← Адаб

Адаб · id 8675

خزانة الأدب وغاية الأرب لابن حجة الحموي

الحموي، ابن حجة

Полный текст (986 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

انظر أيها المتأمل، إلى هذه التشابيه التي يرشفها السمع مدامًا، وتهيم الأذواق السليمة في محاسنها غرامًا، ومن ذلك قول ابن حاجب النعمان: ثغر وخد ونهد واحمرار يد ... كالطلع والورد والرمان والبلح١ ومثله قول ابن رشيق: بفرع ووجه وقد وردف ... كليل وبدر وغصن وحقف٢ المراد هنا من حسن التشبيه وبليغه غير كثرة العدد في الصفات، فإن قاضي القضاة نجم الدين بن البارزي، نور الله ضريحه، وصل فيه من العدد إلى سبعة، وأوردت ذلك في باب اللف والنشر، وأوصله الناس إلى أكثر من ذلك، ولكن جل القصد هنا غير كثرة العدد فإن المراد من التشبيه، غرابة أسلوبه وسلامة اختراعه، كقول القائل: وتحدث الماء الزلال مع الحصى ... فجرى النسيم عليه يسمع ما جرى فكأن فوق الماء وشيًا ظاهرًا ... وكأن تحت الماء درًا مضمرًا٣ أقول: إن تشبيه هذا الدر المضمر هنا، أغلى قيمة من الدر الظاهر في عقود الأجياد، ومثله في الغرابة وسلامة الاختراع، قول ابن المعتز: كأنه وكأن الكأس في فمه ... هلال أول شهر غاب في الشفق ومن ذلك قوله: على عقار صفراء تحسبها ... شيبت بمسك في الدن مفتوت٤ للماء فيها كتابة عجب ... كمثل نقش في فص ياقوت٥ ومثله قول ابن حجاج، وهو بديع: هذي المجرة والنجوم كأنها ... نهر تدفق في حديقة نرجس ومن مخترعات ابن المعتز في تشبيه الهلال، قوله: انظر إلى حسن هلال بدا ... يهتك من أنواره الحندسا٦ كمنجل قد صيغ من عسجد ... يحصد من زهر الدجى نرجسا

стр. 387

ومن مخترعاته أيضًا في الهلال: قد انقضت دولة الصيام وقد ... بشر سقم الهلال بالعيد يتلو الثريا كفاغر شره ... يفتح فاه لأكل عنقود١ ومثله قوله فيه: وجاءني في قميص الليل مستترًا ... يستعجل الخطر من خوف ومن حذر ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا ... مثل القلامة قد قدت من الظفر٢ هذا التشبيه، ذكروا أنه من مخترعات ابن المعتز: ولكن زاده القاضي الفاضل بهجة، ونقله من الأعلى إلى الأدنى، فإنّ رتبة الهلال وعلوها في التشبيه على قلامة الظفر ما برحت مقررة في الخواطر، إلى أن نقلها القاضي الفاضل، بطريق بديعية اقتضتها الحال، وهي قوله مبالغًا في وصف قلعة نجم بالعلو: وأما قلعة نجم، فهي نجم في سحاب، وعقاب في عقاب، وهامة لها الغمامة عمامة، وأنملة إذا خضبها الأصيل، كان الهلال لها قلامة. فخضاب الأصيل لهذه الأنملة، حسن أن يكون الهلال لها قلامة، وهذي غاية فاضلية، لا تدرك، وقد وصلوا في تشبيه الهلال إلى السبعين، ولكن ما أوردت هنا إلا أبلغ ما وقع في تشبيهه. وبيعجبني من التشابيه البليغة، في هذا الباب، قول ابن طباطبا: أما والثريا والهلال جلتهما ... لي الشمس إذ ودعت كرهًا نهارها كأسماء إذ زارت عشاء وغادرت ... دلالًا لدينا قرطها وسوارها٣ ومثله في الحسن والغرابة، قول أبي نواس: ويمين الجوزاء تبسيط باعًا ... لعناق الدجى بغير بنان وكأن النجوم أحداق روم ... ركبت في محاجر السودان ومثله قول القائل: كأن نجوم الليل مزهرة لنا ... ثغور بني حام بدت للتثاؤب

стр. 388

ويعجبني، من التشابيه الغريبة، قول ابن نباتة السعدي، في جواد أدهم أغير محجل: تختال منه على أغر محجل ... ماء الدياجي قطرة من مائه وكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتص منه فخاض في أحشائه ومن التشابيه اللطيفة البديعية، قول القاضي التنوخي من قصيدة: وراح من الشمس مخلوقة ... بدت لك في قدح من نضار كأن المدير لها باليمين ... إذا مال للشرب أو باليسار تدرع ثوبًا من الياسمين ... له فرد كم من الجلنار١ ومثله في اللطف والغرابة قول القائل: كم وردة تحكي بسبق الورد ... طليعة تسرعت من جند قد ضمها في الغصن قرص البرد ... ضم فم لقبلة من بُعد ودخل مجير الدين بن تميم إلى حديقة هذه الوردة، فزاد بعدها تقريبًا بقوله: سبقت إليك من الحدائق وردة ... وأتتك قبل أونها تطفيلا٢ طمعت بلثمك إذ رأتك فجمعت ... فمها إليك كطالب تقبيلا وظرف من قال في الوردة: كأنها وجنة الحبيب وقد ... نقطها عاشق بدينار ومثله، في الظرف قول أيدمر المحيوي في النرجس: وكأن نرجسه المضاعف خائض ... في الماء لف ثيابه في رأسه ويعجبني في تشبيه النرجس، قول شهاب الدين أحمد القماح، راجح رجاح الديار المصرية، في فن الزجل في بعض أزجاله وفي الأزاهير قم ترى شيء تذهب ... وشي تصببوا قد زها وتفضض النرجس أحداقوا الشهل نعسانه ... إلا أنها من الندى ليس تغمض وحين فتح عينو في وجهي ... شبهت اصفر ولما بدا في الأبيض

стр. 389

ما زعفران على نصافي مطبوع ... وإلا فصوص كهرب في بلار يوجد وإلا تخل شمسات لجين مبرودات ... قد سمروا فيها مسامير عسجد وتلطف ابن المعتز في تشبيه حباب الراح بقوله: يجول حباب الماء في جنباتها ... كما جال دمع فوق خد مورد١ ومثله في اللطف قول ديك الجن الحمصي: موردة في كف ظبي كأنما ... تناولها من خده فأدارها ومن المستغرب، في وصف البنفسج، ما نسب إلى ابن المعتز وهو: ولازوردية أوفت برزقتها ... بين الرياض على زرق اليواقيت٢ كأنها فوق طاقات نهضن بها ... أوائل النار في أطراف كبريت أوردوا على هذا التشبيه نقدًا، ولكن ما يحمل البنفسج هنا نقله، ومن التشابيه الغريبة، قول بعضهم: في تشبيه النار: انظر إلى النار وهي مضرمة ... وجمرها بالرماد مستور شبه دم من فواخت ذبحت ... وفوقه ريشهن منشور٣ ومثله، في الغرابة والحسن، قول ابن الخلال في تشبيه الشمعة: وصحيحة بيضاء تطلع في الدجى ... صبحًا وتشفي الناظرين بدائها شابت ذوائبها أوان شبابها ... واسود مفرقها أوان فنائها كالعين في طبقاتها ودموعها ... وسوادها وبياضها وضيائها أقول: إنها أنور من شمعة الأرجاني، وإن مشى غالب الناس على ضوئها، ومن التشابيه الغريبة المنسوبة إلى ابن المعتز، أو ابن الرومي، تشبيه أرباع الجوز الأخضر، وهو: جاءت بجوز أخضر مكسر مقشر ... كأنما أرباعه مضغة علك كندر٤

стр. 390

ومن التشابيه العقم التي لم يسبق صاحبها إليها، قول القائل في أحدب: قصرت أخادعه وغاب قذاله ... فكأنه مترقب أن يصفعا وكأنه قد ذاق أول صفعة ... وأحس ثانية لها فتجمعا١ ومما ينسب إلى إمام هذه الصناعة، القاضي الفاضل، قوله في نفسه، وهو في غاية الظرف: ما كان يكمل حر ذا ... الإيوان حتى ازداد قبه٢ فكأنني فيه خرو ... ف شوى ومن فوقي مكبه٣ ويعجبني من التشابيه البليغة قول القائل: أأميم لو شاهدت يوم نزالنا ... والخيل تحت النقع كالأشباح٤ تطفو وترسب في الدماء كأنها ... صور الفوارس في كئوس الراح ومثله في الحسن قول الناشئ: في كأسها صور تظن لحسنها ... عربًا برزن من الحجال وغيدا وإذا المزاج أثارها فتقسمت ... ذهبًا ودرًا توأمًا وفريدا فكأنهن لبسن ذاك مجاسدًا ... وجعلن ذا لنحورهن عقودا٥ هذا المعنى ولده الناشئ، من قول أبي نواس في التصوير: بنينا على كسرى سماء مدامة ... مكللة حافاتها بنجوم فلو رد في كسرى بن ساسان روحه ... إذًا لاصطفاني دون كل نديم

