ذكر الاطراد:
محمد بن الذبيحين الأمين أبو البـ ... ـتول خير نبي في اطرادهم
الاطراد، في اللغة: مصدر اطرد الماء وغيره إذا جرى من غير توقف، وفي الاصطلاح: أن يذكر الشاعر اسم الممدوح واسم من أمكنه من آبائه، في بيت واحد على الترتيب، ولا يخرج عن طرق السهولة، ومتى تكلف، أو تعسف في بناء بيته، لم يعد اطرادًا، فإن المقصود من هذا النوع أن يكون كلام الناظم، في سهولة جريانه واطراده، كجريان الماء في اطراده، فمتى جاء كذلك دل على قوة الشاعر وتمكنه وحسن تصرفه. وقد تقدم القول: إن الشيخ صفي الدين ما نظم بديعيته، حتى جمع عنده سبعين كتابًا في هذا الفن، يجتني من أوراقها كل ثمرة شهية، ورأيته في شرح بديعيته قد أورد لهذا المعنى حدًّا فيه زيادة على الجماعة، فإنهم لم يزيدوا على اسم الممدوح واسم من أمكن من آبائه شيئًا، والشيخ صفي الدين نقل في شرح بديعيته: أن الاطراد عبارة عن اسم الممدوح ولقبه وكنيته وصفته اللائقة به، واسم من أمكن من أبيه وجده وقبيلته، ليزداد الممدوح تعريفًا وشرط أن يكون ذلك في بيت واحد من غير تعسف ولا تكلف ولا انقطاع بألفاظ أجنبية، وأورد على ذلك قول بعضهم:
مؤيد الدين أب جعفر ... محمد بن العلقمي الوزير
هذ البيت جمع ناظمه فيه بين اللقب والكنية، واسم الممدوح واسم أبيه والصفة اللائمة به، وهو القدر الذي قرره الشيخ صفي الدين، في الحد الذي أورده في شرحه.
وعلى هذ المنوال نسجت بيت بديعيتي، لأجل المعارضة. ومثله قول بعض المتأخرين، في زكي الدين بن أبي الأصبع:
عبد العظيم الذكي ابن أبي ... الأصبع رب القريض والخطب
стр. 352
هذا البيت اشتمل أيضًا على اسم الممدوح واسم أبيه والصفة اللائقة به، وهو صالح لمجرد المدح، ولكن عقبه الناظم بأبيات مشتملة على صريح الهجو، كان الأوجب عدم إيرادها هنا، حفظًا لمقام الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع، ولكن جراءة ظرفها ركبت صهوة القلم وأطلقت عنانه، فإنه قال بعده:
يزعم أني بالهجو أذكره ... تعصبًا منه ساعة الغضب
لكنني والطلاق يلزمني ... ما ملت فيه يومًا إلى الكذب
نكت ابنه وأخته وخالته ... ونكت قدمًا أخاه وهو صبي
ولست فيما أتيت مبتدعًا ... قد كان هذا في سالف الحقب
ناك أبي أمه وجدته ... وعمتيه لله در أبي
ونحن في بيته على دعة ... النيك ما بيننا إلى الركب
وأما شواهد هذا النوع، المشتمل على اسم الممدوح واسم أبيه وجده، من غير كنية ولقب وصفة، فمنها قول الشاعر:
من يكن رام حاجة بعدت عنـ ... ـه وأعيت عليه كل العياء
فلها أحمد المرجى بن يحية بـ ... ـن معاذ بن مسلم بن رجاء
قال الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع: لقد أربى هذا الشاعر، في هذا النوع، على من تقدمه ولو سلم بيته من الفصل بلفظة المرجى لكان غاية لا تدرك وعقيلة لا تملك. انتهى كلام الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعتيه:
محمد المصطفى الهادي النبي أجل ... المرسلين ابن عبد الله ذي الكرم
الشيخ صفي الدين أتى في هذا البيت، باسم الممدوح ﷺ وسلم والصفات اللائقة به واسم أبيه.
وبيت العميان في بديعيتهم:
قد أورث الجد عبد الله شيبة عن ... عمرو بن عبد مناف عن قُصيهم١
الذي أقوله: إن بيت العميان في غاية التكلف والتعسف، ولعمري إن ناظمه خالف أمر مشايخ البديع، في المشي على طريق السهولة والانسجام، وأيضًا فإن النبي ﷺ هو
стр. 353
الممدوح في هذه القصيدة بكمالها، وليس له ذكر في هذا البيت، فعلى هذا التقدير هو غير صالح للتجريد مع ما فيه من العقادة.
وبيت الشيخ عز الدين في بديعيته:
محمد بن عبد الله شيبة جده ... ابن عمرو كرام في اطرادهم
أقول: إن بيت العميان، في غاية السهولة عند هذا البيت، وهذا القدر أليق من إطلاق لسان القلم في الكلام عليه.
وبيت بديعيتي:
محمد بن الذبيحين الأمين أبو البـ ... تول خير نبي في اطرادهم
هذا البيت أيضًا فيه اسم الممدوح ﷺ ، وذكر أبيه، وهو أحد الذبيحين، لأن أباه عبد المطلب كان قد نذر ذبح أحد أولاده إذا صاروا عشرة، فلما كملت له العشرة أقرع٢ بينهم فوقعت على عبد الله، فوداه١ بمائة من الإبل، وهو أول من ودي بذلك. وكانت الدية قبل ذلك عشرًا، وفي البيت إشارة إلى جده إسماعيل ﵇، وتفسير هذا الاسم مطيع الله الذبيح، وقال ﷺ : "أنا ابن الذبيحين"، وفيه الصفة المعدودة من أسمائه الشريفة، والصفة اللائقة بمقامه العالي واسم النوع البديعي في القافية مورى به من جنس المديح. والذي يظهر لي أنه أرق من بيت العميان وبيت الشيخ عز الدين، وأكثر معاني من بيت الشيخ صفي الدين، والله أعلم.
стр. 354
ذكر العكس:
عين الكمال كمال العين رؤيته ... يا عكس طرف من الكفار عنه عمي
العكس، في اللغة: رد آخر الشيء على أوله، ويقال له التبديل. وفي الاصطلاح: تقديم لفظ من الكلام ثم تأخيره، ويقع على وجوه كثيرة ولكن المراد هنا ما استعمل منها وكثر استعماله، فالمقدم، في هذا الباب، قوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ١ العكس هنا مميز بعلو طباقه، وبشرف القدرة الإلهية التي لا تصدر إلا عن عظمة الخالق جلت قدرته، وبلاغة القرآن وإيجازه وفصاحته. وعلى كل تقدير، فالعكس نوع رخيص بالنسبة إلى ما فوقه من أنواع البديع الغالية، وإن لم يصوب البليغ عكسه بنكتة بديعية تنظمه في سلك أنواع البديع، فهو مستمر على عكسه، كقول القائل:
زعموا أني خئون في الهوى ... في الهوى أني خئون زعموا
هذا البيت ليس فيه نكتة تزيل عنه العكس وتحليه بشعار البديع، ولو أراد الشاعر أن يرتجل مثله ما شاء في مجلس واحد لكان ذلك قدرًا يسيرًا، وأين هذا الناظم من أبي تمام وقد قال له بعض حساده: لم لا تقول ما يفهم؟ فقال له على الفور: لم لا تفهم ما يقال؟ وأين هو من قول الحكيم الذي قيل له: لم تمنع من يسألك؟ فقال: لئلا أسأل من يمنعني، وأين هو من كلام الحكيم الذي قال: إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون. وقيل: إنه ورد في الحديث: "جار الدار أحق بدار الجار" وما أبلغ قول الحسن بن سهل هنا،
стр. 355
وقد قيل له: لا خير في السرف، فقال: لا سرف في الخير. ويروى، لأمير المؤمنين هارون الرشيد، من النظم في هذا الباب:
لساني كتوم لأسرارهم ... ودمعي بسري نموم مذيع١
فلولا دموعي كتمت الهوى ... ولولا الهوى لم يكن لي دموع
وبديع هنا قول الصاحب ابن عباد، وقد بالغ في وصف الزجاج والشراب، وهو:
رق الزجاج وراقت الخمر ... فتشابها فتشاكل الأمر٢
فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر
ومثله:
ألست ترى أطباق ورد وحولها ... من النرجس الغض الطري قدود
فتلك خدود ما عليهن أعين ... وتلك عيون ما لهن خدود
ويعجبني إلى الغاية، في هذا الباب، قول الأضبط الشاعر:
قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه
ويقطع الثوب غير لابسه ... ويلبس الثوب غير من قطعه
ومثله، في الحكمة، قول ابن نباتة السعدي:
ألا فاخْش ما يرجى وجدك هابط ... ولا ترج ما يخشى وجدك رافع٢
فلا نافع إلا مع النحس ضائر ... ولا ضائر إلا مع السعد نافع٤
ومن حكم أبي الطيب المتنبي قوله في هذا الباب:
فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده
ومثله في الحسن والبلاغة، قوله:
إن الليالي للأنام مناهل ... تطوي وتنشر دونها الأعمار
فقصارهن مع الهموم طويلة ... وطوالهن مع السرور قصار
стр. 356
واستشهدوا على نوع الطباق بقول الشاعر:
رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سمودا١
فرد شعورهن السود بيضًا ... ورد وجوههن البيض سودا
والعكس هنا أحق من المطابقة وأولى، فما فيه من عكس مطابقة عجزه لصدره، وتبديل الطباق في العجز والصدر، ومن الذي يستظرف هنا إلى الغاية قول الشيخ شرف الدين عبد العزيز الأنصاري، شيخ شيوخ حماة:
أفنيت عمري في دهر مكاسبه ... نطيع أهواءنا فيها وتعصينا
تسعًا وعشرين مدّ الهم شقتها ... حتى توهمتها عشرًا وتسعينا٢
ونلطف الشيخ جمال الدين بن نباتة بقوله هنا:
مسألة الدور غدت ... بيني وبين ما أحب
لولا مشيبي ما جفت ... لولا جفاها لم أشب
انظر ما أليق ما حصر الشيخ جمال الدين مسألة الدور في هذا النوع، مع قصر البحر.
