← Адаб

Адаб · id 8675

خزانة الأدب وغاية الأرب لابن حجة الحموي

الحموي، ابن حجة

Полный текст (986 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وانتهز الفرصة إن الفرصة ... تصير إن لم تنتهزها غصة كم نظر الغالب يفترك ... عنه التوقي واستهان فهلك١ ومن أضاع جنده في السلم ... لم يحفظوه في لقاء الخصم وإن من لا يحفظ القلوبا ... يخذل حين يشهد الحروبا والجند لا يرعون من أضاعهم ... كلا ولا يحمون من أجاعهم وأضعف الملوك طرًّا عقدا ... من غره السلم فأقصى الجندا والحزم والتدبير روح العزم ... لا خير في عزم بغير حزم والحزم كل الحزم في المطاولة ... والصبر لا في السرعة المزاوله٢ وفي الخطوب تظهر الجواهر ... ما غلب الأيام إلا الصابر لا تيأسن من فرج ولطف ... وقوة تظهر بعد ضعف فربما جاء بعد الياس ... روح بلا كد ولا التماس٣ في لمحة الطرف بكاء وضحك ... وناجذ باد ودمع ينسفك٤ تنال بالرفق وبالتأني ... ما لم تنل بالحرص والتعني ما أحسن الثبات والتجلدا ... والحيرة والتبلدا ليس الفتى إلا الذي إن طرقه ... خطب تلقاه بصبر وثقه إذا الرزايا أقبلت ولم تقف ... فثم أحوال الرجال تختلف وكم لقيت لذة في زمني ... فاصبر الآن لهذي المحن فالموت لا يكون إلا مرة ... والموت أحلى من حياة مره إني من الموت على يقين ... فاجهد الآن لما يقيني٥ صبرًا على أهوالها ولا ضجر ... وربما فاز الفتى إذا صبر لا يجزع الحر من المصائب ... كلا ولا يخضع للنوائب فالحر للعبء الثقيل يحمل ... والصبر عند النائبات يجمل لكل شيء مدة وتنقضي ... ما غلب الأيام من رضي قد صدق القائل في الكلام ... ليس النهى بعظم العظام لا خير في جسامة الأجسام ... بل هو في العقول والأفهام فالخيل للحرب وللجمال ... والإبل للحمل والترحال

стр. 212

لا تحتقر شيئا صغيرا محتقر ... فربما أسالت الدم الإبر لا تحرج الخصم ففي إحراجه ... جميع ما تكره من لجاجه١ لا تطلب الفائت باللجاج ... وكن إذا كويت ذا إنضاج٢ فعاجز من ترك الموجودا ... طماعة وطلب المفقودا وفتش الأمور عن أسرارها ... كم نكتة جاءتك مع إظهارها لزمت للجهل قبيح الظاهر ... وما نظرت حسن السرائر ليس يضر البدر في سناه ... إن الضرير قض لا يراه كم حكمة أضحت بها المحافل ... نافقة وأنت عنها غافل ويغفلون عن خفي الحكمه ... ولو رأوها لأزالوا التهمه كم حسن ظاهره قبح ... وسمج عنوانه مليح٣ والحق قد تعلمه ثقيل ... يأباه إلا نفر قليل فالعاقل الكامل في الرجال ... لا ينثني لزخرف المقال إن العدو قوله مردود ... وقلما يصدق الحسود لا تقبل الدعوى بغير شاهد ... لا سيما إن كان من معاند أيؤخذ البريء بالسقيم ... والرجل المحسن باللئيم كذاك من يستنصح الأعادي ... يردونه بالغش والفساد٤ إنَّ أكلَّ من ترى أذهانا ... من حسب الإساءة الإحسانا٥ فادفع إساءة العدا بالحسنى ... ولا تخل يسراك مثل اليمنى وللرجال فاعلمن مكايد ... وخدع منكرة شدائد فالندب لا يخضع للشدائد ... قط ولا يغتاظ بالمكايد٦ فرقع الخرق بلطف واجتهد ... وامكر إذا لم ينفع الصدق وكد فهكذا الحازم إذ يكيد ... يبلغ في الأعداء ما يريد وهو بريء منهم في الظاهر ... وغيره مختصب الأظافر٧

стр. 213

والشهم من يصلح أمر نفسه ... ولو بقتل ولده وعرسه فإن من يقصد قلع ضرسه ... لم يعتمد إلا صلاح نفسه وإن من خص اللئيم بالندا ... وجدته كمن يربي أسدا١ وليس في طبع اللئيم شكر ... وليس في أصل الدنيء نصر وإن من ألزمه وكلفه ... ضد الذي في طبعه ما أنصفه كذاك من يصطنع الجهالا ... ويؤثر الأرذال والأنذال٢ لو أنكم أفاضل أحرار ... ما ظهرت بينكم الأسرار إن الأصول تجذب الفروعا ... والعرق دساس إذا أطيعا٣ ما طاب فرع أصله خبيث ... ولا زكا من مجده حديث قد يدركون رتبا في الدنيا ... ويبلغون وطرا من بغيا لكنهم لا يبلغون في الكرم ... مبلغ من كاب له فيها قدم وكل من تمايلت أطرافه ... في طيها وكرمت أسلافه كان خليقًا بالعلا وبالكرم ... وبرعت في أصله حسن الشيم٤ لولا بنو آدم بين العالم ... ما بان للعقول فضل العالم فواحد يعطيك فضلا وكرم ... فذاك من يكفره فقد ظلم وواحد يعطيك للمصانعة ... أو حاجة له إليك واقعه٥ لا تشرهن إلى حطام عاجل ... كم أكلة أودت بنفس الآكل واحذر أخي يا فتى من الشره ... وقس بما رأيته ما لم تره٦ فليس من قبل الفتى أو كرمه ... إفساد شخص كامل لقرمه٧ فالبغي داء ماله دواء ... ليس لملك معه بقاء والبغي فاحذره وخيم المرتع ... والعجب فاتركه شديد المصرع والغدر بالعهد قبيح جدًّا ... شر الورى من ليس يرعى العهدا

стр. 214

عند تمام الأمر يبدو نقصه ... وربما ضر الحريص حرصه وربما ضرك بعض مالكا ... وساءك المحسن من رجالكا فالمرء يفدي نفسه بوفره ... عساه أن ينجو به من أسره تمت، وختمها شيخنا ﵀ بقوله: لا تعطين شيئًا بغير فائده ... فإنها من السجايا الفاسده هذا الذي ألفته واخترته ... من رجز الشريف وانتخبته وحرمة الآداب يا أهل الأدب ... إن الشريف قد أتانا بالعجب قلنا جميعًا إذ سمعنا رجزه ... كم قد أتى محمد بمعجزه من كل بيت شطره قصيد ... وكلنا لبيته عبيد فرحمة الله له في الآخرة ... خاتمة مع الهبات الوافرة ثم الصلاة والسلام دائمًا ... على الذي للرسل جاء خاتمًا انتهى ما أوردته من أمثال أبي الطيب المتنبي، وأمثال الصادح والباغم، ولم أقصد بذلك إلا أخذ ما يحتاج المتأدب إليه، في إرسال المثل على أنواعه، خصوصًا أهل الإنشاء فإنه حلبة جولاتهم، وعمدة فرسانهم، وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته: رجوتكم نصحاء في الشدائد لي ... لضعف رشدي واستسمنت ذا ورم فقوله: استسمنت ذا ورم من الأمثال السائرة، ولم ينظم العميان في بديعيتهم هذا النوع، وبيت الشيخ عز الدين في بديعيته: أنوار بهجة إرسالها مثلًا ... يلوح أشهر من نار على علم فقوله: أشهر من نار على علم، من الأمثال السائرة، وبيتي: وكم تمثلت إذ أرخوا شعورهم ... وقلت: بالله خلوا الرقص في الظلم فالرقص في الظلم من الأمثال السائرة، ولكن قولي لهم بعد إرخاء الشعور: خلوا الرقص في الظلم، لا يخفى على الحذاق من أهل الأدب.

стр. 215

ذكر التهكم: ذل العذول بهم وجد فقلت له ... تهكما أنت ذو عز وذو شمم التهكم نوع عزيز في أنواع البديع، لعلو مناره، وصعوبة مسلكه، وكثرة التباسه بالهجاء في معرض المدح، وبالهزل الذي يراد به الجد، ويأتي الفرق بينهما بعد إيضاح حد. والتهكم، في الأصل، التهدم. يقال: تهكمت البئر، إذا تهدمت وتهكم عليه إذا اشتد غضبه، والمتهكم المحتقر. قال أبو زيد: تهكمت غضبت وتهكمت تحقرت، وعلى هذا يكون المتهكم لشدة الغضب قد أوعد بالبشارة، أو لشدة الكبر أو لتهاونه بالمخاطب قد فعل ذلك، فهذا أصله في الاستعمال. وفي المصطلح هو عبارة عن الإتيان بلفظ البشارة في موضع الإنذار، والوعد في مكان الوعيد، والمدح في معرض الاستهزاء، فشاهد البشارة في موضع الإنذار قوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ١ وشاهد المدح في معرض الاستهزاء بلفظ المدح، قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ قال الزمخشري: إن في تأويل قوله تعالى له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله تهكمًا، فإن المعقبات هم الحرس من حول السلطان يحفظونه، على زعمه، من أمر الله على سبيل التهكم، فإنهم لا يحفظونه من أمره في الحقيقة إذا جاء، والله أعلم. ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٣ فقوله: إيمانكم تهكم.

