فأداة التشبيه جاءت هنا في الآخر، مع المستطرد به كما تقرر، ولم يقدم الناظم في أول البيت، ما يتوصل به إلى آخره. اهـ.
ومثل هذا الإيراد قول ابن جلنك الحلبي، وهو أظرف ما رأيت في هذا الباب، حكي أنه كتب رقعة إلى بعض الحكام، وقيل: إلى قاضي القضاة، كمال الدين بن الزملكاني، يسأله فيها شيئًا فوقع له بخبز، وأستحيي أن أقول إنه رطلان، فتوجه ابن جلنك يومًا إلى بستان يرتاض فيه، فقيل: إنه لقاضي القضاة المشار إليه، فكتب على حائط البستان:
لله بستان حللنا دوحه ... في جنة قد فتحت أبوابها
والبان تحسبها سنانيرًا رأت ... قاضي القضاة فنفشت أذنابها١
فاستطراده من وصف البستان، وتشبيه البان التشبيه المخترع، إلى هجو قاضي القضاة، مرقص عند سماعه. وما شك أحد من أهل الأدب أن التشبيه غريب في اختراعه وقيل: إن الشيد بدر الدين بن مالك أملى عليهم كراسة في البديع، وأنا بالأشواق إلى رؤيتها.
ومن استطرادات أبي عبد الله محمد بن حجاج البغدادي، في طريقه التي لم ينسج على منوالها غيره، فإن الشيخ جمال الدين بن نباتة قال فيها في خطبة كتابه المسمى بـ"تلطيف المزاج في شعر ابن حجاج": "فإني رأيت نتائج أفكار الشعراء، ذرية بعضها من بعض، وأمم أشعارهم تبعث جميعها في صعيد واحد من الأرض، إلا أشعار الأريب الفريد أبي عبد الله الحسين بن حجاج، فإنها أمة غريبة تبعث وحدها، وذرية عجيبة تبلغ بإتقان اللهو واللعب رشدها، لم يحط خاطر أحد بمثلها خبرًا، ولا استطاع على معارضة شهدها صبرًا"، انتهى قول الشيخ جمال الدين.
واستطرده الموعود بذكره "هو" قوله:
تفديك أمي وأبي ... وابني وإن كان صبي
يا من إليه حينما ... وجدته منقلبي٢
стр. 107
يا من مديح غيره ... عندي عزيز المطلب
لحية من يشناك في ... حال رضا أو غضب١
من عين من يطلبها ... بالليل في استي تختبي٢
وأمه أم الشكو ... ك في استها والريب
ذات حر أوسع من ... شارع باب اللعب٣
وشعرة غليظة ... ذات نبات أشيب
قد شاب منها بعضها ... وبعضها لم يشب
نتفت منها طاقة ... بشدة أو تعب
فما شككت أنها ... لحية ابن الحلبي
ومنها في الاستطرادات الغريبة، لما بلغه أن المهذب يعشق ابن أخيه، وينكر ذلك ويعقد الأيمان عليه بسببه، قوله:
جارية مثل شرا ... ع المضرب المطنب٤
صعدت من عليها ... بالليل فوق مرقب٥
حتى رأيت ابن أخي ... بحضرة المهذب
ومثله قوله من قصيدة:
حتى متى أفديك يا ستي ... يندف قطن استك دق إستي
متى أرى سرمك منهدما ... وخصيتي تنهز من تحتي
قالت بهذا الأير واستحقرت ... وكان قد نام على بختي
قلت نعم هذا على ما به ... قد ضرط البخت فما أنت
هذا إذا قام استوى طوله ... بطوله ساقيك إذا نمت
فلو رأيتيه على بيضه ... مثل أبي منصور في الدستِ
خريت بالطول على عارضي ... صاحب ديوان أبو بلتِ
стр. 108
يا أيها الأستاذ يا من به ... يمسي كما أملته وقتي
خذ بيدي إني في محنة ... زلقت فيها في خرا تحتي
وأما قول القاضي الفاضل في هذا الباب، على طريقته الفاضلية، فإنه عجيب وهو:
لي عندكم دين ولكن هل له ... من طالب فؤادي المرهون
فكأنني ألف ولام في الهوى ... وكأن موعد وصلكم تنوين
ومثله قول مسلم بن الوليد:
سريت بها حتى تجلت بغرّة ... كغرة يحيى حين يذكر خالد
وغاية الغايات في هذا الباب، قول عبد المطلب جد النبي ﷺ :
لنا نفوس لنيل المجد عاشقة ... ولو تسلت أسلناها على الأسل١
لا ينزل المجد إلا في منازلنا ... كالنوم ليس له مأوى سوى المقل
انظر إلى البلاغة الهاشمية، كيف جمعت بين حمشة الافتخار وتفخم الحماسة٢ وبديع الافتنان وغريب الاستطراد ورقة الانسجام.
انتهى الكلام على بيت الشيخ صفي الدين الحلي. وبيت العميان، هو:
قد أفصح الضب تصديقًا لبعثته ... إفصاح قس وسمع القوم لم يهم٣
وهذا البيت على طريق الشيخ صفي الدين الحلي فإن ناظمه قصد بذكر الأول التوصل إلى الثاني، وبيت الشيخ عز الدين الموصلي هو:
يستطرد الشوق خيل الدمع سابقة ... فيفضل السحب فضل العرب للعجم
الذي أقوله إن الشيخ عز الدين ﵀ أحرز قصبات السبق، بما استطرده هنا، على الشيخ صفي الدين وعلى العميان، مع التزامه بتسمية النوع المورى به من أنس الغزل، ومراعاة جانب الرقة نظام الاستطراد على الشرط المذكور، وبيت بديعيتي هو:
واستطردوا خيل شوقي عنهم فكبت ... وقصرت كليالينا بوصلهم
وهذا البيت غريب، ولا بد لأهل الأدب من تأهيل غريبه. انتهى.
стр. 109
ذكر الاستعارة:
وكان غرس التمني يانعا فذوى ... بالاستعارة من نيران هجرهم
الاستعارة عندهم أقصى من المجاز، وهي أخص منه، إذ قصد المبالغة شرط في الاستعارة دون المجاز، وموقعها في الأذواق السليمة أبلغ، وليس في أنواع البديع أعجب منها، إذا وقعت في مواقعها، وللناس فيها اختلاف كثير.
وأما أصحاب المعاني والبيان فإنهم أطلقوا فيها أعنة أقلامهم، وجالوا بها في ميادين البحوث. وليس الغرض هنا إلا نفس الاستطراد إلى مواقع فيها من المحاسن، نظمًا ونثرًا، بعد تقريبها إلى الأذهان بحدود يزول بها الالتباس.
حد الرماني الاستعارة فقال: هي تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة، على سبيل النقل. وذكر الخفاجي كلام الرماني وقال: تفسير هذه الجملة قوله : ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ ١ استعارة، لأن الاشتعال للنار، ولم يوضع في أصل اللغة للشيب، وقلما نقل إليه بأن المعنى، لما اكتسبه من التشبيه، لأن الشيب لما كان يأخذ من الرأس شيئًا فشيئًا، حتى يحيله إلى غير لونه الأول، كان بمنزلة النار التي تسري في الخشب، حتى تحيله إلى غير حالة المتقدمة، فهذا هو نقل العبارة عن الحقيقة في الوضع للبيان.
ولا بد أن تكون الاستعارة أبلغ من الحقيقة، لأجل التشبيه العارض فيها، لأن الحقيقة لو قامت مقامها، لكانت ولى بها، ولا يخفى على أهل الذوق أن قوله تعالى.
стр. 110
﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ أبلغ من كثر شيب الرأس، وهو حقيقة، ولا بد للاستعارة من مستعار منه ومستعار ومستعار له، فالنار مستعار منها، والاشتعال مستعار، والشيب مستعار له. انتهى.
ومنهم من قال: هي ادعاء معنى الحقيقة في الشيء للمبالغة في التشبيه، وهذا يؤيد قول ابن جني: إن لم تكن الاستعارة للمبالغة، وإلا فهي حقيقة. وكلام ابن جني حسن في موضعه، فإن الشيء إذا أعطي وصف نفسه لم تكن استعارة.
وقال ابن المعتز: هي استعارة الكلمة لشيء لم يعرف بها من شيء عرف بها، كقول النبي ﷺ : "ضموا مواشيكم حتى تذهب فحمة العشاء"، فاستعار ﷺ للعشاء، لقصد حسن البيان.
ومنهم من قال: هي استعارة الشيء المحسوس للشيء المعقول. قال فخر الدين الرازي: هي جعلك الشيء للشيء للمبالغة في التشبيه. وقال ابن أبي الأصبع في "تحرير التحبير" هي نقل اسم الراجح إلى المرجوح، لطلب المبالغة في التشبيه وحسن البيان، فإنك إذا قلت: زيد أسد، فقد نقلت اسم الأسد لزيد، لكن الأسد راجح في الجراءة، وزيد مرجوح، وقد بالغت في تشبيه زيد بالأسد، وأحسنت البيان، انتهى.