ويعجبني أيضًا قول الشيخ علاء الدين، علي بن مقاتل الحموي، في مطلع من مطالع أزجاله وهو:
حبي عودني الوصال ... وعوايد وقطع
وامتنع لما حلي ... ولاح لما امتنع
وأنشدني، من لفظه لنفس الكريمة، قاضي القضاة عماد الدين أخو شيخي، قاضي القضاة علاء الدين بن القضامي، تغمدهما الله برحمته ورضوانه، مطلعًا يناظر مطلع ابن مقاتل بحسنه في هذا الباب، وهو:
قلت يومًا لمن هويت ... فيه اعدل عملك
قال بجوري ترتضي ... وإلا اعمل عدلك٣
стр. 357
وزاد الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع هذا النوع، أعني عكس الألفاظ، صنفا معنويًّا، وهو أن يأتي الشاعر إلى معنى لنفسه، أو لغيره، فيعكسه، فمثال ما عكس الشاعر من المعاني لغيره.
قال الأول:
قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل١
قال الثاني الذي عكس الأول:
وربما فات بعض الناس أمرهم ... مع التأني وكان الحزم لو عجلوا
وقد تقدم قول الناس في المثل السائر: ما في السويدا رجال، فعكست هذا المعنى على أصحابه وقلت:
في سويدا مقيلة الحب نادى ... جفنه وهو يقنص الأسد صيدا٢
لا تقولوا ما في السويدا رجال ... فأنا اليوم من رجال السويدا
ومن القسم الثاني، وهو عكس الشاعر معنى نفسه، قول بعضهم:
وإذا الدر زان حسن وجوه ... كان للدر حسن وجهك زينا
ومثله قول الشاعر، وتلطف ما شاء:
هذا قد غدا من ثياب الشعر في كفن ... وقد تعفت معاني وجهه الحسن٣
وكان يعرض عني حين أبصره ... فصرت أعرض عنه حين يبصرني
وأظرف منه قول الشيخ جمال الدين بن نباتة:
وصديق قوي يدي بنوال ... وأراه من بعد حاول وهني٤
كان مثل البستان آخذ منه ... صار مثل الحمام يأخذ مني
انتهى ما أوردته فى هذا الباب، من عكس الألفاظ والمعاني، وبيت الشيخ صفي الدين الحلي، فى بديعيته، شاهد فى هذا الباب على عكس الألفاظ، وهو قوله عن النبي ﷺ :
стр. 358
أبدى العجائب فالأعمى بنفثته ... غدا بصيرًا وفي الحرب البصير عمي١
الشيخ صفي الدين أتى في هذا الباب بالغرض، من نظم النوع المذكور، ولكن لم يخل بيته من بعض عقادة، هذا مع عدم تكلفه بتسمية النوع على الشرط المقرر.
وبيت العميان:
فاتبع رجال السرى في البيد واسر له ... سرى الرجال ذوي الألباب والهمم٢
بيت العميان لم يخلص من العكس هنا، إذ ليس فيه نكتة تلم له مع البديع شملًا، وليس فيه غير رجال السرى وسرى الرجال.
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي، في بديعته:
خير المقال مقال الخير فاصغ ودع ... عكس الصواب مع التبديل تستقم
الشيخ عز الدين أتى، في هذا النوع، بالمقصود من نظم النوع البديعي وتسميته على الشرط المقرر، ولكنه أجنبي من مديح النبي ﷺ وليس له أدنى تعلق ببيت المديح الذي قبله، وهو:
تمت محاسنه والله كمله ... فقدره في الورى في غاية العظم
أعجب من هذا أنه قال بعد هذا البيت، عن النبي ﷺ :
له الجميل من الرب الجميل على الـ ... ـوجه الجميل بترديد من النعم
وغالب مديحه النبوي في هذه القصيدة على هذا النمط، فإنها ما انسجمت معه إلا في مواضع قليلة والظاهر أن ثقل تسمية النوع على الشرط المعلوم، كلما أثقل كاهله فرَّ إلى جهة يستند إلى ركنها، وبيت العميان كاد أن يكون أجنبيًّا من المديح، ولكن اتكلوا على عود الضمير على الممدوح وهو النبي ﷺ .
وبيت بديعيتي، وهو قولي عن النبي ﷺ .
عين الكمال كمال العين رؤيته ... يا عكس طرف من الكفار عنه عمي
أقول: إنه في سهولته واسنجامه وحسن تركيبه، وبديع تسميته وتمكين قافيته، بيت عامر بالمحاسن والله أعلم.
стр. 359
ذكر الترديد:
أبدى البديع له الوصف البديع وفي ... نظم البديع حلا ترديده بفمي
الترديد، هو أن يعلق الشاعر لفظة فى بيت واحد، ثم يرددها فيه بعينها ويعلقها بمعنى آخر، كقوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ١ واستشهدوا على هذا النوع من النظم، بقول أبي نواس:
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسها حجر مسته سراء٢
والذي أقول: إن الترديد والتكرار ليس تحتهما كبير أمر، ولا بينهما وبين أنواع البديع قرب ولا نسبة، لانحطاط قدرهما عن ذلك، ولولا المعارضة ما تعرضت لما في بديعيتي، ولكن ذكر زكي الدين ابن أبي الأصبع بينهما فرقًا فيه بعض إشراق، وهو أن اللفظة التي تكرر في البيت، ولا تفيد معنى زائدًا، بل الثانية عين الأولى هي التكرار، واللفظة التي يرددها الناظم في بيته تفيد معنى غير معنى الأولى هي الترديد، وعلى هذا التقدير صار للترديد بعض مزية يتميز بها إلى التكرار، ويتحلى بشعارها، وعلى هذا الطريق نظم أصحاب البديعيات هذا النوع، أعني الترديد. فبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته:
له السلام من الله السلام وفي ... دار السلام تراه شافع الأمم٣
стр. 360
لفظة السلام متعلقة في كل موضع بغير الآخر، لاشتراكها.
والعميان لم ينظموا هذا النوع، وبيت الشيخ عز الدين:
له الجميل من الرب الجميل على الو ... جه الجميل بترديد من النعم
وبيت بديعيتي:
أبدى البديع له الوصف البديع وفي ... نظم البديع حلا ترديده بفمي
قول: إن حلاوة الترديد بالفم، أحلى من قول الشيخ عز الدين: بترديد من النعم وأحسن موقعًا لكونها في القافية والله أعلم.
стр. 361
ذكر التكرار:
كررت مدحي حلا في الزائد الكرم ... ابن الزائد الكرم ابن الزائد الكرم
المديح للكريم مليح هنا. وقد تقدم قولي: إن التكرار، هو أن يكرر المتكلم اللفظة الواحدة باللفظ والمعنى، والمراد بذلك تأكيد الوصف أو المدح أو الذم أو التهويل، أو الوعيد أو الإنكار أو التوبيخ أو الاستبعاد أو الغرض من الأغراض.