стр. 216

ومن التهكم في السنة الشريفة، قوله ﷺ : "بشر مال البخير بحادث أو وارث". وشاهد المدح في موضع الاستهزاء، من النظم، قول ابن الذروي في ابن أبي حصينة من أبيات: لا تظنن حدبة الظهر عيبًا ... فهي في الحسن من صفات الهلال وكذاك القسي محدودبات ... وهي أنكى من الظبا والعوالي١ وإذا ما علا السنام ففيه ... لقروم الجمال أي جمال٢ وأرى الانحناء في مخلب البا ... زي ولم يعد مخلب الريبال٣ كوّن الله حدبة فيك إن شئت ... من الفضل أو من الأفضال فأتت ربوة على طود علم ... وأتت موجة ببحر نوال ما رأتها النساء إلا تمنت ... أن غدت حلية لكل الرجال وما أحلى ما ضمنها بقوله: وإذا لم يكن من الهجر بد ... فعسى أن تزوروني في الخيال وقول ابن الرومي: فيا له من عمل صالح ... يرفعه الله إلى أسفل وقيل إن أظرف ما نظم في التهكم قول حماد عجرد: فيا ابن طرح يا أخا ... الحلس ويا ابن القتب٤ ومن نشا والده ... بين الربا والكثب يا عربي يا عربي ... يا عربي يا عربي وهذا النوع، أعني التهكم، ذكر ابن أبي الأصبع في كتابه "تحرير التحبير" أنه من مخترعاته، ولم يره في كتب من تقدمه من أئمة البديع، والعميان لم ينظموه في بديعيتهم.

стр. 217

وقنع الشهاب محمود، في كتابه المسمى بـ"حسن التوسل" من أشجار معاليه بالشميم فإنه ذكر بعض شواهده، ولم يأت له بحد تمشي الأفهام فيه على صراط مستقيم، ولكن ابن أبي الأصبع أزال بكارة أشكاله، وكان أبا عذرته وأرضع الأذواق لبان فهمه، وكان فارس حلبته، وقال: الفرق بينه وبين الهزل الذي يراد به الجد: أن التهكم ظاهره جد وباطنه هزل، وهو ضد الأول، لأن الهزل الذي يراد به الجد يكون ظاهره هزلًا وباطنه جدا. وذكر بعضهم الفرق بين التهكم والهجاء في معرض المدح، فقال: الفرق بينهما التصريح بلفظة في الآخر يخالف معناها معنى الالتزام في الكلام الأول، وهو في هذا دون الأول. والشيخ صفي الدين نظم التهكم في بديعيته، ولكن ما أسكن بيته قرينة صالحة لبيانه، ولا غردت حمائم الإيضاح على أفنانه، وبيته: محضتني النصح إحسانا عليَّ بلا ... غش وقلدتني الإنعام فاحتكم ولم يظهر لي من هذا البيت غير صريح المدح والشكر، ولم أجد فيه لفظة تدل على الحقارة والاستهزاء، ولا على البشارة في موضع الإنذار، ولا على الموعد في موضع الوعيد، ولم يشر في بيته إلى نوع من هذه الأنواع، وقد تقدم أن العميان لم ينظموه في بديعيتهم، وبيت الشيخ عز الدين: لقد تهكمت فيما قد منحتك من ... قولي بأنك ذو عز وذو كرم فالشيخ عز الدين ذكر في بيته أنه تهكم على العذول، لما خاطبته بلفظ العز والكرم، ولكنه لم يأت بصيغة التهكم وبيتي: ذل العذول بهم وجدًا فقلت له ... تهكما أنت ذو عز وذو شمم فخطاب العذول هنا بلفظ العز والشمم بعد وقوف العاذل في موقف الذل هو التهكم بعينه.

стр. 218

ذكر المراجعة: قال اصطبر قلت صبري ما يراجعني ... قال احتمل قلت من يقوى لصدهم المراجعة ليس نحتها كبير أمر، ولو فوض إليَّ حكم في البديع ما نظمتها في أسلاك أنواعه، وذكر ابن أبي الأصبع أنها من اختراعاته، وعجبت من مثله كيف قربها إلى الذي استنبطه من الأنواع البديعية الغريبة، كالتهكم والافتنان والتدبيج والهجاء في معرض المدح والاشتراك والألغاز والنزاهة، ومنهم من سمى هذاالنوع، أعني المراجعة، السؤال والجواب، وهو أن يحكي المتكلم مراجعة في القول، ومحاورة في الحديث بينه وبين غيره، بأوجز عبارة وأرشق سبك، وألطف معنى، وأهس لفظ، إما في بيت واحد أو في أبيات، كقول عمر بن أبي ربيعة: بينما ينعتنني أبصرنني ... مثل قيد الرمح يعدو بين الأغر١ قالت الكبرى ترى من ذا الفتى ... قالت الوسطى لها هذا عمر٢ قالت الصغرى وقد تيمتها ... قد عرفناه وهل يخفى القمر٣

стр. 219

قال ابن أبي الأصبع، لما أورد هذه الأبيات، واستشهد بها على النوع، في كتابه المسمى بـ "تحرير التحبير": إن هذا الشاعر عالم بمعرفة وضع الكلام في مواضعه، وما ذاك إلا أن قوافي الأبيات لو أطلقت لكانت مرفوعة، وأما بلاغته في الأبيات فإنه جعل التي عرفته وعرَّفت به وشبهته تشبيها يدل على شغلها به، هي الصغرى، ليظهر بدليل الالتزام أنه فتى السن إذ الفتية من النساء لا تميل إلا إلى الفتى من الرجال غالبًا، وختم قوله بما أخرجه مخرج المثل السائر موزونا، ولا يقال إنما مالت الصغرى إليه دون أختيها لضعف عقلها وقلة تجريبها، فإني أقول: إنه تخلص من هذا المدخل بكونه أخبر أن الكبرى التي هي أعقلهن، ما كانت رأته قبل ذلك، وإنما كانت تهواه على السماع، فلما رأته وعلمت أنه ذلك الموصوف لها، أظهرت من وجدها به على مقدار عقلها، ما أظهرت من سؤالها عنه، ولم تتجاوز ذلك وقنعت بالسؤال عنه، وقد علمته بلذة السؤال وبسماع اسمه، وأظهرت تجاهل العارف الذي موجبه شدة الوله، والعقل يمنعها من التصريح، وأما الوسطى فسارعت إلى تعريفه باسمه العلم فكانت دون الكبرى في الثبات، وأما الصغرى فمنزلتها في الثبات دون الأختين، لأنها أظهرت في معرفة وصفة ما دل على شدة شغفها به، فكل ذلك وإن لم يكن كذلك فألفاظ الشاعر تدل عليه. انتهى كلام ابن أبي الأصبع. ومن جيد أمثلة هذا النوع قول أبي نواس: قال لي يومًا سليما ... ن وبعض القول أشنع١ قال صفني وعليا ... أينا أبقى وأنفع قلت إني إن أقل ما ... فيكما بالحق تجزع قال كلا قلت مهلا ... قال قل لي قلت فاسمع قال صفه قلت يعطي ... قال صفني قلت تمنع ومثله قول البحتري: بت أسقيه صفوة الراح حتى ... وضع الرأس مائلا يتكفا٢ قلت عبد العزيز تفديك نفسي ... قال لبيك قلت لبيك ألفا هاكها قال هاتها قلت خذها ... قال لا أستطيعها ثم أغفى٣

стр. 220

وعلماء البديع أجمعوا على استحسان قول وضاح اليمن، من أبيات: قالت ألا لا تلحن دارنا ... إن أبانا رجل غائر١ قلت فإني طالب غرة ... منه وسيفي صارم باتر قلت فإن البحر ما بيننا ... قلت فإني سابح ماهر قالت فإن القصر عالي البنا ... قلت فإني فوقه طائر قالت أليس الله من فوقنا ... قلت بلى وهو لنا غافر قالت فقد أعييتنا حيلة ... فأت إذا ما هجع السامر٢ واسقط علينا كسقوط الندى ... ليلة لا ناه ولا آمر وظريف هنا قول بعضهم: قلت لقدأشمت بي حُسّدي ... مذ بحت بالسر لهم معلنا قلت أنا قالت وإلا فمن ... قلت أنا قالت وإلا أنا وهي أبيات طويلة جميعها على هذا المنوال منسوج، ولكن اكتفيت بالتمثيل منها على هذا القدر. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي: قالوا اصطبر قلت صبري غير متبع ... قالوا اسلهم قلت وذي غير منصرم٣ ولم ينظم العميان في بديعيتهم هذا النوع، وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته: راجعت في القول إذ أطلقت سلوتهم ... قال اسلهم قلت سمعي عنك في صمم والمراجعة إن لم تتكرر، لم يبق لها في القلوب حلاوة، ولا يطبق اسمها مسماه، وقد تقدم قول الشاعر وتكراره في قوله: قلت أنا قالت وإلا فمن ... قلت أنا قالت وإلا أنا وعز الدين لم يكرر مراجعته، ولم يأت بها إلا في مكان واحد، والذي أقوله إنه ما

стр. 221

صده عن ذلك إلا اشتغاله بتسمية النوع، ولكن ليته لو دخل إلى سوق الرقيق، وبيت بديعيتي: قال اصطبر قلت صبري ما يراجعني ... قال احتمل قلت من يقوى لصدهم وهذا البيت متعلق ببيت التهكم الذي قبله، وهو البيت المبني على خطاب العاذل وهو: ذا العذول بهم وجدا فقلت له ... تهكما: أنت ذو عز وذو شمم

