القول أن كتب التراجم ليست إلا تقليدا لكتب الرجال مع توسيع النطاق بإدخال تراجم لا علاقة لها برواة الحديث، ومع توسع أكثر في الكلام عن أحوال الرجال وأخبارهم.
стр. 226
ويظهر مثل هذا التأثير لعلم الرجال أيضا في بعض كتب التاريخ العام التي اهتمت بالتراجم كثيرا مثل كتاب "المنتظم لابن الجوزي وكتاب "البداية والنهاية" لان كثير و"تاريخ الإسلام" للذهبي.
стр. 227
علم الرجال والنقد التاريخي:
إن مناهج المحدثين في نقد رجال الحديث كان لها أثر كبير في تطور وتنمو نقد المصادر والتحري عن الحقيقة ببيان مكانة ناقليها من الصدق والاتقان، قد اشترط المحدثون في الراوي أن يكون متصفا بالعدالة والضبط لقبول الأحاديث التي يرويها، ومن أجل بيان أحوال العدد الهائل من الرواة ألفوا كتب الرجال.
وقد أوضحت كتب مصطلح الحديث التي تبلورت فيها قواعد نقد الحديث طريقة الاستفادة من كتب الرجال، وبطبيعة الحال فإن هذه القواعد وضعت خصيصا لنقد الحديث. ولكن بسبب اشتغال كثير من المحدثين في التاريخ فإن قواعد النقد هذه استعملت -إلى حد ما- في التاريخ أيضا، وقد ساعد على ذلك أن الروايت التأريخية كانت تتصدرها الأسانيد كما هو شأن الأحاديث، كما أن مقاييس المحدثين سرت إلى علم التاريخ فقد اشترطوا في المؤرخ ما اشترطوه في رواة الحديث من العدالة والضبط١، وبذلك أمكن تطبيق قواعد نقد الحديث في نقد الروايات التأريخية أيضا، ولكن ذلك لم يتم بنفس الدقة، بل حدث تساهل كبير في ميدان التأريخ, فالمؤرخون الأوائل مثل خليفة بن خياط والطبري استقوا كثيرا من مادتهم التأريخية عن رواة ضعفهم أهل الحديث، وبذلك لم يتشددوا في نقد رواة الأخبار كما فعلوا بالنسبة لرواة الحديث، لان الحديث تترتب عليه الأحكام الشرعية، لذلك رفض العلماء الاحتجاج بالأحاديث ذات الأسانيد المنقطعة في حين قبلوا ذلك في الروايات التأريخية، ولم يجدوا بأسا في استعمال صيغ التمريض في بيان طرق التحمل
стр. 228
بالنسبة للروايات التأريخية، وهكذا ميز العلماء منذ فترة مبكرة بين "التاريخ" و"الحديث"، فلم يطبقوا قواعد نقد الحديث بدقة في نطاق التاريخ.
وعندما يقوم المؤرخون اليوم بمحاولة تدقيق مصادرنا التأريخية ونقدها فإن بالإمكان الاستفادة من قواعد نقد الحديث وعلم الرجال في ترجيح الروايات التاريخية المتعارضة كأن تكون إحدى الروايتين المتعارضتين بإسناد متصل رجاله ثقات، والأخرى وردت بإسناد منقطع أو عن طريق رواة مجروحين، فعندئذ ينبغي ترجيح الرواية الأولى على الثانية. كما أن استعمال قواعد المصطلح في نقد الروايات التأريخية ينبغي أن يشتد على قدر تعلق المادة بالأحداث الخطيرة التي تؤثر فيها الهواء ويشتط عندها الرواة كأن تكون الروايات لها مساس بالعقائد كالفتن التي حدثت في جيل الصحابة أو ذات صلة بالأحكام الشرعية كالسوابق الفقهية فإن التشدد في قبولها يجعل استعمال قواعد نقد الحديث بدقة أمرا مقبولا. وعلى ذلك فإن مدى تطبيق قواعد نقد الحديث في التأريخ أمر نسبي تحدده طبيعة الروايات، وقد نبه الكافيجي على ذلك بقوله: "يجوز للمؤرخ أن يروي في تاريخه قولا ضعيفا في باب الترغيب والترهيب والاعتبار مع التنبيه على ضعفه، ولكن لا يجوز له ذلك في ذات البارئ وفي صفاته ولا في الأحكام وهكذا جواز رواية الحديث الضعيف على ما ذكر من التفصيل المذكور"١.
