ذكر التفويف:
خشّن ألن أحزن افرح امنع أعط أنل ... فوف أجد وشِّ رقِّق شد حب لم١
التفويف، تأملته فوجدته نوعًا لم يفد غير إرشاد ناظمه إلى طرق العقادة. والشاعر، إذا كان معنويًّا وتجشم مشاقه، تقصر يده عن التطاول إلى اختراع معنى من المعاني الغريبة، وتجفوه حسان الألفاظ، ولم يعطف عليه برقة وتأنف٢ كل قرينة صالحة أن تسكن له بيتًا، ولكن شروع المعارضة ملزم به، ولم يسعني غير تشريع الطباق في بيته.
وهو في اللغة مشتق من الثوب المفوف الذي فيه خطوط بيض والمراد تلوينه ونقشه، ومن ظريف قول ابن قاضي ميلة:
بعيشي ألم أخبركما أنه فتى ... على لفظه برد الكلام المفوّف٣
والتفويف في الصناعة، عبارة عن إتيان المتكلم بمعان شتى، من المدح والغزل وغير ذلك من الفنون والأغراض، كل فن في جملة من الكلام منفصلة عن أختها، مع تساوي الجملة في الوزنية. ويكون بالجملة الطويلة أو المتوسطة أو القصيرة، وأحسنها وأبلغها وأصعبها مسلكًا القصار، مثال ما جاء منه بالجملة الطويلة قول النابغة:
وأعظم أحلامًا وأكبر سيدًا ... وأفضل مشفوعًا وأكرم شافع
стр. 247
وبالجملة المتوسطة قول أبي الوليد بن زيدون:
تِهْ احتملْ واحتكِم اصبر وعِز أهن ... وذُلَ أخضعْ وقُل أَسمع ومُر أَطِع١
ومثال ما جاء بالجملة القصيرة، قول أبي الطيب المتنبي:
أَقِل أنِل أقطِع إحمِل علِّ أسل أعِد ... زد هش بش تفضل ادن سَرِّ صِل
أقل من الإقالة في العثرة، أنل من الإنالة والإعطاء، أقطع من الإقطاع، احمل من قولهم حملة على فرسه، عل من الاستعلاء والعلو، أسل من السلو أعد أي أعدني إلى موضعي من الجوائز، زد أي زدني مما كنت أعهده منك، هش من الهشاشة وهي التهلل، والبشر من بش البشاشة وهي الشر وطلاقة الوجه، تفضل من الأفضال، ادن أي قربني إليك، وقوله: سر من التسري وهو أن يعطيه جارية يتسراها، صل من الصلة، ولم أقصد بحل هذه الألفاظ إلا إيناسًا تزول به وحشة العقادة عن المتأمل، فإن هذه الجملة ما استولت عليها عقادة التركيب إلا لكون كل كلمة منها فعل أمر، ولم يأت في الجملة القصيرة على هذه الصفة شيء من فصيح الكلام، وعلى هذا المنوال نسج أصحاب البديعيات وبالله المستعان.
وبيت الشيخ صفي الدين ﵀:
أقصر أطل اعذل اعذر سل خل أعن ... خن هن عن ترفق كف لجّ لم٢
وهذا النوع ما نظمه العميان، وبيت الشيخ عز الدين:
فوف أزف انظم انثر خص عم أفد ... اعتب أدر أبرق ارعد اضحك ابك لم٣
هذا البيت ما نحت من الجبال، ولكن الجبال نحتت منه، وبيت بديعيتي:
خشن ألن احزن افرح امنع أعط أنل ... فوف اجد وش رقق شد حل لم
قد تقدم٤ قولي للعاذل:
والله ما طال تذييل اللقاء بهم ... يا عاذلي وكفى بالله في القسم
ولما قررت له ذلك، قلت له في بيت التفويف: إن شئت تخشن في عذلك، وإن
стр. 248
شئت تلين، وإن شئت تحزن، وإن شئت تفرح، وإن شئت تمنع، وإن شئت تعطي، وإن شئت تفوف العذل وتجيد نقشه وتوشيته، وترقق فيه أو تشد معناه أن الكل بالنسبة إلى صدق المحبة سهل، ولكن النكتة في قولي له، أعني للعاذل، حب لم يعني إذا حب لم يعد ذلك، كأني أقول له:
من لم يبت والحب يقرع قلبه ... لم يدر كيف تفتت الأكباد
وما أحلى قول الشيخ شرف الدين بن الفارض مخاطبًا لعاذله:
دع عنك تعنيفي وذق طعم الهوى ... فإذا عشقت فبعد ذلك عنف
стр. 249
ذكر المواربة:
يا عاذلي أنت محبوب لدي فلا ... توارب العقل مني واستفد حكمي
المواربة، براء مهملة، وباء موحدة، وهي مشتقة من الأرب وهي الحاجة، لكن ذكر ابن أبي الأصبع: أنها مشتقة من ورب العرق بفتح الواو والراء إذا فسد، فهو ورب بكسر الراء،. كأن المتكلم أفسد مفهوم ظاهر الكلام بما أبداه من تأويل باطنه.
وحقيقة المواربة، أن يقول المتكلم قولا يتضمن ما ينكر عليه فيه بسببه، ويتوجه عليه المؤاخذة، فإذا حصل الإنكار عليه استحضر، بحذقه، وجهًا من الوجوه التي يمكن التخلص بها من تلك المؤاخذة، إما بتحريف كلمة أو تصحيفها، أو بزيادة أو نقص، أو غير ذلك.
فأما شاهد ما وقع من المواربة بالتحريف، فقول عتبان الحروز:
وإن يك منكم كان مروان وابنه ... وعمرو ومنكم هاشم وحبيب
فمنا حصين والبطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب
فلما بلغ الشعر هشامًا وظفر به، قال: أنت القائل: ومنا أمير المؤمنين شبيب؟
فقال: يا أمير المؤمنين، ما قلت إلا: ومنا أمير المؤمنين شبيب، فتخلص بفتح الراء بعد ضمها١، وهذا ألطف مواربة وقعت في هذا الباب، وشاهد الحذف قول أبي نواس في خالصة جارية أمير المؤمنين الرشيد، هاجيًا لها:
لقد ضاع شعري على بابكم ... كما ضاع حلي على خالصه٢
стр. 250
فلما بلغ الرشيد ذلك أنكر عليه وتهدده بسببه، فقال: لم أقل إلا:
لقد ضاء شعري على بابكم ... كما ضاء حلي على خالصه
فاستحسن الرشيد مواربته، وقال بعض من حضر: هذا بيت قلعت عيناه فأبصر.
وشاهد التصحيف في المواربة يأتي في أبيات البديعيات، ويعجبني قول الشيخ عز الدين الموصلي، في المواربة من غير البديعية، لما بلغه وفاة القاضي فتح الدين بن الشهيد، وكان القاضي فتح الدين يرجح جانب الشيخ شمس الدين المزين على الشيخ عز الدين، لبغض كان في خاطره لا لاستحقاق:
دمش قالت لنا مقالا ... معناه في ذا الزمان بين
اندمل الجرح واستراحت ... ذاتي من الفتح والمزين
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته:
لأنت عندي أخص الناس منزلة ... إذ كنت أقدرهم عندي على السلم
المواربة في أخص يريد بها أخس بالسين المهملة، وأقدرهم يريد بها أقذرهم بالذال المعجمة، والمواربة في أقدرهم بالتصحيف.
وهذا النوع لم ينظمه العميان في بديعيتهم، وبيت الشيخ عز الدين الموصلي:
لأنت أفتح ذهنًا في مواربة ... وبالتعقل منسوب إلى النعم
مراد الشيخ بأفتح أقبح وبالتعقل التغفل، وقال في شرحه: إنه أراد بالنعم النعم، وهو اسم جامع للإبل وغيرها وأراد بذلك المواربة بالتحريف أيضًا. سلمنا له ذلك، ولكن لم أر في بيته قبل المواربة معنى يستأنس به الذوق. وبيت بديعيتي أنا مستمر فيه على ما تقدم من خطاب العاذل:
يا عاذلي أنت محبوب لديَّ فلا ... توارب العقلي مني واستفد حكمي
قولي للعاذل أنت محبوب لدي، من له أدنى ذوق يفهم منه أن مرادي المواربة بمجنون، والمراد بلفظة توارب توازن، والمعنى قبل المواربة مستقيم وهو في غاية الكمال وإذ حصلت المواربة صار البيت:
يا عاذلي أنت مجنون لديَّ فلا ... توازن العقل مني واستفد حكمي
وانتقل من صيغة المدح المقبول إلى صيغة الهجو الصريح.