فأما ما جاء منه للذم فكقول مهلهل بن ربيعة أخي كليب:
يا لبكر أنشروا لي كليبًا ... يا لبكر أين أين الفرار١
وأما ما جاء منه للمدح فكقول كثير في عمر بن عبد العزيز:
فأربح بها من صفقة لمبايع ... وأعظم بها وأعظم بها ثم أعظم
وكقول أبي تمام:
بالصريح الصريح والأروع الأر ... وع منهم باللباب اللباب
وأما ما جاء منه للتهويل فكقوله تعالى: ﴿الْقَارِعَة، مَا الْقَارِعَةُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ وكقول: ﴿الْحَاقَّةُ، مَا الْحَاقَّة﴾ ٣.
стр. 362
وأما ما جاء منه للإنكار والتوبيخ، فهو تكرار قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ١ فإن الرحمن ﷻ ما عدد آلاءه هنا إلا ليبكت٢ بها من أنكرها، على سبيل التقريع والتوبيخ، كما يبكت منكر أيادي المنعم عليه من الناس بتعديدها له.
وأما ما جاء منه للاستبعاد فكقوله تعالى: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ ٣
وأما ما جاء منه في النسيب، وهو في غاية اللطف، فقول بعضهم:
يقلن وقد قيل إني هجعت ... عسى أن يلم بروحي الخيال٤
حقيق حقيق وجدت السلو ... فقلت لهن محال محال
وألطف منه قول القاضي٥:
ماذا تقول اللواحي ضل سعيهم ... وما تقول الأعادي زاد معناه٦
هل غير أني أهواه وقد صدقوا ... نعم نعم أنا أهواه وأهواه
وما أحلى ما قال بعده:
حسب البرية أجرًا فضل رؤيته ... فما رُئي قط إلا سُبِّح الله
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي، في بديعيته، يقول فيه عن النبي ﷺ :
الطاهر الشيم ابن الطاهر الشيم ... ابن الطاهر الشيم ابن الطاهر الشيم٧
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته:
تكرار مدحي هدى في الشامل النعم ابـ ... ـن الشامل النعم ابن الشامل النعم
وبيت بديعيتي:
كررت مدحي حلا في الزائد الكرم ... ابن الزائد الكرم ابن الزائد الكرم
стр. 363
كاد بيت صفي الدين، وبيت الشيخ عز الدين، وبيت بديعيتي أن يكونوا بيتًا واحدًا لمناسبة التركيب، وإن كان بيت الشيخ صفي الدين مميزًا بزيادة واحدة في التكرار، فقد جاء موضعها التورية في تسمية النوع كما قيل: وأين الثريا من يد المتناول. والذي يظهر أن مكرر بيتي حلاوته ظاهرة على بيت الشيخ عز الدين، إن مكرره ناقص الحلاوة، والله تعالى أعلم.
стр. 364
ذكر المذهب الكلامي:
ومذهبي في كلامي أنَّ بعثته ... لو لم تكن ما تميزنا على الأمم
المذهب الكلامي نوع كبير نسبت تسميته إلى الجاحظ وهو في الاصطلاح: أن يأتي البليغ على صحة دعواه، وإبطال دعوى خصمه، بحجة قاطعة عقلية تصح نسبتها إلى علم الكلام، إذ علم الكلام عبارة عن إثبات أصول الدين بالبراهين العقلية القاطعة.
وقيل: إن ابن المعتز قال: لا أعلم ذلك في القرآن، أعني المذهب الكلامي، وليس عدم علمه مانعًا علم غيره، ولم يستشهد على المذهب الكلامي بأعظم من شواهد القرآن، وأوضح الأدلة في شواهد هذا النوع، وأبلغها قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ١. هذا دليل قاطع على وحدانيته ﷻ ، وتمام الدليل أن تقول: لكنهما لم تفسدا فليس فيهما آلهة غير الله. ومنه قوله ﷺ : "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكتيم كثيرًا" وتمام الدليل أن يقال لكنكم ضحكتم كثيرًا وبكيتم قليلًا، فلم تلعموا ما أعلم، فهذان قياسان شرطيان من كلام الله وكلام نبيه ﵊، ومثله قول مالك بن المرجل الأندلسي:
لو يكون الحب وصلًا كله ... لم تكن غايته إلا الملل
أو يكون الحب هجرًا كله ... لم تكن غايته إلا الأجل
إنما الوصل كمثل الماء لا ... يستطاب الماء إلا بالعلل٢
فالبيتان الأولان قياس شرطي، والثالث قياس فقهي، فإنه قاس الوصل على الماء،
стр. 365
فكما أن الماء لا يستطاب إلا بعد العطش، فالوصل مثله لا يستطاب إلا بعد حرارة الهجر. وأما الأقيسة الحملية فقد استنبطوها على صور، مها ما يروى أن أبا دلف قصده شاعر تميمي، فقال له: ممن أنت؟ فقال: من تميم. فقال أبو دلف:
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل الهداية ضلت١
فقال له التميمي: نعم بتلك الهداية جئت إليك. فأفحمه بدليل حملي ألزمه فيه أن المجيء إليه ضلال.
ولعمري، إن القياس الشرطي أوضح دلالة في هذا الباب من غيره، وأعذب في الذوق وأسل في التركيب، فإنه جملة واقعة بعد لو وجوابها، وهذه الجملة، على اصطلاحهم، مقدمة شرطية متصلة يستدل بها على ما تقدم من الحكم، وعلى هذه الطريقة نظمت بيت البديعية، وكذلك العميان، ويأتي ذلك في موضعه، فبيت بديعية الشريف صفي الدين الحلي:
كم بين من أقسم الله العلي به ... وبين من جاء باسم الله في القسم
بيت الشيخ صفي الدين الحلي ليس لنور المذهب الكلامي فيه إشراق، ولكنه ملحق بالأقيسة الحملية.
وبيت العميان قد تقدم أنه من الأقيسة الشرطية، وهو قولهم في مديح النبي ﷺ :
لو لم تحط كفه بالبحر ما شملت ... كل الأنام وأروت قلب كل ظمي
جملة هذا البيت هي الجمل الواقعة بعد لو وجوابها، فإنهم استدلوا بها على ما تقدم من الحكم: وهو أن كفه ﷺ محيط بالبحر، وبيان صحة ذلك أنها بلغت أن تشمل كل الأنام وتعمهم بالري، وهذا دليل واضح على أنها محيطة بالبحر.
وقد تعين أن أقدم بيت بديعيتي، هنا على بيت الشيخ عز الدين، وأفرط سبحة الترتيب لوجهين: أحدهما، أن بيتي وبيت العميان أقرا ببهجة هذا النوع في مطلع واحد، وهو القياس الشرطي، والثاني، أن الشيخ عز الدين لم يتمسك في المذهب الكلامي إلا بالقول الضعيف، وبيت بديعيتي، أقول فيه عن النبي ﷺ :
ومذهبي في كلامي أن بعثته ... لو لم تكن ما تميزنا على الأمم
стр. 366
دليل هذا القياس الشرطي، في بعثة النبي ﷺ ، وأن هذه الأمة تميزت بها على سائر الأمة، أوضح من النهار الذي لم يحتج عند ظهوره، إلى إقامة دليل. وبيت الشيخ عز الدين، وفي بديعيته قوله:
بمذهب من كلام الله ينسخ شر ... ع الأولين ببشرى من كلامهم١
كأن الشيخ عز الدين غفر الله له يقول عن النبي ﷺ إنه بمذهب من كلام الله أي القرآن ينسخ شرع الأولين، وكأنه جعل حجته القاطعة في المذهب الكلامي، والله أعلم. قوله: ببشرى من كلامهم، أي من كلام الأولين. ولم أرَ في هذا البيت للمذهب كلامًا ولا للكلام مذهبًا غير ما ذكرته، وفوق كل ذي علم عليم.
стр. 367
ذكر المناسبة:
فعلمه وافر والزهد ناسبه ... وحلمه ظاهر عن كل مجترم١
المناسبة، على ضربين: مناسبة في المعاني، ومناسبة في الألفاظ. فالمعنوية هي أن يبتدئ المتكلم بمعنى، ثم يتمم كلامه بما يناسب معنى دون لفظ. وهذا النوع، أعني المناسبة المعنوية، كثير في الكتاب العزيز فمنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ، أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ ٢. فانظر إلى قوله ، في صدر الآية التي هي للموعظة: أولم يهد لهم، ولم يقل أولم يروا لأن الموعظة سمعية، وقد قال بعدها: أفلا يسمعون. وانظر كيف قال في صدر الآية التي موعظتها مرئية: أولم يروا، وقال بعد الموعظة البصرية أفلا يبصرون.
