← Адаб

Адаб · id 8675

خزانة الأدب وغاية الأرب لابن حجة الحموي

الحموي، ابن حجة

Полный текст (986 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

خلق الحيوان، والتفكر في ذلك، مما يزيده يقينًا في معتقده الأول، وكذلك معرفة جزئيات العالم، من اختلاف الليل والنهار، وإنزال الرزق من السماء، وإحياء الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح يقتضي رجاحة العقل، ليعلم أن من صنع هذه الجزئيات هو الذي صنع العالم الكلي، بعد قيام البرهان على أن للعالم الكلي صانعًا مختارًا، فلذلك اقتضت البلاغة أن تكون فاصلة الآية الثالثة: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وإن احتيج للعقل في الجميع، إلا أن ذكره هنا أمتن بالمعنى من الأول، ويروى أن أعرابيًّا سمع شخصًا يقرأ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ﴾ ١ غفور رحيم فقال: ما ينبغي أن يكون الكلام هكذا. فقال: إن القارئ غلط، والقراءة ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ٣ فقال: نعم، هكذا تكون فاصلة هذا الكلام: فإنه لما عز حكم. وإذا تأملت فواصل القرآن وجدتها كلها لم تخرج عن المناسبة، كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ ٣ لا يجوز التبديل بينهما. إذ لا يجوز النهي عن انتهار اليتيم، لمكان تهذيبه وتأديبيه، وإنما ينهى عن قهره وغلبته، كما لا يجوز أن ينهر السائل، إذا حرم، بل يرده ردًا جميلًا. ويعجني قول ديك الجن: قولي لطيفك ينثني ... عن مضجعي عند المنام عند الرقاد، عند الهجوع، عند الهجود، عند الوسن. فعسى أنام فتنطفي ... نار تأجج في العظام في الفؤاد، في الضلوع، في الكبود، في البدن. جسد تقلبه الأكف ... على فراش من سقام من قتاد، من دموع، من وقود، من حزن. أما أنا فكما علمت فهل لوصلك من دوام ... من معاد، من رجوع، من وجود، من ثمن فهذه القوافي المثبتة، يقابل كل بيت بما يليق به منها، والأولى أولى وأرجح.

стр. 177

وبيت صفي الدين الحلي رحمه الله تعالى: عدمت صحة جسمي إذ وثقت بهم ... فما حصلت على شيء سوى الندم فلذكر عدمت، في صدر البيت، يليق أن تكون القافية العدم، ولذكر الصحة يليق أن تكون القافية السقم، ولذكر الوثوق يليق أن تكون القافية الندم، والبيت في غاية الرقة والانسجام. وبيت عز الدين: تخيير قلبي هوى السادات صح به ... عهدي وإني لحزني ثابت الألم أما تخير هذا البيت فإني تركته لأهل الذوق السليم، بل تخير البيت بكماله. ولم ينظم العميان في بديعيتهم هذا النوع. وبيتي [هو] : تخيروا لي سماع العذل وانتزعوا ... قلبي وزادوا نحولي مت من سقمي فسماع العذل يليق به السأم، وانتزاع القلب يليق به الألم، وزيادة النحول يليق بها السقم، وتقديم السقم هنا لقربه من النحول، ولم يدخل إلى هذا البيت، من الأجانب، قافية.

стр. 178

ذكر الإبهام: زاد إبهام عذلي عاذلي ودجا ... ليلي فهل من بهيم يشتفي ألمي١ الإبهام، بباء موحدة وهو أن يقول المتكلم كلامًا مبهمًا يحتمل معنيين متضادين، لا يتميز أحدهما عن الآخر، ولا يأتي في كلامه بما يحصل به التمييز فيما بعد، بل يقصد إبهام الأمر فيهما. والإبهام مختص بالفنون، كالمديح والهجاء وغيرهما، ولكن لا يفم من ألفاظه مدح ولا هجاء، بل يكون لفظه صالحًا للأمرين، ومثاله ما يحكى أن بعض الشعراء هنأ الحسن بن سهل باتصال ابنته بالمأمون، مع من هنأه، فأثاب الناس كلهم وحرمه، فكتب إليه. إن أنت تماديت على حرماني، عملت فيك بيتًا لا تعلم مدحتك فيه أو هجوتك. فاستحضره وسأله عن قوله، فاعترف وقال: لا أعطيك أو تفعل. فقال: بارك الله للحسن ... ولبوران في الختن٢ يا إمام الهدى ظفر ... ت ولكن ببنت من فلم يعلم ما أراد بقوله: ببنت من، في الرفعة أو في الصغر؟ واستحسن منه الحسن ذلك وناشده: أسمعت هذا المعنى أم ابتكرته؟ فقال: لا والله بل نقلته من شعر شاعر مطبوع، كثير العبث بهذا النوع اتفق أنه فضل قباء٣ عند خياط أعور اسمه زيد، فقال له

стр. 179

الخياط على طريق العبث به: سآتيك به لا تدري أقباء هو أم دواج١. فقال له الشاعر: إن فعلت ذلك لأعملن فيك بيتًا، لا يعلم أحد ممن سمعه، أدعوت لك أم دعوت عليك ففعل الخياط، فقال الشاعر: خاط لي زيد قباء ... ليت عينيه سواء فما علم أحد، أن الصحيحة تساوي السقيمة أو بالعكس، فاستحسن الحسن صدقه أضعاف استحسانه حذقه، وغالب الناس يسمون الخياط عمرًا ويقولون: خاط لي عمرو قباء ... ليت عينيه سواء ولكن نقل زكي الدين بن أبي الأصبع، في كتابه المسمى "بتحرير التحبير" أن الخياط كان اسمه زيدًا، وأورد البيت مصرعًا، مرفوع العروض والضرب، ووجه الرفع ظاهر فيهما. ولم يتفق للمتأخرين ولا للسلف من قبل، في هذا الإبهام، غير البيت المتعلق بالخياط زيد، والبيت المتعلق بالحسن بن سهل، وقد تقدم ذكرهما، وقد عززتهما بثالث لما وقفت على تاريخ زين الدين بن قرناص الحلبي ووجدته قريبًا من قباء زيد الخياط، فقلت: تاريخ زين الدين فيه عجائب ... وبدائع وغرائب وفنون فإذا أتاه مناظر في جمعه ... خبره عني إنه مجنون وكذلك الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته، وتبعه الشيخ عز الدين الموصلي، لأجل المناظرة، ويأتي الكلام على بيتيهما. وقد كشف عنه قناع الأشكال، وأبرزت بدوره المتحجبة في أفق الكمال، فإني كتبت فيه تقريضًا لم أرض بقراضة الذهب أن تكون له رملًا، ولا سبقني إليه أديب، ولا ولد منه على هذا الطريق شكلًا، وما ذاك إلا أنه ورد إلى الديار المصرية، وأنا منشئ دواوين الإنشاء المؤيدي خلد الله ملكه، الشيخ شمس الدين محمد بن نهاض الفقاعي في شهر شوال سنة ثمانية عشر وثمانمائة، وقد صنف سيرة مشتملة على نظم ونثر للسلطان الملك المؤيد، ولم يكن للمشار إليه إلمام بتعاطي الأدب في مبادي عمره، فسألني أن أكتب له عليها تقريظًا، قبل تقديمها فامتنعت من ذلك مدة، فدخل علي بمن

стр. 180

لا تمكن مخالفته، فحسنت له كتابة شيخنا القاضي بدر الدين بن الدماميني أولًا، فتوجه إليه فالتزم بالأيمان المغلظة، أنه لا يكتب له إلا إذا كتبت له، فلزمتني الكتابة من وجوه، فكتبت له هذا التقريظ الذي صلّت البلغاء خلفه، فإنه للمحاسن جامع، وأوضحت طريقه، فضاع٢ الذي كان من غير تورية ضائع، وهو: وقفت على قواعد الأدب من هذه السيرة الناهضة، فوجدت مطرب لحنها قد أعرب عن التنكيت لأهل النكت الأدبية، ونويت معها سلوك الأدب لاحتشامها بالصفات المؤيدية، فإنها ما قوبلت بأدب إلا تقوت بسلطانها، ولا جارتها سيرة مطولة إلا كانت قاصرة عن الجري في ميدانها، ولا ذكرت التواريخ المقدمة معها إلا تأخرت وكبت خلفها، ولا ناظرها ذو قصص إلا ثقل عليه أمرها ونظر إلى قصصه فاستخفها، ولا بالغ أهل التقاريض في تقاريضهم إلا وكانت دونها، واستحق له هذا الوصف في ذمة أهل الأدب فاستوفت منه ديونها، فلو نظر الصفدي إلى هذا التاريخ، وراجع النظر لسلخ جلده، أو تصفحه الكتبي لعدد على تاريخه وما عده، أو كاثره ابن كثير لرأي نقضه متزايدًا عنده، أو عاصره ابن خلكان لقال لم أمازج شراب الفقاعي، بخلي فإن عنده حمضة وبرده، أو لمحه الذهبي وموه بتاريخه لقيل له هذا، وما ينطلي معه، وعلم أن خلاصة الذهب تظهر بالسبك، فهضم من جانبه ووضعه، ولو أدركه البديع لرمى بديعه وعلم أنه بدعة، أو لحقه الوهراني، لرآه في المنام إن حصل له بعد مطالعته هجعة، نسب هذا التأليف إلى الدولة المؤيدية فصار له على كل أهل الأرض صوله، فلو ناظره مؤلف بمجلد لقلنا: هذا جراب الدولة تحمس في شعره، وتغالى فألقى لنا في سوق الكلام رخصه، ولو زايده أبو تمام لتحقق عجزه وأرانا بنفسه وقصه، نعم هذه الأشعار التي ما زاحمها شاعر بديوانه إلا تلت عليه بعد الزلزلة الواقعه، وتقوم القيامة وهي إلى الحشر مرمية على القارعة، ولقد أقام أوزانها بالقسط، ولكن رجحها على القيراطي بفضله، ونقص عنها الراجح الحلي، لأن فيها زيادة على مثله، فيا له من شعر قصر عن بحره الطويل كل معارض، وكيف لا وناظمه ذو همة علية وناهض وابن ناهض، وقد وقف ابن حجة وقوف معترف أن عنده في نظمه وقفه، وسيكتب المقر البدري على اعترافه أنه قاضي الأدب وإمامه الذي صلت البلغاء خلفه، وفتحت لعلماء الأدب هذا الباب، وأرجو أن يكون فتحًا مبينًا، فإن رضوني براعة بحسن الختام، وإذا حصل العلل من هذا النهر روينا، نعم وقفت وغير خاف عن علومهم الكريمة أن شرط الواقف مايهمل، وامتثلت

