← Адаб

Адаб · id 8675

خزانة الأدب وغاية الأرب لابن حجة الحموي

الحموي، ابن حجة

Полный текст (986 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ومثله قوله: دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء صفراء لا تزل الأحزان ساحتها ... لو مسها حجر مسته سراء١ من كف ذات حر في زي ذي ذكر ... لها محبان لوطي وزناء٢ قامت بإبريقها والليل معتكر ... فلاح من وجهها في البيت لألاء٣ وأرسلت من فم الإبريق صافية ... كأنما أخذها للعقل إغفاء رقت عن الماء حتى ما يلائمها ... لطافة وخفي عن شكلها الماء٤ ومن الانسجام المطرب قول محمد بن صالح الحسني: وبدا له من بعد ما اندمل الهوى ... برق تألف موهنًا لمعانه٥ يبدو كحاشية الرداء وصوته ... صعب الذرا متمنع أردانه٦ فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه ... والماء ما سحت به أجفانه وعدوا من الانسجام المطرب قول عبد الرحمن العطوي، في رثاء أحمد بن أبي دؤاد: وليس صرير النعش ما تسمعونه ... ولكنه أصلاب قوم تقصف٧ وليس فتيق المسك ما تجدونه ... ولكنه ذاك الثناء المخلف

стр. 457

وعدوا من الانسجام المرقص قول العكوك في أبي دلف: إنما الدنيا أبو دلف ... بين باديه ومحتضره فإذا ولى أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره ومن الانسجام المرقص، قول بكر بن النطاح: من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا ومن الانسجام المطرب، قول أبي تمام: ولو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد فيها فليتق الله شائله ومثله قوله: ظبي تقنصته لما نصبت له ... في آخر الليل أشراكًا من الحلم ومن الانسجام المرقص قول ديك الجن: بها غير معذول فداوي خمارها ... وصل بعشيات الغبوق ابتكارها١ موردة من كف ظبي كأنما ... تناولها من خده فأدارها ومن الانسجام المطرب قول دعبل: إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا ... من كان يألفهم في الموطن الخشن ومن الانسجام المرقص قول أبي علي البصير: لعمر أبيك ما نسب المعلى ... إلى كرم وفي الدنيا كريم وعدوا من الانسجام المطرب قول يزيد بن خالد المهلبي: ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلًا أن تعد معايبه ومن الانسجام المرقص قول البحتري: تخفي الزجاجة لونها فكأنها ... في الكف قائمة بغير إناء ومثله قوله: متعتب في غير ما متعتب ... إن لم يجد جرمًا عليَّ تجرَّما

стр. 458

ألف الصدود فلو يمرّ خياله ... بالصب في سِنة الكرى ما سلما١ ومن الانسجام المرقص قول ابن الرومي: فالموت إن نظرت وإن هي أعرضت ... وقع السهام ونزعهن أليم ومثله قوله يخاطب بني طاهر: علوتم علينا علو النجوم ... فجودوا علينا بأنوائها٢ وعدوا من المطرب قول أبي العتاهية: أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرر أذيالها فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها ومثله في المطرب قول سلم الخاسر: لا تسأل المرء عن خلائقه ... في وجهه شاهد من الخبر وعدوا من الانسجام المرقص قول عبد الله بن المعتز: أهلًا بفطر قد أنار هلاله ... فالآن فاغد إلى المدام وبكر٣ فانظر إليه كزورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر وعدوا من مرقصات المتنبي قوله: وأصبح شعري منهما في مكانة ... وفي عنق الحسناء قد يحسن العقد ومثله قوله: والهجر أقتل لي مما أراقبه ... أنا الغريق فما خوفي من البلل ومثله قوله: فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال٤

стр. 459

ومن الانسجام المرقص قول أبي نصر بن نباتة: لم يبق جودك لي شيئًا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل ومن الانسجام قول الوأواء الدمشقي: وأمطرت لؤلؤا من نرجس فسقت ... وردًا وعضت على العناب بالبرد١ ومثله قوله: متى أرعى رياض الحسن منه ... وعيني قد تضمنها غدير ومن انسجام المرقص قول أبي العباس الضبي: زعم البنفسج أنه كعذاره ... حسنًا فسلوا من قفاه لسانه ومن الانسجام المرقص قول أبي الحسن اللحام: يا سائلي عن خالد عهدي به ... رطب العجان وكفه كالجلمد٢ كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندي وعدوا من الانسجام المطرب قول أبي نصر العتبي: الله يعلم أني لست ذا بخل ... ولست ملتمسًا في البخل لي عللا لكن طاقة مثلي غير خافية ... والذرّ يعذر في القدر الذي حملا٣ وعدوا من الانسجام المرقص المطرب قول أبي الفرج بن هند: عابوه لما التحى فقلنا ... عبتم وغبتم عن الجمال هذا غزال ولا عجيب ... تولد المسك في الغزال ومثله قول الأمير شمس المعالي قابوس: وفي السماء نجوم ما لها عدد ... وليس يكسف إلا الشمس والقمر وعدوا من الانسجام المرقص قول ابن الحجاج: كأن أيري شمع في رخاوته ... فكلما لمسته راحتي لان

стр. 460

ومثله قوله: فأصبح الدهر به هيضة ... فنحن غرقى في خرا الدهر١ وعدوا من المرقص قول أبي العلاء المعري: والخل كالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدر وعدوا من الانسجام المرقص قول المنازي، الذي لا يوجد في معناه مثله: وقانا لفحة الرمضاء واد ... سقاه مضاعف الغيث العميم٢ نزلنا دوحه فحنا علينا ... حنو المرضعات على الفطيم وأرشفنا على ظمأ زلالا ... ألذ من المدامة للنديم يصد الشمس أنى واجهتنا ... فيحجبها ويأذن للنسيم تروع حصاة حالية العذارى ... فتلمس جانب العقد النظيم وعدوا من الانسجام المرقص قول ابن الشحناء العسقلاني: ومهفهف علق السقام بطرفه ... وسرى فحيم في معاقد خصره٣ مزقت أثواب الظلام بثغره ... ثم انثنيت أحوكها من شعره وعدوا من الانسجام المرقص قول ابن الخياط الدمشقي، وهو من شعراء المائة السادسة: ومحتجب بين السنة معرض ... وفي القلب من إعراضه مثل حجبه أغار إذا آنست في الحي أنة ... حذارًا وخوفًا أن تكون لحبه وهذا الانسجام غرامي وعدوا من الانسجام المرقص قول القاضي الأرجاني: وما ينزل الغيث إلا لأن ... يقبّل بين يديك الثرى ومثله قول ابن الهبارية: ولولا نداه خفت نار ذكائه ... عليه ولكن الندى مانع الوقد٤