لقد ظلت مقاييس المحدثين واتجاهاتهم في النقد سارية في ميدان التاريخ حتى فترة متأخرة حيث ظهر أثر ذلك فيما كتبه الكافيجي والسخاوي عن علم التاريخ. ولكن هذه المقاييس أغفلت كثيرا في البحوث التاريخية الحديثة ولم يفطن الباحثون إلى هذا الكنز الثمين، ومن ثم فإن الاعتماد في النقد التاريخي انصب على ما أنتجه الغربيون في حقل الميثودولوجي ولا شك أن استعمال الغربيين لقواعد النقد العلمي في حقل الدراسات الإنسانية كان
стр. 229
متأخرا بالنسبة لمناهج النقد عند المحدثين, وكان ما عمله أسد رستم من الإفادة من مصطلح الحديث والميثودولوجية الغربية معا في وضع مصطلح للتأريخ محاولة جريئة في الكشف عن أهمية قواعد نقد الحديث في عملية النقد التأريخي١.
стр. 230
نشاط الرحلة في طلب الحديث:
بدأت الرحلة في طلب العلم في جيل الصحابة، فرحل جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس في الشام، واستغرق سفره شهرا ليستمع منه حديثا واحدا لم يكن جابر قد سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم١ ورحل جابر إلى مصر للقاء مسلمة بن مخلد وسؤاله عن حديث بلغه عنه فلما أخبره به رجع٢, ورحل أبو أيوب الأنصاري إلى عقبة بن عامر بمصر فلما لقيه قال: حدثنا ما سمعته من رسول الله ﷺ في ستر المسلم لم يبق أحد سمعه غيري وغيرك. فلما حدثه ركب أبو أيوب راحلته وانصرف عائدا إلى المدينة وما حل رحله!! ٣.
стр. 231
ورحل رجل من الصحابة إلى فضالة بن عبيد بمصر فلما قدم إليه قال له:
أما أني لم آتك زائرا ولكني سمعت أنا وأنت حديثا من رسول الله ﷺ رجوت أن يكون عندك منه علم١، وقال عبد الله بن مسعود: "لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لأتيته"٢.
ويتبين مما ذكرت أن سبب رحلة الصحابة كانت لسماع حديث لم يسمعه الصحابي من رسول الله ﷺ أو للتثبت من حديث يحفظه الصحابي، وليس في بلده من يحفظه فيشد الرحال إلى من يحفظه ولو كان على مسيرة شهر.
وقد استمرت الرحلة في جيل التابعين فقد تفرق الصحابة في الأمصار يحملون معهم العلم فما كان ليتيسر للرجل أن يحيط علما بحديث رسول الله ﷺ دون رحلة في الأمصار وملاحقة الصحابة المتفرقين فيها.
يقول سعيد بن المسيب "ت٩٤هـ" أحد كبار التابعين "إن كنت لا سير في طلب الحديث الواحد مسيرة الليالي والأيام"٣.
ورحل الحسن البصري "ت١١٠هـ" من البصرة إلى الكوفة في مسألة٤ وأقام أبو قلابة في المدينة ثلاثة أيام ما له حاجة إلا رجل كانوا يتوقعون قدومه كان يروي حديثا، فأقام حتى قدم وسألة عن الحديث٥.
стр. 232
وقال بسر بن عبد الله الحضرمي "إن كنت لأركب إلى مصر من الأمصار في الحديث الواحد لأسمعه"١.
وقال عامر الشعبي سيد التابعين "لم يكن أحد من أصحاب عبد الله، أطلب للعلم في أفق من الآفاق من مسروق"٢.
وخرج عامر الشعبي إلى مكة في ثلاثة أحاديث ذكرت له على أمل أن يلقى أحد الصحابة هناك فيسأله عنها٣.
وحدث الشعبي رجلا بحديث ثم قال له "أعطيناكها بغير شيء قد كان يركب فيما دونها إلى المدينة"٤.