стр. 181

مراسيم المصنف مع سلوك الأدب الذي يذوقه من له فيه أعذب منهل، والله يجمعنا على هذا الشرب لتحلو موارده بالموارده, ولا يحجبنا عن الكلام الذي يحسن السكوت عليه وتتم به الفائدة. وكتب، بعد ذلك، سيدنا القاضي بدر الدين المشار إليه: وقفت أنا ولا أكاد أثبت نظري لشدة الخجل، وسألت المهلة في وصف هذه الألفاظ، فإذا هي قد جاءت على عجل، قلت: أما المقام الشريف الممدوح عز نصره، ولا زالت تفخر بدولته القاهرة مصره، فملك مد على الرعية جناح العدل، وحمى بيضة الإسلام، وتواردت على تجريح عدالته وتعديل صفاته السنة السيوف والأقلام، وسار على أقوم طريق، فأذكرنا السيرة العمرية، وطلع في سماء الكواكب كالبدر، فقل ما شئت في الطلعة القمرية، ودعا إلى نسك طاعته فلبته في ذلك الموقف النفوس، ونادى على أعدائه منادي الحتف فأرانا كيف يكون الترخيم بحفذ الرءوس، ناهيك بها مناقب سرّت القلوب، وسارت ونافست النجوم جواهر الألفاظ في مدحها فغارت، وشملت البرايا بالمن والمنح، وقابلت المسيء بالعفو والصفح، حماها الله تعالى من الغير، وجعل صفاتها الشريفة جمال الكتب والسير. وأما منشئ السيرة، فماذا أقول وقد رأيت الخطب جليلًا، وماذا أصف وقد حملني العجز عبئًا ثقيلًا، هو كبير أناس، مزمل١ من البلاغة بأنواع وأجناس، يأتم به الهداة كأنه علم، وتروم الأدباء المقايسة به فيقاسون ولكن من شدة الألم، له في الأدب صريمه وشهامه، وفراهة تجريه إلى المقامات الرائقة فلا تستريه سآمه٢، ما هم بتركيب معنى إلا وشرح الصدور بذلك الهم٣، ولا شن فارس فكره غارة إلا وتم منها على بيوت الشعراء ما تم. طالما أظهر برغم أنوف الحسدة في المجالس فضله، وصعبت الآداب على غيره لكنها أصبحت عليه سهله، وعقل غرائب نكته عما سواه فلله ما أبدع عقله، كدّر عيش الحلي بما ابتدعه من العجائب، ولا ينكر لمثله تكدير الصفي، واكتفى في ميدان البراعة بجواده فكره الذي جال وهو مكر مفر، وهكذا يكون المكتفي أتى في تاريخه بألفاظ ولو رآها ابن الأثير لتأثر، وابن سعيد لتعثر، وابن بسام لأصيب منها بالقارعة فعبس وتولى، أو الحجازي لرمي منها بالداهية التي هدمت ما بناه، وثقلت عليه حملًا، وكتب خطًّا لو لمحه ابن مقلة لأصيب منه بنظره، أو ابن البواب لهتك ستره، وجاء بأدب لو وازن أحد به الراجح الحلي، لما أقام له وزنًا ولا رجحه، ولو تأمل المليحي ملاحة لفظه الذي ما مر

стр. 182

مثله بالذوق إلا قال لسان التعجب ما أملحه، ولو قيس به ابن الرومي المتعاظم لأنشد الناظم: ولو أني بليت بهاشمي ... خؤولته بنو عبد المدان لهان عليَّ ما ألقى ولكن ... تعالوا وانظرو بمن ابتلاني ولو تشبه به مادح كافور١ لعاد من برده بكبد حرا، ولو كلف مجاراته صاحب القطر النباتي لقال: ربنا أفرغ علينا صبرًا، ولو تعرض ديك الجن لعزائمه في الأدب لما زادته إلا خبالا٢، ولرأى سطورًا تتوالد منها المعاني العجيبة والليالي كما علمت حبالى، ولو أصبح ابن قادوس فخارًا بمثل أدبه لقلنا له حسبه أن يدور في الدولاب، ولو تسرح الزغاري إلى تصيد معانيه الشاردة لقطعت عليه أذناب الكلاب، ولو تسلق المعمار عليها لعلم أنه ينحت من الجبال بيوتًا، ولو رآه أبو نواس لقال هذا الذي نقل الأدب خبرًا وعلم من أين يؤتى، ولو عورض به ابن مماتي لطال على قريحته الميتة النحيب، أو ذكر الصابي لقال الذوق السليم ليس لعصرنا من صاب سوى هذا الأديب، ولو أدرك آدابه الحكيم ابن دانيال لعلم أنه ما تخيل نظيرها في الوهم، ولا تصور مثلها في الخيال، وإذا كان الأمر كما قال حسان بن ثابت الأنصاري: وإنما الشعر عقل المرء يعرضه ... على البرية إن كَيَسًا وإن حمقًا فما أوفر عقل هذا الشاعر وأوفاه، وما أقدره على تخيل المعاني الغريبة وأقواه، وما أحمق من قاسه على قرنائه من هذه الصناعة التي تعاطاها بسواه، كم تصور معنى في الذهن فأبرزه في الخارج أغرب الأشياء أسلوبًا، وكم ركب جناسًا إذا ذكر البستي عنده قال الأدب دعنا من تركيبه للجناس مقلوبًا. ولقد كنت أرتجي بابًا أدخل منه للتقريض، ففتح لي المقر التقوي بابًا مرتجا، ونهج الطريق إلى المدح فاقتفيت آثاره واهتديت حيث رأيت منهجًا، أبقاه الله لإبهام يوضحه، وفساد عاجز يصلحه، والله تعالى يحفظ على منشئ هذه السيرة قريحته التي هل لعجائب الأدب حائزه، ويجعله ممن يسرح في رياض الصدقات الشريفة بما يسوقه إليه من وفور الجائزه.

стр. 183

وألح المصنف بعد ذلك على المقر المجدي فضل الله بن مكانس، فكتب: يا لطيف نظرت هذه السيرة التي يعرضه عنها المعارض، وينزو مؤلفها في رياض الأدب على بكر من سوام المعاني وفارض١. فوجدته قد نهض بعبء ثقيل من الكلام وقام، وأوقف البلغاء في مقام العجز، ويعذر العاجز، إذ شرفها بذكر مولانا السلطان في هذا المقام، خلد الله ملكه الشريف، وعم بعدله المبسوط مدائن فضل ذات ظل وريف، وجعل أيامه الزاهرة تواريخ السعود، ومغانم الوفود، ومواسم الكرم والجود، وثبت قواعد سلطانه على التخوم، ورفع جنابه المعظم على الأفلاك حتى تسير لخدمته ممنطقات بمناطق٣ النجوم، وأعز دولته عزًا يذل له الدبر والأملس٢، وتلبس أثوابه في الأرض، ويخص محله الرفيع من تلك الأفلاك بالأطلس٤، هنالك ينحني الهلال لتقبيل أقدامه، ويمتد كف الثريا لاستجداء صوب٥ غمامه، ويتضاءل كل منهما فيصير هذا نعل فرسه وهذا حلية لجامه، وملكه رقاب العباد، وأمضى أحكام سيوفه في رقاب أهل العناد، حتى يشهد الدين أنه قام بحقوقه نافلة٦ وفرضًا، وسعى في مراضي الله فزلزل ديار الكفار سماء وأرضًا، ضاعف الله ثواب عمله المقبول، وأنشد بشكره لسان العالم حتى ينطق ويقول: السيد الممالك الملك المؤيد سيـ ... ـف الدين شيخ حوى العليا وأرضاها وشيد الدين والدنيا ببيض ظبا ... إن لم تضاه به في الحرب أمضاها٧ ثم كررت النظر فيها، واستنهضت القلم للكتابة عليها حسب سؤال منشيها، فنكس القلم من الخجل رأسه، وصعد من صريره٨ أنفاسه، وقال: لست ممن يجيد في هذا التقريض عباره، ولا ينهض في وصل ما جاء به هذا الرجل من متين كلمه الذي أفحم الفحول فكأنما ألقمهم حجاره، فلقد ترفع قلمه في أرض قرطاسه وسما، وأتى من الرقيق بشيء يحسبه الظمآن ماء٩، وقذف الرعب في القلوب بذكر الوقائع فورمت خوفًا، وشكت

