وبيت الشيخ صفي الدين غاية في هذا الباب
يا ليت شعري أسحرًا كان حبكم ... أزال عقلي أم ضرب من اللمم١
وبيت العميان في بديعيتهم:
إذا بدا البدر تحت الليل قلت له ... أأنت يا بدر أم مرأى وجوههم
هذا البيت لم يعمر بشيء من محاسن الأدب، لما فيه من الركة.
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي
وعارف مذ بدا بدري تجاهل لي ... وقال حبك أم ذا البدر في الظلم
الشيخ عز الدين مع التزامه بالتورية في تسمية النوع الذي استوعب كلمتين من البيت بيته أرق من بيت العميان وأعمر بالمحاسن
وبيت بديعيتي
وافتر عجبا تجاهلنا بمعرفة ... قلنا أبرق بدا أم ثغر مبتسم
هذا البيت شاهد في تجاهل العارف على المبالغة في التشبيه وهو القسم الذي تقرر في أول الكلام على النوع وقلنا إنه المقدم على بقية الأقسام من تجاهل العارف فإن فيه سوق المعلوم في مقام غيره لنكتة المبالغة في التشبيه، كما قرره السكاكي.
وقولي: تجاهلنا بمعرفة لا يخفى ما فيه من الحسن على أهل الذوق السليم، والله أعلم.
стр. 282
ذكر الاكتفاء:
لما اكتفى خده القاني بحمرته ... قال العواذل بغضا إنه لدمي١
الاكتفاء هو أن يأتي الشاعر ببيت من الشعر وقافيته متعلقة بمحذوف فلم يفتقر إلى ذكر المحذوف لدلالة باقي لفظ البيت عليه ويكتفي بما هو معلوم في الذهن فيما يقتضي تمام المعنى. وهو نوع ظريف ينقسم إلى قسمين: قسم يكون بجميع الكلمة، وقسم يكون ببعضها.
والاكتفاء بالبعض أصعب مسلكًا لكنه أحلى موقعًا ولم أره في كتب البديع ولا في شعر المتقدمين فشاهد الاكتفاء بجميع الكلمة كقول ابن مطروح:
لا أنتهي لا أنثني لا أرعوي ... ما دمت في قيد الحياة ولا إذا
فمن المعلوم أن باقي الكلام ولا إذا مت، لما تقدم من قوله الحياة ومتى ذكر تمامه في البيت الثاني كان عيبًا من عيوب الشعر مع ما يفوته من حلاوة الاكتفاء ولطفه وحسن موقعه في الأذهان ومنه قول شيخ شيوخ حماة:
أهلا بطيفكم وسهلا ... لو كنت للاغفاء أهلا
لكنه وافى وقد ... حلف السهاد عليَّ أن لا٢
ومنها قوله فيما نحن فيه:
راموا فطامي عن هوى ... غذيته طفلًا وكهلًا
فوضعت في طوقي يدي ... وقلت خلوني وإلا٣
стр. 283
وما أظرف قول الصاحب بهاء الدين زهير:
يا حسن بعض الناس مهلا ... صيرت كل الناس قتلى
لم تبق غير حشاشة ... في مهجتي وأخاف أن لا١
وما أظرف ما قال بعده ولم يخرج عن المراد:
وكشفت فضل قناعه ... بيدي عن قمر تجلى
ولثمته في خده ... تسعين أو تسعين إلا٢
وجمع الشيخ سراج الدين الوراق بين تضمينين واكتفاءين في بيت واحد وأجاد إلى الغاية:
يا لائمي في هواها ... أفرطت في اللوم أهلا
ما يعلم الشوق إلا ... ولا الصبابة إلا٣
وجمع ابن نباتة بين الاكتفاء وتضمين المثل السائر:
اسقني صرفا من الرا ... ح تَحُتُّ الهم حتًّا٤
ودع العذال فيها ... يضربون الماء حتى٥
ومن لطائف شيخ شيوخ حماة في هذا النوع:
صِلي ودعي نفارك عن محب ... بذكرك آنس والليل ساكن
ولا تستقبحي شيبا برأسي ... فما إن شبت من كبر ولكن٦
وقول ابن سنا الملك من قصيدة:
رأيت طرفك يوم البين حين همى ... والدمع ثغر وتكحيل الجفون لما٧
فاكفف ملامك عني حين ألثمه ... فما شككت بأني قد لثمت فما
لو كان يعلم مع علمي بقسوته ... تألم القلب من وخز الملام لما٨
стр. 284
وله من قصيدة:
يا عاذلين جهلتم فضل الهوى ... فعذلتمو فيه ولكني أنا
ويعجبني قول القائل هنا من قصيدة مطلعها:
هزوا القدود فأخجلوا سمر القنا ... وتقلدوا عوض السيوف الأعينا
وتقدموا للعاشقين فكلهم ... طلب الأمان لقلبه إلا أنا
وتلطف ابن سنا الملك في مطلع قصيدة بقوله:
دنوت وقد أبدى الكرى منه ما أبدى ... وقبلته في الثغر تسعين أو إحدى
ومثله في اللطف قول الشيخ جمال الدين بن نباتة:
ولقد كملت فما يقال لقد ... حزت الجمال جميعه إلا
ولبعضهم وأجاد:
فإن المنية من يخشها ... فسوف تصادمه أينما
ومما يرشف الذوق حلاوته في هذا النوع قول الشيخ شرف الدين ابن الفارض من قصيدة:
ما للنوى ذنب ومن أهوى معي ... إن غاب عن إنسان عيني فهو في
ومثله في اللطف مع الترشيح باكتفاء ثان قول الشيخ جمال الدين بن نباتة:
أفدي التي تاجها وقامتها ... كأنه همزة على ألف
أذكر ثغرا لها فأسكر من ... ورد خد لها فأرتع في
стр. 285
ومثله قول الشيخ شمس الدين بن العفيف
رأى رضابًا عن تسليه ... أولو العشق سلوًا
ما ذاقه وشاقه ... هذا وما كيف ولو١
ومن لطائف الصاحب بهاء الدين زهير في هذا النوع قوله من أبيات:
فما كان أحسن من مجلسي ... فحدث بما شئت عن ليلتي
بشمس الضحى وببدر الدجى ... على يمنتي وعلى يسرتي
وبت وعن خبري لا تسل ... بذاك الذي وبتلك التي٢
ومن لطائفه أيضًا أنه كتب إلى بعض أصحابه وكان اسمه يحيى، وقد بلغه أنه شرب دواء أبياتًا أوَّلها
سلمت من كل ألم ... ودمت موفور النعم
في صحة لا ينتهي ... شبابها إلى الهرم
يحيا بك الجود كما ... يموت يا يحيى العدم
وبعد ذا قل لي ما ... كان من الأمر وكم
وأظرف منه ولم يخرج عما نحن فيه من بديع الاكتفاء وزيادة التورية ما وقع لشهاب الدين التلعفري، مع شمس الدين الشيرجي بين يدي الملك الناصر، وما ذاك إلا أنهما حضرا بين يديه في ليلة أنس، فاتفق أن شمس الدين الشيرجي ذهب إلى ضرورة وعاد، فأشار إليه الملك الناصر أن يصفع التلعفري، وكان شمس الدين رجلًا ألحى٤ فلما صفع التلعفري نهض على الفور وقبض على لحية الشيرجي وأنشد ارتجالًا ويده فيها:
قد صفعنا في ذا المحل الشريف ... وهو إن كنت ترتضي تشريفي
فارث للعبد من مصيف صفاع ... يا ربيع الندى وإلا خريفي
وما أحلى قول الشيخ جمال الدين بن نباتة في هذا النوع مع زيادة اللف والنشر والاكتفاء في البيتين:
стр. 286
قالت إذا غمضت جفونك فارتقب ... طيفي فقلت لها نعم ولكن إذا١
وسمعت عن سيف ورمح قبلها ... حتى انثنت ورنت فقلت هما اللذا٢
ومنه قول الشيخ صدر الدين بن عبد الحق، ولم أكثر من هذا النوع إلا لأنه قليل في أيدي الناس:
جهنم حمامكم نارها ... تقطع أكبادنا بالظما
وفيها عصاة لهم ضجة ... وإن يستغيثوا يغاثوا بما٣
ومنه قول المقر الفخري ابن مكانس مع زيادة التورية:
من شرطنا إن أسكرتنا الطلا ... صرفًا تداوينا برشف اللمى
نعاف مزج الماء من كأسها ... لا آخذ الله السكارى بما٤
ومنه قول المقر المرحومي الأميني، صاحب ديوان الإنشاء الشريف بدمشق المحروسة ﵀، وهو مما أنشدنيه مرارًا، وكان عند عوده من أذربيجان بصحبة المقر المرحومي سيفي تنم كافل المملكة الشريفة، بتاريخ كذا وقد ضل غالب العسكر في بعض الليالي عن الماء، وفيه الزيادة على الاكتفاء بالاقتباس والتورية وهو:
ضلوا عن الماء لما أن سروا سحرًا ... قومي فظلوا حيارى يلهثون ظما
والله أكرمني بالماء دونهم ... فقلت يا ليت قومي يعلمون بما٥
ومثله قولي، وفيه أيضًا زيادة الاقتباس والتورية على الاكتفاء
قالوا وقد فرطت في تصبري ... وما شفى بقربه سقاما
اصبر عسى تشفى بماء ريقه ... قلت لهم يا حسرتي على ما٦
وأنشدني من لفظه لنفسه القاضي عماد الدين بن القضامي أخو شيخي قاضي القضاة علاء الدين الحنفي، سقى الله من غيث الرحمة ثراه موشحًا امتدح به المقر المرحومي الأوحدي صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية كان تغمده الله
стр. 287
برحمته ورضوانه. والموشح ما نسج ابن سنا الملك في دار الطراز على منواله منه في نوع الاكتفاء بالكل مع زيادة التضمين:
أرخت ذوائبها لنا في الأربع ... لنضل فاستغنت بها عن برقع
وغدوت أسهر في ليالي شعرها ... ويقول فجر الفرق هذا مطلعي
وتبسمت فعلاها ... نور فزاد سناها
فلثمت فاها آخذًا مستغنمًا ... ورشفته رشف النزيف لبرد ما١
ومنه وفيه حسن التخلص مع الاكتفاء:
حكم الزمان بينهم وتشتُّتي ... وشماتة الأعداء أكبر محنتي
ولسيد الرؤساء رمت تخلصًا ... من محنتي فشددت رحل مطيتي
فغدت تمد خطاها ... وأقول عند عياها
الأوحدي الأوحدي لتغنما ... يا ناقتي فزمامك بيدي وما
وظريف هنا قول الشيخ زين الدين بن الوردي
ماذا تقولون في محب ... عن غير أبوابكم تخلى
وجاءكم زائرًا عفيفًا ... عن مالكم هل يجوز أم لا
ومنه قوله مع زيادة التضمين:
مولاي إنك محسن ... قسمًا وإنك ثم إنك٢
فلأشكرنك ما حييت ... وإن أمت فلتشكرنك٣
ويعجبني قول الشيخ برهان الدين القيراطي، هنا مع زيادة التورية والاقتباس:
حسنات الخد منه ... قد أطالت حسراتي
كلما ساء فعالًا ... قلت إن الحسنات٤
ومرَّ سيدنا ومولانا قاضي القضاة صدر الدين بن الآدمي الحنفي، نَور الله ضريحه، وجعل من الرحيق المختوم غبوقه وصبوحه، على حماة المحروسة، سنة سبع وثمانمائة
стр. 288
وهو إذ ذاك صاحب ديوان الإنشاء الشريف بدمشق المحروسة ومولانا السلطان الملك المؤيد خلد الله ملكه كافلها في تلك الأيام، وركابه الشريف متوجه إلى حلب المحروسة، والأمير حكم في خدمته بحيث يوصله إلى محل كفالته بها، وكنت في تلك الأيام بحلب المحروسة أمام كافلها علان، تغمده الله برحمته ورضوانه، فهرب علان واختفيت بعده فلما حل ركاب قاضي القضاة صدر الدين المشار إليه بحلب المحروسة توصل بحنوه وصدق محبته وخبره إلى أن عرف أين كنت مختفيا فكتب إليَّ
قصدنا حماة فلم نلق من ... أردنا فلم نر عهدًا وإلا١
وجئنا إلى حلب خلفه ... فإن كان فيها اجتمعنا وإلا٢
فكتبت إليه الجواب:
أمولاي والله حال الجريـ ... ـض دون القريض الذي قد تولى٣
وأرجو وقد عفت هذي البلاد ... خلاصي بالصدر منها وإلا٤
فقدر الله بالسلامة، وتوجهت في خدمته متنكرًا إلى دمشق المحروسة ومن نظمي، في هذا النوع مع زيادة إيهام التورية:
تطلبت منه قبلة وهو نافر ... فقال وقتلى حبنا لن تقبلا
فقلت له بالوصل عدني إلى غد ... فبعدك مات الصبر قال نعم إلى٥
وقولي أيضًا مع زيادة التضمين:
صهباء ريقته رشفت سلافها ... فتغلبت فعجزت أن أتكلما
وإذا سئلت أقل لمن هو سائل ... إني لأعلم ما تقول وإنما٦
القسم الثاني، الاكتفاء بالبعض، وقد تقدم أنه عزيز الوقوع جدًّا ولم يوجد في كتب البديع، فمن ذلك قول ابن سنا الملك، من قصيدة:
стр. 289
أهوى الغزالة والغزال وإنما ... نهنهت نفسي عفة وتدينا
ولقد كففت عنان عيني جاهدًا ... حتى إذا أعييت أطلقت العنا١
ومنه قول شيخ شيوخ حماة:
إليكم هجرتي وقصدي ... وأنتم الموت والحياة
أمنت أن توحشوا فؤادي ... فآنسوا مقلتي ولاتو٢
وقول ابن مكانس مع زيادة التورية:
لله ظبي زارني في الدجى ... مستوطنًا ممتطيًا بالخفر٣
فلم يقم إلا بمقدار أن ... قلت له أهلا وسهلا ومر
ومنه قول العلامة بدر الدين بن الدماميني:
الدمع قاض بافتضاحي في هوى ... ظبي يغار الغصن منه إذا مشى
وغدا بوجدي شاهدًا ووشى بما ... أخفى فيا لله من قاض وشا٤
ومثله قوله:
يقول مصاحبي والروض زاه ... وقد بسط الريح بساط زهر
هلم نباكر الروض المفدى ... وقم نسعى إلى ورد ونسر٥
ومثله قوله:
ورب نهار فيه نادمت أغيدا ... فما كان أحلاه حديثًا وأحسنا
منادمتي فيها مناي فحبذا ... نهار تقضى بالحديث وبالمنا٦
ومنه قول شهاب الدين ابن حجر:
أطيل الملام لمن لامني ... وأملأ في الروض كأس الطلا
وأهوى الملاهي وطيب الملاذ ... فها أنا منهمك في الملا٧
стр. 290
وأنشدني المقرّ المجدي بن مكانس لنفسه
نزل الطل بكرة ... وسروري تجددا
والندامى تجمعوا ... فأجل كأسي على الندا١
ومنه قول ابن حجر:
دع يا عذول رقى الملام فقد سرى ... عني الحبيب فتبت دام لك البقا
والطرف من فقد الرقاد بكى بما ... يحكي الغمام فليس يهدي بالرقا٢
وأنشدني من لفظه لنفسه قاضي القضاة صدر الدين بن الآدمي الحنفي، وأنا بين يديه بدمشق المحروسة، ورياحين الشبيبة غضة، بيتين فيهما الاكتفاء بالبعض والتورية في القافيتين، مع عدم الخروج عن الوزن في البيتين إذا قصد شق التورية الثاني، وهذا الباب عزيز الوقوع جدًّا وسبكه في هذا القالب من غير تمويه ينطلي على الحاذق في صناعة الكلام، هذا مع الاتفاق البديعي وحسن المطابقة، ولم أذكر الاتفاق إلا أن الذي كتب إليه القاضي صدر الدين البيتين مشهور بالحسن والأدب، وصحبته المشار إليه وهو غرس الدين خليل بن بشارة وهما:
يا متهمي بالسقم كن منجدي ... ولا تطل رفضي فإني علي٣
أنت خليلي فبحق الهوى ... كن لشجوني راحمًا يا خلي٤
وتقاضاني، عند الإنشاد أن أنظم له شيئًا على هذا الطريق فأنشدته في المجلس قولي
يقولون صف أنفاسه وجبينه ... عسى للقا يصبو فقلت لهم صبا
وغالطت إذ قالوا أباح وصاله ... وإلا أبى قربًا فقلت لهم أبا
ونظم الشيخ جمال الدين بن نباتة هذا النوع وكساه ديباج التورية، ولم يسلم له الوزن إذ جمع بين طرفي الاكتفاء كما فعلنا حيث قال:
أقول وقد جاء الغلام بصحفة ... عقيب طعام الفطر يا غاية المنا
بحقك قل لي جاء صحن قطايف ... وبح باسم من أهوى ودعني من الكنا
стр. 291
وكتب الشيخ برهان الدين القيراطي لنور الدين ابن حجر، والد قاضي القضاة شهاب الدين:
مولاي نور الدين ضيفك لم يزل ... يروي مكارمك الصحيحة عن عطا١
صدقت قطايفك الكبار حلاوة ... بفمي وليس بمنكر صدق القطا٢
انتهى ما أوردته من هذا النوع الغريب.
وبيت صفي الدين:
قالوا ألم تدر أن الحب غايته ... سلب الخواطر والألباب قلت لم٣
بيت صفي الدين، هنا شاهد على الاكتفاء بجميع الكلمة، ولكن لم ترض التورية أن تكون له سكنًا لشدة برده.
وعجبت للشيخ صفي الدين كيف استحسن هذا البيت، ونظمه في سلك أبيات بديعيته، مع ما فيه من الركة والنظم السافل، وقرر موضع الاكتفاء بلفظة لم، هذا مع أنه غير مكلف بتسمية النوع ولا ملتفت إلى تورية.
والعميان لم ينظموا هذا النوع. وبيت الشيخ عز الدين شاهد على النوعين، مع التزامه بالتورية، في تسمية النوع البديعي، واستجلاب الرقة ولطف المعنى، وهو:
وما اكتفى الحب كسف الشمس منه إذًا ... حتى انثنى يخجل الأغصان حين تمي٤
فشاهد الكل قوله: إذا، المعروف أن بعده بدا، لما تقدم من ذكر كسف الشمس، وشاهد البعض قوله: حين تمي، فدل حرف الكلمة أنها تميل أو تميس.
وبيت بديعيتي شاهد على الاكتفاء بالبعض، بزيادة التورية التي تتوارى من حسنها بهجة الشموس، مع سلامة الوزن في طرق الاكتفاء على مذهب الجماعة، كما تقدم.
وأما التورية بتسمية النوع فهي محصول الحاصل، إذ لا بد منها، وبيتي:
لما اكتفى خده القاني بحمرته ... قال العواذل بغضا إنه لدمي٥
стр. 292
المعنى هنا أن الخد، لما تزايدت حمرته، قال العواذل: بغضًا في الظاهر إنه لدمي، ووروا بالاكتفاء، وقصدوا في الباطن أنه دميم، حسدًا له، وهذا الاكتفاء ينظر إلى قول القائل:
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدًا وبغضًا إنه لدميم١
وهو بالدال المهملة للحقارة، ومن تأمل هذ البيت تأمل أهل الأدب المنصفين علم أن الحيلة في تركيب توريته حيلة دقيقة، مع ما فيه من المعنى وجزالة الأسلوب، وهذا النوع على هذا النمط الغريب لا يجري في مضماره، من فحول الأدب، إلا كل ضامر مهزول.
стр. 293
ذكر مراعاة النظير:
ذكرت نظم اللآلي والحباب له ... راعى النظير بثغر منه منتظم
هذا النوع، أعني مراعاة النظير، يسمى التناسب، والائتلاف، والتوفيق، والمواخاة، وهو في الاطصلاح أن يجمع الناظم أو الناثر أمرًا وما يناسبه، مع إلغاء ذكر التضاد، لتخرج المطابقة، وسواء كانت المناسبة لفظًا لمعنى أو لفظًا للفظ أو معنى لمعنى، إذ القصد جمع شيء إلى ما يناسبه من نوع أو ما يلائمه من أحد الوجوه، كقول البحتري في إبل أنحلها السير:
كالقسي المعطفات بل الأسـ ... ـهم مبرية بل الأوتار
فإنه لما شبه الإبل بالقسي، وأراد أن يكرر التشبيه كان يمكنه أن يشببها بالعراجين١، أو بنون الخط، لأن المعنى واحد في الانحناء والرقة، ولكنه قصد المناسبة بين الأسهم والأوتار، لما تقدم ذكر القسي. ولعمري لقد أصاب الغرض في هذا المرمى.
وظريف هنا قول بعضهم في وصف فرس:
من جلنار ناضر خده ... وأذنه من ورق الآس٢
فالمناسبة هنا بين الجلنار والآس النضارة. ومثله قول بعضهم في آل النبي ﷺ :
أنتم بنو طه ونون والضحى ... وبنو تبارك في الكتاب المحكم
стр. 294
وبنو الأباطح والمشاعر والصفا ... والركن والبيت العتيق وزمزم١
هذا الناظم أحسن في مراعاة النظير، وأتى في البيت الأول بحسن المناسبة، بين أسماء السور، وفي الثاني بحسن المناسبة بين الجهات الحجازية. انتهى.
ويعجبني قول السلامي في هذا الباب:
والنقع ثوب بالسيوف مطرز ... والأرض فرش بالجياد محمل٢
وسطور خيلك إنما ألفاتها ... سمر تنقط بالدماء وتشكل٣
فإنه ناسب بين الثوب والتطريز وبين الفرش والحمل وبين السطور والألفات والنقط والشكل، ومثله قول أبي العلاء المعري:
دع اليراع لقوم يفخرون بها ... وبالطول الردينيات فافتخر
فهن أقلامك اللاتي إذا كتبت ... مجدًا أتت بمداد من دم هدر
فأبو العلاء أيضًا ناسب بين الأقلام والكتابة والمداد.
وغاية الغايات في هذا الباب، قول بديع الزمان الهمذاني، من قصيدة يصف فيها طول السرى:
لك الله من ليل أجوب جيوبه ... كأني في عين الردى أبدًا كحل
كأن السرى ساق كأن الكرى طلا ... كأنا له شرب كأن المنى نقل
كأنا جياع والمطيّ لنا فم ... كأن الفلا زاد كأن السرى أكل
كأن ينابيع الثرى ثدي مرضع ... وفي حجرها مني ومن ناقتي طفل
كأنا على أرجوحة في مسيرنا ... لغور بنا تهوي ونجد بنا تعلو٤
стр. 295
ومنها في المديح، ولم يخرج عما نحن فيه من حسن المناسبة:
كأني في قوس لساني له يدٌ ... مديحي له فرع به أملي نبل
كأنّ دواتي مطفل حبشية ... بناني لها بعل ونقشي لها نسل١
كأن يدي في الطرس غواص لجة ... له كلمي در به قيمتي تغلو
انظر أيها المتأمل إلى ملكه هذا الشاعر المفلق، الذي ما دخل إلى بيت إلا وأسكن فيه ما يلائمه من المناسبات البديعية. نعم هذه الغايات التي تقف عندها فحول الشعراء، وهذا الإمام المتقدم الذي صلى الحريري خلفه، وأشار إليه بقوله في مقاماته:
فلو قبل مبكاها بكيت صبابة ... بسعدى شفيت النفس قبل التندم٢
ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا ... بكاها فقلت الفضل للمتقدم
فإن البديع هو الذي سبق الحريري إلى نظم المقامات، وسبك العلوم في تلك القوالب الغريبة، وعلى منواله نسج الحريري، واستعمل بعض أسماء مقاماته، وقفى أثر عيسى بن هشام بالحرث بن همام، وعارض طرح الإسكندري بما نسجه أبو زيد السروجي، وعلى كل تقدير فالبديع عرابة هذه الراية، وعباس هذه السقاية.
نرجع إلى ما كنا فيه من حسن المناسبة في مراعاة النظير، فمن المستحسن في هذا النوع قول بعضهم في مليح معه خادم يحرسه:
ومن عجب أن يحرسوك بخادم ... وخدام هذا الحسن من ذاك أكثر
عذارك ريحان وثغرك جوهر ... وخدك ياقوت وخالك عنبر
هذا الأديب المتمكن ناسب بين العذار والثغر والخد والخال، إذ الوجه لمصابيح هذه المحاسن جامع، وبين ريحان وجوهر وياقوت وعنبر، للملاءمة في أسماء الخدام فلو ذكر شيئًا من غير تناسب كان نقصًا وعيبًا، وإن كان جائزًا، فإنهم عابوا على أبي نواس قوله:
وقد حلفت يمينًا ... مبرورة لا تكذب
برب زمزم والحو ... ض والصفا والمحصب٣
стр. 296
فالحوض هنا أجنبي من المناسبة، لأنه ما يلائم المحصب والصفا وزمزم، وإنما يناسب الصراط والميزان وما هو منوط بيوم القيامة.
ومثله، في عدم المناسبة، قول الكميت:
وقد رأينا بها حوراء منعمة ... بيضًا تكامل فيها الدل والشنب١
فإنهما قالوا الدلال لا يناسب الشنب وهو صحيح، فإن الشنب من لوازم الثغر فلو ذكر معه اللعس٢ وما ناسب ذلك، مشى على سنن المناسبة وخلص من النقد.
ويعبجني من ملاءمة التناسب في مراعاة النظير، قول العلامة أبي بكر بن اللبانة في موشح:
بعض يخاصمني في بعض ... جسمي مقيم وقلبي يمضي
وكيف أسلو وبدري الأرضي ... يدير في الأقحوان الغض
وردية سرقت أنفاسه بالالتماس ... رقت فكانت مثل دمعة في جفن كاس
انظر إلى ما ناسب بين الأقحوان والورد، وجذب القلوب، وأنشا الأذواق، في المناسبة بين الدمعة وجفن الكاس مع الاستعارة التي تستعار منها المحاسن.
ومن أحلى ما يستحلى في الذوق، من هذا النوع، قول ابن مطروح:
لبسنا ثياب العناق ... مزرة بالقبل
ومن شدة إعجابي بهذا البيت ضمنته تضمينًا، لو سمعه ابن مطروح لاطرح نفسه خاضعًا، وسلم إليَّ مفاتيح بيته طائعًا، وهو:
ولما خلنا العذار ... فككنا طويق الخجل٣
لبسنا ثياب العناق ... مزررة بالقبل
ولولا خوف الإطالة، لتكلمت على بيت ابن مطروح، وعلى التضمين، وما فيهما من حسن التناسب والاستعارات، بما يليق بمقامهما.
وغاية الغايات قول القاضي الفاضل في هذا الباب:
في خده فخ لعطفة صدغه ... والخال حبته وقلبي الطائر
стр. 297
ويعجبني في هذا الباب قول مجير الدين بن تميم:
لو كنت تشهدني وقد حمي الوغى ... في موقف ما الموت فيه بمعزل
لترى أنابيب القناة على يدي ... تجري دمًا من تحت ظل القسطل١
انظر أيها المتأمل إلى حسن ما ناسب، بين الأنابيب والقناة والجريان والقسطل، مع انقياد التورية إلى طاعته وحسن تصرفه، فإني أنا محقق أن الأمير مجير الدين بن تميم من فرسان هذا الميدان وممن أجاد في هذا الباب، وبالغ في الإحسان إلى غريب المناسبة.
وراعى جانب مراعاة النظير حسن الزغاري، بقوله:
كان السحاب الغر لما تجمعت ... وقد فرقت عنا الهموم بجمعها
نياق ووجه الأرض قعب وثلجها ... حليب وكف الريح حالب ضرعها٢
فإنه أتى بالمعنى الغريب، والتشبيه البديع، وحسن المناسبة في مراعاة النظير، مع حلاوة الانسجام ولطف الاستعارة.
وأنشدني لنفسه الشيخ عز الدين، في هذا النوع، قوله:
بخد الحب ريحان نضير ... لأحرفه سطور ليس تقرا
فراعيت النظير وقلت بدري ... عذارك أخضر والنفس خضرا
والذي يظهر لي، أن خضرة النفس هنا من إيهام المناسبة.
ومما نظمته، في هذا النوع، قولي:
أبرزت معصمًا نهار وداعي ... شف بلوره فزاد حريقي
راح دمعي يرعى النظير ويبدي ... عند لثمي سلاسلًا من عقيق٣
فحسن المناسبة هنا، بين المعصم والسلاسل، والعقيق والبلور، مع إبراز تسمية النوع البديعي والنسيب المطرب الغزلي في معنى توريته.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي:
تجار لفظ إلى سوق القبول بها ... من لجة الفكر تهدي جوهر الكلم
стр. 298
المناسبة في بيت الشيخ صفي الدين، بين التجار والسوق واللجة والجوهر، وهو بيت عامر بمحاسن هذا النوع.
وبيت العميان في بديعيتهم:
يروى حديث الندى والبشر عن يده ... ووجهه بين منهل ومبتسم
هذا البيت ما رأيت له وجهًا يظهر به مراعاة النظير، ولا بينه وبين المناسبة البديعية نسب ثابت، ولكن رأيت الشيخ أبا جعفر، شارح هذه البديعية، أعني بديعية العميان، قال إن العنعنة في البيت بعن تناسب الرواية في الحديث، والندا والبشر فيهما مناسبة للكرم. ولعمري إن الشيخ ﵀ استسمن من وجه هذا البيت ذا ورم، ونفخ من نفسه في غير ضرم، وهذا لعمري جهد من لا جهد له.
وبيت عز الدين الموصلي:
وارع النظير من القوم الأولى سلفوا ... من الشباب ومن طفل ومن هرم
المناسبة في بيت الشيخ عز الدين بين الشباب والطفل والهرم، أظن أنه قصد بها النسبة إلى آدم ﵇.
وبيت بديعيتي:
ذكرت نظم اللآلي والحباب له ... راعى النظير بثغر منه منتظم
المناسبة هنا ما بين اللآلي ونظم الحباب ونظم الثغر بديعة عند أهل النظم، هذا مع حسن التشبيه بالمناسبة البديعية، وفي نور هذا الماثل ما يمحو ظلمة الإشكال عند مراعاة النظير، هذا مع رقة الانسجام ومغازلة عيون الغزل في تسمية النوع البديعي وحلاوة توريته، وقد حبست عنان القلم، وإن كانت المهجة في هذا المعرك الضيق قد ذابت، لئلا يقال كثر فارتابت.
стр. 299
ذكر التمثيل:
وقلت ردفك موج كي أمثله ... بالموج قال قد استسمنت ذا ورم
التمثيل، ما فرعه قدامة، من ائتلاف اللفظ مع المعنى، وقال: هو أن يريد المتكلم معنى فلا يدل عليه بلفظه الموضوع له، ولا بلفظ قريب من لفظه، وإنما يأتي بلفظ هو أبعد من لفظ الإرداف، يصلح أن يكونه مثالًا للفظ المعنى المذكور، كقوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ ١ وهذا التمثيل العظيم في غاية الإيجاز، والحقيقة، أي هلك من قضي هلاكه، ونجا من قدرت نجاته، وما عدل عن اللفظ الخاص، إلى لفظ التمثيل، إلا لأمرين: أحدهما الاختصار لبلاغة الإيجاز، والثاني كون الهلاك والنجاة كانا بأمر مطاع، ولا يحصل ذلك من اللفظ الخاص.
ومن شواهد ذلك في السنة الشريفة، قول النبي ﷺ حكاية عن بعض النسوة، في حديث أم زرع: "زوجي كليل تهامة، لا حر ولا برد ولا مخافة ولا سآمة" فإنها أرادت وصفه بحسن العشرة مع نسائه. فعدلت عن اللفظ الموضوع له إلى لفظ التمثيل لما فيه من الزيادة، وذلك تمثيلها الممدوح بليل تهامة المجمع على وصفه بأنه معتدل، فتضمن ذلك وصف الممدوح باعتدال المزاج المستلزم حسن العشرة، وكمال العقل الذين ينتجان لين الجانب وطيب المعاشرة، وخصت الليل بالذكر لما في الليل من راحة الحيوان، وخصوصًا الإنسان لأنه يستريح فيه من الكد والفكر، ولكون الليل جعل سكنًا والسكن محل الاجتماع بالحبيب، لا سيما وقد جعلته معتدلًا بين الحر والبرد، والطول والقصر، وهذه صفة ليل تهامة لأن الليل يبرد فيه الجو مطلقًا بالنسبة إلى النهار لغيبة الشمس
стр. 300
وخلوص الهواء من اكتساب الحر، فيكون في البلاد الباردة شديد البرد، وفي البلاد الحارة معتدل البرد مستطابًا، فلهذا قالت: زوجي كليل تهامة، وحذفت أداة التشبيه ليقرب المشبه من المشبه به، وهذا مما يبينه لفظ التمثيل لكونه لا يجيء إلا مقدرًا بمثل غالبًا.
وقال ابن رشيق في العمدة: التمثيل والاستعارة ضرب من التشبيه، ولكنهما بغير أداة. والتمثيل هو المماثل عند بعضهم، وذلك أن تمثل شيئًا بشيء فيه إشارة منه، كقول امريء القيس:
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل١
فمثل عينيها بالسهمين، ومثل قلبه بأعشار الجزور معناه: ما بكيت إلا لتقدحي في قلبي كما يقدح القادح في الأعشار، فتمت له جهات التمثيل والاستعارة.
وقد تقدم أن التمثيل ضرب من الاستعارة والتشبيه، وهو قريب التذييل، ولكن بينهما فرق دقيق وهو خلو التذييل من التشبيه، وألحقوا بهذا الباب، أعني التمثيل، ما يخرجه المتكلم مخرج المثل السائر، وأبلغ ما سمعته من الشواهد البليغة المستوعبة لشروط هذا الباب، قول أبي تمام:
أخرجتموه بكرة عن سجيته ... والنار قد تلتظي من ناضر السلم
أوطأتموه على جمر العقوق ولو ... لم يحرج الليث لم يخرج من الأجم٢
ففي عجز كل من البيتين تمثل حسن، فإنه مثل فيهما حالته عند إخراجه كرهًا عن سجيته، يخاطب أحبابه، وقد أثروا به تلك الحالة، والنار قد تلتظي من ناضر السلم. قد هنا للتقليل، ومراده أن وقوع هذا منكم، وأنتم أحباب، عجيب. ومثل الحال بقوله: والنار قد تلتظي من ناضر السلم، وقال في عجز البيت الثاني عندما أوطؤوه على جمر العقوق: إن الليث لو لم يخرج ما خرج من الأجم. وهذا التمثيل والذي قبله في البيت الأول، غايتان في هذا الباب. وقد أخرج كلًّا منهما مخرج المثل السائر، على مذهب من يرى ذلك.
وبيت الشيخ صفي الدين:
يا غائبين لقد أضنى الهوى جسدي ... والغصن يذوي لفقد الوابل الردم٣
стр. 301
الشيخ صفي الدين أجاد في نظم هذا النوع وأتى بشروطه كاملة، فإنه مثل حاله، لما أضنى الهوى جسده لغيبة أحبابه، بالغصن لما يذوي لفقد المطر، وأخرج كلامه مخرج المثل السائر، كما تقرر، ولكن لو حط موضع الهوى، الجفا، لكان أقرب إلى المراد ولو كانت القافية غير الردم، لكانت أخف على القلوب.
والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم، وبيت الشيخ عز الدين:
من التعاظم تمثيل الزمان به ... وقد يكون اتضاع القدر بالشمم١
هذا البيت غير صالح للتجريد، وقد كلَّ الفكر، وعجزت أن أتوصل فيه إلى حد يتوصل به إلى فهم معناه، أو إلى صورة التمثيل في تركيبه، فلم أجد بدًا من مطالعة الشرح، فلما نظرت في شرحه وجدته قد قال فيه: إن العذول يتعاظم في كلامه وأفعاله، فلذلك مثل الزمان به، من استهتار السامع به والتهكم وعدم الإصغاء إليه، وفي ذلك تهجين له وربما استجيب فيه الدعاء، ثم قال في آخر الشرح: وقد أرسلت النصف الثاني من البيت مثلا، فما ازدادت مرآة ذوقي بذلك إلا صدًّا، والله أعلم.
وبيت بديعيتي:
وقلت ردفك موج كي أمثله ... بالموج قال قد استسمنت ذا ورم
انظر أيها المتأمل إلى التمثيل الذي مثلت فيه شيئًا بشيء فيه إشارة منه، كما قرره ابن رشيق في العمدة، وحذفت أداة التشبيه لتقريب المشبه من المشبه به، كما تقدم وتقرر أن لفظ التمثيل لا يكون إلا مقدرًا يمثل غالبًا، وأخرجت آخر كلامي مخرج المثل السائر، على مذهب من يرى ذلك، وأتيت بتسمية النوع البديعي مورى به مسبوكًا في أحسن القوالب، والله أعلم. بالصواب.
стр. 302
ذكر التوجيه:
وأسود الخال في نعمان وجنته ... لي منذر منه بالتوجيه للعدم
التوجيه، مصدر توجه إلى ناحية كذا، إذا استقبلها وسعى نحوها، وفي الاصطلاح أن يحتمل الكلام وجهين من المعنى احتمالًا مطلقًا، من غير تقييد بمدح أو غيره، والتوجيه هو إبهام المتقدمين، لأن الاصطلاح فيهما واحد، غير أن الشواهد التي استشهدوا بها على التوجيه، الإبهام أحق بها لطلوع أهلتها زاهرة في أفقه، ولمطابقة التسمية، فإنهم يستشهدون على التوجيه، يقول الشاعر في الحسن ابن سهل، عندما زوج ابنته بوران بالخليفة:
بارك الله للحسن ... ولبوران في الختن
يا إمام الهدى ظفر ... ت ولكن ببنت من
فلم يعلم ما أراد بقوله ببنت من، في الرفعة أو في الحقارة، وقد تقدم قولي في شرح نوع الإبهام، لما استشهدت بهذين البيتين، على ما نقل ابن أبي الأصبع: أن الحسن بن سهل قال له: أسمعت هذا المعنى أم ابتكرته، فقال: لا والله نقلته من شعر شاعر مطبوع، كان كثير الولوع بهذا النوع، واتفق أنه فصل قباء عند خياط أعور اسمه زيد، كذا نقله ابن أبي الأصبع، فقال له الخياط، على سبيل العبث سآتيك به لا تدري، أقباء هو أم دوّاج، فقال له الشاعر إن فعلت ذلك نظمت فيك بيتًا لا يعلم من سمعه، أدعوت لك أم دعوت عليك، ففعل الخياط فقال الشاعر:
خاط لي زيد قباء ... ليت عينيه سواء
فإن قيل قصد التساوي في عينيه بالعمى صح، وإن قيل إنه قصد التساوي في
стр. 303
الإبصار صح. فتسمية النوع هنا بالإبهام أليق من تسميته بالتوجيه، ومطابقة التسمية فيه لا تخفى على أهل الذوق الصحيح، وهذا مذهب ابن أبي الأصبع، فإنه هو الذي تخير الإبهام، ونزل عليه هذه الشواهد واختصر التوجيه من كتابه، وقال في ديباجته: وربما أبقيت اسم الباب وغيرت مسماه إذا رأيت اسمه لا يدل على معناه. وقد أجمع الناس على أن كتابه المسمى "بتحبير التحرير" أصح كتاب أُلِّف في هذا الفن، لأنه لم يتكل فيه على النقل دون النقد، وغالب الجماعة غيروا بعض القواعد، وبدلوا أكثر الأسماء والشواهد، ووضعها في غير محلها، وإذا وصلت إلى بديع ابن منقذ وصلت إلى الخبط والفساد، والجمع بين أسباب الخطاء وأنواعه، من التداخل والتبديل.
والسكاكي ومن تبعه سموا هذ النوع: التوجيه، ونسج الناس على منوالهم، إلى أن تخير ابن أبي الأصبع نوع الإبهام، وقرر له الشواهد التي هي أليق به من التوجيه. ولم أسمع، من شواهد الإبهام، غير البيت المنظوم في الخياط والبيتين المنظومين في الحسن بن سهل، وهذا النوع صعب المسلك في نظمه، لأن المراد من الناظم أن يبهم المعنيين، بحيث لا يكاد أحدهما يترجح على الآخر. ومن أظرف ما وقع في هذا الباب، وقد أوردته في باب الإبهام، أن القاضي زيد الدين بن القرناص الحلبي، غفر الله له، ألف تاريخًا قريبًا من قباء الخياط، وهاجر إلى حماة المحروسة، بسبب الكتابة عليه، ورسم لي بعد وقوفي عليه بالكتابة عليه، فكتبت على التاريخ المذكور هذين البيتين:
تاريخ زين الدين فيه عجائب ... وبدائع وغرائب وفنون
فأذاب تاه مناظر في جمعه ... خبره عني إنه مجنون١
ومن أغرب ما نقل من شواهد الإبهام، التي ما تليق بغيره، أن أبا مسلم الخراساني قال يومًا لسليمان بن كثير: بلغني أنك كنت في مجلس وقد جرى ذكري، فقلت: اللهم سود وجهه واقطع رأسه واسقني من دمه. قال: نعم، قلت ذلك ونحن جلوس بكرم حصرم، فاستحسن أبو مسلم إبهامه وعفا عنه لسداد جوابه.
رجع إلى ما كنا فيه من تقرير نوع التوجيه. قد تقدم أن المتقدمين نزلوه منزلة الإبهام، وسموه توجيهًا واستشهدوا عليه بالشواهد التي تقدم ذكرها. وأما التوجيه عند المتأخرين. فقد قرروا أن يوجه المتكلم بعض كلامه أو جملته إلى أسماء متلائمة اصطلاحًا، من أسماء الأعلام أو قواعد علوم وغير ذلك مما يتشعب له من الفنون،
стр. 304
توجيهًا مطابقًا لمعنى اللفظ الثاني، من غير اشتراك حقيقي بخلاف التورية، وهذا هو مذهب الشيخ صفي الدين، وعلى هذا المنوال نسج بديعيته، وقد تقدم أن بديعيته نتيجة سبعين كتاب في هذا الفن، وعلى منواله نسجت بديعيتي، لأجل المعارضة.
قد أدخل جماعة نوع التوجيه في التورية وليس منها. والفرق بينهما من وجهين: أحدهما أن التورية تكون باللفظة المشتركة والتوجيه باللفظ المصطلح عليه. والثاني أن التورية تكون باللفظة الواحدة، والتوجيه لا يصح إلا بعدة ألفاظ متلائمة، كقول علاء الدين الوداعي:
من أم بابك لم تبرح جوارحه ... تروي أحاديث ما أوليت من منن
فالعين عن قرة والكف عن صلة ... والقلب عن جابر والأذن عن حسن
أقول: لو بلغت ما عسى أبلغه، لما وجدت للمتقدمين شاهدًا أحسن من هذين البيتين، على هذا النوع، ولذلك قدمتهما. سبحان المانح، لقد أظهر الشيخ علاء الدين الوادعي من محاسن الأدب في التوجيه وجوهًا تخجل الأقمار، ويتمسك الناس بعده بطيب هذه الآثار. أما قرَّة فهو قرَّة بن خالد السدودسي وهو ثقة يروي عن الحسن وابن سيرين وليس بتابعي. وأما صلة فهو صلة بن أشيم العدوي، كان من كبار التابعين، وهو زوج معاذة العدوية، وهي تروي عن عائشة. وأما جابر فهو جابر بن عبد الله، صاحب رسول الله ﷺ ، وليس بجابر الجعفي لأن جابر الجعفي ضعيف وهو تابعي، وإنما ضعفوه لأنه كان يؤمن بالرجعة. وأما الحسن فهو الحسن البصري، كان تابعيًّا كبيرًا، رأى أصحاب رسول الله ﷺ ، نحوًا من ثلثمائة رجل. فللَّه در الوداعي لقد أودع في بيته نفائس الذخائر، وقال فلم يترك مقالًا لشاعر، وكان من المتقدمين عصرًا وعلمًا في اقتناص شوارد النكت الأدبية، والأنواع البديعية، وإبراز التورية في القوالب التي لم يسبق إليها، وعلى موائد معانيه ونكته تطفل الشيخ جمال الدين بن نباتة في مواضع كثيرة. وقد عن لي، وإن طال الشرح، أن أذكر نبذة من ذلك ليتأيد قولي، ويعرف رتبة الشيخ علاء الدين من كان بها جاهلًا.
قال الشيخ علاء الدين، من قصيدة مطولة:
أثخنت عينها الجراح ولا ... إثم عليها لأنها نعساء١
زاد في عشقها جنوني فقالوا ... ما بهذا فقلت بي سوداء٢
стр. 305
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة:
قام يرنو بمقلة كحلاء ... علمتني الجنون بالسوداء
قال الشيخ علاء الدين الوداعي:
إذا رأيت عارضًا مسلسلا ... في وجنة يا عاذلي
فاعلم يقينًا أنني من أمة ... تقاد للجنة بالسلاسل
قال الشيخ جمال الدين، ولم يخرج عن الوزن والقافية:
أفدي الذي ساق إليها مهجتي ... فرع طويل تحت حسن طائل
قلبي بصدغيها إلى طلعتها ... يقاد للجنة بالسلاسل
قال الشيخ علاء الدين، وقد اجتمع جماعة من أصحابه لم يخرج اسم واحد منهم عن علي:
لقد سمح الزمان لنا بيوم ... غدا فيه السمي مع السمي
تجمعنا كأنا ضراب خيط ... عليٌّ في عليٍّ في عليّ
قال الشيخ جمال الدين:
علوت اسمًا ومدقارًا ومعنى ... فيا لله من حسن جليٍّ
كأنكم الثلاثة ضرب خيط ... عليٌّ في علي في علي
قال الشيخ علاء الدين:
من آخذ من خده ... بدم الشهيد المغرم
فالريح ريح المسك ... منه ولونه لون الدم
قال الشيخ جمال الدين:
لا ينكرن الكاس من جفنه ... دم الشهيد الصابر المغرم
فالريح ريح المسك من خده ... كما يرى واللون لون الدم
قال الشيخ علاء الدين من قصيدة:
يفتن بالفاتر من طرفه ... وريقه البارد يا حار١
стр. 306
قال الشيخ جمال الدين:
لو ذقت برد رضاب من مقبله ... يا حار ما لمت أعضائي التي ثملت
مع أن الشيخ جمال الدين فتر عن الفاتر، قال الشيخ علاء الدين:
قيل إن شئت أن تكون غنيًّا ... فتزوج تكن من المحصنينا١
قلت ما يقطع الإله بحرٍّ ... لم يضع بين أظهر المسلمينا
قال ابن نباتة:
قل لي خلي تزوج تسترح ... من أذى الفقر وتستغني يقينا
قلت دع نصحك واعلم أنني ... لم أضع بين ظهور المسلمينا
قال الوادعي:
يا عاذلي في النكاريش اطرح عذلي ... واعذر فعذري فيهم واضح حسن٢
فالمرد إن حاولوا حربي بهجرهم ... إذًا لقام بنصري معشر خشن
قال ابن نباتة:
لو آذنتني عذالي بحربهم ... إذ بالنكاريش قد أصبحت حيرانا
إذًا لقام بنصري معشر خشن ... عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا٣
قال الشيخ علاء الدين الوادعي من قصيدة:
عذب مقبله وحلو لحظه ... أو ما تراه بالنعاس معسلا٤
قال الشيخ جمال الدين:
معسل بنعاس في لواحظه ... أما تراها إلى كل القلوب حلت
قال الوادعي، من القصيدة المذكورة:
ألحاظه وهي السيوف كليلة ... ويكون تعذيب الكليلة أطولا٥
стр. 307
قال ابن نباتة:
بليت به ساجي اللحاظ كليلها ... وما زال تعذيب الكليلة أطولا١
قال الوداعي من قصيدة:
والنهر كالمبرد يجلو الصدا ... ببرده عن قلب ظمآن
قال ابن نباتة:
والنهر فيه كمبرد ... فلأجل ذا يجلو الصدا
لكن نقص نهره وكل مبرده عن نكتة برده في بيت الوداعي، فإن الشيخ جمال الدين حط مكانها في بيته: فلأجل ذا، وشتان.
قال الوداعي:
ما كنت أول مغرم محروم ... من باخل بادي النفار كريم
قال ابن نباتة مبخل يشبه ريم الفلا ... يا طول شجوي من بخيل كريم
قال الوداعي، في مليح أعمى:
بروحي غزالًا راح في الحسن جنة ... تعشقته فهمت من الوجد
إذا ما تبدى قائدًا بيمينه ... تيقنت حقًّا أنه جنة الخلد
قال ابن نباتة:
أفديه أعمى مغمد الخطة ... ليرتقي في خده الوردي
تمكنت عيناي من وجهه ... فقلت هذي جنة الخلد
قال الشيخ علاء الدين:
بلخت عليَّ بدرِّ مبسمها ... فغدت مطوقة بما بخلت٣
قال ابن نباتة:
بخلت بلؤلؤ ثغرها عن لاثم ... فغدت مطوقة بما بخلت به
قال الوداعي:
وما يبري هوى المشتا ... ق إلا ذلك المغلي
стр. 308
قال ابن نباتة:
من المغل أشكو نحوه ألم لجلوى ... وطب الهوى عندي كما قيل في المغلي١
قال الوداعي:
يا نديمي والذي عاهدني ... أنه عن شربها لن يقصرا
اسقني صرفًا ودع عذالنا ... يضربون الماء حتى يخثرا٢
قال ابن نباتة:
اسقني صرفًا من الرا ... ح تحتُّ الهم حتا
ودع العذال فيها ... يضربون الماء حتى
قال الوداعي:
باللوى صعدة عليها لواء ... كل طعنات نصلها نجلاء
وقال بعد المطلع:
لا نجد عندها سماعًا لشكوى ... فلهذا قالوا لها صماء
قال ابن نباتة:
وعدت بطيف خيالها أسماء ... إن كان يمكن ناظري إغفاء
وقال بعد المطلع:
يا من يطيل من الجوى لقوامها ... شكواه وهي الصعدة الصماء
وقد آن أن أختصر، لئلا يطول الشرح، وأكف لسان القلم، فقد طال واستطال، على عرض الشيخ جمال الدين. ونعود إلى ما كنا فيه من الاستشهاد ببيتي الشيخ علاء الدين الوداعي، على نوع التوجيه، فقد فهمت رتبته في هذا الفن وتوجيه بيته يصدق على أسماء الأعلام من رواة الحديث، في هذا الفن حيث قال:
فالعين عن قرة والكف عن صلة ... والقلب عن جابر والأذن عن حسن
والمعنى الآخر في حسن، مناسبته بين القرَّة والعين، والصلة والكف، والجبر والقلب، والكسر والسمع، والحسن ظاهر. ومثله قول القاضي محي الدين بن عبد الظاهر الحلبي، يصف نهرًا صافيًا في روض نزيه:
стр. 309
إذا فاخرته الريح ولت عليلة ... بأذيال كثبان الربا تتعثر١
به الفضل يبدو والربيع وكم غدا ... به الروض يحيى وهو لا شك جعفر٢
ومثله قول ابن الوردي:
هويت أعرابية ريقها ... عذب ولي فيها عذب مذاب
رأسي بنو شيبان والطرف من ... نبهان والعذال فيها كلاب٣
أما التوجيه في قواعد العلوم، كما تقرر فأحسن ما رأيت فيه، قول أمين الدين على السليماني، في بعض قواعد النحو:
أضيف الدجى معنى إلى لون شعره ... فطال ولولا ذاك ما خص بالجر
وحاجبه نون الوقاية ما وقت ... على شرطها فعل الجفون من الكسر٤
ومنه قولي:
إغراء لحظك مالي منه تحذير ... ولا لتعريف وجدي فيك تنكير
يا نصب عيني غرامي كيف أجزمه ... والقد مرتفع والشعر مجرور٥
ومن أظرف ما وقع في هذا الباب أنه كان بالعراق عاملان: أحدهما اسمه عمر، والآخر اسمه أحمد، فعزل عمر عن عمله واستقر أحمد بسبب مال وزنه، فقال بعض الشعراء في ذلك:
أيا عمر استعد لغير هذا ... فأحمد بالولاية مطمئن
فإنك فيك معرفة وعدل ... وأحمد فيه معرفة ووزن
وقول ابن عنين، فيمن عزل وكانت سيرته غير مشكورة:
فلا تغضبن إذا ما صرفت ... فلا عدل فيك ولا معرفة
стр. 310
وقال ابن الساعاتي: وقيل لابن أبي الأصبع:
أيا قمرًا من حسن وجنته لنا ... وظل عذاريه الضحى والأصائل١
جعلتك للتمييز نصبًا لناظري ... فهلا رفعت الهجر والهجر فاعل
وظريف هنا قول بعضهم:
عرج بنا تحت طلول الحمى ... فلم تزل آهلة الأربع٢
حتى تظل اليوم وقفًا على السـ ... ـاكن أو عطفًا على الموضع
وقول محمد بن العفيف:
يا ساكنًا قلبي المعنى ... وليس فيه سواك ثاني
لأي معنى كسرت قلبي ... وما التقى فيه ساكنان٣
ومن لطائف البهاء زهير:
يقولون لي أنت الذي سار ذكره ... فمن صادر يثني عليه ووارد٤
هبوني كما قد تزعمون أنا الذي ... فأين صلاتي منكم وعوايدي٥
ونظير هذا ما اتفق لشرف الدين محمد بن عنين، وذلك أنه مرض فكتب إلى الملك العظيم صاحب دمشق:
انظر إلي بعين مولى لم يزل ... يولي الندى وتلاف قبل تلافي
أنا كالذي أحتاج ما تحتاجه ... فاغنم دعائي والثنا الوافي
فعاده الملك العظيم، ومعه خمسمائة دينار، وقال له: أنت الذي وأنا العائد وهذه الصلة.
وظريف هنا قول بعض المواليا:
رأيتها وهي داخل دارها في الصحن ... تنشد رمل صحنت قلبي المعنى صحن
يا ليتها مع تغنيها وطيب اللحن ... ترف أجر ودع يدخل عليَّ اللحن
стр. 311
وقول بعضهم من التوجيه في قواعد الفقه:
أحجج إلى الزهر لتحظى به ... وارم جمار مستنفرا
من لم يطف بالزهر في وقفة ... من قبل أن يحلق قد قصرا١
وقول شمس الدين بن العفيف، من التوجيه في قواعد الجدل:
وما بال برهان العذار مسلمًا ... ويلزمه دور وفيه تسلسل
وقول شمس الدين بن جابر الأندلسي، ناظر البديعية من التوجيه في الحديث:
قالت أعندك من أهل الهوى خبر ... فقلت إني بذاك العلم معروف
مسلسل الدمع من عيني ومرسله ... على مديح ذاك الخد موقوف٢
ومن التوجيه في علم العروض قول ابن نصر الله المصري:
وبقلبي من الهموم مديد ... وبسيط ووافر وطويل٣
لم أكن عالمًا بذاك إلى أن ... قطع القلب بالفراق الخليل٤
ومثله قولي، وهو مطلع قصيدة:
في عروض الجفا بحور دموعي ... ما أفادت قلبي سوى التقطيع٥
ومن التوجيه في الكتابة قول ابن الساعاتي:
لله يوم في دمشق قطعته ... حلف الزمان بمثله لا يغلط
الطير تقرأ الغدير صحيفة ... والريح تكتب والسحا ينقط٦
стр. 312
ولبعضهم، وأجاد، وهو ابن القيسراني:
بوجه معذبي آيات حسن ... فقل ما شئت عنه ولا تحاشي٦
فنسخة حسنه قرئت وصحت ... وها خط الكمال على الحواشي٧
وقال ابن الوردي:
رأيت فقيرًا في المرقعة التي ... على حسنه دلت وحسن طباعه
بخديه ريحان الحواشي محقق ... إلى الثلث والفضاح تحت رقاعه٣
ومثله قول القرشي الكاتب، وقد طلبه السلطان بسب خط نقل عنه أنه زور، فاختفى في بيته ثلث سنه، وكتب إلى ابن فضل الله يسأله النظر في جاله، في رقعة أولها: يقبل الأرض وينهى، إن له ثلث سنة محقق مختف في حواشي البيت، يخشى توقيعات الرقاع من صاحب الطومار، وسؤال المملوك نسخ هذا الأمر الفضاح، بحيث لا يبقى عليه غبار، فإن المملوك وحق المصحف ما يحمل عود ريحان.
ومن التوجيه، في علم الرمل، قول الصاحب بهاء الدين زهير:
تعلمت علم الرمل لما هرجتني ... لعلي أرى شكلا يدل على الوصل٤
فقالوا طريق قلت يا رب للقا ... وقالوا اجتماع قلت يا رب للشمل
ومن التوجيه في علم النجوم، قول بعضهم في كان وكان:
لو سنبله خلف ظهره ... ناظر إليها المشتري٥
ولو ذنب ما يقارن ... حتى يرى الميزان٦
ومن التوجيه في علم الهندسة:
محيط بأشكال الملاحة وجهه ... كأن بها إقليدسًا يتحدث٧
стр. 313
فعارضه خط استواء وخاله ... به نقطة والشكل شكل مثلث
وقول يوسف الذهبي بن لؤلؤ في توجيه علم الموسيقى:
وبمهجتي المتحملون عشية ... والركب بين تلازم وعناق١
وحداتهم أخذت حجازًا بعدما ... غنت وراء الركب في عشاق
ومثله قول شمس الدين بن جابر الأندلسي ناظم البديعية:
يا أيها الحادي اسقني كأس السرى ... نحو الحبيب ومهجتي للساقي
حي العراق على النوى واحمل إلى ... أهل الحجاز رسائل العشاق
ومن التواجيه اللطيفة قول ابن نباتة، في أسماء متنزهات دمشق:
يا حبذا يومًا بوادي حلق ... وتنزهي مع ذا الغزال الخالي
من أول الجبهة قد قبلته ... مرتشفا لآخر الخلخال
ومن التوجيه الغريب اللطيف قول ابن الوردي، ود كتب إلى بعض المخاديم بسب وظيفة القضاء، وأظنه لشيخ الإسلام شرف الدين بن البارزي:
جنبتني وأخي تكاليف القضا ... وكفيتنا مرضين مختلفين
يا حي عالم عصرنا أحييتنا ... فلك التصرف في دم الأخوين
وقول بعض المواليا:
لك خد يا حي عالم يا كميت الطرد ... عليه لو نفس صباره وحر وبرد٢
ناداه والعارض النمام حولو فرد ... ما فاتك الحسن ساعة يا شقيق الورد
وقد تقدم قولي: إن الشيخ شمس الدين بن الصايغ استشهد، في شرحه المسمى برقم البردة، بشيء من أزجال أهل عصره على بعض أنواع البديع. وتقدَّمت ترجمة الشيخ علاء الدين بن مقاتل الحموي، علأد ما أوردت له ما أوردت في أنواع الجناس، وقد ذكرت له هنا في باب التوجيه، زجلًا موجها في خياط أخبرني من أدرك الحاج علاء المذكور، من أعيان أهل حماة، أن هذا الرجل دخل إلى بلاد المغرب وعاد مخلقًا بالزعفران، ورتبة الشيخ علاء الدين بن مقاتل في هذا الفن مشهورة، شرقًا وغربًا، لم تحتج فيها إلى الإطناب فوضعه الزجل، ومطلعه:
стр. 314
نهوى خياط سبحان تبارك من ... بالجمال جملوا
بالمفصل وآية الكرسي ... نرقى شكلو الحلو١
خاط لي ثوب سقام قصر نسجو ... طال بحكم القدر
حتى إن البدن لضعفي ضاع ... في عيون الإبر
راح عذولي يشكلو شكلو ... ويقص الخبر
وجا مذ بوح القلب متمزق ... ونسى أيش قلت لو
ولا فرج لو كرب عن قلبو ... ولا عن مرسلو
ذا الحسيني بلأيقة العشاق ... كم قد أخلا جيوب
وبزرو من العيون كم لو ... تخرجه في القلوب
قلت بصه ثملا لك الجيب زوَّر ... ولا فرج كروب
خلا سري المكتوم مشهر فيه ... والذي يسألوا
جيبو مقلوب وراب على غير ... الاستوا فصلو٢
بعد طيب الوصال قطع وصلي ... وأوصل الانقطاع
حتى خلى بيني وبين الموت ... أما باع أو ذراع٣
وترى ظاهري صحيح لكن ... باطني في النزاع
وإن هو طول شقة بعادي ... والانقطاع أوصلوا
جهزوا القطن والكفن والما ... واغسلوا وفصلوا
جا الفقيه ف حبيبي يعذلني ... ويرقع كلام
قلت دعني فقيه في تمزيقي ... بس تلفيق ملام
قال حبك لو ظلم سلاري ... تتري والسلام
وسلب إسلامي لما حذرني ... عند باب منزلو
وقطع عاتقي وضربني ... وايش معو يعملو
ذا الخليع الجديد نهار قد قال لي ... لفظ وعقلي قمر
صف جبيني وشعري من تفصيل ... نظمك المبتكر
قلت خيط الصباح يستفتح ... ذيل الدجى في السحر
قال لي قصرت بل هو ستر الله ... حين علي اسبلو
حابك الزرقا فاتق الخضرا ... بالهلال كللو
стр. 315
قال فصفني في خدي والعارض ... فيها جمع الشتات
وعليها دار الطراز تنبيت ... رقم ما أحلاه نبات
قال ما هو إلا شرب والحمره ... دم من تقتلو
فيه خلات خيوط زرق لاحت ... من جفون تغزلوا
قلت كف العتاب في ذي الصفة ... ما أنا في ذا القياس
وانظر في دايره تمنطقها ... بدر من غير قياس
واكسني ثوب وقار ولبسني ... بالفتوة لباس
وإن جا تخليصي غرض من يديك ... بالوصال طولوا
وإن قصر باعي عن صفحات مدحك ... بالوفا ذيلوا١
جاز في بستان مشهر القمصان ... من بكر صابحو
مثل كف المنثور في مكنونه ... حين وقف صافحو
وقميص الشقيق من أكمامو ... بالخجل فاتحو
وقضيب الخلاف وقف عراه ... فرق حين فصلوا
وأوثق أزراره الورد في كمو ... وعليه فضلوا
دي الكلام يتخلع ويتفرد ... ويفصل مليح
ويفرج ويندرج أصلو ... ويفتح صحيح
ويبطن من بعد تضريبو ... بالسجاف يستريح٢
ويعري من حبكه التخريم ... ويزر رولو
أنو يطوى والنشر فيه موزون ... آخرو في أوّلو
ومنه يعرض بذكر أضداده بدمشق:
ذا الزجل قاسيون على الأعدا ... جد ما فيه سخف٣
وعلى أرباب المعرفة من ريش ... النعامات أخف
للصغير والكبير فقل عني ... واحذر احذر تخف
كم زيادة عن علي وإن كان ... يشتهوا يعملوا
هذا الأبلق والشقرا والميدان ... اركبوا وادخلوا
стр. 316
كأني بمتأمل نظر في رسم كتابة هذا الزجل، فأنكره لبعده عن رسم الألفاظ المعربة الخالية من اللحن، ويعذر في ذلك، لأنه ليس له إلمام بمصطلح رسمه؛ ومن رسمه على غير هذا الطريق لم ينفذ له مرسوم، فإنه يؤديه إلى خطأ وزنه، وعراف لحنه. ومصنفه، أبو بكر بن يحيى بن قرمان الوزير، قال في خطبته: وقد جردته من الإعراب، تجريد السيف من القراب. ولم يطلب من الزجل غير عذوبة ألفاظه وغرابة معانيه. انتهى.
ومن التواجيه اللطيفة في الطب، ما اتفق أن بعض الملوك خرج لقتال أعدائه، فأيده الله بنصره، فطلب كاتب إنشائه ليكتب على الفور حكاية الحال، فتعذر وجوده في ذلك الوقت، فطلب طبيبيه وأمره بالكتابة بسرعة، وكان الطبيب حاذقًا فكتب موجهًا في صناعته: أما بعد فإنا كنا مع العدو في حلقة كدائرة البيمارستان٣، حتى لو رميت مبضعًا لم يقع إلا على قيفال٤، ولم يكن إلا كجس نبضة أو نبضتين، حتى لحق العدو بحران عظيم. فهلك بسعادتك يا معتدل المزاج. وكان أبو الحسين الجزار ونصير الدين الحمامي وسراج الدين الوراق لم يخرجوا عن هذا النوع في غالب نظمهم، ويأتي الكلام على ذلك في مواضعه من باب التورية، وأما توجيه أسماء أنواع البديع فهو نسيج وحده، وواسطه عقده وما ذاك إلا أنه رسم لي بإنشاء توقيع المقر الأخوي الزيني، عبد الرحمن بن الخراط الشافعي، أحد أعيان العصر في الأدب، بكتابة السر بثغر طرابلس، وأنا منشئ ديوان الإنشاء الشريف الميدي بالديار المصرية، فقصدت التوجيه بالأنواع المذكورة لتحصل الملاءمة ومراعاة النظير بذلك، فإن صاحب التوقيع من المتميزين على كلا الحالين بحسن الأدب، فمن ذلك قولي في فصل التعدية، وبعد فمنهل إنعامنا الشريف قد حلينا لأهل الأدب مورده، لتصير عقود إنشائنا بجواهر منثوره منضده، وتطلع كل براعة باستهلالها في أشرف الطالع، وتسكن النزاهة طباق البديع للمقابلة فيتنزه الناظر والسامع، ويقوم الاستخدام بما يجب عليه من واجب الخدمة، ويزيل الاقتباس بنوره عن أهلته كل ظلمة، وتجول خيول الاستطراد في رد العجز على صدره، ويحصل لأهل الأدب في زماننا تمكين فيظهر الافتتان في نظمه ونثره، ويصير لفقه المذهب الكلامي في أيامنا الشريفة ترشيح ومماثلة ومناسبة، ويبرز في توشيح التسليم من غير اعتراض مناقضة ومواربة، ويجنح العصيان إلى الدخول تحت الطاعة، ويسمع القول بموجبه من غير مراجعة في كل براعة، ويزول التجاهل بالعارف، ويصير التسجيع والمواربة عند إيجازه بالمواقف.
стр. 317
وكان المجلس العالي القضائي عبد الرحمن بن الخراط الشافعي ممن حسن بيانه إيضاح، وللسر عنده حسن إيداع، وللأدب إليه التفات، لأنه بجواهر ترصيعه يشنف الأسماع، وهو الفاضل الذي إذا نظم أزال، بسهولة نظمه، الإبهام والتوهيم، وإذا نثر عقود الإنشاء فلا فرق بين عبد الرحمن وعبد الرحيم، يحسن في المطالعة والأمثلة الشريفة طيه ونشره، وهو من الشعراء فيما يبعد من القصص إذا علا في تفسيرها أمره، فلذلك رسم بالأمر الشريف لا زالت براعة المطلب منظومة في بديع زمانه بإنعامه، ولا برحت أبوابه الشريفة في تصريع وتشريع لوفود أهل الأدب في أيامه، أن يستقر لأنه ممن يحسن في التحبير، ويحصل به الاكتفاء والتتميم، ويجمع من نظمه ونثره بين التحميس والترسل، فيحسن الجمع بهذا التقسيم، فليباشر ذلك ويجعل الاستعانة بالله، ليأمن من التنكيت والتعليل، ويصير لشقة الإنشاء بعد النقص تسهيم وتكميل، ويظهر لبرد الكلام بحسن تفصيله تفويف وتوشيع١. ولأصول التهذيب والتأديب مبالغة وتفريع، والوصايا كثيرة لا تخفى على الأديب الفاضل، الاحتراس والفرق بين المستوي والمقلوب، وبه يحصل النسق في جميع الفرائد، وتظهر براعة التخلص في عنوان كل مطلوب، لأنه الفاضل الذي إن سكن ثغرًا لم يفته شنب التورية بحسن نظامه، أو جاور بحرًا فهو أديب والبحور في تصريف أوامره في نقضه وإبرامه، والله تعالى يجعل نظم هذا الثغر بحسن أدبه في بلاغة وانسجام، وكما أحسن له الابتداء يعضده بديع السموات والأرض بحسن الختام.
وقد طال الشرح في نوع التوجيه ولم يبق للإطالة وجه. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في هذا النوع:
خلت الفضائل بين الناس ترفعني ... بالابتداء فكانت أحرف القسم
الشيخ صفي الدين قصد في توجيه بيته بعض قواعد النحو، وهو بيت عامر بالمحاسن. وقد تقدَّم ما أوردناه من هذا القسم.
وبيت بديعيتي:
وأسود الخال في نعمان وجنته ... لي منذر منه بالتوجيه للعدم
التوجيه، في هذا البيت، من القسم المقدم على التوجيه في قواعد العلوم، وقد تقدم فيه أن يوجه المتكلم كلامه، إلى أسماء متلائمة اصطلاحًا من أسماء الأعلام،
стр. 318
توجيهًا مطابقًا لمعنى اللفظ الثاني من غير اشتراك حقيقه، بخلاف التورية، وقد تقدم ذلك، وتقرر الكلام عليه وعلى التوجيه في قواعد العلوم وبقية الفنون، وعلى كل تقدير، فالكل راجع إلى طريق واحد، والاشتراك هنا في النعمان، والمنذر ظاهر، ولكن في النكتة اللطيفة في الأسود، فإن المتأمل ما يتخيل، في أول وهلة، غير سواد الخال وجل القصد في المعنى الآخر، هو الملك الأسود أخو النعمان بن المنذر، وهو أحد ملوك العرب، والتورية ههنا، في التوجيه الذي هو اسم النوع البديعي، لم يفتها من المحاسن وجه، وهذا هو الأفق الذي أقمر فيه الشيخ علاء الدين الوداعي، والقاضي محي الدين بن عبد الظاهر، وغيرهما، ممن أوردنا على هذا النوع نظمه، وأوصلنا الغرض لما أطلق فيه سهمه، وما أخرت بيت العميان وبيت الشيخ عز الدين، ونثرت نظم الترتيب هنا، إلا لأنهم نسجوا على غير هذا المنوال، وتعوضوا عن مسارح الماء الحلو بالآل١. وبيت العميان:
ترى الغني لديهم والفقير وقد ... عادا سواء فلازم باب قصدهم
هنا بحث لطيف، وهو أن العميان نظموا التوجيه بين التسمية التي تحتمل وجهين من المعنى، على مذهب المتقدمين وهو الإبهام، وقد تقرر أن المتكلم فيه يبهم المعنيين، بحيث لا يترشح أحدهما على الآخر بقرينة، واستشهدوا عليه بشاهد الإبهام الذي نزلوه على التوجيه، وهو قول الشاعر في الخياط، وقد تقدم: ليت عينيه سواء.
فالشاعر أبهم المعنين، بحيث يتحير السامع والمتأمل ويعجز عن ترجيح أحدهما. ولم أر في بيت العميان غير التسوية، بين الغني والفقير، فإن هؤلاء الممدوحين يعطون الفقير إلى أن يصير مساويًا للغني، وهذا هو المنى الواحد، وهو أوضح من ضوء الشمس إذ توقدت جمرة المصيف، وأما المعنى الآخر، فما وجدت في بيتهم له قرينة صالحة تدلني عليه، وصاحب البيت أدرى بالذي فيه. وقد تقدم أن نوع التوجيه قسمه البديعيون قسمين، وذهب إلى كل منهما فريق.
وبيت الشيخ عز الدين مذبذب. ﴿بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ ٢ وهو:
نزهت طرفي وسمعي في محاسنه ... وعنك إن تقصد التوجيه في الكلم
стр. 319
أصحاب الطريق الذي مشى عليها الشيخ عز الدين، في نظم هذا النوع، قالوا: التوجيه الاصطلاحي أن يحتمل الكلام وجهين من المعنى، وهذا هو الفرق بين التورية والتوجيه، فإن التورية باللفظة الواحدة والتوجيه لا يصح إلا بعدة ألفاظ، والشيخ عز الدين أتى بكلمة مفردة تحتمل معنيين، فما نظم غير التورية والتوجيه بخلاف ذلك، والكلمة التي اقتضت اشتراك المعنين قوله: نزهت، فإنه قال إنه نزه طرفه في محاسن محبوبه، وكأنه التفت إلى العذول وقال له وعنك وهو بيت العميان سافلان خاليان ليس فيهما من المحاسن ساكن، والله أعلم.
стр. 320
ذكر عتاب المرء نفسه:
يا نفس ذوقي عتابي قد دنا أجلي ... مني ولم تقطعي آمال وصلهم
هذا النوع أعني، عتاب المرء نفسه، لم أجد العتب مرتبًا إلا على من أدخله في البديع وعده من أنواعه وليس بينهما نسبة، والذوق السليم أعدل شاهد على ذلك، ولولا أن الشروع في المعارضة ملزم ما نظمت حصاه مع جواهر هذه العقود، ونهاية أمره أنه صفة لحال واقعة ليس تحتها كبير أمر، وهو من أفراد ابن المعتز، ولم يورد فيه غير بيتين ذكر أن الأسدي أنشدهما عن الجاحظ، وهما:
عصاني قومي في الرشاد الذي به ... أمرت ومن يعص المجرب يندم
فصبرًا بني بكر على الموت إنني ... أرى عارضًا ينهل بالموت والدم١
قال زكي الدين بن أبي الأصبع، وقوله صحيح: لم أر في هذين البيتن ما يدل على عتاب المرء نفسه، إلا أن هذا الشاعر لما أمر بالرشاد، وبذل النصح ولم يطع، ندم على بذل النصيحة لغير أهلها، ويلزم من عتابه لنفسه، فتكون دلالة البيتين على عتابه لنفسه دلالة التزامية، لا دلالة المطابقة، ولا يصلح أن يكون شاهدًا على هذا النوع، إلا قول شاعر الحماسة:
أقول لنفسي في الخلاء ألومها ... لك الويل ما هذا التجلد والصبر
انتهى كلام ابن أبي الأصبع، فانظر ما أحلى ما صرح هذا الشاعر بذكر النفس واللوم لها، وخاطبها بكاف الخطاب، ليتمكن عتبه وتقريعه المؤلم لها.