стр. 251
ذكر الكلام الجامع:
جمع الكلام إذا لم تغن حكمته ... وجوده عند أهل الذوق كالعدم
الكلام الجامع، هو أن يأتي الشارع ببيت مشتمل على حكمة، أو وعظ، أو غير ذلك من الحقائق التي تجري مجرى الأمثال، ويتمثل الناظم بحكمها أو وعظها أو بحالة تقتضي إجراء المثل، كقول زهير بن أبي سلمى:
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يُستغنَ عنه ويذمم
وقول أبي نواس:
إذا كان غير الله في عدة الفتى ... أتته الرزايا من وجوه الفوائد١
وقول المتنبي:
وإذا كانت النفوس كبارًا ... تعبت في مرادها الأجسام٢
وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته:
من كان يعلم أن الشهد مطلبه ... فلا يخاف للدغ النحل من ألم
فإنه حصر فيه الكلام الجامع بشروطه، وأجراه مجرى المثل مع ما أودع فيه من الحكمة، وزاد على ذلك بما كساه من ديباجة الرقة ولطف السهولة وحسن الانسجام، وأما العميان فما نظموا هذا النوع في بديعيتهم وبيت الشيخ عز الدين الموصلي:
كلامه جامع وصف الكمال كما ... يهيج الشوق أنواعًا من الريم٣
стр. 252
قد تقرر: إن الكلام الجامع هو أن يأتي الناظم ببيت جملته حكمة، أو موعظة، أو غير ذلك من الحقائق التي تجري مجرى الأمثال، وليس بين الشطر الأول من البيت وبين الشطر الثاني مناسبة ولا إيناس ملاءمة، ولم أر لجريان المثل دخولًا في باب هذا البيت:
وبيت بديعيتي:
جمع الكلام إذا لم تغن حكمته ... وجوده عند أهل الذوق كالعدم
حكمة هذا البيت ما أجريت مثلها على هذا النمط إلا ليعلم المتيقظ أن فيه إشارة لطيفة إلى بيت عز الدين. فإني قررت أن ليس في كلامه الجامع ما يشعر بحكمة تجري مجرى الأمثال، فوجوده عند أهل الذوق كالعدم، والله الموفق.
стр. 253
ذكر المناقضة:
إني أناقضهم إن أزمعوا ونأوا ... وجر نمل ثبيرا إثر عيسهم١
المناقضة تعليق الشرط على نقيضين: ممكن ومستحيل، ومراد المتكلم المستحيل دون الممكن، ليؤثر التعليق عدم وقوع المشروط، فكأن المتكلم ناقض نفسه في الظاهر إذ شرط وقوع أمر بوقوع نقيضين، ومثاله قول النابغة:
وإنك سوف تحكم أو تباهي ... إذا ما شبت أو شاب الغراب
فإن تعليقه وقوع حكم المخاطب على شيبه ممكن، وعلى شيب الغراب مستحيل، ومراده الثاني لا الأول، لأن مقصوده أن يقول: إنك لا تحكم أبدًا.
والفرق بين المناقضة وبين نفي الشيء بإيجابه، أن هذا الباب ليس فيه نفي ولا إيجاب، ونفي الشيء بإيجابه ليس فيه شرط، وبيت الشيخ صفي الدين في المناقضة:
وإنني سوف أسلوهم إذا عدمت ... روحي وأحيت بعد الموت والعدم
فتعليق الشرط بين النقيضين: الممكن والمستحيل ظاهر، والبيت في غاية الحسن والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت عز الدين:
إني أناقض عهد النازحين إذا ... ما شاب عزمي وشبَّت شهوة الهرم
الشيخ عز الدين قرر في بيته وشرحه: إن شيب العزم ممكن، وشباب شهوة الهرم مستحيل. فرأيت تصوير شيب العزم وإمكانه، وسبك استعارته في قالب التشبيه، كما تقرر
стр. 254
في باب الاستعارة فيه أشكال فإنهم قالوا: الاستعارة هي ادعاء معنى الحقيقة في الشيء للمبالغة في التشبيه. ولم أر في شيب العزم وجهًا للمبالغة في التشبيه، وعلى كل تقدير فالممكن والمستحيل في بيت عز الدين فيهما نظر.
وبيت بديعيتي:
إني أناقضهم إن أزمعوا ونأوا ... وجر نمل ثبيرًا إثر عيسهم
تعليق الشرط على الممكن والمستحيل في هذا البيت أوضح من الكلام عليه، والله أعلم بالصواب.
стр. 255
ذكر التصدير أو رد العجز على الصدر:
ألم أصرح بتصدير المديح لهم ... ألم أهدد ألم أصبر ألم ألم
هذا النوع الذي هو رد الأعجاز على الصدور، سماه المتأخرون التصدير. والتصير هو أخف على المستمع وأليق بالمقام، وقد قسه ابن المعتز على ثلاثة أقسام: الأول: ما وافق آخر كلمة في البيت آخر كلمة في صدره، أو كانت مجانسة لها، كقول الشاعر:
يُلفى إذا ما كان يوم عرمرم ... في جيش رأي لا يفل عرمرم١
والثاني، ما وافق آخر كلمة في البيت أول كلمة منه، وهو الأحسن، كقول الآخر:
سريع إلى ابن العم يلطم وجهه ... وليس إلى داعي الندى بسريع٢
ومثله:
تمنت سليمى أن أموت صبابة ... وأهون شيء عندنا ما تمنت
ومثله:
سُكران سكر هوى وسكر مدامة ... أنى يفيق فتى به سكران
وشاهد الجناس في هذا الباب، للسري الرفاء:
يسار من سجيتها المنايا ... ويمنى من عطيتها اليسار٣
стр. 256
والأكثر أن تكون الكلمة التي في العجز عين الكلمة التي في الصدر لفظًا، وإن قبل اللفظ اشتراكًا زاد النوع حسنًا. مثاله:
ذوائب سود كالعناقيد أرسلت ... فمن أجلها منا النفوس ذوائب١
والقسم الثالث: ما وافق آخر كلمة في البيت بعض كلام في أي موضع كان، كقول الشاعر:
سقى الرمل صوب مستهل غمامه ... وما ذاك إلا حُب من حل بالرمل٢
هكذا عرف ابن المعتز هذ القسم الثالث من التصدير. لكن قال ابن أبي الأصبع: إن هذا التعريف مدخول، وصدق فإن ابن المعتز قال في أي موضع كان، والكلمة إذا كانت في العجز لم تسم تصديرًا لأن اشتقاق التصدير من صدر البيت، فلا بد من زيادة قيد في التعريف يسلم به المدخل، بحيث يقول: بعض كلمات البيت في أي موضع كانت من صدره. قال ابن أبي الأصبع أيضًا: الذي يحسن أن يسمى به القسم الأول تصدير التفقيه والثاني تصدير الطرفين، والثالث تصدير الحشو، وقد وقع من القسم الأول، في الكتاب العزيز، قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ٣ ومن القسم الثاني، قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٤ ومن القسم الثالث، قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ٥
قال ابن أبي الأصبع: وفي التصدير قسم رابع ذهب عنه ابن المعتز، وهو أن يأتي، فيما الكلام فيه منفي واعتراض، فيه إضراب عن أوله، كقول الشاعر:
فإن تك لم تبعد على متعهد ... بلى كل من تحت التراب بعيد٦
وقد جاء قدامة من التصدير بنوع آخر، كما ذكرناه وسماه التبديل: وهو أن يصير المتكلم الأخير من كلامه أوَّلًا، أو بالعكس، كقولهم: أشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك.
стр. 257
قال ابن أبي الأصبع لم أقف لهذا النوع على شاهد شعري فقلت:
اصبر على خلق من تصاحبه ... واصحب صبورًا على أذى خلقك
أصحاب البديعيات نظموا القسم الثاني، الذي قرره ابن المعتز، وهو ما وافق آخر كلمة من البيت أول كلمة فيه، وهو الذي وقع الاتفاق على أنه الأحسن. وبيت الشيخ صفي الدين ﵀:
فمي تحدث عن سري فما ظهرت ... سرائر القلب إلا من حديث فمي
هذا النوع، أعني التصدير، ما برحت السهولة نازلة بأكناف أذياله، فإنه سهل المأخذ ويتعين على الأديب المعنوي أن لا يتركه ساذاجًا من نكتة أدبية يزداد بها بهجة، فإن الشيخ صفي الدين مع عدم تكلفه بتسمية النوع، وسبكه في قلب التورية من جنس الغزل، لم يأت به إلا ساذجًا. وبيت العميان في بديعيتهم:
وحقهم ما نسينا عهد حبهم ... ولا طلبنا سواهم لا وحقهم١
لعمري إن بيت الشيخ عز الدين، في هذا النوع، أعمر من بيت الصفي ومن بيت العميان، فإنه مع التصريح بتورية التسمية، حلى نوع التصدير بمكررها في طرفي بيته وهو:
فَهِم بصدر جمال عجز عاشقه ... عن وصله ظاهر عن باحث فهِمِ٢
وبيت بديعيتي:
ألم أصرح بتصدير المديح لهم ... ألم أهدد ألم أصبر ألم ألم
ديباجة التورية في عجز هذا البيت وصدره لا تخفى على صاحب الذوق السليم، ولو استقل هذا البيت بنظم نوع التصدير مجردًا، لم يكن تحته كبير أمر كبيت الحلي وبيت العميان.