стр. 391

وألم به ابن قلاقس، فيما بعد، وسبكه في قالب حسن بقوله: دارت زجاجتها وفي جنباتها ... كسرى أنو شروان في إيوانه فخلعت عن عطفيه حلة قهوة ... وشربتها فغدوة في سلطانه١ وألم به الشيخ صلاح الدين الصفدي وأجاد إلى الغاية، مع حسن التضمين، بقوله: ومشمولة قد هام كسرى بكأسها ... فأضحى ينادي وهو فيها مصور وقفت لشوقي من وراء زجاجة ... إلى الدار من فرط الصبابة أنظر٢ وألم به بعده الصاحب فخر الدين بن مكانس، رحمه الله تعالى، بقوله: إذا ما أديرت في حشا عسجدية ... بها كل ذي تاج وقصر تصوّرا٣ فحسبك نبلًا في السيادة أن ترى ... نديميك في الكاسات كسرى وقيصرا لم أورد هذه الأبيات التي ولدها المتأخرون في معنى التصوير، خالية من التشبيه وأداته إلا لفائدة عنَّ لي إيرادها هنا، وهي معرفة الموجب لنقش الصورة على ظاهر الكاسات. ذكر الفقيه أبو مروان الكاتب ابن بدرون، في شرحه لقصيدة الوزير عبد المجيد بن عبدون، أن سابور بن هرمز الملقب بذي الأكتاف، لما رجع من قتال بني تميم قصد الروم والدخول إلى القسطنطينية متنكرًا، واستشار قومه قبل ذلك فحذروه فلم يقبل قولهم وصار إليها فصادف وليمة لقيصر قد اجتمع فيها الخاص والعام فدخل في جمتلهم وجلس على بعض موائدهم، وكان قيصر قد أحكم تصوير سابور على آنية شرابه فانتهت الكأس في المجلس إلى يد بعض ندماء الملك وكان ذكيًّا حاذقًا، ومن الاتفاق العجيب جلوس سابور في مقابلته فصار النديم ينظر إلى الصورة وإلى سابور ويتعجب من تقارب الشبهين، فلم يسعه غير القيام إلى الملك والإسرار إليه بما شاهده، فقبض في الحال على سابور, ولما مثل بين يدي قيصر سأله عن خبره فقال: أنا من أساورة سابور هربت منه لأمر خفته. فلم يقبل ذلك منه وقدم إلى السيف فأقر بنفسه وجعل في جلد بقرة. وتمام أمره إلى أن خلص وعاد إلى مكله يطول شرحه هنا، ومن أراد أن ينظر من "سلوان المطاع" في السلوانة الثانية فإنها مشتملة على أنواع من الحكمة.

стр. 392

رجع إلى فتح باب ما كنا فيه، من تشبيه المحسوس بالمحسوس، فمن التشابيه الملوكية التي لا يقع مثلها للسوقة، تشبيه سيف الدولة بن حمدان في قوس قزح وهو: وساق صبيح للصبوح دعوته ... فقام وفي أجفانه سنة الغمض يطوف بكاسات العقار كأنجم ... فمن بين منفض لدينا ومنقض وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفًا ... على الجود كنا والحواشي على الأرض١ يطرزها قوس السحاب بأصفر ... على أحمر في أخضر أثر مبيض كأذيال خود أقبلت في غلائل ... مصبغة والبعض أقصر من بعض٢ ومن تشابيه سيف الدولة الغريبة أيضًا قوله: أقبله على جزع ... كشرب الطائر الفزع ومن التشابيه اللطيفة ما نسب إلى إبليس، فإن القاضي شمس الدين بن خلكان ذكر في تاريخه، عند ترجمة ابن دريد، أنه قال: سهرت ذات ليلة، فلما كان آخر الليل، غمضت عيني فرأيت رجلًا طويلًا أصفر اللون كوسجًا٣ دخل عليَّ وأخذ بعضادتي٤ الباب، فقال: أنشدني أحسن ما قلت في الخمر. فقلت: ما ترك أبو نواس لأحد دخولًا في هذا الباب. فقال: أنا أشعر منه. فقلت: ومن أنت؟ قال: أنا أبو ناجية٥ من أهل الشام، وأنشدني: وحمراء قبل المزج صفراء بعده ... أتت بين ثوبي نرجس وشقائق حكت وجنة المعشوق صرفًا فسلطوا ... عليها مزاجًا فاكتست لون عاشق ومن بليغ التشبيهات وبديعها، قول أبي محمد عبد الله بن قاضي ميلة، في قصيدته الفائية التي امتدح بها ثقة الدولة القضاعي، صاحب صقلية الروم، وسارت له به الركبان، وأثبتها القاضي شمس الدين بن خلكان بكمالها في تاريخه، وقد تقدم ذكر مطلعها في حسن الابتداء، والتشبيه الموعود بإيراده هنا قوله من القصيدة المذكورة:

стр. 393

وجؤجؤ مزن الرعد يستل ودقه ... ترى برقه كالحية الصل يطرف١ ذكرت بها ريا وما كنت ناسيًا ... فأذكر لكن لوعة تتضعف كأني إذا ما لاح والرعد معول ... وجفن السحاب الجون بالماء يذرف٢ سليم وصوت الرعد راق وودقه ... كنفث الرقى من عظم ما أتلهف ومن لطائف التشبيهات البليغة قول القاضي الفاضل، من قصيدة: كأن ضلوعي والزفير وأدمعي ... طلول وريح عاصف وسيول٣ ومثله في اللطف قوله: لو لم يعطل خاطري من سلوة ... وما كان خدي بالمدامع حالي٤ أودعته قلبي فخان وديعتي ... فسواده في خده كالخال ومن التشابيه الغريبة البديعة، قوله أيضًا، من قصيدة أخرى: وقد تهادت سيوف الهند إذ خضبت ... كالشرب حين تهادى بالزجاجات٥ ويعجبني، من لطائف التشبيه، قول محي الدين بن قرناص الحموي: من لقلبي من جور ظبي هواه ... لي شغل عن حاجر والقويق٦ خصره تحت أحمر البند يحكي ... خنصرًا فيه خاتم من عقيق ومن التشابيه البديعة قول مجير الدين بن تميم: ونهر إذا ما الشمس حان غروبها ... ولاحت عليه في غلائلها الصفر رأينا الذي أبقت به من شعاعها ... كأنا أرقنا فيه كأسًا من الخمر ومثله قوله: وناعورة قد ألبست لحيائها ... من الشمس ثوبًا فوق أثوابها الخضر كطاووس بستان تدور وتنجلي ... وتنفض عن أرياشها بلل القطر

стр. 394

ومن التشابيه البليغة الرافلة في حلل التورية، قوله أيضًا: أبدى السنان جراحة في خده ... تحت العذار فعال قلب قاسي وتطلبوا الآسي فما ظفروا به ... معهم وعز وجوده في الناس شبهت سوسنة أبانت وردة ... تحت البنفسج ما لها من آس ومثله قوله: لو كنت حين علوت ظهر مطية ... لم يعتلقها للمطي عيون وتوسطت بحر السراب حسبتني ... من فوقها ألفًا وتحتي نون ومثله قوله: شبهت خدك يا حبيبي عندما ... أبدى الجمال به عذارًا أشقرا تفاحة حمراء قد كتبوا بها ... خطًّا رقيقًا بالنضار مشعرا١ ويعجبني قوله، مع التشبيه البليغ وحسن التضمين الذي ما تضمن مثله ديوان: غدير دار نرجسه عليه ... ورق نسيمه وصفا وراقا تراه إذا حللت به لورد ... كأن عليه من حدق نطاقا٢ ويعجبني، من لطائف التشبيه، تخيل محي الدين بن قرناص الحموي بقوله: لقد عقد الربيع نطاق زهر ... يضم لغصنه خصرًا نحيلًا ودب مع العشي عذار طل ... على نهر حكى خدًّا أسيلا٣ تشبيه النهر هنا بالخد الأسيل ليس له في الحسن مثيل. ومثله قوله: لما تبدى النهر عند عشية ... والروض يخضع للصبا والشمأل٤ عاينته مثل الحسام وظله ... يحكي الصدا والريح مثل الصيقل٥ ومن التشابيه البليغة، التي جمعت بحسن التورية بين الصورة والمعنى وشبب

стр. 395

بمحاسنها الرواة في كل معنى، قول الشيخ جمال الدين بن نباتة، في وصف قوس البندق بعد تغزله في الرامي: قد حمد القوم به عقبى السفر ... عند اقتران القوس منه بالقمر لولا حذار القوس من يديه ... لغنت الورق على عطفيه١ في كفه محنية الأوصال ... قاطعة الأعمار كالهلال٢ ثم قال منها، وهي الطردية الموسومة بنظم السلوك في مصائد الملوك، ولم يخرج عن تشبيه القوس مع اشتراك التورية: كأنها حول المياه نون ... أو حاجب بما نشا مقرون ويعجبني منها قوله، في وصف التم مع خمس التضمين: تخاله من تحت عنق قد سجا ... طرة صبح تحت أذيال الدجا٣ ومنها يشبه الطيور الواقعة على قسي الرماة: كأنها وهي لدينا وقع ... لدى محاريب القسي ركع٤ ومن التشابيه الغريبة التي لم يسبق الشيخ جمال الدين بن نباتة إليها قوله: أشكو السقام وتشكو مثله امرأتي ... فنحن في الفرش والأعضاء ترتج٥ نفسان والعظم في نطع يجمعنا ... كأنما نحن في التمثيل شطرنج٦ ومثله في الغرابة، قوله من قصيدته اللامية التي عارض بها كعب بن زهير، في مديح النبي ﷺ مع التضمين الفائق: ما يمسك الهدب دمعي حين أذكركم ... إلا كما يمسك الماء الغرابيل ومن لطائف التشبيهات، قول بدر الدين بن حسن الزغاري، في وصف زهر الزنبق: وزهرة من زنبق ... أنوارها وهاجه صفراء في مبيضة ... كالراح في الزجاجة

