وما أحلى ما قال بعده:
كم طعنة نجلاء تعرض بالحمى ... من دون نظرة مقلة نجلاء١
فتحدثا سرًّا فحول قبابها ... سمر الرماح يلمن للإصغاء
من كل باكية دمًا من دونها ... يوم الطعان بمقلة زرقاء
يا دمية من دون رفع سجوفها ... خوض القنا بالخيل بحر دماء٢
لو ساعد الأحباب قلت تجلدًا ... أهون علي بملتقى الأعداء
ومثله قول أبي الطيب، في بيت، وكل من النصفين كامل في معناه:
عدوية بدوية من دنها ... سلب النفوس ونار حرب توقد٣
وممن تفنن في هذا النوع وجمع بين رقة النسيب وفخامة الحماسة إبراهيم بن محمد الأنصاري الساحلي المنبوز بطويحن، جرى ذكره في التاج بما نصه: جواب الآفاق ومحالف الرفاق، رفع له ببلده راية للأدب لا تحجم، وأصبح نسيج وحده فيما سدى وألحم، فإن نسب صار للنسيب شرف ونسب، وإن مدح قدح من أنوار فطنته ما قدح، كما حرك الجامد، ونظم الجمان في سلوك المحامد، فمن قوله في الافتتان الذي جمع فيه بين الحماسة والتشبب:
خطرت كمياد القنا المتأطر ... ورنت بألحاظ الغزال الأعفر٤
وأتتك بين تطاعن وتداعب ... في فتك قسورة وعطفة جؤذر٥
وما أبدع قوله منها:
وبملعب الصدغين مطرود جنة ... زحفت عليه كتائب ابن المنذر٦
وله ولم يخرج عما نحن فيه:
زارت وفي كل مرمى لحظ محترس ... وحول كل كناس كف مفترس٧
стр. 142
وما أحلى ما قال بعده:
مهما تلا خدها الزاهي نطقت ... سيوف آماقها عن آية الحرس
ويعجبني قول أبي الفتوح بن قلاقس:
عقدوا الشعور معقاد التيجان ... وتقلدوا بصوارم الأجفان
ومشوا وقد هزوا رماح قدودهم ... هزة الكماة عوالي المران١
وتدرعوا زردًا فخلت أراقما ... خلعت ملابسها على الغزلان٢
وممن افتن في قصيدة كاملة وتفنن، وخلص من تفخيم الحماسة والفخر إلى رقة الغزل وأحسن، القاضي السعيد هبة الله بن سناء الملك ﵀، فإنه قسم القصدة شطرين، وتلاعب في ميدان البلاغة بالفنين، وهذه القصيدة تقف دونها فرسان الحماسة، ويكبو الجواد من فحولها، وينثني من لطائف غزلها من لعبت بلطف شمائله خمر لطف شمولها، وهي:
سواي يخاف الدهر أو يرهب الردى ... وغيري يهوى أن يكون مخلدا
ولكنني لا أرهب الدهر إن سطا ... ولا أحذر الموت الزؤام إذا عدا٣
ولو مد نحوي حادث الدهر طرفه ... لحدثن نفسي أن أمد له يدا
توقد عزم يترك الماء جمرة ... وحلية حلم تترك السيف مبردا
وفرط احتقار للأنام فإنني ... أرى كل عار من حلا سؤددي سدى٤
وأظمأ أن أبدي إلى الماء منة ... ولو كان لي نهر المجرة موردا
ولو كان إدراك الهدى بتذلل ... رأيت الهدى أن لا أميل إلى الهدى
وقدمًا بغيري أصبح الدهر أشيبا ... وبي بل بفضلي أصبح الدهر أمردا٥
وإنك عبدي يا زمان وإنني ... على الكره مني أن أرى لك سيدا
وما أنا راض أنني واطئ الثرى ... ولي همة لا ترتضي الأفق مقعدا
ولو علمت زهر النجوم مكانتي ... لخرت جميعًا نحو وجهي سجدا
وبذل نوالي زاد حتى لقد غدا ... من الغيظ منه ساكن البحر مزبدا
стр. 143
ولي قلم في أنملي إن هززته ... فما ضرني أن لا أهز المهندا١
إذا جال فوق الطرس وقع صريره ... فإن صليل المشرفي له صدا
والمخلص من الحماسة والفخر إلى الغزل قوله:
ومن كل شيء قد صحوت سوى هوىً ... أقام عذولي بالملام وأقعدا
إذا وصلُ مَنْ أهواه لم يك مسعدي ... فليت عذولي كان بالصمت مسعدا
بحب حبيب من يكون مفندًا ... فيا ليتني كنت العذول المفندا٢
وقال لقد آنست نارًا بخده ... فقلت وإني ما وجدت بها هدى
وكم لي إلى دار الحبيب التفاتة ... تذكرني عهدًا قديمًا ومعهدا
ولم أُدم ذاك الخد باللحظ إنما ... عملت خلوقًا حين أبصرت مسجدا
يراقب طرفي أن يلوح هلالها ... فقد طالما قد قام حين تعبدا
عبرت عليها واعتبرت تجلدي ... فيا حسرتي لما اعتبرت التجلدا
كأن بطرفي ما بقلبي صبابة ... فلم ير تلك الدار إلا تقيدا
وكم لجوادي وقفة في عراصها ... تعوّد منها جيده ما تعوّدا٣
تعود ذاك الجيد مني أنني ... أصيره من در عيني ملقدا
ويا رب ليل بت فيه وبيننا ... عناق أعاد العقد عقدًا مبددا
ولم أجعل الكف الشمال وسادة ... فبات على كفي اليمين موسدا
وجردته من ثوبه وأعدته ... بثوب عفافي كاسيًا متجردا
وقربني حتى طربت إلى النوى ... وأوردني حتى صديت إلى الصدا٤
شهدت بأن الشهد والمسك ريقه ... وما كنت لو لم أختبره لأشهدا٥
وأن السلاف البابلية لحظة ... وإلا سلوا إنسانه كيف عربدا
وممن حذا هذا الحذو، ونسج على هذا المنوال، ومشى فيه على طريق ما سلكها أحد قبله، الصاحب بهاء الدين زهير، فإنه كتب إلى كمال الدين بن العديم أبياتًا معناها،
стр. 144
أنه انتخبه لقضاء حاجة له ولم يؤهل غيره لها، وتخلص منها إلى الغزل بما تستجلي منه عرائس البيان، ويظهر به الافتنان وهي:
دعوتك لما أن بدت لي حاجة ... وقلت رئيس مثله قد تفضلا
لعلك للفضل الذي أنت ربه ... تغار فلا ترضى بأن تتبدلا١
إذا لم يكن إلا تحمل مِنَّة ... فمنك وأما من سواك فلا ولا٢
حملت زمانًا عنكم كل كلفة ... وخففت حتى آن لي أن أثقلا
ومن مذهبي المشهور مذ كنت أنني ... لغير حبيب قط لن أتذللا
وقد عشت دهرًا ما شكوت لحادث ... بلى كنت أشكو الأغيد المتدللا٣
وما هِمت إلا للصبابة والهوى ... ولا خفت إلا سطوة الهجر والقلا٤
أروح وأخلاقي تذوب حلاوة ... وأغدو وأعطافي تسيل تغرلا٥
وقد طال الشرح، ولكن رأيت الافتنان نوعًا غريبًا، فطلبت بالكثرة زيادة إيضاحه، ليستضيء المتأمل في ظلمات الأشكار بنور مصباحه.
وبيت الشيخ صفي الدين:
ما كنت قبل ظبا الألحاظ قط أرى ... سيفًا أراق دمي إلا على قدم
كان المطلوب من الشيخ صفي الدين، في هذا النوع، غير هذا النظم مع عدم تكلفه بتسمية النوع، وأما العميان فإنهم لم ينظموا هذا أيضًا في بديعيتهم، وبيت الشيخ عز الدين:
كان افتناني بثغر راق مبسمه ... صار افتناني بثغر فيه سفك دمي
وبيت بديعيتي:
تغزلي وافتناني في شمائلهم ... أضحى رثا لاصطباري بعد بعدهم
والجمع في افتنان هذا البيت، بين النسيب الخالص والتعزية، وكل من الشطرين مستقل بمعناه، هو جمع غريب، والكناية عن موت الصبر بأن التغزل أضحى رثاء له من ألطف الكنايات، ويؤيد ذلك قولي: بعد بعدهم.
стр. 145
ذكر ابن أبي الأصبع، في كتابه المسمى "بتحرير التحبير" نوعًا يسمى التمريج لم ينظمه أصحاب البديعيات، وهو قريب من الافتنان ولكن بينهما فرق دقيق، لأن الافتنان لا يكون إلا بالجمع بين فنين من أغراض المتكلم، كما تقدم، والتمريج يخالف ذلك وهو الجمع بين الفنون والمعاني، والله تعالى أعلم.