стр. 222

ذكر التوشيح: توشيحهم بملا تلك الشعور إذا ... لفوه طيا يعرفنا بنشرهم اتفق علماء البديع على أن التوشيح: أن يكون معنى أول الكلام دالًا على لفظ آخره، ولهذا سموه التوشيح فإنه ينزل فيه المعنى منزلة الوشاح، وينزل أول الكلام وآخره منزلة محل الوشاح من العاتق والكشح اللذين يجول عليهما الوشاح، وهذا النوع فرَّعه١ قدامة من ائتلاف القافية، مع ما يدل عليه سائر البيت، وقال فيه: التوشيح هو أن يكون في أول البيت معنى، إذا فهم فهمت منه قافية البيت، بشرط أن يكون المعنى المقدم بلفظه، من جنس معنى القافية بلفظه. وأورد ابن أبي الأصبع في "تحرير التحبير" من أعظم الشواهد على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٢ فإن في معنى اصطفاء المذكورين، ما يعلم منه الفاصلة، لأن المذكورين نوع من جنس العالمين. ومن الأمثلة الشعرية، قول الراعي النميري: فإن وزن الحصى ووزنت قومي ... وجدت حصى ضريبتهم رزينا٣ فإن السامع إذا فهم أن الشاعر أراد المفاخرة برزانة الحصى، وتحقق أن القافية

стр. 223

مجردة مطلقة رويها النون، وحرف إطلاقها الألف، ورأى في صدر البيت ذكر الزنة، تحقق أن تكون القافية رزينًا ليس إلا. ومن عجائب أمثلة هذا النوع ما حكي عن عمر بن أبي ربيعة أنه أنشد عبد الله بن العباس ﵄: تشط١ غدًا دار جيراننا. فقال له عبد الله: وللدار بعد غد أبعد فقال عمر: هكذا والله قلت: فقال عبد الله بن العباس: وهكذا يكون. ويقرب من هذه القصة قصة عديّ بن الرقاع، حين أنشد الوليد بن عبد الملك، بحضرة جرير والفرزدق، قصيدته التي مطلعها: "عرف الديار توهمًا فاعتادها" حتى انتهى إلى قوله: "تزجي أغن كأن إبرة روقه٢". ثم شغل الوليد عن الاستماع، فقطع عدي الإنشاد، فقال الفرزدق لجرير: ما تراه يقول! فقال جرير: أراه يستلب بها مثلًا. فقال الفرزدق: إنه سيقول: قلم أصاب من الدواة مدادها. فلما عاد الوليد إلى الاستماع، وعاد عدي إلى الإنشاء، قال البيت: فقال الفرزدق: والله لما سمعت صدر بيته رحمته، فلما أنشد عجزه انقلبت الرحمة حسدًا. قال زكي الدين بن أبي الأصبع: الذي أقوله إن بين ابن العباس وبين الفرزدق، في استخراجهما العجزين، كما بينهما في مطلق الفضل، وفضل ابن عباس ﵄ معلوم، وأنا أذكر الفرق: فإن بيت عدي بن الرقاع من جملة قصيدة تقدم مطلعها مع معظمها، وعلم أنها دالية مردفة بألف، وهي من وزن قد عرف، ثم تقدم في صدر البيت ذكر ظبية تسوق خشفًا لها، قد أخذ الشاعر في تشبيه طرف قرنه بالقلم في سواده، وهذه القرائن لا تخفى على أهل الذوق الصحيح أن فيها ما يدل على عجز البيت، بحيث يسبق إليه من هو دون الفرزدق من حذاق الشعراء، وبيت عمر بيت مفرد لم تعلم قافيته من أي ضرب هي من القوافي، ولا رويه من أي الحروف، ولا حركة رويه من أي الحركات، فاستخراج عجزه ارتجالًا في غاية العسر ونهاية الصعوبة، لولا ما أمد الله تعالى به هؤلاء الأقوام من المواد التي فضلوا بها عن غيرهم، انتهى كلام ابن أبي الأصبع. وبين التوشيح والتصدير فرق ظاهرمثل الصبح، ولم يحصل الالتباس إلا لكون كل منهما يدل صدره على عجزه، والفرق أن دلالة التصدير لفظية، ودلالة التوشيح معنوية،

стр. 224

والفرق بين التوشيح والتمكين أيضًا أن الوشيح قد تقدم أنه لا بد أن يتقدم قافيته معنى يدل عليها، والتمكين بخلاف ذلك. والعميان لم ينظموا أنواع التوشيح في بديعيتهم، وبيت صفي الدين: هم أرضعوني ثدي الوصل حالفة ... فكيف يحصل منها حال منفطمي١ فقصيدة صفي الدين قد علم أنها ميمية، وقد مر على السامع منها عدة أبيات، وقد صدر بيت التوشيح بذكر الرضاع والثدي، فما يخفى أن تكون القافية منفطمًا إلا على كل أجنبي من هذا العلم. ولقد برز في حسن هذا التركيب باستجلاب الرقة على من تقدمه. وبيت الشيخ عز الدين: نومي وعقلي بتوشيح الهوى سلبا ... فبت صبًّا بلا حُلم ولا حِلم قال في شرحه: الهوى وشحني برداه غطاني، فسلب نومي وعقلي فصرت بلا حلم ولا حلم. وهذه عبارته بنصها. وبيتي: توشيحهم بملا تلك الشعور إذا ... لفوه طيا يعرفنا بنشرهم هذ النوع أعني التوشيح يفتقر الناظم إلى قدح زناد الفكر في سبك معانيه، مع الملكة والبسطة في علم الأدب وحسن التصرف، لا سيما إذا التزم بتسمية النوع، وأبرز التسمية منتظمة في سلك التورية من جنس الغزل، فتسمية النوع هنا قد عرفت والإتيان في هذا البيت بلفظة الملا، هو الذي رشح جانب التوشيح الجائل على العاتق والكشف، وأما توشيح الهوى في بيت الشيخ عز الدين، فلم ينسج على منوال مقبول، لأن استعارة الوشاح للهوى المقصور الذي هو الغرام، لم يفهم منها شيء يقرب من التشبيه، فإن علماء البديع قالوا: الاستعارة هي ذكر الشيء باسم غيره، وإثبات ما لغيره له لأجل المبالغة في التشبيه. وعلى هذا التقدير تكون استعارة الملا للشعور، في حالة توشيح الأحباب بها، هي الاستعارة التي يستعار منها المحاسن الأدبية، فإن حسن التشبيه قد غازل بعيون كماله غزلها، والتصريح في البيت، بلفظ اللف والنشر والطي، يعرفه من له أدنى ذوق، مع أني ما اكتفيت بذلك حتى قلت بعد اللف والطي: تعرفنا، وتعرفنا فيها الاشتراك بين المعرفة والعرف، فإذا تقرر أن القافية ميمية، ما يتصور في ذوق أن تكون القافية غير نشرهم، وقد اجتمع في هذا البيت من أنواع البديع: التورية، وحسن الاستعارة، والترشيح، والمطابقة، والبسط، والانسجام، والتمكين، والسهولة، والتوشيح الذي هو العمدة. والله أعلم بالصواب.

стр. 225

ذكر تشابه الأطراف: شابهت أطراف أقوالي فإن أهم ... أهم إلى كل واد في صفاتهم١ هذا النوع الذي سموه تشابه الأطراف، هو أيضًا مثل المراجعة التي تقدمت، ليس في كل منهما كبير أمر. وتالله ما خطر لي يومًا، ولا حسن في الفكر أن ألحق طرفًا من تشابه الأطراف بذيل من أبيات شعري ولكن شروع المعارضة ملتزم، وتشابه الأطراف هو أن يعيد الناظم لفظة القافية في أول البيت الذي يليها، وهذا النوع كان اسمه التسبيغ، بسين مهملة وغين معجمة، وإنما ابن أبي الأصبع قال: هذه التسمية غير لائقة بهذا المسمى، فسماه تشابه الأطراف، فإن الأبيات فيه تتشابه أطرافها. وأحسن ما وقع في هذا النوع، قول أبي نواس: خزيمة خير بني خازم ... وخازم خير بني دارم ودارم خير تميم وما ... مثل تميم في بني آدم ولما كان هذا النوع لا يأتي إلا في بيتين، والشيخ عز الدين لما التزم أن يأتي به، لأجل التورية بالتسمية، في بيت واحد، شطر البيت شطرين، وجعل كل شطر بمنزلة بيت كامل، وأعاد لفظ القافية في الشطر الثاني، فجاء به في غاية اللطف. فإن الشيخ صفي الدين أورد قبله بيت الاكتفاء، ويأتي الكلام عليه في موضعه، وإنما المراد هنا معرفة تشابه الأطراف، وهو: قالوا ألم تدر أن الحب غايته ... سلب الخواطر والألباب قلت لم لم أدر قبل هواهم والهوى حرم ... أن الظباء تحل الصيد في الحرم

стр. 226

تشابه الأطراف بين لم ولم، في آخر البيت الأول وأول الثاني. وبيت الشيخ عز الدين: أطرافك اشتبهت قولًا متى تلم ... تلم فتى زائد البلوى فلم يلم أما قوله أطرافك اشتبهت يضيق الكلام فيه. وبيت بديعيتي: شابهت أطراف أقوالي فإن أهم ... أهم إلى كل واد في صفاتهم والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم، ويا ليتني كنت معهم.