وعن أبي العالية الرياحي قال، كنا نسمع الرواية بالبصرة عن أصحاب رسول الله ﷺ فلم نرض حتى ركبنا إلى المدينة فسمعناها من أفواههم٥.
ففي جيل التابعين يبرز عامل جديد يحفز طلاب الحديث إلى الرحلة، ذلك هو طلب الإسناد العالي، فهو أخصر طرق الحديث المتصلة.
فبدل أن يأخذ التابعي عن تابعي أخذ بدوره الحديث عن صحابي، يرحل إلى ذلك الصحابي فيروي الحديث عنه مباشرة. وقد كان لظهور الوضع
стр. 233
في الحديث أثر في تنشيط هذه الرحلات العلمية طلبا للحديث من مظانه، وتدقيقا لمصادره، وبحثا عن أصوله، وتحريا عن رواته.
وقد ذكر شعبة بن الحجاج "ت١٦٠هـ" أنه سمع أبا أسحاق يحدث عن عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ حديث "من توضأ فأحسن الوضوء دخل من أي أبواب الجنة شاء" فساله شعبة: سمعت عبد الله بن عطاء يحدث عن عقبة بن عامر؟ قال أبو إسحاق: سمعت عبد الله بن عطاء، قال شعبة: عبد الله سمع عقبة بن عامر؟ فقال أبو إسحاق أسكت، فقال شعبة لا أسكت. وكان مسعر بن كدام حاضرا فالتفت إلى شعبة وقال: يا شعبة عبد الله بن عطاء حي بمكة. فخرج شعبة إلى مكة فلقي عبد الله بن عطاء وسأله عن حديث الوضوء من رواه؟ فأجاب: عقبة بن عامر، فاستحلفه شعبة هل سمعت منه؟ قال لا، حدثني سعد بن ابراهيم، فمضى شعبة إلى المدينة حيث لقي هناك سعد بن ابراهيم فسأله. فأجاب: من عندكم خرج حدثني زياد بن مخراق. فانحدر شعبة إلى البصرة فلقي زياد بن مخراق وهو شاحب اللون وسخ الثياب كث الشعر فسأله فقال: حدثني شهر بن حوشب عن أبي ريحانة. فقال شعبة: هذا حديث صعد ثم نزل دمروا عليه ليس له أصل١.
وهذا الجهد الكبير والمشقة البالغة والسفر الطويل كله للتحقق من صحة حديث واحد وليس شعبة بن الحجاج هو الوحيد في هذا الميدان. فهذا المؤمل بن إسماعيل ذكر عنده الحديث الذي يروي عن أبي عن النبي ﷺ في فضل القرآن فقال: لقد حدثني رجل ثقة سماه قال أتيت المدائن فلقيت الرجل الذي يروي هذا الحديث فقلت له حدثني فإني أريد أن آتي البصرة فقال: هذا الرجل الذي سمعناه هو بواسط في أصحاب القصب قال فأتيت واسطا فلقيت الشيخ فقال: إن هذا الذي سمعت منه هو بالكلاء فأتيت البصرة فلقيت الشيخ.
стр. 234
بالكلاء فقلت له: حدثني فإني أريد أن آتي عبادان. فقال إن الشيخ الذي سمعناه منه هو بعبادان فأتيت عبادان فلقيت الشيخ فقلت له اتق الله ما لهذا الحديث؟ أتيت المدائن -فقصصت عليه- ثم واسطا ثم البصرة فدللت عليك، وما ظننت إلا أن هؤلاء كلهم قد ماتوا فأخبرني بقصة هذا الحديث؟
فقال: إنا اجتمعنا فرأينا النسا قد رغبوا عن القرآن وزهدوا فيه وأخذوا في هذه الأحاديث فوضعنا لهم هذه الفضائل حتى يرغبوا فيه١.
وهكذا كان للوضع في الحديث أثر في تنشيط الرحلة في طلب العلم للتحقق من الأحاديث ومعرفة مصادرها، كما كان لاستمرار طلب الإسناد العالي دور في ذلك وقد قال الإمام "طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف"٢ وقال "طلب علو الإسناد من الدين"٣.