стр. 146
ذكر الاستدراك:
قالوا نرى لك لحمًا بعد فرقتنا ... فقلت مستدركًا لكن على وضم١
الاستدراك على قسمين: قسم يتقدم الاستدراك فيه تقرير لما أخبر به المتكلم وتوكيد، وقسم لا يتقدمه ذلك، فمن أمثلة الأول قول القائل:
وإخوان تخذتهم دروعًا ... فكانوها ولكن
وخلتهم سهامًا صائبات ... فكانوها ولكن في
وقالوا قد صفت منا قلوب ... لقد صدقوا ولكن من ودِادي٢
وقال ابن أبي الصبع: لم أسمع، في هذا الباب، أحسن من قول ابن دويدة المغربي يخاطب رجلًا أودع بعض القضاة مالًا، فادعى القاضي ضياعه، وهو:
إن قال قد ضاعت فيصدق أنها ... ضاعت ولكن منك يعني لو تعي
أو قال قد وقعت فيصدق أنها ... وقعت ولكن منه أحسن موقع
وممن تلطف في هذا الباب وأجاد للغاية القاضي الأرجاني، بقوله:
غالطتني إذ كست جسمي ضنا ... كسوة أعرت من اللحم العظاما
ثم قالت أنت عندي في الهوى ... مثل عيني صدقت لكن سقاما٣
стр. 147
ولقد أحسن القائل في شكوى الزمان، بقوله:
ولي فرس من نسل أعوج سابق ... ولكن على قدر الشعير يحمحم١
وأقسم ما قصرت فيم يزيدني ... علوًّا ولكن عند من أتقدم
وهذه كلها شواهد القسم الأول من الاستدراك.
وأما شواهد القسم الثاني، وهو الذي لا يتقدم الاستدراك فيه تقرير ولا توكيد، مثل قول زهير:
أخو ثقة لا يهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله٢
ومتى لم يكن في الاستدراك نكتة زائدة عن معنى الاستدراك، لتدخله في أنواع البديع، وإلا فلا يعد بديعًا، ولا يخفى على الذوق السليم ما في بيت زهير من الزيادة على معنى الاستدراك، بقوله: ولكنه قد يهلك المال نائله. فإنه لو اقتصر على صدر البيت دل على أن ماله موفور، وتلك صفة ذم٣، فاستدرك ما يزيل هذا الاحتمال ويخلص الكلام للمدح المحض. وإذا تأمل الذائق بيت الأرجاني، متع ذوقه بحلاوة الأدب من قوله:
ثم قالت أنت عندي في الهوى ... مثل عيني صدقت لكن سقاما
فالنكتة الزائدة على معنى الاستدراك لا تخفى إلا على من حجب عن ذوق هذا العلم، وهو من شواهد القسم الأول فإنه قرر ما أخبرت به من قولها أنت عندي في الهوى مثل عيني، ثم أكد بقوله: صدقت، ثم نكت بالزيادة على معنى الاستدراك، التنكيت الذي يتطفل على النسيم على رقته، ولولاه ما سكن هذا النوع بيتًا بديعيًّا، ولا تأهل بعد غربته. وأصحاب البديعيات على هذا المنوال نسجوا، وأداروا كئوس السلافة على أهل الأذواق، ومازجوها بلطف مزاجهم فامتزجوا. والذي أقوله: إن الشيخ صفي الدين حلا في هذا المنهل الصافي مورده، وعلا في هذا السلك البديعي منظمه ومنضده وبيته:
رجوت أن يرجعوا يومًا وقد رجعوا ... عند العتاب ولكن عن وفا ذممي
فإنه قرر ما أخبر به قبل الاستدراك، وأكده بقوله: وقد رجعوا، وفي قوله: عند العتاب، تكميل بديعي.
стр. 148
وأما العميان فإنهم ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم وبيت عز الدين.
فكم حميت بالاستدراك ذا أسف ... لكن عن المشتهى والبرء من سقمي
أما هذا البيت، فإنه عامر بقلق البناء مع عقادة التركيب
وبيت بديعيتي:
قالوا نرى لك لحما بعد فرقتنا ... فقلت مستدركا لكن على وضم
وفي إنصاف أهل العلم والذوق السليم ما يغني عن التطويل، في محاسن هذا البيت.
стр. 149
ذكر الطي والنشر:
والطي والنشر والتغيير مع قصر ... للظهر والعظم والأحوال والهمم
الطي والنشر هو أن تذكر شيئين فصاعدًا، إما تفصيلًا فتنص على كل واحد منهما، وإما إجمالًا فتأتي بلفظ واحد يشتمل على متعدد، وتفوض إلى العقل ردّ كل واحد إلى ما يليق به، لا أنك تحتاج أن تنصل على ذلك ثم إن المذكور على التفصيل قسمان: قسم يرجع إلى المذكور، بعده على التريب من غير الأضداد، لتخرج المقابلة، فيكون الأول للأول، والثاني للثاني، وهذا هو الأكثر في اللفظ والنشر والأشهر، وقسم على العكس، وهو الذي لا يشترط فيه الترتيب، ثقة بأن السامع يرد كل شيء إلى موضعه، تقدم أو تأخر.
أما المذكور على الإجمال فهو قسم واحد، لا يتبين في ترتيب، ولا يمكن عكسه، ومثله أن يقول: لي منه ثلاثة: بدر وغصين وظبي. فحصل من هذا أن اللف والنشر على ثلاثة أقسام، وإذا كان المفصل المرتب في اللف والنشر هو المقدم، نبدأ بشواهده.
فمنه بين شيئين قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ ١ فالسكون راجع إلى الليل، والابتغاء راجع إلى النهار.
ومنه قول الشاعر:
ألست أنت الذي من ورد نعمته ... وورد راحته أجني وأغترف
стр. 150
وقد جمع هذا البيت، مع حشمة الألفاظ، بين جناس التحريف والاستعارة واللف والنشر.
وما ألطف قول شمس الدين محمد بن دانيال الحكيم:
ما عاينت عيناي في عطلتي ... أقل من حظي ومن بختي
قد بعت عبدي وحماري وقد ... أصبحت لا فوقي ولا تحتي١
ومن غراميات البهاء زهير:
ولي فيك قلب بالغرام مقيد ... له خبر يرويه طرفي مطلقًا
ومن فرط وجدي في لماه وثغره ... أعلل قلبي بالعذيب وبالنقا٢
ومثله قوله:
يا ردفه يا خصره ... من لي بنجد أو تهامه٣
ومثله قول ابن نباتة:
له قلب ولي دمع عليه ... فهذا قاسيون وذا يزيد٤
ومثله قوله مع زيادة التورية:
لا تخف عيلة ولا تخش فقرًا ... يا كثير المحاسن المختاله
لك عين وقامة في البرايا ... تلك غزالة وذِي فتاله٥
ومثله قوله مع زيادة التورية:
سألته عن قومه فانثى ... يعجب من إسراف دمعيَ السخي
وأبصر المسك وبدر الدجى ... فقال ذا خالي وهذا أخي
لابن حيوس بين ثلاثة وثلاثة:
ومقرطق يغني النديم بوجهه ... عن كاسه الملأى وعن إبريقه٦
فعل المدام ولونها ومذاقها ... من مقلتيه ووجنتيه وريقه
стр. 151
ومثله قول ابن الرومي:
آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... في الحادثات إذا دجون نجوم١
منها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم٢
ومثله قول حميدة الأندلسية وهو:
ولما أبى الواشون إلا فراقنا ... وما لهم عندي وعندك من ثار
غزوناهم من ناظريك وأدمعي ... وأنفاسنا بالسيف والسيل والنار
قال الشيخ شهاب الدين أبو جعفر الأندلسي، نزيل حلب، وقد أورد هذين البيتين في شرحه على بديعية صاحبه، أبي عبد الله محمد بن جابر الأندلسي: إن حميدة كانت من ذوي الألباب، وفحول أهل الآداب، حتى إن بعض المنتحلين تعلق بهذه الأهداب، وادعى نظم هذين البيتين، لما فيهما من المعاني والألفاظ العذاب، وما غيره في ذلك إلا بعد ديارها، وخلو هذه البلاد من أخبارها، وقد تلبس بعضهم بشعارها وادعى هذا من أشعارها وهو قولها:
وقانا لفحة الرمضاء روض ... وقاه مضاعف الطل العميم٣
تظل غصونه تحنو علينا ... حنو الوالدات على الفطيم
وأسقانا على ظمإ زلالًا ... ألذ من المدامة للنديم
تروع حصاه حالية الغواني ... فتلمس جانب العقد النظيم
فهذه الأبيات نسبوها إلى المنازي من شعرائهم، وركبوا التعصب من جادة ادعائهم، وهي أبيات لم يحكها غير لسانها، ولا رقم بردها٤ غير حسانها، وقد رأيت بعض المؤرخين من أهل بلادنا أثبتوها لها، قبل أن يخرج المنازي من العدم إلى الوجود، ويتصف بلفظه الموجود. انتهى كلام الشيخ شهاب الدين المذكور.