стр. 227

ذكر التغاير: أغاير الناس في حب الرقيب فمذ ... أراه أبسط آمالي بقربهم التغاير: سماه قوم التطلف، وهو أن يتطلف الشاعر بتوصله إلى مدح ما كان قد ذمه، هو أو غيره. فأما مدح الإنسان ما ذمه غيره، فإن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أتى فيه بما يمتزج صافي مشربه بالأرواح، وينقلنا ببديع بلاغته من الإبهام إلى الإيضاح. فمن ذلك خطبته التي مدح فيها الدنيا، مغايرًا لأمثاله في ذمها، حيث قال: أيها الذام للدنيا، المغتر بغرورها، بم تذمها، أنت المتجرئ عليها أم هي المتجرئة عليك، متى استهوتك أم متى غرتك، أبمصارع آبائك من البلى، أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى، كم عللت ولديك، وكم مرضت والديك تبغي لهم الشفاء وتستوصف لهم الأطباء، لم ينفع أحدهم إشفاقك، ولم تشف لهم بطبك، ولم تدفع عنهم بقوتك، قد مثلت لك بهم الدنيا نفسك، وخيلت لك بمصرعهم مصرعك، إن الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، ودار موعظة لمن اتعظ بها، مسجد أحباب الله، ومصلى ملائكته، ومهبط وحي الله، ومتجر أوليائه، اكتسبوا منها الرحمة، وربحوا منها الجنة، فمن ذا يذمها وقد أدّبت بنيها ونادت بفراقها ونعت نفسها وأهليها، فمثلت لهم ببلائها البلى، وشوقتهم بسرورها إلى السرور، وراحت بعافية، وابتكرت بفجيعة، ترغيبًا وترهيبًا، فذمها رجال غداة الندامة، وحمدها آخرون ذكرتهم الدنيا فذكروا، وحدثتهم فصدقوا، ووعظتهم فاتعظوا: ونظم ابن أبي الأصبع معاني هذه الخطبة فقال:

стр. 228

من يذم الدنيا بظلم فإني ... بطريق الإنصاف أثني عليها وعظتنا بكل شيء وإنا ... حين جدت بالوعظ من مصطفيها نصحتنا فلم نر النصح نصحًا ... حين أبدت لأهلها ما لديها أعلمتنا أن المال يقينًا ... للبلى حين جددت عصريها١ كم أرتنا مصارع الأهل والأحباب ... لو نستفيق يومًا إليها يوم بؤس لهما ويوم رخاء ... فتزود ما شئت من يوميها وتيقن زوال ذاك وهذا ... تسل عما تراه من حادثيها دار زاد لمن تزود منها ... وغرور لمن يميل إليها مهبط الوحي والمصلى الذي كم ... عفرت صورة بها خديها٢ متجر الأولياء قد ربحوا الجنة ... منها وأوردوا عينيها رغبت ثم رهبت ليرى ... كل لبيب عقباه في حالتيها وإذا انصفت تعين أن يثـ ... ـني عليها ذو البر من ولديها فأما من ذم ما مدحه الناس قاطبة، فابن الرومي، فإنه ذم الورد وهو مشهور، ووصف البحتري يوم الفراق بالقصر، وقد أجمع الناس على طوله، فقال: ولقد تأملت الفراق فلم أجد ... يوم الفراق على امرئ بطويل قصرت مسافته على متزود ... منه لوهن صبابة وغليل٣ وهذا النوع، أعني المغايرة، أورده الحريري في المقامة الدينارية، وبالغ في مدح الدينار وذمه، فقال في مدحه: أكرم به أصفر راقت صفرته ... جواب آفاق ترامت سفرته٤ مأثورة سمعته وشهرته ... قد أودعت سر الغنى أسرته وقارنت نجح المساعي خطرته ... وحببت إلى الأنام غرته كأنما من القلوب نقرته ... به يصول من حوته صرته٥

стр. 229

وإن تفانت أو توانت عشرته ... يا حبذا نضاره ونضرته وحبذا مغناته ونصرته ... كم آمر به استتبت أمرته ومترف لولاه دام حسرته ... وجيش هم هزمته كرَّته وبدر تم أنزلته بدرته ... ومستشيط تتلظلى جمرته١ أسرَّ نجواه فلانت سرته ... وكم أسير أسلمته أسرته أنقذه حتى صفت مسرته ... وحق مولى أبدعته فطرته لولا التقى لقلت جلت قدرته وقال في ذمه: تبًا له من خادع مماذق ... أصفر ذي وجهين كالمنافق٢ يبدو بوصفين لعين الرامق ... زينة معشوق ولون عاشق٣ وحبه عند ذوي الحقائق ... يدعو إلى ارتكاب سخط الخالق لولاه لم تقطع يمين سارق ... ولا بدت مظلمة من فاسق ولا اشمأز باخل من طارق ... ولا شكا الممطول مطل العائق ولا استعيذ من حسود راشق ... وشر ما فيه من الخلائق أن ليس يغني عنك في المضائق ... إلا إذا فر فرار الآبق٤ واهًا لمن يقذفه من حالق ... ومن إذا ناجاه نجوى الوامق٥ قال له قول المحق الصادق ... لا رأي في وصلك لي ففارق ومن المغايرة، تفضيل القلم على السيف، إذ المعتاد عكس ذلك، كقول ابن الرومي: إن يخدم القلم السيف الذي خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأمم٦ فالموت والموت لا شيء يعادله ... ما زال يتبع ما يجري به القلم كذا قضى الله في الأقلام إذ بريت ... إن السيوف لها منذ أرهفت خدم ٧

стр. 230

وغاير المتنبي ذلك وقال: حتى رجعت وأقلامي قوائل لي ... المجد للسيف ليس المجد للقلم والمغايرة هنا مليحة، لكن المعنى مأخوذ من قول أبي تمام: السيف أصدق إنباء من الكتب، والمعنى في قول أبي تمام أبلغ، فإن ابن أبي الأصبع قال: لم يرض أبو تمام أن يقول السيف أصدق إنباء من القلم، حتى قال من الكتب التي لا تكتب إلا بالأقلام والدواة والقرطاس، والكاتب المطلق اليد واللسان والجنان، فالحظ الفرق بينه وبين كلام المتنبي. انتهى كلام ابن أبي الأصبع. وقد عن لي هنا أن أرفع للمتأخرين في التقديم رأيه، ليعلم المنكر الفرق بين البداية والنهاية، فإن الشيخ جمال الدين أظهر في المغايرة بين السيف والقلم ما صدق به قول القائل١: وإني وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل من ذلك قوله، في رسالة المفاخرة بينهما والمغايرة في مدح كل واحد منهما وذمه: فبرز القلم بإفصاحه ونشط لارتياحه، ورقي من الأنامل على أعواده وقام خطيبًا بمحاسنة في حلة مداده، والتفت إلى السيف فقال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ ٢ الحمد لله الذي علم بالقلم، وشرفه بالقسم، وخط به ما قدر وقسم، وصلى الله على سيدنا محمد الذي قال: "جف القلم بما هو كائن"، وعلى آله وصحبه ذوي المجد المبين وكل مجد بائن، صلاة واضحة السطور، فائحة من أدراج الصدور، ما نقلت صحف البحار غواديها، وكتبت أقلام النور على مهارق٣ الدياجي حكمة باريها، أما بعد. فإن القلم منار الدين والدنيا، ونظام الشرف والعليا، ومجاديح ٤ سحب الخير إذا احتاجت الهمم إلى السقيا، ومفتاح باب اليمن المجرب إذا أعيا، وسفير الملك المحجب وعذيق٥ الملك المرجب٦، وزمام أموره السائرة، وقادمة أجنحة الطائرة،

стр. 231

ومطلق أرزاق عفاته١ المتواترة، وأنملة الهدى المشيرة إلى ذخائر الدنيا والآخرة، به رقم كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل، وسنة نبيه ﷺ التي تهذب الخواطر الخواطل٢، فبينه وبين من يفاخره الكتاب والسنة، وحسبه ما جرى على يده الكريمة من منه، وفي مراضي الدول عونة للشائدين، ويعين الله في ليالي النفس تقلب وجهه في الساجدين. إن نظمت فرائد العلوم فإنما هو سلكها، وإن علت أسرة الكتب فإنما هو ملكها، وإن رقمت برود البيان فإنما هو جلالها، وإن تشعبت فنون الحكم فإنما هو أمانها ومآلها، وإذا انقسمت أمور الممالك فإنما هو عصمتها وثمالها، وإن اجتمعت رعايا الصنائع فإنما هو إمامها المتلفع بسواده، وإن زخرت بحار الأفكار فإنما هو المستخرج دررها من ظلمات مداده، وإن وعد أوفى بجنب النفع، وإن أوعد أخاف كأنما يستمد من النقع٣. هذا وهو لسان الملوك المخاطب، ورسيلها لأبكار الفتوح والخاطب، والمنفق في تعمير دولها ومحصول أنفاسه، والمتحمل أمورها الشاقة على عينه وراسه، والمتيقظ لجهاد أعدائها والسيف في جفنه نائم، والمجهز لبأسها وكرمها جيشي الحروب والمكارم، والجاري بما أمر الله من العد والإحسان، والمسود الناصر فكأنما هو لعين الدهر إنسان، طالما ذب عن حرمها فشد الله أزره، ورفع ذكره، وقام في المحامات عن دينها أشعث أغبر، لو أقسم على الله لأبره، وقاتل على البعد والصوارم في القرب، وأوتي من معجزات النبوة نوعًا من النصر بالرعب، وبعث جحافل السطور فالقسي دالات، والرماح ألفات، واللامات لامات، والهمزات كواسر الطير التي تتبع الجحافل، والأتربة عجاجها المحمر من دم الكلى والمفاصل، فهو صاحب فضيلتي العلم والعلم، وساحب ذيلي الفخار في الحرب والسلم، لا يعاديه إلا من سفه نفسه، ولبس لبسه وطبع على قلبه، وفل الجدال من غربه٤، وخرج في وزن المعارضة عن ضربه. وكيف يعادي من إذا كرع في نفسه٥ قيل: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ٦، وإذا ذكر شانئه٧ السيف قيل:

стр. 232

﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ١ أقول قولي هذا وأستغفر الله من الشرف وخيلائه، والفخار وكبريائه، وأتوكل على الله فيما حكم، وأسأله التدبير فيما جرى به من القلم، ثم أكتفي بما ذكره من أدواته، وجلس على كرسي دواته، متمثلًا بقول القائل: قلم يفل الجيش وهو عرموم ... والبيض ما سلت من الأغماد٢ وهبت له الآجام حين نشابها ... كرم السيول وضولة الآساد٣ فعند ذلك نهض السيف قائمًا عجلًا، وتلمظ٤ لسانه للقول مرتجلًا، وقال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ... وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز﴾ ٥ الحمد لله الذي جعل الجنة تحت ظلال السويف، وشرَّع حدها في ذوي العصيان فأغصَّتهم بماء الحتوف، وشيد مراتب الدين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص٦ وعقد مرصوف٧، وأجناهم من ورق حديدها الأخضر ثمار نعيمها الدانية، وصلى الله على سيدنا محمد هازم الألوف، وعلى آله وصحبه الذين طالما محوا بريق بريق الصوارم سطور الصفوف، صلاة عاطرة في الأنوف، حالية بها الأسماع كالشنوف٨، وسلم. أما بعد، فإن السيف زند الحق الوري وزنده القوي٩ وحده الفارق بين الرشيد والغوي، والنجم الهادي إلى العز وسبيله، والثغر الباسم عن تباشير فلوله، به أظهر الله الإسلام وقد جنح خفاء، وجلى شخص الدين الحنيفي وقد جمح جفاء، وأجرى سيوفه بالأباطح، فأما الحق فمكث والباطل فذهب جفاء١٠، وحملته اليد الشريفة النبوية، وخصته على الأقلام بهذه المزية، وأوضحت به للحق منهاجًا، وأطلعته في ليالي النقع والشك سراجًا وهاجًا، وفتحت باب الدين بمصباحه حتى دخل فيه الناس أفواجًا، فهو ذو

стр. 233

الرأي الصائب، وشهاب العزم الثاقب، وسماء العز التي زينت من آثاره بزينة الكواكب، والحد الذي كأنه ماء دافق يخرج، عند قطع الأجساد، من بين الصلب والترائب١، لا تجحد آثاره، ولا ينكر قراره، إذا اشتبت في الدجى والنقع ناره، يجمع بين الحالتين البأس والكرم، ويصاغ في طوق الحليتين، فهو إما طوق في نحور الأعداء وإما خلخال في عراقيب٢ أهل النقم، ويحسم به أهواء الفتن المضلة، ويحذف بهمته الجازمة حروف العلة، وإذا انحنى في سماء القتام بالضرب، فقل يسألونك عن الأهلة، فهو القوي الاستطاعة، الطويل المغمر إذا قصف سواه في ساعة، فما أولاه بطول الإحسان، وما أجمل ذكره في أخبار المعمرين ومقاتل الفرسان، كأن الغيث في غمده للطالب المنتجع، وكأنه زناد يستضاء به، إلا أن دفع الدماء شرره الملتمع، كم قد مد فأدرك الطلاب، ودعا النصر بلسانه المحمر من أثر الدماء فأجاب، وتشعبت الدول لقائم نصره المنتظر، وحازت أبكار الفتوح بحده الذكر، وغدت أيامها به ذات حجول معلومة وغرر٣، وشدت به الظهور، وحمدت علائقه في الأمور، واتخذته الملوك حرزًا لسلطانها، وحصنًا على أوطانها وقطانها٤، وجردته على صروف الأقدار في شأنها، وندب فما أعيت عليه المصالح، وباشر اللمم، فهو على الحقيقة بين الهدى والضلال، فرق واضح، وأغاث في كل فصل فهو إما لغمده سعد الأخبية، وإما لحامله سعد السعود وإما لضده سعد الذابح، يجلس على رءوس الأعداء قهرًا، ويشرح أنباء الشجاعة قائلًا للقلم: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ ٥، وهل يفاخر من وقف الموت على بابه، وعضت الحرب الضروس بنابه، وقذفت شياطين القراع بشهبه، ومنح آيات شريفة منها طلوع الشمس من غربه، ومنها أن الله أنشأ برقه، فكان للمارد مصرعًا وللرائد مرتعًا ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ ٦ كم اتخذ من جسد طرسًا، وكتب عليه حرفًا لا ينسى فيه للألباب عبرة، وللأذهان السابحة غمرة بعد غمرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم من لفظ يجمح، ورأي إلى الخصام يجنح.

стр. 234

ولسانه يحوجه اللدد١ إلى أن يخرج فيجرح، وأتوكل عليه في صد الباطل وصرفه، وأسأله الإعانة على كل باحث عن حتفه بظلفه ثم اختفى في بعض الخمائل، وتمثل بقول القائل: سل السيف عن أصل الفخار وفرعه ... فإني رأيت السيف أفصح مقولا فلما وعى القلم خطبته الطويلة الطائلة٢، ونشطته الجليلة الجائلة، وفهم كتابته وتلويحه وتعريضه بالذم وتصريحه، وتعديله في الحديث وتجريحه٣، واستغاث باللفظ النصير، واحتد وما أدراك ما حدَّة حده القصير وقام في دواته وقعد، واضطرب على وجه القرطاس وارتعد، وعدل إلى السب٤ الصراح، ورأى أنه إن سكت تكلم ولكن بأفواه الجراح، فانحرف إلى السيف وقال: أيها المعتز بطبعه، المغتر بلمعه، الناقض حبل الإنس بقطعه، الناسخ بهجيره من ظلال العيش فيأ السراب الذي ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ ٥ الحبيس الذي طالما عادت عليه عوائد شره الكمين، الإبليس الذي لو أمر بالسجود لقال ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ ٦ أتعرض بسبي، وتتعرض لمكايد حربي ألست ذا الخدع البالغة، والحرب خدعة، والمنن النافعة، ولا خير فيمن لا تبغي الأنام نفعه، ألست المسود٧ الأحق بقول القائل: نفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الجود والإقداما٨ أتفاخرني وأنا للوصل وأنت للقطع، وأنا للعطاء وأنت للمنع، وأنا للصلح وأنت للضراب، وأنا للعمارة وأنت للخراب، وأنا المعمر وأنت المدمر، وأنت المقلد وأنا صاحب التقليد، وأنت العابث وأنا المجود ومن أولى من القلم بالتجويد، فما أقبح شبهك، وما أشنع يومًا ترى فيه العيون وجهك، أعلى مثلي يشق٩ القول، ويرفع

стр. 235

الصوت والصول١، وأنا ذو اللفظ المكين، وأنت ممن دخل تحت قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ٢ فقد تعديت حدك، وطلبت ما لم تبلغ به جهدك، هيهات أنا المنتصب لمصالح الدول وأنت في الغمد طريح، والمتعب في تمهيدها وأنت غافل مستريح، والساهر وقد مهد لك في الغمد مضجع، والجالس عن يمين الملك وأنت عن يساره فأي الحالتين أرفع، والساعي في تدبير حال القوم، والمغني لنفعهم العمر إذا كان نفعك يومًا أو بعض يوم، فاقطع عنك أسباب المفاخرة، واستر أنيابك عند المكاشرة، فما يحسن بالصامت محاورة المفصح، والله يعلم المفسد من المصلح، على أنه لا ينكر لمثلك التصدي، ولا يستغرب منه على مثلي التعدي، ما أنا أول من أطاع الباري وتجرأت عليه، ومددت يد العدوان إليه، أولست الذي قيل فيه: شيخ يرى الصلوات الخمس نافلة ... ويستحل دم الحجاج في الحرم قد سلبت الرحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، وجلبت القوة فكم هيجت سبة حمراء٣، وأثرت دهماء، وخمشت الوجوه، وكيف لا وأنت كالظفر كونًا، وقطعت اللذات، ولم لا وأنت كالصبح لونًا، أين بطشك من حلمي، وجهلك من علمي، وجسمك من جسمي: شتان ما بين جسم صيغ من ذهب ... وذاك جسمي وجسم صيغ من بهق٤ أين عينك الزرقاء من عيني الكحيلة، ورؤيتك الشنعاء من رؤيتي الجميلة، أين لون الشيب من لون الشباب، وأين نذير الأعداء من رسول الأحباب، هذا وكم أكلت الأكباد غيظًا، وحميت الأضغان٥ قيظًَا وشكوت الصدأ فسقيت ولكن بشواظ٦ من نار، وأخنت عليك الأيام حتى انتعل بأبعاضك٧ الحمار، ولولا تعرضك إلي لما وقعت في المقت، ولولا إساءتك لما كنت تصقل في كل وقت، فدع عنك هذا الفخر المديد،

стр. 236

وتأمل وصفي إذا ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ ١ وافهم قول ابن الرومي: إن يخدم القلم السيف الذي خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأمم فالموت والموت لا شيء يعادله ... ما زال يتبع ما يجري به القلم بذا قضى الله في الأقلام إذ بريت ... إن السيوف لها مذ أرهفت خدم فعند ذلك وثب السيف على قده، وكاد الغضب يخرجه عن حده، وقال أيها المتطاول على قصره، والماشي على طريق غرره، والمتعرض مني إلى الدمار، والمتحرش بي فهو كما تقول العامة: ذنبه قش ويحترس بالنار، لقد شمرت عن ساقك حتى أغرقتك الغمرات، وأتعبت نفسك فيما لا تدرك إلى أن أذهبها التعب حسرات، أولست الذي طالما أرعش السيف للهيبة عطفك، ونكس للخدمة رأسك وطرفك، وأمر بعض رعيته وهو السكين فقطع قفاك وشق أنفك، ورفعك في مهمات خاملة وحطك وجذبك للاستعمال وقطك٢، فليت شعري كيف جسرت، وعبست على مثلي وبسرت٣، وأنت السوقة وأنا الملك، وأنا الصادق وأنت المؤتفك٤، وأنت لصون الحطام وأنا لصون الممالك، وأنت لحفظ المزارع وأنا لحفظ المسالك، وأنت للفلاحة وأنا للفلاح، وأنت حاطب الليل من نفسه٥ وأنا ساري الصباح، وأنا الباصر وأنت الأرمد، وأنا المخدوم. الأبيض. وأنت الخادم الأسود، وأقسم بمن صير في قبضتي أنواع اليمن المسخرة، وجعل شخصك وشخصي كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ ٦ إنك عن بلوغ قدري لأذل رتبة، وعن بري كفي لأخيب طلبة، فإني لا أنكر قول بعض أربابك، حيث قالوا: أف لرزق الكتبه ... أف له ما أصعبه يرتشف الرزق به ... من شق تلك القصبة يا قلمًا يرف في الطـ ... ـرس لوجهي ذنبه ما أعرف المسكين إلا ... كاتبًا ذا متربه٧