стр. 184

مما قذف بها ورمًا، فلو وازنه القيراطي لثقل في الحقيقة عليه، أو حام على حمى ابن أبي حجلة لفرّ طائرًا من بين يديه، أو جلا على ابن نباتة سلاف نظمه، لم يقل إليَّ، بكأسك الأشهى إليَّ، أو أورى زنده مع الشواء لأحرق قلبه، ولم يستحسن منه شيئًا أو عاصر ابن الساعاتي لم يلتذ بطيب المنام، أو جارى النصير الحمامي لألقى شعره في سرب الحمام، أو تقدم لزمان أبي تمام وناظره، لعلم الناس أنه غير لبيب، وقال له علماء البديع: هذا ضدك يا حبيب١، أو ابن حجاج لأظهر فساد عقله السخيف، ورمى بجميع ما قاله في الكنيف٢، فهو أولى منهم بما جره الفضل وجذب، وأحق وإن اشتهرت فضائلهم أن يشتهر بالأدب، فإنه لو كلف الغريب من القول لأتى به على كنهه، أو أقام الاعتذار عن قبيح لقام العذر عما جاء به وذهب على وجهه، ولو تصدى لتهجين٣ حسن، لزان بما يملأ الطروس من ذلك وشحن، أو حاجج بالباطل من يعرب عن الحق لنهض بحجته واستمر يلحن، فسبحان من أقدره على ما تقصر عن إدراكه الأفهام، وتعجز عن تصوره عقول الأنام. ولقد استعفاه القلم عن الكتابة خشية من عرض فضائحه، وسأله طيّ هذه الصحيفة خوفًا من نشر قيائحه٤، فأبى إلا إظهار المكتوم وفض المختوم، فيا خجلتاه لما كتب، ويا فضيحتاه إذا لام الفاضل على ما جاء به وعتب، ولكنه جرى خلف الجادين بالسابقين، واقتدى بإمامتهما التي اعترف الآفاق أنها ملأت الخافقين٥ أبقاهما الله مدى الزمان، وأسبغ عليهما غطاء الفضل، وبلغهما غاية الأماني يوم الخوف والأمان، وأمتع بجناب منشئها الأحباب، وأقر به أعين الإخوان، وبسط به أنفس الأصحاب، وألهمنا أجمعين تجنب ما خفي علينا من عوراتنا، وكشف حجب قلوبنا، بمنه وكرمه. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي: ليت المنية حالت دون نصحك لي ... فيستريح كلانا من أذى التهم هذا البيت ليس له نظير في هذا الباب، فإنه اشتمل على الرقة والسهولة والانسجام وما زاده حسنا إلا تقويته بليت، التي استعان بها الشاعر في إبهام بيته على زيد الخياط

стр. 185

فإن الشيخ صفي الدين لما قال لعاذله: ليت المنية حالت دون نصحك لي، حسن إبهامه بقوله: فيستريح كلانا من أذى التهم، وصار الأمر مبهمًا بينه وبين العاذل. وبيت الشيخ عز الدين، في بديعيته، يخاطب فيها العاذل: أبهمت نصحي مشيرًا بالأصابع لي ... ليت الوجود رمى الإبهام بالعدم وهذا الإبهام هنا يشار إليه بالأصابع، وتعقد عليه الخناصر، فإن الشيخ عز الدين رحمه الله تعالى أجاد فيه إلى الغاية، ولم يتفق له في نظم بديعيته بيت نظيره، ولا اتفق لغيره ممن نظم بديعية، فإنه جمع بين السهولة والانسجام والتصوير والتورية البارزة في أحسن القوالب، بتسمية نوع الإبهام الذي هو المقصود، ولعمري إنه بالغ في عطف القلوب بهذا السحر الحلال. ولم ينظم العميان في بديعيتهم هذا النوع، وبيت بديعيتي: وزاد إبهام عذلي عاذلي ودجا ... ليلي فهل من بهيم يشتفي ألمي فإن الإبهام هنا بين بهيم الليل وبين العاذل، فإن اشتراك البهيم صالح لهما، ولكن لم يحصل التمييز لأحدهما عن الآخر، كما وقع الشرط بين الأمر بينهما مبهمًا، ولا يعلم من هو المقصود منهما، وهذا هو الفرق بين الإبهام والتورية، إذ المراد من التورية المعنى البعيد المورى عنه بالقريب.

стр. 186

ذكر إرسال المثل: كم تمثلت إذ أرخوا شعورهم ... وقلت بالله خلوا الرقص في الظلم إرسال المثل نوع لطيف في البديع، ولم ينظمه في بديعيته غير الشيخ صفي الدين، وهو عبارة عن أن يأتي الشاعر، في بعض بيت، بما يجري مجرى المثل، من حكمة أو نعت أو غير ذلك مما يحسن التمثل به، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ ٤. ومما جاء من ذلك في السنة الشريفة، قوله ﷺ : "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين" وقوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" وقوله ﷺ : "خير الأمور أوساطها" وقوله ﷺ : "المرء مع من أحب" وقوله ﷺ : "المستشار مؤتمن وهو بالخيار ما لم يتكلم" وقوله ﷺ : "ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيهًا يوم القيامة" وقوله ﷺ : "البلاء موكل بالمنطق". وقد احتوى كتاب أبي أحمد العسكري على كثير من هذا الباب، ومن أمثلته في الشعر قول زهير: وهل ينبت الخطمي إلا وشيجة ... وتغرس إلا في منابتها النخل٥

стр. 187

ومثله قول النابغة: ولست بمتسبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب ومثله قول بشار: فعش واحدًا أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه١ وما أحلى ما قال بعده: إذا أنت لم تشرب مرارًا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه٢ قول أبي تمام: فلو صورت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطباع وكقوله: نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأوّل وذكر ابن أبي الأصبع، في كتابه المسمى "بتحرير التحبير" إنه استخرج أمثال أبي تمام من شعره، فوجدها تسعين نصفًا وثلثمائة بيت وأربعة وخمسين بيتًا، واستوعب أمثال أبي الطيب المتنبي، فوجدها مائة نصف وثلاثة وسبعين نصفًا وأربعمائة بيت، ولكنه أخرج من أمثال أبي الطيب ما ولده من أمثال أبي تمام، وصدر الجميع بما وقع في الكتاب العزيز من الأمثال، بزيادات على ذلك، وهي أمثال الأشعار السنية والحماسة وأمثال أبي نواس، بعد أن ألحق أمثال القرآن بأمثال دواوين الإسلام السنية، وختم الجميع بأمثال العامة في كتاب الأمثال له. ومما سار من أمثال الطغرائي، في لامية العجم، قوله: حب السلامة يثني عزم صاحبه ... عن المعالي ويغري المرء بالكسل لو أن في شرف المأوى منى ... لم تبرح الشمس يومًا دارة الحمل٣ أعلل النفس بالآمال أرقبها ... ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل وعادة النصل أن يزهى بجوهره ... وليس يعمل إلا في يدي بطل ما كنت أوثر أن يمتد بي زمني ... حتى أرى دولة الأوغاد والسفل٤

стр. 188

هذا جزاء امرئ أقرانه درجوا ... من قبله فتمنى فسحة الأجل وإن علاني من دوني فلا عجب ... لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل فاصبر لها غير محتال ولا ضجر ... في حادث الدهر ما يغني عن الحيل١ أعدى عدوك أدنى من وثقت به ... فحاذر الناس واصحبهم على دخل٢ وإنما رجل الدنيا وواحدها ... من لا يعول في الدنيا على رجل٣ يا واردا سؤر عيش كله كدر ... أنفقت صفوك في أيامك الأول٤ فيم اقتحامك لج البحر تركبه ... وأنت تكفيك منه مصة الوشل٥ ملك القناعة لا يخشى عليه ولا ... يحتاج فيه إلى الأنصار والخول٦ ترجو البقاء بدار لا بقاء لها ... فهل سمعت بظل غير منتقل ويا أمينا على الأسرار مطلعا ... اصمت ففي الصمت منجاة من الزلل٧ وممن سار في مجرى هذه القصيدة ووزنها، أبو الطيب المتنبي في قصيدته التي أولها: أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل ... دعا فلباه قبل الركب والإبل٨ وما صبابة مشتاق على أمل ... من اللقاء كمشتاق بلا أمل والهجر أقتل لي مما أراقبه ... أنا الغريق فما خوفي من البلل قد ذقت شدة أيامي ولذتها ... فما حصلت على صاب ولا عسل٩ خذ ما تراه ودع شيئًا سمعت به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل انظر إلى محاسن هذين الفحلين إلى الغاية التي تمثلا بها في الشمس وزحل، وتأخر سوابق الأفهام عن معرفة السابق منهما إلى الغاية، ومنها قوله: وقد وجدت مكان القول ذا سعة ... وإن وجدت لسانًا قائلًا فقل لعل عتبك محمود عواقبه ... فربما صحت الأجسام بالعلل