стр. 396

ويعجبني من التشبيه البديع، قول الشيخ عز الدين الموصلي مع حسن التضمين: وسامري أعار البدر منه سنا ... سموه نجمًا وهذا النجم عرار١ تهتز قامته من تحت عمته ... كأنه علم في رأسه نار وأما التشبيه الذي ولده الشيخ برهان الدين القيراطي، فإنه من غايات هذا الباب، وهو قوله من قصيدة: والبدر يستر بالغيوم وينجلي ... كتنفس الحسناء في مرآتها وقال أبو حفص برد: والبدر كالمرآة غير صقلها ... عبث الغواني فيه بالأنفاس والمضمن الربع الأخير من البيت، وهو من شعر أبي بكر محمد بن هاشم. ومن لطيف التشبيه قول علاء الدين، علي بن أيبك الدمشقي: منمنم العارض غنى لنا ... أشياء في السمع حلا ذوقها٢ كأنما في فيه قمرية ... تشدو ومن عارضه طوقها٣ ومن التشابيه البديعية التي لم تدرك في هذا الباب، تشابيه الصاحب فخر الدين بن مكانس، في قصيدته المشهورة المشتملة على وصف شجر السرح: مالت على النهر إذ جاش الخرير به ... كأنها أذن مالت لإصغاء كأن صمغتها الحمرا بقشرتها الدكـ ... ـناء قرص على أعكان سمراء٤ ومنها في وصف سواد السفينة على بحر النيل: تسعى إليها على جرداء جارية ... من آلة كهلال الأفق حدباء سوداء تحكي على الماء المصندل شا ... مة على شفة كالشهد لعساء٥ وتظرف الشيخ عز الدين الموصلي بقوله، في هذا النوع وإن لم يأت ببليغ التشبيه:

стр. 397

قيل صف هذا الذي همت به ... قلت في وصفي مع حسن المسالك هو كالغصن وكالظبي وكالشمـ ... ـس وكالبدر وما أشبه ذلك لطف التشبيه في قوله: وما أشبه ذلك. ومن التشابيه التي لم أسبق إليها قولي من قصيدة: حين قابلت خده بدموع ... أثرت خلت ثوب خز مختم ومثله قولي من قصيدة: والغصن يحكي النون في ميلانه ... وخياله في الماء كالتنوين ومثله قولي من المدائح المؤيدية: يا حامي الحرمين والأقصى ومن ... لولاه لم يسمر بمكة سامر والله إن الله نحوك ناظر ... هذا وما في العالمين مناظر١ فرج على الملحون نظم عسكرا ... وأطاعه في النظم بحر وافر فأنبتّ منه زحافه في وقفه ... يا من بأحوال الوقائع شاعر٢ وجميع هاتيك البغاة بأسرهم ... دارت عليهم من سطاك دوائر وعلى ظهور الخيل ماتوا خيفة ... فكأن هاتيك السروج مقابر تالله لقد وقع هذا التشبيه من مولانا السلطان، خلد الله ملكه بموقع، وأعجبه غاية الإعجاب، واستعاده منه مرارًا٣. ومن التشابيه العقم قولي في وصف حمائم البطائق٤، من الرسالة التي عارضت بها الفاضل: كم زاحمت النجوم بالمناكب حتى ظفرت بكف خضيب، وانحدرت كأنها دمعة سقطت على خد الشفيق لأمر مريب، وكم لمع في أصيل الشمس خصاب كفها الوضاح، فصارت بسموها وفرط البهجة كمشكاة فيها مصباح. انتهى ما أوردته، نظمًا ونثرًا، من بليغ التشبيه في باب المحسوس بالمحسوس.

стр. 398

وقد تعين أن أورد هنا ما وقع، في النظم، من التشبيه الذي هو غير بليغ، لينفتح هن الطالب وتصفو مرآة ذوقه، فقد عاب الأصمعي بين يدي الرشيد قول النابعة: نظرت إليك بحاجة لم تقضها ... نظر المريض إلى وجوه العوّد فقال: يكره تشبيه المحبوب بالمريض، ومثله قول أبي محجن الثقفي في وصف قينة: ترجع العود أحيانًا وتخفضه ... كما يطير ذباب الروضة الغرد قد تقدم القول، وتقرر أن المولدين ومن تبعهم رغبوا عن تشابيه العرب، لأنها مع عقادة التركيب لم تسفر عن كبير أمر. وقال ابن رشيق، في العمدة: إن طريق العرب خولفت في كثير من الشعر إلى ما هو أليق بالوقت وأمس بأهله، فإن القينة الجميلة لم ترض أن تشبه نفسها بالذباب، كما قال أبو محجن. ومثل ذلك قول ابن عون الكاتب: يلاعبها كف المزاج محبة ... لها وليجري الآن بينهما الأنس فتزبد من تيه عليه كأنها ... عزيزة خدر قد تخبطها المس١ بشاعة هذا التشبيه تمجها الأذواق الصحيحة، وتنفر منها الطباع السليمة، فإن أهل الذوق ما يطيب لهم أن يشربوا شيئًا يشبه زبد المصروع. ومن التشابيه الغريبة، التي جمعت بين عدم البلاغة وعقادة التركيب، قول الشاعر: فأصبحت بعد خط بهجتها ... كأن قفرًا رسومها قلما التقدير فأصبحت بعد بهجتها قفرًا كان قلما خط رسومها. وعدوا من التشابيه التي هي غير بليغة، قول الشاعر في وصف الروض: كأن شقائق النعمان فيه ... ثياب قد روين من الدماء فهذا وإن كان تشبيهًا مضيئًا فإن فيه بشاعة كثرة الدماء، التي تعاف الأنفس اللطيفة رؤيتها، وثبوت هذا النقد اتصل بالمتأخرين، ونقدوه على الحاجري في قوله: وما اخضر ذاك الخد نبتًا وإنما ... لكثرة ما شقت عليه المرائر٢

стр. 399

وقالوا ما زاد الحاجري على أن جعل خد محبوبه مسلخًا. فالتشبيه أيضًا، وإن كان مضيئًا، فإن فيه بشاعة شق المرائر على خد المحبوب. وبعضهم ما اكتفى بشق المرائر على خد محبوبه حتى سفك عليه الدماء بقوله: وما أحمر ذاك الخد واخضر فوقه ... عذارك إلا من دم ومرائر ومثل ذلك ما عابوه على ابن قلاقس في قوله: ما ترى الصبح يخفى في دجنته ... كأنما هو سقط بين أحشائي لا شك أن بهجة الصبح في أواخر الليل أبهج من السقط بين الأحشاء، والمشبه أعلى وأغلى من المشبه به، وعلى كل تقدير فالسقط بين الأحشاء، وسفك الدماء، وشق المرائر على خدود الأحباب تنفر منها الأمزجة اللطيفة، اللهم إلا أن يكون ذلك ليس له تعلق بشيء من أوصاف المحبوب، بل يكون تعلقه بحكاية حال واقعة، كقول الشاعر: نزلنا بنعمان الأراك وللندى ... سقيط به ابتلت علينا المطارف١ وقفت بها والدمع أكثره دم ... كأني من جفني بنعمان راعف٢ هذه الحالة لا ينكر لها جريان الدمع دمًا فإنها حالة لائقة بجريانه على هذه الصفة، لأن هذا الشاعر لما أن نزل بنعمان التي هي منازل أحبابه ووجدها مقفرة منه، لاق بحاله أن يجري الدمع لشدة الأسف دمًا. ومثله قول ابن قاضي ميلة، من قصيدته التي تقدم ذكرها: ولما التقينا محرمين وسيرنا ... بلبيك ربًا والركائب تعسف٣ نظرت إليها والمطي كأنما ... غواربها منها معاطس رعف٤ هذا التشبيه غاية في هذا الباب، وجريان الدماء من غوارب المطي لائق بحكاية حاله، فإن هذه الحالة فيها لطف الكنايات عن التعسف في شدة السرى. قلت: وإن سبكت هذه الحالة في قوالب الهجو، ورضعها الشاعر في صفات من هجاه، كانت أحسن موقعًا وأبلغ موضعًا، كقول مولانا المقر الشرف القاضوي الناصري