стр. 237

إن عاينت الديوان وقعت في الحساب والعذاب، أو البلاغة سحرت وبالغت فأنت ساحر كذاب، أو فخرت بتقييد العلوم فما لك منها سوى لمحة الطرف، أو برقم المصاحف فإنك تعبد الله على حرف١، أو جمعت عملًا فإنما جمعك للتكسير، أو رفعت إلى طرفك رجع البصر خاسئًا وهو حسير، وهل أنت في الدول إلا خيال تكتفي الهمم بطيفه، أو أصبع يلعق بها الرزق إذا أكل الضارب بقائم سيفه، وساع على رأسه قل ما أجدى، وسار ربما أعطى قليلًا وأكدى٢. ثم وقف وأكدى، أين أنت من حظي الأسنى وكفي الأغنى، وما خصصت به من الجوهر الفرد إذا عجزت أنت عن العرض الأدنى، كم برزت فما أغنيت في مهمه، وكم خرجت من دواتك لتسطير سيئة، فخرجت كما قيل من ظلمة إلى ظلمة، وهب أنك كما قلت مفتوق اللسان، جريء الجنان، مداخل بمخلبك بين ذوي الاقتناص، معدود من شياطين الدول وأنت في الطرس والنقس بين بناء وغواص، فلو جريت خلفي إلى أن تحفى، وصحت بصريرك إلى أن تخفت وتخفى، فما كنت مني إلا بمنزلة المِدرة٣ من السماك الرامح، والبعرة على تيار الخضم الطافح، فلا تعد نفسك بمعجزي فإنك ممن يمين٤، ولا تحلف لها أن تبلغ مداي فليس لمخضوب البنان يمين، ومن صلاح نجمك أن تعترف بفضلي الأكبر، وتؤمن بمعجزتي التي بعثت منك إلى الأسود والأحمر لتستوجب حقًّا، وتسلم من نار حر تلظى لا يصلاها٥ إلا الأشقى إن لم يتضح لرأيك إلا الإصرار، وأبت حصائد لسانك إلا أن توقعك في النار، فلا رعى الله عزائمك القاصرة، ولا جمع عقارب ليل نفسك التي إن عادت فإن نعال السيوف لها حاضرة، ثم قطع الكلام وتمثل بقول أبي تمام: السيف أصدق إنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب فلما تحقق تحريف القلم حرجه، وفهم مقدار الغيظ الذي أخرجه، وسمع هذه المقالة التي يقطر من جوانبها الدم، ورأى أنه هو البادي بهذه المناقشة والبادي أظلم،

стр. 238

رجع إلى خداعه وتنحى عن طريق قِراعه١، وعلم أن الدهر دهره، والقدر على حكم الوقت قدره، وأنه أحق بقول القائل: لحنها معرب وأعجب من ذا ... أن إعراب غيرها ملحون٢ فالتفت إليه وقال: أيها المتلهب في قدحه٣، والخارج عما نسب إليه من صفحه، ما هذه الزيادة في السباب، والتطفيف في كيل الجواب، وأين علم الشيوخ عند جهل الشباب، أما كان الأحسن بك أن تترك هذا الرفث٤، وتعلم٥ أخاك على الشعث٦ وتحلم كما زعمت أنك السيد، وتزكو على الغيظ كما يزكو على النار الجيد، أما تعلم أني معينك في تشييد الممالك، ورفيقك فيما تسلكه لنفعها من المسالك، أما أنا وأنت للملك كاليدين، وفي تشييده كالركنين الأشدين؛ وما أراك عبتني في الأكثر إلا بتحول جسدي الذي ليس خلقه علي، وضعفه الذي ليس أمره إلي، على أن أشهى الخصور أنحفها٧، وأقوى الجفون أضعفها، وأزكى النسيمات أعلها وأدنفها٨، وهذه سادات العرب تعد ذلك من فضلها الأظهر وحسنها الأشهر، ولو أنك تقول بالفصاحة وتقف في هذه الساحة، لأسمعتك في ذلك من أشعارهم وأتحفتك بما يفخرون به من آثارهم، وكذلك عيبك سواد خلقتي التي: أكسبها الحب حلية صبغت ... صبغة حب القلوب والحدق٩ فيا لله ويا للحجر الأسود من هذه الحجة البائرة، والكرة الخاسرة، وعلى هذه النسبة ما عبتني به من فقر الأنبياء وذل الحكماء، على أن إطلاقات معروفي معروفة، وسطوات

стр. 239

أمري في وجوه الأعداء المكسوفة مكشوفة، فأستغفر الله مما فرط في مقالك، والتقويض من عوائد احتمالك، فلا تشمت بنا الأضداد ولا تسلط بفرقتنا المفسدين في الأرض إن الله لا يحب الفساد، واغضض الآن من خيلائك بعض هذا الغض، ولا تشك أني قسيمك ولو قيل لك: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض، وإن أبيت إلا أن تهدد وتجرد الشغب وتحدد، فاذكر محلنا من اليد الشريفة السلطانية الملكية المؤيدية، أيد الله نعمها وجازى بالإحسان شيمها، وأيقظ في الآجال والآمال سيفها وقلمها، ولا عطل مشاهد المدح من أنسها، ولا أخلى قرائض الباس والكرم من قيام خمسها، فأقسم من بأسه بالليل وما وسق، ومن بشر طلعته بالقمر إذا اتسق١ لو تجاور الأسد والظباء بتلك اليد لوردا بالأمن في منهل، ورتعا في روض لا يجهل، ولو لجأ إليها النهار لما راعه بمشيئة الله الليل بزجر، أو الليل لما غلب على خيطه الأسود الخيط الأبيض من الفجر، وعلى ذلك فما ينبغي لنا بين تلك الأنامل غير سلوك الأدب، والمعاضدة على محو الأزمات والنوب، والاستقامة على الحق ولا عوج، والحديث من تلك الراحة عن البحر ولا حرج، هذه نصيحتي إليك والدين النصيحة، والله تعالى يطلعك على معاني الرشد الصريحة، ويجعل بينك وبين الغي٢ حجابًا مستورًا، وينسيك ما تقدم من القول وكان ذلك في الكتاب مسطورًا. فعند ذلك. نكس السيف طرفه، وقبل خديعة القلم قائلًا لأمر ما جدع قصير أنفه، وأمسك عن المشاغبة خيفة الزلل، فإن السيوف معروفة بالخلل، ثم قال: أيها الضعيف الجبار، البازع في ليل المداد نجمًا وكم في النجوم غرار، لقد تظلمت من أمر أنت البادي بظلمه، وتسورت إلى فتح باب أنت السابق إلى فتح ختمه، وقد فهمت الآن ما ذكرت من أمر اليد الشريفة ونعم ما ذكرت، وأحسن بما أشرت، وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره، وقد تغفلت عن قولك الأحسن، ورددتك إلى أمك الدواة كي تقر عينها ولا تحزن، وسألت الله تعالى أن يزيد محاسن تلك اليد العالية تمامًا على الذي أحسن فإنها اليد التي: لو أثر التقبيل في يد منعم ... لمحا براجم كفها التقبيل٣ والراحة التي: تسعى القلوب لغوثها ولغيثها ... فيجيبه التأمين والتأميل٤