لذلك إتسع نطاق الرحلة في طلب العلم في القرنين الثاني والثالث، ويقدم الرامهرمزي "ت٣٦٠هـ" قائمة بأسماء المحدثين الذين رحلوا في الأقطار ورتبهم على الطبقات فذكر من رحلوا إلى عدة أقطار ثم ذكر من قصد ناحية واحدة للقاء من بها من العلماء٤، وهذه الأقطار هي مراكز الثقافة في العالم الإسلامي آنذاك، والمدن والأقطار التي كان يقصدها طلاب العلم للقاء من بها من العلماء كما تشير أخبار الرحالين هي: المدينة ومكة والكوفة والبصرة والجزيرة والشام واليمامة واليمن ومصر ومرو والري وبخاري. وهي مراكز يكثر فيها العلماء وتنشط فيها الرواية، وترجم لعلماء معظمها ابن سعد وخليفة بن خياط في كتابيهما في الطبقات.
وكان للرحلة أثر في شيوع الأحاديث وتكثير طرقها، كما كان لها أثر في معرفة الرجال بصورة دقيقة لأن المحدث يذهب إلى البلدة فيتعرف على علمائها.
стр. 235
ويخالطهم ويسألهم، ولولا الرحلة لتنوع علم الأقاليم المختلفة واتسع الخلاف في الأحكام.
وقد أدرك العلماء أهمية الرحلة فلما سئل الإمام أحمد بن حنبل عن طالب العلم هل يلزم رجل عنده علم فيكتب عنه أو يرحل إلى المواضع التي فيها العلم فيسمع منهم؟ أجاب: يرحل ويكتب عن الكوفيين والبصريين وأهل المدينة ومكة ويشام الناس يسمع منهم١.
وروى عن يحيى بن معين أنه قال "اربعة لا تؤنس منهم رشدا، منهم رجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث"٢.
وقال إبراهيم بن أدهم "أن الله يدفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أصحاب الحديث"٣ ولكن الرحلة المقصودة هي التي تحقق هدفا واضحا، وليست مجرد سفر يضيع الوقت والجهد لتبادل التحيات والأشواق، قال الخطيب "المقصود بالرحلة في الحديث أمران: أحدهما تحصيل علو الإسناد وقدم السماع، والثاني: لقاء الحفاظ والمذاكرة لهم والاستفادة عنهم فإذا كان الأمران موجودين في بلد الطالب ومعدومين في غيره فلا فائدة في الرحلة فالاقتصار على ما في البلد أولى"٤.
وقد كان الراحلون يلتذون في الرحلة، فهذا رجل وفد إلى يزيد بن هارون من حران ينشد:
أقبلت أهوى على حيزوم طاوية ... في لجة اليم لا ألوي على سكن
حتى أتيت إمام الناس كلهم ... في الدين والعلم والآثار والسنن
أبغي به الله لا الدنيا وزخرفها ... ومن تغنى بدين الله لا يهن
стр. 236
يا لذة العيش ما [قد] قلت حدثنا ... عوف وبشر عن الشعبي والحسن١
وقال آخر رحل إلى سفيان بن عيينة بمكة:
سيري نجا وقاك الله من عطب ... حتى تلاقي بعد البيت سفيانا
سمح الأنام ومن جلت مناقبه ... لاقى الرجال وحاز العلم أزمانا٢
ولولا الرحلة في طلب العلم لوجد طابع فكري محلي في كل مدينة من المدن الإسلامية بسبب العزلة العلمية، لكن الروح الواسعة التي تحلى بها العلماء دفعتهم إلى جوب الآفاق وأخذ العلم من شتى المراكز الفكرية في العالم الإسلامي ولو اهتم المحدثون بتدوين أخبار الرحلات وأوصاف المدن لقدموا معلوات غزيرة كتلك التي نجدها في كتب الرحلات المتأخرة مثل رحلة ابن جبير ورحلة ابن بطوطة. ولكن المحدثين لم يهتموا بغير الحديث الذي كان هدف هذه الرحلات. إن ما حققته هذه الرحلات من امتزاج علم الأمصار يظهر بوضوح في مجاميع الحديث التي دونت خلال القرن الثالث الهجري وقد عملت هذه الرحلات على تقليل أثر العصبية والمنافسة في الحديث بين الأمصار، لذلك نجد أن المنافسة في الفقه بين مدرسة العراق ومدرسة المدينة وظهور العصبية للرأي في النصف الأول من القرن الثاني الهجري يبدو أوضح بكثير من المنافسة بين الأمصار في الحديث، وأحسب أن الرحلة في طلب العلم وما ولدته من امتزاج علم الأمصار المختلفة إضافة إلى عدم احتمال علم الحديث ما احتمله علم الفقه من اتساع في الخلاف بسبب تباين الأفهام والمدارك وتباين الأعراف المحلية وما يستتبعه من اختلاف الحاجيات بين مصر وآخر، لكل ذلك أثر في تقليل العصبية المحلية بين المحدثين، كما أنه لا توجد لدينا مدارس متبلورة في الحديث كما هو الشأن في الفقه، وإن كانت هناك شروط ومقاييس في قبول الرواية أو رفضها والأخذ عن الرجل أو رده، ولكنها شروط فردية تتباين بين محدث وآخر لا مدرسة وأخرى ولا مصر وآخر.