стр. 461

وعدوا من المرقص قول أبي عبد الله النقاش البغدادي: إذا وجد الشيخ من نفسه ... نشاطًا فذلك موت خفي ألست ترى أن ضوء السراج ... له لهب عندما ينطفي ومن الانسجام المرقص قول ابن المفضل البغدادي: خطرت فكاد الورق يسجع فوقها ... إن الحمام لمغرم بالبان١ من معشر نشروا على هام الربا ... للطارقين ذوائب النيران ومثله قول سبط التعاويذي: بين السيوف وعينيه مشاركة ... من أجلها قيل للأغماد أجفان ومن الانسجام المرقص قول القاضي الفاضل، في وكيله الشريف الكحال: رجل توكل لي وكحلني ... فأصبت في عيني وفي عيني٢ ومثله قوله فيه: عادى بني العباس حتى أنه ... خلع السواد من العيون بكحله ومثله قول ابن الساعاتي: والطير يقرأ والغدير صحيفة ... والريح تكتب والغمام ينقط ومثله قوله في النهر: صدأ الظلام يزيد رونق حسنه ... أرأيت سيفًا قط يصقل بالصدا وعدوا من الانسجام المرقص قول عبد الملك بن مازة البخاري، وقد دخل عليه مملوك وفي يده قوس: نهاني لما بدا عقرب ... على خدّه أن أروم السفر٣ فقلت وفي يده قوسه ... أسير ففي القوس حل القمر

стр. 462

ومثله قول ابن أردخل التكريتي: ألفيّ القوام عني أمالو ... هـ فقلبي مكسور تلك الإمالة وعدوا من الانسجام المرقص قول ابن عنين: دمشق فبي شوق إليها مبرِّح ... وإن لج واش أو ألح عذول بلاد بها الحصباء در وتربها ... عبير وأنفاس الشمال شمول تسلسل فيها ماؤها وهو مطلق ... وصح نسيم الروض وهو عليل ومن الانسجام المرقص قول الحاجري: إني لأعذر في الأراك حمامه الشا ... دي كذلك تفعل العشاق حكم الغرام الحاجري بأسرها ... فغدت وفي أعناقها الأطواق١ وعدّوا من الانسجام المرقص قول الصاحب بهاء الدين زهير: فيا ظبي هلا كان منك التفاتة ... ويا غصن هلا كان منك تعطف ويا حرم الحسن الذي هو آمن ... وألبابنا من حوله تتخطف٢ عسى عطفة بالوصل يا واو صدغه ... علي فإني أعرف الواو تعطف وعدوا من المرقص قول محيي الدين بن زيلاق: ومن عجبي أن يحرسوك بخادم ... وخدام هذا الحسن من ذاك أكثر عذارك ريحان وثغرك جوهر ... وخدك كافور وخالك عنبر ومثله قول ابن عربي الموصلي في المرقص: أنا صب وماء عيني صب ... وأسير من الضنى في قيود وشودي على الهوى أدمع العـ ... ـين ولكنني قذفت شهودي٣ ومثله قول ابن الحلاوي الموصلي: كتبت فلولا أن هذا محلل ... وذاك حرام قست لفظك بالسحر

стр. 463

فوالله ما أدري أزهر خميلة ... بطرسك أم در يلوح على نحر١ فإن كان زهرًا فهو صنع سحابة ... وإن كان درًا فهو من لجة البحر ومثله قول ابن ظهير الأزبكي: طرفي وقلبي ذا يسيل دمًا وذا ... دون الورى أنت العليم بقرحه وهما بحبك شاهدان وإنما ... تعديل كل منهما في جرحه٢ والقلب منزل القديم فإن تجد ... فيه سواك من الأنام فنحه انظر هذه القافية ما أحلاها وأمكنها. ومثله قوله: غارت مناطقه وأنجد ردفه ... يا بعد شقة غوره من نجده٣ ومن الانسجام المرقص قول تاج الدين بن الحواري: فوالله ما أخرت عنك مدائحي ... لأمر سوى أني عجزت عن الشكر وقد رضت فكري مرَّة بعد مرة ... فما ساغ أن أهدي إلى مثلكم شعري فإن لم يكن درًا فتلك نقيصة ... وإن كان درًا كيف يهدي إلى البحر ويعجبني من الانسجام المرقص قول النجم القمراوي: وحاكمت النسيم على مرور ... بعطفيه فمال مع النسيم ومثله قول عبد الكردي: إذاما اشتقت يومًا أن أراكم ... وحال البعد بينكم وبيني بعثت لكم سوادًا في بياض ... لأبصركم بشيء مثل عيني وعدّوا من الانسجام المطرب قول المذهب بن الخيمي الحلي، وقد كتب إلى والده: جننت فعوذني بكتبك أن لي ... شياطين شوق لا يفارقن مضجعي إذا استرقت أسرار وجدي تمرّدًا ... بعثت إليها في الدجا شهب أدمعي

стр. 464

ومن الانسجام المرقص قول ابن عبد ربه: يا ذا الذي خط العذار بخده ... خطين هاجا لوعة وبلابلا١ ما كنت أقطع أن لحظك صارم ... حتى رأيت من العذار حمائلا ومن أغرب ما رأيت من الانسجام المرقص قول جعفر بن عثمان المصحفي: خفيت على شرابها فكأنما ... يجدون ريًّا في غناء فارغ ومن الانسجام المرقص قول إدريس بن السمان: ثقلت زجاجات أتتنا فُرَّغًا ... حتى إذاما ملئت بصرف الراح خفت فكادت أن تطير بما حوت ... وكذا الجسوم تخف بالأرواح ومثله قول المعتمد بن عباد: سميدع يهب الآلاف مبتدئًا ... وبعد ذلك يُلفى وهو معتذر٢ له يد كل جبار يقبلها ... لولا نداها لقلنا إنها الحجر ويعجبني قول الفضل بن شرف في المرقص: لم يبق للجور في أيامكم أثر ... إلا الذي في عيون الغيد من حور٣ ومثله قوله: تقلدتني الليالي وهي مدبرة ... كأنني صارم في كف منهزم وعدوا من الانسجام المرقص قول ابن رشيق صاحب العمدة، في المعز بن باديس سلطان أفريقية، وقد غاب يوم العيد وكان يومًا ماطرًا: تجهّم العيد وانهلت بوادره ... وكان يعهد منك البشر والضحكا كأنه جاء يطوي الأرض من بعدُ ... شوقًا إليك فلما لم يجدك بكى وعدوا من الانسجام المرقص قول عبد الله بن محمد العطار: وكأس ترينا آية الصبح والدجا ... فأوّلها شمس وآخرها بدر