стр. 400

البارزي، صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية، عظم الله تعالى شأنه، في هجو من لا يمكن ذكره هنا من قصيدة: وقد علت أسنانه صفرة ... تكدر العيش المريء المريع١ ولحمها من ورم فاسد ... كالرئة المحبوس فيها نجيع٢ هذا التشبيه لم أجد له شبيهًا في هذا الباب، إلا تشبيه ابن الرومي في هجو الورد، وقد تقدم ذكره فلو جمع المتأمل بين المشبه المهجو وبين المشبه به، وشاهد هذا التخييل الغريب عيانًا صدق صحة دعواي في ذلك. ومن التشابيه التي هي غير بليغة قول ابن وزير، في تشبيه الماء على الرخام: لله يوم بحمام نعمت به ... والماء من حوضه ما بيننا جاري كأنه فوق شقات الرخام ضحى ... ماء يسيل على أثواب قصار٣ وتلطف ابن الدوري في هجاء هذا الشاعر حيث قال: وشاعر أوقد الطبع الذكاء له ... فكاد يحرقه من فرط إذكاء٤ أقام يجهد أيامًا قريحته ... وشبه الماء بعد الجهد بالماء ذكرت هنا، من التشابيه التي هي غير بليغة، قول الشيخ صلاح الدين الصفدي في تشبيه القمر في خلال الأغصان لما انثنت: كأنما الأغصان لما انثنت ... أمام بدر التم في غيهبه٥ بنت مليك خلف شباكها ... تفرجت منه على موكبه وقد أورد عليه علامة عصرنا القاضي بدر الدين الدماميني، فسح الله تعالى في أجله، في كتابه المسمى "بنزول الغيث" الذي انسجم في شرح لامية العجم، نقدًا كشف به القناع عن عدم بلاغة هذا التبشيه. فإن الشيخ بدر الدين المشار إليه قال وقوله صحيح: إن ظاهر عبارة الشيخ صلاح الدين، تشبيه الأغصان في حالة انثنائها أمام البدر

стр. 401

في الدجى، ببنت مليك تطل من شباكها للنظر في موكب أبيها. وذلك عن مظان التشبيه بمعزل. ومقصوده أن البدر في حالة ظهوره من خلال الأغصان المتثنية على الصفة المذكورة، يشبه بنت مليك على تلك الحالة، تمثيلًا للهيئة الاجتماعية، لكن اللفظ لا يساعده على ذلك المطلوب، فإنه جعل الأغصان مبتدأ وأخبر عنه بقوله بنت مليك فلم يتم له المراد. على أن مقطوع الشيخ صلاح الدين، مع ما فيه من عدم بلاغة التشبيه، مأخوذ من قول محي الدين بن قرناص الحموي: وحديقة غناء ينتظم الندى ... بفروعها كالدر في الأسلاك والبدر يشرق من خلال غصونها ... مثل المليح يطل من شباك قلت ليس لأهل النقد مدخل في هذا الشباك، انتهى ما أوردته هنا من التشبيه الذي هو غير بليغ في باب المحسوس بالمحسوس، وقد تقدم القول على موجب تقديمه في باب التشبيه، وتقرر أن مدركات السمع والبصر والذوق والشم واللمس التي هي الحواس الخمس، أوضح في الجملة مما لا تقع عليه الحواس. انتهى. القسم الثاني وهو تشبيه المعقول بالمعقول: أقول إن هذا النوع في هذا الباب ليس له مواقع المحسوسات، وقد تكرر قولي في ذلك. وأحسن ما وجدت فيه، أعني تشبيه المعقول بالمعقول، قول أبي الطيب المتنبي: كأن الهم مشغوف بقلبي ... فساعة هجرها يجد الوصالا وظريف هنا قول القائل، من أبيات، مع بديع الاستطراد: لقظ طويل تحت معنى قاصر ... كالعقل في عبد اللطيف الناظر القسم الثالث تشبيه المعقول بالمحسوس: وهو إخراج ما لا تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه الحاسة، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ ١ فتشبيه أعمال الكفار بالسراب، من أبلغ التشابيه وأبدعها. ومثله قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ ٢. ومن النظم قول أبي علي ابن سينا: إنما النفس كالزجاجة والعلـ ... ـم سراج وحكمة الله زيت

стр. 402

ويعجبني في هذا الباب أعني تشبيه المعقول بالمحسوس، قول ابن منير الطرابلسي: زعم كمنبلج الصباح وراءه ... عزم كحد السيف صادق مقتلا القسم الرابع تشبيه المحسوس بالمعقول: قد تقدم أن هذا القسم عند أهل المعاني والبيان غير جائز، وما ذاك إلا أن العلوم العقلية مستفادة من الحواس ومنتهية إليها، ولذلك قيل من فقد حسًا فقد علمًا. ووجه الصواب في تشبيه المحسوس بالمعقول، أن يقدر البليع المعقول محسوسًا ويجعل أصل المحسوس على طريق المبالغة فرعًا، فيصبح التشبيه حينئذ، كقول الشاعر: وكأن النجوم بين دجاها ... سنن لاح بينهن ابتداع فإنه لما شاع وصف السنة بالبياض والإشراف، لقول النبي ﷺ : "أتيتكم بالحنيفية البيضاء، ليها كنهارها" واشتهرت البدعة، وكل ما ليس بحق بالظلمة والسواد، كقولهم: ليل الشرك، أقام هذا الشاعر السنن مقام الأجناس التي لها إشراق وبياض، والبدع مقام أجناس السواد والظلمة، فصار ذلك عنده كتشبيه محسوس بمحسوس، فجاز له التشبيه على هذا التقدير، كقول أبي طالب الرقي: ولقد ذكرتك والظلام كأنه ... يوم النوى وفؤاد من لم يعشق فإنه لما كانت الأوقات التي تحدث فيها المكاره توصف بالسواد، كقول من يغتاله مكروه: اسودت الدنيا في عيني، جعل هذا الشاعر يوم النوى أشهر بالسواد من الظلام، فشبهه وعرف به ثم عطف عليه بفؤاد من لم يشعق تظرفًا، لأن ظرف العشاق يدعي قسوة قلب من لم يعشق، والقلب القاسي يوصف بشدة السواد، فصار هذا القلب عنده أصلًا في السواد على هذا التقدير، فقس على ذلك. ومثله قول القائل: أسفر ضوء الصبح من وجهه ... فقام خال الخد فيه بلال١ كأنما الخال على خده ... ساعة هجر في ليالي الوصال سواد ساعة وبياض زمان الوصل قد فهم على ما تقرر وتكرر.

стр. 403

ومن ذلك قول الشاعر: كأن انتضاء البدر من تحت غيمه ... نجاة من البأساء بعد وقوع١ ومن البديع الغريب، في هذا الباب، قول القاضي التنوخي: أما ترى البرد قد وافت عساكره ... وعسكر الحر كيف انساب منطلقا فانهض بنار إلى فحم كأنهما ... في العين وإنصاف قد اتفقا جاءت ونحن كقلب الصب حين سلا ... بردًا فصرنا كقلب الصب إذ عشقا٢ ويعجبني هنا قول الصاحب بن عباد، وقد أهدى إلى القاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني عطرًا: أديت عطرًا مثل طيب ثنائه ... فكأنما أهدى له أخلاقه ومن التشابيه البليغة، في هذا الباب، قول الشهاب محمود في تشبيه بعض الحصون، والمبالغة في علوه: كأنه وكأن الجو يكنفه ... وهم تكنفه في طيرها الفكر٣ وغاية الغايات في هذا الباب، أعني تشبيه المحسوس بالمعقول، قول أبي نواس ﵀: معتقة صاغ المزاج رأسها ... أكاليل دار ما لناظمها سلك جرت حركات الدهر فوق سكونها ... فذابت كذوب التبر أخلصه السبك٤ وأدرك منها الفائزون بقية ... من الروح في جسم أضر به النهك٥ وقد خفيت من لطفها فكأنها ... بقايا يقين كاد يذهبه الشك ومثله قوله وأجاد فيه إلى الغاية: وندمان سقيت الراح صرفًا ... وستر الليل منسدل السجوف٦ صفت وصفت زجاجتها عليها ... كمعنى دق في ذهن لطيف