стр. 237
تدوين الحديث:
الكتابة في حياة الرسول ﷺ :
لم يكن العرب قبل الإسلام يعتمدون على الكتابة في حفظ أشعارهم وخطبهم وقصص أيامهم ومآثرهم وأنسابهم، بل اعتمدوا على الذاكرة ونمت ملكة الحفظ عندهم فاشتهروا بقوة ذاكرتهم وسرعة حفظهم. ولكن هذا لا يعني عدم وجود من يعرف الكتابةبينهم، ذلك لأن مجتمع مكة التجاري يحاج إلى معرفة بالكتابة والحساب، ولكن عدد الكاتبين كان قليلا ولذلك وصف القرآن الكريم العرب بأنهم أميون فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ ١ وفي الحديث الشريف "إنا أمة أمية لا نكت ولا نحسب" ٢.
وقد حث الإسلام على العلم، واهتم النبي ﷺ بتعليم المسلمين الكتابة، فأذن لأسرى بدر أن يفدوا أنفسهم بتعليم عشرة من صبيان الأنصار القراءة والكتابة٣.
стр. 238
وكان بعض المسلمين يتعلمون القراءة والكتابة في مسجد الرسول ﷺ حيث تطوع بعض المعلمين بتعليمهم مثل عبد الله بن سعيد بن العاص وسعد بن الربيع الخزرجي وبشير بن ثعلبة وأبان بن سعيد بن العاص١، فكثر عدد الكاتبين حتى بلغ عدد كتاب الوحي زهاء أربعين كاتبا٢ ناهيك عن كتاب الصدقات والرسائل والعهود.
стр. 239
كتابة الحديث في حياة الرسول ﷺ :
ومع وجود عدد من الكتاب في حياة الرسول ﷺ وقيامهم بتدوين القرآن الكريم، فإنهم لم يقوموا بجمع حديث الرسول ﷺ وكتابته بشمول واستقصاء بل اعتمدوا على الحفظ والذاكرة في أغلبة ولم يأمرهم النبي ﷺ بذلك، ولعله أراد المحافظة على ملكة الحفظ عندهم، خاصة وأن الحديث تجوز روايته بالمعنى خلاف القرآن الكريم الذي هو معجز بلفظه ومعناه، ومن ثم فلا تجوز روايته بالمعنى، لذلك اقتضت الحكمة حصر جهود الكاتبين في نطاق تدوين القرآن الكريم، وللتخلص من احتمال حدوث التباس عند عامة المسلمين فيخلطوا القرآن بالحديث إذا اختلطت الصحف التي كتب فيها القرآن بصحف الحديث، خاصة في الفترة المبكرة عندما كان الوحي ينزل بالقرآن الكريم ولما يكمل الوحي، ولما يعتد عامة المسلمين على أسلوب القرآن.
وقد وردت أحاديث عن النبي ﷺ تنهى عن كتابة الحديث كما وردت أحاديث تسمح بالكتابة.
فأما أحاديث النهي عن الكتابة فهي:
١- "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني
стр. 240
ولا حرج" أخرجه مسلم١ من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
٢- قال أبو سعيد الخدري "جهدنا بالنبي ﷺ أن يأذن لنا في الكتاب فأبى"٢.
٣- حديث أبي هريرة ﵁: "خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نكتب الأحاديث فقال: "ما هذا الذي تكتبون؟ " قلنا: أحاديث نسمعها منك.