ومنه، بين ثلاثة وثلاثة، قول الشيخ جمال الدين بن نباتة، رحمه الله تعالى وعفا عنه آمين.
عرج على حرم المحبوب منتصبًا ... لقبلة الحسن وأعذرني على سهري
стр. 152
وانظر إلى الخال فوق الخد تحت لمى ... تجد بلالًا يراعي الصبح في السحر١
ومنه بين أربعة وأربعة:
ثغر وخد ونهد واحمرار يد ... كالطلع والورد والرمان والبلح٢
ومثله قول شمس الدين بن العفيف، رحمه الله تعالى:
رأى جسدي، والدمع والقلب والحشا ... فأضنى وأفنى واستمال وتيما
ومثه قولي في قصيدة:
من محياه والدلال ومسك الـ ... خال والثغر يا شيوخ البديع
انظر في التكميل واللف والنشـ ... ـر وحسن الختام والترصيع
وللشيخ شهاب الدين، أبي جعفر الشارح، المذكور بين خمسة وخمسة، ولكن لم يخل من التعسف، وهو:
ملك يجيء بخمسة من خمسة ... كفى الحسود بها فمات لما به
من وجهه ووقاره وجواره ... وحسامه بيديه يوم ضرابه٣
قمر على رضوى تسير ب الصبا ... والبرق يلمع من خلال سحابه٤
ولابن جابر ناظم البديعية، بين ستة وستة:
إن شئت ظبيًا أو هلالًا أو دجى ... أو زهر غصن في الكثيب الأملد٥
فللحظها ولوجهها ولشعرها ... ولخدها والقد والردف أقصد
صبرنا على الأملد صفة الكثيب، ولكن لم نصبر على دخول القصد، فغنها زيادة أجنبية. وقد جمع قاضي القضاة نجم الدين عبد الرحيم بن البارزي، بين سبعة وسبعة:
يقطع بالسكين بطيخة ضحى ... على طبق في مجلس لأصاحبه
كبدر ببرق صد شمسًا أهلة ... لدى هالة في الأفق بين كواكبه
стр. 153
قال شهاب الدين المذكور، في شرح بديعية صاحبه ابن جابر: إن اللف والنشر، في هذين البيتين، غير كامل التفصيل. لأنه نص في اللف على ستة، ونص في النشر على سبعة، وكل منهما راجع إلى منصوص عليه في اللف، إلا الأهلة فإنه راجع إلى الأشطار، وهي غير مذكورة في اللف. قلت: هذا يفهم من قوله: يقطع. قال الشيخ شهاب الدين: قوله: ضحى، في بيت اللف، مطرح لا نظير له في النشر. قلت: ضحى، ليس لها في الحسن نظير، فإنه جعل البطيخة شمسًا، وهي أنور من قول صاحبه في بيته: أملد، وأقصد، فإنه لم ينص عليهما في اللف وهم أجنبيان مما نحن فيه.
ووصلوا في الجمع بين اللف والنشر المفصل المرتب، إلى اثني عشر. لكن تكلفوا وتعسوا وأتوا به في بيتين، ولم تسفر لهم وجوه المعاني المسفرة عن بهجة. ولابن بلدتنا الشيخ علاء الدين بن مقاتل، مالك أزمة الزجل، وقد تقدم ذكره في أوردته له من أزجاله على الجناس المقلوب واللفظي، الجمع في اللف والنشر، بين ثمانية وثمانية، مع عدم الحشو والفرار من التعسف وصحة الانسجام.
خدود وأصداغ وقد ومقلة ... وثغر وأرياق ولحن ومعرب١
فورد وسوسان وبان ونرجس ... وكاس وجريال وجنك ومطرب٢
ومما سمعت، في هذا النوع، وفيه الجمع بين عشرة وعشرة، قول بعضهم:
شعر جنين محيًّا معطف كفل ... صدغ فم وجنات ناظر ثغر
ليل صباح هلال بانة ونقا ... آس أقاح شقيق نرجس در
وجل القصد، هنا أن يكون اللف والنشر في بيت واحد خاليًا من الحشو وعقادة التركيب، جامعًا بين سهولة اللفظ والمعاني المخترعة، انتهى الكلام على اللف والنشر المفصل المرتب.
وأما القسم الذي هو العكس، أعني غير المرتب، فكقول الشاعر:
كيف أسلو وأنت حقف وغصن ... وغزال لحظًا وقد وردفا
فعدم الترتيب ظاهر في البيت، وأما القسم المذكور على الإجمال، فهو قسم واحد
стр. 154
لا يتبين فيه ترتيب ولا عكس، كما تقدم، ومثله قول ابن سكرة في بيت الكافات الشتائية:
جاء الشتاء وعندي من حوائجه ... سبع إذا القطر عن حاجاتنا حبسا
كن وكيس وكانون وكاس طلا ... مع الكباب وكس نعام وكسا١
وظريف هنا قول من قال:
جاء الصفاع وعندي ما حوائجه ... سبع إذا الصفع في ميدانه وقفا٢
نطع وطرق وزريوك وغاشية ... وركوة وجراب ناعم وقفا٣
ففي قوله، بعد ما ذكره من آلات الصفع: وقفا. غاية في اللطف وقوة في تمكين القافية. انتهى الكلام على اللف والنشر المفصل المرتب وعلى غيره.
وأما أصحاب البديعيات فإنهم ما نظموا إلا المفصل المرتب، لأنه المقدم عند علماء البديع في هذا الباب، ولم يأتوا به إلا في بيت واحد، بحيث يكون مثالًا شاهدًا على هذا النوع، وماشيًا على سنن الأبيات المفردة المشتملة على أنواع البديع، وبيت صفي الدين غاية في هذا الباب، لما اشتمل عليه من السهولة والرقة وعدم الحشو، وهو قوله:
وجدي حنيني أنيني فكرتي ولهي ... منهم إليهم عليهم فيهم بهم
والعميان لم يأتوا بهذا النوع إلا في بتين، مع عقادة التركيب.
ولقد حبست عنان القلم عن الكلام عليهما، لكونهما من جملة مديح النبي ﷺ وهما:
حيث الذي إن بدا في قومه وحبي ... عفاته ورمى الأعداء بالنقم٤
فالبدر في شبهه والغيث جاد لذي ... محل وليث الشرى قد جال في الغنم
стр. 155
وبيت عز الدين الموصلي:
نشرٌ ويسر وبشر من شذا وندى ... وأوجه فتعرف طي نشرهم
قوله: فتعرف طي نشرهم، وليس له نص في اللف لأنه نص فيه على ثلاثة، وعجز عن ترتيب اللف والنشر في نص اللف، وعلى كل تقدير، فلا بد له من تسمية النوع فسماه، ولكن أتى به فضلة، ولو التزم الشيخ صفي الدين أن يسمي هذا النوع البديعي في بيته، لتجافت عليه تلك الرقة.
فالطيّ والنشر والتغيير مع قصر ... للظهر والعظم والأحوال والهمم
فالطي والنشر، في نصف اللف، قبالة الظهر والعظم، والتغيير مع القصر قبالة الأحوال والهمم، هذا مع زيادة العدة على الشيخ عز الدين، وعدم التكلف ولولا الالتزام بتسمة النوع ومراعاة السهولة والانسجام، وصلت إلى أكثر من هذه العدة.
стр. 156
ذكر الطباق:
بوحشةٍ بدلوا أنسي وقد خفضوا ... قدري وزادوا علوّا في طباقهم
المطابقة: يقال لها: التطبيق والطباق، والمطابقة في اللغة أن يضع البعير رجله في موضع يده، فإذا فعل ذلك قيل طابق البعير.
وقال الأصمعي: المطابقة أصلها وضع الرجل موضع اليد، في مشي ذوات الأربع.
وقال الخليل بن أحمد: يقال طابقت بين الشيئين، إذا جمعت بينهما على حد واحد. انتهى.
وليس بين تسمية اللغة وتسمية الاصطلاح مناسبة، لأن المطابقة في الاصطلاح: الجمع بين الضدين، في كلام أو بيت شعر كالإيراد والإصدار، والليل والنهار، والبياض والسواد. وليس في الألوان ما تحصل به المطابقة غيرهما، أعني البياض والسواد، فقد قال الرماني وغيره: البياض والسواد ضدان بخلاف بقية الألوان، لأن كلًّا منهما إذا قوي زاد بعدًا من صاحبه. انتهى.