стр. 189

لأن حلمك حلم لا تكلفه ... ليس التكحل في العينين كالكحل١ وما ثناك كلام الناس عن كرم ... ومن يسد طريق العارض الهطل وقد عن لي أن أجمع هنا ما حلا بذوقي من أمثال أبي الطيب المتنبي، وإن كان فيها ما ولده من شعر أبي تمام، كما ذكره ابن أبي الأصبع، فإن القصد أن نصيرها عمدة لأهل الإنشاء إذا أوردوها في الوقائع التي تليق بها على اختلاف أنواعها، فمن ذلك قوله: إذا صديق نكرت جانبه ... لم تعيني في فراقه الحيل في سعة الخافقين مضطرب ... وفي بلاد من أختها بدل وقوله من قصيدة: أشد الغم عندي في سرور ... تيقن عنه صاحبه انتقالا ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرًّا به الماء الزلالا٢ وقوله من قصيدة: ذل من يغبط الذليل بعيش ... رب عيش أخف منه الحمام٣ كل حلم أتى بغير اقتدار ... حجة لاجئ إليها اللئام من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام خير أعضائنا الرءوس ولكن ... فضلتها بقصدك الأقدام وقوله: ما كل من طلب المعالي نافذًا ... فيها ولا كل الرجال فحولا تلف الذي اتخذ الجراءة خلة ... وعظ الذي اتخذ الفرار خليلا٤ وقوله: ومكايد السفهاء واقعة بهم ... وعداوة الشعراء بئس المقتنى ويعجبني قوله في الهجو، وهو مما نحن فيه: فلو كنت أمرأ تهجى هجونا ... ولكن ضاق قطر عن مسير٥

стр. 190

وقوله: فقر الجهول بلا لب إلى أدب ... فقر الحمار بلا رأس إلى رسن قد هوّن الصبر عندي كل نازلة ... ولين العزم خد المركب الخشن١ لا يعجبن مضيمًا حسن بزته ... وهل تروق دفينا جودة الكفن٢ وقال من أبيات قوله: عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا ... فلما دهتني لم تزدني بها علما وكنت قبيل الموت أستعظم النوى ... فقد صارت الصغرى التي كانت العظمى فلا عبرت بي ساعة لا تعزني ... ولا صحبتني مهجة تقبل الظلما وقوله أيضا: وأنا الذي أجتلب المنية طرفه ... فمن المطالب والقتيل القاتل أنعم ولذ فللأمور أواخر ... أبدًا كما كانت لهن أوائل للهو آونة تمر كأنها ... قبل تزودها حبيب راحل جمح الزمان فما لذيذ خالص ... مما يشوب ولا سرور كامل٣ وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضل٤ وقال في قصيدة، وهي أبلغ ما يكون في المدح: أعيا زوالك عن محل نلته ... لا تخرج الأقمار من هالاتها٥ وقال في قصيدة: وأشجع مني كل يوم سلامتي ... وما ثبتت إلا وفي نفسها أمر ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها ... فمفترق جاران دارهما عمر٦ ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر وأستكبر الأخبار قبل لقائه ... فلما التقينا صغر الخَبَرُ الخُبْرُ وإني رأيت الضر أحسن منظرًا ... وأهون من مرأى صغير به كِبر٧

стр. 191

ويعجبني من المديح منها "شعر": وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله ... ولكن لشعري فيك من نفسه وقال من قصيدة: وما ليل بأطول من نهار ... يظل بلحظ حسادي مشوبا ولا موت بأنقص من حياة ... أرى لهم معي فيها نصيبا عرفت نوائب الحدثان حتى ... لو انتسبت لكنت لها نقيبا١ وما أظرف ما قال منها: وشيخ في الشباب وليس شيخًا ... يسمى كل من بلغ المشيبا قسا فالأسد تفزع من يديه ... ورق فنحن نفزع أن يذوبا وقال من قصيدة، وهي التي ذكروا أنه ادعى فيها النبوة: ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد٢ وقال من قصيدة: قد كنت أشفق من دمعي على بصري ... فاليوم كل عزيز بعدكم هانا٣ إذا قدمت على الأهوال شيعني ... قلب إذا شئت أن يسلاكم خانا أبدو فيسجد من بالسوء يذكرني ... ولا أعاتبه صفحًا وأهوانًا وهكذا كنت في أهلي وفي وطني ... إن النفيس عزيز حيثما كانا٤ لا أشرئب إلى ما لم يفت طمعًا ... ولا أبيت على ما فات حسرانا٥ ولا أسر بما غير الحميد به ... ولو حملت إليَّ الدهر ملآنا وقوله من قصيدة: فما لي وللدنيا طلابي نجومها ... ومسعاي منها في شدوق الأراقم٦

стр. 192

من الحلم أن يستعمل الجهل دونه ... إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم١ ومن عرف الأيام معرفتي بها ... وبالناس روى سيفه غير راحم ولولا احتقاري الأسد شبهتها بهم ... ولكنها معدودة في البهايم٢ وكاد سروري لا يفي بندامتي ... على تركه في عمري المتقادم وقال من قصيدة: وأحسب أني لو هويت فراقكم ... لفارقكتم والدهر أخبث صاحب فيا ليت ما بيني وبين أحبتي ... من البعد ما بيني وبين المصائب٣ يهون على مثلي إذا رام حاجة ... وقوع العوالي دونها والقواضب٤ كثير حياة المرء مثل قليلها ... يزول وباقي عيشه مثل ذاهب بأي بلاد لم أجر ذوائبي ... وأي مكان لم تطأه ركائبي٥ وتخلص إلى مديح طاهر، ولكنه أتى في تخلصه بالعجائب، فقال: كأن رحيلي كان من كف طاهر ... فأثبت كوري في ظهور المواهب٦ ما يقول: أثبت كوري في ظهور المواهب، إلا المتنبي. ومن أبياته التي سارت أمثالا قوله: إذا غامرت في شرف مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم٧ فطعم الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم وكل شجاعة في المرء تغني ... ولا مثل الشجاعة في الحليم وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم٨ ولكن تأخذ الأسماع منه ... على قدر القرائح والفهوم

стр. 193

وقال من قصيدة: والهم يحترم الجسيم مخافة ... ويشيب ناصية الصبي ويهرم١ ذو العقل يشقى في النعيم بعلقه ... وأخو الجهالة في الشقاء منعم٢ لا تخدعنك ما عدو دمعة ... وارحم شبابك من عدوك تُرحم وما أعظم ما قال بعده: لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم والظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعلة لا يظلم ومن البلية عذل من لا يرعوي ... عن جهله وخطاب من لا يفهم٣ والذل يظهر في الذليل مودة ... وأودّ منه لمن يود الأرقم ومن العداوة ما ينالك نفعه ... ومن الصداقة ما يضر ويؤلم أفعالُ من تلد الكرام كريمة ... وفعال من تلد الأعاجم أعجم وقوله: كريشة بمهب الريح ساقطة ... لا تستقر على حال من القلق ويعجبني قوله من أبيات، يتمثل بها في كثيرة الإحسان المفرط: ولم تملل تفقدك الموالي ... ولم تذمم أياديك الجساما ولكن الغيوث إذا توالت ... بأرض مسافر كره المقاما وصار أحب ما يهدي إليه ... لغير قلى وداعك والسلاما٤ وقال: والغنى في يد اللئيم قبيح ... قدر قبح الكريم في الإملاق٥ وقال من قصيدة: وقد يتزيا بالهوى غير أهله ... ويستصحب الإنسان من لا يلائمه

стр. 194

بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيح ضاع في التراب خاتمه١ وما استغربت عيني فرقًا رأيته ... ولا علمتني غير ما أنا عالمه وقوله: وإذا كانت النفوس كبارًا ... تعبت في مرادها الأجسام وقال من قصيدة: إذا اعتاد الفتى خوض المنايا ... فأهون ما تمر به الوحول وقوله: رماني الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادي في غشاء من نبال٢ فصرت إذا أصابتني سهام ... تكسرت النصال على النصال وقوله: يراد من القلب نسيانكم ... وتأبى الطباع على الناقل ولو زلتم ثم لم أبككم ... بكيت على حبي الزائل وقوله: هل الولد المحبوب إلا تعلة ... وهل جلوة الحسناء إلا أذى البعل٣ وقد ذقت حلواء البنين على الصبا ... وفلا تحسبني قلت ما قلت عن جهل وما الدهر أهل أن تؤمل عنده ... حياة وإن يشتاق فيه إلى النسل وقال: إذا ما الناس جربهم لبيب ... فإني قد أكلتهم وذاقا وقوله: فما ترجّي النفوس من زمن ... أحمد حاليه غير محمود وقوله: ووجه البحر يعرف من بعيد ... إذا يسجو فكيف إذا يموج٤ وقال: ليس الجمال لأنف صاح مارنه ... أنف العزيز بقطع العز يجتدع٥ من كان فوق محل الشمس موضعه ... فليس يرفعه شيء ولا يضع٦ إن السلاح جميع الناس تحمله ... وليس كل ذوات المخلب السبع وقوله مفتخرًا: وإنا إذا ما الموت صرح في الوغى ... لبسنا إلى حاجاتنا الضرب والطعنا وقوله: أهم بشيء والليالي كأنها ... تطاردني عن كونه وأطارد وحيد من الخلان في كل بلدة ... إذا عظم المطلوب قل المساعد