стр. 465

مقطبة ما لم يزرها مزاجها ... فإن زارها جاء التبسم والبشر فواعجبًا للدهر لم يخل مهجة ... من العشق حتى الماء يعشقه الخمر ومثله قول القاضي الجليس بن الجناب المصري: ومن عجب أن الصوارم في الوغى ... تحيض بأيد القوم وهي ذكور١ وأعجب من ذا أنها في أكفهم ... تأجج نارا والأكف بحور وظريف من الانسجام المرقص قول ابن مكنسة: والسكر في وجنته وطرفه ... يفتح وردًا ويغض نرجسا وعدوا من الانسجام المرقص قول ظافر الحداد: ونفر صبح الشيب ليل شبيبتي ... كذا عادتي في الصبح مع من أحبه ومثله قول أبي إسحاق بن خفاجة: ونمَّت بأسرر الرياض خميلة ... بها الزهر ثغر والنسيم لسان٢ وعدوا من الانسجام المرقص قول ابن اللبانة: بروحي وأهلي جيرة ما استعنتهم ... على الدهر إلا وانثنيت معانا أراشوا جناحي ثم بلوه بالندى ... فلم أستطع من أرضهم طيرانا٣ وعدوا أيضًا من الانسجام المرقص قول ابن الرقاق: وأغيد طاف بالكئوس ضحى ... وحثها والصباح قد وضحا والروض أهدى لنا شقائقه ... وآسه العنبري قد نفحا قلنا وأين الأقاح قال لنا ... أودعته ثغر من سقى القدحا فظل ساقي المدام يجحد ما ... قال فلما تبسم افتضحا٤

стр. 466

وعدوا من الانسجام المرقص قول ابن سنا الملك. لا تخش مني فإني كالنسيم ضنى ... وما النسيم بمخشي على الغصن وعدوا من الانسجام المرقص قول ابن الدباغ، وقد تقدم: يا رب إن قدرته لمقبِّل ... غيري فللمسواك أو للأكؤس ولئن قضيت لنا بصحبة ثالث ... يا رب فلتك شمعة في المجلس وإذا قضيت لنا بعين مراقب ... يا رب فلتك من عيون النرجس ومثله قوله: وأشكو إلى ليل الغدائر غدرها ... وأملي عليه وهو في الأرض يكتب هذه الأبيات تقدمت في باب الانسجام الغرامي، ولكن لم يظهر من مكررها غير الحلاوة. وعدوا من الانسجام المرقص قول كمال الدين بن النبيه: وكوكب الصبح نجاب على يده ... مخلق تملأ الدنيا بشائره١ وعدوا من الانسجام المرقص قول الصاحب جمال الدين بن مطروح: إذا ما اشتهى المرقص قول الصاحب جمال الدين بن مطروح: إذا ما اشتهى الخلخال أخبار قرطها ... فيا طيب ما تملي عليه الضفائر٢ وعدوا من الانسجام المرقص قول البرهان بن الفقيه نصر الله: أقتطف السوداء من لمتي ... أخذًا مع البيضاء إذ تسرف٣ فتخلف البيضاء أمثالها ... وتغضب السوداء فما تخلف حماقة السودان من ههنا ... يعرفها من لم يكن يعرف وعدوا من الانسجام المرقص قول أمين الدين التلمساني: ساروا فيها وحشة الوادي لبعدهم ... منهم ولا سيما الأغصان والكثب

стр. 467

ومن الانسجامات المرجزة التي لو أدركها الشريف تطفل على نسيم أبياتها، واعترف أن ما للصادح والباغم تغريد صادحاتها، أرجوزة الشيخ جمال الدين بن نباتة، الموسومة بنظم السلوك في مصايد الملوك، التي امتدح بها الملك الأفضل بن الملك المؤيد صاحب حماة، وكان قد لقب قبل الأفضل بالمنصور، وهي: أثنى شذا الروض على فضل السحب ... واشتملت بالوشي أرداف الكتب١ ما بين نور مسفر اللثام ... وزهر يضحك في الأكمام٢ إن كانت الأرض لها ذخائر ... فهي لعمري هذه الأزاهر٣ قد بسطتها راحة الغمائم ... بسط الدنانير على الدراهم أحسن بوجه الزمن الوسيم ... تعرف فيه نضرة النعيم وحبذا وادي حماة الرحب ... حيث زها العيش به والعشب أرض الهناء والسناء والمرح ... والأمن واليمن ورايات الفرح ذات النواعير سقات الترب ... وأمهات عصفه والأب٤ تعلمت نوح الحمام الهتف ... أيام كانت ذات فرع أهيف فكلها من الحنين قلب ... فكيف لا والما عليها صب لله ذاك السفح والوادي الغرد ... والماء معسول الرضاب مضطرد يصبو بها الرائي فكيف السامع ... ويحمد العاصي فكيف الطائع إذا نظرت للربا والنهر ... فارو عن الربيع أو عن جعفر محاسنًا تلهي العيون والفكر ... ربيع روضات وشحرور صفر أمام كل منزل بستان ... وبين كل قرية ميدان أما رأيت الورق في الأوراق ... جاذبة القلوب بالأطواق٥ فبادر اللذة يا فلان ... واغنم متى أمكنك الزمان ولا تقل مشتي ولا مصيف ... فكل أوقات الهنا خريف كل زمان يتقضى بالجدل ... زمان عيش كلما دار اعتدل

стр. 468

أحسن ما أذكر من أوقاته ... وخير ما أنعت من لذاته بروزنا للصيد فيه والقنص ... وحوزنا من مره أحلى الفرص وأخذنا الوحش من المسارب ... وفعلنا في الطير فوق الواجب لما دنا زمان رمي البندق ... سرنا على وجه السرور المشرق١ في عصبة عادلة في الحكم ... وغلمة مثل بدور التم٢ من كل مبعثوث إلى الأطيار ... تظله غمامة الغبار قد حمد القوم به عقب السفر ... عند اقتران القوس منه بالقمر لولا حذار القوس من يديه ... لغنت الورق على عطفيه في كف محنية الأوصال ... قاطعة الأعمار كالهلال زهراء خضراء الإهاب معجبه ... مما ثوت بين الرياض المعشبة٣ فاغرة الأفواه للأطيار ... طالبة لهن بالأوتار كأنها بين المياه نون ... أو حاجب بما تشا مقرون لها بنات بالمنى معذوقه ... من طينة واحدة مخلوقة٤ سامعة لما تشير الأم ... مع أنها مثل الحجار صم كأنها والطير منها هارب ... خلف الشياطين شهاب ثاقب واهًا لها شبه كرات تخطف ... شاهدة بالعزم وهي تقذف حتى نزلنا بمكان مونق ... إخوان صدق أحدقوا بالملق٥ فيا له في الحسن من محل ... مراد جد ومراد هزل للطير في مياهه مواقع ... كأنها من ولها فواقع٦ فلم نزل في منزل كريم ... نروي حديث الرمي عن قديم حتى طوى الأفق رداء الورس ... والتهم المغرب قرص الشمس٧ وابتدر القوم إلى المراصد ... من ساهر ليل التمام ساهد كالليث يسطو كفه بأرقم ... والبدر يرمي في الدجا بأسهم٨