ولا تحسن الاستعارة إلا إذا كان التشبيه مقررًا، وكلما زاد التشبيه خفاء زادت الاستعارة حسنًا، وما أحسن قول ذي الرمة هنا:
أقامت بها حتى ذوي العود في الثرى ... وكف الثريا في ملاءته الفجر١
فاستعار للفجر ملاءة، وأخرج لفظه مخرج التشبيه، وكان أبو عمرو بن العلاء لا يرى أن لأحد مثل هذه الاستعارة، وأحسن الاستعارات ما قرب منها دون ما بعد، وأعظمها، في هذا الباب، قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ ٢ فإن ظهور الأنوار من المشرق من أشعة الشمس قليلًا قليلًا، بينه وبين إخراج النفس مشابهة شديدة القرب، ومن هذا النور استضاء الحريري، في مقاماته، بقوله: إلى أن عطس أنف الصباح، وقد تقدم أن بُعْدَ الاستعارة يبعد من القلوب، عند أهل الذوق، كقول أبي نواس مع يقظته:
بح صوت المال مما ... منك يشكو ويصيح
стр. 111
فأي شيء أبعد استعارة من صوت المال، وكيف يصيح ويبح من الشكوى، ومثله قول بشار:
وجدّت رقاب الوصل أسياف هجرنا ... وقدّت لرجل البين نعلين من خدي
قال ابن رشيق في العمدة، ما أقبح رجل البين، وأهجن استعارتها، وكذلك رقاب الوصل. ومثله قول ابن المعتز: وهو من أنقد النقاد: كل يو١ يبوب زب السحاب. وأين هذا البعد من قرب استعارة ابن نباتة القديم في قوله:
حتى إذا نهر الأباطح والثرى ... نظرت إليه بأعين النوار٢
فنظر أعين النوار من أشبه الاستعارات وأليقها وأقربها، لأن النوار يشبه العيون إذا كان مقابلا لمن يمر به، كأنه ناظر إليه، ويعجبني هنا قول القائل، ولم يلحق فيما قاله:
مجرة جدول وسماء آس ... وأنجم نرجس وشموس ورد٣
ورعد مثالث وسحاب كاس ... وبرق مدامة وضباب ند٤
ومن الغايات في هذا الباب قول مجير الدين بن تميم:
وليلة بت أسقي في غياهبها ... راحًا تسل شبابي من يد الهرم٥
ما زلت أشربها حتى نظرت إلى ... غزالة الصبح ترعى نرجس الظلم٦
والذي اتفق عليه علماء البديع، أن الاستعارة المرشحة هي المقدمة في هذا الباب، وليس فوق رتبتها في البديع رتبة، وأعلاها وأغلاها قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ ٧ فإن الاستعارة الأولى، وهي لفظ الشراء، رشحت الثانية، وهي لفظ الربح والتجارة، ومن الاستعارات المرشحة قول الإمام
стр. 112
علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه-: الدنيا من أمسى فيها على جناح أمن، أصبح فيها على قوادم خوف، فإن الاستعارة الأولى التي هي لفظ الجناح رشحت الثانية وهو لفظ القوادم، مع زيادة المطابقة بين الأمن والخوف، والصباح والمساء، وناهيك بالبلاغة الهاشمية، وباب المدينة١، وما أحلى قول بعض العرب فيها: جعلنا رماحنا أرشية الموت٢، فاستقينا بها أرواح العدا ومثله قول الشاعر:
سلامة بن نجاح ... يجد حث الراح
إذا تغنى زمرنا ... عليه بالأقداح
ومثله لابن سكرة، وشتان بين قوله هنا وبين قوله في الكافات:
قيل ما أعددت للبر ... د فقد جاء بشده
قلت دراعة عري ... تحتها جبة رعده٣
والذي ينشأ هنا قول القائل:
والشمس لا تشرب خير الندى ... في الروض إلا بكئوس الشقيق
ومثله قول ابن رشيق ﵀:
باكر إلى اللذات واركب لها ... سوابق اللهو ذوات المزاح
من قبل أن ترشف شمس الضحى ... ريق الغوادي من ثغور الأقاح
وما ألطف قول أبي زكريا المغربي، وقد ترجمه ذو الوزارتين لسان الدين بن الخطيب في تاريخه المسمى بـ"الإحاطة في تاريخ غرناطة"، وهو:
نام طفل النبت في حجر النعامى ... لاهتزاز الطل في مهد الخزامى
كحل الفجر لهم جفن الدجى ... وغدا في وجنة الصبح لثاما
تحسب البدر محيا ثملًا ... قد سقته راحة الصبح مدامًا
ويعجبني هنا قول ابن قلاقس:
وفي طمي أبراد النسيم خميلة ... بأعطافها نور المنى يتفتح٤
стр. 113
تضاحك في سر المعاطف عارضًا ... مدامعه في وجنة الروض تسفح
وتوري به كف الصبا زند بارق ... شرارته في فحمة الليل تقدح
وقال أبو الحسن علي بن ظافر العسقلاني، في كتابه المسمى بـ"بدائع البداية".
اجتمعت أنا والقاضي الأعز يومًا في روضة، فقلت له أجز: طار نسيم الروض من وكر الزهر. فقال: وجاء مبلول الجناح بالمطر. وما أبدع قول ابن خفاجة في هذا الباب:
وقد نظرت شمس الأصيل إلى الربا ... بأضعف من طرف المريب وافترا
وصفرة مسواك الأصيل تروقني ... على لعس من مسقط الشمس أسمرا١
وممن تلطف في استعمال الاستعارة المرشحة إلى الغاية، مجد الدين الأربلي، بقوله:
أصغى إلى قول العذور بجملتي ... مستفهمًا عنكم بغير ملال
لتلقطي زهرات ورد حديثكم ... من بين شوك ملامة العذال
وممن جاراه في هذه الحلبة أبو الوليد بن حيان الشاطبي، بقوله:
فوق خد الورد دمع ... من عيون السحب يذرف
برداء الشمس أضحى ... بعد ما سال يجفف
وظريف قول مجير الدين بن تميم منها:
كيف السبيل لأن أقبل خد من ... أهوى وقد نامت عيون الحرس
وأصابع المنثور تومي نحونا ... حسدًا وتغمزنا عيون النرجس٢
ومثله قوله:
لما ادعى المنثور أن الورد لا ... يؤتى وأن يصلى بنار سعير٣
ودت ثغور الأقحوان لو أنها ... كانت تعض أصابع المنثور
ومثله قوله:
كف السبيل للثم من أحببته ... في روضة الزهر فيها معرك
ما بين منثور أقام ونرجس ... مع أقحوان فضله لا يدرك
هذا يشير بأصبع وعيون ذا ... ترنوا إليّ وثغر هذا يضحك
стр. 114
وما أحلى قول محيي الدين بن قرناس الحموي:
قد أتينا الرياض حين تجلت ... وتحلت من الندى بجمان
ورأينا خواتم الدهر لما ... سقطت من أنام الأغصان.
وقال البدري الذهبي وأجاد:
هلم يا صاح إلى روضة ... يجلو بها العاني صدا همه١
نسيمها يعثر في ذيله ... وزهرها يضحك في كمه٢
ومثله قول ابن عمار:
يا ليلة بتنا بها ... في ظل أكناف النعيم
من فوق أكمام الرياض ... وتحت أذيال النسيم
وأما مطلع قصيدة ابن النبيه، في هذا الباب، فإنه أبهى من مطالع الأقمار، و"ديباجة الاستعارة من حلية تستعار" وهو:
تبسم ثغر الزهر عن شنب القطر ... ودب عذاب الظل في وجنة النهر٣
وهذا المعنى مولد من قول ابن خفاجة الأندلسي:
"وطرة ظل فوق وجه غدير" ولكن ابتسام ثغر الزهر عن شنب القطر، في قول ابن النبيه غاية:
وتلطف الشريف العقيلي في هذا الباب بقوله:
وروضة الجام فيها ... من زهرة الراح ورد
فأشرب على وجه روض ... له من السماء خد
وما أحلى قول القاضي، السعيد بن سناء الملك هنا:
ولبعدهم طالت ذوائب ليلهم ... فيها تغطي ضوء وجه نهارهم٤
стр. 115
وأحلى منه قوله:
سرى طيفه لا بل سرى لي سرابه ... وقد طار من وكر الظلام غرابه
أتت مع نفس الليل صفحة خده ... فقلت حبيب قد أتاني كتابه١
وقال من غيرها:
بشوك القنا يحمون شهد رضابها٢
وما أحلى تكميله بقوله: "ولا بد دون الشهد من إبر النعل".
ومثله قوله:
ألقى حبائل صيد من ذوائبه ... فصاد قلبي بأشراك من الشعر٣
وأحلى منه قوله:
خصر أدير عليه معصم قبلة ... فكأن تقبيلي له تعنيق
وغاية الغايات قوله:
بعثت لي علم فم الطيف قبلة ... فأتاني بعض المسرة جملة
ومن الاستعارات الحسنة في هذا الباب، قول شمس الدين بن العفيف، في مديح النبي ﷺ
حياك يا تربة الهادي الرسول حيا ... بمنطق الرعد باد من فم السحب
وظريف هنا قول ابن قلاقس:
هدتنا للسرور نجوم راح ... بها قذفت شياطين الهموم
وكف الصبح تلقط ما تبدى ... يجيد الليل من درر النجوم
ومن اللطائف، في هذا الباب، قول أبي الحسن العقيلي:
لنا أخ يحسن أن يحسنا ... رضاه للجانين عذب الجنى
قد عرفت روضة معروفه ... بأنها تنبت زهر الغنى
إذا تبدى وجه إحسانه ... تنزهت فيه عيون المنى
стр. 116
ويعجبني، في الاستعارة المرشحة، قول ابن سعيد الموصلي، من قصيدة يتشوق فيها إلى دمشق المحروسة، فإنه أتى فيها، في بيت واحد، باستعارات كثيرة مع اجتناب الحشو، ومطلق القصيدة قوله:
سقى دمشق وأيامًا مضت فيها ... مواطر السحب ساريها وغاديها
وبيت الاستعارة بعده:
ولا يزال جنين النبت ترضعه ... حوامل المزن في أحشا أراضيها١
ومن أغرب الاستعارات وأبدعها وأحشمها، قول ابن زيدون من قصيدته النونية المشهورة:
سران في خاطر الظلماء يكتمنا ... حتى يكاد لسان الصبح يفشينا٢
وقد عنَّ لي أن أنثر، في حدائق الاستعارة، نبذة من زهر المنثور، وأورد منه ما يزهو بوروده على روضات الزهور، كقول القائل: وطفقنا نتعاطى شموسًا من أكف بدور، وجسوم نار في غلائل نور، إلى أن ذاب ذهب الأصيل على لجين الماء، وضبت نار الشفق في فحمة الظلماء، ومثله قول علي بن ظافر الحداد، في دوح: انعطفت قدود أشجاره، وابتسمت ثغور أزهاره، وذر كافور مائه على عنبر طينته وامتدت بكاسات الجلنار٣ أنامل غصونه. وقال آخر وأجاد: وقد عرق بالندا جبين النسيم، وابتل جناح الهواء، وضربت خيمة الغمام، وأغرورقة مقلة السماء، وقام خطيب الرعد فنبض عرق البرق. ولقد حاز القاضي الفاضل قصبات السبق، في هذا الميدان، بقوله: كتبها المملوك وقد عمشت مقلة السراج، وشابت لمة٤ الدواة، وخرس لسان القلم، وكل خاطر السكين، وضاق صدر الورق. وما أحلى قول القاضي محي الدين بن عبد الظاهر: والأغصان قد اخضر نبات عارضها٥ ودنانير الأزهار ودراهمها قد تهيأت لتسليم قابضها.