стр. 258
ذكر القول بالموجب أو أسلوب الحكيم:
قولي له موجب إذ قال أشفقهم ... تسل قلت بناري يوم فقدهم
القول بالموجب، ويقال له أسلوب الحكيم، وللناس فيه عبارات مختلفة: منهم من قال هو أن يخصص الصفة بعد أن كان ظاهرها العموم، أو يقول بالصفة الموجبة للحكم، ولكن يثبتها لغير من أثبتها المتكلم.
وقال ابن أبي الأصبع: هو أن يخاطب المتكلم مخاطبًا بكلام، فيعمد المخاطب إلى كلمة مفردة من كلام المتكلم فيبني عليها من لفظه ما يوجب عكس معنى المتكلم، وذلك عين القول بالموجب لأن حقيقته رد الخصم كلام خصمه من فحوى لفظه. قال صاحب التلخيص، في تلخيصه وإيضاحه: القول بالموجب ضربان: أحدهما، أن تقع صفة من كلام الغير كناية عن شيء أثبت له حكم، فتثبت في كلامك تلك الصفة لغير ذلك الشيء، من غير تعرض لثبوت ذلك الحكم وانتفائه، كقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ١ فإنهم كنوا بالأعز عن فريقهم، وبالأذل عن فريق المؤمنين، وأثبتوا للأعز الإخراج، فأثبت الله تعالى، في الرد عليهم، صفة العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، من غير تعرض لثبوت حكم الإخراج للموصوفين بصفة العزة ولا لنفيه عنهم. انتهى كلام صاحب التلخيص.
ومنه قول القبعثري للحجاج لما توعده فقال: لأحملنك على الأدهم: والمراد به
стр. 259
القيد فرأى القبعثري أن الأدهم يصلح للقيد والفرس، فحمل كلامه إلى الفرس، وقال: مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب فصرف الوعيد بالهوان إلى الوعد بالإحسان وفي هذا ما لا يخفى على المتأدب من حسن التطلف وشدة الباعث على فعل الخير، إذ لا يليق بمن له همة عالية أن يقال له: مثلك من يفعل الخير، فيقول: لا بل أفعل الشر.
والقسم الثاني من كلام صاحب التلخيص: أن القول بالموجب، هو حمل لفظ وقع في كلام الغير على خلاف مراده، مما يحتمله بذكر متعلقه، وهذا القسم الذي تداوله الناس١، ونظمه أصحاب البديعيات، كقول ابن حجاج:
قال ثقلت إذ أتيت مرارا ... قلت ثقلت كاهلي بالأيادي
قال طولت قلت أوليت طولا ... قال أبرمت قلت حبل ودادي٢
وحذاق البديع أخلوا هذا الباب من لفظة لكن، فإنهم خصصوا بها نوع الاستدراك، بحيث يفرق بينهما فرق دقيق، وهذا هو الفرق. ومن أحسن ما وقع في هذا النوع قول محاسن الشواء:
ولما أتاني العاذلون عدمتهم ... وما فيهم إلا للحمى قارض٣
وقد بهتوا لما رأوني شاحبًا ... وقالوا به عين فقلت وعارض٤
وأورد الشهاب محمود، في كتابه المسمى "بحسن التوسل إلى صناعة الترسل" بيت الأرجاني في الاستدراك شاهدًا على هذا النوع، وهو:
غالطتني إذ كست جسمي ضنى ... كسوة أعرت من اللحم العظاما
ثم قالت أنت في الهوى ... مثل عيني صدقت لكن سقاما
قد تقرر أن لفظة لكن خصص بها أهل البديع نوع الاستدراك، لأجل الفرق بينه وبين القول بالموجب، ولم يستشهدوا على نوع الاستدراك بغير بيتي الأرجاني. قال الشهاب محمود في البيتين: إنه أعجبه معناهما، ونظم فيه قوله، وهو شاهد على القول بالموجب:
стр. 260
رأتني وقد نال مني النحول ... وفاضت دموعي على الخد فيضا١
فقالت بعيني هذا السقام ... فقلت صدقت وبالخصر أيضا
وبيت الحلي:
قالوا سلوت لبعد الإلف قلت لهم ... سلوت عن صحتي والبرء من سقمي٢
فقوله: سلوت عن صحتي هو حمل لفظ وقع من كلام الغير على خلاف مراده.
وبيت العميان أوردوه بحرف الاستدراك وهو:
كانوا غيوثًا ولكن للعفاة كما ... كانوا ليوثًا ولكن في عداتهم٣
رأيت ترك الكلام على هذا البيت أليق بالمقام.
وبيت عز الدين الموصلي:
قالوا مدام الهوى قول بموجبه ... تسل قلت شبابي من يد الهرم٤
لما قال الشيخ عز الدين، بعد تسل: شبابي من يد الهرم، علمنا أنها الكلمة التي أشار إليها ابن أبي الأصبع، وقال: إن المخاطب يعكس بها معنى كلام المتكلم وهو عين القول بالموجب. وتسل هنا، أحسن من سلوت في بيت الحلي، فإن تسل يقبل الاشتراك ومراد المتكلم هنا داء السل، فعاكسه المخاطب بسل الشباب من يد الهرم، ونقله باشتراك التورية، إلى الوجه الذي أراده، ولم يخرج عن موضوعها في معنى السل الذي لم يخرج عن الوجهين، غير أن قول: الموصلي مدام الهوى قول بموجبه، لم يخل من شدة العقادة، وبيت بديعيتي:
قولي له موجب إذ قال أشفقهم ... تسل قلت بناري يوم فقدهم
فلفظة تسل هي الكلمة المعتمد عليها في عكس معنى كلام المتكلم من المخاطب، فإن المتكلم أراد السلو في لفظة تسل، وهي فعل أمر، فعاكسه المخاطب بالاشتراك، ونقلها بالتورية إلى صفة التسلي بالنيران، فإنه لما قال له: تسل، قال: بناري يوم فقدهم. ورقة البيت وانسجامه لا تخفى على أهل الذوق السليم، والله أعلم.
стр. 261
ذكر الهجو في معرض المدح:
وكم بمعرض مدح قد هجوتهم ... وقلت سدتم بحمل الضيم والتهم١
هذا النوع من مستخرجات ابن أبي الأصبع، وهو أن يقصد المتكلم هجاء إنسان، فيأتي بألفاظ موجهة ظاهرها المدح وباطنها القدح٢، فيوهم أنه يمدحه وهو يهجوه، كقول الحماسي:
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا
كأن ربك لم يخلق لخشيته ... سواهم من جميع الناس إنسانا٣
فظاهر هذا الكلام المدح بالحلم والعفة والخشية والتقوى، وباطنه المقصود أنهم في غاية الذل وعدم المنعة، وظريف قول بعضهم في الشريف ابن الشجري:
يا سيد والذي يعيذك من ... نظم قريض يصدي به الفكر٤
ما فيك من جدك النبي سوى ... أنك لا ينبغي لك الشعر
ومن ملح هذا الباب، قول ابن سناء الملك في قواد٥:
لي صاحب أفديه من صاحب ... حلو التأني حسن الاحتيال
لو شاء من رقة ألفاظه ... ألف ما بين الهدى والضلال٦
يكفيك منه أنه ربما ... قاد إلى المهجو طيف الخيال
стр. 262
قال الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع: لقد تشبثت بأذيال القاضي، السعيد بن سناء الملك، في هذا النوع بقولي، فيمن ادعى الفقه والكرم:
إن فلانًا أكرم الناس لا ... يمنع ذا الحاجة من فلسه
وهو فقيه ذو اجتهاد وقد ... نص على التقليد في درسه
فيحسنُ البحث على وجهه ... ويوجب الدخل على نفسه١
والفرق بين الهجاء في معرض المدح وبين التهكم، أن التهكم لا تخلو ألفاظه من اللفظ الدال على نوع من أنواع الذم، أو لفظة توهم من فحواها الهجو. وألفاظ المدح في معرض الذم لا يقع فيها شيء من ذلك، ولا تزال تدل على ظاهر المدح، حتى يقرن بها ما يصرفها عنه.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي:
من معشر يرخص الأعراض جوهرهم ... ويحملون الأذى من كل مهتضم٢
فقوله: ويحملون الأذى من كل مهتضم، ينظر إلى قول الحماسي: "يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة" والمراد بما أبطنه الذل وعدم المنعة.