ومن أظرف ما أنقله هنا، من النقد اللطيف في هذا الباب، أن قاضي القضاة عماد الدين ابن القضامي، أخا شيخنا قاضي القضاة علاء الدين الحنفي نور الله ضريحه، وجعل من الرحيق المختوم غبوقه وصبوحه، نظم قصيدة امتدح بها المقر المرحومي السيفي أرغون الأسعردي، كافل المملكة الشريفة الحموية، وعرضها قبل إنشادها للمدح على أخيه المشار إليه، فانتهى منها في المديح إلى بيت يقول فيه:
خبير بتدبير الأمور فمن يرى ... سوى ما يراه فهو في هذه أعمى
стр. 368
فقال له شيخنا قاضي القضاة علاء الدين: يجب أن تقول لأجل المناسبة المعنوية، موضع خبير بصير.
وقد عدوا من محاسن الأمثلة المعنوية قول أبي الطيب المتنبي:
على سابح موج المنايا بنحره ... غداة كان النبل في صدره وبل١
فإن بين لفظة السباحة ولفظتي الموج والوبل تناسبًا معنويًّا صار البيت به متلاحمًا.
والذي عقد الناس عليه الخناصر، في هذا الباب، قول ابن رشيق القيرواني:
أصح وأقوى ما رويناه في الندا ... من الخبر المأثور منذ قديم
أحاديث ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن جود الأمير تميم٢
قال زكي الدين بن أبي الأصبع: هذا أحسن شعر سمعته في المناسبة المعنوية، فإنه وفى المناسبة حقها، وناسب في البيت الأول بين الصحة والقوة والرواية والخبر المأثور، وناسب في البيت الثاني بين الأحاديث والرواية والعنعنة، هذا مع صحة ترتيب العنعنة، من حيث أنها جاءت صاغرًا عن كابر وآخرًا عن أول، كما يقع في سند الأحاديث، لأن السيول فرع الحيا أصله، وكذلك الحيا فرع البحر أصله، ثم نزل البحر منزلة الفرع، وجود الممدوح منزلة الأصل للمبالغة في المدح، وهذا غاية الغايات في هذا الباب.
أقول: إنني زاحمت ابن رشيق القيرواني هنا بالمناكب، وأبطلت موانع التعقيد لما دخلت معه إلى هذه المطالب، وما ذاك إلا أنني امتدحت شيخي المشار إليه أولًا، مولانا قاضي القضاة ابن القضامي الحنفي بموشح بيت مخلصه تحفة في هذا الباب، لأن مناسباته المعنوية رفعت عن محاسنها الحجاب، وهو:
رقم السوالف يروي لي بمسنده ... عن رقتي حيهم يا طيب مورده
وثغرها قد روى لي قبل ما احتجبت ... عن برق ذاك النقا أيام معهده٣
والريق أمسى عن المبرد ... يروي حديث العذيب مسند
عن الصفا عن مذاب الشهد والعسل ... عن ذوق سيدنا قاضي القضاة علي
стр. 369
وقد حبست عنان القلم عن الاستطراد إلى وصف هذا البيت، ومناسباته المعنوية، فإن برهانه غير محتاج إلى إقامة دليل. وهذا الموشح نظمته بحماة المحروسة، في مبادي العمر ورياحين الشبيبة غضة. ولما طلبت إلى الأبواب الشريفة المؤيدية، سنة خمس عشرة وثمانمائة، ووصلت إلى الديار المصرية في التاريخ المذكور، وجدته ملحنًا وأهل مصر يلهجون به وبتلحينه كثيرًا، فتعين علي أن أثبت هنا منه شيئًا، ليحلو تكريره بمصر وتعرف رتبة قوافيه، لأجل بيت المخلص الذي أوردته مثالًا على نوع المناسبة المعنوية، فمن غزل الموشح المذكور:
ماست بقامتها يومًا بذي سلم ... والشعر كالعلم المنشور للأمم
فقلت يا قلب أعلام الهنا نصبت ... ها أنت تخطر بين البان والعلم
وأسود الخال منذ تبدَّى ... في خدها همت فيه وجدا
قالت وطلعتها كالشمس في الحمل ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل
سألتها برد ما عندي من الكمد ... وقلت نار الجوى قد أضعفت جلدي١
قالت بريقي أطفئها إذا التهبت ... يا برد ذاك الذي قالت على كبدي
وغرفتني بدمع طرفي ... وقالت اسمع كفيت خلفي٢
ألم تخف بللا ناديت يا أملي ... أنا الغريق فما خوفي من البلل
منه:
بالله يا برق إن أومضت في الثغر ... وحارس اللحظ في شك من الخبر
قف بالثنيات واذكرني إذا عذبت ... تلك النهيلات للورَّاد في السحر
وارسل عليل النسيم خلفي ... فإنه قوة لضعفي
عسى تصحح جسمًا بالفراق بلي ... وربما صحت الأجسام بالعلل
منه:
إنسان مقلتها لما رأى كلفي ... بسيفه قد أقام الحد في تلفي٣
فمت بالسيف قهرًا والحشا نهبت ... لكنني عند موتي مذ قرى شغفي٤
ناديته والدموع طوفان ... وقلت هذا فعال إنسان
إلا تعجل في قتلي بلا زلل ... فقال لي خلق الإنسان من عجل
стр. 370
وقد طال الشرح وخرجنا عما كنا فيه، من المناسبة المعنوية وحسن ختامها، بما أوردناه من كلام ابن رشيق القيرواني، والبيت الذي أوردته من هذا الموشح. وأما المناسبة اللفظية، وهي دون رتبة المعنوية، فهي الإتيان بكلمات متزنات، وهي على ضربين: تامة، وغير تامة. فالتامة أن تكون الكلمات، مع الاتزان، مقفاة والناقصة موزونة غير مقفاة. فمن شواهد التامة قوله : ﴿نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ ١ ومن شواهده التامة في السنة الشريفة، قول النبي ﷺ ، مما كان يرقي به الحسنين٢، ﵉: "أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة"، ولم يقل ﵇: ملمة، وهي القياس لمكان المناسبة اللفظية. ومن أمثلة المناسبتين، الناقصة والتامة، قول أبي تمام حبيب بن أوس:
مها الوحش إلا أن هاتا أونس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل٣
فناسب بين مها وقنا مناسبة تامة، وبين الوحش والخط، وأوانس وذوابل، مناسبة غير تامة.
قال زكي الدين بن أبي الأصبع: هذا البيت من أفضل بيوت المناسبة، لما انضم إليه فيها من المحاسن، فإن فيه مع المناسبتين، التشبيه بغير أداة والمساواة والاستثناء، والطباق اللفظي وائتلاف اللفظ مع المعنى والتمكين، فأما المناسبة فيه فقد عرفت، وأما التشبيه ففي قوله: مها وقنا، فإن التقدير: كمها، وكقنا، وحذف الأداة ليدل على قرب المشبه من المشبه به، وأما الاستثناء البديعي ففي قوله: إلا أن هاتا أوانس، وقوله: إلا أن تلك ذوابل، ليثبت للموصوفات التأنيس، وينفي عنهن النفار والتوحش، وكذلك فعل في الاستثناء الثاني، فإنه أثبت لهن اللين ونفى عنهن اليبس والصلاة. وأما المطابقة، ففي قوله: الوحش وأوانس، وهاتا وتلك، فإن هاتا للقريب وتلك للبعيد، وأما المساواة فلفظ البيت لا يفضل عن معناه ولا يقصر عنه. وأما الائتلاف، فلكون ألفاظه من واد واحد، متوسطة بين الغرابة والاستعمال، وكل لفظة منها لا ئقة بمعناها لا يكاد يصلح موضعها غيرها. وأما التميكن فاستقررا قافية البيت في موضعها وعدم نفارها عن محلها انتهى الكلام على المناسبة اللفظية والمعنوية، وتقرير التامة والناقصة من اللفظية. فبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته، يقول فيه عن النبي ﷺ .
مؤيد العزم والأبطال في قلق ... مؤمل الصفح والهيجاء في ضرم
стр. 371
الشيخ صفي الدين لم يحتج في بيته إلى المناسبة المعنوية، بل أتى باللفظية. وعجبت منه كيف رضي لنفسه بقول القائل:
إذا كنت ما تدري سوى الوزن وحده ... فقل أنا وزان وما أنا شاعر
وليته أتى بالمناسبة اللفظية تامة, فإنه في عالم الإطلاق غير مقيد بتسمية، ومناسبته اللفظية الناقصة ظاهرة، قوله: مؤيد العزم، في وزن مؤمل الصفح، وقوله: والأبطال في قلق موازن والهيجاء في ضرم.