وقال جمال الدين بن نباتة: كتبها المملوك ودمع الغيث قد رقا٦ ووجه الأرض قد راق،
стр. 117
وقدود الأغصان قد راسلت أهواء القلوب بالأوراق، وقيان١ حمائمها قد ترنمنت وجذبت القلوب بالأطواق، والورد قد احمر خده الوسيم، وفكت أزراره من أجياد القضيب أنامل النسيم، وخرجت أكفه من أكمامه لأخذ البيعة على الأزهار بالتقديم.
ومما كتبته، في البشارة الصادرة على الملك المؤيد، عند عوده من البلاد الرومية وحلول ركابه الشريف بحلب المحروسة، المتضمنة ما من الله به من الفتح الذي صار له في الروم قصص، سنة عشرين وثمانمائة، فمن ذلك قولي عند حصار قلعة طرسوس وفتحها: ورأوا ألسن السهام في أفواه تلك المرامي، فقالوا رأينا المصائب ناطقة، وما رموا على سماء برج غيوم ستائر إلا لمعت فيها من بوارق نقوطها بارقة، وحكم عليها القضاء بالاعتقال، ولم يأتوا عند ذلك الحكم بدافع، هذا بعدما صفق مقبلهم جماد وجهه فبصقت فيه أفواه المدافع. وقولي في الاستعارة المرشحة أيضًا، عند حصار قلعة دريدة وفتحها: وقررنا صدع سورها باختلاف الآلات، فجاء ما قررناه نقشا على حجر، وادعت أن صخرها أصم، فأسمعناه من آذان المرامي تنقير المدافع وتحريك الوتر، وقرعنا سن جبلها بنابات المداقع٢ وكسرنا منه السنية وأمست حلق مراميها كالخواتم في أصابع، سهامنا المستوية. ومثله قولي، عند حصار قلعة كختار وفتحها، على لسان حال القلعة في سموطها وإفراط علوها: فأنا الهيكل الذي ذاب قلب الأصيل على تذهبيه، وود دينار الشمس أن يكون من تعاويذه، والشجرة التي لولا سمو فرعها تفكهت به حبات الثريا وانتظمت في سلك عناقيده، وتشامخ هذا الحصن ورفع أنف جبله وتشامم، فأرمدنا عيون مراميه بدم القوم، وأميال سهامنا على تكحيلها تتزاحم، وغاية الغايات في هذا الباب، قولي عند حصار قلعة كركر: وتنكرت أكراد كركر بسور القلعة فعرفناهم بلامات القسي وألفات السهام، وعطست أنوف مراميها بأصوات مدافعنا وكان بها زكام. ومن حسن ختامها، ولم نخرج عما نحن فيه من بديع الاستعارة، وغريبها، قولي: فلا بكر قلعة إلا افتضينا بكارتها٣ بالفتح، وابتذلنا من سترها الحجاب، ولا كأس برج أترعوه بالتحصين، إلا توجنا رأسه من حبات مدافعنا بالحباب. انتهى.
ولم أحبس عنان القلم عن الاستطراد إلى ما وقع لي من محاسن الاستعارة نظمًا، إلا للتخفيف عن بيت البديعية، وقلت: تكفيه المزاحة في مناظرة الشيخ صفي الدين
стр. 118
الحلي، ومبارزة الشيخ عز الدين الموصلي ﵀، وحمل ثقل العميان، فبيت الشيخ صفي الدين ﵀ في بديعيته، وهو الشاهد على نوع الاستعارة:
إن لم أحث مطايا العزم مثقلة ... من القوافي تؤم المجد عن أمم١
وبيت العميان:
يقول صحبي وسفن العيس خائضة ... بحر السراب وعين القيظ لم تنم
بيت الشيخ صفي الدين وبيت العميان، لم يحسن السكوت عليهما ولا تتم الفائدة بهما، فإن بيت الشيخ صفي الدين، متعلق بما قبله، وبيت العميان متعلق بما بعده، وبيت الشيخ عز الدين صالح للتجريد وهو:
دع المعاصي فشيب الرأس مشتعل ... بالاستعارة من أزواجها العقم٢
أقول: ولو بلغت ما عسى أن يكون، أن في قوله: من أزواجها العقم، ما يرعب السامع، وبيت بديعيتي:
وكان غرس التمني يانعًا فذوى ... بالاستعارة من نيران هجرهم
وقد تقدم أن المقدم، عند علماء البديع، الاستعارة المرشحة، فلفظة غرس رشحت بيانع، وأما قولي: بالاستعارة من نيران هجرهم، بعد ذوي، فما أعده إلا من المنح الإلهامية، فإن اسم النوع الذي هو الاستعارة جمع بين التورية والاستعارة والترشيح، مع عدم الحشو وصحة التركيب والمشي على جادة الرقة والالتزام بتسمية النوع مورى به من جنس الغزل. انتهى.
стр. 119
ذكر الاستخدام:
واستخدموا العين مني وهي جارية ... وقد سمحت بها أيام عسرهم
الاستخدام هو استفعال من الخدمة، وأما في الاصطلاح فقد اختلفت العبارات في ذلك على طريقين: الأولى طريقة صاحب الإيضاح ومن تبعه، ومشى عليها كثير من الناس، وهي أن الاستخدام إطلاق لفظ مشترك بين معنيين، فتريد بذلك اللفظ أحد المعنيين، ثم تعيد عليه ضميرًا تريد به المعنى الآخر، أو تعيد عليه، إن شئت، ضميرين تريد بأحدهما أحد المعنيين وبالآخر المعنى الآخر، وعلى هذه الطريقة مشى أصحاب البديعيات والشيخ صفي الدين الحلي والعميان والشيخ عز الدين، وهلم جرا. الثانية: طريقة الشيخ بدر الدين بن مالك رحمه الله تعالى، في المصباح، وهي أن الاستخدام إطلاق لفظ مشترك بين معنيين، ثم يأتي لفظ يفهم من أحدهما أحد المعنيين، ومن الآخر المعنى الآخر، ثم إن اللفظين قد يكونان متأخرين عن اللفظ المشترك، وقد يكونان متقدمين، وقد يكون اللفظ المشترك متوسطا بينهما، والطريقتان راجعتان إلى مقصود واحد وهو استعمال المعنيين، وهذا هو الفرق بين التورية والاستخدام، فإن المراد من التورية هو أحد المعنيين، وفي الاستخدام كل من المعنيين مراد.
ونقل الشيخ صلاح الدين الصفدي، في كتابه المسمى "بفض الختام عن التورية والاستخدام"، ما يؤكد هذا، فإنه قال: المشترك، إذا لزم استعماله في مفهوميه معًا، فهو الاستخدام، وإن لزم في أحد مفهوميه في الظاهر، مع لمح الآخر في الباطن، فهو التورية.
ومنهم من قال: الاستخدام عبارة عن أن يأتي المتكلم بلفظة مشتركة بين معنيين اشتراكًا أصليًّا، متوسطة بين قرينتين تستخدم كل قرينة منهما معنى من معنيي تلك اللفظة.
стр. 120
المشتركة، وهذا مذهب ابن ماكل. وعلى كل تقدير، فالطريقتان راجعتان إلى مقصود واحد، وهو استعمال المعنيين، بضمير وغير ضمير، وأعظم الشواهد على طريقة ابن مالك ومن تبعه قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ، يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ ١ فإن لفظة كتاب يحتمل أن يراد بها الأجل المحتوم والكتاب المكتوب، وقد توسطت بين لفظتي أجل ويمحو فاستخدمت أحد مفهوميها وهو الأمد، بقرينة ذكر الأجل، واستخدمت المفهوم الآخر وهو الكتاب المكتوب، بقرينة يمحو، ومنه قوله٢، من القصيدة النباتية:
حويت ريقًا نباتيًّا حلا فغدا ... ينظم الدر عقدًا من ثناياك
فإن لفظة نباتي تحتمل الاشتراك بالنسبة إلى السكر وإلى ابن نباتة الشاعر، وقد توسطت بين الريق وحلاوته، وبين الدر والنظم والعقد، فاستخدمت أحد مفهوميها وهو السكر النباتي، بذكر الريق والحلاوة، واستخدم المفهوم الآخر، وهو قول الشاعر النباتي يذكر النظم والدر والعقد وليس في جانب من المفهومين إشكال. وأما شاهد الضمائر، على طريق صاحب الإيضاح، فجميع كتب المؤلفين لم يستشهدوا فيها على عود الضمير الواحد إلا بقول القائل:
إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
فلفظة السماء يراد بها المطر، وهو أحد المعنيين، والضمير في رعيناه يراد به المعنى الآخر، وهو النبات. وأما شاهد الضميرين، فإنهم لم يخرجوا به عن قول البحتري وهو:
فسقى الغضى والساكنيه وإن هم ... شبوه بين جوانحي وضلوعي٣
فإن لفظة الغضى محتملة الموضع والشجر، والسقيا صالحة لكل منهما، فلما قال: والساكنيه استعمل أحد معنيي اللفظة، وهو الموضع بدلالة القرينة عليه، ولما قال شبوه استعمل المعنى الآخر وهو الشجر بدلالة القرينة عليه. انتهى.