стр. 404

والذي سارت له به الركبان في هذا الباب قوله: فتمشت في مفاصلهم ... كتمشي البرء في السقم انتهى ما أوردته من تشبيه المحسوس بالمعقول، وتقرير صوابه وإيراد بديعه وغريبه. وقد تقرر وتكرر أن تشبيه، وعلى أسّه شيد أصحاب البديعيات بيوتهم. ولكن بيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته، غير صالح للتجرد، فإنه متعلق بالبيت المشتمل على ائتلاف اللفظ مع المعنى، فتعين إيراد البيتين هنا لتظهر نتيجة التشبيه. فبيت ائتلاف اللفظ مع المعنى، في بديعيته، قوله: كأنما حلق السعدي منتثرًا ... على الثرى بين منقض ومنفصم وأتبعه بقوله في التشبيه: حروف خط على طرس مقطعة ... جاءت بها يد غمر غير مفتهم١ قلت، الكمال لله، كل من البيتين فيه نقص، لافتقاره إلى الآخر، ولو تجرد أحدهما عن أخيه ما حسن السكوت عليه، ولا تمت به فائدة، وكيف يصح التشبيه في بيت واحد، وجل القصد به أن يكون بمجرده مثالًا للنوع المذكور، والمشبه في البيت الأول والمشبه به في البيت الثاني والذي أقوله إنني لم أر في البيت الأول، المشتمل على ائتلاف اللفظ مع المعنى، معنى، ولا على بيت التشبيه، الذي بعده، للبلاغة بهجة، لافتقاره إلى الأول، والله أعلم. ومن غرائب ما ينقل هنا أن العميان ما نظموا نوع التشبيه في بديعيتهم، ونظموا رد العجز على الصدر، وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته، قوله في مديح النبي ﷺ : وقيل للبدر تشبيه إليه نعم ... نجم الثريا له كالنعل في القدم بيت الشيخ عز الدين هنا صالح للتجريد، بخلاف بيت الشيخ صفي الدين، إذ المراد به أن يكون بمجرده شاهدًا على نوع التشبيه، ولكن معناه مأخوذ من بيت الفاضل، في قصيدته الطائية المشهورة، والبيت المأخوذ منه هذا المعنى قوله منها: أما الثريا فنعل تحت أخمصه ... وكل قافية قالت لذلك طا

стр. 405

من أين لعقادة الشيخ عز الدين، أو لغيره، أن يقول في الشطر الأول من بيت قافيته طائية. أما الثريا فنعل تحت أخمصه. ويقول في الشطر الثاني: وكل قافية قالت لذلك طا. انتهى. وبيت بديعيتي جمعت فيه بين شرف المديح النبوي، وشرف تشبيه القرآن إذ هو المقدم في هذا الباب على كل تشبيه، فإنني قلت في البيت المشتمل على نوع التفريق البديعي: قالوا هو البدر والتفريق يظهر لي ... في ذاك نقص وهذا كامل الشيم ولم أزل أظهر في أفق البلاغة كماله، ﷺ إلى أن قلت في التشبيه: والبدر في التم كالعرجون صار له ... فقل لهم يتركوا تشبيه بدرهم

стр. 406

التشبيه بالتلميح: ثم إني قلت بعده في التلميح، الذي ما يلمح في صفات النبي، ﷺ ، أحسن منه: ورد شمس الضحى للقوم خاضعة ... وما ليوشع تلميح بركبهم١ التلميح هو في الاصطلاح، أن يشير ناظم هذا النوع في بيت، أو قرينة سجع، إلى قصة معلومة، أو نكتة مشهورة، أو بيت شعر حفظ لتواتره، أو إلى مثل سائر يجريه في كلامه على جهة التمثيل. وأحسنه وأبلغه ما حصل به زيادة في المعنى المقصود. وسماه قوم: التمليح، بتقديم الميم، كأن الناظم أتى في بيته بنكتة زادته ملاحة، كقول ابن المعتز: أترى الجيرة الذين تداعوا ... عند سير الحبيب وقت الزوال٢ علموا أنني مقيم وقلبي ... راحل فيهم أمام الجمال مثل صاع العزيز في أرحل القو ... م ولا يعلمون ما في الرحال٣ هذا التلميح فيه إشارة إلى قصة يوسف ﵇، حين جعل الصاع في رحل أخيه، وإخوته لم يشعروا بذلك. ومن لطائف لتلميح قول أبي فراس:

стр. 407

فلا خير في رد الأذى بمذلة ... كما ردَّه يومًا بسوأته عمرو١ هذا التلميح فيه إشارة إلى قصة عمرو بن العاص مع الإمام علي بن أبي طالب، ﵁، في يوم صفين، حين حمل عليه الإمام ورأى عمرو أن لا مخلص له منه، فلم يسعه غير كشف العورة. ومن الحديث على جهة التورية، قول بعضهم في مليح اسمه بدر: يا بدر أهلك جاروا ... وعلموك التجري٢ وقبحوا لك وصلي ... وحسنوا لك هجري فليفعلوا ما أرادوا ... فإنهم أهل بدر هذا التلميح فيه إشارة إلى قول النبي ﷺ لعمر حين سأل قتل حاطب: "لعل الله قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". ومن ذلك قول الشاعر: لعمرو مع الرمضاء والنار تلتظي ... أرقُ وأحنى منك في ساعة الهجر٣ هذا الشاعر أشار بتلميحه، في هذا البيت، إلى البيت المشهور الذي ما برح الناس يتمثلون به عند من هو موصوف بالقسوة، وهو: المستجير بعمرو عند كرمته ... كالمستجير من الرمضاء بالنار ومن ذلك قول بعضهم: يقولون كافات الشتاء كثيرة ... وماهي إلا واحد غير مقترى٤ إذ كان كاف الكيس فالكل حاصل ... لديك وكل الصيد يوجد في الفرا٥

стр. 408

هذا الشاعر أشار في تلميح نيته إلى قول ابن سكرة جاء الشتاء وعندي من حوائجه ... سبع إذا القطر عن حاجاتنا حبسا كن وكيس وكانون وكاس طلا ... بعد الكباب وكس ناعم وكسا١ ومن أظرف ما وقع هنا أن امرأة من أهل الحذق والظرافة، قيل لها: من أنت؟ وكانت ملتفة في كساء، فقالت: أنا السادس في السابع، أشارت في تلميحها اللطيف إلى السادس والسابع، من قول ابن سكرة، فكأنها قالت: أنا الكس الناعم في الكساء. ونظم بعضهم هذا المعنى في بيتين فقال: رأيتها ملفوفة في كسا ... خوفا من الكاشح والطامع قلت لها من أنت يا هذه ... قالت أنا السادس في السابع وهذا غاية لا تدرك في باب التلميح. ومن هذا القبيل قول الحريري في المقامات: وإني والله لطالما تلقيت الشتاء بكافاته، وأعددت له أهبًا قبل موافاته، ومثله قوله في المقامات أيضًا: فبت بليلة نابغية. يشير إلى قول النابغة: فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع٢ والضئيلة هي الحية الدقيقة. ومن لطائف التلميح قصة الهذلي مع منصور بني العباس، فإنه حكي أن المنصور وعد الهذلي بجائزة ونسي، فحجا معًا ومرّا في المدينة النبوية ببيت عاتكة، فقال الهذلي: يا أمير المؤمنين هذا بيت عاتكة التي يقول فيها الأحوص. يا بيت عاتكة التي أتغزل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكل فأنكر عليه أمير المؤمنين، لأنه تكلم من غير أن يُسأل. فلما رجع الخليفة نظر في القصيدة إلى آخرها، ليعلم ما أراد الهذلي بإنشاد ذلك البيت من غير استدعاء فإذا فيها: وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق اللسان يقول ما لا يفعل٣

стр. 409

فعلم أنه أشار إلى هذا البيت بتلميحه الغريب، فتذكر ما وعده به وأنجزه له واعتذر إليه من النسيان. ومثله ما حكي أن أبا العلاء المعري كان يتعصب للمتنبي، فحضر يومًا مجلس الشريف المرتضى، فجرى ذكر أبي الطيب فهضم المرتضى من جانبه، فقال أبو العلاء: لو لم يكن له من الشعر إلا قوله: لك يا منازل في القلوب منازل. لكفاه. فغضب المرتضى، وأمر به فسحب وأخرج، وبعد إخراجه قال المرتضى: هل تدرون ما عني بذكر البيت، فقالوا: لا والله! فقال: عنى به قول أبي الطيب في قصيدته: وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل ومن هذا القبيل قصة السري الرفاء مع سيف الدولة، بسبب المتنبي أيضًا، فإن السري الرفاء كان من مدَّاح سيف الدولة، وجرى يومًا في مجلسه ذكر أبي الطيب، فبالغ سيف الدولة في الثناء عليه، فقال له السري: أشتهي أن الأمير ينتخب لي قصيدة من غرر قصائده، لأعارضها له، ويتحقق بذلك أنه أركب المتنبي في غير سرجه. فقال له سيف الدولة على الفور: عارض لنا قصيدته القافية التي مطلعها: لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي ... وللحب ما لم يبق منه وما بقي قال السري: فكتبت القصيدة واعتبرتها في تلك الليلة، فلم أجدها من مختارات أبي الطيب، لكن رأيته يقول في آخرها عن ممدوحه: إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق ... أراه غباري ثم قال له الحقِ فقلت: والله ما أشار سيف الدولة إلا إلى هذا البيت، وأحجمت عن معارضة القصيدة. وألفط من هذا ما حكاه ابن الجوزي، في كتاب الأذكياء، فإنه من غرائب التلميح. قال: قعد رجل على جسر بغداد، فأقبلت امرأة بارعة في الجمال، من جهة الرصافة إلى الجانب الغربي، فاستقبلها شاب، فقال لها: رحم الله علي بن الجهم فقالت له: رحم الله أبا العلاء المعري. وما وقفا بل سارا مغربًا ومشرقًا. قال الرجل: فتبعت المرأة، فقلت لها: والله إن لم تقولي لي ما أراد بابن الجهم فضحتك، قالت: أراد به: عيون المها بين الرصافة والجسر ... جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