والعميان لم ينظموا هذا النوع. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي:
في معرض المدح تهجي من قبيلته ... أعراضهم بين معمور ومنهدم
الذي أقوله: إن الشيخ عز الدين قفل مصراعي بيته، ومنع الأفهام من الدخول إليه، فإن لم أجد فيه ما يدل على مجرد المدح، ولا اقترن به ما يصرفه إلى صيغة الهجو، بل أقول وأنا أستغفر الله: إن هذا البيت أجساد ألفاظه ما دب فيها من المعاني روح، وليس له بهذا النوع إلمام.
وبيت بديعيتي:
وكم بمعرض مدح قد هجوتهم ... وقلت سدتم بحمل الضيم والتهم
فحمل الضيم، ينظر إلى قول الحماسي، إذ ظاهره الحلم والحسن وباطنه الذل وعدم المنعة ولكن حمل التهم هو الغاية القصوى في ظاهره وباطنه، والله أعلم.
стр. 263
ذكر الاستثناء:
عفت القدود فلم أستثن بعدهم ... إلا معاطف أغصان بذي سلم١
الاستثناء، استثناءان: لغوي، وصناعي. فاللغوي: إخراج القليل من الكثير، وقد فرع النحاة من ذلك في كتبهم فروعًا كثيرة. والصناعيّ: هو الذي يفيد بعد إخراج القليل من الكثير معنى يزيد على معنى الاستثناء، ويكسوه بهجة وطلاوة، ويميزه بما يستحق به الإثبات في أبواب البديع، كقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ ٢، فإن في هذا الكلام معنا زائدًا على مقدار الاستثناء، وذلك لعظم الكبيرة التي أتى بها إبليس، من كونه خرق إجماع الملائكة، وفارق جميع الملأ الأعلى، بخروجه مما دخلوا فيه من السجود لآدم، وذلك مثل قولك: أمر الملك بكذا وكذا فأطاع أمره جميع الناس، من أمير ووزير، إلا فلانًا، فإن الإخبار عن معصية هذا العاصي بهذه الصيغة مما يعظم أمر معصيته، ويفخم مقدار كبريائه، بخلاف قولك: أمر الملك بكذا فعصاه فلان. ومثاله قوله تعالى، إخبارًا عن نوح ﵇: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ ٣ فإن في الإخبار عن هذه المدة، بهذه الصيغة تهويلًا على السامع، لتمهيد عذر نوح ﵇ في الدعاء على قومه، وإن في حكمة الإخبار عن المدة بهذه الصيغة العظيمة تعظيمها، لكون أول ما يباشر السمع ذكر الألف، والإيجاز في اختصار هذا اللفظ، بهذه البلاغة العظيمة، ظاهر فإن لفظ القرآن أخصر وأوجز من قولنا: تسعمائة سنة وخمسين عامًا ولفظ القرآن بتقييد حصر العدد المذكور، ولا يحتمل الزيادة.
стр. 264
عليه ومثله قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيد، وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ١ فالله تعالى لما علم أن وصف الشقاء يعم المؤمن العاصي والكافر، استثنى من خلودهم في النار بلفظ مطمع، حيث أثبت الاستثناء المطلق وأكده بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيد﴾ ، أي أنه لا اعتراض عليه في إخراج أهل الشقاء من النار. ولما علم أن أهل السعادة لا خروج لهم من الجنة، استثنى من خلودهم ما ينفي الاستثناء، حيث قال: عطاء غير مجذوذ أي مقطوع، وهذه المعاني في هذه الآيات الشريفة زائدة على الاستثناء اللغوي.
ومن أمثال الاستثناء اللغوي في الشعر قول النميري:
فلو كنت بالعنقاء أو بأطومها ... لخلتك إلا أن تصد تراني٢
هذا الاستثناء غاية الحسن، فإنه تضمن المبالغة في زيادة مدح الممدوح، وذلك أن هذا الشاعر يقول: إني لو كنت في حيز العدم، لأن العرب تضرب المثل بالعنقاء لكل شيء متعذر الوجود لخلتك متمكنًا من رؤيتي، ليس لك مانع يمنعك عني، فالزيادة هنا في غاية اللطف وهي قوله، إلا أن تصد، فأنت في القدرة علي غير ممنوع، وهذا غاية المبالغة في المدح.
ومن الاستثناء نوع سماه ابن أبي الأصبع: استثناء الحصر، وهو غير الاستثناء الذي يخرج القليل من الكثير، ونظم فيه قوله:
إليك وإلا ما تحث الركائب ... وعنك وإلا فالمحدث كاذب٣
فإن خلاصة هذا البيت قول الناثر للمدوح: لا تحث الركائب إلا إليك، ولا يصدق المحدث إلا عنك، وهذا الحصر لا يحسن في الاستثناء الأول، فإنه لو قال : فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا وعامًا صح، لولا توخي الصدق في الخبر. وقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ لا يمنع أن يقال ورهطه٤، لولا مراعاة الصدق في الخبر.
стр. 265
وعلى منوال الاستثناء الأول، الذي هو العمدة في هذا الباب، نظم أصحاب البديعيات وهو إخراج القليل من الكثير، بزيادة معنى بديع، يزيد على معنى الاستثناء، فبيت الشيخ صفي الدين الحلي:
فكل ما سر قلبي واستراح به ... إلا الدموع عصاني بعد بعدهم
فلبيت صفي الدين هنا غير حال من العقادة، ومراده فيه أن كل شيء كان يسره، قبل الفراق، ويطيعه عصاه، إلا الدموع فإنها أطاعته. ومعنى هذه الزيادة اللطيفة لا يخفى على أهل الذوق.
والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم، وبيت الشيخ عز الدين:
الناس كل ولا استثناء لي عذروا ... إلا العذول عصاني في ولائهم
مراد عز الدين في زيادة معناه على معنى الاستثناء أن عذوله خالف الإجماع.
وبيت بديعيتي:
عفت القدود فلم أستثن بعدهم ... إلا معاطف أغصاني بذي سلم
قال الله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ١ هذا البيت ما أعلم أنني إذا أطنبت في وصفه، يكون الإطناب لشدة فرحي به، لكونه نظمي، أو لأن الأمر على حقيقته. فإن زيادة معناه على معنى الاستثناء، وغرابة أسلوبه، وشرف نسيبه، وحسن انسجامه، وسهولة ألفاظه، ومراعاة نظيره لا تخفى على المنصف من أهل الأدب. وأما ترشيح تورية الاستثناء، بذكر القدود والمعاطف، فإنه من النسمات التي حركت القدود والمعاطف، والتكميل بذي سلم، لكون القصيدة نبوية، في غاية الكمال. والذي أقوله: إنه ما يدخل نظر المتأمل إلى بيت أعمر منه في هذا الباب، والله أعلم بالصواب.