ولم ينظم العميان هذا النوع، وبيت الشيخ عز الدين الموصلي يقول فيه، عن النبي ﷺ .
ألم تر الجود يجري في يديه ألم ... تسمع مناسبة في قوله نعم
الشيخ عز الدين غفر الله له لم يثبت له مع المناسبة المعنوية اللفظية نسبة، ولكنه قال لمن يخاطبه: ألم تر الجود يجري من أيادي النبي ﷺ ؟ ألم تسمع مناسبة من لفظ نعم؟ ولفظ الشيخ عز الدين الموضوع في بيته ليس فيه مناسبة لفظية أتى فيها بوزن وقافية، ولا مناسبة معنوية ابتدأ فيها بمعنى، وتمم كلامه بما يناسبه.
وبيت بديعيتي، أقول فيه عن النبي ﷺ .
فعلمه وافر والزهد ناسبه ... وحلمه ظاهر عن كل مجترم
هذا البيت جمعت فيه، ببركة ممدوحه ﷺ ، بين المناسبة المعنوية واللفظية التامة المشتملة على الوزن والتقفية، فقولي: علمه يناسبه حلمه، وزنا وقافية، ووافر مثله ظاهر، وزنا وقافية، والمناسبة المعنوية ابتدأ بها، في أول الشطر الثاني من البيت بذكر الحلم، ثم تممت كلامي بقولي: عن كل مجترم، فحصلت المناسبة المعنوية بين الحلم، وذكر الاجترام الذي هو الذنب مع تمكين القافية، فإنه قيل عن المأمون إنه كان يقول: لو علم الناس محبتي للعفو لتقربوا إليَّ بالجرائم، وهذه هي المناسبة المعنوية بعينها، ولكن النبي ﷺ أحق بهذال المدح وأولى بهذه الصفات.
стр. 372
ذكر التوشيع:
ووشع العدل منه الأرض فاتشحت ... بحلة الأمجدين العهد والذمم
التوشيع: مأخوذ من الوشيعة وهي الطريقة الواحدة في البرد المطلق، فكأن الشاعر أهمل البيت إلا آخره، فإنه أتى فيه بطريقة تعد من المحاسن، وهو عند أهل هذه الصناعة عبارة عن أن يتكلم المتكلم أو الشاعر باسم مثنى في حشو العجز، يأتي بعده باسمين مفردين هما عين ذلك المثنى، يكون الآخر منهما قافية بيته أو سجعة كلامه، كأنهما تفسير له. وقد جاء من ذلك في السنة الشريفة ما لا يلحق بلاغته، وهو قوله ﷺ : يشيب المرء وتشب معه خصلتان: الحرص وطول الأمل، ومن أمثلة هذا الباب في النظم قول الشاعر:
أمسي وأصبح من تذكاركم وصبا ... يرثي لي المشفقان الأهل والولد١
قد خدد الدمع خدّي من تذكركم ... واعتادني المضنيان الوجد والكمد
وغاب عن مقلتي نومي لغيبتكم ... وخانني المسعدان الصبر والجلد
لا غرو للدمع أن تجري غواربه ... وتحته المظلمان القلب والكبد٢
كأنما مهجتي شلو بمسبعة ... ينتابها الضاريان الذئب والأسد٣
لم يبق غير خفي الروح في جسدي ... فدى لك الباقيان الروح والجسد
هذه الأبيات عامرة بالمحاسن، في هذا الباب، غير أن أهل النقد الصحيح ما سكتوا عن تقصيره في البيت الأول، حيث قال فيه: يرثي لي المشفقان الأهل والولد. فإن
стр. 373
شفقة الأهل والولد معروفة، والمشفق إذا رثى لشكوى أهله، أو الولد إذا رثى لشكوى والده، كان ذلك تحصيل الحاصل، والمراد هنا رثى لي العدو، ورق لي الصخر وأشباه ذلك.
قال ابن أبي الأصبع: وما بشعر قلته هنا من بأس:
بي محنتان ملام في هوى بهما ... يرثي لي القاسيان الحب والحجر
لولا الشفيقان من أمنية وأسى ... أودى بي المرديان الشوق والفكر١
رأيت في حاشية، على هذين البيتين بخط رفيع: رحم الله الشيخ، لو قال: الشوق والسهر، كان تم وأحسن. وبيت الشيخ صفي الدين في هذا الباب غاية، فإنه يقول في وصف النبي ﷺ :
أميُّ خط أبان الله معجزه ... بطاعة الماضيين السيف والقلم
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم، وبيت الشيخ عز الدين الموصلي ﵀:
ومن عطاياه روض وشعته يد ... تغني عن الأجودين البحر والديم٢
الشيخ عز الدين أتى بالتوشيع على الوضع، ولكنه شن الغارة على ابن الرومي، وفك قواعد بيته، وهو:
أبو سليمان إن جادت لنا يده ... لم يحمد الأجودان البحر والمطر
أخذ الأجودين والبحر، ورادف المطر بالديم. وهذا ما يليق بأهل الأدب.
وبيت بديعتي أقول فيه عن النبي ﷺ .
ووشع العدل منه الأرض فاتشحت ... بحلة الأمجدين العهد والذمم.
وأنا على مذهب زكي الدين بن أبي الأصبع في قوله: وما بشعر قلته هنا من بأس.
انتهى.
стр. 374
ذكر التكميل:
آدابه تممت لا نقص يدخلها ... والوجه تكميله في غاية العظم
التكميل: هو أن يأتي المتكلم، أو الشاعر، بمعنى تام، من مدح أو ذم أو وصف أو غيره من الأغراض الشعرية وفنونها، ثم يرى الاقتصار على الوصف بذلك المعنى فقط غير كامل، فيأتي بمعنى آخر يزيده تكميلًا، كمن أراد مدح إنسان بالشجاعة، ثم رأى الاقتصار عليها دون مدحه بالكرم غير كامل فيكمله بذكر الكرم، أو بالبأس دون الحلم وما أشبه ذلك من الأغراض. وقد جاء منه في الكتاب العزيز قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ١ فانظر إلى هذه البلاغة، فإنه علم وهو أعلم أنه لو اقتصر على وصفهم بالذلة للمؤمنين، لكان مدحًا تامًا مشتملًا على الرياضة والانقياد لإخوانهم، ولكن زاده تكميلًا ووصفهم، بعد ذلتهم لإخوانهم المؤمنين، بالعزة على الكافرين، وهذا هو التكميل الذي يتطفل البدر على كماله. ومثاله، في الشعر، قول كعب بن سعيد الغنوي:
حليم إذا ما الحلم زين أهله ... مع الحلم في عين العدو مهيب٢
قوله: إذا ما الحلم زين أهله، احتراس لولاه لكان المعنى في المدح مدخولًا، إذ بعض التغاضي قد يكون عن عجز يوهم أنه حلم، فإن التجاوز لا يكون حلمًا محققًا إلا عن قدرة، وهو الذي قصده الشاعر بقوله: إذا ما الحلم زين أهله. فإن الحلم ما يزين
стр. 375
أهله إلا إذا كان عن قدرة، وهذا القدر غاية في باب التكميل، ثم رأى أن مدحه بالحلم وحده غير كامل، فإنه إذا لم يعرف منه إلا الحلم طمع فيه عدوّه، فقال مع الحلم في عين العدو مهيب، قلت: ومما يؤيد هذا التقرير قول الشاعر:
وحلم ذي العجز أنت عارفه ... والحلم عن قدرة ضرب من الكرم
ومن التكميل الحسن قول كثير عزة:
لو أن عزة خاصمت شمس الضحى ... في الحسن عند موفق لقضى لها١
فقوله: عند موفق تكميل حسن، فإنه لو قال عند محكم لتم المعنى، لكن في قوله: عند موفق زيادة تكميل بها حسن البيت والسامع يجد لهذه اللفظة من الموقع الحلو في النفس ما ليس للأولى، إذ ليس كل محكم موفقًا فإن الموفق من الحكام من قضى بالحق لأهله.
وقد غلط غالب المؤلفين في هذا الباب، وخلطوا التكميل بالتتميم، وساقوا في باب التتميم شواهد التكميل، فمن ذلك قول عوف السعدي:
إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
هذا البيت ساقوه من شواهد التتميم، وهو أبلغ شواهد التكميل، فإن معنى البيت تام بدون لفظة وبلغتها، وإذا لم يكن المعنى ناقصًا فكيف يسمى هذا تتميمًا، وإنما هو تكميل حسن.