стр. 410

وأردت أنا بأبي العلاء قوله: فيا دارها بالخيف إن مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال ورسالة الوزير، أبي الوليد بن زيدون المخزومي الأندلسي، غالبها مبني على نوع التلميح، ولا بد أن أذكر الموجب لإنشائها، بحيث يتلمح المتأمل تلميحها. وسبب إنشاء هذه الرسالة البديعة، أنه كان بقرطبة امرأة ظريفة متأدبة، من بنات خلفاء العرب المنسوبين إلى عبد الرحمن بن الحكم المعروف بالداخل. في بني عبد الملك بن مروان، تسمى ولّادة بنت المستكفي بالله، ابتذل حجابها بعد نكبة أبيها وقتله، فصارت تجلس للشعراء والكتاب وتحاضرهم وتطارحهم. وكانت ذات جمال بارع وأدب غض ودماثة أخلاق، وكان لها ميل إلى ابن زيدون، بخلاف غيره من أهل العصر. فمما كتبت إليه، وهي راضية عنه: ترقب إذا جن الظلام زيارتي ... فإني رأيت الليل أكتم للسر وبي منك ما لو كان بالبدر لم ينر ... وبالليل لم يظلم وبالنجم لم يسر وكتبت إليه وهي غضبى: إن ابن زيدون على فضله ... يلهج بي شتما ولا ذنب لي١ يلحظني شزرًا إذا جئته ... كأنما جئت لأخصي علي٢ تشير في تلميحها اللطيف إلى غلام متهمًا به. ومن غض شعرها قولها: أنا والله أصلح للمعالي ... وأمشي مشيتي وأتيه تيها٣ وأمكن عاشقي من صحن خدي ... وأعطي قبلتي من يشتهيها ومما ينسب إليها: لحاظكم تجرحنا في الحشا ... ولحظنا يجرحكم في الخدود جرح بجرح فاجعلوا ذا بذا ... فما الذي أوجب جرح الصدود

стр. 411

وكان ابن زيدون كثير الشغف بها والميل إليها وأكثر غزل شعره فيها، وقد تقدم ذكر ميلها إليه، بخلاف أهل عصره من أهل الأدب، لحسن أدبه ولطائف شمائله وتقدمه على أهل زمانه. وكان الوزير أبو عامر بن عبدوس كثير الهيمان بها، واجتهد في التوصل إليها، والاجتماع بها، والاقتطاف من ثمار آدابها الغضة، والتمتع بجمالها البارع، فعجز عن ذلك لكثرة ميلها إلى ابن زيدون وتوصل إلى أن أرسل إليها امرأة من خواصه لتستميلها إليه، وتعرفها عظم مقامه وسمو رتبته على غيره، وتبالغ في التوصل إلى رغبتها فيه، فبلغ ذلك ابن زيدون فأنشأ هذه الرسالة على لسان ولّادة، تتضمن سب الوزير أبي عامر والتهكم به، وبنى غالبها على نوع التلميح، وجعلها جوابًا عنها، فاشتهر ذكر الرسالة في الآفاق، وأمسك الوزير ابن عبدوس عن التعرض إلى ولادة. فمن سجعات الرسالة المبنية على التلميح قوله منها، على لسان ولادة، يخطاب الوزير ابن عبدوس: حتى قالت إن باقلًا موصوف بالبلاغة إذا قرن بك. هذا التلميح فيه إشارة إلى عمرو بن ثعلبة الإيادي الذي يضرب به المثل في العيّ فيقال: فلان أعيى من باقل. قال أبو عبيدة: بلغ من عيه أنه اشترى ظبيًا بأحد عشر درهمًا، فلقيه شخص والظبي معه فقال له: بكم اشتريته؟ ففتح كفيه، وفرق أصابعه، وأخرج لسانه يشير إلى أحد عشر فهرب الظبي. ومنها: وهبنقة مستوجب لاسم العقل إذا أضيف إليك. هذا التلميح يشير فيه ابن زيدون إلى يزيد بن ثروان، أحد بني قيس بن ثعلبة الملقب بهبنقة المكنى بأبي الودعات، لأنه نظم ودعا١ في سلك وجعله في عنقه علامة لنفسه لئلا يضيع، وهو جاهلي يضرب به المثل في الحمق. قيل إنه كان إذا رعى غنمًا أو إبلًا جعل مختار المراعي للسمان، ونحى المهازيل عنها، وقال: لا أصلح ما أفسد الله. واختصم بنو راسم وبنو طفاوة في شخص يدَّعونه، وأطلعوا هبنقة على أمرهم، فقال: ألقوه في البحر فإن رسب فهو من بني راسب وإن طفا فهو من بني طفاوة. واشترى أخوه بقرة بأربعة أعنز فركبها، فأعجبه عدوها، فالتفت إلى أخيه وقال: زدهم عنزًا، فضرب بها المثل للمعطي بعد إمضاء البيع، ثم سار فرأى أرنبًا تحت شجرة، ففزع منها، وهمز البقرة، وقال: الله نجاني ونجا البقرة ... من جاحظ العيني تحت الشجره

стр. 412

ومنها: وطويسًا ما نور عنه يمن الطائر إذا قيس عليك. هذا التلميح يشير به إلى عيسى بن عبد الله، مولى بني مخزوم، وكنيته أبو النعيم، كان مخنثًا ماجنًا ظريفًا يسكن المدينة، وهو أول من غنى على الدف بالعربية، ولكن ضرب في شؤمه المثل. فإنه ولد يوم قبض رسول الله ﷺ ، وفطم يوم مات أبو بكر، وختن يوم قتل عمر، وزوج يوم قتل عثمان، وكانت أمه تمشي بالنميمة بين نساء الأنصار. ومن تلميح هذه الرسالة، التي هي غاية في هذا الباب، قوله منها يشير إلى ابن عبدوس: والله لو كساك محرق البردين، وحلتك مارية بالقرطين، وقلدك عمرو الصمصامة، وحملك الحرث على النعامة، ما شككت في إياك، ولا كنت إلا ذاك. السجعة الأولى تشير في تلميحها إلى عمرو بن المنذر بن ماء السماء، كان يسمى من شدة بأسه محرقًا، وقصة هذه التسمية استوفى أبو الفرج، صاحب الأغاني شرحها في كتابه، وأما قصة البردين فحكي أن الوفود اجتمعت عند محرق، فأخرج من لباسه بُردين، وقال: ليقم أعز العرب قبيلة فليأخذهما. فقام عامر بن أحيمر فأخذهما، فائتزر بواحدة وارتدى بالأخرى، فقال له محرق: أنت أعز العرب قبيلة؟ فقال: نعم، لأن العز كله في معدّ والعدد في معدّ، ثم في نزار، ثم في مضر، ثم في تميم، ثم في سعد، ثم في كعب، فمن أنكر ذلك فليناظرني. فسكت الناس. فقال: هذه عشيرتك كما تزعم، فكيف أنت في نفسك وأهل بيتك؟ فقال: أنا أبو عشرة، وأخو عشرة، وعم عشرة، وخال عشرة، وها أنا في نفسي وشاهد العز شاهدي، ثم وضع قدمه على الأرض، وقال: من أزالها من مكانه فله مائة من الإبل. فلم يقم إليه أحد فخرج بالبردين، وضرب المثل بعزه وببرديه. والسجعة الثانية تشير في تلميحها إلى مارية وقصته المشهورة بالقرطين. وهي مارية ابنة ظالم بن وهب الكندي، زوج الحرث الأكبر الغساني، ملك العرب بالشام، وهي أم الحرث الأصغر، وأمها هند الهنود، وكان في قرطيها درتان عجيبتان كبيضتي الحمام، ولم ير مثلهما، توارثتهما الملوك إلى أن وصلتا إلى عبد الملك بن مروان، فوهبهما لابنته فاطمة، لما زوجها بعمر بن عبد العزيز، فلما ولي عمر الخلافة قال لها: إن أحببت المقام عندي فضعي القرطين والحلي في بيت مال المسلمين، فأجابته إلى سؤاله، فلما مات وولي يزيد بن عبد الملك أرسل إليها يقول لها: خذي القرطين، فقالت: لا والله، ما أوافقه في حال حياته وأخالفه بعد وفاته. والسجعة الثالثة، تشير في تلميحها إلى عمرو بن معد يكرب الزبيدي، الفارس المشهور بكثرة الغارات والوقائع بين العرب في الجاهلية، قبل إسلامه، وكان يكنى أبا ثور، والصمصامة سيفه المشهور. قال عبد الملك بن عمر: أهدت بلقيس إلى سليمان