وإذا ألحقوا بالمطابقة فالتدبيج أحق منها بذلك، فإنهم أوردوا، في المطابقة من التدبيج، قول ابن حيوس على جهة الكناية:
فافخر بعم عَمَّ جود يمينه ... وأب لأفعال الدنية آبي١
ببياض عرض واحمرار صوارم ... وسواد نقع واخضرار رحاب٢
стр. 157
وقد تقرر أن المطابقة: الجمع بين الضدين عند غالب الناس، سواء كانت من سمين أو من فعلين أو غير ذلك.
قال الأخفش، وقد سئل عنها: أجد قومًا يختلفون فيها فطائفة، وهم الأكثر يرون: أنها الشيء وضده، وطائفة يزعمون أنها اشتراك المعنيين في لفظ واحد، منهم قدامة بن جعفر الكاتب، وأورودوا في ذلك قول زياد الأعجم:
ونبئتهم يستنصرون بكاهل ... وللؤم فيهم كاهل وسنام
فكاهل الأول اسم رجل، والثاني العضو المعروف، فاللفظ واحد والمعنيان مختلفان، وهذا هو الجناس التام بعينه، وقال الأخفش: من قال إن المطابقة اشتراك المعنيين في لفظ واحد، فقد خالف الخليل والأصمعي، فقيل: أوكانا يعرفان ذلك فقال: سبحان الله من أعلم منهما بطيبه وخبيثه؟ وما أحسن ما أتى الأخفش في الجواب بالمطابقة.
ومنهم من أدخل المقابلة فيها، وليس بمليح، إذ لم يبق للفرق بينهما محل. فإن السكاكي قال: المقابلة أن تجمع بين شيئين فأكثر وتقابل بالأضداد، ثم إذا شرطت هنا شيئا شرطت هناك ضده، والمطابقة هي الإتيان بلفظتين، والواحدة ضد الأخرى، وكأن المتكلم طابق الضد بالضد.
ولقد شفى زكي الدين بن أبي الأصبع القلوب، في ما قرره، فإنه قال: المطابقة ضربان: ضرب يأتي بألفاظ الحقيقة، وضرب يأتي بألفاظ المجاز، فما كان بلفظ الحقيقة سمي طباقًا، وما كان بلفظ المجاز سمي تكافؤًا. فمثال التكافؤ، وهومن إنشادات قدامة:
حلو الشمائل وهو مر باسل ... يحمي الذمار صبيحة الإرهاق١
فقوله: حلو ومر، يجري مجرى الاستعارة، إذ ليس في الإنسان، ولا في شمائله، ما يذاق بحاسة الذوق، ومن أمثلة التكافؤ قول ابن رشيق، وهو حسن:
وقد أطفؤا شمس النهار وأوقدوا ... نجوم العوالي في سماء عجاج٢
стр. 158
ومثله:
إن هذا الربيع شيء عجيب ... تضحك الأرض من بكاء السماء
ذهب حينما ذهبنا ودر ... حيث درنا وفضة في الفضاء
وما أحلى قول القائل، في هذا الباب:
إذا نحن سرنا بين شرق ومغرب ... تحرك يقظان التراب ونائمه
فالمطابقة بين اليقظان، والنائم ونسبتهما إلى التراب على سبيل المجاز، وهذا هو التكافؤ عند ابن أبي الأصبع.
وأما المطابقة الحقيقية التي لم تأت بغير ألفاظ الحقيقة، فأعظم الشواهد عليها قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى، وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ ١ وكقول النبي ﷺ ، للأنصار رضي الله تعالى عنهم: "إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع"، فانظر إلى هذه البلاغة النبوية، والمناسبة التامة ضمن المطابقة.
ومن الشواهد الشعرية، قول الحماسي:
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما
ولآخر:
لئن ساءني أن نلتني بإساءة ... لقد سرني أني خطرت ببالك
ولآخر في وصف فرس، وأجاد:
وأرى الوحش في يميني إذا ما ... كان يومًا عنانه بشمالي٢
والمعجز الذي لا تصل إليه قدرة مخلوق، قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ، وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ، وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ، وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ﴾ ٣ فانظر إلى عظم هذه المطابقة وما فيها من الوجازة.
ومن ذلك في الحديث، قول النبي ﷺ : "فليأخذ العبد من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته ومن الشبيبة للكبر، ومن الحياة للمات، فوالذي نفسي بيده ما بعد الحياة مستعتب، ولا بعد الدنيا دار إلا الجنة والنار"، انتهى ما قررته في المطابقة، لغة واصطلاحًا، وما أوردته من الفرق بينهما وبين التكافؤ على رأي ابن أبي الأصبع.
стр. 159
ولهم مطابقة السلب بعد الإيجاب، وهي المطابقة التي لم يصرح فيها بإظهار الضدين، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١ فالمطابقة حاصلة بين إيجاب العلم ونفيه، لأنهما ضدان ومثله قول البحتري:
يقيض لي، من حيث لا أعلم، النوى ... ويسري إلى الشوق من حيث أعلم
فالمطابقة باطنة ومعناها ظاهر، فإن قوله لا أعلم، كقوله جاهل، والسابق إلى هذا امرؤ القيس بقوله:
جزعت ولم أجمع من البين مجزعًا ... وعزيت قلبا بالكواعب مولعا٢
فالمطابقة حاصلة بين إيجاب الجزع ونفيه، ومن المستحسن في ذلك قول بعضهم:
خلقوا وما خلقوا لمكرمة ... فكأنهم خلقوا وما خلقوا
رزقوا وما رزقوا سماح يد ... فكأنهم رزقوا وما رزقوا
ومثله قول بشر بن هارون، وقد ظهر منه الفرح عند الموت، فقيل له: أتفرح بالموت؟ فقال: ليس قدومي على خالق أرجوه، كمقامي عند مخلوق لا أرجوه، فالمطابقة حاصلة بين إيجاب الرجاء ونفيه. انتهى الكلام على مطابقة السلب بعد الإيجاب.
ولهم إيهام المطابقة، كما لهم إيهام التورية، والشاهد على إيهام المطابقة قول الشاعر:
يبدي وشاحًا أبيضًا من سيبه ... والجو قد لبس الوشاح الأغبرا٣
فإن الأغبر ليس بضد الأبيض، وإنما يوهم بلفظه أنه ضده ومثله قول دعبل:
لا تعجبني يا سلم من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
فالضحك هنا من جهة المعنى ليس بضد البكاء، لأنه كناية عن كثرة الشيب، ولكنه من جهة اللفظ يوهم المطابقة.
ولهم الملحق بالطباق، وهو راجع إلى الضدين كقوله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ٤ طابق الأشداء بالرحماء، لأن الرحمة فيها معنى اللين، ومثله قوله
стр. 160
تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ ١ فالمطابقة بين الغرق ودخول النار، فإن من دخل النار احترق والاحتراق ضد الغرق، ومنه قول الحماسي.
لهم جلّ مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قل مالي لا أكلفهم رفدا٢
ففي قوله تتابع لي غنى معنى الكثرة، وأما قول أبي الطيب:
لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محب أو إساءة مجرم
فمتفق عليه أنه من الطباق الفاسد، فإن المجرم ليس بضد للمحب بوجه ما، وليس للمحب ضد غير المبغض. انتهى.