стр. 469

بينا الطيور في مداها ساهره ... إذا هم من عينه بالساهره١ وأقبلت مواكب الطيور ... على طروس الجو كالسطور فحبذا السطور في المهارق ... منظومة الأحرف بالبنادق٢ من كل تم حق أن نسمي ... ضياءه المشرق بدر التم تخاله من تحت عنق قد سجا ... طرة صبح تحت أذيال الدجا وكل ذي حسن من الوسامه ... تخاله في أفقه غمامه تتبعه أوزة دكناء ... من دونها لقلقة غراء٣ تقدمها أنيسة ملوَّنه ... تابعة من كل وصف أحسنه يجني به الأكل خير ما جنى ... وأحسن المأكول ما تلوَّنا وربما مر لديها حبرج ... كأنه على نضار يدرج٤ وانقض من بعض الجبال نسر ... له بأبراج النجوم وكر مغير الخلق شديد الأيدي ... يبني على الكسر حروف الصيد تحث مسراه عقاب كاسبه ... خافضة لحظ الطيور ناصبه٥ إذا مضت جملتها المعترضه ... تواصلت خيوطها المنقرضه بكل كركي عجيب السير ... كأنه طيف خيال الطير٦ يحث غرونقًا شهي المجتلى ... مقدمًا على الغرانيق العلا٧ وأبيض كالغيم يسمى مرزما ... كم بات مثل نورة مبتسما٨ يحثه سبيطر قوي ... معجزة في الطير موسويّ كم حاش ثعبانًا وكم حواه ... كأنه في يده عصاه هذا وكم ذي نظر ممتاز ... ينعت في الواجب بالعناز٩

стр. 470

أسود إلا لمعة في الصدر ... كأنها نور الهدى في الكفر فلم تزل قسينا الضواري ... تصيبها بأعين الأوتار حتى غدت دامية النحور ... ساقطة منها على الخبير كأنها وهي لدينا وُقّع ... لدى محاريب القسي ركع واصبحت أطيارنا قد حصلت ... ولم تسل بأي ذنب قتلت مستتبعًا وجه العشا وجه السحر ... وكل وجه منهما وجه أغر يا لك من صيد مقر العين ... مرضي الصحاب وهو ذو الوجهين لم نرض وما وفى من الأماني ... حتى شفعناه بصيد ثاني صيد الملوك الصيد بالكواسر ... والخيل في وجه الصباح السافر١ ذاك الذي تصبو له الجوارح ... فهي إلى طلابه طوامح واثقة بالرزق حيث كانا ... تغدو خماصًا وتجي بطانا٢ سرنا على اسم الله والمناجح ... نعوم في الأقطار بالسوابح٣ خيل تحاذي الصيد حيث مالا ... كأنها أضحت له ظلالا تسعى بها قوائم لا تتبع ... وكيف لا وهي الرياح الأربع تحفنا من فوقها غلمان ... كأنهم لدوحنا أغصان ترك تريك في سماء الملبس ... كواكبًا طالعة في الأطلس٤ منظومة الأوساط بالسلاح ... من كل سهم زجل الجناح٥ وكل عضب ذرب المقاطع ... يحرّف الهام عن المواضع٦ على يد السائر منهم زاده ... من كل باز قرم فؤاده٧ قد كتبت في صدره حروف ... تقرا بما تقوى به الضيوف وكل شاهين شهي المرتمى ... كبارق طار وصوب قد همي٨ بينا تراه ذاهبًا لصيده ... معتصمًا بأيده وكيده٩

стр. 471

حتى تراه عائدًا من أفقه ... متلزمًا طائره في عنقه أفلح من كان على يسراه ... حتى غدت حاسدة يمناه تلك يد لا تعرف الإعسارا ... لأجل هذا سميت يسارا وكل صقر مسبل الجناح ... مواصل الغدو والرواح ذي مقلة لها ضرام واقد ... يكاد يشوي ما يصيد الصائد كأنما المخلب منه منجل ... لحصد أعمار الطيور مرسل يا حبذا طيور جد ولعب ... تهوي إلى الأرض وللأفق تشب من سنقر عالي المدى والشان ... معظم الأخبار والعيان١ يصعد خلف الرزق ليس يمهله ... كأنه من السما يستعجله ومن عقاب بأسها مروع ... كأنها للطير جن يصرع كم جلبت لطائر من وهن ... وكم وكم قد أهلكت من قرن٢ وحبذا كواسر الكواهي ... عديمة الأنظار والأشباه٣ مخصوصة بالطرد القويم ... حدباء كظهر الذنب الرقيم ذاك لعمري حدب للرائي ... يعدل ملك القلعة الحدباء هذا وقد تجهزت أعداد ... يجمعها الكلاب والفهاد من كل فهد عنتري الحمله ... إذا رأى شخص مهاة عبله٤ مبارك الإقبال والإعراض ... مستقبل الحال بناب ماض كأنه من حسدة اكتسابه ... قد أحرق الأنجم في إهابه له على مسايل الجفون ... خط كخط الألفات الجون٥ ما أبصر المبصر خطًّا مثله ... وكيف لا والخط لابن مقله وكل منسوب إلى سلوق ... أهرت وثاب الخطا ممشوق٦ طاوي الفؤاد ناشر الأظافر ... يا عجبًا منه لطاوٍ ناشر