والشيخ صفي الدين ﵀ لم يستطرد، في شرح بديعيته، إلى غاية ذلك ولكن رأيته، في شرحه، قد أورد على بيت البحتري نقدًا حسنًا ليس فيه تحمل٤ ولا إشكال،
стр. 121
فإنه قال: شرط علماء البديع أن يكون اشتراك لفظة الاستخدام اشتراكًا أصليًّا والنظر هنا في اشتراك لفظة الغضى، فإنه ليس بأصلي، لأن أحد المعنيين منقول من الآخر، والغضى في الحقيقة الشجر وسموا الوادي غضى، لكثرة نبتة فيه، وقالوا جمر الغضى لقوة ناره، فكل منقول من أصل واحد، ولم يرد في كتب المؤلفين غير هذين البيتين، وقول أبي العلاء:
قصد الدهر من أبي حمزة الأواب ... مولى حجى وخدن اقتصاد١
وفقيهًا أفكاره شدن للنعمـ ... ـمان ما لم يشده شعر زياد٢
فالنعمان يحتمل هنا أبا حنيفة ﵁، ويحتمل النعمان بن المنذر ملك الحيرة، فإن الزمخشري صنف كتابًا في مناقب أبي حنيفة سماه "شقائق النعمان في حقائق النعمان" وأما أبو العلاء، فإنه أراد بلفظ النعمان أبا حنيفة، وأراد بالضمير المحذوف ابن المنذر ملك الحيرة وزياد هنا هو النابغة، وكان معروفًا بمدح النعمان بن المنذر، وهذا يصح على طريقة ابن مالك، فإن فقيها يخدم أبا حنيفة، وشعر زياد يخدم النعمان بن المنذر، ولا يصح على مذهب صاحب الإيضاح؛ فإن ضمير يشده لم يعد على واحد منهما، لأن شرط الضمير في الاستخدام أن يكون عائدًا على اللفظة المشتركة، ليستخدم بها معناها الآخر، كما قال البحتري في شبوه، فهذا الضمير عائدًا إلى الغضى، وهذا جعل الضمير في يشده غير عائد على اللفظة المشتركة التي هي النعمان، فصار طيب الذكر الذي يشيده زياد لا يعمل لمن هو، لأن المضير لا يعود على النعمان، اللهم إلا أن يكون التقدير، ما لم يشده له، فيعود الضمير على النعمان بهذا التقدير. انتهى.
وما أحلى قول بعض المتأخرين، مع عدم التعسف، والسلامة، من النقد، وصحة الاشتراك الأصلي، وهو:
وللغزالة شيء من تلفته ... ونورها من ضيا خديه مكتسب
وأنا بالأشواق إلى معرفة الناظم، وهذا النوع، أعني الاستخدام، قل من البلغاء من تكلفه وصح معه بشروطه، لصعوبة مسلكه وشدة التباسه بالتورية، وقد تقدم ما أوردنا فيه من النقد على بيتي البحتري وأبي العلاء، وهو أعلى رتبة عند علماء البديع من التورية،
стр. 122
وأحلى موقعًا في الأذواق السليمة، ولكن قل من ظفر منه بسلامة التخلص من علق النقد، وصعد من غور التعسف إلى نجد السهولة، قال الشيخ صلاح الدين الصفدي في كتابه المسمى بـ"فض الختام عن التورية والاستخدام": ومن أنواع البديع ما هو نادر الوقوع، ملحق بالمستحيل الممنوع، وهو نوع التورية والاستخدام الذي تقف الأفهام حسرى١ دون غايته عند مرامي المرام:
نوع يشق على الغبي وجوده ... من أي باب جاء يغدو مقفلا
لا يقرع هضبته فارع٢، ولا يقرع بابه قارع، إلا من تنحو البلاغة نحوه في الخطاب، ويجري ريحها بأمره رخاء حيث أصاب، على أن المتقدمين ما قصدوه جملة كافية، ولا شعروا به لما شعروا أنه دخل معهم في بيت تحت قفل قافيه، وأما المولدون من الشعراء، كالفرزدق وجرير ومن عاصرهما وخاض معهما لجة بحر البلاغة، فلم يرد أحد منهم ورد هذا الغدير، وأما الذين تفقهوا من بعدهم في الأدب، وتنبهوا لتخلل طرقه بالطلب، فربما قصدوا بعض أنواع البديع، فجادت إذ جاءت، وفاتت مرة أخرى وأخرى فاءت٣، وقد قصد أبو تمام كثيرًا من الجناس، وفتح أبوابه، وشرع طرقه للناس.
وأما التورية والاستخدام فما تنبه لمحاسنهما، وتيقظ وتحرى وتحرر وتحفد٤ وتحفظ إلا من تأخر من الشعراء والكتاب، وتضلع من العلوم وتطلع من كل باب، وأظن أن القاضي الفاضل رحمه الله تعالى هو الذي ذلل منهما الصعاب، وأنزل الناس بهذه الساحات والرحاب، حتى ارتشف هذه السلافة أهل عصره وأصحابه الذين نزلوا ربوع مصره، وخفقت رياحهم بالإخلاص في نصره، كالقاضي السعيد هبة الله بن سناء الملك، ومن انخرط معه في هذا السلك، ولم يزل هو ومن عاصره على هذا المنهج، في ذلك الأوان، ومن جاء بعدهم من التابعين بإحسان، إلى أن جاء بعدهم حلبة أخرى، وزمرة تترى٥، فكلهم يرمون في هذا الإحسان عن قوس واحدة، وينفقون من مادة هي في الجود معن بن زائدة، ويصلون المقطوع بالمقطوع فلا تخلو فيه كلمة فائتة من فائدة، وغالب شعرهم على هذا النمط، وأكثره درر أسماع متى تلتق تلتقط، كأبي الحسين
стр. 123
الجزار والسراج الورّاق والنصير الحمامي والحكيم شمس الدين بن دانيا والقاضي محي الدين بن عبد الظاهر، فهؤلاء هم الفحول الذين جدوا، بعد القاضي الفاضل، إلى هذه الغاية ورفعوا راية هذا النوع، وكان كل منهم عرابة تلك الراية، تسابقوا جيادًا، والديار المصرية لهم حلبة، وتلاحقوا أفرادًا، وهم في شرف هذا الفن من هذه النسبة.
وجاء من شعراء الشام جماعة، تأخر عصرهم وتأزر نصرهم ولأن في هذا النوع هصرهم وبعد حصرهم، فيما أرادوه، كما زاد حصرهم كل ناظم تود الشعرى١ لو كانت له شعرًا، ويود الصبح لو كان له طرسًا والغسق مدادًا، والنثرة٢ نثرًا، منهم شرف الدين عبد العزيز الأنصاري، شيخ شيوخ حماة، والأمير مجير الدين بن تميم، وبدر الدين يوسف بن لؤلؤ الذهبي، ومحي الدين بن قرناص، وشس الدين بن محمد العفيف، وسيف الدين بن المشد. ثم إن الشيخ صلاح الدين قال في آخر هذا الفصل: وهؤلاء معهم جماعة يحضرني ذكرهم عند شعرهم، ويعز علي أن لم أرهم على تكاثرهم لفوات عصرهم، وكأني بقائل يقول: لقد أفرطت في التعصب، لأهل مصر والشام على من دونهم من الأنام، وهذا باطن باطل، وعدوان وحمية لأنطانك وما جاورها من البلدان، فالجواب: إن الكلام في التورية والاستخدام لا غير، ومن هنا تنطقع المادة في السير، ومن ادعى أنه يأتي بدليل وبرهان، فالمقياس بيننا والشقراء والميدان.
وقد رجح صاحب يتيمة الدهر شعراء الشام على شعراء العراق، وقال: إنهم حازوا قصبات السبق عليهم في حلبة السباق، فإنهم قوم جبلت طباعهم على اللطافة، وطبعت جبلتهم على الكيس٣ والظرافة. انتهى كلام الشيخ صلاح الدين الصفدي.
قلت: واتصل هذا الحديث القديم، بالشيخ جمال الدين بن نباتة، فأينع فرعه النباتي بغصنه ووريقه، واستعبد التورية والاستخدام في سوق رقيه، فمن استخداماته ما أرانا من استخدام البحتري عيب الوليد، وقلنا بعده في استخدام أبي العلاء ليس على الأعمى حرج، فإنه مشى على الحس في ظلمة التعقيد، واستخدام الشيخ جمال الدين الموعود به، قوله فمن قصيدة رائية امتدح بها النبي ﷺ :
إذا لم تفض عيني العقيق فلا رأت ... منازله بالقرب تبهى وتبهر
وإن لم تواصل عادات السفح مقلتي ... فلا عادها عيش بمغناه أخضر٤
стр. 124
انظر أيها المتأمل، إلى صحة الاشتراك بين الاستخدامين، وانسجام البيت الأول مع البيت الثاني، وسيلان الرقة لذا القطر النباتي، والتشبيب المرقص بالمنازل الحجازية، والغزل الذي يليق أن تصدر به المدائح النبوية، ولعمري إنه مشى على طريق صاحب الإيضاح فزاده إيضاحًا، ولو دعي إلى عروس الأفراح زاده أفراحا، وهذه القصيدة، التي ظفرت منها بهذين الاستخدامين، محاسنها غرر في جباه القصائد، ولأنواع البديع بها صلة ومن أبياتها عائد، منها:
سقى الله أكتف الغضى سائل الحيا ... وإن كنت أسقى أدمعًا تتحدر
وعيشًا نضى عنه الزمان بياضه ... وخلفه في الرأس يزهو ويزهر١
تغير ذاك اللون مع من أحبه ... ومن ذا الذي يا عز لا يتغير
وكان الصبا ليلا وكنت كحالم ... فوا أسفي والشيب كالصبح يسفر٢
يعللني تحت العمامة كتمه ... فيعتاد قلبي حرة حين أحسر٣
وينكرني ليلي وما خلت أنه ... إذا وضع المرء العمامة ينكر
ومنها:
وغيداء أما جفنها فمؤنث ... كليل وأما لحظها فمذكر٤
يروقك جمع الحسن في لحظاتها ... على أنه بالجفن جمع مكسر
يشف وراء المشرفية خدها ... كماشف من دون الزجاجة مسكر٥
خليلي كم روض نزلت فناءه ... وفيه ربيع للنزيل وجعفر٦
وفارقتها والطير صافرة بها ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفر٧
ومنها في وصف الناقة:
ورب طموح العزم أدماء جسرة ... يظل بها عزمي على البيد يجسر٨
طوت بذراعي وخدها شقة الفلا ... وكف الثريا في دجى الليل يشبر٩
стр. 125
ومدّ جناحي طلها ألف الضحى ... فشدّت كما شد النعام المنفر١
بصم الحصى ترمي الحداة كأنما ... تغار على محبوها حين يذكر٢
إذا ما حروف العيس خطت بقفرة ... غدت موضع العنوان والعيس أسطر
فلله حرف لا ترام كأنها ... لوشك السرى حرف لدى الشد مضمر
وعارض الشيخ جمال الدين بن نباتة جماعة نسجوا على منواله في عصره، لكن الذوق السليم يشهد أنهم كانوا خلاسة قطره٣ وهذا الشرح هو جامعهم الكبير، وإذا ذكرت فيه نظائرهم، فاعلم أنه ليس له فيهم نظير.