стр. 266
ذكر التشريع:
طاب اللقا لذ تشريع الشعور لنا ... على النقا فنعمنا في ظلالهم١
هذا النوع، أعني التشريع، سماه ابن أبي الأصبع، التوأم. وأراد بذلك مطابقة التسمية للمسمى، فإن هذا النوع شرطه أن يبني الشاعر بيته على وزنين، من أوزان القريض، وقافيتين، فإذا أسقط، من أجزاء البيت، جزءًا أو جزأين صار ذلك البيت من وزن آخر غير الأول، كقول الحريري:
يا خاطب الدنيا الدنية إنها ... شرك الردى وقرارة الأكدار٢
دار متى ما أضحكت في يومها ... أبكت غدًا تبًّا لها من دار٣
وهي قصيدة كاملة معروفة في مقاماته، من ثاني الكامل، وتنتقل بالإسقاط إلى ثامنه، فتصير:
يا خاطب الدنيا الدنيـ ... ـة إنها شَرَكُ الردى٤
دار متى مى أضحكت ... في يومها أبكت غدا
وزيادة القافيتين ظاهرة ووقع، قبل كلام الحريري، من كلام العرب في هذا الباب:
стр. 267
وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... هوج الرمال بكثبهن شمالا
ألفيتنا نفري الغبيط لضيفنا ... قبل القتال ونقتل الأبطالا١
فإن هذا الشاعر لو اقتصر على الرمال والقتال، لكان الشعر من الضرب المجزوّ
المرفل من الكامل وهو:
وإذا الرياح مع العشـ ... ـي تناوحت هوج الرمال
ألفيتنا نفري الغبيـ ... ـط لضيفنا قبل القتال
فإذا أتممت البيتين صارا من الضرب التام المقطوع منه، وصار لكل بيت من هذين البيتين قافيتان، ولا شك أن هذا النوع لا يأتي إلا بتكلف زائد وتعسف، فإنه راجع إلى الصناعة لا إلى البلاغة والبراعة، إذ وقوع مثل هذا النوع في الشعر من غير قصد له نادر، ولا يحسن أن يكون في النثر فإنه ما يقع فيه إلا تصريعًا، ولا يظهر حسنه إلا في النظم، لأن فيه الانتقال من وزن إلى وزن آخر، فيحصل بذلك من الاستحسان ما لا يحسن في النثر لأن النثر، على كل حال، كلام مسجوع ليس فيه انتقال من وزن إلى وزن، وأوسع البحور في هذا النوع الرجز، فإنه قد وقع مستعملًا تامًّا ومجزوءا، ومشطورًا ومنهوكًا، فيمكن أن يعمل للبيت منه أربع قواف، فإذا أسقطت ما بعد القافية الأولى بقي البيت منهوكًا، فإذا أسقطت ما بعد الثانية بقي البيت مشطورًا، فإذا أسقطت ما بعد الثالثة بقي مجزوءا، وإذا لم تسقط شيئًا كان تامًّا.
ولأبي عبد الله محمد بن جابر الضرير الأندلسي، ناظم البديعية، في غير بديعيته المذكورة هنا:
يرنو بطرف فاتر مهما رنا ... فهو المنى لا أنتهي عن حبه
يهفو بغصن ناضر حلو الجنى ... يشفي الضنا لا صبر لي عن قربه٢
لو كان يومًا زائري زال العنا ... يحلو لنا في الحب أن نسمي به٣
أنزلته في ناظري لما دنا ... قد سرنا إذ لم يحل عن صبه٤
فهذه الأبيات من الرجز التام وهو الضرب الأول منه، فإذا تركتها على حالها فهي
стр. 268
من التام، وإذا أسقط من البيت الأول: لا أنتهي عن حبه، ومن الثاني: لا صبر لي عن قربه، ومن الثالث: في الحب أن نسمي به، ومن الرابع: إذا لم يحل عن صبه، صارت من الرجز المجزوء، وإن أسقطت من البيت الأول قوله: فهو المنى إلى آخره، ومن الثاني: يشفي الضنا إلى آخره، ومن الثالث: يحلو لنا إلى آخره، ومن الرابع: قد سرنا إلى آخره، صارت من الرجز المشطور. وإن أسقطت من الأول. قوله: مهما رنا، ومن الثاني: حلو الجنى، ومن الثالث: زال العنا، ومن الرابع: لما دنا، صار من الرجز المنهوك. ولكن القوة في ذلك، والمكنة في ملكة الأديب أن يأتي بالتشريع، في بيت واحد، وهذا هو المطلوب من نظام البديعيات، لأجل الاستشهاد بأبياتهم على كل نوع، ولا سيما الملتزم بتسميته على الصيغة، فإنه لو جاء بالتسمية والنوع في بيتين بطل حكم التورية، وخرج عن شروط البديعيات.
وبيت الشيخ صفي الدين:
فلو رأيت مصابي عندما رحلوا ... رثيت لي من عذابي يوم بينهم١
يخرج له من هذا البيت:
فلو رأيت مصابي ... رثيت لي من عذابي
وهو مجزوء المجتث، وبيته عند الرعوضيين:
البطن منها خميص ... والوجه مثل الهلال٢
وقد تعين إيراد ما نظمه أبو عبد الله الضرير في البيتين، لأجل المعارضة، وهما:
وافق كريم رحيم قد وفى ووقى ... فعم نفعًا فكم ضرًا شفى فقم
فقم بنا فلكم فقرًا كفى كرمًا ... وجود تلك الأيادي قد صفا فقم
أقول لو اختصر العميان هذين البيتين، وأضافوهما إلى ما اختصروه من البديع، لكان أجمل بهم، فإنهم أسقطوا من أنواع البديع نحو السبعين، وقصد الناظم فيهما، أعني البيتين، أنك إذا اسقطت من البيت الكلمة الموازنة لفعلن من آخر كل نصف، وهما قوله: ووقى، وقوله: فكم، صار الوزن من الضرب الأول من البسيط، وهو التام، إلى الضرب الثالث منه، وهو المجزوء، لأنه قد حذف منه جزءا من آخر كل نصف فصار:
واف كريم رحيم قد وفى ... وعم نفعًا فكم ضرًا شفى
فقم بنا فلكم فقرًا كفى ... وجود تلك الأيادي قد صفا
стр. 269
وهذا مع ركته وثقالة نظمه، غير المشهور من البسيط، فإنه لم يشتهر منه سوى العروض الأولى المخبونة، ووزنها فعلن ولها ضربان، المشهور منها الأول وهو مخبون مثلها.
وبيت الشيخ عز الدين:
وفي الهوى ضل تشريع العذول لنا ... وكم هوى في مقال ذل من حكم
أخبر أن تشريع العذول في حكم الهوى ضلال، حتى يرشح بتورية التشريع في تسمية النوع، ويخرج من بيت الشيخ عز الدين بيت من قافية أخرى، من منهوك الرجز، فنصفه في الشطر الأول، وفي الهوى، وفي الشطر الثاني: وكم هوى، وهذه عبارته في شرحه بنصفها، فصار باقي البيت بدون الجزأين الأولين:
ضل تشريع العذول لنا ... في مقال ذل من حكم
وهذا البيت من العروض الثالثة المحذوفة من المديد، ووزنها فعلن، وشاهدها:
للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدي ساقه قدمه
ولقد برز الشيخ عز الدين في ذلك على متقدميه، فإن الشيخ صفي الدين لم يتحصل له بيتان من بيت، ولا للشيخ أبي عبد الله الضرير، ولكن قال الشيخ عز الدين في شرحه: إن هذا النمط ما وقع للمتقدمين، وهو معجز ليس لأديب عليه قدرة، وبسط العبارة في الدعوى بسببه، فأردت أن لا أنسج في الشرح على غير منواله، فقلت:
طاب اللقا لذ تشريع الشعور لنا ... على النقا فنعمنا في ظلالهم
فيخرج من بيتي: طاب اللقا على النقا
وهو بيت بقافية أخرى من منهوك الرجز، كبيت الشيخ عز الدين، ولكن شتان بين قولي: طاب اللقا على النقا، وبين قوله: وفي الهوى. وكم هوى، فإن بيته لا تتم به فائدة ولا يحسن السكوت عليه، وصار باقي بيتي، بدون الجزأين الأولين:
لذ تشريع الشعور لنا ... فنعمنا في ظلالهم
وهو بيت من العروض الثالثة المحذوفة المخبونة من المديد، وهي التي رتب عز الدين عليها ما بقي من بيته:
ضل تشريع العذول لنا ... في مقال ذل من حكم
стр. 270
ولكن الفرق في تشريع الشعور ظاهر، والتورية في قوله: فنعمنا في ظلالهم، عند ذكر الشعور، كلاهما سائغ عند أهل الأدب وهذا البيت، مع صعوبة مسلك هذا النوع، اجتمع فيه من أنواع البديع: السهولة والانسجام والتورية، في موضعين، والتمكين في القافية، والجناس المطلق بين تشريع وشعور والتذييل البديعي، فإني أتيت بجملة، بعد تمام الكلام الأول، زادت معناه تحقيقًا وتوكيدًا، وجرى مجرى المثل، وفيه نوع التشريع الذي هو المقصود هنا، والله أعلم.
стр. 271
ذكر التتميم:
بكل بدر بليل الشعر يحسده ... بدر السماء على التتميم في الظلم١
التتميم، كان اسمه التمام، وإنما سماه الحاتمي التتميم، وسماه ابن المعتز: اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه.