وذكوا في آخر الباب: طباق الترديد، وهو أن تردّ آخر الكلام المطابق على أوله، فإن لم يكن الكلام مطابقًا فهو من رد الأعجاز على الصدور، ومنه قول الأعشى:
لا يرقع الناس ما أوهوا وإن جهدوا ... طول الحياة ولا يوهون ما رقعوا٣
وجل القصد في هذا الباب المطابقة في الحقيقة، التي قررها ابن أبي الصبع، وتقدم في ذلك في أول الباب مع الشواهد عليه، ومثله قول بشار:
إذا أيقظتك حروب العدا ... فنبه لها عمرا ثم نم
ومن لطيف هذا الطباق ما أورده القاضي جلال الدين القزويني، في إيضاحه على تلخيصه، وهو قول القاضي الأرجاني:
ولقد نزلت من الملوم بماجد ... فقر الرجال إليه مفتاح الغنى
والذي أقوله إن المطابقة التي يأتي بهها الناظم مجردة ليس تحتها كبير أمل، ونهاية ذلك أن يطابق الضد بالضد، هو شيء سهل، اللَّهمَّ إلا أن تترشح بنوع من أنواع البديع يُشاركه في البهجة والرونق، كقوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ٤ ففي العطف، بقوله تعالى: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ دلالة على أن من قدر على تلك
стр. 161
الأفعال العظيمة قدر على أن يرزق بغير حساب من شاء من عباده، وهذه مبالغة التكميل المشحونة بقدرة الرب ، فانظر إلى عظم كلام الخالق هنا، فقد اجتمع فيه المطابق الحقيقية والعكس الذي لا يدرك، لوجازته وبلاغته ومبالغة التكميل التي لا تليق بغير قدرته، ومثل ذلك قول امرئ القيس:
مكرّ مفرّ مقبل مدبر معًا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل
فالمطابقة في الإقبال الإدبار، ولكنه لما قال: معًا، زادها تكميلًا في غاية الكمال، فإن المراد بها قرب الحركة في حالتي الإقبال والإدبار وحالتي الكر والفر، فلو ترك المطابقة مجردة من هذا التكميل ما حصل لها هذه البهجة ولا هذا الموقع، ثم إنه استطرد، بعد تمام المطابقة وكمال التكميل، إلى التشبيه على سبيل الاستطراد البديعي، ولم يكن قد ضرب لأنواع البديع في بيوت العرب وتد، ولا امتد له سبب. وقد اشتمل بيت امرئ القيس على المطابقة والتكميل والاستطراد على طريقة١، فإن ابن المعتز قال: هو أن يكون المتكلم في معنى فيخرج منه، بطريق التشبيه، إلى معنى آخر، وممن كسا المطابقة ديباجة التورية أبو الطيب المتنبي، حيث قال:
برغم شبيب فارق السيف كفه ... وكانا على العلات يصطحبان
كأن رقاب الناس قالت لسيفه ... رفيقك قيسي وأنت يماني
لعمري لقد رفع أبو الطيب قدر المطابقة، وأزال حقارتها، بمجاورة هذا النوع البديعي الذي عظم عند أهل الأدب قدرًا، ومثله قول الصاحب بن عباد في رثاء الوزير كثير بن أحمد:
يقولون قد أودى كثير بن أحمد ... وذلك رزء في الأنام جليل٢
فقلت دعوني والعلا نبكه معًا ... فمثل كثير في الأنام قليل
وأبو تمام كساها ديباجة المجانسة بقوله:
بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب
وما أحلى قول الأرجاني من قصيدة:
تعلق بين الهجر والوصل مهجتي ... فلا أربي في الحب أقضي ولا نحبي٣
стр. 162
فشدّ أزر المطابقة ببديع اللف والنشر، وأهلها بغريب هذا المعنى، بعدما سال رقة، وعلق بخاطري من هذه القصيدة:
فلا تتعجب أنني عشت بعدهم ... فإنهم روحي وقد سكنوا قلبي
ومنها:
وحرف تجوب القاع والوهد والربا ... كحرف مديم الجر والرفع والنصب١
نجائب يقدحن الحصى كل ليلة ... كأن بأيديها مصابيح للركب٢
ومن المطابقة باللف والنشر أيضًا، قول شيخ شيوخ حماة المحروسة:
إن قومًا يلحون في حب ليلى ... لا يكادون يفقهون حديثا
سمعوا وصفها ولاموا عليها ... أخذوا طيبًا وردوا خبيثًا
ومثله قوله: يخاطب العاذل:
أراك بخيلًا بعوني فهبني ... سكوتك عني إذا لم تعني
ذممت الهوى ورجوت السلو ... فأبكيت عيني وأضحكت سني
ومثله قوله:
يا وجوهًا زانت سناها فروع ... حالكات أغنتكم عن حلاكم
لي من حسنكم نهار وليل ... أنعم الله صبحكم ومساكم
ومثله قوله من قصيدة:
توغل حرقتي أجرى دموعي ... فقل ما شئت في دخل وخرج
ومنه قول أبي حفص المطوعي، في الباب:
أو ما ترى نور الخلاف كأنه ... لما بدا للعين نور وفاق
فالمطابقة هنا بزيادة التورية من الاستعارة البديعة، ويعجبني قوله بعد هذا البيت:
كأكف سنور ولكن نشره ... يسعى بفأر المسك في الآفاق٣
وأما سحر البلاغة هنا فقول القاضي الفاضل:
دام صاحي وداده عمر الدهـ ... ـر جنينًا لسكري النشوان
стр. 163
انظر أيها المتأمل ما أبدع ما أبرز المطابقة في حلل هاتين الاستعارتين الغريبتين، وما ألطف ما أريد معنى المطابقة بقوله بعدها:
وبنات الصدور أوقع فيما ... زعم المجد من بنات الدنان١
فالفاضل أبرز هذه المطابقة في حلل الاستعارة، ولكن من أين للمستعير صحو الوداد، ونشوة السكر، سبحان المانح! ما هذه إلا مواهب ربانية.
وأما الذين تقدم القول بالاقتداء برأيهم في هذا الفن، فإنهم ما أبرزوها إلا في أشعار التورية، فمن ذلك قول القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، في موصول:
وناطقة بالنفخ عن روح ربها ... تعبر عما عندنا وتترجم
سكتنا وقالت للقلوب فأطربت ... فنحن سكوت والهوى يتكلم
فإنه جمع بين التورية والتضمين والمطابقة.
وما أحلى قول الشيخ شرف الدين بن الفارض، في المطابقة بالتورية في قوله:
أرج النسيم سرى من الزوراء ... سحرًا فأحيا ميت الأحياء
ومثله قول الوادعي في قصيدة وهو في غاية الحسن:
يفتن بالفاتر من طرفه ... وريقه البارد يا حار٢
ما ألطف قول الشيخ شمس الدين الواسطي في دو بيت:
إن ضر مني بجذوة التذكار ... حبي وبرى عظمي شكرت الباري٣
فالعاذل في هواي لا عقل له ... ما أبلد عاذلي وأذكى ناري
ومثله قول سراج الدين الوراق:
وبي من البدو كحلاء الجفون بدت ... في قومها كمهاة بين آساد٤
فلو بدت لحسان الحضر فمن لها ... على الرءوس وقلن الفضل للبادي
стр. 164
ومثله قول أبي الحسين الجزار:
أمولاي ما من طباعي الخروج ... ولكن تعلمته من خمولي
أتيت لبابك أرجو الغنى ... فأخرجني الضرب عند الدخول
ومثله قول الوداعي، في مطلع قصيد:
ما كنت أول مغرم محروم ... من باخل بادي النفار كريم١
ومثله قول مجير الدين بن تميم:
لما لبست لبعده ثوب الضنا ... وغدوت من ثوب اصطباري عاريا
أجريت واقف مدمعي من بعده ... وجعلته وقفًا عليه جاريا
وكتبت، من هذا النوع، إلى القاضي كمال الدين بن النجار وكيل بيت المال بدمشق المحروسة:
كمال الدين يا مولاي يا من ... يغير البحر من بذل النوال
أيجمل أن يقول الناس إني ... أتيت لحاجة لم تقضها لي
وأصبح بينهم مثلا لأني ... أتاني النقص من جهة الكمال
ومثله قول الشيخ جمال الدين بن نباتة رحمه الله تعالى:
إني إذا آنست همًا طارقًا ... عجلت باللذات قطع طريقه
ودعوت ألفاظ الحبيب وكأسه ... فنعمت بين حديثه وعتيقه
ومثله قوله:
قصدت معاليك أرجو الندى ... وأشكو من العسر داء دفينا
فما كان بيني وبين اليسار ... سوى أني مددت إليك اليمينا٢
ومثله قوله:
حزني من مهفهف القدر أم ... أسهم اللحظ ما أسد وأرشق
كلما قلت يفتح الله بالوصل ... رماني من سحر عينيه يغلق
стр. 165
ومثله قوله:
إن أساء الحبيب قامت بعذر ... وجنة منه فوقها شامات
يا لها وجنة أقابل منها ... حسنات تمحى بها سيئان
ومثله قوله:
قام غلام الأمير يحسب في ... يوم ظهورك البنين طاووسا١
فأنزل الحاضرون من شبق ... وعاد ذاك الطهور تنجيسا٢
وما ألطف قوله من هذا النوع:
يا غائبين تعللنا لغيبتكم ... بطيب لهو ولا الله لم يطب
ذكرت والكاس في كفي لياليكم ... فالكاس في راحة القلب في تعب٣
ومثله قوله في براعة قصيد: يوم صحوٍ فاجعله لي يوم سكر.
وما أحلى ما قال بعده في الشطر الثاني: فأدر كأسي رضاب وخمر. منها، ولم يخرج عما نحن فيه:
جفن عينيه فاتر مستحيي ... إنما خده المشعشع جمري
ومثله قوله من قصيدة:
فريد وهو فتان التثني ... فيا لله من فرد تثنى
وله في روضة قصيدة:
مطابقة الأوصاف أما نسيمها ... فصح وأما ماؤها فتكسرا
انظر ما أحسن تصريحه بالنوع هنا، في قوله مطابقة الأوصاف.