نرجع إلى الاستخدام وشواهده وإيراد أبيات البديعيات فيه، فبيت صفي الدين قوله:
من كل أبلج واري الزندي يوم قرى ... مشمر عنه يوم الحرب مصطلم٤
وبيت العميان:
إن الغضى لست أنسى أهله فهم ... شلوه بين ضلوعي يوم بينهم٥
أقول لو عاش البحتري ما صبر للعميان على هذه السرقة الفاحشة، فإنهم أخذوا لفظه ومعناه، وضميره وما اختشوا من الحرب، ولا سلموا من النقد. وبيت عز الدين:
والعين قرت بهم لما بها سمحوا ... واستخدموها من الأعدا فلم تنم
قوله: والعين قرت بهم لما بها سمحوا، في غاية الحسن، فإنه أتى بالاستخدام وعود الضمير في شطر البيت، مع الانسجام والرقة واستخدامه في العين الناظرة وعين المال، وأما قوله في الشطر الثاني: واستخدموها من الأعدا فلم تنم، ما أعلم ما المراد به، فإنه الاستخدام في العين، التي هي الجارحة، قد تقدم، والذي يظهر لي أن اضطراره إلى تسمية النوع ألجأه إلى ذلك، وبيت بديعيتي:
واستخدموا العين مني فهي جارية ... وكم سمحت بها أيام عسرهم
فالتورية في جارية بعدما استخدموها، لم يوجد في سوق الرقيق مثلها، والعود بالضمير مع تمكن القافية وعدم التكلف والحشو، لا يخفى على أهل الذوق السليم، فإن قافية مصطلم، في بيت صفي الدين تمجه الأذواق. انتهى الكلام على الاستخدام
стр. 126
ذكر الهزل الذي يراد به الجد:
والبين هازلني بالجد حين رأى ... دمعي وقال تبرد أنت بالديم
قال صاحب التلخيص: ومنه، يعني فن البديع، الهزل الذي يراد به الجد: كقوله:
إذاما تميمي أتاك مفاخرًا ... فقل عد عن ذا كيف أكلك للضب١
ولم يزد على ذلك شيئًا.
والهزل الذي يراد به الجد هو أن يقصد المتكلم مدح إنسان أو ذمه، فيخرج من ذلك المقصد مخرج الهزل والمجون اللائق بالحال، كما فعل أصحاب النوادر، ومثل أشعب وأبي دلامة وأبي العيناء ومزيد، ومن سلك مسلكهم، كما حكي عن أشعب أنه حضر وليمة بعض ولاة المدينة، وكان رجلًا بخيلًا، فدعى الناس ثلاثة أيام وهو يجمعهم على مائدة فيها جدي مشوي، فيحوم الناس حوله ولا يمسه أحد منهم، لعلمهم ببخله، وأشعب كان يحضر مع الناس ويرى الجدي، فقال في اليوم الثالث: زوجته طالق إن لم يكن عمر هذا الجدي، بعد أن ذبح وشوى، أطول من عمره قبل ذلك.
ومن شواهد الهزل الذي يراد به الجد ما أنشده ابن المعتز، من قول أبي العتاهية:
أرقيك أرقيك بسم الله أرقيكا ... من بخل نفسك على الله يشفيكا٢
ما سلم كفك إلا من يناولها ... ولا عدوك إلى من يرجيكا
стр. 127
والفاتح لهذا الباب، امرؤ القيس، وقوله أبلغ ما سمع فيه وألطف، وهو:
وقد علمت سلمى وإن كان بعلها ... بأن الفتى يهذي وليس بفعال١
قال زكي الدين بن أبي الأصبع: ما رأيت أحسن من قوله، ملتفتًا: وإن كان بعلها. انتهى.
وهذا النوع، أعني الهزل الذي يراد به الجد، ما سبكه في قوالبه إلا من لطفت ذاته، وكان له ملكة في هذا الفن وحسن تصرف.
ومن أظرف ما وقع في هذا الباب، أنه حصل لي، بالديار المصرية، جَرَبٌ٢ أشرفت منه على التلف، فوصف لي الحيكم بطيخًا، وهو عزيز الوجود في تلك الأيام، فبلغني أنه أُهدى إلى مولانا، المقر الأشرف القاضوي الناصري محمد بن البارزي، صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية، عظم الله تعالى شأنه، بطيخ، فكتبت إليه:
مولاي عاقبني الزمان بجربة ... وقد انقطعت بجسمي المسلوخ٣
وعميت من حزني على ما تم لي ... لكن شممت روائح البطيخ
فالكناية على طلب البطيخ، سبكت في أحسن قوالب الهزل، مع حسن التضمين، ومثله قولي:
جاء الشتاء فرأسي ... والجسم صارا شماته
بطيلسان ابن حرب ... وفروة ابن نباتة٤
ففي طيلسان ابن حرب وفروة ابن نباتة، مع ما فيهما من الهزل الظاهر، كنايتان عن الفقر الذي تزايد حده، وطيلسان ابن حرب معروف لشهرته، وأما فروة ابن نباتة ففيها إشارة إلى قوله:
زرقة جسمي وبياض ثلجها ... سنجابي الأبلق في فصل الشتا٥
стр. 128
ومثله قولي:
وصاحب تسمح لي نفسه ... بغدوة لكن إذا ما انتشا
يضحك سنّي للغدا عنده ... لكنني أقلع ضرسي للعشا
فيه على الهزل الذي يراد به الجد، زيادة تلطف الاستدراك ومراعاة النظير، وكان هذا الصاحب، تغمده الله برحمته ورضوانه، من أعز الأصحاب عليّ، ولكن التصريح باسمه غير ممكن هنا، وبين الهزل الذي يراد به الجد وبين التهكم فرق لطيف، وهو أن التهكم ظاهره جد وباطنه هزل، وهذا النوع بالعكس.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بدعيته:
أشبعت نفسك من ذمي فهاضك ما ... تلقى وأكثر موت الناس بالتخم١
فقوله: وأكثر موت الناس بالتخم، كناية يهزلون بها على من يفرط في أكل شيء ويخص به نفسه.
وبيت العميان:
قل للصباح إذا ما لاح نورهم ... إن كان عندك هذا النور فابتسم
لم أر في بيت العميان "هذا" هزلًا يراد به الجد، والله أعلم.
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي:
هزل أريد به جد عتابك لي ... كما كتمت بياض الشيب بالكتم٢
الشيخ عز لدين، غفر الله له، حكى هنا حكاية لم يسعني الكلام عليها، لئلا يطول الشرح.
وبيت بديعيتي:
والبين هازلني بالجد حين رأى ... دمعي وقال تبرد أنت بالديم
انظر أيها المتأمل هنا، بنور الله تعالى، فإن الهزل الذي يراه به الجد أنا ملتزم تسميته، وقد استوعب شطر البيت، وانظر كيف أفرغت هذا النوع الغريب في أحسن القوالب وأغرب المعاني، فن الدمع تزايد انهماله، إلى أن صار كالديم الهاطلة، والبين يغبطني بذلك مهازلا، ويقول لي: تبرد أنت بهذا الديم.
стр. 129
ذكر المقابلة:
قابلتهم بالرضا والسلم منشرحا ... ولوا غضابًا فيا حربي لغيظهم
المقابلة أدخلها جماعة في المطابقة، وهو غير صحيح، فإن المقابلة أعم من المطابقة، وهي التنظير١ بين شيئين فأكثر، وبين ما يخالف وما يوافق، فبقولنا: وما يوافق، صارت المقابلة أعم من المطابقة، فإن التنظير بين ما يوافق ليس بمطابقة، وهذا مذهب زكي الدين بن أبي الأصبع، فإنه قال: صحة المقابلات عبارة عن توخي المتكلم بين الكلام على ما ينبغي، فإذا أتى بأشياء في صدر كلامه أتى بأضدادها في عجزه، على الترتيب، بحيث يقابل الأول بالأول، والثاني بالثاني لا يحرم من ذلك شيئًا، في المخالف والموافق، ومتى أخل بالترتيب كانت المقابلة فاسدة، وقد تكون المقابلة بغير الأضداد، والفرق بين المطابقة والمقابلة من وجهين: أحدهما، أن المطابقة لا تكون إلا بالجمع بين ضدين، والمقابلة تكون غالبا بجمع بين أربعة أضداد: ضدان في صدر الكلام، وضدان في عجزه، وتبلغ إلى الجمع بين عشرة أضداد: خمسة في الصدر وخمسة في العجز. والثاني أن المطابقة لا تكون إلا بالأضداد، والمقابلة بالأضداد وغير الأضداد، ولكن بالأضداد أعلا رتبة وأعظم موقعا. ومن معجزات هذا الباب قوله : ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ ٢ فانظر إلى مجيء الليل والنهار في صدر الكلام، وهما ضدان، ثم قابلهما، في عجز الكلام، بضدين وهما السكون والحركة، على التريب، ثم عبر عن الحركة بلفظ الأرداف، فالتزم الكلام ضربًا من
стр. 130
المحاسن زائدًا على المقابلة، فإنه عدل عن لفظ الحركة إلى لفظ ابتغاء الفضل، لكون الحركة تكون لمصلحة ولمفسدة، وابتغاء الفضل حركة المصلحة دون المفسدة، وهي تشير إلى الإعانة بالقوة، وحسن الاختيار الدال على رجاحة العقل وسلامة الحس، وإضافة الطرف إلى تلك الحركة المخصوصة واقعة فيه، ليهتدي المتحرك إلى بلوغ المآرب، ويتقي أسباب المهالك، والآية الشريفة سيقت للاعتداد بالنعم، فوجب العدول عن لفظ الحركة إلى لفظ هو ردفه، ليتم حسن البيان، فتضمنت هذه الكلمات التي هي بعض آية عدة من المنافع والمصالح، التي لو عددت بألفاظها الموضوعة لها لاحتاجت في العبارة عنها إلى ألفاظ كثيرة فحصل في هذا الكلام، بهذا السبب، عدة ضروب من المحاسن. ألا تراه كيف جعل العلة في وجود الليل والنهار، حصول منافع الإنسان، حيث قال: ﴿لِتَسْكُنُوا﴾ و ﴿لِتَبْتَغُوا﴾ ، بلام التعليل، فجمعت هذه الكلمات من أنواع البديع: المقابلة، والتعليل، والإشارة والإرداف، وائتلاف اللفظ مع المعنى، وحسن البيان، وحسن النسق، فلذلك جاء الكلام متلائمًا آخذًا بعضه بأعناق بعض، ثم أخبرنا بالخبر الصادق: إن جميع ماعدده من النعم باللفظ الخاص، وما تضمنته العبارة من النعم التي تلزم من لفظ الأرداف، بعض رحمته، حيث قال بحرف التبعيض: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ﴾ . وهذا كله في بعض آية عدتها عشر كلمات، فالحظ هذه البلاغة الباهرة والفصاحة الظاهرة. انتهى.