قال: كتاب غير كتاب الله! أتدرون؟ ما ضل الأمم قبلكم إلا بما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله تعالى"٣.
وأقوى هذه الأحاديث حديث أبي سعيد الخدري الأول الذي أخرجه مسلم في صحيحه.
وأما أحاديث السماح بالكتابة فهي:
١- حديث عبد الله بن عمرو بن العاص "كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه فنهتني قريش, وقالوا تكتب كل شيء سمعته من رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا؟
فامسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال: "أكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق" ٤.
٢- حديث أبي هريرة "ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب"٥.
стр. 241
٣- حديث أبي هريرة: "أن رجلا أنصاريا شكا إلى النبي ﷺ قلة حفظه فقال: "استعن بيمينك" ١.
٤- طلب رجل من أهل اليمن يوم فتح مكة من الصحابة أن يكتبوا له خطبة النبي ﷺ بعد الفتح فاستأذنوا النبي ﷺ في ذلك فقال: "اكتبوا لأبي شاه" ٢.
٥- حديث أنس "قيدوا العلم بالكتاب" ٣.
٦- حديث رافع بن خديج: قلت يا رسول الله إنا نسمع منك أشياء أفنكتبها؟ قال: "اكتبوا ولا حرج" ٤.
٧- كتب النبي ﷺ كتاب الصدقات والديات والفرائض والسنن لعمرو بن حزم٥.
٨- قال النبي ﷺ في مرضه الذي توفي فيه "آتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده" ٦.
٩- كتابة النبي للصحيفة بين المهاجرين والأنصار وبين المسلمين واليهود.
стр. 242
رأي العلماء في تعارض هذه الأحاديث:
لقد نهى النبي ﷺ عن كتابة الحديث خشية اختلاطه بالقرآن الكريم الذي لم يكن قد جمع بعد، وكذلك خشية انشغال المسلمين بالحديث عن القرآن وهم حديثو عهد به، وإلى ذلك ذهب الرامهرمزي "ت٣٦٠هـ" بقوله تعقيبا على حديث أبي سعيد الخدري: "وحديث أبي سعيد: حرصنا أن يأذن لنا النبي ﷺ في الكتاب فأبى، فأحسبه أنه كان محفوظا في أول الهجرة، وحين كان لا يؤمن الاشتغال به عن القرآن"١ وأما أبو سليمان الخطابي "ت٣٨٨هـ" فقال: وجهه -والله أعلم- أن يكون إنما كره أن يكتب شيء مع القرآن في صحيفة واحدة أو يجمع بينهما في موضع واحد تعظيما للقرآن وتنزيها له أن يسوى بينه وبين كلام غيره٢.
ولذلك فقد أذن النبي ﷺ لبعض الصحابة المتقنين للكتابة أن يكتبوا الحديث مثل عبد الله بن عمرو بن العاص حيث اطمأن إلى عدم خلطه القرآن بالحديث. وذهب بعض العلماء -ورأيهم ينسجم مع ما ذكر آنفا- إلى أن أحاديث السماح بالكتابة نسخت أحاديث النهي عنها، وذلك بعد أن رسخت معرفة الصحابة بالقرآن فلم يخش خلطهم له بسواه، وممن ذهب إلى النسخ من المتقدمين ابن قيتة الدينوري٣ ومن المعاصرين الشيخ أحمد محمد شاكر٤.
وهذا الرأي لا يتعارض مع تخصيص بعض الصحابة مثل عبد الله بن عمرو بالإذن في وقت النهي العام لأن إبطال المنسوخ بالناسخ لا علاقة له ولا تأثير في تخصيص بعض أفراد العام قبل نسخه٥.
стр. 243
كتابة الحديث في جيل الصحابة:
كما وردت أحاديث في النهي عن الكتابة والسماح بها، كذلك وقف الصحابة مواقف متباينة من كتابة الحديث، فمنهم من كره الكتابة، ومنهم من أجازها، ومنهم من روي عنه الأمران؛ كراهية الكتابة وإجازتها وهذه مواقف بعض كبار الصحابة الذين كرهوا كتابة الحديث:
١- جمع أبو بكر الصديق ﵁ خمسمائة حديث ثم أحرقها١.