والتتميم عبارة عن الإتيان في النظم والنثر، بكلمة إذا طرحت من الكلام نقص حسنه ومعناه، وهو على ضربين: ضرب في المعاني، وضرب في الألفاظ، فالذي في المعاني، هو تتميمي المعنى، والذي في الألفاظ هو تتميمي الوزن، والمراد هنا تتميمي المعنى ويجيء للمبالغة والاحتياط كقول طرفة:
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الغمام وديمة تهمي٢
فقوله: غير مفسدها احتراس واحتياط، ويجيء في المقاطع والحشو، وأكثر مجيئه في الحشو، ومثاله قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ ٣ فقوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ ، تتميم، وقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ ، تتميم ثان في غاية البلاغة التي بذكرها تم معنى الكلام، وجرى على الصحة، ولو حذفت الجملتان نقص معناه واختل حسن البناء. ومن هذا القسم قول النبي ﷺ ، مما انفرد به مسلم: "ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم اثنتي عشرة ركعة، من غير الفرائض، إلا بنى الله له بيتًا في الجنة".
стр. 272
فوقع التتميم، في هذا الحديث، في أربعة مواضع، منها قوله: مسلم، ومنه قوله: لله، ومنها: كل يوم، ومنها قوله: من غير الفرائض.
ومن أناشيد قدامة على هذا القسم:
أناس إذا لم يقبل الحق منهم ... ويعطوه غاروا بالسيوف القواضب١
فقوله: ويعطوه، تتميم، فإنه في غاية الحسن، وهو٢ شاهد على ما جاء منه للاحتياط.
ومثال ما جاء منه للمبالغة، قول زهير:
من يلق يومًا على علاته هَرِمًا ... يلق السماحة منه والندى خلقا٣
فقوله: على علاته تتميم للمبالغة.
وغاية الغايات في التتميم للمبالغة، قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ ٤. فقوله: على حبه، هو تتميم للمبالغة التي تعجز عنها قدرة المخلوقين. وأما التتميم الذي جاء في الألفاظ فهو الذي يؤتى به لإقامة الوزن، بحيث أنه لو طرحت الكلمة استقل معنى البيت بدونها، وهو على ضربين أيضًا: كلمة لا يفيد مجيئها إلا إقامة الوزن، وأخرى تفيد مع إقامة الوزن ضربًا من المحاسن. فالأولى من العيوب، والثانية من النعوت، والمراد هنا الثانية لا الأولى، ومثالها قول المتنبي:
وخفوف قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنتي لظننت فيه جهنما٥
فإنه جاء بقوله: يا جنتي، لإقامة الوزن فأفاد تتميم المطابقة، وهو ضرب من المحاسن المشار إليها.
стр. 273
ولقد وهم جماعة من المؤلفين، وخلطوا التكميل بالتتميم، وساقوا في باب التتميم شواهد التكميل وبالعكس. وتأتي شواهد التكميل في مواضعها، والفرق بين التكميل والتتميم: أن التتميم يرد على الناقص فيتمه، والتكميل يرد على المعنى التام فيكمله، إذ الكمال أمر زائد على التتميم، وأيضًا، أن التمام يكون متممًا لمعاني النقص لا لأغراض الشعر ومقاصده، والتكميل يكملها. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته:
وكم بذلت طريفي والتليد لكم ... طوعًا وأرضيت عنكم كل مختصم١
فالتتميم في قوله: طوعًا، فإنه أراد به أنه لم يبذل ذلك كرهًا، فتم بهذا المعنى.
والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم وبيت الشيخ عز الدين:
والبدر مذ لاح في التتميم دان له ... والشمس مذعنة طوعًا لمحتكم٢
قوله: في التتميم، هو التتميم بعينه مع زيادة التورية في التشبيه، وقوله: طوعًا، تتميم ثان، لكن تقدمه الشيخ صفي الدين، بقوله: طوعًا, وأرضيت عنكم كل مختصم.
وبيت بديعيتي، متعلق ببيت التشريع الذي قبله، وهو:
طاب اللقا لذ تشريع الشعور لنا ... على النقا فنعمنا في ظلالهم
بكل بدر بليل الشعر يحسده ... بدر السماء على التتميم في الظلم
فقولي: بليل الشعر، هو التتميم الذي تستعار من استعارته المحاسن، فإني لو قلت: بكل بدر يحسده بدر السماء، لصح المعنى، ولكن زدت البدر الأرضي، بقولي: بليل الشعر، تتميمًا وحسنًا. وقولي: على التتميم، تتميم ثان مع زيادة التورية التي فيها تسمية النوع الملتزم بها. وقولي: في الظلم، تتميم ثالث ليس له نظير، فإن به تم المعنى وتمت رتبة اللف والنشر.
стр. 274
ذكر تجاهل العارف:
وافتر عُجبًا تجاهَلْنا بمعرفة ... قلنا أبرق بدا أم ثغر مبتسم١
تجاهل العارف، تسميته لابن المعتز، وسماه السكاكي: بسوق المعلوم مساق غيره، لنكتة المبالغة في التشبيه. وهو عبارة عن سؤال المتكلم، عما يعلم، سؤال مَنْ لا يعلم، ليوهم أن شدة التشبيه الواقع بين المتناسبين أحدثت عنده التباس المشبه بالمشبه به، وفائدته المبالغة في المعنى، نحو قولك: أوجهك هذا أم بدر، فإن المتكلم يعلم أن الوجه غير البدر، إلا أنه لما أراد المبالغة في وصف الوجه بالحسن استفهم: أهذا وجه أم بدر؟ ففهم من ذلك شدة الشبه بين الوجه والبدر، فإن كان السؤال عن الشيء الذي يعرفه المتكلم خاليًا من الشبه بين الوجه والبدر، فإن كان السؤال عن الشيء الذي يعرفه المتكلم خاليًا من الشبه، لم يكن من هذا الباب، بل يكون من باب آخر كقوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ ٢ فإن السؤال هنا، ما وقع لأجل المبالغة في التشبيه المشار إليه، في تجاهل العارف، بل هو لفائدة أخرى. إما الإيناس لموسى ﵇، لأن المقام مقام هيبة واحترام، وإما إظهار المعجز الذي لم يكن موسى يعلمه. ومنه قوله لعيسى ﵇: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٣ فإن السؤال هنا لم يكن للتشبيه، وإنما هو توبيخ لمن ادعى فيه ذلك.
ومن الناس من جعل تجاهل العارف مطلقًا، سواء كان على طريق التشبيه، أو على غيره، إذا تقرر هذا فاعلم أن تجاهل العارف من حيث هو، إنما يأتي لنكتة من نحو مبالغة
стр. 275
في مدح أو ذم أو تعظيم أو تحقير أو توبيخ أو تقرير أو من تدله في الحب، وأنا أذكر أمثلة الجميع هنا، فمنه للمبالغة في الغزل قول الشاعر:
أجفون كحيلة أم صُفاح ... وقدود مهزوزة أم رماح١
ومنه للمبالغة في الشوق وطول الليل:
وشوق ما أقاسي أم حريق ... وليل ما أكابد أم زمان٢
وللمبالغة في النحول:
وقفت وقد فقدت الصبر حتى ... تبين موقفي أني الفقيد
وشكك فيَّ عذالي فقالوا ... لرسم الدار أيكما العميد
ومنه للمبالغة في الغزل:
في الخيف من ظبيانه سمراء ... أقِوَامُها أم صعدة سمراء٣
ومثله:
أثغرك يا هند أبدى ابتسامًا ... أم البرق سل عليه حسامًا
ومثله قول شرف الدين راجح الحلي:
من أطلع البدر في ديجور طرته ... وأودع السحر في تكسير مقلته٤
ومن أدار يواقيت الشفاه على ... كأس من الدر يحمي خمر ريقته٥
ويعجبني من هذا القصيد قوله وإن كان من غير ما نحن فيه:
يحنو النسيم عليه من لطافته ... والدهر ألين منه عند قسوته
ومثله، في اللفظ والمعنى، قول ابن نباتة:
في مرشفيه سلاف الراح من عصره ... ومعطفيه قوام البان من هصره٦
وفي ابتسام ثناياه ومنطقه ... من نظم الدر أسلاكًا ومن نثره
стр. 276
ومن تجاهل العارف، للمبالغة في تعظيم الممدوح، قول ابن هانئ المغربي:
أبني العوالي السمهرية والموا ... ضي المشرفية والعديد الأكبر١
من منكم الملك المطاع كأنه ... تحت السوابغ تبع في حمير٢
قيل: إنه لما تجاهل، في هذا البيت، عن معرفة الممدوح، ترجل الجيش بكماله تعظيمًا للممدوح إذ هو ملكهم، وهذه القصيدة سارت بها الركبان والحداة تشدو ببلاغتها، وهي أحب من: قفا نبك في الشهرة، لفصاحتها، ومطلعها:
فُتِقَتْ لكم ريحُ الجِلادِ بعنبرِ ... وأمدَّكُمْ فَلَقُ الصّباحِ المسْفِرِ
وما أحلى ما قال بعده:
وجنَيْتُمُ ثَمَرَ الوقائِعِ يانِعًا ... بالنصر من وَرَق الحديدِ الأخضَر
أقول إن هذه الاستعارات المرشحة يرشح ندى البلاغة من بين أوراقها، وتتعثر فحول الشعراء في حلبة سباقها، ومنها:
في فِتيةٍ صَدَأُ الدروع عبيرُهْم ... وخَلوقُهم عَلَقُ النجيعِ الأحمر٣
لا يأكُلُ السِّرحانُ شِلوَ طعينهم ... مما عليه من القنا المتكسِّر٤
قوْمٌ يبِيتُ على الحَشايا غيرُهُمْ ... ومبيتهُم فوق الجياد الضُّمَّر
وتظَلُّ تسبَحُ في الدماء قِبابُهُمْ ... فكأنّهُنَّ سفائنٌ في أبحر
حيٌّ مِنَ الأعراب إلا أنهم ... يردون ماء الأمن غير مُكَدَّر
لي منْهُمُ سيْفٌ إذا جَرَّدْتُهُ ... يومًا ضرَبْتُ به رِقابَ الأعصُر
صَعْبٌ إذا نُوَبُ الزمان استصعبتْ ... مُتَنَمِّرٌ للحادثِ المُتَنَمِّر
وإذا عَفَا لم تَلْقَ غيرَ مُمَلَّكٍ ... وإذا سطا لم تَلْقَ غيرَ مُعفَّر
فغمامُهُ من رحمَةٍ وعِراصُهُ ... من جَنّةٍ ويمينُهُ من كوثر٥
стр. 277
ولم أستطرد إلى هذا القدر من نظم ابن هانئ إلا لعلمي أنه عزيز الوجود، وغريب في هذه البلاد.