قال ابن أبي الأصبع وما غلطهم إلا أنهم لم يفرقوا بين تتميم الألفاظ، وتتميم المعاني، فلو سمي مثل هذا تتميمًا للوزن، لكان قريبًا، ولما٢ ساقوه على أنه من تتميم المعاني، وهذا غلط، والرفق بين التتميم والتكميل، أن التتميم يرد على المعنى الناقص فيتممه، والتكميل يرد على المعنى التام فيكمله، إذ الكمال أمر زائد على التمام وقد تقدم هذا الكلام على التتميم في موضعه, ولكن أردت هنا تفصيل التكميل عن التتميم، لتنجلي عن الطالب ظلمة الإشكال بصبح هذا الفرق الدقيق، ومن أحسن التكميل قول شاعر الحماسة:
لو قيل للمجد خذ عنهم وخلهم ... بما احتكمت من الدنيا لما حادا
стр. 376
فقوله: بما احتكمت من الدنيا، تكميل في غاية الكمال. ويعجبني، من هذا الباب، قول الشيخ جمال الدين بن نباتة في بعض مطالعه المقمرة:
نفس عن الحب ما حادت ولا غفلت ... بأي ذنب وقاك الله قد قتلت
معنى بيت الشيخ جمال الدين أيضًا تام، بدون قوله: وقاك الله، ولكن التكميل بوقاك الله قبل قتلت لا يصدر إلا من مثل الشيخ جمال الدين، وما أحقه هنا بقول القائل:
قالوا فهل يسمح الدهر الكريم لنا ... بمثله قلت لا والله قد حلفا
ومثله قولي في مطلع قصيدة:
قد مال غصن النقا عن صبه هيفا ... يا ليته بنسيم العتب لو عطفا
معنى البيت تام، بدون نسيم العتب، ولكن استعارة نسيم العتب هنا بعد ميل الغصن وذكر انعطافه غاية في باب التكميل، وفي مع التكميل المناسبة المعنوية والاستعارة اللطيفة، وناهيك بلطف نسيم العتب، وفيه التمكين والانسجام، ومثله قولي في مطلع قصيدة:
جردت سيف اللحظ عند تهددي ... يا قاتلي فسلبتني بمجرد
معنى البيت تام، بدون قولي يا قاتلي، وقولي يا قاتلي بعد تجريد سيف اللحظ أكمل من بدور الكمال، وقلت، بعد المطلع، ولم أخرج عن التكميل:
وأردت أن تسقى بماء حشاشتي ... حاشاك ما يسقي الصقيل من الصدى١
معنى البيت أيضًا تام، بدون قولي حاشاك، ولكنها زادت البيت تكميلًا رفعت به قواعده، ومثله قولي من قصيدة:
وأفردتموني للغرام لأنكم ... أخذتم كما شاء الهوى بمجامعي٢
معنى البيت تام، بدون قولي كما شاء الهوى، ولكن التكميل بها تكملت به محاسن البيت، ومثله قولي من قصيدة:
أذابت القلب في نار الهوى عبثًا ... ومذ سلبته وقالت إنه قالي٣
قالت سلوت لحاك الله قلت لها ... الله أعلم يا أسما من السالي٤
стр. 377
فلفظة عبثًا في البيت الأول، تكميلها ظاهر ولكن لحى الله من لا ينظر إلى محاسن لحاك الله في البيت الثاني. ومثله قولي من قصيدة:
ورب غصن لأطيار القلوب على ... قوامه في رياض الوجد تغريد
والمعنى أيضًا تام في هذا البيت، بدون قولي في رياض الوجد، ولكن مناسبة التكميل برياض الوجد بين الغصن والأطيار والتغريد، غاية في هذا الباب.
وقد طال الشرح، ولكن مثل التكميل ما يقنص من قدره، ويختصر من أمثلته، وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته:
نفس مؤيدة بالحق تعضدها ... عناية صدرت عن بارئ النسم١
بيت الشيخ صفي الدين لم يظهر لبدور التكميل في أفقه إشراق، ومعنى البيت تام ولكن لم يأت فيه الناظم بنكتة تزيده تكميلًا. والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم، وبيت الشيخ عز الدين في بديعيته:
تمت محاسنه والله كمله ... فقدره في الورى في غاية العظم٢
بيت الشيخ عز الدين أمثل من بيت الشيخ صفي الدين، وتكميله ظاهر فإن معنى بيته تام، بدون قوله والله كمله، ولكن قوله هنا والله كمله في غاية الكمال، فإنها اشتملت على تورية التسمية ونكتة النوع وبيت بديعيتي:
آدابه تممت لا نقص يدخلها ... والوجه تكميله في غاية العظم
معنى هذا البيت أيضًا تام، بدون قولي لا نقص يدخلها، ولكن هذا النقص هو عين التكميل، والله أعلم.
стр. 378
ذكر التفريق:
قالوا هو البدر والتفريق يظهر لي ... في ذاك نقص وهذا كامل الشيم١
التفريق في اللغة ضد الاجتماع، وفي الاصطلاح أن يأتي المتكلم أو الناظم إلى شيئين من نوع واحد، فيوقع بينهما تباينًا وتفريقًا، بفرق يفيد زيادة وترجيحًا فيما هو بصدده من مدح أو ذم أو نسيب أو غيره من الأغراض الأدبية، كقول الشاعر في المديح:
ما نوال الغمام وقت ربيع ... كنوال الأمير يوم سخاء
فنوال الأمير بدرة مال ... ونوال الغمام قطرة ماء٢
ومثله:
من قاس جدواك بالغمام فما ... أنصف في الحكم بين شكلين
أنت إذا جدت ضاحك أبدًا ... وهو إذا جاد دامع العين
قال بدر الدين بن النحوية في غير المدح:
حسبت جماله بدرًا منيرًا ... وأين البدر من ذاك الجمال
قلت: وأحسن منه قول القائل:
قاسوك بالغصن في التثني ... قياس جهل بلا انتصاف
هذاك غصن الخلاف يدعى ... وأنت غصن بلا خلاف٣
стр. 379
فالتفريق في الجميع فرقه ظاهر مثل الصبح، ولكن هذا النوع ما هو غاية في البديع، فما يحتمل إطلاق عنان القلم في الكلام عليه أكثر من ذلك، وبيت الشيخ صفي الدين الحلي، في بديعيته، يقول فيه عن النبي ﷺ :
فجود كفيه لم تقلع سحائبه ... عن العباد وجود السحب لم يدم
بيت الشيخ صفي الدين الحلي حسن، في هذا الباب، والتفريق فيه جمع المحاسن في مدح النبي ﷺ . وبيت العميان في بديعيتهم:
لا يستوي الغيث مع كفيه نائل ذا ... ماء ونائله مال فلا تهم١
العميان، غفر الله لهم، مسخوا قول الشاعر:
ما نوال الغمام وقت الربيع ... كنوال الأمير يوم سخاء
فنوال الأمير بدرة مال ... ونوال الغمام قطرة ماء
والظاهر، أن نوال الغمام وقت الربيع محجب عن العميان، ولكن أين هم من موقع التفريق وعظم المباينة، بين بدرة المال وقطرة الماء، هذا مع ما تجشموه من مشاق التعقيد وثقل التركيب والجميع يخف على النفس بالنسبة إلى قولهم في القافية: فلا تهم.
نعم ما يحط هذه٢ القافية هنا على هذه الصيغة من شم للأدب رائحة، وأين هم من تميكن قافية صفي الدين في قوله:
فجود كفيه لم تقلع سحائبه ... عن العباد وجود السحب لم يدم
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي، في بديعيته، يقول فيه عن النبي ﷺ :
قالوا هو البحر والتفريق بينهما ... إذ ذاك غم وهذا فارج الغمم
بيت الشيخ عز الدين، في هذا الباب، عامر بالمحاسن وحشمة المديح النبوي مشرقة على أركانه، ونوع التفريق فيه أحلى من ليالي الوصال، فإنه مشتمل على تورية التسمية ونكتة النوع البديعي ولطف الانسجام والسهولة، وليس في بديعيته بيت يناظره في علو طباقه.
وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي ﷺ :
стр. 380
قالوا هو البدر والتفريق يظهر لي ... في ذاك نقص وهذا كامل الشيم
قد أطلقت لسان القلم في وصف بيت الشيخ عز الدين، ولعمري إنه يستحق فوق ذلك فإن التكلف بتسمية النوع، مورى به من جنس المديح، يقل كاهل كل فحل. وقد حبست عنان القلم عن الاستطراد إلى وصف هذا البيت، فإن في إنصاف أهل الذوق ما يغني عن الإطناب في وصفه. انتهى.