стр. 413

عليه السلام خمسة أسياف، وهم ذو الفقار، وذو النون، ومخذم، ورسوب، والصمصامة. فأما ذو الفقار فكان لرسول الله ﷺ ، أخذه من منبه بن الحجاج يوم بدر. ومخذم ورسوب كانا للحرث بن جبلة الغساني. وذو النون والصمصامة لعمرو بن معد يكرب. وانتقلت الصمصمة إلى سعيد بن العاص، ولم تزل إلى أن صعد المهدي البصرة، فلما كان بواسط أرسل إلى بني العاص يطلب الصمصامة منهم فقالوا: إنه قد صار محتسبًا في السبيل، فقال: خمسون سيفًا في السبيل أغنى من سيف واحد، وأعطاهم خمسين سيفًا وأخذه، ثم وصل إلى المتوكل فدفعه إلى بعض مماليكه الأتراك فقتله به. والسجعة الرابعة تشير في تلميحها إلى فرس الحرث بن عباد التغلبي، سيد بني وائل، سمتها العرب لخفتها وسرعة جريها بالنعامة، وضربت بها الأمثال. وكان الحرث يكرر قوله، في كل وقت، بإنشاده: قربا مربط النعامة مني. انتهى. ولولا خوف الإطالة لأوردت من هذه الرسالة غالب تلميحها، فإنها من نسيج وحدها على هذا المنوال، أعني التلميح. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي على هذا النوع قوله: أن ألقها تتلقف كل ما صنعوا ... إذا أتيت بسحر من كلامهم١ بيت الشيخ صفي الدين هنا أيضًا متعلق بما قبله، والضمير في ألقها، عائد على العصا، فإنه قال في بيت الاقتباس: هذي عصاي التي فيها مآرب لي ... وقد أهش بها طورًا على غنمي٢ وقال بعده في بيت التلميح: أن ألقها. البيت. ورأيته يسلك هذا المسلك في غالب بديعيته، وهو غير لائق به، إذ المراد من كل بيت أن يكون شاهدًا على ذلك النوع بمجرده، والتلميح في بيته هو الإشارة إلى قصة موسى ﵇ مع السحرة لما ألقى العصا. وبيت العميان في بديعيتهم: ويقرع السمع عن حق زواجره ... قرع الرماح ببدر ظهر منهزم٣

стр. 414

العميان أشاروا في تلميحهم إلى قصة يوم بدر، ولكن ليس على شمائل بيتهم من رونق التلميح لمحة. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته قوله: وبان في كتب التاريخ من قدم ... تلميح قصة موسى مع معدهم لم ألمح، من خلال بيت الشيخ عز الدين غفر الله له، لمحة تدلني على نور التلميح، لكنه حكى حكاية مضمونها، أن كتب التاريخ القديمة بان فيها تلميح قصة موسى، ﵇، مع معد. والله أعلم. وبيت بديعيتي تقدمني في تلميح أبو تمام، بقوله متغزلًا، في بعض قصائده، وقد سفرت محبوبته من جانب الخدر ليلًا: فردت علينا الشمس والليل راغم ... بشمس لهم من جانب الخدر تطلع فوالله ما أدري أأحلام نائم ... ألمت بنا أم كان في الركب يوشع فلما انتهيت في نظم بديعيتي إلى هذا النوع، أعني التلميح، رأيت النبي ﷺ أحق به، وأنا أحق به من أبي تمام، فإني نظمته في سلك المعجزات النبوية، فهامت عيون الأذواق إلى بهجة تلميحه، وقد تقدم قولي في بيت التشبيه عن النبي ﷺ : والبدر في التم كالعرجون صار له ... فقل لهم يتركوا تشبيه بدرهم ثم قلت بعده في التلميح: ورد شمس الضحى للقوم خاضعة ... ما ليوشع تلميح بركبهم انظر أيها المتأمل إلى انسجام هذا البيت مع الذي قبله، وإلى ظهور النقص في بيت أبي تمام، بانتقال نور التلميح إلى شرف هذا البيت النبوي. والله أعلم

стр. 415

ذكر تشبيه شيئين بشيئين: شيآن قد أشبها شيئين فيه لنا ... تبسم وعطا كالبرق في الديم هذ النوع، أعني تشبيه شيئين بشيئين، من المحاسن العزيزة الوقوع، بخلاف كبيرة العدد في التشبيه، فإن ذلك نوع اللف والنشر أحق به، وهو في الاصطلاح، أن يقابل الشاعر بين الأربعة ويلتزم أن كل واحد من المشبه يسد مسد المشبه به. ومما حكى عن بشار بن برد أنه قال: ما زلت، منذ سمعت قول امرئ القيس في وصف العقاب: كأن قلوب الطير رطبًا ويابسًا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي١ لا يأخذني الهجوع حسدًا له، إلى أن قلت في وصف الحرب: كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوت كواكبه٢ ومما يعجبني، في هذا الباب إلى الغاية، قول إبراهيم بن سهيل الإشبيلي: كأن القلب والسلوان ذهن ... يحوم عليه معنى مستحيل ومن الغايات التي لا تدرك في هذا الباب، وأنا أستغفر الله قولي من قصيدة: وحمرة الخد أبدت خيط عارضه ... فخلت كأس مدام وهو معشور٣

стр. 416

وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته: تلاعبوا تحت ظل السر من مرح ... كما تلاعبت الأشبال في الأجم١ بيت الشيخ صفي الدين في هذا النوع عامر بالمحاسن، رافل في حلل الانسجام، والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. بيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته قوله: شيئان تشبيه شيئين انتبه لهما ... حلم وجهل هما كالبرء والسقم نعوذ بالله من آفة الغفلة، ممدوح هذا البيت، هو النبي ﷺ ، وقد تقدمه قوله في مديحه: هل من مقاربة في السير بعد نوى ... بأطيب التمر بين العرب والعجم٢ وقال بعده هذا البيت الدائر. وقد سلمنا أنه قابل فيه حلم النبي ﷺ بالبرء، وأما ذكر الجهل في هذا البيت فهو في غاية الجهل، وليس له ما يقابله غير التأديب على قلة أدبه، وقد قابل به السقم ولا أعلم ما مراده به. وطالعت شرحه فوجدته قد قرر حد النوع، وفر من الكلام على معنى البيت بخلاف أبيات القصيدة. وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي ﷺ : شيئان قد اشبها شيئين فيه لنا ... تبسم وعطا كالبرق في الديم هذا البيت البديع في لفظه ومعناه، ما أشك أن أبا بكر٣ مقدم فيه على الحلي والموصلي، فإنه وضعه في محله، والنبي ﷺ أحق به من كل ممدوح، وقد جمع فيه بين حسن اللف والنشر وبليغ التشبيه. وأما مراعاة النظير في مديحه بين البرق والديم فليس لها نظير. والله أعلم.

стр. 417

ذكر الانسجام الانسجام في النثر له انسجام دموعي في مدائحه ... بالله شنف بها يا طيب النغم١ المراد من الانسجام أن يأتي، لخلوّه من العقادة، كانسجام الماء في انحداره، ويكاد لسهولة تركيبه وعذوبة ألفاظه أن يسيل رقة. ولعمري، إن طيور القلب ما برحت على أفنان هذا النوع وارفة، وبمحاسنه الغضة بين الأوراق ساجعة، وأهل الطريق الغرامية هم بدور مطالعه، وسكان مرابعه، فإنهم ما أثقلوا كاهل سهولته بنوع من أنواع البديع، اللهم إلا أن يأتي عفوًا من غير قصد، وعلى هذا أجمع علماء البديع في حد هذا النوع، فإنهم قرروا أن يكون بعيدًا من التصنع، خاليًا من الأنواع البديعية، إلا أن يأتي في ضمن السهولة من قصد. وغالب شعر الشيخ شرف الدين عبد العزيز الأنصاري، شيخ شيوخ حماه، سقى الله من غيث الرحمة ثراه، ماش على هذا التقرير ويأتي التمثيل به في مكانه إن شاء الله تعالى. الانسجام في النثر: وإن كان الانسجام في النثر، يكون غالب فقراته موزونة، من غير قصد لقوة انسجامه، وأعظم الشواهد على هذا ما جاء في القرآن العظيم من الموزون بغير قصد، في بيوت وأشطار بيوت، فمن الطويل الذي جاء على أصل الدائرة في القرآن العظيم:

стр. 418

﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ١ وتفعيله القياسي فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن. كقول الشاعر: ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد ... فقد زادني مسراك وجدًا على وجدي٢ وجاء في بحر المديد من العروض الثانية المحذوفة، قوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ٣ كقول الشاعر: اعلمو أني لكم حافظ ... شاهدًا ما دمت أو غائبًا ومن مصرعه: زعم النعمان ملك العرب ... ليس ينجي من عصاه الهرب وجاء، في بحر البسيط من العروض الأولى المخبونة، قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ ٤ كقول الشاعر: ما بال عينيك منها الماء ينسكب. وجاء من الوافر من العروض الأولى المقطوفة والضرب المقطوف، قوله تعالى: ﴿وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ ٥ كقول الشاعر: ألا هبي بصحنك فاصبحينا ... ولا تبقي خمور الأندرينا٦ وجاء في الكامل من العروض الصحيحة المجزوة، والضرب المجزو المذال قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٧ كقول الشاعر: أبني لا تظلم بمكـ ... ـة لا الصغير ولا الكبير وجاء في الهزج من عروضه المجزوة، وضربها المحذوف قوله تعالى: ﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ ٨ كقول الشاعر: وما ظهري لباغي الضيـ ... ـم بالظهر الذلول