ومثله قول الشيخ برهان الدين إبراهيم القيراطي من قصيدة:
بأبي غنى ملاحة أشكو له ... فقري فيصبح بالغنى يتطرب
ومنها في هذا النوع:
غدا ينادمني وكأس حديثه ... أشهى إليّ من العتيق وأطيب
стр. 166
ومثله قوله:
في جفنه سيف مضاربه ... ياصاح أسبق لي من العذل
وبخده والردف لي خبر ... قد سار بين السهل والجبل
ومثله قول الشيخ زين الدين بن الوردي:
تجادلنا أماء الزهر أزكى ... أم الخلاف أم ورد القطاف
وعقبى ذلك الجدل اصطلحنا ... وقد حصل الوفاق على الخلاف
ومثله قول الشيخ بدر الدين بن الصاحب، وهو في غاية الظرف:
كما جار صرف الدهر في حكمه ... وضرّ بي من حيث بي يعتني
ألبسني من شيبتي حلة ... قلت له والله عريتني
ومنه قول الشيخ صلاح الدين الصفدي، وقد أهدى إلى الشيخ جمال الدين بن نباتة تخفيفة:
أيا فاضلًا تدنو الأفاضل نحوه ... وتشكر في جميع المناقب تصريفه١
إذا كنت بالإحسان ثقلت كاهلي ... فلا عجب إن كنت تقبل تخفيفه٢
ومنه قول الشيخ صفي الدين الحلي من قصيدة:
والريح تجري رخاء فوق بحرتها ... وماؤها مطلق في زي مأسور
قد جمعت جمع تصحيح جوانبها ... والماء يجمع فيها جمع تكثير
ومنه قول المعمار:
أصاب قلبي خطائي ... بلحظه لشفائي
فرحت من فرط وجدي ... أشكو إلى الحكماء
قالوا أصبت بعين ... فقلت من عظم دائي
إن كان هذا صوابًا ... فتلك عين الخطاء
وحسن هنا قول البدر يوسف بن لؤلؤ الذهبي:
وحديقة مطلولة باكرتها ... والشمس ترشف ريق أزهار الربا٣
يتكسر الماء الزلال على الحصى ... فإذا عدا بين الرياض تشعبا
стр. 167
ومنه قول الشيخ شمس الدين بن الصائغ الحنفي:
بروحي أفدي خاله فوق خده ... ومن أنا في الدنيا فأفديه بالمال
تبارك من أخلى من الشعر خده ... وأسكن كل الحسن في ذلك الخال
ومثله قول الشيخ عز الدين الموصلي:
سموا مني مهجتي سعيدًا ... ولي شقاء به يزيد
إذا اجتمعنا يقول ضدي ... هذا شقي وذا سعيد
وظريف قول جمال الدين عبد الله السوسي:
ورب أقطع يشدو ... ساروا وما دعوني١
ما أنصفوا أهل ودي ... واصلتهم قاطعوني
وألطف منه قول الشيخ جلال الدين بن خطيب داريا:
يا معشر الأصحاب قد عن لي ... رأي يزيل الحمق فاستظرفوه٢
لا تحضروا إلا بأخفافكم ... ومن تثاقل منكم خففوه
ومثله قوله:
تصفحت ديوان الصفي فلم أجد ... لديه من السحر الحلال مُرامي٣
فقلت لقلبي دونك ابن نباتة ... ولا تتبع الحلي فهو حرامي٤
وظريف هنا قول الشيخ بدر الدين البشتكي، وإن لم يكن فيه تورية، فقد صرح باسم النوع من جنس الغزل:
وقالوا يا قبيح الوجه تهوى ... مليحًا دونه السمر الرشاق٥
فقلت وهل أنا إلا أديب ... فكيف يفوتني هذا الطباق
стр. 168
ومن المطابقة بالتورية، قول القاضي بدر الدين بن الدماميني ﵀:
بدر إذا شمت فوق الخد عارضه ... يومًا أرى الصبح بالظلماء مختلطا
وظن أن صوابًا هجر عاشقه ... لما رأى منه شيبًا باديًا وخطا١
ومن العجيب في هذا النوع، قول شيخنا العلامة شهاب الدين بن حجر، فسح الله في أجله:
خليلي ولى العمر منا ولم نتب ... وننوي فعال الصالحين ولكنا
فحتى متى نبني بيوتا مشيدة ... وأعمارنا منا تهد وما تبنا
وما أحلى قوله فيه:
أتى من أحبائي رسول فقال لي ... ترفق وهن واخضع تفز برضانا٢
فكم عاشق قاصي الهوان بحبنا ... فصار عزيزًا حين ذاق هوانًا
ومثله قوله:
نأى رقيبي وحبيبي دنا ... وحسنه للطرف قد أدهشا٣
آنسني المحبوب يوم اللقا ... لكن رقيبي فيه ما أوشحا
وما أظرف قوله فيه:
أشكو إلى الله ما بي ... وما حوته ضلوعي
قد طابق السقم جسمي ... بنزلة وطلوع
انظر كيف جمع بين قصر الوزن، وعدم الحشو، وصحة التركيب، والمطابقة بالتورية، وتسمية النوع من جنس الغزل، ومثله قوله:
قال حبي أكتم الهوى ... خوف لاح وواشيه
كي أستطيع كتمه ... وسقامي علانيه
وأنشدني من لفظه لنفس، ابن مكانس وقد أوقفته في الشرح على هذا النوع، فقال:
يا سادتي والعشق لم يبق لي ... من بعدكم روحًا ولا حسا
صبحني الهم لهجرانكم ... والضر لما بنتم مسا
стр. 169
وله:
لثغرك طعم ونشر يلذ ... ونسقى به يا أخا البدر عشقا
فدعنا نمت ونعش في الهوى ... غرامًا وننعم ذوقًا ونشقا١
ومثله قوله:
رب خُذ بالعدل قوما ... أهل ظلم متوالي
كلفوني بيع خيلي ... برخيص وبغال
ونقلت من ديوان والده المقر الفخري:
زارت معطرة الشذا ملفوفة ... كي تختفي فأبى شذا العطر
يا معشر الأدباء هذا وقتكم ... فتناظموا في اللف والنشر
ونقلت أيضًا من ديوانه:
لم أنس معشوقه زارت بجنح دجى ... فبت في مسك أنفاس وطيب سمر
حتى الصباح وعيناها تظن بأن ... هاروت حل عشاء فيهما وسحر٢
ونقلت منه ما امتدح به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
يا ابن عم النبي إن أناسا ... قد توالوك فازوا
أنت للعلم في الحقيقة باب ... يا إمامًا وما سواك مجاز٣
وقوله:
علقتها معشوقة خالها ... إن عمها بالحسن قد خصصا
يا وصلها الغالي ويا هجرها ... لله ما أغلى وما أرخصا
وقلت في هذا المعنى من قصيدة:
وكيف أكتم حبا في هواه ولي ... من أحمر الدفع فوق الخد تشهير٤
ونار خديه قلبي أرخصت وغلت ... لما غدت ولها في القلب تسعير
وقال أغمدت سيف اللحظ عنك فكيـ ... ـف الحال قلت له، والله مشهور
стр. 170
وقلت من قصيدة وصرحت باسم النوع:
طابقت رقة حالي بالجفا عبثًا ... فما طباقك إلا رقة وجفا
وقلت من قصيدة:
شرّقونا بمدمع العين عجبا ... ليتهم عند موتنا قبّلونا١
وقلت بعده:
حبكم فرضنا وسيف جفاكم ... قد غدا في بعادنا مسنونا
حتى تخلصت إلى مدح أمين الدين، من غزل هذه القصيدة، ولم أخرج عما نحن فيه من المطابقة. ومن غريب ما وقع لي في هذا النوع قولي من قصيدة:
بدر منير قسا برؤيته ... لكن يرى عند خده شفقه٢
وقلت من قصيدة:
لي في حماكم أهيف من عامر ... وخراب بيت تصبر بالعامري
سلطان حسن ظاهر لما بدا ... جال الهوى في باطني بالظاهرِ "ي"
وضفرت شعرك إذ ظفرت بمهجتي ... يفديك محلول العرا من ظافر٣
وحميت برد الثغر إذ طابقته ... في ضمن تورية بجفن فاتر
انظر ما أحلى قولي: في ضمن تورية، والمراد المطابقة بالتورية.