стр. 472

يعض بالبيض ويخطو بالقنا ... ويسبق الوهم لإدراك المنى كالقوس إلا أنه كالسهم ... والغيم يجلو عن شهاب الرجم إذا تراءى بقر الوحش اندفع ... كأنه المريخ في الثور طلع١ قاصرة عن يده عيناه ... مشروطة برجله أذناه يشفعه كل عزيز عاري ... مغالب الصيد على الأوكار واهًا لها من أكلب طوارد ... معربة عن مضمر المصايد قد بالغت من طمع في كسبها ... ففتشت عن أنفس لم تخبها حتى إذا تمت بها الأمور ... حفت بنا لصيدها الطيور ما بين روضات مددنا نحوها ... وحول آفاق ملكنا جوها واستقبلت أطيارها البزاة ... معلمة كأنها الغزاة٢ فلم تزل تسطو سطا الحجاج ... على الكراكي إلى الدراج٣ حتى غدت تلك البزاة صرعى ... مجموعة على التراب جمعا على الربا من دمها خلوق ... كأن كل نبتها شقيق ثم عطفنا للوحوش السائحة ... واستبقت تلك الضواري الطامحة كلاب صيد بينها سناقر ... تفعل في الوحش بها الفواقر تخشى بها العقر على نفوسها ... فالطير لاشك على رءوسها وللكلاب حولها مغار ... يكاد أن تقدح منه النار من نمر لسانه يلوب ... تقول هذا كوسج مخضوب٤ يعانق الظبي عناق الوامق ... ما كان أغنى الظبي عن معانق والفهد لايشتد على الآجال ... شد وصي السوء في الأموال لا يهمل القصد ولا يخون ... كأن كل جسمه عيون وللزعاريات خلف الأرنب ... حقائق تبطل كيد الثعلب٥ كم برحت بالهارب المكدود ... وطوحت بصاحب الأخدود وربما مرت ظباء ومها ... للنبل في أكل حشاها مشتهى قد نسجت ملاءة من عنبر ... تخاط من قرونها بالإبر

стр. 473

فابتدرت أجنحة السهام ... صائبة الأغراض والمرامي تجرح كل سانح نفور ... كأنه بعض شهود الزور كأن أقطار الفلاة مجزره ... أو روضة من الدماء مزهره كأن صرعى وحشها كفار ... الموت عقبى أمرها والنار للمرء فيها منظر أحبه ... يملأ من لحم وشحم قلبه لله ذاك المنظر المهنا ... أي معاد عن ذراه عدنا قد ملئت من ظفر أيدينا ... وقد شكرنا فضل ما حبينا نسير حول الملك المنصور ... كالشهب حول القمر المنير محمد ناصر دين أحمد ... الملك ابن الملك المؤيد يا حبذا من والد ومن ولد ... وحبذا من شبل ملك وأسد١ فرع زها بأصله أيوب ... فأثمرت بحبه القلوب قال الأنام حظه جليّ ... قلت نعم وجده عليُّ ذاك الذي سام العلا صبيا ... وجاءها من مهده مهديا محكم السطوة سحاح الديم ... يأخذ بالسيف ويعطي بالقلم لو لمس الصخر لفاض نهرا ... أو صحب النجم لعاد بدرا لا ظلم يلفى في حماه العالي ... إلا على العداة والأموال أما ترى الدينار منه خائفًا ... أصفر من كف الهبات ناشفا كالبدر في سنائه وتمه ... والطود في وقاره وحلمه مرأى يشف عن فخار أصل ... ونسخة قد قوبلت بالأصل ما ضر من خيم في جنابه ... أن لا تكون الشهب من أطنابه جناب عزٍ جاره لا ينكب ... وباب نجح للغنى مجرب٢ غنيت في ظلاله عن الورى ... غني نزيل المدن عن قصد القرى ورحت من نعماه بالتواتر ... أروي أحاديث عطا عن جابر يزداد لفظي بهجة ورونقا ... كأنه الخمر إذا تعتقا إن لم أرم ذاك الحمى العالي فمن ... ينصرني على تصاريف الزمن يا ناصر الدين دعاء مادح ... ما بين روضات السطور صادح حسبك مثلي في الأنام شاعرا ... وحسب شعري قوة وناصرا

стр. 474

ومن الأراجيز المرتجلة، التي سارت الركبان ببلاغة ارتجالها ولطف انسجامها، أرجوزة الشيخ زين الدين عمر بن المظفر الوردي، سقى الله ثراه، التي ارتجلها بدمشق المحروسة عند الامتحان المفحم. فقد ذكر الشيخ الإمام العلامة إمام المحدثين، أبو الفداء إسماعيل بن كثير، أن الشيخ زين الدين المشار إليه قدم دمشق المحروسة، في أيام القاضي نجم الدين بن صصري تغمده الله برحمته ورضوانه، فأجلسه في الصفة المعروفة بالشباك في جملة الشهود، وكان يومئذ زري١ الحال، فاستخف به الشهود، فحضر يومًا كتابة مشتري ملك، فقال بعضهم: أعطو المعري يكتبه على سبيل الاستهزاء فقال الشيخ: ارسموا لي أكتبه، نظمًا ونثرًا. فزاد استهزاؤهم به فقالوا: بل نظمًا. فأخذ الطرس وكتب ارتجالًا ما صورته: باسم إله الخلق هذا ما اشترى ... محمد بن يونس بن سنقرا من مالك بن أحمد بن الأزرق ... كلاهما قد عرفا من جلق فباعه قطعة أرض واقعة ... بكورة الغوطة وهي جامعة٢ لشجر مختلف الأجناس ... والرض في البيع مع الغِراس وذرع ذي الأرض بالذراع ... عشرون في الطول بلا نزاع وذرعها في العرض أيضًا عشره ... وهو ذراع باليد المعتبره وحدها من قبلة ملك التقى ... وحائز الرومي حد المشرق٣ ومن شمال ملك أولاد علي ... والغرب ملك عامر بن جهبل وهذه تعرف من قديم ... بأنها قطعة بنت الرومي بيعت صحيحًا لازمًا شرعيًّا ... ثم شراء قاطعًا مرعيًا بثمن مبلغه من فضه ... وازنة جيدة مبيضه جارية للناس في المعامله ... ألفان منها النصف ألف كاملة قبضها البائع منه وافيه ... فعادت الذمة منها خاليه وسلم الأرض إلى من اشترى ... فقبض القطعة منه وجرى بينهما بالبدن التفرق ... طوعًا فما لأحد تعلق

стр. 475

ثم ضمان الدرك المشهور ... فيه على بائعه المذكور وأشهدا عليهما بذاك في ... رابع عشر رمضان الأشرف من عام سبعمائة وعشره ... من بعد خمسة تليها الهجره والحمد لله وصلى ربي ... على النبي وآله والصحب يشهد بالمضمون من هذا عمر ... ابن المظفر المعري إذ حضر فلما فرغ الشيخ من نظمه، وتأمل الجماعة ارتجاله وسرعة بديهته، اتفق أنه لم يكن فيهم من يحسن النظم: فقالوا، وقد اعترفوا بفضل الشيخ وعجزوا عن رسم الشهادة: لعل الشيخ يسد عن أحدٍ منا برسم شهادته. فكتب عن شخص منهم إلى جانبه يدعى ابن رسول: وقد حضر العقد الصحيح أحمد ... ابن رسول وبذاك يشهد ومما استعذب، من انسجامات الشيخ برهان الدين القيراطي، قوله، من قصيدة تائية: أخذت بابل عنه ... بعض تلك النفثات فهو غصن في انعطاف ... وغزال في التفات حسنات الخد منه ... قد أطالت حسراتي كلما ساء فعالا ... قلت إن الحسنات ولسوء الحظ صارت ... حسناتي سيئاتي أعشق الشامات منه ... وهي أسباب مماتي ويعجبني قوله منها: بأبي لحظ غزال ... قائل في الخلوات إن للموت بأقدا ... ح جفوني سكرات قلت قد مت غرامًا ... قال لي مت بحياتي ومنها: قلت إذ حرك عودا ... عازفًا بالنغمات أنت مفتاح سروري ... يا سعيد الحركات ومن انسجاماتي الغرامية المرجزة، التي تقدمني فيها الشيخ جمال الدين بن نباتة، والشيخ زين الدين بن الوردي، قصيدتي الدالية التي كتبت بها قديمًا من حماة المحروسة، إلى