стр. 240

والأنامل التي علمها الله بالسيف والقلم ومكنها من رتبتي العلم والعلم، ودارك بكرمها آمال العفاة بعد أن ولا ولم، ولولا أن هذا المضمار يضيق عن وصفه السابق إلى غاية الخصل، ومجده الذي إذا جر ذيله ودّ الفضل لو تمسك منه بالفضل، لأ طلت الآن في ذكر مجدها الأوضح، وأفصحت في مدحها ولا ينكر لمثلها إن أنطقت الصامت فأفصح، ثم إنك بعدما تقدم من القول المزيد، والمجادلة التي عز أمرها على الحديد، أقررت أنت أننا للملك كاليدين ولم تقر أينا اليمين، وفي آفاقه كالقمرين ولم تذكر أينا الواضحة الجبين، وما يشفي ضناي ويروي صداي إلا أن يحكم بيننا من لا يرد حكمه، ولا يتهم فهمه، فيظهر أينا المفضول من الفاضل، والمخذول من الخاذل، ويقصر عن القول المناظر ويستريح المناضل، وقد رأيت أن يحكم بيننا المقام الأعظم، الذي أشرت إلى يده الشريفة، وتوسلت بمحاسنها اللطيفة، فإنه مالك زمامنا ومنشئ غمامنا ومصرف كلامنا وحامل أعباءنا، الذي ما هوى للهوى، وصاحب أمرنا ونهينا، وتالله ما ضل صاحبكم وما غوى، ليفصل الأمر بحكمه، ويقدّمنا إلى مجلسه الشريف فيحكم بيننا بعلمه، فقدم خيره الله على ذلك الاشتراط، وقل بعد تقبيلنا الأرض له في ذلك البساط: خصمان بغي بعضنا على بعض، فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط، فنشط القلم فرحًا، ومشى في أرض الطرس مرحًا، وطرب لهذا الجواب وخر راكعًا وأناب، وقال: سمعًا وطاعة، وشكر الله على هذه الساعة: "يا برد ذاك الذي قالت على كبدي". الآن ظهر ما تبغيان، وقضي الأمر الذي فيه تستفتيان، وحكم بيننا الرأي المنير، ونبأنا بحقيقة الأمر ولا ينبئك مثل خبير، ثم تفاصلا على ذلك، وتراضيا على ما يحكم به المالك، وكانوا أحق بها وأهلها وانتبه المملوك من سنة فكره، وطالع بما اختلج سواد هذه الليلة في سره، والله تعالى يديم أيام مولانا السلطان التي هي نظام المفاخرة، ومقام المآثر، وغوث الشاكي وغيث الشاكر، ويمتع بظلال مقامه الذي لا تكسر الأيام مقدار ما هو جابر، ولا تجبر ما هو كاسر، إن شاء الله تعالى. تمت رسالة الشيخ جمال الدين التي كشف بها عن قناع المغايرة، وأتى فيها بكل مثال ليس له مثيل، ووسمها بصاحب حماة فأطاعه عاصي الأدب، ووهب الله له على الكبر إسماعيل. نرجع إلى أبيات البديعيات فبيت الشيخ صفي الدين: فالله يكلؤ عذالي ويلهمهم ... عذلي فقد فرجوا كربي بذكرهم١

стр. 241

الشيخ صفي الدين غاير الناس في الدعاء لعذاله، وما ذاك إلا أن العذول ما برح ممتزجًا بذكر الأحباب، فكلما كرروا عذله وذكروا أحبابه فرجعوا كربه بذلك الذكر. والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين في بديعيته: تغاير الحال حتى للنوى فئة ... أصبحت منتظرًا أيام وصلهم أما الشرح في نوع المغايرة فقد طال. والكلام في بيت عز الدين يضيق عنه المجال؛ فإنه نظم المغايرة ولكن غاير بها الأفهام، وما أرانا من عقادة بيته غير الإبهام. وبيت بديعيتي: أغاير الناس في حب الرقيب فمذ ... أراه أبسط آمالي بقربهم١ الناس قد أجمعوا على ذم الرقيب وغايرتهم في مدحه لمعنى، وما ذاك إلا أنني لما أراه أتحقق أنه ما تجرد للمراقبة إلا وقد علم بزيارة الحبيب، فانظر إلى حسن المغايرة وغرابة المعنى وحسن التركيب.

стр. 242

ذكر التذييل: والله ما طال تذييل اللقاء بهم ... يا عاذلي وكفى بالله في القسم التذييل، هو أن يذيل الناظم أو الناثر كلامًا، بعد تمامه وحسن السكوت عليه، بجملة تحقق ما قبلها من الكلام، وتزيده توكيدًا وتجري مجرى المثل، بزيادة التحقيق. والفرق بينه وبين التكميل، أن التكميل يرد على معنى يحتاج إلى الكمال. والتذييل لم يفد غير تحقيق الكلام الأول وتوكيده. ومن أعظم الشواهد عليه قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ١ فالجملة الأخيرة هي التذييل الذي خرج كلامه مخرج المثل السائر. ومثله قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ ٢ فالجملة الأخيرة، هي تذييل خرج في الكلام مخرج الأمثال التي ليس لها مثيل، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ ٣ ففي هذه الآية الشريفة تذييلان: أحدهما قوله تعالى: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ ، فإن الكلام كان قد تم قبل ذلك وحسن السكوت عليه، والآخر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ فخرج الكلام مخرج المثل السائر. ووقع ذلك في السنة الشريفة، وهو قول النبي ﷺ : "من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حنسة، وإن عملها كتبت له عشرًا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه،

стр. 243

وإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، ولا يهلك على الله إلا هالك". فقوله ﷺ : "لا يهلك على الله إلا هالك"، هو التذيل الذي تتعلق البلاغة بأذياله، وخرج الكلام فيه مخرج الأمثال، وهذا التذييل انفرد بإخراجه مسلم ومن هذا الباب قول النابغة: ولست بمستبق أخًا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب اتفق أهل البديع على أن قوله: أي الرجال المهذب، من أحسن تذييل وقع في شعر، لأنه خرج مخرج المثل ومثله قول بعض العرب: ودعوا نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل١ فعجز هذا البيت كله تذييل، وهو في غاية الكمال، ولقد أحسن بعضهم في هذا الباب، حيث قال: صدقتك الود أبغي الوصال ... وليس المكاذب كالصادق فجازيتموني بطول البعاد ... وكم أخجل الحب من واثق فكل من عجزي البيتين تذييل، وخرج الكلام فيهما مخرج المثل، وأحسن منه قول الحطيئة: نزور فتى يعطي على الحمد ماله ... ومن يعط أثمان المحامد يحمد فإن عجز البيت كله تذييل خرج مخرج المثل، وصدر البيت استقل بالمعنى المراد على انفراده، وفيه أيضًا مع اتصاله بالعجز تعطف حسن في قوله: يعطي ويعط، وبالتعطف صار بين العجز والصدر ملاحمة وملاءمة شديدة ورابطة وثيقة، قال ابن أبي الأصبع: عجز هذا البيت، إذا انفرد، استقل مثلًا وتذييلًا، كما أن الصدر إذا انفرد استقل بالمعنى المقصود، من جملة البيت، والغرض المطلوب من التمثيل أيضًا، وقل أن يوجد بيت بين صدره وعجزه مثل هذا التلاحم، على استقلال كل قسم بنفسه وتمام معناه ولفظه، ومن التذييل الحسن قول أبي الشيص: وأهنتني فأهنت نفسي عامدًا ... ما من يهون عليك ممن يكرم فعجز البيت كله تذييل، وفي ضمنه مطابقة، لذكره الهوان والكرامة. ومن بديع التمثيل قول ابن نباتة السعدي: لم يبق جودك لي شيئًا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل

стр. 244

فإنه استوفى ما أراده من المدح في الشطر الأول، ثم احتاج إلى تتميم البيت، وأراد إتمامه بتكرار المعنى المتقدم فيه استحسانًا وتوكيدًا، فأخرجه مخرج المثل السائر، حث قال: تركتني أصحب الدنيا بلا أمل، ليحصل ما أراده من التوكيد وزيادة المعنى، لأن المدح إذا خرج مخرج المثل كان أسير في الأرض. قال ابن أبي الأصبع: هذا البيت إن نظر فيه إلى قول أبي الطيب المتنبي: تمسي الأماني صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي١ فبيت ابن نباتة أفضل من بيت المتنبي، لأنه أحسن الأدب مع ممدوحه، إذ لم يجعله في حيز من يتمنى شيئًا وجعل في قدرته وجوده ما يبلغ مادحه كل أمنية، فلم يبق له أمل، وإن كان في بيت المتنبي زيادة من جهة المبالغة، في قوله: دون مبلغه، واستعارة في اللفظ، بقوله: تمسي الأماني صرعى، ففي بيت ابن نباتة أن كل ما جعله المتنبي لممدوحه، جعله ابن نباتة لمادحه، مع زيادة المبالغة في المدح، بكونه أخرجه مخرج المثل السائر كما بينا، فهو أشهر وأسير وأبقى. وإذا تأمل الناظر في البيتين وجد معنى بيت المتنبي بكماله في صدر بيت ابن نباتة، لأن حاصل بيت المتنبي أن الممدوح قدر على كل الأماني، وهذا قد استقل به صدر بيت ابن نباتة، والعجز ملزوم صدره، لأن من نال كل أمل صحب الدنيا بلا أمل، غير أن ابن نباتة لكونه أخرج العجز مخرج المثل، صار كأنه استأنف معنى آخر مستقلًا بجميع معنى بيت المتنبي، مع كونه زاد بأن جعل للمادح ما جعله المتنبي للمدوح، وهذا غاية في حسن الأدب. وقد ترجح بيت ابن نباتة على بيت المتنبي من وجوه. انتهى كلام ابن أبي الأصبع في النقد الحسن الذي قرره على بيت أبي الطيب المتنبي وبيت ابن نباتة. وقد يختلط على بعض الناس هذه الأبواب الأربعة، وهي: باب الإيغال، والتذييل، والتمكين، والتكميل، والفرق ظاهر، فإن الإيغال لا يكون إلا في الكلمة التي فيها الروي وما يتعلق به، وهو أيضًا مما يأتي بعد تمام المعنى، كالتكميل والتذييل. وأما التمكين فليس له مدخل في هذه الأبواب، لأنه عبارة عن استقرار القافية في مكانها، لأها لا تزيد معنى البيت، بل إذا حذفت نقص معنى البيت، لأنها ممكنة في قواعده، وأما التكميل، فإنه وإن أتى بعد تمام المعنى، فهو يفارق الإيغال والتذييل من وجهين: أحدهما، كونه يأتي في الحشو والمقطاع، والإيغال والتذييل لا يكونان إلا في المقطاع دون الحشو

стр. 245

والإيغال والتذييل لا يخرجان عن معنى الكلام المتقدم، والتكميل لا بد أن يأتي بمعنى يكمل الغرض على التكملة المتقدمة إما تكميلًا بديعيًّا أو تكميلًا عروضيًّا. والتذييل يفارق الإيغال، لكونه يزيد على الكلمة التي تسمى إيغالًا ويستوعب غالبًا عجز البيت. وبيت صفي الدين في التذييل: لله لذة عيش بالحبيب مضت ... فلم تدم لي وغير الله لم يدم والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت عز الدين الموصلي: تذييل عيشي ورزقي قسمة حصلت ... في أول الخلق والأرزاق بالقِسَم١ وبيت بديعيتي: والله ما طال تذييل اللقاء بهم ... يا عاذلي وكفى بالله في القَسَم٢ فقولي: وكفى بالله في القسم، هي الجملة التي جاءت بعد تمام الكلام وحسن السكوت عليه، واشتملت على معناه وزادته في القسم تحقيقًا وتوكيدًا، وجرت مجرى المثل الذي ما يجارى في شرفه وكماله، وأما لفظة التذييل، التي هي تسمية لهذا النوع المقصود، ففات الشيخ عز الدين فيها لفظة طال، فإنني لو لم أذكر الطول ما ترشحت تورية التذييل، ولا وقع لها في القلوب مواقع، فإن الطول من لوازم الأذيال، وطويل ذيل اللقاء في البيت من ألطف الاستعارات، وقولي: يا عاذلي، هو التكميل الذي يأتي في الحشو، وقد تقدم الكلام عليه وتقرر.