стр. 419

وجاء في الرجز، قوله تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ ١ كقول الشاعر: شالوا على جمالهم جمالهم ... وسر حادي عيسم يغني٢ وجاء في الرمل من العروض الثانية المجزوة، والضرب الثاني المجزو، قوله تعالى: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ ٣، كقول الشاعر: مقفرات دارسات ... مثل آيات الزبور٤ ومن مصرعه: أي شخص كأبان ... عند ضرب وطعان وجاء في السريع، من العروض الأولى المطوية المكسوفة، قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ﴾ ٥ ومنه ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ ٦ كقول الشاعر: يا هنديا أخت بني عامر ... لست على هجرك بالصابر وجاء من المنسرح، من العروض الأولى الوافية، قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ ٧، كقول الشاعر: زموا المطايا بالواد ما ودعوا. وجاء من الخفيف، من العروض التامة الصحيحة، قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ ٨ كذا أورده صاحب المفتاح، ومنه: ﴿لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ ٩. وهذا من مستخرجات المصنف فسح الله في أجله، كقول الشاعر: ليت ما فات من شبابي يعود ... كيف والشيب كل يوم يزيد وجاء من المضارع، وهو بحر قليل الاستعمال جدًّا، ومنهم من لم يعده بحرًا، ولا

стр. 420

جاء فيه شعر معروف. وقيل: إنه لم يسمع من العرب. وقال أبو العباس العتابي في كتابه المسمى بـ"نزهة الأبصار في أوزان الأشعار": إن الخليل جعله جنسًا وأحسبه قاسه وما أدري ما روي في كتب العروض، أمصنوع هو أم مسموع من العرب. انتهى كلام العتابي. وتفاعيله في الأصل: مفاعلين فاع لا تن مفاعلين، ومثلها ولكنه ما استعمل إلا مجزوًا فبقي مربعًا. فما وقع في مخرومه في الكتاب العزيز قوله تعالى: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ، يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ ١ والخرم هنا حذف الأول من مفاعلين. فعاد فاعيلن. فنقل إلى مفعولن فتفاعيل هذه الآية الشريفة مفعول فاعلات، كقول الشاعر: قلنا لهم وقالوا ... وكل له مقال وجاء في المقتضب من العروض المجزوة المطوية، قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ٢ وتفعيل ذلك فاعلات مستعلن. وجاء فيه من الشعر: أقبلت فلاح لها ... عارضان كالسبج٣ ومن مصرعه: غننا على الدرج ... بالخفيف والهزج وهذا البحر في القلة كبحر المضارع، إلا أنه سمع منه أبيات على عهد رسول الله، ﷺ ، منها: هل عليَّ ويحكما ... إن عشقت من حرج وجاء في المجتث من العروض الصحيحة المجزوة والضرب المجزو، قوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٤ كقول الشاعر: البطن منها خميص ... والوجه مثل الهلال٥ وجاء في المتقارب من العروض الأولى الوافية، قوله تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ ٦ فعولن فعولن فعولن فعولن، كقول الشاعر:

стр. 421

فأما تميم تميم بن مر ... فألفاهم القوم روبى نياما١ ولولا الإطالة لذكرت ما دخل فيما أوردته من الزحاف، وقد أوردت هنا خمسة عشر بحرًا، ولم أذكر المتدارك، إذ هو محدث اخترعه المتأخرون، ولم تعرفه العرب في الزمن المتقدم، وهو خارج عن الخمسة عشر بحرًا، وقال ابن الحجاب في عروضه: وخسمة عشر دون ما متدارك ... وما عده منها الخليل فعدلا

стр. 422

الانسجام في الشعر: انتهى ما أوردته من الانسجام المنثور، وأما الانسجام في النظم، قد تقدم وتقرر أن أصحاب المذهب الغرامي هم سكان بيوته العامرة، وكناس١ آرامه التي هي غير نافرة. ولكن العرب على كل تقدير ملوك هذا الشأن، وقلائد هذا العقيان. وقد عنَّ لي أن أذكر، هنا، ما فرّوا به من وعر التركيب وشروعه في أبياتهم على سهل الانسجام، وأركض في أثر هذه الأبيات بسوابق الفحول، فإنها أبيات لها حرمة وذمام، وأعرّج بعد ذلك على البيوت الغرامية، وأتنسم أخبار الهوى من بين تلك الخيام، فمن الانسجام الذي وقع للعرب، وكاد أن يسيل رقة لسهولته، قول امرئ القيس في معلقته: أغرَّك مني أن حبك قاتلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل وقوله من غير المعلقة: أجارتنا إنا غريبان ههنا ... وكل غريب للغريب نسيب ومثله، في الانسجام والرقة، قول طرفة بن العبد في معلقته: فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي ... فدعني أبادرها بما ملكت يدي٢ ومثله قوله منها: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على الحر من وقع الحسام المهند٣ ومثله قوله منها: فإن مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي عليَّ الجيب يا أم معبد٤

стр. 423

ومثله قوله منها: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود ويأتيك بالأنباء من لم تبع له ... بتاتًا ولم تضرب له وقت موعد لعمرك ما الأيام إلا مفازة ... فما اسطعت من معروفها فتزود عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي ومثله، في لطف الانسجام، قول زهير بن أبي سلمى في معلقته: ومن هاب أسبابا المنايا ينلنه ... ولو رام أسباب السماء بسلم ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم ومن يغترر يحسب عدوًّا صديقه ... ومن لا يكرم نفسه لا يكرم ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم ومن لا يصانع في أمور كثيرة ... يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم١ ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتق الشتم يشتم سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولًا لا أبا لك يسأم وأحسن ختامها في الانسجام بقوله: وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عمي ومثله قول لبيد بن ربيعة من معلقته: فاقنع بما قسم المليك فإنما ... قسم الخلائق بيننا علامها وإذا الأمانة قسمت في معشر ... أوفى بأعظم حظنا قسامها ومن الغايات، في باب الانسجام، قول عنترة في معلقته: فإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم٢ وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمايلي وتكرمي٣ ومن ذلك قول عمرو بن كلثوم في معلقته: لنا الدنيا ومن أضحى عليها ... ونبطش حين نبطش قادرينا

стр. 424

إذا ما الملك سام الناس خسفًا ... أبينا أن يقر الخسف فينا١ إذا بلغ الفطام الطفل منا ... تخر له الجبابر ساجدينا٢ ملأنا البر حتى ضاق عنا ... وظهر البحر نملؤه سفينا ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا ومثله قول الحارث بن حلزة في معلقته وهي المعلقة السابعة: لا يقيم العزيز في البلد السهـ ... ـل ولا ينفع الذليل النجاء٣ ومن الانسجامات التي عدها صاحب المرقص والمطرب، من المطرب قول زهير: تراه إذا ما جئته متهلالًا ... كأنك معطيه الذي أنت سائله ومن الانسجامات المعدودة من المرقص، قول النابغة الذبياني: وإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع ومن الانسجام المعدود من المطرب، قول حسان بن ثابت ﵁: أصون عرضي بمالي لا أدنسه ... لا بارك الله بعد العرض في المال أحتال للمال إن أودى فأكسبه ... ولست للعرض إن أودى بمحتال٤ وعدوا من الانسجام المرقص، قول كعب بن هير: ولا تمسَّكُ بالعهد الذي وعدت ... إلا كما يمسك الماء الغرابيل٥ ومن المطرب قول الشماخ: إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عُرابة باليمين ويعجبني من لامية العرب قول الشنفرى بن مالك: وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن خاف القلى متحول٦

стр. 425

ومثله من لامية العجم، وإن تأخر عصرها: إن العلى حدثتني وهي صادقة ... فيما تحدث أن العز في النقل لو أن في شرف المأوى بلوغ منى ... لم تبرح الشمس يومًا دارة الحمل١ وعدوا من الانسجام المطرب قول مجنون ليلى في قصيدته المشهورة: وقد خبروني أن تيماء منزل ... لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا فهذي شهور الصيف عنا ستنقضي ... فما للنوى ترمي بليلى المراميا أعد الليالي ليلة بعد ليلة ... وقد عشت دهرًا لا أعد اللياليا وأخرج من بين البيوت لعلني ... أحدث عنك النفس يا ليل خاليا ألا أيها الركب اليمانون عرجوا ... علينا فقد أمسى هوانًا يمانيا٢ يمينًا إذا كانت يمينًا فإن تكن ... شمالًا ينازعني الهوى من شماليا أصلي فما أدري إذا ما ذكرتها ... اثنتين صليت الضحى أم ثمانيا خليلي لا والله لا أملك الذي ... قضى الله في ليلى ولا ما قضى ليا قضاها لغيري وابتلاني بحبها ... فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا ولو أن واش باليمامة داره ... وداري بأعلى حضرموت اهتدى ليا٣ وماذا لهم لا أحسن الله حالهم ... من الحظ في تصريم ليلى حباليا٤ وددت على حبي الحياة لو أنه ... يزاد لها في عمرها من حياتيا على أنني راضي بأن أحمل الهوى ... أخلص منه لا عليَّ ولا ليا إذا ما شكوت الحب قالت كذبتني ... فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا٥ فلا حب حتى يلصق الجلد بالحشا ... وتذهل حتى لا تجيب المناديا ومن المرقص، في باب الانسجام، قول كثير عزة: ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح
следующие страницы →