стр. 195

ولكن إذا لم يحمل القلب كفه ... على حالة لم يحمل الكف ساعد منها: بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد وكل يرى طرق الشجاعة والندى ... ولكن طبع النفس للنفس قائد فإن قليل الحب بالعقل صالح ... وإن كثير الحب بالجهل فاسد وقوله: وما كل وجه أبيض بمبارك ... ولا كل جفن ضيق بنجيب١ كأن الردى عاد على كل ماجد ... إذا لم يعوذ مجده بعيوب٢ ولولا أيادي الدهر في الجمع بيننا ... غفلنا فلم نشعر له بذنوب فرب كئيب ليس تندى جفونه ... ورب كثير الدمع غير كئيب وفي تعب من يجحد الشمس ضوءها ... ويجهد أن يأتي لها بضريب٣ وقوله: ومن صحب الدنيا طويلا تقلبت ... على عينه حتى يرى صدقها كذبا ومن تكن الأسد الضواري جدوده ... يكن ليله صبحا ومطعمه غصبا٤ ولست أبالي بعد إدراكي بالعلا ... أكان تراثًا ما تناولت أم كسبا ويعجبني، من هذه القصيدة، قوله في مديح سيف الدولة وقد كسر الدمستق٥ على مرعش: أتى مرعشًا يستقرب البعد مقبلًا ... وأدبر إذ أقبلت تستبعد القربا كذا يترك الأعداء من يكره القنا ... ويقفل من كانت غنيمته رعبا مضى بعدما التف الرماحان ساعة ... كما يلتقي الهدب في الرقدة الهدبا ولكنه ولى وللطعن سورة ... إذا ذكرتها نفسه لمس الجنبا٦ فحب الجبان النفس أوردها البقا ... وحب الشجاع الحرب أوردها الخربا٧ وما أحلى ما قال بعده: ويختلف الرزقان والفعل واحد ... إلى أن ترى إحسان هذا لذا ذنبا

стр. 196

ومن أنصاف مطالعه التي يتمثل بها الناس: واحر قلباه ممن قلبه شبم١ ونصفه الثاني لأجل تمام شخص المطلع: ومن بجسمي وحالي عنده سقم ويعجبني من هذه القصيدة قوله، يخاطب سيف الدولة ويشير إليه أنه سمع فيه كلام الأعداء، وقد أحضرهم لمواجهته ولم يخرج عن إرسال المثل: يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنتم الخصم والحكم أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم٢ وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم ومما سار من أمثالها قوله: إذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا تظننن أن الليث مبتسم٣ يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم وبيننا لو رعبتم ذاك معرفة ... إن المعارف في أهل النهى ذمم٤ كم تطلبون لنا عيبًا فيعجزكم ... ويكره الله ما تأتون والكرم ومنها وليس لمثله مثيل إذا ترحلت عن قوم وقد قرروا ... أن لا نفارقهم فالراحلون هم وما أحلى ما قال بعده: شر البلاد مكان لا صديق به ... وشر ما يكسب الإنسان ما يصم٥ وقال من أبيات: وإن كان ذنبي كل ذنب فإنه ... محال الذنب كل المحو من جاء تائبا وقال من قصيدة: وما كمد الحساد شيئًا قصدته ... ولكنه من يزحم البحر يغرق٦ وإطراق طرف العين ليس بنافع ... إذا كان طرف القلب ليس بمطرق

стр. 197

وقوله: لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أروحانا سبلا وقوله: لا بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبنفسي فخرت لا بجدودي وما أحلى ما قال في غزلها: أي يوم سررتني بوصال ... لم ترُعني ثلاثة بصدود منها: أين فضلي إذا قنعت من الدهـ ... ـر بعيش معجل التنكيد١ عش عزيزًا أو مت وأنت كريم ... بين طعن القنا وخفق البنود٢ وقال من قصيدة: وعذلت أهل العشق حتى ذقته ... فعجبت كيف يموت من لا يعشق وقوله من قصيدة: تحقر عندي همتي كل مطلب ... ويقصر في عيني المدى المتطاول وما أحلى ما قال بعده: وما زلت طودا لا تزول مناكبي ... إلى أن بدت للضيم في زلازل٣ وله من قصيدة: ليس التعلل بالآمال من أربي ... ولا القناعة بالإقلال من شيمي٤ ولا أظن بنات الدهر تتركني ... حتى تسد عليها طرقها هممي وما ألطف ما قال منها: أرى أناسًا ومحصولي على غنم ... وذكر جود ومحصولي على الكلم لقد تصيرت حتى لات مصطبر ... فالآن أقحم حتى لات مقتحم٥

стр. 198

وقال: وكاتم الحب يوم البين منهتك ... وصاحب الدمع لا تخفى سرائره١ وقوله: إذا قيل رفقًا قال للحلم موضع ... وحلم الفتا في غير موضعه جهل وقال من قصيدة: فموتي في الوغى عيشي لأني ... رأيت العيش من أرب النفوس وقال من أخرى: إن ترمني بنكبات الدهر عن كثب ... ترمي أمرأ غير رعديد ولا نكس٢ وقال: خير الطيور على القوص وشرها ... يأوي الخراب ويسكن الناووسا٣ وقال أيضا: يخفي العداوة وهي خفية ... نظر العدو بما أسر يبوح وقال أيضًا: وهبني قلت هذا الصبح ليل ... أيعمى العالمون عن الضياء وقال أيضًا: وشغل النفس عن طلب المعالي ... يبيع الشعر في سوق الكساد ومنها: وما ماضي الشباب بمسترد ... ولا يوم يمر بمستعاد متى لحظت بياض الشيب عيني ... فقد وجدته منها في السواد وما العضب الطريف وإن تقوى ... بمنتصف من الكرم التلاد٤ فإن الجرح يدمي بعد حين ... غذا كان البناء على فساد وكيف يبيت مضطجعًا جبانٌ ... فرشت لجنبه شوك القتاد٥ وما أحلى قوله من قصيدة: إني وإن لمت حاسدي فما ... أنكر أني عقوبة لهم كفاني الذم أنني رجل ... أكرم مال ملكته الكرم وما أحلى ما قال بعده: يجني الغنى للئام لو عقلوا ... ما ليس يجني عليهم العدم وقال أيضًا: خليلك أنت لا من قلت خلي ... وإن كثر التجمل والكلام ولو لم يعل إلا ذو محل ... تعالى الجيش وانحط القتام٦

стр. 199

وما أحلى قوله منها: تلذ له المروءة وهي تؤذي ... ومن يعشق يلذ له الغرام ومما سار من أمثالها: لقد حسنت بك الأيام حتى ... كأنك في فم الدنيا ابتسام تروع ركانة وتذوب ظرفا ... فما ندري أشيخ أم غلام١ وقال من قصيدة: أظمتني الدنيا فلما جئتها ... مستمطرًا أمطرت عليّ مصائبا وقال منها: خذ من ثنائي عليك ما أستطيعه ... لا تلزمني في الثناء الواجبا٢ وقال من غيرها: ولمن لبه مع غيره كيف حاله ... ومن سره في جفنه كيف يكتم٣ وقوله: أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت ... وإذا نطقت فإنني الجوزاء٤ وإذا خفيت على الغبي فعاذر ... أن لا تراني مقلة عمياء٥ إن الكريم إذا أقام ببلدة ... سال النضار بها وقام الماء وقال من قصيدة: لا تعذل المشتاق في أشواقه ... حتى يكون حشاك في أحشائه وما أحلى ما قال بعده: إن القتيل مضرجًا بدموعه ... مثل القتيل مضرجًا بدمائه٦ وما أحلى ما قال من قصيدة: إذا ما قدرت على نطفة ... فإني على تركها أقدر أصرّف نفسي كما أشتهي ... وأمكلها والقنا أحمر

стр. 200

ويطربني من مديحها قوله منها أيضًا: كفتك المروءة ما تتقي ... وآمنك الود ما تحذر وقال: فلا تطمعن من حاسد في مودة ... وإن كنت تبديها له وتنيل١ يهون علينا أن تصاب جسومنا ... وتسلم أعراض لنا وعقول وقوله: وما أخصك في برء بتهنئة ... إذا سلمت فكل الناس قد سلموا وقال: ومن يجعل الضرغام للصيد بازه ... تصيده الضرغام فيما تصيدا٢ وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ... ومن لك بالحر يحفظ اليدا وما أحلى ما قال بعده: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى ويعجبني منها في افتخاره: وما الدهر إلا من رواة قصائدي ... إذا قلت شعرًا أصبح الدهر منشدا فسار به من لا يسير مشمرًا ... وغنى به من لا يغني مغردا ومن أمثالها: فدع كل صوت بعدي صوتي فإنني ... أنا الصائح المحكي والآخر الصدى٣ وقيدت نفسي في ذراك محبة ... ومن وجد الإحسان قيد تقيدا ولقد أجاد في مديحها بقوله: إذا سأل الإنسان أيامه الغنى ... وكنت على بعد جعلتك موعدا ومن الأمثال السائرة مطلع هذه القصيدة: لكل امرئ من دهره ما تعودا. وقال من قصيدة: وما التيه ظني فيهم غير أنني ... بغيض إلى الجاهل المتغافل٤