стр. 381
ذكر التشطير:
وانشق من أدب له بلا كذب ... شطرين في قسم تشطير ملتزم
التشطير: هو أن يقسم الشاعر بيته شطرين، ثم يصرع كل شطر منهما، لكنه يأتي بكل شطر من بيته مخالفًا لقافية الآخر، كل شطر عن أخيه، فمن ذلك قول مسلم بن الوليد:
موف على مَهَج في يوم ذي رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل١
هذا اليت تصريعه صحيح، ولكن تصريع الشطر الثاني قافيته الأولى مرفوعة والثانية مجرورة، وهذا عيب في تصريع التشطير، وقول أبي تمام في هذا الباب خالص من ذلك، وهو:
تدبير معتصم بالله منتقم ... لله مرتعب في الله مرتقب٢
وعلى جادته الواضحة مشى الشيخ صفي الدين الحلي، في بديعيته، وبيته:
بكل منتصر للفتح منتظر ... وكل معتزم بالحق ملتزم
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم وأنا أقول: يا ليتني كنت معهم، فإنه نوع مبني على قعاقع٣ ليس تحتها طائل، ولكن الشروع في معارضة البديعيات أوجب نظمه، وبيت الشيخ عز الدين في بديعيته:
стр. 382
تشطير معتدل بالسيف مشتمل ... في جحفل لهم كالأسد في الأجم١
وبيت بديعيتي أشير فيه إلى انشقاق القمر، في مديح النبي ﷺ وتقدم قولي في نوع التفريق:
قالوا هو البدر والتفريق يظهر لي ... في ذاك نقص وهذا كامل الشيم
وقلت بعده في التشطير:
وانشق من أدب له بلا كذب ... شطرين في قسم تشطير ملتزم
كان الشيخ صفي الدين الحلي يكثر من هذا النوع في غالب قصائده، ولعمري إنه استسمن ذا ورم، وما خطر لي يومًا أنني أدخله إلى بيت من بيوت قصائدي. انتهى.
стр. 383
ذكر التشبيه
مدخل
والبدر في التم كالعرجون صار له ... فقل لهم يتركوا تشبيه بدرهم١
التشبيه: ضروب متشعبة، وهو والاستعارة يُخرجان الأغمض إلى الأوضح، ويقربان البعيد، وقال الجرجاني: التشبيه والتكميل كل منهما بالصورة والصفة، وتارة بالحالة، وهذه صفة التمثيل. والتشبيه ركن من أركان البلاغة، وأركانه أربعة، كقولك: زيد في الحسن كالقرم، فالأول المشبه وهو زيد، والثاني المشبه به وهو القمر والثالث المشبه وهو المتكلم, والرابع التشبيه وهو الإلحاق المذكور في الشبه، وأدوات التشبيه خمسة: الكاف وكأن وشبه ومثل والمصدر بتقدير الأداة، كقوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ﴾ ٢ ومن الشعر كقول حسان:
بزجاجة رقصت بما في قعرها ... رقص القلوص براكب مستعجل٣
ومن الشروط اللازمة في التشبيه أن يشبه البليغ الأدون بالأعلى، إذا أراد المدح اللهم إلا إذا أراد الهجو، فالبلاغة أن يشبه الأعلى بالأدون، كقول ابن الرومي، سامحه الله، في هجو الورد:
كأنه سرم بغل حين سكرجه ... عند البراز وباقي الروث في وسطه٤
стр. 384
الظاهر أنه كان جعليًا، وإلا مثله ما يخالف الإجماع ويبالغ في مثل هذه المغايرة، ولعمري إنه في بابه من التشابيه البليغة، مع نفور الطباع عن صيغته، ومثله قول أبي العلاء السروي، في هجو النرجس وتشبيه أعلاه بدونه:
كراثة ركبت عليها ... صفرة بيض على رقاقه١
وأصحاب المعاني والبيان أطلقوا أعنة الكلام في ميادين حدود التشبيه وتقاريرها، وهو عندهم الدلالة على مشاركة أمر لأمر في معنى.
وقال الرماني التشبيه: هو العقد على أن أحد الشيئين يسد مسد الآخر في حال، وهذا هو التشبيه العام الذي يدخل تحته التشبيه البليغ وغيره والتشبيه البليغ هو إخراج الأغمض إلى الأوضح، مع حسن التأليف. ومنهم من قال: التشبيه هو الدلالة على اشتراك شيئين في وصف هو من أوصاف الشيء الواحد.
وقال ابن رشيق، في العمدة: التشبيه صفة الشيء بما قاربه وشاكله من جهة واحدة، لأنه لو ناسبه مناسبة كلية كان إياه، ألا ترى إلى قولهم: خد كالورد إنما مرادهم احمرار أوراقه وطراوتها لا ما سوى ذلك من صفرة وسطه وخضرة كمائمه. انتهى حد ابن رشيق.
وقيل: التشبيه إلحاق أدنى الشيئين بأعلاهما في صفة اشتركا في أصلها، واختلفا في كيفيتها قوة وضعفًا. قلت: وهذا حد مفيد.
وأورد ابن أبي الأصبع في كتابه تحرير التحبير، للرماني حدًّا زاد في حسنه على الحد، وهو أن التشبيه تشبيهان: الأول منهما، تشبيه شيئين متفقين بأنفسهما، كتشبيه الجوهر بالجوهر، مثل قولك: ماء النيل كماء الفرات، وتشبيه العرض بالعرض، كقولك: حمرة الخد كحمرة الورد، وتشبيه الجسم بالجسم، كقولك: الزبرجد مثل الزمرد. والثاني، تشبيه شيئين مختلفين بالذات لجمعهما معنى واحدًا مشتركًا، كقولك: حاتم كالغمام، وعنترة كالضرغام. وتشبيه الاتفاق، وهو الأول، تشبيه حقيقي، وتشبيه الاختلاف، وهو الثاني، تشبيه مجازي، والمراد المبالغة، انتهى.
ووقوع حسن البيان والمبالغة في التشبيه على وجوه: منها، إخراج ما لا تقع عليه
стр. 385
الحاسة، إلى ما تقع عليه الحاسة، وقد عنَّ لي أن أوضح هنا للطالب، ما وقع من النظم البديع، من تشبيه المحسوس بالمحسوس، وتشبيه المعقول بالمعقول، وتشبيه المعقول بالمحسوس وتشبيه المحسوس بالمعقول. وهذا القسم الرابع، عند أصحاب المعاني والبيان، غير جائز، ويأتي الكلام عليه في موضعه. وقد تعين تقديم ما وعدت به أولا من تشبيه المحسوس بالمحسوس، فإن الذي تقع عليه الحاسة في التشبيه أوضح مما لا تقع عليه الحاسة، والشاهد أوضح من الغائب. وقال قدامة: أفضل التشبيه ما وقع بين شيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما، حتى يدلي بهما إلى الاتحاد. انتهى.