ومن أمثلة صحة المقابلة في السنة الشريفة، قول النبي ﷺ : "ما كان الرفق في شيء لا زانه، ولا كان الخرق١ في شيء إلا شانه" فانظر كيف قابل الرفق بالخرق والزين بالشين بأحسن ترتيب وأتم مناسبة. وهذا الباب في مقابلة اثنين باثنين، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ ٢ ومنه قول النبي ﷺ : "إن لله عبادًا جعلهم مفاتيح الخير، مغاليق الشر" ومنه وهو ظريف في مقابلة اثنين باثنين، أن المنصور قال لمحمد بن عمران: إنك لبخيل. فقال: يا أمير المؤمنين، لا أحمد في حق، ولا أذم في باطل.
ومنه في النظم قول النابغة:
فتى كان فيه ما يسر صديقه ... على أن فيه ما يسوء الأعاديا
وقول الحلي:
ورنح الرقص منه عطفا ... خف به اللطف والدخول
فعطفه داخل خفيف ... وردفه خارج ثقيل
стр. 131
وأخبرني مولانا، قاضي القضاة الشافعي نور الدين، الحاكم بحماة المحروسة، المشهور بخطيب الدهشة: أنه كان بحماة يهودي يطوف بالحناء والصابون على رأسه، ويقول: معي حناء أخضر جديد، وصابون يابس عتيق.
وأما مقابلة ثلاثة بثلاثة فقيل: إن المنصور سأل أبا دلامة، عن أشعر بيت في المقابلة فأنشده:
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل
فالشاعر قابل بين أحسن وأقبح، وبين الدين والكفر، والدنيا والإفلاس. قال ابن أبي الأصبع: إنه لم يقل قبله مثله.
ومن قابلة أربعة بأربع، قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ١ المقابلة بين قوله واستغنى وقوله واتقى، لأن معناه زهد فيما عنده واستغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة، وذلك يتضمن عدم التقوى، ومن مقابلة أربعة بأربعة قول أبي بكر الصديق ﵁، في وصيته عند الموت: هذا ما أوصى به أبو بكر، عند آخر عهده بالدنيا خارجًا منها، وأول عده بالآخرة داخلًا فيها، فقابل أولا بآخر، والدنيا بالآخرة، وخارجًا بداخل، ومنها بفيها، فانظر إلى ضيق هذا المقام كيف صدر عنه مثل هذا الكلام.
قال علماء البديع: كلما كثر عددها كانت أبلغ، فمن مقابلة خمسة بخمسة قول أمير المؤمنين علي، كرم الله وجهه، لعثمان بن عفان ﵄: إن الحق ثقيل مري٢ والباطل خفيف وبيّ٣ وأنت رجل إذا صدقت سخطت، وإن كذبت رضيت.
وأوردوا لأبي الطيب، في مقابلة خمسة بخمسة:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي
قال صاحب الإيضاح ضد الليل المحض هو النهار لا الصبح، والمقابلة الخامسة، بين بي ولي، فيها نظر، لأن الباء واللام صلتا الفعلين، ورجح بيت أبي دلامة
стр. 132
المتقدم١، على بيت أبي الطيب، بجودة المقابلة، ولكن القافية مستدعاة، فإن الذي ذكره مختص بالرجل وبغيره، والمعنى قد تم بدون الرجل، قال زكي الدين بن أبي الأصبع: لو كان، لما اضطر إلى القافية، أفاد بها معنى زائدًا، بحيث يقول: بالبشر، لكان البيت نادرًا. وعلى كل تقدير، بيت أبي دلامة أفضل من بيت المتنبي، لصحة المقابلة، لأنه قابل الأضداد، والمتنبي بغير الأضداد، والمقابلة بالأضداد أفضل، وهو مذهب السكاكي، فإنه قال: المقابلة أن تجمع بين شيئين متوافقين فأكثر، ثم إذا شرطت هناك شيئًا شرطت هناك٢ ضده. انتهى. وبيت المتنبي أفضل، بالكثرة، عند غير السكاكي، وإن المقابلة عنده لا تصح إلا بالأضداد، وأسلم من بيت أبي الطيب، في التركيب، ما أورده الصاحب شرف الدين مستوفي أربل:
على رأس عبد تاج عز يزينه ... وفي رجل حر قيد ذل يشينه
وبيت صفي الدين الحلي:
كان الرضا بدنوي من خواطرهم ... فصار سخطي لبعدي عن جوارهم
فقابل الرضا بالسخط، والدنو بالبعد، ولفظة من بِعن، فإذا قلنا: إن من ضد عن، سلم له أربعة بأربعة، وخواطرهم بجوارهم، على مذهب من يرى أن المقابلة تجوز بالأضداد وبغيرها، وبيت العميان:
بواطئ فوق خد الصبح مشتهر ... وطائر تحت ذل الليل مكتتم
بيت العميان أمكن من بيت صفي الدين في المقابلة، لأنهم قابلوا واطئًا بطائر، لأن الواطئ هو الماشي على الأرض والطائر السائر في الهواء، وفوق بتحت، وخد بذيل، لما بينهما من معنى العلو والسفل، والصبح بالليل، ومشتهر بمكتتم، وانظر لفظة مشتهر مع مكتتم، وهي القافية التي أمكن منها، ولفظة خواطرهم ومقابلتها بجوارهم، في بيت صفي الدين وما بينهما من المباينة، غير أن ثقل قولهم: بواطئ، يشق حمله على لطيف الذوق وبيت الشيخ عز الدين:
ليل الشباب وحسن الوصل قابله ... صبح المشيب وقبح الهجر وا ندمي
стр. 133
قابل بين ليل وصبح، وشباب ومشيب، وحسن وقبح، والوصل والهجر، وهي مقابلة صحيحة بين الأضداد، وأتى بلفظة قابله اضطرارًا لتسمية النوع، وأما قوله: وا ندمي، فقافية مستدعاة أجنبية من المقابلة، فإنه لم يؤهلها لمقابلة ضد ولا لغيره، بل تركها بمنزلة الأجانب وبيت بديعيتي:
قابلتهم بالرضا والسلم منشرحًا ... ولّو غضابًا فيا حَرْبي لغيظهم
قد تقرر أن الشيخ عز الدين لم يأت بلفظة قابلة، في بيته إلا اضطرارا لتسمية النوع، فإنه لم يقابلها بشيء، فانظر كيف أتيت بلفظ قابلتهم في أول البيت، وقابلتها، في الشطر الآخر، بلفظة ولوا، ومقابلة بقية الأضداد من الرضا والغضب والسلم والحرب ظاهرة. وتميكن القافية بغيظهم ومقابلتها بالانشراح أظهر، فإن القافية إذا كانت ممكنة، وهي جارية في عداد١ المقابلات، كانت من أعلى رتب هذا النوع، كما تقدم في بيت المتنبي وبيت أبي دلامة. وقافية العميان منتظمة في هذا العقد، بخلاف بيت صفي الدين وبيت عز الدين. انتهى.
стр. 134
ذكر الالتفات:
وما أروني التفاتًا عند نفرتهم ... وأنت يا ظبي أدرى بالتفاتهم
فسر قدامة الالتفات بأن قال: هو أن يكون المتكلم آخذًا في معنى، فيعترضه إما شك فيه، أو ظن أن رادًا يرده عليه، أو سائلًا يسأله عن سببه، فيلتفت إليه بعد فراغه منه، فإما أن يجلي الشك، أو يؤكده، أو يذكر سببه، كقول الرماح بن ميادة:
فلا صرمه يبدو وفي اليأس راحة ... ولا وصله يصفو لنا فنكارمه١
فكأن الشاعر توهم أن قائلًا يقول له: وما تصنع بصرمه؟ فقال: لأن في اليأس راحلة.