стр. 476

القاضي فخر الدين بن مكانس وولده القاضي مجد الدين، تغمدهما الله برحمته، وهي: ما لمعت بارقة من نجد ... إلا وهزتني وعود وجدي ولا سرت سحابة مغدقة ... إلا وكان مثلها في خدي١ فيا رعى الله زمانًا بالحمى ... فإن لي فيه بقايا عهد ويا رُبى مصر مراضع الحيا ... يرضعك الغيث بذاك المهد كم ليلة قضيتها وأنجم الـ ... ـجوزاء فوق صدرها كالعقد والرض قد حاكت برود وشيها ... يحار في صفاتها ابن برد وكوثر النير يروق منظرًا ... حتى كأني في جنان الخلد وهند ما تخطر في برودها ... إلا أمالت عذبات الرند٢ مضرية لكن يماني لحظها ... منتسب في فتكه للهند آه له من سيف لحظ باتر ... زاد على عشاقه في الحد عبد مناف جدها وإنما ... قلبي لها قد صار عبد ود يا لأمير النحل قرص وجهها ... يشهد أن ريقها من شهد وثغرها يقول في نظامه ... يا يتم أبكار اللآلي بعدي وشعرها الطائل قد قلنا له ... أنت لنا نابغة يا جعدي وريقها قال النباتي أنا ... وخدها قال أنا ابن الوردي والغصن حاكى قدَّها قالت له ... ما أنت يا غصن الرياد قدي٣ يا قدها وردفها لولاكما ... ما اشتقت بانات الكثيب الفرد سألتها لم صرفت عن ناظري ... وكلفت قلبي بطول النقد قالت تركت الفخر من بين الورى ... وقد قعدت عن طلاب المجد لعمري إن الشرح قد طال في نوع الانسجام، ولكن ما استطردت بخيوله إلا إلى كل مهيع٤ بديغ وغريب. فبيت الشيخ صفي الدين الحلي، في بديعيته على نوع الانسجام، يقول فيه عن النبي ﷺ : فذكره قد أتى في هل أتى وسبا ... وفضله ظاهر في نون والقلم٥

стр. 477

انسجام الشيخ صفي الدين في بيته ظاهر. والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته: بان انسجام كلام منزل عجب ... يهدي ويخبرنا عن سالف الأمم بيت الشيخ عز الدين لم يكن له تعلق بما قبله من المديح النبوي، والذي يظهر لي منه أنه أشار به إلى القرآن بأنه كلام منزل، وانسجامه عجب يهدي وبخبرنا عن سالف الأمم. وبيت بديعيتي أقول فيه، عن النبي ﷺ : له انسجام دموعي في مدائحه ... بالله شنف بها يا طيب الكلم ولقد عجبت من الشيخ عز الدين، كيف عقد بين انسجامه مع سهولة هذا النوع وقرب مأخذه ولطف تسميته وقبولها للاشتراك. انتهى.

стр. 478

ذكر التفصيل: وإن ذكرت زمانًا ضاع من عمري ... في غير تفصيل مدح صحت يا ندمي التفصيل: بصاد مهملة، نوع رخيص بالنسبة إلى فن البديع، والمغالاة في نظمه، وقد نبهت قبله على عدة أنواع سالفة، ولكن المعارضة أوجبت الشروع في نظمه، كالتصدير وعتاب المرء نفسه، وتشابه الأطراف وما أشبه ذلك. والتفصيل هو أن يأتي الشاعر بشطر بيت له متقدم، صدرًا كان أو عجزًا، ليفصل به كلامه بعد حسن التصريف في التوطئة الملايمة. والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم، وغالب علماء البديع لم يذكروه في مصنفاتهم، غير أن الشيخ صفي الدين الحلي أورده في بديعيته، فدعت المعارضة إلى نظمه. وبيته في بديعيته: صلى عليه إله العرش ما طلعت ... شمس النهار ولاحت أنجم الظُلَم فصدر هذا البيت ذكر أنه تقدم له في قصيدة قافية، امتدح بها النبي ﷺ ، مطلعها: فيروزج الصبح أم ياقوتة الشفق ... بدت فهيجت الورقاء في الورق والبيت الذي أتى بصدره منها وأثبته في بديعيته على حاله لأجل نوع التفصيل هو: صلى عليه إله العرش ما طلعت ... شمس النهار ولاحت أنجم الغسق١ وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته: فصيل مدحك تجميل لذي أدب ... تأوصاله كفت البلوى من الرَّقِم فصدر بيت الشيخ عز الدين كان عجزًا في قصيدة تقدمت له بائية، مطلعها: لو أن وجه رضائي غير منتقب ... ما سر قلبي بلوغي غاية الأرب٢

стр. 479

الذي جعل صدره عجزًا وأبقاه على حاله في بديعيته، لأجل نوع التفصيل: كسوتني حللًا بين الأنام بها ... تفصيل مدحك تجميل لذي أدب هذا البيت كان تفصيل حلله كاملًا في موضعه. ولما نقل الشيخ عز الدين عجزه، وجعله صدرًا في بديعيته، ظهر في تفصيله نقص بقوله مع العقادة في العجز، كفت البلوى من الرَّقم. فإن الرقم بفتح الراء وكسر القاف الداهية. والداهية إذا دخلت بيتًا تركته خرابًا. وبيت بديعيتي أقول فيه، عن النبي ﷺ : وإن ذكرت زمانًا ضاع من عمري ... في غير تفصيل مدح صحت يا ندمي فصدر هذا البيت تقدم لي، في قصيدة فائية مطلعها: قد مال غصن النقا عن صبه هيفا ... يا ليته بنسيم العتب لو عطفا والبيت الذي نقلت صدره منها وأثبته في بديعيتي، وأبقيته على حاله لأجل نوع التفصيل هو: وإن ذكرت زمانًا ضاع من عمري ... ولم أهاجر إليه صحت يا أسفا وهذه القصيدة من غرر قصائدي، بل من غرر القصائد، منها: مزاج خمرة فيه جاء معتدلًا ... فراح منه مزاج الراح منحرفا ومذ غدا جسمه ماء برقته ... علمت والله أن القلب منه صفا منه الغزالة غارت عينها حسدًا ... والبدر قد لازم التسهيد والكلفا١ والظبي قال أنا أحكي لواحظه ... فصح عندي أن الظبي قد خرفا٢ ومنها: مذ صار لي قبلة محراب حاجبه ... صيرت عابد طرفي فيه معتكفا٣ ولام فيه عذول قلت من كلفي ... قلبي رأى منه قدًّا في الهوى ألفا ما ضربه لو عفا عني وأظهر لي ... عطفًا وعاين ربع الصبر كيف عفا أراد مني وكف الدمع قلت له ... حسيبك الله يا بدر الدجى وكفى٤ لم أستطرد إلى ذكر هذه الأبيات هنا إلا لأن نوع التفصيل لم يحتمل إطلاق عنان القلم في الكلام عليه إلى أكثر من ذلك.