ولم يخطر لي أن أورد هنا من التشبيهات البديعية، التي اخترتها أمثلة لهذا النوع، إلا ما خف على السمع وعذب في الذوق وارتاحت الأنفس إلى حسن صفاته، فإن التشابيه التي تقادم عهدها للعرب، رغب المولدون عنها فإنها، مع عقادة التركيب، لم تسفر عن بديع معنى، إلا ما قل وندر، فمن ذلك قول امرئ القيس:
وتعطو برخص غير شثنٍ كأنه ... أساريع ظبي أو مساويك أسحل١
فغاية امرئ القيس هنا، أنه شبه أنامل محبوبته بأساريع، وهي دواب تكون في الرمل ظهورها ملس، وبمساويك أسحل والأسحل شجر له أغصان ناعمة، أين هذا من قول الراضي بالله في هذا الباب:
قالوا الرحيل فأنشبت أظفارها ... في خدها وقد اعتلقن خضابا٢
فكأنها بأنامل من فضة ... غرست بأرض بنفسج عنابا٣
ومثله قول القائل:
قبلته فبكى وأعرض نافرًا ... يذري المدامع من كحيل أدعج٤
فكأن سقط الدمع مع أجفانه ... لما بدا في خده المتضرج٥
برد تساقط فوق ورد أحمر ... من نرجس فسقى رياض بنفسج
стр. 386
انظر أيها المتأمل، إلى هذه التشابيه التي يرشفها السمع مدامًا، وتهيم الأذواق السليمة في محاسنها غرامًا، ومن ذلك قول ابن حاجب النعمان:
ثغر وخد ونهد واحمرار يد ... كالطلع والورد والرمان والبلح١
ومثله قول ابن رشيق:
بفرع ووجه وقد وردف ... كليل وبدر وغصن وحقف٢
المراد هنا من حسن التشبيه وبليغه غير كثرة العدد في الصفات، فإن قاضي القضاة نجم الدين بن البارزي، نور الله ضريحه، وصل فيه من العدد إلى سبعة، وأوردت ذلك في باب اللف والنشر، وأوصله الناس إلى أكثر من ذلك، ولكن جل القصد هنا غير كثرة العدد فإن المراد من التشبيه، غرابة أسلوبه وسلامة اختراعه، كقول القائل:
وتحدث الماء الزلال مع الحصى ... فجرى النسيم عليه يسمع ما جرى
فكأن فوق الماء وشيًا ظاهرًا ... وكأن تحت الماء درًا مضمرًا٣
أقول: إن تشبيه هذا الدر المضمر هنا، أغلى قيمة من الدر الظاهر في عقود الأجياد، ومثله في الغرابة وسلامة الاختراع، قول ابن المعتز:
كأنه وكأن الكأس في فمه ... هلال أول شهر غاب في الشفق
ومن ذلك قوله:
على عقار صفراء تحسبها ... شيبت بمسك في الدن مفتوت٤
للماء فيها كتابة عجب ... كمثل نقش في فص ياقوت٥
ومثله قول ابن حجاج، وهو بديع:
هذي المجرة والنجوم كأنها ... نهر تدفق في حديقة نرجس
ومن مخترعات ابن المعتز في تشبيه الهلال، قوله:
انظر إلى حسن هلال بدا ... يهتك من أنواره الحندسا٦
كمنجل قد صيغ من عسجد ... يحصد من زهر الدجى نرجسا
стр. 387
ومن مخترعاته أيضًا في الهلال:
قد انقضت دولة الصيام وقد ... بشر سقم الهلال بالعيد
يتلو الثريا كفاغر شره ... يفتح فاه لأكل عنقود١
ومثله قوله فيه:
وجاءني في قميص الليل مستترًا ... يستعجل الخطر من خوف ومن حذر
ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا ... مثل القلامة قد قدت من الظفر٢
هذا التشبيه، ذكروا أنه من مخترعات ابن المعتز: ولكن زاده القاضي الفاضل بهجة، ونقله من الأعلى إلى الأدنى، فإنّ رتبة الهلال وعلوها في التشبيه على قلامة الظفر ما برحت مقررة في الخواطر، إلى أن نقلها القاضي الفاضل، بطريق بديعية اقتضتها الحال، وهي قوله مبالغًا في وصف قلعة نجم بالعلو:
وأما قلعة نجم، فهي نجم في سحاب، وعقاب في عقاب، وهامة لها الغمامة عمامة، وأنملة إذا خضبها الأصيل، كان الهلال لها قلامة. فخضاب الأصيل لهذه الأنملة، حسن أن يكون الهلال لها قلامة، وهذي غاية فاضلية، لا تدرك، وقد وصلوا في تشبيه الهلال إلى السبعين، ولكن ما أوردت هنا إلا أبلغ ما وقع في تشبيهه. وبيعجبني من التشابيه البليغة، في هذا الباب، قول ابن طباطبا:
أما والثريا والهلال جلتهما ... لي الشمس إذ ودعت كرهًا نهارها
كأسماء إذ زارت عشاء وغادرت ... دلالًا لدينا قرطها وسوارها٣
ومثله في الحسن والغرابة، قول أبي نواس:
ويمين الجوزاء تبسيط باعًا ... لعناق الدجى بغير بنان
وكأن النجوم أحداق روم ... ركبت في محاجر السودان
ومثله قول القائل:
كأن نجوم الليل مزهرة لنا ... ثغور بني حام بدت للتثاؤب
стр. 388
ويعجبني، من التشابيه الغريبة، قول ابن نباتة السعدي، في جواد أدهم أغير محجل:
تختال منه على أغر محجل ... ماء الدياجي قطرة من مائه
وكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتص منه فخاض في أحشائه
ومن التشابيه اللطيفة البديعية، قول القاضي التنوخي من قصيدة:
وراح من الشمس مخلوقة ... بدت لك في قدح من نضار
كأن المدير لها باليمين ... إذا مال للشرب أو باليسار
تدرع ثوبًا من الياسمين ... له فرد كم من الجلنار١
ومثله في اللطف والغرابة قول القائل:
كم وردة تحكي بسبق الورد ... طليعة تسرعت من جند
قد ضمها في الغصن قرص البرد ... ضم فم لقبلة من بُعد
ودخل مجير الدين بن تميم إلى حديقة هذه الوردة، فزاد بعدها تقريبًا بقوله:
سبقت إليك من الحدائق وردة ... وأتتك قبل أونها تطفيلا٢
طمعت بلثمك إذ رأتك فجمعت ... فمها إليك كطالب تقبيلا
وظرف من قال في الوردة:
كأنها وجنة الحبيب وقد ... نقطها عاشق بدينار
ومثله، في الظرف قول أيدمر المحيوي في النرجس:
وكأن نرجسه المضاعف خائض ... في الماء لف ثيابه في رأسه
ويعجبني في تشبيه النرجس، قول شهاب الدين أحمد القماح، راجح رجاح الديار المصرية، في فن الزجل في بعض أزجاله
وفي الأزاهير قم ترى شيء تذهب ... وشي تصببوا قد زها وتفضض
النرجس أحداقوا الشهل نعسانه ... إلا أنها من الندى ليس تغمض
وحين فتح عينو في وجهي ... شبهت اصفر ولما بدا في الأبيض
стр. 389
ما زعفران على نصافي مطبوع ... وإلا فصوص كهرب في بلار يوجد
وإلا تخل شمسات لجين مبرودات ... قد سمروا فيها مسامير عسجد
وتلطف ابن المعتز في تشبيه حباب الراح بقوله:
يجول حباب الماء في جنباتها ... كما جال دمع فوق خد مورد١
ومثله في اللطف قول ديك الجن الحمصي:
موردة في كف ظبي كأنما ... تناولها من خده فأدارها
ومن المستغرب، في وصف البنفسج، ما نسب إلى ابن المعتز وهو:
ولازوردية أوفت برزقتها ... بين الرياض على زرق اليواقيت٢
كأنها فوق طاقات نهضن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت
أوردوا على هذا التشبيه نقدًا، ولكن ما يحمل البنفسج هنا نقله، ومن التشابيه الغريبة، قول بعضهم: في تشبيه النار:
انظر إلى النار وهي مضرمة ... وجمرها بالرماد مستور
شبه دم من فواخت ذبحت ... وفوقه ريشهن منشور٣
ومثله، في الغرابة والحسن، قول ابن الخلال في تشبيه الشمعة:
وصحيحة بيضاء تطلع في الدجى ... صبحًا وتشفي الناظرين بدائها
شابت ذوائبها أوان شبابها ... واسود مفرقها أوان فنائها
كالعين في طبقاتها ودموعها ... وسوادها وبياضها وضيائها
أقول: إنها أنور من شمعة الأرجاني، وإن مشى غالب الناس على ضوئها، ومن التشابيه الغريبة المنسوبة إلى ابن المعتز، أو ابن الرومي، تشبيه أرباع الجوز الأخضر، وهو:
جاءت بجوز أخضر مكسر مقشر ... كأنما أرباعه مضغة علك كندر٤
стр. 390
ومن التشابيه العقم التي لم يسبق صاحبها إليها، قول القائل في أحدب:
قصرت أخادعه وغاب قذاله ... فكأنه مترقب أن يصفعا
وكأنه قد ذاق أول صفعة ... وأحس ثانية لها فتجمعا١
ومما ينسب إلى إمام هذه الصناعة، القاضي الفاضل، قوله في نفسه، وهو في غاية الظرف:
ما كان يكمل حر ذا ... الإيوان حتى ازداد قبه٢
فكأنني فيه خرو ... ف شوى ومن فوقي مكبه٣
ويعجبني من التشابيه البليغة قول القائل:
أأميم لو شاهدت يوم نزالنا ... والخيل تحت النقع كالأشباح٤
تطفو وترسب في الدماء كأنها ... صور الفوارس في كئوس الراح
ومثله في الحسن قول الناشئ:
في كأسها صور تظن لحسنها ... عربًا برزن من الحجال وغيدا
وإذا المزاج أثارها فتقسمت ... ذهبًا ودرًا توأمًا وفريدا
فكأنهن لبسن ذاك مجاسدًا ... وجعلن ذا لنحورهن عقودا٥
هذا المعنى ولده الناشئ، من قول أبي نواس في التصوير:
بنينا على كسرى سماء مدامة ... مكللة حافاتها بنجوم
فلو رد في كسرى بن ساسان روحه ... إذًا لاصطفاني دون كل نديم