٢- استشار عمر بن الخطاب ﵁ الصحابة في تدوين الحديث، ثم استخار الله تعالى في ذلك شهرا ثم عدل عن ذلك وقال: "إني كنت أريد أن أكتب السنن، وأني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وأني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدا"٢.
٣- قال علي بن أبي طالب ﵁: "أعزم على كل من كان عنده كتاب إلا رجع فمحاه، فإنما هلك الناس حين اتبعوا أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم"٣.
٤- أتي عبد الله بن مسعود بصحيفة فيها حديث فدعا بماء فمحاها، وقال بهذا أهلك أهل الكتاب قبلكم حين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون٤.
٥- وردت روايات تدل على كراهية صحابة آخرين للكتابة وهم زيد بن ثابت، وأبو هريرة، وعبد الله بن عباس، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عمر، وأبو موسى الشعري، وقد أوضح كل من هؤلاء
стр. 244
الصحابة أن سبب كراهته كتابة الحديث خوفه من انشغال الناس بها وانصرافهم عن القرآن الكريم.
أما مواقف الصحابة التي تدل على تجويزهم الكتابة فهي:
١- كتب أبو بكر الصديق ﵁ لأنس بن مالك فرائض الصدقة التي سنها الرسول صلى الله عليه وسلم١.
٢- كتب عمر بن الخطاب ﵁ لعتبة بن فرقد بعض السنن٢، ووجد في قائم سيفه صحيفة فيها صدقة السوائم٣.
٣- كان عند علي ﵁ صحيفة فيها العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر٤.
٤- وردت أخبار عن سماح بعض الصحابة الآخرين بالكتابة مثل السيدة عائشة وأبي هريرة ومعاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص والبراء بن عازب وأنس بن مالك والحسن بن علي وعبد الله بن أبي أوفى وفيمن ذكرتهم من كان يكره الكتابة ثم أجازها، ولا تناقض في ذلك لأن سبب كراهتهم هو أن تختلط بالقرآن، أما حين يؤمن من ذلك فإنهم كانوا يجيزون كتابة الحديث.
ولذلك فقد كتب بعضهم الأحاديث في الصحف في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته. وفيما يلي ذكر ما عرف منها:
стр. 245
أمثلة الصحف التي كتبها الصحابة في الحديث:
١- صحيفة سعد بن عبادة الأنصاري١.
٢- صحيفة عبد الله بن أبي أوفى٢.
٣- نسخة سمرة بن جندب "ت٦٠هـ" جمع فيها أحاديث كثيرة٣.
٤- كتاب أبي رافع مولى النبي ﷺ وفيه استفتاح الصلاة٤.
٥- كتب أبي هريرة٥.
٦- صحيفة أبي موسى الأشعري٦ "ت٥٠هـ".
٧- صحيفة جابر بن عبد الله الأنصاري "ت٧٨هـ"٧.
٨- الصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو بن العاص "ت٦٥هـ"٨، وقد نقل الإمام أحمد محتواها في مسنده٩.
стр. 246
٩- صحيفة أبي سلمة نبيط بن شريط الأشجعي الكوفي١.
١٠- الصحيفة الصحيحة لهمام بن منبه "ت١٣١هـ" دونها ورواها عن أبي هريرة "ت٥٩هـ"، وتضم ١٣٨ حديثا، وقد ذكرت الصحيفة الصحيحة ضمن ما كتبه الصحابة لأنها في الحقيقة لأبي هريرة٢.
стр. 247
كتابة الحديث في جيل التابعين فما بعدهم:
امتنع بعض كبار التابعين عن الكتابة مثل عبيدة بن عمرو السلماني "ت٧٢هـ" وإبراهيم بن يزيد التيمي "ت٩٢هـ" وجابر بن زيد "ت٩٣هـ" وإبراهيم بن يزيد النخعي "ت٩٦هـ" وعامر الشعبي "ت١٠٣هـ"١. ولكن البعض الآخر منهم كان يكتب الحديث مثل سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب "ت٩٤هـ" وعامر الشعبي والضحاك بن مزاحم "ت١٠٥هـ" والحسن البصري "ت١١٠هـ" ومجاهد بن جبر "ت١٠٣هـ" ورجاء بن حيوة "ت١١٢هـ" وعطاء بن أبي رباح "ت١١٤هـ" ونافع مولى ابن عمر "ت١١٧هـ". وقتادة السدوسي "ت١١٨هـ"٢.