وقلت مطابقًا، والتورية ثلاثية:
بمر هجرك عجبًا قد قضية لنا ... وشاهد الحسن بالإحسان حلاك
وكتبت إلى بعض المخاديم بحماة المحروسة حرسها الله تعالى، أطلب منثورًا أبيض فماطلني مدة والمنثور الأبيض عزيز بحماة:
زهر الوعود ذوى من طول مطلكم ... لأنه من نداكم غير ممطور٤
والعبد قد جهز المنظوم ممتدحًا ... فطابقوه إذا وافى بمنثور
стр. 171
وقلت:
هويت غصنا لأطيار القلوب على ... قوامه في رياض الوجد تغريد
قالت لواحظه أنا نسود على ... بيض الظبا قلت أنتم سود "وا"
وقد طال الشرح، ولكن هذا الطول تنشرح له الصدور، وتعلو به همة الطالب، ولم يرض بعدها بالرخيص من هذا الفن، ويتأيد١ قولي: إن الذين اقتديت برأيهم ومشيت على سننهم لم يرضوا بالمطابقة المجردة، ولم ينظموها إلا في سلك التورية، وقد أوردت لهم هنا من ذلك ما شنف الأسماع ورقص عند السماع، والكمال لله فإن الشيخ صفي الدين لم يأت بالمطابقة إلا مجردة وبيته:
قد طال ليلي وأجفاني به قصرت ... عن الرقاد فلم أصبح ولم أنم
وبيت العميان مثله، لكنه عامر بالركة والعقادة وهو:
واسهر إذا نام سار وامضٍ حيث ونى ... واسمح إذا شح نفسًا وأسِرْ إن يقم
وبيت عز الدين:
أبكي فيضحك عن در مطابقة ... حتى تشابه منثور بمنتظم
لعمري إن بيت صفي الدين وبيت العميان، يتنزلان عند هذا البيت العامر بالمحاسن منزلة الأطلال البالية، فإن الشيخ عز الدين جمع فيه بين تسمية النوع من جنس الغزل، وبين غرابة المعنى، وحسن الانسجام ورقة النسيب وبديع اللف والنشر، ولم يأت كل منهما إلا بمجرد المطابقة. وأما قول العميان في آخر بيتهم: وأسر إن يقم، فهذا اللفظ من بقية ما سقط من حجارة البيت. وبيت بديعتي هو:
بوحشة بدلوا أنسي وقد خفضوا ... قدري وزادوا علوا في طبقاهم
فالمطابقة والتورية وتسمية النوع البديعي اجتمعت، هنا في قافية هذا البيت الذي علا بطباقه، وتفيأ أهل البديع بظل رواقه.
стр. 172
ذكر النزاهة:
نزهت لفظي عن فحش وقلت هم ... عرب وفي حبهم يا غربة الذمم١
النزاهة ما نظمها أحد في بديعيته إلا صفي الدين الحلي، وقد تقدم القول أنه ذكر عن بديعيته، أنها نتيجة سبعين كتابًا في هذا الفن. وهو نوع غريب تجول سوابق الذوق السليم في حلبة ميدانه، وتغرد سواجع الحشمة على بديع أفنانه، لأنه هجو في الأصل، ولكنه عبارة عن "الإتيان بألفاظ فيها معنى الهجو الذي إذا سمعته العذراء في خدرها لا تنفر منه" وهذه عبارة عمرو بن العلاء لما سئل عن أحسن الهجو.
وقد وقع من النزاهة في الكتاب العزيز عجائب، منها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ، وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ، أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٢ فإن ألفاظ الذم المخبر عنها، في كلام الآية، أتت منزهة عما يقع في غير هذا القسم من الفحش في الهجاء والمرض. هنا عبارة عن إبطان الكفر.
ومن النزاهة البديعية في النظم، قول أبي تمام:
بني فعيلة ما بالي وبالكم ... وفي البلاد مناديح ومضطرب٣
لحاجة لي فيكم ليس يشبهها ... إلا لجاجكم في أنكم عرب٤
стр. 173
ومن غريب هذا النوع، قول معبد بن الحسين بن جبارة لرجل كان يدعو قومًا إلى سماع قينة له، ثم انكشف له بعد هذا أنهم كانوا ينالون منها القبيح:
ألم أقل لك إن القوم بغيتهم ... في ربة العود لا في رنة العود
لا تأسفن على الشاة التي عقرت ... فأنت غادرتها في مسرح السيد١
فانظر إلى مصاحبة هذه المعاني ونزاهة ألفاظها عن الفحش.
ومن ذلك قول جرير:
فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبًا بلغت ولا كلابا٢
وقالوا أحسن ما وقع في هذا الباب قوله أيضًا:
لو أن تغلب جمعت أنسابها ... يوم التفاخر لم تزن مثقالا٣
فانظر إلى هذا الهجو المنكي٤، كيف بالغ في تنزيه ألفاظه عن الفحش، وفيه معنى الهزل الذي يراد به الجد، وهو غاية في هذا النوع.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي:
حسبي بذكرك لي ذمًّا ومنقصة ... فيما نطقت فلا تنقص ولا تذم
وقال إنها بالذال المعجمة، فإن جل قصده الذم هنا، والذي أقوله: إن هذا البيت شموس إيضاحه آفلة في غيوم العقادة، وليته استضاء بما قاله جرير ومشى على سنته.
والعميان لم ينظموا هذا النوع، وبيت الشيخ عز الدين نظمه في بديعيته لأجل معارضة الصفي، وقال في بيته يخاطب العاذل:
لقد تفيهقت بالتشديق في عذلي ... كيف النزاهة عن ذا الأشدق الخصم٥
قد تقرر أن النزاهة هجو، ولكن شرطوا أن لا ينظم هجوهًا إلا بألفاظ لا تنفر منها العذراء في درها، والذي أقوله، وأنا أستغفر الله: إن ألفاظ عز الدين في بيته ينفر منها
стр. 174
الجان فكيف حال العذراء! وحاصل القضية، أنه نزه ألفاظه عن النزاهة، ولم يتفيهق ولم يتشدق غيره، وما أحقه بقول القائل:
وما مثله إلا كفارغ حمص ... خلي من المعنى ولكن يفرقع
بيت بديعيتي:
نزهت لفظي عن فحش وقلت لهم ... عرب وفي حيهم يا غربة الذمم
وحشمة النزاهة لا تخفى على أهل الذوق السليم والعلم، مع ما فيها من عدم التكليف في الميل عن التعسف. والذي أقوله إن بيتي في هذا الباب جر أذيال البلاغة مع جرير وشاركه في العذوبة والتباري، ولكن له نبأ في التسمية صدر عن خبير.
стр. 175
ذكر التخيير:
تخيروا لي سماع العذل وانتزعوا ... قلبي وزادوا نحولي مت من سقمي
التخيير هو أن يأتي الشاعر ببيت يسوغ فيه أن يقفي بقواف شتى، فيتخير منها قافية يرجحها على سائرها، يستدل بتخييرها على حسن اختياره، كقول الشاعر:
إن الغريب الطويل الذيل ممتهن ... فكيف حال غريب ما له قوت١
فإنه يسوغ أن يقال: ما له مال، ما له سبب، ما له أحد، ما له قوت، فإذا تأملت ما له قوت، وجدتها أبلغ من الجميع، وأدل على القافية، وأمس بذكر الحاجة، وأبين للضرورة، وأشجى للقلوب، وأدعى للاستعطاف، فلذلك رجحت على ما ذكرناه.
ومن هذا النوع في الكتاب العزيز، قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ، وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٢ فالبلاغة تقتضي أن تكون فاصلة الآية الأولى، للمؤمنين، لأنه ذكر العالم بجملته، حيث قال: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ومعرفة ما في العالم من الآيات الدالة على أن المخترع قادر عليم حكم، ولا بد من التصديق أولا بالصانع، حتى صح أن يكون ما في المصنوع من الآيات دليلًا على أنه موصوف بتلك الصفات، والتصديق هو الإيمان، وكذلك قوله تعالى في الآية الثانية ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ فإن خلق الإنسان، وتدبير
стр. 176
خلق الحيوان، والتفكر في ذلك، مما يزيده يقينًا في معتقده الأول، وكذلك معرفة جزئيات العالم، من اختلاف الليل والنهار، وإنزال الرزق من السماء، وإحياء الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح يقتضي رجاحة العقل، ليعلم أن من صنع هذه الجزئيات هو الذي صنع العالم الكلي، بعد قيام البرهان على أن للعالم الكلي صانعًا مختارًا، فلذلك اقتضت البلاغة أن تكون فاصلة الآية الثالثة: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وإن احتيج للعقل في الجميع، إلا أن ذكره هنا أمتن بالمعنى من الأول، ويروى أن أعرابيًّا سمع شخصًا يقرأ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ﴾ ١ غفور رحيم فقال: ما ينبغي أن يكون الكلام هكذا. فقال: إن القارئ غلط، والقراءة ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٣ فقال: نعم، هكذا تكون فاصلة هذا الكلام: فإنه لما عز حكم.
وإذا تأملت فواصل القرآن وجدتها كلها لم تخرج عن المناسبة، كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ ٣ لا يجوز التبديل بينهما. إذ لا يجوز النهي عن انتهار اليتيم، لمكان تهذيبه وتأديبيه، وإنما ينهى عن قهره وغلبته، كما لا يجوز أن ينهر السائل، إذا حرم، بل يرده ردًا جميلًا.
ويعجني قول ديك الجن:
قولي لطيفك ينثني ... عن مضجعي عند المنام
عند الرقاد، عند الهجوع، عند الهجود، عند الوسن.
فعسى أنام فتنطفي ... نار تأجج في العظام
في الفؤاد، في الضلوع، في الكبود، في البدن.
جسد تقلبه الأكف ... على فراش من سقام
من قتاد، من دموع، من وقود، من حزن.