ومن تجاهل العارف للمبالغة في المدح قول إمام هذه الصناعة، ومالك أزمة البلاغة والبراعة، القاضي الفاضل، من مديح العادل:
أَهذي كَفُّهُ أَم غَوثُ غَيثٍ ... وَلا بَلَغَ السَحابُ وَلا كَرامَه
وَهَذا بِشرُهُ أَم لَمعُ بَرقٍ ... وَمَن لِلبَرقِ فينا بِالإِقامَه
وَهَذا الجَيشُ أَم صَرفُ اللَيالي ... وَلا سَبَقَت حَوادِثُها زَحامَه
وَهَذا الدَهرُ أَم عَبدٌ لَدَيهِ ... يُصَرِّفُ عَن عَزيمَتِهِ زِمامَه
وَهَذا نَصلُ غِمدٍ أَم هِلالٌ ... إِذا أَمسى كَنونٍ أَم قُلامَه١
وَهذا التُربُ أَم خَدٌّ لَثَمنا ... فَآثارُ الشِفاهِ عَلَيهِ شامَه
سبحان المانح! هذا الأديب الذي لم ينسج الأوائل على منواله، ولا تتعلق الأفاضل من المتأخرين بغبار أذياله.
ومنها ليس من تجاهل العارف، ولكنه من المرقص والمطرب:
وهذا الدر المنثور ولكن ... أروني غير أقلامي نظامه
وهذي روضة تندي وسطري ... بها غصن وقافيتي حمامه
وهذا الكاس روق من بناني ... وذكرك كان من مسك ختامه٢
وقوله أيضًا من تجاهل العارف للمبالغة في المديح:
أهذه سير في المجد أم سور ... وهذه أنجم في السعد أم غرر
وأنمل أم بحار والسيوف لها ... موج وإفرندها في لجها درر٣
وأنت في الأرض أم فوق السماء وفي ... يمينك البحر أم في وجهك القمر
ومما جاء في تجاهل العارف، للمبالغة في التعظيم، قول سيدنا القطب الفرد الجامع، عبد القادر الجيلاني قدس الله ضريحه، وأعاد علينا من بركاته في الدنيا والآخرة بمحمد وآله:
стр. 278
أأظما وأنت العذب في كل منهل ... وأظلم في الدنيا وأنت نصيري
وعار على حامي الحمى وهو قادر ... إذا ضاع في البيدا عقال بعير١
ومثله:
بدا فراع فؤادي حسن صورته ... فقلت هل ملك ذا الشخص أم ملك
ومما جاء في تجاهل العارف للمبالغة في الذم قول زهير:
وما أدري وسوف أخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء
ومما جاء للتحقير قول الشاعر، وتظارف إلى الغاية:
لما ادعى غصن الرياض بأنه ... في لينه مع قدها موصوف
قلنا له هل أنت تشبه قدها ... ما أنت هذا القد يا مقصوف
ومما جاء منه للتوبيخ قول ليلى بنت طريف الخارجية، في أخيها الوليد:
أيا شجر الخابور مالك مورقًا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف٢
وهذا البيت من قصيدة غريبة أثبتها بكمالها ابن خلكان في تاريخه، والخابور نهر أصله من رأس عين بديار بكر يصب إلى الفرات.
ومن أطرف ما وقع في تجاهل العارف على سبيل التوبيخ، قول سراج الدين الوراق، فإنه صرح بذكر التوبيخ في بيتيه وهما:
واخجلتي وصحائفي مسودة ... وصحائف الأبرار في إشراق
وموبخ في الحشر وهو يقول لي ... أكذا تكون صحائف الوراق٣
ومما وقع للتقرير قول مهيار:
سلا ظبية الوادي وما الظبي مثلها ... وإن كان مصقول الترائب أكحلا٤
أأنت أمرت الصبح أن يصدع الدجا ... وعلمت غصن البان أن يتميلا
стр. 279
ومما وقع منه قول العرجي للتدله في الحب:
بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلى من البشر
قد قررت هنا اختلاف أقسام هذا النوع، أعني تجاهل العارف من مدح وذم وتعظيم وتحقير، وتوبيخ وتقرير وغير ذلك، إذا عرفت ذلك، فإني أوردت هنا ما استظرفته في هذا الباب، ولم أحتج فيه إلى التنبيه.
وأظرف ما سمعته في هذا الباب قول عبد المحسن الصوري:
بالذي ألهم تعذي ... بي ثناياك العذابا
والذي صير حظي ... منك هجرًا واجتنابا
والذي ألبس خدي ... ك من الورد نقابا
ما الذي قالته عينا ... ك لقلبي فأجابا
ومثله:
دعوه ونجدًا إنها شأن نفسه ... ولو أن نجدًا تلعة ما تعداها١
وهبكم منعتم أن يراها بعينه ... فهل تمنعون القلب أن يتمناها
وقول المتنبي:
أتراها لكثرة العشاق ... تحسب الدمع خلقة في المآقي
وقول الفاضل:
فإذا قلت أين داري وقالوا ... هي هذي أقول أين زماني
وقال ابن الفارض:
أوميض برق بالأبيرق لاحا ... أم في ربا نجد أرى مصباحا
أم تلك ليلى العامرية أسفرت ... ليلًا فصيرت المساء صباحا
ويعجبني قول الشيخ علاء الدين الوداعي:
ترى يا جيرة الرمل ... يعود بقربكم شملي٢
وهل تقتص أيدينا ... من الهجران للوصل٣
وهل ينسخ لقياكم ... حديث الكتب والرسل٤
стр. 280
ومن لطائف هذه القصيدة ولم أبعد في الاستطراد عما نحن فيه قوله
بروحي ليلة مرت ... لنا معكم بذي الأثل
وساقينا وما يملا ... وشادينا وما يملي١
وظبي من بني الأترا ... ك حلو التيه والدل
له قد كغصن البا ... ن ميال إلى العدل٢
وطرف ضيق ويلا ... هـ من طعناته النجل٣
أقول لعاذلي فيه ... رويدك يا أبا جهل
فقلبي من بني تيم ... وعقلي من بني ذهل
وما يبري هوى المشتا ... ق إلا ذلك المغلي
لقد زاحمه الشيخ جمال الدين بن نباتة ﵀ هنا بقوله
حلفت بما يملا النديم وما يملي ... لقد صان ذاك الحسن سمعي عن العذل
من المغل أشكو نحوه ألم الهوى ... وطب الهوى عندي كما قيل بالمغلي٤
ومن الذي أعجبني في هذا النوع أعني تجاهل العارف قول بعضهم:
أقول له علام تميل عجبًا ... على ضعفي وقدك مستقيم
فقال تقول عني فيَّ ميل ... فقلت له كذا نقل النسيم
ومليح هنا قول ابن نباتة السعدي:
فوالله ما أدري أكانت مدامة ... من الكرم تجني أم من الشمس تعصر
وأورد صاحب الصناعتين في هذا الباب ما كتبه إليه بعض أهل الأدب وهو: سمعت بورود كتابك فاستفزني الفرح قبل رؤيته وهز عطفي المرح أمام مشاهدته، فما أدري أسمعت بورود كتاب أم رجوع شباب، ولم أدر أرأيت خطًّا مسطورًا أم روضًا ممطورًا أو كلامًا منثورًا، أم وشيًا منشورًا
стр. 281
وبيت الشيخ صفي الدين غاية في هذا الباب
يا ليت شعري أسحرًا كان حبكم ... أزال عقلي أم ضرب من اللمم١
وبيت العميان في بديعيتهم:
إذا بدا البدر تحت الليل قلت له ... أأنت يا بدر أم مرأى وجوههم
هذا البيت لم يعمر بشيء من محاسن الأدب، لما فيه من الركة.