стр. 201

وقوله: وكيف يتم بأسك في أناس ... تصيبهم فيؤلمك المصاب وما ألطف ما قال بعده: ترفق أيها المولى عليهم ... فإن الرفق بالجاني عتاب١ وما تركوك معصية ولكن ... يعاف الورد والموت الشراب٢ وما جهلت أياديك البوادي ... ولكن ربما خفي الصواب وكم ذنب يولده دلال ... وكم بعد يولده اقتراب وجرم جره سفهاء قوم ... وحل بغير جارمه العذاب ومن مطالعه التي سارت أمثالًا: على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام الكرائم٣ ويعجبني من مديحها: إذا كان ما تنويه فعلًا مضارعًا ... مضى قبل أن تلقي عليه الجوازم وقفت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم٤ وقال من قصيدة: وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا ... إذا لم يكن فوق الكرام كرائم وقال من غيرها: وما الحسن في وجه الفتى شرف له ... إذا لم يكن في فعله والخلائق٥ وقال من قصيدة: وما في سطوة الأرباب عيب ... ولا في زلة العبدان عار٦

стр. 202

وقال من قصيدة: وإذا لم تجد من الناس كفؤًا ... ذاتُ خدر أرادت الموت بعلا وإذا الشيخ قال أف فما مل ... حياة وإنما الضعف ملا آلة العيش صحة وشباب ... فإذا وليا عن المرء ولى وما أحلى ما قال بعده: أ بدًا تسترد ما تهب الدنيـ ... ـيا فيا ليت جودها كان بخلًا وقال من قصيد: رب أمر أتاك لا تحمد الفعا ... ل فيه وتحمد الأفعالا وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا ومن أنصافها: هكذا هكذا وإلا فلا لا. وقال من قصيدة مطلعها: الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني ولربما طعن الفتى أقرانه ... بالرأي قبل تطاعن الأقران١ لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان ولما تفاضلت النفوس ودبرت ... أيدي الكماة عوالي المران٢ وإذا الرماح شغلن مهجة ثائر ... شغلته مهجته عن الإخوان وقال أيضًا: وإذا خامر الهوى قلب صب ... فعليه لكل عين دليل٣ وكثير من السؤال اشتياق ... وكثيرمن رده تعليل ما الذي عنده تدار المنايا ... كالذي عنده تدار الشمول٤ وقال من قصيدة: ومن تفكر في الدنيا ومهجته ... أقامه الفكر بين العجز والتعب

стр. 203

ومن مطالعه التي سارت أمثالًا: كفى بك داء أن ترى الموت شافيًا ... وحسب المنايا أن يكن أمانيا وقوله منها: إذا كنت ترضى أن تعيش بذلة ... فلا تستعدن الحسام اليمانيا وللنفس أخلاق تدل على الفتى ... أكان سخاء ما أتى أم تساخيا إذا الجود لم يرزق خلاصًا من الأذى ... فلا الحمد مكسوبًا ولا المال باقيا خلقت ألوفًا لو رددت إلى الصبا ... لفارقت شيبي موجع القلب باكيا ومن أنصافها السائرة: ومن قصد البحر استقلَّ السواقيا١ وقال أيضًا: فارم بي ما أردت مني فإني ... أسد القلب آدمي الرواء٢ وفؤادي من الملوك وإن كا ... ن لساني يرى من الشعراء وقال من قصيدة: فما الحداثة عن حلم بمانعة ... قد يوجد الحلم في الشبان والشيب٣ ويعجبني من مديحها: كأن كل سؤال في مسامعه ... قميص يوسف في أجفان يعقوب إذا اعترته أعاديه بمسألة ... فقد عرته بجيش غير مغلوب٤ وقال أيضًا: وأتعب خلق الله من زاد همه ... وقصر عما تشتهي النفس وجده فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده وما أحلى ما قال بعده: وفي الناس من يرضى بميسور عيشه ... ومركوبه رجلاه والثوب جلده ولكن قلبًا بين جنبي ما له ... مدى ينتهي بي في مراد أجده وقال: إذا حللت مكانا بعد صاحبه ... جعلت فيه على ما قبله تيها٥

стр. 204

وقوله: وما منزل اللذات عندي بمنزل ... إذا لم أبجل عنده وأكرّم١ منها: إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدق ما يعتاده من توهم وعادى محبيه بقول عداته ... وأصبح في ليل من الشك مظلم أصادق نفس المرء من قبل جسمه ... وأعرفها من فعله والتكلم وأحلم عن خلي وأعلم أنه ... متى أجزه حلمًا من الجهل يندم وما كل ناو للجميل بفاعل ... ولا كل فعال له بمتمم لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محب أو إساءة مجرم منها: رضيت بما ترضى به لي محبة ... وقدت إليك النفس قود المسلم وقوله: وإذا الحلم لم يكن في طباع ... لم يحلّم تقدم الميلاد٢ وإذا كان في الأنابيب خلف ... وقع الطيش في صدور الصعاد وقوله: وما الخيل إلا كالصديق قليلة ... وإن كثرت في عين من لا يجرب وكل امرئ يولي الجميل محبب ... وكل مكان ينبت العز طيب منها وأجاد إلى الغاية: وأظلم أهل الظلم من بات حاسدًا ... لمن بات في نعمائه يتقلب وقال من قصيدة: لا تلق دهرك إلا غير مكترث ... ما دام يصحب فيه روحك البدن فما يديم سرورًا ما سررت به ... ولا يرد عليك الفائت الحزن ما كل يتمنى المرء يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن رأيتكم لا يصون العرض جاركم ... ولا يدر على مرعاكم اللبن جزاء كل قريب منكم ملل ... وحظ كل محب منكم ضغن٣ وتغضبون على من نال رفدكم ... حتى يعاقبه التنغيص والمنن٤ وقال من قصيدة: ومراد النفوس أهو من أن ... تتعادى فيه وأن تتعانى

стр. 205

غير أن الفتى يلاقي المنايا ... كالحات ولا يلاقي الهوانا١ ولو أن الحياة تبقى لحي ... لعددنا أضلنا الشجاعانا وإذا لم يكن من الموت بد ... فمن العجز أن تكون جبانا٢ وله من قصيدة: ولله سر في علاك وإنما ... كلام العدا ضرب من الهذيان٣ وقال: لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يفقر والإقدام قتال وقال: ومن يجد الطريق إلى المعالي ... فلا يذر المطي بلا سنام٤ وما أحلى ما قال بعده: ولم أر في عيوب الناس نقصًا ... كنقص القادرين على التمام وملني الفراش وكان جنبي ... يمل لقاءه في كل عام ومن اختراعاته المختزنة قوله منها، ويشير إلى حمى أصابته وكانت تغشاه إذا أتى الليل وزائرتي كأن بها حياء ... فليس تزور إلا في الظلام بذلت لها المطارف والحشايا ... فعافتها وباتت في عظامي يضيق الجلد عن نفسي وعنها ... فتوسعه بأنواع السقام إذا ما فارقتني غسلتني ... كأنا عاكفان على حرام٥ كأن الصبح يطردها فتجري ... مدامعها بأربعة سجام٦ أراقب وقتها من غير شوق ... مراقبة المشوق المستهام وتصدق وعدها والصدق شر ... إذا ألقاك في الكرب العظام٧ فإن أمرض فما مرض اصطباري ... وإن أحمم فما حم اعتزامي وإن أسلم فما أبقى ولكن ... سلمت من الحُمام إلى الحمام ٨

стр. 206

وقوله: وللسر مني موضع لا يناله ... نديم ولا يفضي إليه شراب وما العشق إلا غرة وطماعة ... يمرض قلب نفسه فيُصاب١ أعز مكان في الدنا ظهر سابح ... وخير جليس في الزمان كتاب٢ منها في المديح قوله في كافور: تجاوز قدر المدح حتى كأنه ... بأحسن ما يثني عليه يعاب إذا نلت منك الود فالكل هين ... وكل الذي فوق التراب تراب وما أحلى ما قال بعده: وما كنت لولا أنت إلا مهاجرا ... له كل يوم بلدة وصحاب من اقتضى بسوى الهندي حاجته ... أجاب كل سؤال عن هل بلم٣ منها: ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة ... بين الرجال ولو كانوا ذوي رحم لا تشتكون إلى خلق فتشمتهم ... شكوى الجريح إلى العقبان والرخم٤ وكن على حذر للناس تستره ... ولا يغرك منهم ثغر مبتسم منها: أتى الزمان بنوه في شبيبته ... فسرهم وأتيناه على الهرم سبحان خالق نفسي كيف لذتها ... فيما النفوس تراه غاية الألم ومن أمثاله التي سارت في هجو كافور، قوله: العبد ليس لحر صالح بأخٍ ... لو أنه في ثياب الخز مولود٥ لا تشتر العبد إلا والعصى معه ... إن العبيد لأنجاس مناكيد٦