стр. 246

ذكر التفويف: خشّن ألن أحزن افرح امنع أعط أنل ... فوف أجد وشِّ رقِّق شد حب لم١ التفويف، تأملته فوجدته نوعًا لم يفد غير إرشاد ناظمه إلى طرق العقادة. والشاعر، إذا كان معنويًّا وتجشم مشاقه، تقصر يده عن التطاول إلى اختراع معنى من المعاني الغريبة، وتجفوه حسان الألفاظ، ولم يعطف عليه برقة وتأنف٢ كل قرينة صالحة أن تسكن له بيتًا، ولكن شروع المعارضة ملزم به، ولم يسعني غير تشريع الطباق في بيته. وهو في اللغة مشتق من الثوب المفوف الذي فيه خطوط بيض والمراد تلوينه ونقشه، ومن ظريف قول ابن قاضي ميلة: بعيشي ألم أخبركما أنه فتى ... على لفظه برد الكلام المفوّف٣ والتفويف في الصناعة، عبارة عن إتيان المتكلم بمعان شتى، من المدح والغزل وغير ذلك من الفنون والأغراض، كل فن في جملة من الكلام منفصلة عن أختها، مع تساوي الجملة في الوزنية. ويكون بالجملة الطويلة أو المتوسطة أو القصيرة، وأحسنها وأبلغها وأصعبها مسلكًا القصار، مثال ما جاء منه بالجملة الطويلة قول النابغة: وأعظم أحلامًا وأكبر سيدًا ... وأفضل مشفوعًا وأكرم شافع

стр. 247

وبالجملة المتوسطة قول أبي الوليد بن زيدون: تِهْ احتملْ واحتكِم اصبر وعِز أهن ... وذُلَ أخضعْ وقُل أَسمع ومُر أَطِع١ ومثال ما جاء بالجملة القصيرة، قول أبي الطيب المتنبي: أَقِل أنِل أقطِع إحمِل علِّ أسل أعِد ... زد هش بش تفضل ادن سَرِّ صِل أقل من الإقالة في العثرة، أنل من الإنالة والإعطاء، أقطع من الإقطاع، احمل من قولهم حملة على فرسه، عل من الاستعلاء والعلو، أسل من السلو أعد أي أعدني إلى موضعي من الجوائز، زد أي زدني مما كنت أعهده منك، هش من الهشاشة وهي التهلل، والبشر من بش البشاشة وهي الشر وطلاقة الوجه، تفضل من الأفضال، ادن أي قربني إليك، وقوله: سر من التسري وهو أن يعطيه جارية يتسراها، صل من الصلة، ولم أقصد بحل هذه الألفاظ إلا إيناسًا تزول به وحشة العقادة عن المتأمل، فإن هذه الجملة ما استولت عليها عقادة التركيب إلا لكون كل كلمة منها فعل أمر، ولم يأت في الجملة القصيرة على هذه الصفة شيء من فصيح الكلام، وعلى هذا المنوال نسج أصحاب البديعيات وبالله المستعان. وبيت الشيخ صفي الدين ﵀: أقصر أطل اعذل اعذر سل خل أعن ... خن هن عن ترفق كف لجّ لم٢ وهذا النوع ما نظمه العميان، وبيت الشيخ عز الدين: فوف أزف انظم انثر خص عم أفد ... اعتب أدر أبرق ارعد اضحك ابك لم٣ هذا البيت ما نحت من الجبال، ولكن الجبال نحتت منه، وبيت بديعيتي: خشن ألن احزن افرح امنع أعط أنل ... فوف اجد وش رقق شد حل لم قد تقدم٤ قولي للعاذل: والله ما طال تذييل اللقاء بهم ... يا عاذلي وكفى بالله في القسم ولما قررت له ذلك، قلت له في بيت التفويف: إن شئت تخشن في عذلك، وإن

стр. 248

شئت تلين، وإن شئت تحزن، وإن شئت تفرح، وإن شئت تمنع، وإن شئت تعطي، وإن شئت تفوف العذل وتجيد نقشه وتوشيته، وترقق فيه أو تشد معناه أن الكل بالنسبة إلى صدق المحبة سهل، ولكن النكتة في قولي له، أعني للعاذل، حب لم يعني إذا حب لم يعد ذلك، كأني أقول له: من لم يبت والحب يقرع قلبه ... لم يدر كيف تفتت الأكباد وما أحلى قول الشيخ شرف الدين بن الفارض مخاطبًا لعاذله: دع عنك تعنيفي وذق طعم الهوى ... فإذا عشقت فبعد ذلك عنف

стр. 249

ذكر المواربة: يا عاذلي أنت محبوب لدي فلا ... توارب العقل مني واستفد حكمي المواربة، براء مهملة، وباء موحدة، وهي مشتقة من الأرب وهي الحاجة، لكن ذكر ابن أبي الأصبع: أنها مشتقة من ورب العرق بفتح الواو والراء إذا فسد، فهو ورب بكسر الراء،. كأن المتكلم أفسد مفهوم ظاهر الكلام بما أبداه من تأويل باطنه. وحقيقة المواربة، أن يقول المتكلم قولا يتضمن ما ينكر عليه فيه بسببه، ويتوجه عليه المؤاخذة، فإذا حصل الإنكار عليه استحضر، بحذقه، وجهًا من الوجوه التي يمكن التخلص بها من تلك المؤاخذة، إما بتحريف كلمة أو تصحيفها، أو بزيادة أو نقص، أو غير ذلك. فأما شاهد ما وقع من المواربة بالتحريف، فقول عتبان الحروز: وإن يك منكم كان مروان وابنه ... وعمرو ومنكم هاشم وحبيب فمنا حصين والبطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب فلما بلغ الشعر هشامًا وظفر به، قال: أنت القائل: ومنا أمير المؤمنين شبيب؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ما قلت إلا: ومنا أمير المؤمنين شبيب، فتخلص بفتح الراء بعد ضمها١، وهذا ألطف مواربة وقعت في هذا الباب، وشاهد الحذف قول أبي نواس في خالصة جارية أمير المؤمنين الرشيد، هاجيًا لها: لقد ضاع شعري على بابكم ... كما ضاع حلي على خالصه٢

стр. 250

فلما بلغ الرشيد ذلك أنكر عليه وتهدده بسببه، فقال: لم أقل إلا: لقد ضاء شعري على بابكم ... كما ضاء حلي على خالصه فاستحسن الرشيد مواربته، وقال بعض من حضر: هذا بيت قلعت عيناه فأبصر. وشاهد التصحيف في المواربة يأتي في أبيات البديعيات، ويعجبني قول الشيخ عز الدين الموصلي، في المواربة من غير البديعية، لما بلغه وفاة القاضي فتح الدين بن الشهيد، وكان القاضي فتح الدين يرجح جانب الشيخ شمس الدين المزين على الشيخ عز الدين، لبغض كان في خاطره لا لاستحقاق: دمش قالت لنا مقالا ... معناه في ذا الزمان بين اندمل الجرح واستراحت ... ذاتي من الفتح والمزين وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته: لأنت عندي أخص الناس منزلة ... إذ كنت أقدرهم عندي على السلم المواربة في أخص يريد بها أخس بالسين المهملة، وأقدرهم يريد بها أقذرهم بالذال المعجمة، والمواربة في أقدرهم بالتصحيف. وهذا النوع لم ينظمه العميان في بديعيتهم، وبيت الشيخ عز الدين الموصلي: لأنت أفتح ذهنًا في مواربة ... وبالتعقل منسوب إلى النعم مراد الشيخ بأفتح أقبح وبالتعقل التغفل، وقال في شرحه: إنه أراد بالنعم النعم، وهو اسم جامع للإبل وغيرها وأراد بذلك المواربة بالتحريف أيضًا. سلمنا له ذلك، ولكن لم أر في بيته قبل المواربة معنى يستأنس به الذوق. وبيت بديعيتي أنا مستمر فيه على ما تقدم من خطاب العاذل: يا عاذلي أنت محبوب لديَّ فلا ... توارب العقلي مني واستفد حكمي قولي للعاذل أنت محبوب لدي، من له أدنى ذوق يفهم منه أن مرادي المواربة بمجنون، والمراد بلفظة توارب توازن، والمعنى قبل المواربة مستقيم وهو في غاية الكمال وإذ حصلت المواربة صار البيت: يا عاذلي أنت مجنون لديَّ فلا ... توازن العقل مني واستفد حكمي وانتقل من صيغة المدح المقبول إلى صيغة الهجو الصريح.
следующие страницы →