أما أنا فكما علمت فهل لوصلك من دوام ... من معاد، من رجوع، من وجود، من ثمن
فهذه القوافي المثبتة، يقابل كل بيت بما يليق به منها، والأولى أولى وأرجح.
стр. 177
وبيت صفي الدين الحلي رحمه الله تعالى:
عدمت صحة جسمي إذ وثقت بهم ... فما حصلت على شيء سوى الندم
فلذكر عدمت، في صدر البيت، يليق أن تكون القافية العدم، ولذكر الصحة يليق أن تكون القافية السقم، ولذكر الوثوق يليق أن تكون القافية الندم، والبيت في غاية الرقة والانسجام.
وبيت عز الدين:
تخيير قلبي هوى السادات صح به ... عهدي وإني لحزني ثابت الألم
أما تخير هذا البيت فإني تركته لأهل الذوق السليم، بل تخير البيت بكماله.
ولم ينظم العميان في بديعيتهم هذا النوع.
وبيتي [هو] :
تخيروا لي سماع العذل وانتزعوا ... قلبي وزادوا نحولي مت من سقمي
فسماع العذل يليق به السأم، وانتزاع القلب يليق به الألم، وزيادة النحول يليق بها السقم، وتقديم السقم هنا لقربه من النحول، ولم يدخل إلى هذا البيت، من الأجانب، قافية.
стр. 178
ذكر الإبهام:
زاد إبهام عذلي عاذلي ودجا ... ليلي فهل من بهيم يشتفي ألمي١
الإبهام، بباء موحدة وهو أن يقول المتكلم كلامًا مبهمًا يحتمل معنيين متضادين، لا يتميز أحدهما عن الآخر، ولا يأتي في كلامه بما يحصل به التمييز فيما بعد، بل يقصد إبهام الأمر فيهما.
والإبهام مختص بالفنون، كالمديح والهجاء وغيرهما، ولكن لا يفم من ألفاظه مدح ولا هجاء، بل يكون لفظه صالحًا للأمرين، ومثاله ما يحكى أن بعض الشعراء هنأ الحسن بن سهل باتصال ابنته بالمأمون، مع من هنأه، فأثاب الناس كلهم وحرمه، فكتب إليه. إن أنت تماديت على حرماني، عملت فيك بيتًا لا تعلم مدحتك فيه أو هجوتك. فاستحضره وسأله عن قوله، فاعترف وقال: لا أعطيك أو تفعل. فقال:
بارك الله للحسن ... ولبوران في الختن٢
يا إمام الهدى ظفر ... ت ولكن ببنت من
فلم يعلم ما أراد بقوله: ببنت من، في الرفعة أو في الصغر؟ واستحسن منه الحسن ذلك وناشده: أسمعت هذا المعنى أم ابتكرته؟ فقال: لا والله بل نقلته من شعر شاعر مطبوع، كثير العبث بهذا النوع اتفق أنه فضل قباء٣ عند خياط أعور اسمه زيد، فقال له
стр. 179
الخياط على طريق العبث به: سآتيك به لا تدري أقباء هو أم دواج١. فقال له الشاعر: إن فعلت ذلك لأعملن فيك بيتًا، لا يعلم أحد ممن سمعه، أدعوت لك أم دعوت عليك ففعل الخياط، فقال الشاعر:
خاط لي زيد قباء ... ليت عينيه سواء
فما علم أحد، أن الصحيحة تساوي السقيمة أو بالعكس، فاستحسن الحسن صدقه أضعاف استحسانه حذقه، وغالب الناس يسمون الخياط عمرًا ويقولون:
خاط لي عمرو قباء ... ليت عينيه سواء
ولكن نقل زكي الدين بن أبي الأصبع، في كتابه المسمى "بتحرير التحبير" أن الخياط كان اسمه زيدًا، وأورد البيت مصرعًا، مرفوع العروض والضرب، ووجه الرفع ظاهر فيهما.
ولم يتفق للمتأخرين ولا للسلف من قبل، في هذا الإبهام، غير البيت المتعلق بالخياط زيد، والبيت المتعلق بالحسن بن سهل، وقد تقدم ذكرهما، وقد عززتهما بثالث لما وقفت على تاريخ زين الدين بن قرناص الحلبي ووجدته قريبًا من قباء زيد الخياط، فقلت:
تاريخ زين الدين فيه عجائب ... وبدائع وغرائب وفنون
فإذا أتاه مناظر في جمعه ... خبره عني إنه مجنون
وكذلك الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته، وتبعه الشيخ عز الدين الموصلي، لأجل المناظرة، ويأتي الكلام على بيتيهما.
وقد كشف عنه قناع الأشكال، وأبرزت بدوره المتحجبة في أفق الكمال، فإني كتبت فيه تقريضًا لم أرض بقراضة الذهب أن تكون له رملًا، ولا سبقني إليه أديب، ولا ولد منه على هذا الطريق شكلًا، وما ذاك إلا أنه ورد إلى الديار المصرية، وأنا منشئ دواوين الإنشاء المؤيدي خلد الله ملكه، الشيخ شمس الدين محمد بن نهاض الفقاعي في شهر شوال سنة ثمانية عشر وثمانمائة، وقد صنف سيرة مشتملة على نظم ونثر للسلطان الملك المؤيد، ولم يكن للمشار إليه إلمام بتعاطي الأدب في مبادي عمره، فسألني أن أكتب له عليها تقريظًا، قبل تقديمها فامتنعت من ذلك مدة، فدخل علي بمن
стр. 180
لا تمكن مخالفته، فحسنت له كتابة شيخنا القاضي بدر الدين بن الدماميني أولًا، فتوجه إليه فالتزم بالأيمان المغلظة، أنه لا يكتب له إلا إذا كتبت له، فلزمتني الكتابة من وجوه، فكتبت له هذا التقريظ الذي صلّت البلغاء خلفه، فإنه للمحاسن جامع، وأوضحت طريقه، فضاع٢ الذي كان من غير تورية ضائع، وهو:
وقفت على قواعد الأدب من هذه السيرة الناهضة، فوجدت مطرب لحنها قد أعرب عن التنكيت لأهل النكت الأدبية، ونويت معها سلوك الأدب لاحتشامها بالصفات المؤيدية، فإنها ما قوبلت بأدب إلا تقوت بسلطانها، ولا جارتها سيرة مطولة إلا كانت قاصرة عن الجري في ميدانها، ولا ذكرت التواريخ المقدمة معها إلا تأخرت وكبت خلفها، ولا ناظرها ذو قصص إلا ثقل عليه أمرها ونظر إلى قصصه فاستخفها، ولا بالغ أهل التقاريض في تقاريضهم إلا وكانت دونها، واستحق له هذا الوصف في ذمة أهل الأدب فاستوفت منه ديونها، فلو نظر الصفدي إلى هذا التاريخ، وراجع النظر لسلخ جلده، أو تصفحه الكتبي لعدد على تاريخه وما عده، أو كاثره ابن كثير لرأي نقضه متزايدًا عنده، أو عاصره ابن خلكان لقال لم أمازج شراب الفقاعي، بخلي فإن عنده حمضة وبرده، أو لمحه الذهبي وموه بتاريخه لقيل له هذا، وما ينطلي معه، وعلم أن خلاصة الذهب تظهر بالسبك، فهضم من جانبه ووضعه، ولو أدركه البديع لرمى بديعه وعلم أنه بدعة، أو لحقه الوهراني، لرآه في المنام إن حصل له بعد مطالعته هجعة، نسب هذا التأليف إلى الدولة المؤيدية فصار له على كل أهل الأرض صوله، فلو ناظره مؤلف بمجلد لقلنا: هذا جراب الدولة تحمس في شعره، وتغالى فألقى لنا في سوق الكلام رخصه، ولو زايده أبو تمام لتحقق عجزه وأرانا بنفسه وقصه، نعم هذه الأشعار التي ما زاحمها شاعر بديوانه إلا تلت عليه بعد الزلزلة الواقعه، وتقوم القيامة وهي إلى الحشر مرمية على القارعة، ولقد أقام أوزانها بالقسط، ولكن رجحها على القيراطي بفضله، ونقص عنها الراجح الحلي، لأن فيها زيادة على مثله، فيا له من شعر قصر عن بحره الطويل كل معارض، وكيف لا وناظمه ذو همة علية وناهض وابن ناهض، وقد وقف ابن حجة وقوف معترف أن عنده في نظمه وقفه، وسيكتب المقر البدري على اعترافه أنه قاضي الأدب وإمامه الذي صلت البلغاء خلفه، وفتحت لعلماء الأدب هذا الباب، وأرجو أن يكون فتحًا مبينًا، فإن رضوني براعة بحسن الختام، وإذا حصل العلل من هذا النهر روينا، نعم وقفت وغير خاف عن علومهم الكريمة أن شرط الواقف مايهمل، وامتثلت