وأما ابن المعتز فقال: الالتفات انصراف المتكلم عن الإخبار إلى المخاطبة ومثاله في الكتاب، قوله تعالى: بعد الإخبار بأن الحمد لله رب العالمين: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٢ وكقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣ وكقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ ٤ ومثال ذلك من الشعر قول جرير:
متى كان الخيا بذي طلوح ... سقيت الغيث أيتها الخيام
стр. 135
وانصراف المتكلم عن الخطاب إلى الأخبار، وهو عكس الأول، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ ١ ومثاله أيضًا قول عنترة:
ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم
ثم قال يخبر عن هذه المخاطبة:
كيف المزار وقد تربع أهلنا ... بعنيزتين وأهلها بالغيلم٢
أو انصراف المتكلم عن الإخبار إلى التكلم، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ ٣ أو انصراف المتكلم عن التكلم إلى الإخبار، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ ٤ والقراءة في الكلمات الثلاث بالنون شاذة، نقلها صاحب "البحر الزاخر" وفي هذا الكتاب سبعة آلاف رواية. وقد جمع امرؤ القيس الالتفاتات الثلاث في ثلاثة أبيات متواليات وهي قوله:
تطاول ليلك بالأثمد ... ونام الخليُّ ولم ترقد
وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد٥
وذلك من نبإ جاءني ... وخبرته عن أبي الأسود
فخاطب في بيته الأول، وانصرف عن الخطاب إلى الإخبار في البيت الثاني، وانصرف عن الإخبار إلى التكلم في البيت الثالث على الترتيب. وما أحلى قول مهيار بن مرزويه، في قصيدته التي سارت بمحاسنها الركبان، وامتدح بها الوزير زعيم الدين في يوم نوروز سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، والمطلع هو:
بكر العارض تحدوه النعامى ... فسقاك الراي يا دار أماما٦
стр. 136
فانصرف عن الإخبار إلى المخاطبة في بيت واحد، ومثله في اللطف قول القاضي الأرجاني:
وهل هي إلا مهجة يطلبونها ... فإن أرضت الأحباب فهي لهم فدى
إذا رمتمُ قتلي وأنتم أحبتي ... فماذا الذي أخشى إذا كنتم عدى
ومثله قول أبي الطيب:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
بما بجفنيك من سحر صلى دنفا ... يهوى الحياة وأما إن صددت فلا١
ومثله قول أبي العلاء:
يود أن ظلام الليل دام له ... وزيد فيه سواد القلب والبصر
لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر٢
ومن لطائف الالتفات: بالانصراف من الخطاب إلى الإخبار، قول ابن نبيه:
من سحر عينيك الأمان الأمان ... قتلت رب السيف والطيلسان
أسمر كالرمح له مقلة ... لو لم تكن كحلاء كانت سنان
فقوله عن المقلة، بعد تشبيه القوام بالرمح، أنها لو لم تكن كحلاء كانت سنان، بديع وغريب.
ومن أغرب ما وقع لي، في هذا النوع اللطيف، أنني صرحت باسم الالتفات عند وقوعه بقولي، من قصيدة قلت فيها:
والله إن لم ألقهم من بعد ذا ... فعلى زماني لم أزل متعتبا
وقد التفت إليك يا دهري بطو ... ل تعتبي ويحق لي أن أعتبا
قررت لي طول الشتات وظيفة ... وجعلت دمعي في الخدود مرتبا
واتفق لي أيضا نظير ذلك، في رسالة كتبت بها إلى العلامة بدر الدين بن قاضي أذرعات ﵀، منها: سكن القلب. وغير بدع إذا كان القلب للبدر منزلًا، ورام هلال الأفق أن يباهي سموه بمطلعه، فقلنا: ما أنت من براعة هذا الاستهلال، ولا تطاول الرامح إلى الطعن في محله الذي يجل قدرًا عن مناظر ومباهي، فقلنا له أقصر مكتفيًا وإلا
стр. 137
فعند التناهي، ولقد شوقتني ظباء المعالي، في هذا المسرح، إلى الالتفات، فقلت ملتفتا إلى تلك الليالي المقمرة بنوره، وقطوف الفواكه البدرية دانيات:
أيا بدر سما أفق المعالي ... وأوقع طائرًا من كل نسر
ذكرت لياليًا بك قد نقضت ... فيا شوقي إلى ليلات بدر
وأما بيت القصيدة، أعني البديعية، فإنه البيت الذي حظيت من بابه بالفتح، وناداه الغير من وراء حجراته، وتغاير ظباء الصريم وهو في سرب بديعه على حسن التفاته، وودت ربوع البديعيات أن يسكن منها في بيت، ولكن ﴿رَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ﴾ ١ ولقد أنصف الحريري، في المقامة الحلوانية عند إيراد البيت الجامع لمشبهات الثغر بقوله: يا رواة القريض وأساة القول المريض، إن خلاصة الجور تظهر بالسبك، ويد الحق تصدع رداء الشك، وها أنا قد عرضت خبيئتي للاختبار، وعرضت حقيبتي على الاعتبار، وقلت وأنا ماش في عرض بيت بديعيتي على هذا السنن، وأرجو أن يكون بحسن التفاته في مرآة الذوق، مثل الغزال نظرة ولفتة: وسأبرزه بين أقرانه، وإذا انسدلت غدائر الأشكال ظهر الفرق من نور بيانه، فبيت الشيخ صفي الدين:
وعاذل رام بالتعنيف يرشدني ... عدمت رشدك هل أسمعت ذا صمم
ولم ينظم العميان في بديعيتهم، هذا النوع وأما بيت عز الدين:
وما التفت لساع حج في شغف ... ما أنت للركل من وجدي بملتزم٢
وبيت بديعيتي:
وما أروني التفاتًا عند نفرتهم ... وأنت يا ظبي أدرى بالتفاتهم
فهذا البيت فيه التورية بتسمية النوع، وقد برزت في أحسن قوالبها ومراعاة النظير، في الملائمة بين الالتفات والظبي، والنفرة والانسجام الذي أخذ بمجامع القلوب رقة، والتمكين الذي ما تمكنت قافية باستقراراها في بيت، كتمكين قافيته والسهولة التي عدها التيفاشي، في باب الظرافة، وناهيك بظرافة هذا البيت، والتوشيح وهو الذي يكون معنى أول الكلام دالا على آخره، ورد العجز على الصدر والالتفات، الذي هو المقصود دون غيره من الأنواع، فقد اشتمل هذا البيت على ثمانية أنواع من البديع، مع عدم التكلف، والله تعالى أعلم.
стр. 138
ذكر الافتنان:
تغزلي وافتناني في شمائلهم ... أضحى رثا لاصطباري بعد بعدهم١
الافتنان هو أن يفتن الشاعر فيأتي بفنين متضادين من فنون الشعر، في بيت واحد فأكثر، مثل النسيب والحماسة، والمديح والهجاء، والهناء والعزاء، فأما ما افتن به الشاعر من النسيب والحماسة، كقول عنترة:
إن تغدقي دوني القناع فإنني ... طب بأخذ الفارس المستلئم٢
فأول البيت نسيب، وآخره حماسة، وكقول أبي دلف، ويروى لعبد الله بن ظاهر:
أحبك يا ظلوم وأنت مني ... مكان الروح من جسد الجبان
ولو أني أقول مكان روحي ... خشيت عليك بادرة الطعان٣
ومما جمع فيه بين التهنئة والتعزية، قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ ٤ ومما جمع فيه بين التعزية والفخر، قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ ٥ ومن إنشاء العلامة الشهاب محمود ما كتب به، من رسالة تهنئة وتعزية، لمن رزقه الله تعالى ولدًا ذكرًا في يوم، وماتت له بنت قوله:
стр. 139
ولا عتب على الدهر فيما اقترف إن كان قد ساء فيما مضى فقد أحسن الخلف. واعتذر بما وهب عما سلب، فعفا الله عما سلف. ومما جمع فيه من النظم بين التهنئة والتعزية، قول بعض الشعراء ليزيد بن معاوية لما دفن أباه وجلس للتعزية:
اصبر يزيد فقد فارقت ذا ثقة ... واشكر حباء الذي بالملك أصفاكا١
لا رزء أصبح في الإسلام نعلمه ... كما رزئت ولا عقبى كعقباكا٢
وقال زكي الدين بن أبي الأصبع: أحسن شعر افتن فيه صاحبه، بالجمع بين التعزية والتهنئة، قول أبي نواس للعباس بن الفضل بن الربيع، يعزيه بالرشيد ويهنيه بالأمين، حيث قال:
تعز أبا العباس عن خير هالك ... بأكرم حي كان أو هو كائن
حوادث أيام تدور صروفها ... لهن مساو مرة ومحاسن
وفي الحي بالميت الذي غيب الثرى ... فلا أنت مغبون ولا الموت غابن٣
ولعمري، إن جمال الدين بن نباتة ﵀ قال، في تعزية الملك المؤيد صاحب حماة وتهنئة ولده الأفضل بالسلطة بعد أبيه، ما هو أحسن من قول أبي نواس الذي استحسنه ابن أبي الأصبع، وقول من تقدمه. وإن تأخر ابن تباتة فقد تقدم بنباتة، فإنه استطرب في قصيدة مطولة بالجمع بين التهنئة والتعزية إلى آخرها وأتى بمعان منها سلامة الاختراع، والذي يؤدي إليه اجتهاد ذوقي، إن هذه القصيدة من العجائب في هذا النوع، وأوردت مطلعها في براعة الاستهلال، لكن تعين إيراده هنا لندخل منه إلى بيوت القصيدة المشتملة على هذا النوع، ليتأيد ما أشرت إليه من غرابة أسلوبها، وهو قوله رحمه الله تعالى:
هناء محا ذاك العزاء المقدما ... فما عبس المحزون حتى تبسما