стр. 480

فهرس الموضوعات: ٥ تمهيد وتقديم ٦ تطور علم البديع حتى عصر ابن حجة ٩ التعريف بخزانة الأدب وعملنا فيه ١٠ ملاحظات حول الكتاب ١٥ التعريف بالكاتب - حياته وعمله ١٦ مؤلفاته ١٧ مقدمة الكاتب ١٩ في حسن الابتداء وبراعة الاستهلال ١٩ حسن الابتداء عند المتقدمين ٢٣ حسن الابتداء عند المحدثين ٣٠ براعة الاستهلال في النظم ٤٠ براعة الاستهلال في النثر ٥٤ الجناس ٦٧ ذكر الجناس الملفق ٧٠ الجناس المذيل واللاحق ٧٤ الجناس التام والمطرف ٨٥ الجناس المصحف والمحرف ٨٩ الجناس اللفظي والمقلوب ٩٥ ذكر الجناس المعنوي ١٠٢ ذكر الاستطراد ١٠٩ ذكر الاستعارة ١١٩ ذكر الاستخدام ١٢٦ ذكر الهزل الذي يراد به الجد ١٢٩ ذكر المقابلة ١٣٤ ذكر الالتفات ١٣٨ ذكر الافتتان ١٤٩ ذكر الطي والنشر ١٥٦ ذكر الطباق ١٧٢ ذكر النزاهة ١٧٥ ذكر التخيير ١٧٨ ذكر الإبهام ١٨٦ ذكر إرسال المثل

стр. 481

٢١٥ ذكر التهكم ٢١٨ ذكر المراجعة ٢٢٢ ذكر التوشيح ٢٢٥ ذكر تشابه الأطراف ٢٢٧ ذكر التغاير ٢٤٢ ذكر التذييل ٢٤٦ ذكر التغويف ٢٤٩ ذكر المواربة ٢٥١ ذكر الكلام الجامع ٢٥٣ ذكر المناقضة ٢٥٥ ذكر التصدير أو رد العجز على الصدر ٢٥٨ ذكر القول بالموجب أو أسلوب الحكيم ٢٦١ ذكر الهجو في معرض المدح ٢٦٣ ذكر الاستثاء ٢٦٦ ذكر التشريع ٢٧١ ذكر التتميم ٢٧٤ ذكر تجاهل العارف ٢٨٢ ذكر الاكتفاء ٢٩٣ ذكر مراعاة النظير ٢٩٩ ذكر التمثيل ٣٠٢ ذكر التوجيه ٣٢٠ ذكر عتاب المرء نفسه ٣٢٢ ذكر القسم ٣٢٩ ذكر حسن التخلص ٣٥١ ذكر الإطراد ٣٥٤ ذكر العكس ٣٥٩ ذكر الترديد ٣٦١ ذكر التكرار ٣٦٤ ذكر المذهب الكلامي ٣٦٧ ذكر المناسبة ٣٧٢ ذكر التوشيع ٣٧٤ ذكر التكميل ٣٧٨ ذكر التفريق ٣٨١ ذكر التشطير ٣٨٣ ذكر التشبيه ٤٠٦ التشبيه بالتلميح ٤١٥ ذكر تشبيه شيئين بشيئين ٤١٧ ذكر الانسجام ٤٢١ الانسجام في الشعر ٤٧٧ ذكر التفصيل

стр. 482

المجلد الثاني ذكر النوادر نوادر المدح في أوصافه نشقت ... منه الصبا فأتتنا وهي في شمم هذا النوع، أعني النوادر، سماه قوم الإغراب والطرفة، وهو أن يأتي الشاعر بمعنى يستغرب، لقلة استعماله، لا لأنه لم يسمع بمثله. وهذا مما اختاره قدامة دون غيره، ولكن غالب علماء البديع اختاروا غير رأي قدامة في هذا النوع، فإنهم قالوا: لا يكون المعنى غريبًا إلا إذا لم يسمع بمثله. وأورد زكي الدين بن أبي الأصبع، في كتابه المسمّى: "بتحرير التحبير" لنوع النوادر حدًّا أقرب إليه من اختيار قدامة، وأبلغ وأوقع في النفوس، وهو أن يعمد الشاعر إلى معنى مشهور، ليس بغريب في بابه، فيغرب فيه بزيادة لم تقع لغيره، ليصير بها ذلك المعنى المشهور غريبًا، وينفرد به دون كل من نطق به. وبيان ذلك أن تشبيه الحسان بالشمس والبدر مبذول معروف، قد ذهبت طلاوته لكثرة ابتذاله، وكان سابق المتقدمين وقبلة المتأخرين، القاضي الفاضل، أنفت نفسه من المثابرة على هذا الابتذال، وكثرة تشبيه الحسان بالبدور، فقال: تراءى ومرآة السماء صقيلة ... فأثر فيها وجهه صورة البدر سبحان المانح حاصل كلامه تشبيه محسوبه بالبدر، ولكن زيادة هذه النادرة اللطيفة لا تخفى إلا على أكمه١ لا يعرف القمر، وعلى هذا المنوال نسجت بيت بديعيتي.