ويبرز من جيل التابعين عدد من العلماء الذين اهتموا بكتابة الحديث واحتفظوا بأجزاء وصحف كانوا يروونها مثل:
стр. 248
أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي "ت١٢٦هـ" الذي كتب بعض حديث الصحابي جابر بن عبد الله وحديث غيره١.
وأبي عدي الزبير بن عدي الهمداني الكوفي "ت١٣١هـ"٢.
وأبي العشراء الدارمي: أسامة بن مالك٣.
وزيد بن أبي أنيسة أبي أسامة الرهاوي "ت١٢٥هـ"٤.
وأيوب بن أبي تميمة السختياني "ت١٣١هـ"٥.
ويونس بن عبيد بن دينار العبدي "ت١٣٩هـ"٦.
وأبي بردة بريد بن عبد الله بن أبي بردة٧.
وحميد بن أبي حميد الطويل "ت١٤٣هـ"٨.
стр. 249
وهشام بن عروة بن الزبير "ت١٤٦هـ"١.
وأبي عثمان عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب "ت١٤٧هـ"٢.
وقد حملت كراهية بعض التابعين للكتابة على أنهم كرهوا تدوين آرائهم وفتاويهم مع الحديث، وكذلك خوفهم من الاعتماد على الكراريس وإهمال الحفظ.
وقد سعى عبد العزيز بن مروان والي مصر "وليها من سنة ٦٥هـ إلى سنة ٨٥هـ" إلى جمع الحديث وتدوينه، فكتب إلى كثير بن مرة الحضرمي -الذي أدرك سبعين بدريا- أن يكتب له ما سمعه من أحاديث الصحابة سوى أبي هريرة لأن حديثه كان مجموعا عنده٣، ولكننا لا نعلم شيئا عن نتيجة هذه المحاولة. ثم جاء ابنه عمر بن عبد العزيز بن مروان إلى الخلافة، فكتب إلى أبي بكر بن حزم عاملة على المدينة "انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ وآله وسلم أو سنة ماضية أو حديث عمرة فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب أهله"٤. وأراد منه أن يكتب ما عند عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية "ت٩٨هـ"٤. والقاسم بن محمد بن أبي بكر "ت١٢٠هـ"٥.
стр. 250
وكتب عمر إلى علماء المدن الإسلامية الأخرى "انظروا إلى حديث رسول الله فاجمعوه"١، ولكن عمر بن عبد العزيز عاجلته المنية قبل أن يبعث إليه أبو بكر بن حزم بما جمعه٢. وعلى أية حال فإن هذا الجمع لم يكن شاملا.
أما المحاولة الشاملة فقد قام بها إمام جليل آخر هو محمد بن شهاب الزهري "ت١٢٤هـ" حيث استجاب لطلب عمر بن عبد العزيز، وكان شغوفا بجمع الحديث والسيرة فجمع حديث المدينة وقدمه إلى عمر بن عبد العزيز الذي بعث إلى كل أرض دفترا من دفاتره٣. وكانت هذه هي المحاولة الأولى لجمع الحديث وتدوينه بشمول واستقصاء. وبذلك مهد الطريق لمن أعقبه من العلماء المصنفين في القرن الثاني الهجري حيث نشطت حركة تدوين الحديث ودأب العلماء على ذلك، وكان لفشو الوضع في الحديث أثر في تأكيدهم على التدوين حفظا للسنة ومنعا للتلاعب فيها.
وممن اشتهر بوضع المصنفات في الحديث:
١- أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج "ت١٥٠هـ" بمكة.
٢- محمد بن إسحاق "ت١٥١هـ" بالمدينة.
٣- معمر بن راشد٤ "ت١٥٣هـ" باليمن.
٤- سعيد بن أبي عروبة "ت١٥٦هـ" بالبصرة.
٥- أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي "ت١٥٦هـ" بالشام.
٦- محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب "ت١٥٨هـ" بالمدينة.