ثغور ابتسام في ثغور مدامع ... شبيهان لا يمتاز ذو السبق منهما
نردّ مجاري الدمع والبشر واضح ... كوابل غيث في ضحى الشم قد همى٤
سقى الغيث عنا تربة الملك الذي ... عهدنا سجاياه أعزّ وأكرما
стр. 140
ودامت يد النعمى على الملك الذي ... تدانت به الدنيا وعز به الحمى
مليكان هذا قد هوى لضريحه ... برغمي وهذا للأسرة قد سما
وروضة أصل شاذويّ تكافأت ... فغصن ذوي منها وآخر قد نما١
فقدنا لأعناق البرية مالكًا ... وسمنا لأنواع الجميل متمما٢
كأن ديار الملك غاب إذا انقضى ... به ضيغم أنشأ به الدهر ضيغما٣
كأن عماد الدين غير مقوض ... وقد قمت يا أزكى الأنام وأحزما
فإن يك من أيوب نجم قد انقضى ... فقد أطلعت أوصافك الغر أنجما
وإن تك أيام المؤيد قد مضت ... فقد جددت علياك وقتا وموسما
هو الغيث ولى بالثناء مشيعا ... وأبقاك بحرًا بالمواهب منعما
وكانت وفاة الملك المؤيد في شهر المحرم، فقال ولم يخرج عما نحن فيه:
بك انبسطت فينا التهاني وأنشأت ... ربيع الهنا حتى نسينا المحرما
والجمع بين التهنئة والتعزية، في نوع الافتتان، أصعب مسلكًا من الجمع بين النسب والحماسة، لشدة التناقض بينهما. ومن أظرف ما رأيت في هذا النوع: أن ابن حجاج جمع في الافتتان بين التعزية والمدح المؤدي إلى التهكم، بقوله في تعزية بعض الرؤساء بأبيه، في بيت واحد وهو:
أبوك قد جمل أهل الثرى ... فجمل الله به المقبره
وأما الغزل المخمس فكثير في نظم الفحول وغيرهم، وما أحلى قول مهيار الديلمي، في بيت واحد:
وأتعب من حاولت يا قلب وصله ... حبيب سنان السمهري رقيبه٤
وممن أتحف الأذواق بحلاوة هذا النوع، وجمع فيه بين النسيب والحماسة القاضي الأرجاني رحمه الله تعالى، في قوله:
نزل الأحبة ساحة الأعداء ... فغدا لقاء منهم بلقاء
стр. 141
وما أحلى ما قال بعده:
كم طعنة نجلاء تعرض بالحمى ... من دون نظرة مقلة نجلاء١
فتحدثا سرًّا فحول قبابها ... سمر الرماح يلمن للإصغاء
من كل باكية دمًا من دونها ... يوم الطعان بمقلة زرقاء
يا دمية من دون رفع سجوفها ... خوض القنا بالخيل بحر دماء٢
لو ساعد الأحباب قلت تجلدًا ... أهون علي بملتقى الأعداء
ومثله قول أبي الطيب، في بيت، وكل من النصفين كامل في معناه:
عدوية بدوية من دنها ... سلب النفوس ونار حرب توقد٣
وممن تفنن في هذا النوع وجمع بين رقة النسيب وفخامة الحماسة إبراهيم بن محمد الأنصاري الساحلي المنبوز بطويحن، جرى ذكره في التاج بما نصه: جواب الآفاق ومحالف الرفاق، رفع له ببلده راية للأدب لا تحجم، وأصبح نسيج وحده فيما سدى وألحم، فإن نسب صار للنسيب شرف ونسب، وإن مدح قدح من أنوار فطنته ما قدح، كما حرك الجامد، ونظم الجمان في سلوك المحامد، فمن قوله في الافتتان الذي جمع فيه بين الحماسة والتشبب:
خطرت كمياد القنا المتأطر ... ورنت بألحاظ الغزال الأعفر٤
وأتتك بين تطاعن وتداعب ... في فتك قسورة وعطفة جؤذر٥
وما أبدع قوله منها:
وبملعب الصدغين مطرود جنة ... زحفت عليه كتائب ابن المنذر٦
وله ولم يخرج عما نحن فيه:
زارت وفي كل مرمى لحظ محترس ... وحول كل كناس كف مفترس٧
стр. 142
وما أحلى ما قال بعده:
مهما تلا خدها الزاهي نطقت ... سيوف آماقها عن آية الحرس
ويعجبني قول أبي الفتوح بن قلاقس:
عقدوا الشعور معقاد التيجان ... وتقلدوا بصوارم الأجفان
ومشوا وقد هزوا رماح قدودهم ... هزة الكماة عوالي المران١
وتدرعوا زردًا فخلت أراقما ... خلعت ملابسها على الغزلان٢
وممن افتن في قصيدة كاملة وتفنن، وخلص من تفخيم الحماسة والفخر إلى رقة الغزل وأحسن، القاضي السعيد هبة الله بن سناء الملك ﵀، فإنه قسم القصدة شطرين، وتلاعب في ميدان البلاغة بالفنين، وهذه القصيدة تقف دونها فرسان الحماسة، ويكبو الجواد من فحولها، وينثني من لطائف غزلها من لعبت بلطف شمائله خمر لطف شمولها، وهي:
سواي يخاف الدهر أو يرهب الردى ... وغيري يهوى أن يكون مخلدا
ولكنني لا أرهب الدهر إن سطا ... ولا أحذر الموت الزؤام إذا عدا٣
ولو مد نحوي حادث الدهر طرفه ... لحدثن نفسي أن أمد له يدا
توقد عزم يترك الماء جمرة ... وحلية حلم تترك السيف مبردا
وفرط احتقار للأنام فإنني ... أرى كل عار من حلا سؤددي سدى٤
وأظمأ أن أبدي إلى الماء منة ... ولو كان لي نهر المجرة موردا
ولو كان إدراك الهدى بتذلل ... رأيت الهدى أن لا أميل إلى الهدى
وقدمًا بغيري أصبح الدهر أشيبا ... وبي بل بفضلي أصبح الدهر أمردا٥
وإنك عبدي يا زمان وإنني ... على الكره مني أن أرى لك سيدا
وما أنا راض أنني واطئ الثرى ... ولي همة لا ترتضي الأفق مقعدا
ولو علمت زهر النجوم مكانتي ... لخرت جميعًا نحو وجهي سجدا
وبذل نوالي زاد حتى لقد غدا ... من الغيظ منه ساكن البحر مزبدا
стр. 143
ولي قلم في أنملي إن هززته ... فما ضرني أن لا أهز المهندا١
إذا جال فوق الطرس وقع صريره ... فإن صليل المشرفي له صدا
والمخلص من الحماسة والفخر إلى الغزل قوله:
ومن كل شيء قد صحوت سوى هوىً ... أقام عذولي بالملام وأقعدا
إذا وصلُ مَنْ أهواه لم يك مسعدي ... فليت عذولي كان بالصمت مسعدا
بحب حبيب من يكون مفندًا ... فيا ليتني كنت العذول المفندا٢
وقال لقد آنست نارًا بخده ... فقلت وإني ما وجدت بها هدى
وكم لي إلى دار الحبيب التفاتة ... تذكرني عهدًا قديمًا ومعهدا
ولم أُدم ذاك الخد باللحظ إنما ... عملت خلوقًا حين أبصرت مسجدا
يراقب طرفي أن يلوح هلالها ... فقد طالما قد قام حين تعبدا
عبرت عليها واعتبرت تجلدي ... فيا حسرتي لما اعتبرت التجلدا
كأن بطرفي ما بقلبي صبابة ... فلم ير تلك الدار إلا تقيدا
وكم لجوادي وقفة في عراصها ... تعوّد منها جيده ما تعوّدا٣
تعود ذاك الجيد مني أنني ... أصيره من در عيني ملقدا
ويا رب ليل بت فيه وبيننا ... عناق أعاد العقد عقدًا مبددا
ولم أجعل الكف الشمال وسادة ... فبات على كفي اليمين موسدا
وجردته من ثوبه وأعدته ... بثوب عفافي كاسيًا متجردا
وقربني حتى طربت إلى النوى ... وأوردني حتى صديت إلى الصدا٤
شهدت بأن الشهد والمسك ريقه ... وما كنت لو لم أختبره لأشهدا٥
وأن السلاف البابلية لحظة ... وإلا سلوا إنسانه كيف عربدا
وممن حذا هذا الحذو، ونسج على هذا المنوال، ومشى فيه على طريق ما سلكها أحد قبله، الصاحب بهاء الدين زهير، فإنه كتب إلى كمال الدين بن العديم أبياتًا معناها،
стр. 144
أنه انتخبه لقضاء حاجة له ولم يؤهل غيره لها، وتخلص منها إلى الغزل بما تستجلي منه عرائس البيان، ويظهر به الافتنان وهي:
دعوتك لما أن بدت لي حاجة ... وقلت رئيس مثله قد تفضلا
لعلك للفضل الذي أنت ربه ... تغار فلا ترضى بأن تتبدلا١
إذا لم يكن إلا تحمل مِنَّة ... فمنك وأما من سواك فلا ولا٢
حملت زمانًا عنكم كل كلفة ... وخففت حتى آن لي أن أثقلا
ومن مذهبي المشهور مذ كنت أنني ... لغير حبيب قط لن أتذللا
وقد عشت دهرًا ما شكوت لحادث ... بلى كنت أشكو الأغيد المتدللا٣
وما هِمت إلا للصبابة والهوى ... ولا خفت إلا سطوة الهجر والقلا٤
أروح وأخلاقي تذوب حلاوة ... وأغدو وأعطافي تسيل تغرلا٥
وقد طال الشرح، ولكن رأيت الافتنان نوعًا غريبًا، فطلبت بالكثرة زيادة إيضاحه، ليستضيء المتأمل في ظلمات الأشكار بنور مصباحه.
وبيت الشيخ صفي الدين:
ما كنت قبل ظبا الألحاظ قط أرى ... سيفًا أراق دمي إلا على قدم
كان المطلوب من الشيخ صفي الدين، في هذا النوع، غير هذا النظم مع عدم تكلفه بتسمية النوع، وأما العميان فإنهم لم ينظموا هذا أيضًا في بديعيتهم، وبيت الشيخ عز الدين:
كان افتناني بثغر راق مبسمه ... صار افتناني بثغر فيه سفك دمي
وبيت بديعيتي:
تغزلي وافتناني في شمائلهم ... أضحى رثا لاصطباري بعد بعدهم
والجمع في افتنان هذا البيت، بين النسيب الخالص والتعزية، وكل من الشطرين مستقل بمعناه، هو جمع غريب، والكناية عن موت الصبر بأن التغزل أضحى رثاء له من ألطف الكنايات، ويؤيد ذلك قولي: بعد بعدهم.
стр. 145
ذكر ابن أبي الأصبع، في كتابه المسمى "بتحرير التحبير" نوعًا يسمى التمريج لم ينظمه أصحاب البديعيات، وهو قريب من الافتنان ولكن بينهما فرق دقيق، لأن الافتنان لا يكون إلا بالجمع بين فنين من أغراض المتكلم، كما تقدم، والتمريج يخالف ذلك وهو الجمع بين الفنون والمعاني، والله تعالى أعلم.