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي
وعارف مذ بدا بدري تجاهل لي ... وقال حبك أم ذا البدر في الظلم
الشيخ عز الدين مع التزامه بالتورية في تسمية النوع الذي استوعب كلمتين من البيت بيته أرق من بيت العميان وأعمر بالمحاسن
وبيت بديعيتي
وافتر عجبا تجاهلنا بمعرفة ... قلنا أبرق بدا أم ثغر مبتسم
هذا البيت شاهد في تجاهل العارف على المبالغة في التشبيه وهو القسم الذي تقرر في أول الكلام على النوع وقلنا إنه المقدم على بقية الأقسام من تجاهل العارف فإن فيه سوق المعلوم في مقام غيره لنكتة المبالغة في التشبيه، كما قرره السكاكي.
وقولي: تجاهلنا بمعرفة لا يخفى ما فيه من الحسن على أهل الذوق السليم، والله أعلم.
стр. 282
ذكر الاكتفاء:
لما اكتفى خده القاني بحمرته ... قال العواذل بغضا إنه لدمي١
الاكتفاء هو أن يأتي الشاعر ببيت من الشعر وقافيته متعلقة بمحذوف فلم يفتقر إلى ذكر المحذوف لدلالة باقي لفظ البيت عليه ويكتفي بما هو معلوم في الذهن فيما يقتضي تمام المعنى. وهو نوع ظريف ينقسم إلى قسمين: قسم يكون بجميع الكلمة، وقسم يكون ببعضها.
والاكتفاء بالبعض أصعب مسلكًا لكنه أحلى موقعًا ولم أره في كتب البديع ولا في شعر المتقدمين فشاهد الاكتفاء بجميع الكلمة كقول ابن مطروح:
لا أنتهي لا أنثني لا أرعوي ... ما دمت في قيد الحياة ولا إذا
فمن المعلوم أن باقي الكلام ولا إذا مت، لما تقدم من قوله الحياة ومتى ذكر تمامه في البيت الثاني كان عيبًا من عيوب الشعر مع ما يفوته من حلاوة الاكتفاء ولطفه وحسن موقعه في الأذهان ومنه قول شيخ شيوخ حماة:
أهلا بطيفكم وسهلا ... لو كنت للاغفاء أهلا
لكنه وافى وقد ... حلف السهاد عليَّ أن لا٢
ومنها قوله فيما نحن فيه:
راموا فطامي عن هوى ... غذيته طفلًا وكهلًا
فوضعت في طوقي يدي ... وقلت خلوني وإلا٣
стр. 283
وما أظرف قول الصاحب بهاء الدين زهير:
يا حسن بعض الناس مهلا ... صيرت كل الناس قتلى
لم تبق غير حشاشة ... في مهجتي وأخاف أن لا١
وما أظرف ما قال بعده ولم يخرج عن المراد:
وكشفت فضل قناعه ... بيدي عن قمر تجلى
ولثمته في خده ... تسعين أو تسعين إلا٢
وجمع الشيخ سراج الدين الوراق بين تضمينين واكتفاءين في بيت واحد وأجاد إلى الغاية:
يا لائمي في هواها ... أفرطت في اللوم أهلا
ما يعلم الشوق إلا ... ولا الصبابة إلا٣
وجمع ابن نباتة بين الاكتفاء وتضمين المثل السائر:
اسقني صرفا من الرا ... ح تَحُتُّ الهم حتًّا٤
ودع العذال فيها ... يضربون الماء حتى٥
ومن لطائف شيخ شيوخ حماة في هذا النوع:
صِلي ودعي نفارك عن محب ... بذكرك آنس والليل ساكن
ولا تستقبحي شيبا برأسي ... فما إن شبت من كبر ولكن٦
وقول ابن سنا الملك من قصيدة:
رأيت طرفك يوم البين حين همى ... والدمع ثغر وتكحيل الجفون لما٧
فاكفف ملامك عني حين ألثمه ... فما شككت بأني قد لثمت فما
لو كان يعلم مع علمي بقسوته ... تألم القلب من وخز الملام لما٨
стр. 284
وله من قصيدة:
يا عاذلين جهلتم فضل الهوى ... فعذلتمو فيه ولكني أنا
ويعجبني قول القائل هنا من قصيدة مطلعها:
هزوا القدود فأخجلوا سمر القنا ... وتقلدوا عوض السيوف الأعينا
وتقدموا للعاشقين فكلهم ... طلب الأمان لقلبه إلا أنا
وتلطف ابن سنا الملك في مطلع قصيدة بقوله:
دنوت وقد أبدى الكرى منه ما أبدى ... وقبلته في الثغر تسعين أو إحدى
ومثله في اللطف قول الشيخ جمال الدين بن نباتة:
ولقد كملت فما يقال لقد ... حزت الجمال جميعه إلا
ولبعضهم وأجاد:
فإن المنية من يخشها ... فسوف تصادمه أينما
ومما يرشف الذوق حلاوته في هذا النوع قول الشيخ شرف الدين ابن الفارض من قصيدة:
ما للنوى ذنب ومن أهوى معي ... إن غاب عن إنسان عيني فهو في
ومثله في اللطف مع الترشيح باكتفاء ثان قول الشيخ جمال الدين بن نباتة:
أفدي التي تاجها وقامتها ... كأنه همزة على ألف
أذكر ثغرا لها فأسكر من ... ورد خد لها فأرتع في
стр. 285
ومثله قول الشيخ شمس الدين بن العفيف
رأى رضابًا عن تسليه ... أولو العشق سلوًا
ما ذاقه وشاقه ... هذا وما كيف ولو١
ومن لطائف الصاحب بهاء الدين زهير في هذا النوع قوله من أبيات:
فما كان أحسن من مجلسي ... فحدث بما شئت عن ليلتي
بشمس الضحى وببدر الدجى ... على يمنتي وعلى يسرتي
وبت وعن خبري لا تسل ... بذاك الذي وبتلك التي٢
ومن لطائفه أيضًا أنه كتب إلى بعض أصحابه وكان اسمه يحيى، وقد بلغه أنه شرب دواء أبياتًا أوَّلها
سلمت من كل ألم ... ودمت موفور النعم
في صحة لا ينتهي ... شبابها إلى الهرم
يحيا بك الجود كما ... يموت يا يحيى العدم
وبعد ذا قل لي ما ... كان من الأمر وكم
وأظرف منه ولم يخرج عما نحن فيه من بديع الاكتفاء وزيادة التورية ما وقع لشهاب الدين التلعفري، مع شمس الدين الشيرجي بين يدي الملك الناصر، وما ذاك إلا أنهما حضرا بين يديه في ليلة أنس، فاتفق أن شمس الدين الشيرجي ذهب إلى ضرورة وعاد، فأشار إليه الملك الناصر أن يصفع التلعفري، وكان شمس الدين رجلًا ألحى٤ فلما صفع التلعفري نهض على الفور وقبض على لحية الشيرجي وأنشد ارتجالًا ويده فيها:
قد صفعنا في ذا المحل الشريف ... وهو إن كنت ترتضي تشريفي
فارث للعبد من مصيف صفاع ... يا ربيع الندى وإلا خريفي
وما أحلى قول الشيخ جمال الدين بن نباتة في هذا النوع مع زيادة اللف والنشر والاكتفاء في البيتين: