← Адаб

Адаб · id 8675

خزانة الأدب وغاية الأرب لابن حجة الحموي

الحموي، ابن حجة

Полный текст (986 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

كأني بمتأمل نظر في رسم كتابة هذا الزجل، فأنكره لبعده عن رسم الألفاظ المعربة الخالية من اللحن، ويعذر في ذلك، لأنه ليس له إلمام بمصطلح رسمه؛ ومن رسمه على غير هذا الطريق لم ينفذ له مرسوم، فإنه يؤديه إلى خطأ وزنه، وعراف لحنه. ومصنفه، أبو بكر بن يحيى بن قرمان الوزير، قال في خطبته: وقد جردته من الإعراب، تجريد السيف من القراب. ولم يطلب من الزجل غير عذوبة ألفاظه وغرابة معانيه. انتهى. ومن التواجيه اللطيفة في الطب، ما اتفق أن بعض الملوك خرج لقتال أعدائه، فأيده الله بنصره، فطلب كاتب إنشائه ليكتب على الفور حكاية الحال، فتعذر وجوده في ذلك الوقت، فطلب طبيبيه وأمره بالكتابة بسرعة، وكان الطبيب حاذقًا فكتب موجهًا في صناعته: أما بعد فإنا كنا مع العدو في حلقة كدائرة البيمارستان٣، حتى لو رميت مبضعًا لم يقع إلا على قيفال٤، ولم يكن إلا كجس نبضة أو نبضتين، حتى لحق العدو بحران عظيم. فهلك بسعادتك يا معتدل المزاج. وكان أبو الحسين الجزار ونصير الدين الحمامي وسراج الدين الوراق لم يخرجوا عن هذا النوع في غالب نظمهم، ويأتي الكلام على ذلك في مواضعه من باب التورية، وأما توجيه أسماء أنواع البديع فهو نسيج وحده، وواسطه عقده وما ذاك إلا أنه رسم لي بإنشاء توقيع المقر الأخوي الزيني، عبد الرحمن بن الخراط الشافعي، أحد أعيان العصر في الأدب، بكتابة السر بثغر طرابلس، وأنا منشئ ديوان الإنشاء الشريف الميدي بالديار المصرية، فقصدت التوجيه بالأنواع المذكورة لتحصل الملاءمة ومراعاة النظير بذلك، فإن صاحب التوقيع من المتميزين على كلا الحالين بحسن الأدب، فمن ذلك قولي في فصل التعدية، وبعد فمنهل إنعامنا الشريف قد حلينا لأهل الأدب مورده، لتصير عقود إنشائنا بجواهر منثوره منضده، وتطلع كل براعة باستهلالها في أشرف الطالع، وتسكن النزاهة طباق البديع للمقابلة فيتنزه الناظر والسامع، ويقوم الاستخدام بما يجب عليه من واجب الخدمة، ويزيل الاقتباس بنوره عن أهلته كل ظلمة، وتجول خيول الاستطراد في رد العجز على صدره، ويحصل لأهل الأدب في زماننا تمكين فيظهر الافتتان في نظمه ونثره، ويصير لفقه المذهب الكلامي في أيامنا الشريفة ترشيح ومماثلة ومناسبة، ويبرز في توشيح التسليم من غير اعتراض مناقضة ومواربة، ويجنح العصيان إلى الدخول تحت الطاعة، ويسمع القول بموجبه من غير مراجعة في كل براعة، ويزول التجاهل بالعارف، ويصير التسجيع والمواربة عند إيجازه بالمواقف.

стр. 317

وكان المجلس العالي القضائي عبد الرحمن بن الخراط الشافعي ممن حسن بيانه إيضاح، وللسر عنده حسن إيداع، وللأدب إليه التفات، لأنه بجواهر ترصيعه يشنف الأسماع، وهو الفاضل الذي إذا نظم أزال، بسهولة نظمه، الإبهام والتوهيم، وإذا نثر عقود الإنشاء فلا فرق بين عبد الرحمن وعبد الرحيم، يحسن في المطالعة والأمثلة الشريفة طيه ونشره، وهو من الشعراء فيما يبعد من القصص إذا علا في تفسيرها أمره، فلذلك رسم بالأمر الشريف لا زالت براعة المطلب منظومة في بديع زمانه بإنعامه، ولا برحت أبوابه الشريفة في تصريع وتشريع لوفود أهل الأدب في أيامه، أن يستقر لأنه ممن يحسن في التحبير، ويحصل به الاكتفاء والتتميم، ويجمع من نظمه ونثره بين التحميس والترسل، فيحسن الجمع بهذا التقسيم، فليباشر ذلك ويجعل الاستعانة بالله، ليأمن من التنكيت والتعليل، ويصير لشقة الإنشاء بعد النقص تسهيم وتكميل، ويظهر لبرد الكلام بحسن تفصيله تفويف وتوشيع١. ولأصول التهذيب والتأديب مبالغة وتفريع، والوصايا كثيرة لا تخفى على الأديب الفاضل، الاحتراس والفرق بين المستوي والمقلوب، وبه يحصل النسق في جميع الفرائد، وتظهر براعة التخلص في عنوان كل مطلوب، لأنه الفاضل الذي إن سكن ثغرًا لم يفته شنب التورية بحسن نظامه، أو جاور بحرًا فهو أديب والبحور في تصريف أوامره في نقضه وإبرامه، والله تعالى يجعل نظم هذا الثغر بحسن أدبه في بلاغة وانسجام، وكما أحسن له الابتداء يعضده بديع السموات والأرض بحسن الختام. وقد طال الشرح في نوع التوجيه ولم يبق للإطالة وجه. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في هذا النوع: خلت الفضائل بين الناس ترفعني ... بالابتداء فكانت أحرف القسم الشيخ صفي الدين قصد في توجيه بيته بعض قواعد النحو، وهو بيت عامر بالمحاسن. وقد تقدَّم ما أوردناه من هذا القسم. وبيت بديعيتي: وأسود الخال في نعمان وجنته ... لي منذر منه بالتوجيه للعدم التوجيه، في هذا البيت، من القسم المقدم على التوجيه في قواعد العلوم، وقد تقدم فيه أن يوجه المتكلم كلامه، إلى أسماء متلائمة اصطلاحًا من أسماء الأعلام،

стр. 318

توجيهًا مطابقًا لمعنى اللفظ الثاني من غير اشتراك حقيقه، بخلاف التورية، وقد تقدم ذلك، وتقرر الكلام عليه وعلى التوجيه في قواعد العلوم وبقية الفنون، وعلى كل تقدير، فالكل راجع إلى طريق واحد، والاشتراك هنا في النعمان، والمنذر ظاهر، ولكن في النكتة اللطيفة في الأسود، فإن المتأمل ما يتخيل، في أول وهلة، غير سواد الخال وجل القصد في المعنى الآخر، هو الملك الأسود أخو النعمان بن المنذر، وهو أحد ملوك العرب، والتورية ههنا، في التوجيه الذي هو اسم النوع البديعي، لم يفتها من المحاسن وجه، وهذا هو الأفق الذي أقمر فيه الشيخ علاء الدين الوداعي، والقاضي محي الدين بن عبد الظاهر، وغيرهما، ممن أوردنا على هذا النوع نظمه، وأوصلنا الغرض لما أطلق فيه سهمه، وما أخرت بيت العميان وبيت الشيخ عز الدين، ونثرت نظم الترتيب هنا، إلا لأنهم نسجوا على غير هذا المنوال، وتعوضوا عن مسارح الماء الحلو بالآل١. وبيت العميان: ترى الغني لديهم والفقير وقد ... عادا سواء فلازم باب قصدهم هنا بحث لطيف، وهو أن العميان نظموا التوجيه بين التسمية التي تحتمل وجهين من المعنى، على مذهب المتقدمين وهو الإبهام، وقد تقرر أن المتكلم فيه يبهم المعنيين، بحيث لا يترشح أحدهما على الآخر بقرينة، واستشهدوا عليه بشاهد الإبهام الذي نزلوه على التوجيه، وهو قول الشاعر في الخياط، وقد تقدم: ليت عينيه سواء. فالشاعر أبهم المعنين، بحيث يتحير السامع والمتأمل ويعجز عن ترجيح أحدهما. ولم أر في بيت العميان غير التسوية، بين الغني والفقير، فإن هؤلاء الممدوحين يعطون الفقير إلى أن يصير مساويًا للغني، وهذا هو المنى الواحد، وهو أوضح من ضوء الشمس إذ توقدت جمرة المصيف، وأما المعنى الآخر، فما وجدت في بيتهم له قرينة صالحة تدلني عليه، وصاحب البيت أدرى بالذي فيه. وقد تقدم أن نوع التوجيه قسمه البديعيون قسمين، وذهب إلى كل منهما فريق. وبيت الشيخ عز الدين مذبذب. ﴿بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ ٢ وهو: نزهت طرفي وسمعي في محاسنه ... وعنك إن تقصد التوجيه في الكلم

стр. 319

أصحاب الطريق الذي مشى عليها الشيخ عز الدين، في نظم هذا النوع، قالوا: التوجيه الاصطلاحي أن يحتمل الكلام وجهين من المعنى، وهذا هو الفرق بين التورية والتوجيه، فإن التورية باللفظة الواحدة والتوجيه لا يصح إلا بعدة ألفاظ، والشيخ عز الدين أتى بكلمة مفردة تحتمل معنيين، فما نظم غير التورية والتوجيه بخلاف ذلك، والكلمة التي اقتضت اشتراك المعنين قوله: نزهت، فإنه قال إنه نزه طرفه في محاسن محبوبه، وكأنه التفت إلى العذول وقال له وعنك وهو بيت العميان سافلان خاليان ليس فيهما من المحاسن ساكن، والله أعلم.

стр. 320

ذكر عتاب المرء نفسه: يا نفس ذوقي عتابي قد دنا أجلي ... مني ولم تقطعي آمال وصلهم هذا النوع أعني، عتاب المرء نفسه، لم أجد العتب مرتبًا إلا على من أدخله في البديع وعده من أنواعه وليس بينهما نسبة، والذوق السليم أعدل شاهد على ذلك، ولولا أن الشروع في المعارضة ملزم ما نظمت حصاه مع جواهر هذه العقود، ونهاية أمره أنه صفة لحال واقعة ليس تحتها كبير أمر، وهو من أفراد ابن المعتز، ولم يورد فيه غير بيتين ذكر أن الأسدي أنشدهما عن الجاحظ، وهما: عصاني قومي في الرشاد الذي به ... أمرت ومن يعص المجرب يندم فصبرًا بني بكر على الموت إنني ... أرى عارضًا ينهل بالموت والدم١ قال زكي الدين بن أبي الأصبع، وقوله صحيح: لم أر في هذين البيتن ما يدل على عتاب المرء نفسه، إلا أن هذا الشاعر لما أمر بالرشاد، وبذل النصح ولم يطع، ندم على بذل النصيحة لغير أهلها، ويلزم من عتابه لنفسه، فتكون دلالة البيتين على عتابه لنفسه دلالة التزامية، لا دلالة المطابقة، ولا يصلح أن يكون شاهدًا على هذا النوع، إلا قول شاعر الحماسة: أقول لنفسي في الخلاء ألومها ... لك الويل ما هذا التجلد والصبر انتهى كلام ابن أبي الأصبع، فانظر ما أحلى ما صرح هذا الشاعر بذكر النفس واللوم لها، وخاطبها بكاف الخطاب، ليتمكن عتبه وتقريعه المؤلم لها.

стр. 321

وبيت الشيخ صفي الدين الحلي فيه: أنا المفرط أطلعت العدوّ على ... سري وأودعت نفسي كف مجترم١ الشيخ صفي الدين حكى أنه فرَّط في اطلاع عدوه على سره، وإيداع نفسه كف مجترم لا غير، وأين هو من قول شاعر الحماسة، وقد قال لنفسه على سبيل العتب والتوبيخ: لك الويل ما هذا التجلد والصبر. والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي: عتبت نفسي إذ أتبعتها بهوى ... مجهول سبل بلادها دولا علم٢ الشيخ عز الدين حكى أيضًا أنه عاتب نفسه، وذكر أنه هو الذي أتعبها وكلفها حمل الهوى، فالعتاب هنا من كل وجه لم يترتب على غيره، وما مقدار هذا النوع حتى إن الشاعر لم يأت به على صيغته، لا سيما ونظام البديعيات قد التزموا أن ياتوا به شاهدًا على نوعه. وبيت بديعيتي: يا نفس ذوقي عتابي قد دنا من أجلي ... مني ولم تقطعي آمال وصلهم أقول: إن هذ البيت ينظر إلى بيت شاعر الحماسة في علو طباقه، وإن كان من الفحول التي لها فضيلة السبق، فقد زاحمه في حلبة سباقه، مع أن عروس التسمية يضوع عطرها من أطواق الطروس، يقول مزكوم الذوق وقد عاد له الشم: لا عطر بعد عروس، وأين هذا النشر الواضح، والرقة التي ود النسيم لو انتظم معها وانسجم، من عقادة بيت الشيخ عز الدين، وقد أمسى بها مجهولًا بلا هاد ولا علم.

стр. 322

ذكر القسم: برئت من أدبي والعز من شيمي ... إن لم أبر بنأي عنهم قسمي القسم أيضًا حكاية حال واقعة، وليس تحته كبير أمر، ولكن تقرر أن الشروع في المعارضة ملزم، وهو أن يقصد الشاعر الحلف على شيء، فيحلف بما يكون له مدحًا وما يكسبه فخرًا وما يكون هجاء لغيره، فمثال الأول، قول مالك بن الأشتر النخعي في معاوية بن هند: بقيت وفري وانحرفت عن العلا ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس١ إن لم أشن على ابن هند غارة ... لم تخل يومًا من ذهاب نفوس فقول ابن الأشتر تضمن المدح لنفسه والفخر الزائد والوعيد للغير، ومثله قول أبي على البصير، يعرض بعلي بن الجهم: أكذبت أحسن ما يظن مؤملي ... وهدمت ما شادته لي أسلافي وعدت عاداتي التي عودتها ... قدمًا من الأسلاف والأخلاف وغضضت من ناري ليخفى ضوؤها ... وقريت عذرًا كاذبًا أضيافي٢ إن لم أشن على عليّ خلة ... تمسي قذى في أعين الأشراف٣ وقد يقسم الشاعر بما يريده الممدوح ويختاره، كقول الشاعر: إن كان لي أمل سواء أعدّه ... فكفرت نعمتك التي لا تكفر

стр. 323

وأحسن ما سمع في القسم على المدح قول الشاعر: حفت بمن سوَّى السماء وشادها ... ومن مرج البحرين يلتقيان١ ومن قام في المعقول من غير رؤية ... فأثبت في إدراك كل عيان لما خلقت كفاك إلا لأربع ... عقائل لم تعقل لهن ثواني٢ لتقبيل أفواه وإعطاء نائلٍ ... وتقليب هندي وحبس عنان والمقدم في هذا الباب، وهو الذي انتهت إليه نهاية البلاغة، قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ ٣ فإنه قسم يوجب الفخر، لتضمنه التمدح بأعظم قدرة وأكمل عظمة حاصلة من ربوبية السماء والأرض، وتحقيق الوعد بالرزق، وحيث أخبر أن الرزق في السماء وأنه رب السماء، يلزم من ذلك قدرته على الرزق الموعود به دون غيره. انتهى الكلام على القسم الذي يراد به الفخر والمدح والتعظيم. وأما ما جاء من القسم في النسيب فكقول الشاعر: جنى وتجنى والفؤاد يطيعه ... فلا ذاق من يجني عليه كما يجني فإن لم يكن عندي كعيني ومسمعي ... فلا نظرت عيني ولا سمعت أذني ومما جاء من القسم في الغزل قول ابن المعتز: لا والذي سل من جفنيه سيف ردى ... قدت له من عذاريه حمائله٤ ما صارمت مقلتي دمعًا ولا وصلت ... غمضًا ولا سالمت قلبي بلابله٥ الذي وقع عليه الاتفاق أن هذا أحسن ما وقع من القسم في الغزل، إذ القسم والمقسم عليه كل منهما داخل في باب الغزل، ولكن، قال الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع: إن الذي وقع لجميل بن معمر العذري في هذا الباب، ما تحسن العبارة تفصح عن لفظه ووصفه، وهو قوله على لسان محبوبته: قالت وعيش أبي وأكبر إخوتي ... لأنبهبن الحي إن لم تخرج فخرجت خيفة أهلها فتبسمت ... فعلمت أن يمينها لم تلجج٦

стр. 324

ثم قال، أعني ابن أبي الأصبع: رحم الله جميلًا لقد تظرف في هذين البيتين ما شاء، لأنه أتى بهما من باب الهزل الذي يراد به الجد، وأغرب في القسم فيهما، وأدمج في القسم حسن ائتلاف اللفظ مع المعنى، وأتى بما لا يوفيه واصف حقه. انتهى كلام ابن أبي الأصبع. قلت: وإذا وصلنا في القسم إلى باب الهزل الذي يراد به الجد، فهذب الدين بن منير الطرابلسي قائد هذا العنان، وفارس هذا الميدان، وما ذاك إلا أنه هاجر إلى مدينة السلام بغداد، والشريف الموسوي نقيب الأشراف بها، وبابه حرم الوافدين، وينابيع الفضل التي هي مناهل الواردين. وكان يقال إن الشريف المشار إليه من كبار الشيعة ببغداد، وعلى هذا أجمع غالب الناس، فجهز إليه ابن منير عند قدومه بغداد هدية مع مملوكه تتر، بل معشوقه الذي اشتهر به في الخافقين غرامه، وأبدع في أوصافه الجميلة نظامه، فقبل الشريف هديته، واستحسن المملوك فأدخله في الهدية، وقصد أن يعوضه على ذلك بأضعافه، فلما شعر ابن منير بذلك التهبت أحشاؤه على مملوكه بل معشوقه تتر، وكتب إلى الشريف على الفور قصيدة أولها: عذبت قلبي يا تتر ... وأطرت نومي بالفكر ومنها: بالمشعرين وبالصفا ... والبيت أقسم والحجر١ وبمن سعى فيها وطا ... ف به ولبى واعتمر إن الشريف الموسوي ... بن الشريف أبي مضر أبدى الجحود ولم يرد ... إليَّ مملوكي تتر واليت آل أمية ... الطهر الميامين الغرر وجحدت بيعة حيدر ... ورجعت عنه إلى عمر وإذا جرى ذكر الصحابة ... بين جمع واشتهر قلت المقدم شيخ ... تيم ثم صاحبه عمر٢ ما سل قط ظبا على ... آل النبي ولا شهر

стр. 325

كلا ولا صد البتو ... ل عن التراث ولا زجر١ وأثابها الحسنى وما ... شق الكتاب ولا بقر٢ وبكيت عثمان الشهـ ... ـيد بكاء نسوان الحضر وشرحت حسن صلاته ... جنح الظلام المعتكر ورثيت طلحة والزبـ ... ـير بكل شعر مبتكر وأزور قبرهما وأز ... جر من لحاني أو زجر٣ وأقول أم المؤمنين ... عقوقها إحدى الكبر٤ ركبت على جمل لتصـ ... ـبح من بنيها في زمر وأتت لتصلح بين جيـ ... ـش المسلمين على غرر فأتى أبو حسن وسل ... حسامه وسطًا وكر وأذاق إخوته الردى ... وبعير أمهم عقر ما ضره لو كان كف ... وعف عنهم إذ قدر وأقول إن إمامكم ... ولى بصفين وفر وأقول إن أخطا معا ... وية فما أخطا القدر هذا ولم يغدر معا ... وية ولا عمرو مكر٥ بطل بسوأته يقا ... تل لا بصارمه الذكر وجنيت من ثمر النوا ... صب ما تتمر واختمر وأقول ذنب الخارجـ ... ـين على عليٍّ يغتفر لا ثائر لقتالهم ... في النهراون ولا أشر والأشعري بما يؤ ... ول إليه أمرهما شعر٦ قال انصبوا لي منبرًا ... فأنا البريء من الخطر

стр. 326

فعلا وقال خلعت صا ... حبكم وأوجز واختصر وأقول إن يزيد ما ... شرب الخمور ولا فجر ولجيشه بالكف ... عن أبناء فاطمة أمر وحلقت في عشر المحرم ... ما استطال من الشعر ونويت صوم نهاره ... وصيام أيام أخر ولبست فيه أجل ثو ... ب للملابس يدخر وسهرت في طبخ الحبو ... ب من العشاء إلى السحر وغدوت مكتحلًا أصا ... فح من لقيت من البشر ووقفت في وسط الطريـ ... ـق أقص شارب من عبر وغسلت رجلي ضلة ... ومسحت خفي في السفر وأمين أجهر في الصلا ... ة كمن بها قبلي جهر١ وأسن تسنيم القبو ... ر لكل قبر محتفر وإذا جرى ذكر الغدير ... أقول ما صح الخبر٢ ولبست فيه من الملا ... بس ما اضمحل وما دثر وسكنت جلق واقتديت بهم ... وإن كانوا بقر٣ وأقول مثل مقالهم ... بالفاشر يا قد فشر٤ مصطيحتي مكسورة ... وفطيرتي فيها قصر٥ نفر يرى برئيسهم ... طيش الظليم إذا نفر٦ وخفيفهم مستثقل ... وصواب قولهم هدر وطباعهم كجبالهم ... طبعت وقدَّت من حجر ما يدرك التشبيب تغـ ... ـريد البلابل في السحر

стр. 327

وأقول في يوم تحا ... ر له البصيرة والبصر والصحف ينشر طيها ... والنار ترمي بالشرر هذا الشريف أضلني ... بعد الهداية والنظر فيقال خذ بيد الشريـ ... ـف فمستقر كما سقر١ لواحة تصطو فما ... تبقي علي ولا تذر والله يغفر للمسى ... ء إذا تنصل واعتذر فاخش الإله بسوء فعـ ... ـلك واحتذر كل الحذر وإليكها بدوية ... رقت لرقتها الحضر شامية لو شامها ... قس الفصاحة لافتخر ودرى وأيقن أنني ... بحر وألفاظي درر وبديعتي كبديعة ... عذراء ترفل في الحبر٢ خبرتها فغدت كزهـ ... ـر الروض باكره المطر وإلى الشريف بعثتها ... لما قراها فانبهر رد الغلام وما استمر ... على الجحود ولا أصر وأثابني وجزيته ... شكرًا وقال لقد صبر أقول إنه يغتفر لي طول الشرح لغرابة أسلوب هذه القصيدة، فإني لم أرج بها عن القصد، لأنها مبنية على القسم وجوابه من البراعة إلى الختام، وأما هزلها الذي يراد به الجد فإنه غاية لا تدرك، وطريق ما رأينا لغيره فيها مسلك وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته على هذا النوع، أعني القسم، نسجه على المنوال الأول الذي هو مبني على المدح والفخر والتعاظم وعلو الهمة، وهو قوله: لا لقبتني المعالي بابن بجدتها ... يوم الفخار ولا بر التقى قسمي٣ هذا البيت منسوج على المنوال المذكور، لكن فيه نقص لأنه غير صالح للتجريد، ولم يأت ناظمه بجواب القسم، إلا في بيت الاستعارة الذي ترتب بعده، وهو: إن لم أحث مطايا العزم مثقلة ... من القوافي تؤم المجد عن أمم٤

стр. 328

وأصحاب البديعيات شرطوا أن يكون كل بيت شاهدًا على نوعه بمجرده، وإذا كان البيت له تعلق بما بعده أو بما قبله لا يصلح أن يكون شاهدًا على ذلك النوع. ولقد عجبت للشيخ صفي الدين، كيف فتر عزمه وقصرت همته، عن هذا القدر الذي يتطاول إلى إدراكه كل قاصر، وأين هو من قول القائل في طريقته الغرامية التي حركت السواكن، حيث قال: حرمت الرضا إن كنت خنتك في الهوى ... وعوقبت بالهجران إن كنت كاذبا انظر ما أحلى ما أتى بالقسمين وجوابيهما في بيت واحد، مع عدم التعسف والرقة التي كادت أن تسيل. والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي: برئت من أدبي والعز من شيمي ... إن لم أبر بنأي عنهم قسمي٢ وهذا البيت مبني على الفخر والتعاظم وعلو الهمة. وفي قولي: والعز من شيمي غاية الفخر، ولكن اللطف الزائد قول الأديب، في القسم: برئت من أدبي، مع التورية التي ترفل في حلل الحشمة، وتسمية النوع والتقفية به لا تخفى على أهل الذوق من أهل الأدب، والله أعلم.

стр. 329

ذكر حسن التخلص: ومن غدا قسمه التشبيب في غزل ... حسن التخلص بالمختار من قسمي حسن التخلص: هو أن يستطرد الشاعر المتمكن، من معنى إلى معنى آخر يتعلق بممدوحه، بتخلص سهل يختلس اختلاسًا رشيقًا دقيق المعنى، بحيث لا يشعر السامع بالانتقال من المعنى الأول إلا وقد وقع في الثاني، لشدة الممازجة والالتئام والانسجام بينهما، حتى كأنهما أفرغا في قالب واحد. ولا يشترط أن يتعين المتخلص منه، بل يجري ذلك في أي معنى كان، فإن الشاعر قد يتخلص من نسيب أو غزل، أو فخر أو وصف روض أو وصف طلل بال أو ربع خال، أو معنى من المعاني يؤدي إلى مدح أو هجو أو وصف في حرب، أو غير ذلك، ولكن الأحسن أن يتخلص الشاعر من الغزل إلى المدح. والفرق بين التخلص والاستطراد، أن الاستطراد يشترط فيه الرجوع إلى الكلام الأول، أو قطع الكلام، فيكون المستطرد به آخر كلامه، والأمران معدومان في التخلص، فإنه لا يرجع إلى الأول ولا يقطع الكلام، بل يستمر على ما يتخلص إليه. وهذا النوع، أعني حسن التخلص، اعتنى به المتأخرون دون العرب ومن جرى مجراهم من المخضرمين، ولكنه لم يفتهم، فإنهم أوردوا لزهير في هذا الباب قوله: إن البخيل ملوم حيث كان ... ولكن الكريم على علاته هرم١ انظر إلى هذا العربي القديم، كيف أحسن التخلص من غير اعتناء، في بيت

стр. 330

واحد، وهذا هو الغاية القوى عند المتأخرين الذين اعتنوا به. وعلى كل تقدير فمن كلام العرب استنبط كل فن، فإنهم ولاة هذا الشأن، لكنهم كانوا يؤثرون عدم التكلف، ولا يرتبكون من فنون البديع إلا ما خلا من التعسف. فمن ذلك قول الفرزدق، وأجاد إلى الغاية: وركب كأن الريح تطلب عندهم ... لها ترة من جذبها بالعصائب١ سروا يخبطون الليل وهي تلفهم ... إلى شعب الأكوار من كل جانب٢ إذا آنسوا نارًا يقولون ليتها ... وقد حضرت أيديهم نار غالب ومثله قول أبي نواس: تقول التي من بيتها خف محملي ... يعز علينا أن نراك تسير ما دون مصر للغنى متطلب ... بلى إن أسباب الغنى لكثير فقلت لها واستعجلتها بوادر ... جرت فجرى في إثرهن عبير٣ دعيني أكثر حاسديك برحلة ... إلى بلد فيه الخصيب أمير ومثله في الحسن قوله: وإذا جلست إلى المدام وشربه ... فاجعل حديثك كله في الكاس٤ وإذا نزعت عن الغواية فليكن ... لله ذاك النزع لا للناس وإذا أردت مديح قوم لم تمن ... في مدحهم فادمح بني العباس٥ أقول: إن هذه الطريق التي مشى عليها أبو نواس ومن تقدمه من المتقدمين، ممن أوردت نظمه في هذا الباب، وهي حسن التخلص بيت واحد باستطراد رشيق، ينتقل الشاعر به من الشطر الأول إلى الشطر الثاني، فاتت فحولًا من الشعراء كالبحتري وأبي تمام في غالب القصائد، على أنهما المقدمان في هذا الشأن. وقد تقرر أن حسن التخلص ما كان في بيت واحد، يثب الشاعر من شطره الأول إلى الثاني وثبة تدل على رشاقته وقوته وتمكنه في هذا الفن. وإذا لم يكن التخلص

стр. 331

كذلك سمي اقتضابًا، وهو أن ينتقل الشاعر من معنى إلى معنى آخر من غير تعلق بينهما، كأنه استهل كلامًا آخر. وعلى هذه الطريقة مشى غالب العرب، وغالب المخضرمين وكثير من شعراء المولدين، فمن ذلك قول البحتري في قصيد، وقد جرى في ميادين غزلها إلى أن قال من غير ارتباط: وردنا إلى الفتح بين خاقان إنه ... أعم ندى فيكم وأيسر مطلبا وهذه النبذة التي أبرزتها هنا، من نظم المتقدمين في حسن التخلص، عزيزة الوجود، فإنها ما تيسرت إلا بعد الجهد في جمعها. وهذا النوع البديعي ما اعتنى به غير حذاق المتأخرين، وما نسجوه جميعه إلا على المنوال المذكور. ولعمري إنها طريقة بديعة، ونوع من السحر يدل على رسوخ القدم في البلاغة. وتمكن الذهن من البراعة، وإن لم يكن كذلك لم يعد من أنواع البديع. والقرائح تختلف فيه وتتفاوت، وقد عنَّ لي أن أنبه على قبح المخالص التي لا تعد من أنواع البديع، لينفتح ذهن المبتدئ في هذا الفن، فمن ذلك قول أبي الطيب المتنبي، وإن كانت له المخالص الفائقة: غدا بك كل خلو مستهاما ... وأصبح مستور خليعًا أحبك أو يقولوا جر نمل ... ثبيرًا وابن إبراهيم ريعا١ انظر ما أبرد هذا الخلص وأشد تعسفه، ومعناه أنه علق انقضاء حبها على غير ممكن، وهو أن يجر النمل الجبل المسمى ثبيرًا وأن يخاف ممدوحه، فجعل خوف الممدوح نظير جر النمل لثبير ليقرر أن كلًا منهما من المستحيلات، ومن تخاليصه القبيحة أيضًا قوله: عل الأمير يرى ذلي فيشفع لي ... إلى التي تركتني في الهوى مثلًا وسبب قبح هذ المخلص، كونه جعل ممدوحه ساعيًا بينه وبين محبوبته في الوصال، ولا خفاء في دنو هذه المرتبة، وقد سبقه أبو نواس إلى ذلك، ولكنه أقل شفاعة، مع أن الكل قبيح، حيث قال: سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... هواك لعل الفضل يجمع بيننا وقد سبقهما إلى ذلك قيس بن ذريح، حين طلق لبني وتزوَّجت غيره فندم على ذلك وشبب بها في كل معنى، فرحمه ابن أبي عتيق، فسعى في طلاقها من زوجها، وأعادها إلى قيس، فقال يمدحه:

стр. 332

جزى الرحمن أفضل ما يجازي ... على الإحسان خيرًا من صديق فقد جربت إخواني جميعًا ... فما ألفيت كابن أبي عتيق سعى في جمع شملي بعد صدع ... ورأي حدت فيه عن الطريق وأطفأ لوعة كانت بقلبي ... أغصتني حرارتها بريقي فلما سمعها ابن أبي عتيق قال لقيس: يا حبيب أمسك عن هذا المدح فما يسمعه أحد إلا ظنني قواد. ومن المخالص التي استحسنوها للبحتري قوله: رباع تردت بالرياض مجودة ... بكل جديد الماء عذب الموارد إذا راوحتها مزنة بكرت لها ... شآبيب مجتاز عليها وقاصد١ كأن يد الفتح بن خاقان أقبلت ... عليها بتلك البارقات الرواعد ومن المخالص المستحسنة، لأبي تمام، قوله من قصيدة: ما زلت عن سنن الوداد ولا غدت ... نفسي على إلف سواك تحوم لا والذي هو عالم أن النوى ... مر وأن أبا الحسين كريم٢ هذا المخلص مقدم على مخالص البحتري من وجوه: أحدها، التخلص من النسيب إلى المدح، والثاني حسن الانسجام، والثالث، وهو جل القصد، الوثبة في بيت التخلص من الشطر الأول إلى الشطر الثاني بأسرع اختلاس. وهذا الذي عقد المتأخرون الخناصر عليه. وصار لهم فيه اليد الطولى، ومثله قوله من قصيدة: فالأرض معروف السماء قرى لها ... وبنو الرجاء لهم بنو العباس ومن مخالص أبي الطيب الفائقة، قوله من قصيدة يمدح بها أبا أيوب، أحمد بن عمران بن ماهويه، مطلعها: سرب محاسنه حرمت ذواتها ... داني الصفات بعيد موصوفاتها معنى هذا المطلع في غاية الحسن والغرابة، فإنه يقول هذا سرب حيل بيني وبين كل حسناء منه، وهذه الحسناء صفاتها دانية عند ذكرها بالقول، ولكن ذاتها الموصوفة بعيدة، ولم يزل في غرابة هذا الأسلوب إلى أن قال متحمسًا:

стр. 333

ومطالب فيها الهلاك أتيتها ... ثبت الجنان كأنني لم آتها أقبلنها غرر الجياد كأنما ... أيدي بني عمران في جبهاتها أقول: سبحان المانح هذا هو السحر الحلال، والشرب الذي أمست المشارب لصافية عنده كالآل. ومثله في الغرابة التي هي من معجزات المتنبي، قوله من قصيدة مدح بها علي بن عامر، ويعرض بذكر أبيه عامر ومدحه بعد وفاته، مطلعها: أطاعن خيلا من فوارسها الدهر ... وحيدًا وما قولي كذا ومعي الصبر وما أحلى ما قال بعده: وأعجب من ذا كل يوم سلامتي ... وما ثبتت إلا وفي نفسها أمر ولم يزل ينفث بصدق عزائمه، في هذا السحر الذي سحر به العقول، وخلب القلوب، إلى أن قال: ويوم وصلناه بليل كأنما ... على أفقه برقه حلل حمر وليل وصلناه بيوم كأنما ... على متنه من دجنه حلل خضر١ وغيث ظننا تحته أن عامرًا ... علا لم يمت أو في السحاب له قبر ومثله قوله، من قصيدة دالية يمدح بها سيف الدولة بن حمدان مطلعها: عواذل ذات الخال فيَّ حواسد ... وإن ضجيع الخود مني لماجد٢ وما ألطف ما قال بعده: يردّ يدًا عن ثوبها وهو قادر ... ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد ولما انتظم له هذا الدر في هذه الأسلاك البديعية قال: خليليَّ إني لا أرى غير شاعر ... فكم منهم الدعوى ومني القصائد فلا تعجبا أن السيوف كثيرة ... ولكن سيف الدولة اليوم واحد ومن مخالص أبي العلاء أحمد بن سليمان، على طريق المديح، فإنه لم يكن من طلاب الفرد، قوله من قصيدة: ولو أن المطي لها عقول ... وحقك نشد لها عقالا

стр. 334

مواصلة بها رحلي كأني ... من الدنيا أريد بها انتقالا سألن فقلن مقصدنا سعيد ... فكان اسم الأمير لهن فالا١ هذا المخلص أيضًا من العجائب، فإن الشيخ أبا العلاء سبكه في قالب التورية والاتفاق البديع، وكان اسم الأمير في فالهم سعيدًا، والعرب ما برحوا يتفاءلون بالاسم الحسن ويتطيرون من ضده، ومما استحسن لابن حجاج من المخالص قوله: ألا يا ماء دجلة لست تدري ... بأني حاسد لك طول عمري ولو أني استطعت سَكَرْت سِكرًا ... عليك فلم تكن ماء تجري فقال الماء قل لي كل هذا ... بم استوجبته يا ليت شعري فقلت له لأنك كل يوم ... تمر على أبي الفضل بن بشر تراه ولا أراه وذاك شيء ... يضيق عن احتمالك فيه صبري قال صاحب المثل السائر، حين أورد هذه الأبيات: ما علمت معنى في هذا المقصد أبدع ولا أعذب ولا أرق ولا أحلى من معنى هذا اللفظ، ويكفي ابن حجاج من الفضيلة أن يكون له مثل هذه الأبيات. قلت: ولعمري إن المخلص والأبيات بكمالها، دون إطناب ابن الأثير في الوصف. ولكن قال زكي الدين بن أبي الأصبع، في كتابه المسمى بـ"تحرير التحبير" لما انتهى إلى هذا النوع، أعني حسن التخلص: إذا وصلت إلى ابن حجاج في هذا الباب فإنك تصل إلى ما لا تدركه الألباب، فمن ذلك قوله على طريقته المعهودة منه: وقد بادلتها فمبالها لي ... بمشورة استها ولها قذالي٢ كما لابن لعميد جميع مدحي ... ودنيا ابن العميد جميعها لي ومن المخالص الفائقة قول الأستاذ أبي الحسن مهيار بن مرزويه الكاتب، من قصيدة بائية يمدح بها الأمير سيف الدولة ابن مزيد مطلعها: هب من زمانك بعض الجد للعب ... واهجر إلى راحة شيئًا من التعب ولم يزل ماشيًا على هذا السنن إلى أن قال: تسعى السقاة علينا بين منتظر ... بلوغ كأس ووثاب بمستلب كأنما قولنا للبابلي أدِر ... سلافة قولنا للمزيدي هب

стр. 335

ومثله قوله من قصيدة حائية، يمدح بها الأستاذ أبا طالب بن أيوب: يامن ثناياه التي ... غولطت عنها بالأقاحي غلط المقايس ابن أيـ ... ـوب السحابة في السماح ويعجبني من مخالصه قوله، من قصيدة رائية يمدح بها فخر الملك ولم يزل يرفل في حلل غزلها ونسيبها إلى أن قال: أرى كبدي وقد بردت قليلا ... أمات اللهم أم عاش السرور أم الأيام خالفتني لأني ... بفخر الملك منها أستجير ومما يعجبني، أيضًا إلى الغاية، قوله، من قصيدة عينية يمدح بها الوزير عميد الدولة مطلعها: لو كان يرفق ظاعن بمشيع ... ردُّوا فؤادي يوم كاظمة معي ولم يزل يطلق العنان في هذه الحلبة إلى أن سبق إلى غاية قال فيها: إن شاء بعدهم الحيا فلينسكب ... أو شاء ظل غمامه فليقع فمقيل جسمي في ذويل ربوعهم ... كاف وشربي من فواضل أدمعي كرمت جفوني في الديار فأخصبت ... فغنيت أن أرد المياه وارتعي فكأن دمعي مدّ من أيدي بني ... عبد الرحيم ومائها المستنبع وما أحلى ما قال بعده، وهو مخلص آخر: وكأن ليلي من تفاوت طوله ... أسيافهم موصولة بالأدرع ولم أكثر من محاسن مهيار هنا إلا لعلمي بغرابة شعره، وعزة وجود ديوانه. ومن المخالص التي تصلح أن تكون واسطة في هذا العقد، قول أفقه الشعراء، وأشعر الفقهاء، كما قال: وهو القاضي أبو بكر أحمد الأرجاني، من قصيدة يمدح بها ولي الدين الكاتب مطلعها: وعدت باستراقة للقاء ... وبإهداء زورة في خفاء١ وما أحلى ما قال بعده: ثم غارت من أن يماشيها الظـ ... ـل فسارت في ليلة ظلماء

стр. 336

ثم خافت لما رأت أنجم الليـ ... ـل شبيهات أعين الرقباء فاستنابت طيفًا يلم ومن يمـ ... ـلك عينًا تهم بالإغفاء١ هكذا نيلها إذا نولتنا ... وعناء تسمح البخلاء يهدم الانتهاء باليأس منها ... ما بناه الرجاء الابتداء ولم يزل راتعًا في هذه الحدائق الغضة إلى أن قال: تركتني معنيًا لمغانٍ ... وأعادت أصدقائي رنقت مشربي وقد كان عين الشمـ ... ـس والماء دونه في الصفاء٢ بعد عهدي بعيشتي وهي خضرا ... تتثنى كالبانة الغناء وأموري كأنها ألفات ... خطهن الولي في الاستواء ومن جواهر مخالصة المنتظمة في هذا المسلك قوله، من قصيدة رائية يمدح بها سديد الدولة محمد بن عبد الكريم الأنباري، مترسل الخلافة وكاتب إنشائها، مطلعها: سلا رسومًا أقامت بعدما ساروا ... أعندها من أهيل الحي أخبار٣ وروِّحا عاتقي من حملها مننًا ... للسحب فيها وللأجفان أستار٤ ولم يزل مبدرًا٥ في هذا الأفق النير إلى أن قال: أقسمت ما كل هذا الضيم محتمل ... ولا فؤادي على ما شمت صبار إلا لأنك مني اليوم نازلة ... في القلب حيث سديد الدولة الجار ومن مخالصه الصافية التي مازجها بسلاف التورية قوله، من قصيدة بائية يمدح بها شهاب الدين أحمد بن أسعد الطغرائي مطلعها: إذا لم يخن صب ففيم عتاب ... وإن لم يكن ذنب فمم متاب وما ألطف ما قال بعده: أجل ما لنا إلا هواهم جناية ... فهل عندهم غير الصدود عقاب

стр. 337

ولم يزل سائرًا في سهولة هذه الجادة إلى أن قال: فلا تكثرن شكوى الزمان فإنما ... لكل ملم جيشة وذهاب١ وقد كان ليل الفضل في الدهر داجيًا ... إلى أن بدا للناظرين شهاب والأرجاني أيضًا نظمه غريب في هذه البلاد، فلذلك أوردت منه هنا هذه النبذة اللطيفة، والله أعلم. وقد آن لي أن أقدم مقدم النتائج، من أشعار المتأخرين في هذا النوع، فإنهم رياحين حدائقه، وأقمار مشارقه، فالمقدم هنا قاضيهم الفاضل الذي ارتفع الخلاف بقضائه، ونفذ حكمه بالموجب على ملوك هذه الصناعة، وتقدم باستيفاء شرائط التقديم، فصلى خلف إمامته الجماعة. فمن مخالصه الفاضلية، قوله من قصيدة يمدح بها خليفة الفاطميين في ذلك العصر، مطلعها: ترى لحنيني وحنين الحمائم ... جرت فحكت دمعي دموع الغنائم وما أحلى ما قال بعده: وهل من ضلوع أو ربوع ترحلوا ... فكل أراها دارست المعالم٢ دعوا نفس المقروح تحمله الصبا ... وإن كان يهفو بالغصون النواعم تأخرت في حمل السلام عليكم ... لديها لما قد حملت من سمائم٣ فلا تسمعوا إلا حديثًا لناظري ... يعاد بألفاظ الدموع السواجم٤ فإن فؤادي بعدكم قد فطمته ... عن الشعر إلا مدحه لابن فاطم ومثله قول العلامة الشيخ شرف الدين عبد العزيز الأنصاري، شيخ شيوخ حماة، من قصيدة دالية يمدح بها النبي ﷺ ، مطلعها: ويلاه من نومي المشرد ... وآه من شملي المبدَّد ولم يزل يدير على خصور هذه الألفاظ الرقيقة، وشاحات معانيه البديعية، إلى أن قال: أكسبني نشوة بطرف ... سكرت من خمره فعربد٥

стр. 338

غصن نقا حل عقد صبري ... بلين خصر يكاد يعقد فمن رأى ذلك الوشاح الصا ... ئم صلى على محمد ومثله قوله من قصيدة يمدح بها المالك الناصر صلاح الدين يوسف مطلعها: لنا من ربة الخالين جاره ... تواصل تارة وتصد تاره تعاملني بما يحلى سلوى ... ولكن ليس في جوفي مراره ولم تزل أعين هذا الغزل الرقيق تغزله إلى أن قال: وقالوا قد خسرت الروح فيها ... فقلت الربح في تلك الخساره بأيسر نظرة أسرت فؤادي ... كما نشأ اللهيب من الشراره ويفتك طرفها فيقول قلبي ... أشن ترى صلاح الدين غاره ومثله قوله من قصيدة يمدح بها الملك الأمجد: ظبية حكم ظبا مقلتها ... عزة الظبي وذل الأسد١ كنت في ترك الهوى مجتهدا ... وهي كانت زلة المجتهد كملت حسنًا فلولا بخلها ... خلتها بعض خلال الأمجد ومن المخالص التي نقلتها من ناصح بن قلاقس قوله، من قصيدة يمدح بها أبا المنصور نور الدين محمود عين الأمراء بالديار المصرية: ماذا على العيس لو عادت بربتها ... بقدر ما نتقاضاها المواعيدا٢ رد الركاب لأمر عنَّ في خلدي ... وسمه في بديع الحب ترديدا وقف أبثك ما لان الحديد له ... فإن صدقت فقل هل أبت داودا٣ حلت عرا النوم عن أجفان ساهرة ... رد الهوى هديها بالنجم معقودا تفجرت وعصا الجوزاء تضربها ... فأذكرتني موسى والجلاميدا وما أحلى ما قال بعده كناية عن طول الليل: يا ثعلب الصبح يا سرحان أوله ... كل الثريا فقد صادقت عنقودا٤

стр. 339

ولم يزل ينثر هذه العقود الثمينة، مع تفخيم هذا النظم، إلى أن قال: ما لي وما للقوافي لا أسيرها ... إلا وأقعد محرومًا ومحسودا أسكرتهم بكئوس الراح مترعة ... ولم أنل منهم إلا العرابيدا١ سمعت بالجود مفقودًا فهل أحد ... يقول إني وجدت الجود موجودا الحمد لله لا والله ما نظرت ... عيناي بعد أبي المنصور محمودا هذا المخلص خلاه نصر الله بن قلاقس، مع زيادة حسنه، بشعار التورية. ومثله قوله من قصيدة يمدح بها الشيخ سديد الدين المعروف بالحصري مطلعها: أروه الجلنار من الخدود ... وأخفوا عنه رمان النهود٢ وقال بعده: وحلوا مقلتيه بدرّ دمع ... تبسم في المخانق والبرود٣ وما غرسوا نخيل العيس إلا ... وهم فيها من الطلع النضيد٤ سقى مصرًا وساكنها ملث ... طليل البرق صخاب الرعود موارد بي لها ظمأ شديد ... ولكن لا سبيل إلى الورود هل الرأي السديد البعد عنها ... نعم إن كان للشيخ السديد ويعجبني من مخالص القاضي السعيد هبة الله بن سنا الملك قوله، من قصيدة يمدح بها القاضي الفاضل، أتى فيها بحسن لتخلص، ولم يخلص من إشراك عيون الغزل، لغرابة أسلوبها: ضنت بطرف ظل بعدي سقمه ... أرأيتم من ضن حتى بالضنى يا عاذلين جهلتم فضل الهوى ... وعذلتم فيه ولكني أنا إني رأيت الشمس ثم رأيتها ... ماذا علي إذا هويت الأحسنا وسألت من أي المعادن ثغرها ... فوجدت من عبد الرحيم المعدنا وما أحلى ما قال بعد المخلص: أبصرت جوهر ثغرها وكلامه ... فعلمت حقًّا أن هذا من هنا

стр. 340

ومثله قوله من قصيدة يمدح به الملك المعظم مطلعها: تقنعت لكن بالحبيب المعمم ... وفارقت لكن كل عيش مذمم١ وما أحلى ما قال بعده: وباتت يدي في طاعة الحب والهوى ... وشاحًا لخصر أو وسادًا لمعصم ما أبدع ما قال منها: سعدت ببدر خده برج عقرب ... فكذب عندي قول كل منجم٢ وأقسم ما وجه الصباح إذا بدا ... بأوضح مني حجة عند لومي ولا سيما لما مررت بمنزل ... كفضلة صبر في فؤادي متيم وما بان لي إلا بعود أراكة ... تعلق في أطرافه ضوء مبسم سبحان المانح! والله لقد أحرز القاضي السعيد قصبات السبق برقة هذه الألفاظ وغرابة هذه المعاني، ولقد خلب القلوب وجلا ظلمة الأفهام، بقوله: وما بان لي إلا بعود أراكة ... تعلق في أطرافه ضوء مبسم وأظنه من المخترعات، والله أعلم، وما أحلى ما قال بعده: وقفت به أعتاض عن لثم مبسم ... شهي لقلبي لثم آثار منسم٣ ولم ير طرفي قط شملًا مبددا ... يقابله إلا بدمع منظم ولم يسل قلبي أو فمي عن غزالة ... وعن غزل إلا بمدح المعظم ومن المخالص البديعة قول الصاحب بهاء الدين زهير من قصيدة يمدح بها الأمير نصير الدين اللمطي، مطلعها: لها خفر يوم اللقاء خفيرها ... فما بالها ضنت بما لا يضيرها٤ وما ألطف ما قال بعده: أعدتها أن لا يعاد مريضها ... وسيرتها أن لا يفك أسيرها٥

стр. 341

ولم يزل هائمًا في طريقه الغرامية، إلى أن قال: وها أنا ذا كالطيف فيها صبابة ... لعلي إذا نامت بليل أزورها هذا المعنى قلبه الصاحب بهاء الدين زهير على من تقدمه فيه، وسبكه في أغرب القوالب البديعية، وأظنه من مخترعاته. ثم قال بعده: من الغيد لم توقد مع الليل نارها ... ولكنها بين الضلوع تثيرها تقاضى غريم الشوق مني حشاشة ... مروعة لم يبق إلا يسيرها وإن الذي أبقته منها يد الهوى ... فداء يشير يوم وافى نصيرها هذا المخلص استبعد الصاحب بهاء الدين زهيرًا رقيق ألفاظه، بحشمة توريتة. ومثله في الحسن قوله من قصيدة يمدح بها الملك الناصر صلاح الدين بن العزيز مطلعها: عرف الحبيب بمكانه فتدللا ... وقنعت منه بموعد فتعللا وما أظرف ما قال بعده: وأرى الرسول ولم أجد في وجهه ... بشرًا كما قد كنت أعهد أولا ولم يزل يدير كاسات صباباته الغرامية إلى أن قال: آها لقلب ما خلا من لوعة ... أبدًا يحن إلى زمان قد خلا ورسوم جسم كان يحرقه الهوى ... لو لم تبادره الدموع لأشعلا ولقد كتمت حديثه وحفظته ... فوجدت دمعي قد رواه مسلسلا١ أهوى التذلل في الغرام وإنما ... يأبى صلاح الدين أن أتذللا وما أحلى ما قال بعد المخلص: مهدت بالغزل الرقيق لمدحه ... وأردت قبل الفرض أن أتنفلا٢ ويعجبني أيضًا من مخالص القاضي كمال الدين بن نبيه قوله من قصيدة يمدح بها الخليفة الناصر لدين الله مطلعها: باكر صبوحك أهنى العيش باكره ... فقد ترنم فوق الأيك طائره٣

стр. 342

ثم قال بعده: والليل تجري الدراري في مجرته ... كالروض تطفو على نهر أزاهره١ وكوكب الصبح نجاب على يده ... مخلق تملأ الدنيا بشائره٢ ولم يزل يتلاعب بهذه المعاني المخترعة إلى أن قال: خذ من زمانك ما أعطاك مغتنمًا ... وأنت ناه لهذا الدهر آمره فالعمر كالكأس تستحلى أوائله ... لكنه ربما مجت أواخره٣ واجسر على فرص اللذات محتقرًا ... عظيم ذنبك إن الله غافره فليس يخذل في يوم الحساب فتى ... والناصر ابن رسول الله ناصره ويعجبني من مخالصه الموسويات قوله، من قصيدة مطلعها: يا نار أشواقي لا تخمدي ... لعل ضيف الطيف أن يهتدي ولم يزل راتعًا في رياض غزلها إلى أن قال: غازلنا من نرجس ذابل ... وافتر عن نور أقاح ندي٤ وقام يلوي صدغه قائلًا ... لا تغترر به فكذا موعدي فقلت يالله مات الوفا ... فقال موسى لم يمت خذ يدي وقوله من المخالص الأشرفيات الموسويات، في بيت المخلص الذي يستغني بتمكنه وقوته عن ذكر ما قبله: يا طالب الرزق إن سدت مذاهبه ... قل يا أبا الفتح يا موسى وقد فتحت ومن مخالصه الأشرفيات أيضًا قوله من قصيدة: بتنا وقد لف العناق جسومنا ... في بردتين تكرم وتعفف حتى بدا فلق الصباح كجحفل ... راياته رنك المليك الأشرفِ٥

стр. 343

ويعجبني من مخالصه الأشرفيات، أيضًا، قوله من قصيدة: يذود شبا القنا عن وجنتيها ... كمنع الشوك للورد الجني إذا ما رمت أقطفه بعيني ... يقول حذار من مرعى وبي١ لسان السيف من أدنى وُشاتي ... ومن رقباي طرف السمهري٢ كأن لجفنها في كل قلب ... فعال المشرفي الأشرفي٣ ويعجبني من مخالص الشاب الظريف، شمس الدين محمد بن العفيف، قوله من قصيدة يمدح بها القاضي فتح الدين عبد الله الظاهر، تحمس في غزلها وتغزل في تحمسها إلى المخلص، مطلعها: أرح يمينك مما أنت معتقل ... أمضى الأسنة ما فولاذه الكحل وما أحلى ما قال بعده: يا من يريني المنايا واسمها نظر ... من السيوف المواضي واسمها مقل ما بال ألحاظك المرضى تحاربني ... كأنما كل لحظ فارس بطل من دونها كثب من دونها حرس ... من دونها قضب من دونها أسل٤ ومعشر لم تزل في الحرب تبصرهم ... حمر الخدود وما من شأنها الخجل يثني حديث الوغى أعطافم طربًا ... كأن ذكر المنايا بينهم غزل٥ من كل ذي طرة سوداء يلبسها ... وشيبها من غبار النقع منتصل٦ ضاءت بحسنهم تلك الخيام كما ... ضاءت بوجه ابن عبد الظاهر الدول وطالعت تقطيف الجزار فأعبجني منه مخلص قصيدة يمدح بها الأمير جمال الدين، موسى بن يغمور، مطلعها: نقلت لقلبي ما بجفنيك من كسر ... وعلمت جسمي بالضنى رقة الخصر

стр. 344

ولم يزل الجزار يتقطف ما تشتهيه النفس، من هذا النوع، إلى أن قال: وهيفاء تحكي الظبي جيدًا ومقلة ... رنت وانثنت فارتعت بالبيض والسمر١ جسرت على لثم الشقيق بخدّها ... ورشف رضاب لم أزل منه في سكر٢ ولست أخاف السحر من لحظاتها ... لأني بموسى قد أمنت من السحر وما أحلى ما قال بعد تخلصه بموسى: فتى إن سطا فرعون فقر وجدته ... يغرقه من جود كفيه في بحر له باليد البيضاء أعظم آية ... إذا اسودت الأيام من نوب الدهر ومن مخالص الشيخ جمال الدين بن نباتة، التي هي أوقع في القلوب من خالص الوداد، وتوريتها أنفس من خلاصة العقود في الأجياد، قوله من قصيدة يمدح بها قاضي القضاة تاج الدين السبكي، مطلعها: وا حيرتي بظلام الطرة الداجي ... وشقوتي بنعيم الملمس العاجي ولم يزل يكرر حلاوة هذا النبات إلى أن قال: قد أسرج الحسن خديه فدونك ذا ... سراج خد على الأكباد وهاج٣ وألجم الغزل فاركض في محبته ... طرف الهوى بعد إلجام وإسراج٤ وقسم الشعر فاجعل في محاسنه ... شذر القلائد واهد الدر للتاج ومثله قوله، من قصيدة يمدح بها القاضي جمال الدين بن الشهاب محمود، مطلعها: بأبي نافر كثير الدلال ... إن هذا النفار شأن الغزال٥ م قال بعده: حبذا منه مقلة لست أدري ... أبهدب تصول أم بنبال٦ صنفت شجونا بغزال جفن ... فقرأنا مصنف الغزالي

стр. 345

وهوينا حلو القوام فنادت ... لا عجيب حلاوة العسال١ من معيني على هوى زاد حتى ... أهملته نصائح العذال لو رأى عاذلي حقيقة أمري ... لرثاني ولا أقول رثى لي في جمال الحبيب مت شجونًا ... وبروحي أفدي تراب الجمال ومثله قول الشيخ برهان الدين القيراطي، من قصيدة يمدح بها الأمير سيف الدين الكريمي، مطلعها: غرامي فيك يا قمري غريمي ... وذكرك في دجى ليلي نديمي٢ وقال بعده: وملّني الحميم وصد عني ... ومالي غير دمعي من حميم٣ وكم سأل العواذل عن حديثي ... فقلت لهم على العهد القديم وعم تسألون ولي دموع ... تخبرهم عن النبأ العظيم٤ ولم يزل القيراطي يحرّر إبريز٥ هذه المعاني إلى أن قال: فمعوده وناظره وجسمي ... سقيم من سقيم في سقيم كريمٌ مال بخلًا عن ودادي ... فلمتُ لنحو مخدوم كريم المخالص بالتورية، على هذا النمط، طريقها مخوف وباب مسلكها مقفل، لا سيما على من كفه من هذا الفن صفر ورجله حافية وليس له محمل. ومن مخالصي التي ما برحت التورية في أبواب بيوتها خادمه، وكم سلكت هذا الطريق المخوف وعادت إلى بيوتها سالمه، قولي من قصيدة أمتدح بها شرف الدين صدقة ابن الشماع الشهير في دمشق بابن مسعود، وكان من أعز الأصحاب، وممن رشف معنا في ذلك العصر سلافة الآداب، مطلعها: سهام جفنيك في الحشا رشقة ... رفقًا لما مهجة الشيحي درقه٦

стр. 346

وبكر هذه القافية أنا أبو عذرتها، وأول من حصل له الفتح في تحريك نكتتها، وقلت بعد المطلع منها: أنفقت عمري وصحتي شغفا ... عليك والصبر آخر النفقة غصن خلاف يميس من خفر ... قلوبنا في هواه متفقه قوامه في اعتداله إلف ... سبحان من مده ومن مشقه١ عيناي بالثغر مع ذوائبه ... في أوَّل الاصطباح مغتبقه٢ أمير حسن بقرطه ظهرت ... له جنود لكن من الحلقه عامر بيت الوصال خربه ... وقال ما أنت هذه الطبقه بدر منير قسا برؤيته ... لكن نرى عند خده شفقه قالوا لبدر التمام منه ضيا ... قلت وعيش الهوى لقد محقه٣ وحمل الصبح من محاسنه ... أثقال نور لكنه فلقه وماس في الروض كل غصن نقا ... غدا إلى الله رافعًا ورقه وانظر إلى الظبي كيف يرمقه ... ويأخذ الغنج منه بالسرقه فقيل والظبي ما يقابل ... فقلت والله ما له حدقه٤ قلت له إن جفن مقلته ... يشبه سهمًا بعجبه رشقه خفت من القتل رحت أملقه ... سابقني مدمعي جرى ملقه٥ ولم أزل ناشرًا علم التورية إلى أن وصلت إلى المخلص بها فقلت: طرقت بب الحبيب والرقبا ... عليَّ من خيفة اللقا حنقه٦ قالوا فما تبتغي فقلت لهم ... حتى تخلصت أبغي صدقه قولي: حتى تخلصت، لا يخفى ما في من زيادة الحسن على أهل النظر من أهل الأدب، ومثله قولي من قصيدة مصغرة مدحت بها قاضي القضاة شمس الدين النويري، مطلعها: طريفي من لييلات الهجير ... مقيريح الجفين من السهير٩

стр. 347

وقلت بعد المطلع: بعيد غزيلي وجوير قلبي ... دميعي في وجيناتي جويري يديوي تريكي المحيا ... غويب عن عويشقه الحضير عبيسي اللحيظ له وجيه ... ضوي نويره لبني بديري حياء مقيلتيه سبا عقيلي ... ولكن الحديد غدا جميري رويض وجينتيه له عنيدي ... نسيب في النظيم إلى زهير مسيبل الشعير على كفيل ... يذكرنا مويجات البحير بدير في الظهير له نوير ... مثيل شكيله ما في العصير حويجبه القويس له سهيم ... مويض في القلب بلا وتير شفيفته قفيل من عقيق ... مقيفيل على درّ الثغير عذيره النويزل دار حتى ... تشوق للنزيل وللدوير لثمت خديده فجرى دميعي ... فما أحلى الزهير على النهير دنينير الوجيه له بقلبي ... نقيد ليس يصرف عن صديري أتاه سويئلًا يومًا دميعي ... فقال أنا جعيدي الشعير شهير وصيله عندي يويم ... ويوم هجيره مثل الشهير تبسم لي سحيرًا عن رويض ... فقلت ولي دميع كالمطير نثرت دميعتي بنظيم ثغر ... فما أحلى النظيم مع النثير لفيظك والمقيلة مع نظيمي ... سحير في سحير في سحير شعيرك مذ أضل عويشقيه ... هدينا في الظليمة بالنوير ولم أستطرد إلى غالب أبيات هذه القصيدة إلا لغرابة أسلوبها، فإنني لم أزل أجذب القلوب إلى تحبيب تصغيرها، ومغازلة عيون أغزالها، إلى أن أبدر بدر مخلصها في أفق توريته. ومثله قولي من قصيدة كتبت بها من حماة الحروسة إلى المقر المرحومي الأميني، صاحب ديوان الإنشاء الشريف، بدمشق المحروسة: يا نزلا لا حمى الفراديس بالشا ... م وأعلامهم على قاسيونا١

стр. 348

بالنسيم العليل منكم إذا ... هب على الغور والربا عللونا وارحموا سائل الدموع وبالله ... عليكم لا تنهروا السائلينا وإذا ما نهرتم الدمع نهرًا ... لا تخوضو فيه مع الخائضينا حبكم فرضنا وسيف جفاكم ... قد غدا في بعادنا مسنونا والحشا لم تخن عهود وفاكم ... وسلوا من غدا عليها أمينا ومثله قولي، من قصيدة كتبت بها من طرابلس المحروسة، إلى سيدنا قاضي القضاة تقي الدين بن الخيثمي الحنفي بحماة المحروسة، نور الله ضريحه وجعل من الرحيق المختوم غبوقه وصبوحه: فيا ساكني مغنى حماة نعمتم ... صباحًا ولو ألغيتم في الورى ذكري فودي ودّي مثل ما تعهدونه ... ولكن صبري عنكم عاد كالصبر وقد كنت أخشى هجركم قبل بعدكم ... فلما بعدتم قلت آها على الهجر وإن جلت في ميدان نظمي تشوقًا ... تسابقني حمر المدامع بالنثر وشيعيٌّ همي كلما رام بعدكم ... يحاربني ناديت يا لأبي بكر قد تقدم وتقرر أن مخالص التورية صعب مسلكها على كثير من الناس، ولم أبرز بدورها هنا كاملة إلا ليزول عن الطالب ظلمة الالتباس. وأنشدني، من لفظه لنفسه الكريمة، أحد أعيان العصر المقر المجدي فضل الله بن مكانس، فسح الله في أجله مخلصًا من غزل إلى مديح نبوي وهو: كم حمد السامعون وصفي ... لغادة قينة وأغيد فعدت عنه تقي وعودي ... لمدح خير الأنام أحمد هذا المخلص حلاه المقر المجدي بشعار التورية، وخفر المديح النبوي، ومخلص الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته: من كل معربة الألفاظ معجمة ... يزينها مدح خير العرب والعجم الشيخ صفي الدين تخلص في بيت واحد، ووثب من شطره الأول إلى شطره الثاني على الشرط المعروف، وهذا المنوال قد تقرر أنه عليه عقدت خناصر المتأخرين، ولكن الشيخ صفي الدين وثب وثبة ضعيفة دلت على ضعف تخلصه، فإن بيته بمفرده غير صالح للتجريد. وقد تقدم القول على بيت القسم من قصيدة أنه غير صالح للتجريد أيضًا، فإنه لم يأت بجواب قسمه إلا في بيت الاستعارة، وعلى كل تقدير، إن لم يؤت ببيت القسم

стр. 349

وبيت الاستعارة قبل بيت التخلص، لم يحصل به فائدة، ولا يصير على مخلصه طلاوة الأدب، ويصير بينه وبين الأذواق السليمة مباينة، وقد تعين أن أورد بيت القسم وبيت الاستعارة هنا ليصيرا لمخلصه الضعيف تكأتين وهما: لا لقبتني المعالي بابن بجدتها ... يوم الفخار ولا برّ التقى قسمي١ إن لم أحث مطايا العزم مثقلة ... من القوافي تؤم المجد عن أمم٢ من كل معربة الألفاظ معجمة ... يزينها مدح خير العرب والعجم٣ وابن الشيخ صفي الدين الحلي من قول كمال الدين بن نبيه وقد تقدم: يا طالب الرزق إن سدت مذاهبه ... قل يا أبا الفتح يا موسى وقد فتحت هذا المخلص لحسن تجريده يستغني به عن قصيدة. وقد تقرر أن نظام البديعيات التزموا أن يكون كل بيت منها شاهدًا على نوعه بمجرده، ليس له تعلق بما قبله ولا بما بعده. ومخلص العميان مثل مخلص الشيخ صفي الدين الحلي أيضًا، فإنه غير صالح للتجريد، وما تتم به الفائدة إن لم يأت ناظمه بما قبله، وعلى مذهب أصحاب البديعيات ما يصلح أن يكون شاهدًا، وهو: يمم بنا البحر إن الركب في ظمإ ... فقلت سيروا فهذا البحر عن أمم وقد تقدم قولي: إن العميان أتوا في براعة الاستهلال بصريح المدح، وهو قولهم فيها: بطيبة انزل ويمم سيد الأمم ... وانشر له المدح وانثر طيب الكلم فإذا حصل التصريح بالمدح في المطلع الذي هو براعة الاستهلال، لم يبق لحسن التخلص موقع، فإن حسن التخلص من شرطه أن يخلص الشاعر من الغزل، إلى المديح، لا من المديح إلى المديح، وأيضًا فإن النبي ﷺ لم يكن له في المخلص ذكر، ولكنه استغنى بذكر البحر فإنه جعله كناية عن كرم النبي ﷺ . ومخلص الشيخ عز الدين في بديعتيه: حسن التخلص من ذنبي العظيم غدا ... بمدح أكرم خلق الله كلهم

стр. 350

الشيخ عز الدين صرح بذكر حسن التخلص في أول البيت هنا، وجل القصد أن يكون التصريح به في الشطر الثاني، مع أنه لم يأت بحسن التخلص على الشروط المقررة، فإنه انتقل من معنى إلى معنى آخر من غير تعلق بينهما، كأنه استبدأ كلامًا آخر. وقد تقدم القول في أول الباب: إن هذا النوع إذا نسج على هذا المنوال سمي اقتضابًا، ولم يكن له حظ في حسن التخلص، فإن الشيخ عز الدين قال قبل مخلصه: وارع النظير من القوم الأولى سلفوا ... من الشباب ومن طفل ومن هرم ثم قال بعده: حسن التخلص من ذنبي العظيم غدا ... بمدح أكرم خلق الله كلهم الشيخ عز الدين استبدأ هنا كلامًا آخر، وليس بين بيت التخلص وبين ما قبله علاقة ولا أدنى مناسبة. وبيت بديعيتي: ومن غدا قسمه التشبيب في غزل ... حسن التخلص بالمختار من قسمي هذا البيت ما يشك متأدب أنه أعمر بيوت البديعيات، وهو في غنية عن الإطناب في وصفه.

стр. 351

ذكر الاطراد: محمد بن الذبيحين الأمين أبو البـ ... ـتول خير نبي في اطرادهم الاطراد، في اللغة: مصدر اطرد الماء وغيره إذا جرى من غير توقف، وفي الاصطلاح: أن يذكر الشاعر اسم الممدوح واسم من أمكنه من آبائه، في بيت واحد على الترتيب، ولا يخرج عن طرق السهولة، ومتى تكلف، أو تعسف في بناء بيته، لم يعد اطرادًا، فإن المقصود من هذا النوع أن يكون كلام الناظم، في سهولة جريانه واطراده، كجريان الماء في اطراده، فمتى جاء كذلك دل على قوة الشاعر وتمكنه وحسن تصرفه. وقد تقدم القول: إن الشيخ صفي الدين ما نظم بديعيته، حتى جمع عنده سبعين كتابًا في هذا الفن، يجتني من أوراقها كل ثمرة شهية، ورأيته في شرح بديعيته قد أورد لهذا المعنى حدًّا فيه زيادة على الجماعة، فإنهم لم يزيدوا على اسم الممدوح واسم من أمكن من آبائه شيئًا، والشيخ صفي الدين نقل في شرح بديعيته: أن الاطراد عبارة عن اسم الممدوح ولقبه وكنيته وصفته اللائقة به، واسم من أمكن من أبيه وجده وقبيلته، ليزداد الممدوح تعريفًا وشرط أن يكون ذلك في بيت واحد من غير تعسف ولا تكلف ولا انقطاع بألفاظ أجنبية، وأورد على ذلك قول بعضهم: مؤيد الدين أب جعفر ... محمد بن العلقمي الوزير هذ البيت جمع ناظمه فيه بين اللقب والكنية، واسم الممدوح واسم أبيه والصفة اللائمة به، وهو القدر الذي قرره الشيخ صفي الدين، في الحد الذي أورده في شرحه. وعلى هذ المنوال نسجت بيت بديعيتي، لأجل المعارضة. ومثله قول بعض المتأخرين، في زكي الدين بن أبي الأصبع: عبد العظيم الذكي ابن أبي ... الأصبع رب القريض والخطب

стр. 352

هذا البيت اشتمل أيضًا على اسم الممدوح واسم أبيه والصفة اللائقة به، وهو صالح لمجرد المدح، ولكن عقبه الناظم بأبيات مشتملة على صريح الهجو، كان الأوجب عدم إيرادها هنا، حفظًا لمقام الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع، ولكن جراءة ظرفها ركبت صهوة القلم وأطلقت عنانه، فإنه قال بعده: يزعم أني بالهجو أذكره ... تعصبًا منه ساعة الغضب لكنني والطلاق يلزمني ... ما ملت فيه يومًا إلى الكذب نكت ابنه وأخته وخالته ... ونكت قدمًا أخاه وهو صبي ولست فيما أتيت مبتدعًا ... قد كان هذا في سالف الحقب ناك أبي أمه وجدته ... وعمتيه لله در أبي ونحن في بيته على دعة ... النيك ما بيننا إلى الركب وأما شواهد هذا النوع، المشتمل على اسم الممدوح واسم أبيه وجده، من غير كنية ولقب وصفة، فمنها قول الشاعر: من يكن رام حاجة بعدت عنـ ... ـه وأعيت عليه كل العياء فلها أحمد المرجى بن يحية بـ ... ـن معاذ بن مسلم بن رجاء قال الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع: لقد أربى هذا الشاعر، في هذا النوع، على من تقدمه ولو سلم بيته من الفصل بلفظة المرجى لكان غاية لا تدرك وعقيلة لا تملك. انتهى كلام الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعتيه: محمد المصطفى الهادي النبي أجل ... المرسلين ابن عبد الله ذي الكرم الشيخ صفي الدين أتى في هذا البيت، باسم الممدوح ﷺ وسلم والصفات اللائقة به واسم أبيه. وبيت العميان في بديعيتهم: قد أورث الجد عبد الله شيبة عن ... عمرو بن عبد مناف عن قُصيهم١ الذي أقوله: إن بيت العميان في غاية التكلف والتعسف، ولعمري إن ناظمه خالف أمر مشايخ البديع، في المشي على طريق السهولة والانسجام، وأيضًا فإن النبي ﷺ هو

стр. 353

الممدوح في هذه القصيدة بكمالها، وليس له ذكر في هذا البيت، فعلى هذا التقدير هو غير صالح للتجريد مع ما فيه من العقادة. وبيت الشيخ عز الدين في بديعيته: محمد بن عبد الله شيبة جده ... ابن عمرو كرام في اطرادهم أقول: إن بيت العميان، في غاية السهولة عند هذا البيت، وهذا القدر أليق من إطلاق لسان القلم في الكلام عليه. وبيت بديعيتي: محمد بن الذبيحين الأمين أبو البـ ... تول خير نبي في اطرادهم هذا البيت أيضًا فيه اسم الممدوح ﷺ ، وذكر أبيه، وهو أحد الذبيحين، لأن أباه عبد المطلب كان قد نذر ذبح أحد أولاده إذا صاروا عشرة، فلما كملت له العشرة أقرع٢ بينهم فوقعت على عبد الله، فوداه١ بمائة من الإبل، وهو أول من ودي بذلك. وكانت الدية قبل ذلك عشرًا، وفي البيت إشارة إلى جده إسماعيل ﵇، وتفسير هذا الاسم مطيع الله الذبيح، وقال ﷺ : "أنا ابن الذبيحين"، وفيه الصفة المعدودة من أسمائه الشريفة، والصفة اللائقة بمقامه العالي واسم النوع البديعي في القافية مورى به من جنس المديح. والذي يظهر لي أنه أرق من بيت العميان وبيت الشيخ عز الدين، وأكثر معاني من بيت الشيخ صفي الدين، والله أعلم.

стр. 354

ذكر العكس: عين الكمال كمال العين رؤيته ... يا عكس طرف من الكفار عنه عمي العكس، في اللغة: رد آخر الشيء على أوله، ويقال له التبديل. وفي الاصطلاح: تقديم لفظ من الكلام ثم تأخيره، ويقع على وجوه كثيرة ولكن المراد هنا ما استعمل منها وكثر استعماله، فالمقدم، في هذا الباب، قوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ١ العكس هنا مميز بعلو طباقه، وبشرف القدرة الإلهية التي لا تصدر إلا عن عظمة الخالق جلت قدرته، وبلاغة القرآن وإيجازه وفصاحته. وعلى كل تقدير، فالعكس نوع رخيص بالنسبة إلى ما فوقه من أنواع البديع الغالية، وإن لم يصوب البليغ عكسه بنكتة بديعية تنظمه في سلك أنواع البديع، فهو مستمر على عكسه، كقول القائل: زعموا أني خئون في الهوى ... في الهوى أني خئون زعموا هذا البيت ليس فيه نكتة تزيل عنه العكس وتحليه بشعار البديع، ولو أراد الشاعر أن يرتجل مثله ما شاء في مجلس واحد لكان ذلك قدرًا يسيرًا، وأين هذا الناظم من أبي تمام وقد قال له بعض حساده: لم لا تقول ما يفهم؟ فقال له على الفور: لم لا تفهم ما يقال؟ وأين هو من قول الحكيم الذي قيل له: لم تمنع من يسألك؟ فقال: لئلا أسأل من يمنعني، وأين هو من كلام الحكيم الذي قال: إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون. وقيل: إنه ورد في الحديث: "جار الدار أحق بدار الجار" وما أبلغ قول الحسن بن سهل هنا،

стр. 355

وقد قيل له: لا خير في السرف، فقال: لا سرف في الخير. ويروى، لأمير المؤمنين هارون الرشيد، من النظم في هذا الباب: لساني كتوم لأسرارهم ... ودمعي بسري نموم مذيع١ فلولا دموعي كتمت الهوى ... ولولا الهوى لم يكن لي دموع وبديع هنا قول الصاحب ابن عباد، وقد بالغ في وصف الزجاج والشراب، وهو: رق الزجاج وراقت الخمر ... فتشابها فتشاكل الأمر٢ فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر ومثله: ألست ترى أطباق ورد وحولها ... من النرجس الغض الطري قدود فتلك خدود ما عليهن أعين ... وتلك عيون ما لهن خدود ويعجبني إلى الغاية، في هذا الباب، قول الأضبط الشاعر: قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه ويقطع الثوب غير لابسه ... ويلبس الثوب غير من قطعه ومثله، في الحكمة، قول ابن نباتة السعدي: ألا فاخْش ما يرجى وجدك هابط ... ولا ترج ما يخشى وجدك رافع٢ فلا نافع إلا مع النحس ضائر ... ولا ضائر إلا مع السعد نافع٤ ومن حكم أبي الطيب المتنبي قوله في هذا الباب: فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده ومثله في الحسن والبلاغة، قوله: إن الليالي للأنام مناهل ... تطوي وتنشر دونها الأعمار فقصارهن مع الهموم طويلة ... وطوالهن مع السرور قصار
следующие страницы →