стр. 207

ما كنت أحسبني أبقى إلى زمن ... يسيء بي فيه كلب وهو محمود من علم الأسود المخصي مكرمة ... أقومه البيض أم آباؤه السود١ ومن أمثاله: ومن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه ما لا يرى ومن أنصافه التي سارت أمثالًا: ولا بد دون الشهد من إبر النحل. وقال من قصيدة: قد كنت أحذر بينهم من مثل ذا ... لو كان ينفع خائفًا أن يحذرا أعطي الزمان فما قبلت عطاءه ... وأراد بي فأردت أن أتخيرا وقال من قصيدة: وقد يتقارب الوصفان جدًّا ... وموصوفاهما متباعدان وقوله: نحن بنو الموتى فما بالنا ... نعاف ما لا بد من شربه تبخل أيدينا بأرواحنا ... على زمان هي من كسبه لو فكر العاشق في منتهى ... حسن الذي يسبيه لم يسبه يموت راعي الضأن في جهله ... موتة جالينوس في طبه وغاية المفرط في سلمه ... كغاية المفرط في حربه فلا قضى حاجته طالب ... فؤاده يخفق من رعبه وقال من قصيد: إذا اشتبكت دموع في خدود ... تبين من بكى ممن تباكى ولقد رأيت، هنا في هذا القدر الذي أوردته من شعر أبي الطيب، من إرسال المثل ما تطيب به الأذواق، وتجول به فرسان الإنشاء بالحمر من جياد الأقلام في ميادين الأوراق، وعلى كل تقدير فما لأبي الطيب في حكمه وأمثاله نظير. وهنا نكتة لطيفة وهي أن صلاح الدين الصفدي كان مذهبه تقديم أبي الطيب المتنبي على أبي تمام، وهو مذهب أبي العلاء المعري، فإنه سمى ديوانه بعدما شرحه معجز أحمد فاتفق أن صلاح الدين اجتمع بابن نباتة، بالديار المصرية وذاكره في أبي

стр. 208

الطيب وأبي تمام فوجده على مذهبه، واجتمعا بعد ذلك بالشيخ أثير الدين أبي حيان، وذاكراه في ذلك فقدَّم أبا تمام، فلاماه على ذلك، فقال أنا لا أسمع لومًا في حبيب. انتهى. ومذهبي في ذلك مذهب الشيخ صلاح الدين ومذهب الشيخ جمال الدين، وإن كان الشيخ أثير الدين ما سمع في حبيبه لومًا، وخالف من لامه فيه، وفند١ فمن المستحيل رجوع أبي بكر عن حب أحمد، وقد عن لي أن أورد هنا ما سارت في الخافقين حكمه وأمثاله، وانقاد أهل الذوق السليم لطاعته لما ورد عليهم مثاله، وهو تأليفي الذي وسمته "بتغريد الصادح" وما ذاك إلا أن سيدنا ومولانا قاضي القضاة صدر الدين بن الآدمي، نور الله ضريحه وجعل من الحريق المختوم غبوقه وصبوحه، كان يقول: أورد أن أنتزع من الصادق والباغم٢ أرجوزة مشتملة على أمثلة مرقصة وحكم بديعة، بشرط أن يكون البيت مسنجمًا مع الذي قبله والذي بعده، ولم يتيسر لي ذلك لصعوبة المسلك، انتهى. ولما قدر الله تعالى ما قدره من الاختفاء بدمشق، سنة ثلاث عشرة وثمانمائة عند حلول الملك الناصر بها، وأنا في خدمة المقر الأشرف القاضوي محمد بن البارزي الجهني الشافعي، صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية، كان الصادح والباغم بين كتبه فنظر فيه يومًا، وذكر قول قاضي القضاة صدر الدين، ورسم لي بذلك، فانتزعت له هذه الأرجوزة التي سارت غرر أمثالها، ولم يسمح الزمان لمؤلف بمثالها، ومن سافر فيها نظره وكان الذوق سليم رفيقه، علم أنها تضرب بها الأمثال على الحقيقة، وسميتها بتغريد الصادح، وصدرتها من نظمي بأبيات تقوم مقام الديباجة والخطبة هي: الحمد لله الذي هذبنا ... واختارنا للعلم إذ أدبنا فإن للآداب فضلًا يذكر ... فلا تخطاب كل من لا يشعر يا مدَّعي الحكمة في كلامه ... ومن يروم السحر في نظامه٣ خد حكمًا وكلها أمثال ... ليس لها في عصرنا مثال ألفها ابن حجة للنُجَبا ... لأن فيها رأس مال الأدبا٤ واختارها من مفردات الصادح ... فكان ذا من أكبر المصالح من كل بيت إن تمثلت به ... سكنت من سامعه في قلبه

стр. 209

وقد تهجمت على الشريف ... لكنني خاطبت بالمعروف وجئت من كلامه بنبذة ... تجلب للسامع كل لذة وترفع الأديب إن تمثلا ... بها إذا خاطب أرباب العلا من حكم تتبعها وصايا ... مقبولة من أحسن السجايا من أول وأوسط وآخر ... جمعتها جمع أديب شاعر حتى دنا البعيد للقريب ... وانتظم البديع بالغريب وانسجمت في جمعها أرجوزه ... بديعة غريبة وجيزه وكل من أنكر ما أحكمت في ... ترتيبها يكون غير منصف فلينظر الأصل ليعرف السبب ... ويعترف إن كان من أهل الأدب أول ما يرغب في استهلاله ... من نظمه المحكم في مقاله وهذا أوّل الصادح والباغم: العيش بالرزق وبالتقدير ... وليس بالرأي ولا التدبير في الناس من تسعده الأقدار ... وفعله جميعه إدبار ومن هنا يأتي هذا التأليف جميعه على هذا النمط، وما أردت بهذا التنبيه إلا يقظة المتأمل: من عرف الله أزال التهمة ... وقال كل فعله للحكمة من أنكر القضاء فهو مشرك ... إن القضاء بالعباد أملك ونحن لا نشرك بالله ولا ... نقنط من رحمته إذ نبتلى١ عار علينا وقبيح ذكر ... أن نجعل الكفر مكان الشكر وليس في العالم ظلم جاري ... إذ كان ما يجري بأمر الباري وأسعد العالم عند الله ... من ساعد الناس بفضل الجاه٢ ومن أغاث البائس الملهوفا ... أغاثه الله إذا أخيفا إن العظيم يدفع العظيما ... كما الجسيم يحمل الجسيما فإن من خلائق الكرام ... رحمة ذي البلاء والأسقام٣ وإن من شرائط العلو ... العطف في البؤس على العدو

стр. 210

وقد علمت واللبيب يعلم ... بالطبع لا يرحم من لا يرحم١ فالمرء لا يدري متى يمتحن ... فإنه في دهره مرتهن وإن نجا اليوم فما ينجو غدا ... لا يأمن الآفات إلا ذو الردى لا تغترر بالحفظ والسلامه ... فإنما الحياة كالمدامه والعمر مثل الكاس والدهر القذر ... والصفو لا بدّ له من الكدر انظر أيها المتأمل كيف اتبعت قوله: فإنما الحياة كالمدامه، بقوله: فالعمر مثل الكاس. وإذا نظرت إلى آخر البيت رأيت الاتفاق العجيب، منها: وكل إنسان فلا بد له ... من صاحب يحمل ما أثقله جهد البلاء صحبة الأضداد ... فإنها كي على الفؤاد٢ أعظم ما يلقى الفتى من جهد ... أن يبتلى في جنسه بالضد فإنما الرجال بالإخوان ... واليد بالساعد والبنان لا يحقر الصحبة إلا جاهل ... أو مارق عن الرشاد غافل٣ صحبة يوم نسب قريب ... وذمة يحفظه اللبيب وموجب الصداقة المساعده ... ومقتضى المودة المعاضده لاسيما في النوب الشدائد ... والمحن العظيمة الأوابد٤ فالمرء يحيى أبدا أخاه ... وهو إذا ما عد من أعداه وإن من عاشر قوما يوما ... ينصرهم ولا يخاف لوما وإن من حارب من لا يقوى ... لحربه جر إليه البلوى فحارب الأكفاء والأقرانا ... فالمرء لا يحارب السلطانا واقنع إذا حاربت بالسلامه ... واحذر فعالا توجب الندامة فالتاجر الكيس في التجاره ... من خاف في متجره الخساره٥ يجهد في تحصيل رأس ماله ... ثم يروم الربح باحتياله وإن رأيت النصر قد لاح لكا ... فلا تقصر واحترز أن تهلكا واسبق إلى الأجود سبق الناقد ... فسبقك الخصم من المكايد٦

стр. 211

وانتهز الفرصة إن الفرصة ... تصير إن لم تنتهزها غصة كم نظر الغالب يفترك ... عنه التوقي واستهان فهلك١ ومن أضاع جنده في السلم ... لم يحفظوه في لقاء الخصم وإن من لا يحفظ القلوبا ... يخذل حين يشهد الحروبا والجند لا يرعون من أضاعهم ... كلا ولا يحمون من أجاعهم وأضعف الملوك طرًّا عقدا ... من غره السلم فأقصى الجندا والحزم والتدبير روح العزم ... لا خير في عزم بغير حزم والحزم كل الحزم في المطاولة ... والصبر لا في السرعة المزاوله٢ وفي الخطوب تظهر الجواهر ... ما غلب الأيام إلا الصابر لا تيأسن من فرج ولطف ... وقوة تظهر بعد ضعف فربما جاء بعد الياس ... روح بلا كد ولا التماس٣ في لمحة الطرف بكاء وضحك ... وناجذ باد ودمع ينسفك٤ تنال بالرفق وبالتأني ... ما لم تنل بالحرص والتعني ما أحسن الثبات والتجلدا ... والحيرة والتبلدا ليس الفتى إلا الذي إن طرقه ... خطب تلقاه بصبر وثقه إذا الرزايا أقبلت ولم تقف ... فثم أحوال الرجال تختلف وكم لقيت لذة في زمني ... فاصبر الآن لهذي المحن فالموت لا يكون إلا مرة ... والموت أحلى من حياة مره إني من الموت على يقين ... فاجهد الآن لما يقيني٥ صبرًا على أهوالها ولا ضجر ... وربما فاز الفتى إذا صبر لا يجزع الحر من المصائب ... كلا ولا يخضع للنوائب فالحر للعبء الثقيل يحمل ... والصبر عند النائبات يجمل لكل شيء مدة وتنقضي ... ما غلب الأيام من رضي قد صدق القائل في الكلام ... ليس النهى بعظم العظام لا خير في جسامة الأجسام ... بل هو في العقول والأفهام فالخيل للحرب وللجمال ... والإبل للحمل والترحال

стр. 212

لا تحتقر شيئا صغيرا محتقر ... فربما أسالت الدم الإبر لا تحرج الخصم ففي إحراجه ... جميع ما تكره من لجاجه١ لا تطلب الفائت باللجاج ... وكن إذا كويت ذا إنضاج٢ فعاجز من ترك الموجودا ... طماعة وطلب المفقودا وفتش الأمور عن أسرارها ... كم نكتة جاءتك مع إظهارها لزمت للجهل قبيح الظاهر ... وما نظرت حسن السرائر ليس يضر البدر في سناه ... إن الضرير قض لا يراه كم حكمة أضحت بها المحافل ... نافقة وأنت عنها غافل ويغفلون عن خفي الحكمه ... ولو رأوها لأزالوا التهمه كم حسن ظاهره قبح ... وسمج عنوانه مليح٣ والحق قد تعلمه ثقيل ... يأباه إلا نفر قليل فالعاقل الكامل في الرجال ... لا ينثني لزخرف المقال إن العدو قوله مردود ... وقلما يصدق الحسود لا تقبل الدعوى بغير شاهد ... لا سيما إن كان من معاند أيؤخذ البريء بالسقيم ... والرجل المحسن باللئيم كذاك من يستنصح الأعادي ... يردونه بالغش والفساد٤ إنَّ أكلَّ من ترى أذهانا ... من حسب الإساءة الإحسانا٥ فادفع إساءة العدا بالحسنى ... ولا تخل يسراك مثل اليمنى وللرجال فاعلمن مكايد ... وخدع منكرة شدائد فالندب لا يخضع للشدائد ... قط ولا يغتاظ بالمكايد٦ فرقع الخرق بلطف واجتهد ... وامكر إذا لم ينفع الصدق وكد فهكذا الحازم إذ يكيد ... يبلغ في الأعداء ما يريد وهو بريء منهم في الظاهر ... وغيره مختصب الأظافر٧

стр. 213

والشهم من يصلح أمر نفسه ... ولو بقتل ولده وعرسه فإن من يقصد قلع ضرسه ... لم يعتمد إلا صلاح نفسه وإن من خص اللئيم بالندا ... وجدته كمن يربي أسدا١ وليس في طبع اللئيم شكر ... وليس في أصل الدنيء نصر وإن من ألزمه وكلفه ... ضد الذي في طبعه ما أنصفه كذاك من يصطنع الجهالا ... ويؤثر الأرذال والأنذال٢ لو أنكم أفاضل أحرار ... ما ظهرت بينكم الأسرار إن الأصول تجذب الفروعا ... والعرق دساس إذا أطيعا٣ ما طاب فرع أصله خبيث ... ولا زكا من مجده حديث قد يدركون رتبا في الدنيا ... ويبلغون وطرا من بغيا لكنهم لا يبلغون في الكرم ... مبلغ من كاب له فيها قدم وكل من تمايلت أطرافه ... في طيها وكرمت أسلافه كان خليقًا بالعلا وبالكرم ... وبرعت في أصله حسن الشيم٤ لولا بنو آدم بين العالم ... ما بان للعقول فضل العالم فواحد يعطيك فضلا وكرم ... فذاك من يكفره فقد ظلم وواحد يعطيك للمصانعة ... أو حاجة له إليك واقعه٥ لا تشرهن إلى حطام عاجل ... كم أكلة أودت بنفس الآكل واحذر أخي يا فتى من الشره ... وقس بما رأيته ما لم تره٦ فليس من قبل الفتى أو كرمه ... إفساد شخص كامل لقرمه٧ فالبغي داء ماله دواء ... ليس لملك معه بقاء والبغي فاحذره وخيم المرتع ... والعجب فاتركه شديد المصرع والغدر بالعهد قبيح جدًّا ... شر الورى من ليس يرعى العهدا

стр. 214

عند تمام الأمر يبدو نقصه ... وربما ضر الحريص حرصه وربما ضرك بعض مالكا ... وساءك المحسن من رجالكا فالمرء يفدي نفسه بوفره ... عساه أن ينجو به من أسره تمت، وختمها شيخنا ﵀ بقوله: لا تعطين شيئًا بغير فائده ... فإنها من السجايا الفاسده هذا الذي ألفته واخترته ... من رجز الشريف وانتخبته وحرمة الآداب يا أهل الأدب ... إن الشريف قد أتانا بالعجب قلنا جميعًا إذ سمعنا رجزه ... كم قد أتى محمد بمعجزه من كل بيت شطره قصيد ... وكلنا لبيته عبيد فرحمة الله له في الآخرة ... خاتمة مع الهبات الوافرة ثم الصلاة والسلام دائمًا ... على الذي للرسل جاء خاتمًا انتهى ما أوردته من أمثال أبي الطيب المتنبي، وأمثال الصادح والباغم، ولم أقصد بذلك إلا أخذ ما يحتاج المتأدب إليه، في إرسال المثل على أنواعه، خصوصًا أهل الإنشاء فإنه حلبة جولاتهم، وعمدة فرسانهم، وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته: رجوتكم نصحاء في الشدائد لي ... لضعف رشدي واستسمنت ذا ورم فقوله: استسمنت ذا ورم من الأمثال السائرة، ولم ينظم العميان في بديعيتهم هذا النوع، وبيت الشيخ عز الدين في بديعيته: أنوار بهجة إرسالها مثلًا ... يلوح أشهر من نار على علم فقوله: أشهر من نار على علم، من الأمثال السائرة، وبيتي: وكم تمثلت إذ أرخوا شعورهم ... وقلت: بالله خلوا الرقص في الظلم فالرقص في الظلم من الأمثال السائرة، ولكن قولي لهم بعد إرخاء الشعور: خلوا الرقص في الظلم، لا يخفى على الحذاق من أهل الأدب.

стр. 215

ذكر التهكم: ذل العذول بهم وجد فقلت له ... تهكما أنت ذو عز وذو شمم التهكم نوع عزيز في أنواع البديع، لعلو مناره، وصعوبة مسلكه، وكثرة التباسه بالهجاء في معرض المدح، وبالهزل الذي يراد به الجد، ويأتي الفرق بينهما بعد إيضاح حد. والتهكم، في الأصل، التهدم. يقال: تهكمت البئر، إذا تهدمت وتهكم عليه إذا اشتد غضبه، والمتهكم المحتقر. قال أبو زيد: تهكمت غضبت وتهكمت تحقرت، وعلى هذا يكون المتهكم لشدة الغضب قد أوعد بالبشارة، أو لشدة الكبر أو لتهاونه بالمخاطب قد فعل ذلك، فهذا أصله في الاستعمال. وفي المصطلح هو عبارة عن الإتيان بلفظ البشارة في موضع الإنذار، والوعد في مكان الوعيد، والمدح في معرض الاستهزاء، فشاهد البشارة في موضع الإنذار قوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ١ وشاهد المدح في معرض الاستهزاء بلفظ المدح، قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ قال الزمخشري: إن في تأويل قوله تعالى له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله تهكمًا، فإن المعقبات هم الحرس من حول السلطان يحفظونه، على زعمه، من أمر الله على سبيل التهكم، فإنهم لا يحفظونه من أمره في الحقيقة إذا جاء، والله أعلم. ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣ فقوله: إيمانكم تهكم.
следующие страницы →