стр. 483

ويعجبني في باب النوادر، قول القائل: عرض المشيب بعارضنيه فأعرضوا ... وتقوضت خيم الشباب فقوّضوا١ ولقد سمعت وما سمعت بمثله ... بين غراب البين فيه أبيض وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته يقول فيه، عن النبي ﷺ : كأنما قلب معن ملء فيه فلم ... يقل لسائله يومًا سوى نعم هذا البيت، ذكر الشيخ صفي الدين في شرحه أن النادرة فيه، قلب معن بنعم. قلت: قلب معن بنعم لم يعد من نوع النوادر، بل من أنواع الجناس المسمى بالقلب والعكس، وجناس القلب وغيره من أنواع الجناس ليس فيه غير خدمة الألفاظ، فإنه نوع لفظي والذي قرره قدامة وغيره، في هذا النوع، أن الغرابة تكون في المعنى، بحيث يعد ذلك المعنى من النوادر. والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته "هو": نوادر من جناني كالجنان زهت ... أم هل بدت واضحات الحسن من إرم قلت: إن بيت الشيخ صفي الدين الحلي، مع ما فيه من النقد والمؤاخذة، معدود من النوادر بالنسبة إلى هذا البيت. وما أشبهه بالبيت الذي أخبر عن الحريري في مقاماته، وقال إنه أخرج من التابوت، وأوهن من بيت العنكبوت. وما ذاك إلا أنني كررت النظر في أركان هذا البيت، فلم أجد فيه مقرًّا لنادرة من النوادر التي تقدم تقريرها، لم يسعني غير النظر في شرحه، فوجدته قال: إن جناني ظهر منه محاسن مدهشة، أم بدت محاسن إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، ويحكى أنها جنة بناها عاد. قلت وما أحق اختراع الخراع بهذه العبارة، وهي، بشهادة الله، عبارته بنصها. والذي أعده من النوادر، إبراز الشيخ عز الدين مثل هذا البيت في بديعيته، ورضاه به، وتنزيل مثل هذه العبارة عليه. انتهى. وبيت بديعيتي أقول فيه، عن النبي ﷺ : نوادر المدح في أوصافه نشقت ... منها الصبا فأتتنا وهي في شمم النادرة في معنى هذا البيت عرفها ضائع لمن شمه من أهل الأدب، وما ذاك إلا أن

стр. 484

النسيم أكثر الشعراء من استعماله في تحمل الرسائل. وغاية ما أغربوا فيه أنه ينشق منه عرف الأحبة، إذا هب من نحوهم. والنادرة التي أغربت بها هذا المعنى: أن نسيم الصبا لما نشقت عرف مديح النبي ﷺ وتعرفت به تزايد شممها. والشمم للنسيم نادرة، بل نكتة لم أسبق إليها. فإن النسيم أحق باشتراك هذه التورية من غيره، لأن الشمم لائق به وهذا الذي أشار إليه ابن أبي الأصبع، في أن الشاعر يعمد إلى معنى مبذول معروف ليس بغريب في بابه، فيغربه، بزيادة لم تقع لغيره، ويصير بها ذلك المعنى المعروف غريبًا ومثل ذلك، حتى يزداد نوع النوادر إيضاحًا، قول أبي نواس: هبت لنا ريح شمالية ... متت إلى القلب بأسباب أدت رسالات الهوى بيننا ... عرفتها من بين أصحابي قوله: عرفتها من بين أصحابي، نادرة لم يسبق إليها. وقد جاراه مجير الدين الخياط، في بديع هذا النوع. ونادرة هذا المعنى لولا الحياء لقلت إنه أحرز قصبات السبق عليه، بقوله: يا نسيم الصبا الولوع بوجدى ... حبذا أنت لو مررت بهند ولقد رابني شذاك فبالله ... متى عهده بأطلال نجد١ بين ولقد رابني شذاك، في بيت مجير الدين، وبين عرفتها من بين أصحابي معرك ذوقي، ما يدركه إلا من صفت مرآة ذوقه في علم الأدب. ولعمري إن النادرتين يتجمل بهما هذا النوع ومثله قول القائل، ويعجبني إلى الغاية: ويد الشمال عشية مذ أرعشت ... دلت على ضعف النسيم بخطها كتبت سقيمًا في صحيفة جدول ... فيد الغمامة صححته بنقطها٢ النوادر في هذين البيتين، لم يحتج برهانها إلى إقامة دليل، وقد فهمت الزيادات في غرابة المعاني المبتذلة. ومثله، ولم يخرج عما نحن فيه من لطف النسيم ونوادر النوع، قول القائل: هبت صبا من قاسيون فسكنت ... بهبوبها وصب الفؤاد البالي٣ خاضت مياه النيرين عشية ... وأتتك وهي بليلة الأذيال٤

стр. 485

ويعجبني في هذا الباب قول ناصر الدين بن المشد: مسكية الأنفاس تملي الصبا ... عنها حديثًا قط لم يملل جننت لما أن سرى عرفها ... وما نرى من جن بالمندل١ وألطف منه وأكثر نوادر، قول بدر الدين حسن الغزي، الشهير بالزغاري: سرت من بعيد الدار لي نسمة الصبا ... وقد أصبحت حسرى من السير ضائعهْ ومن عرق مبلولة الجيب بالندى ... ومن تعب أنفاسها متتابعهْ ومن العجائب في هذا النوع: حبذا ليلة رأيت دجاها ... زاهيًا عطفه بحلة فجر بشرت باللقاء وهي غراب ... ونفي الفجر حسنها وهي قمري٢ ومن النوادر اللطيفة، في هذا الباب، قول علاء الدين الجويني، صاحب الديوان ببغداد، من دو بيت: مذ صار مبيتنا بضوء القمر ... والحب نديمنا وصوت الوتر نادى بفراقنا نسيم سحرًا ... ما أبرد ما جاءت نسيم السحر ومن نادر ما اتفق لي قولي من قصيدة رائية: ومذ سرت نسمات الثغر باردة ... بدار بأعضاء ذاك الجفن تكسير قد تقدم تقرير حد ابن أبي الأصبع، في نوع النوادر وتكرر، وهو أن يعمد الشاعر إلى معنى مشهور كثير الاستعمال، فيغرب فيه بزيادة نكتة لم تقع لغيره، ليصير المعنى المستعمل بها غريبًا. وقد فهم ما أوردته هنا من تلاعب الشعراء بالنسيم، وما أظهروا فيه من النوادر التي تركت رخيصه غاليًا. وتكسير الجفن أيضًا ونسبة التكسير إليه أكثر أهل الأدب استعماله في تغزلهم ونسيبهم، ولكن استعارة النسمات الباردة للثغر، وهبوبها على أعضاء ذاك الجفن السقيم، حتى ظهر فيه التكسير، نادرة النوادر في هذا النوع. والله أعلم.

стр. 486

ذكر المبالغة: بالغ وقل كم جلا بالنور ليل وغى ... والشهب قد رمدت من عثير الدهم١ المبالغة نوع معدود من محاسن هذا الفن عند الجمهور، واستدلوا على ذلك بقول من قال: أحسن الشعر أكذبه، وبقول النابغة الذبياني: أشعر الناس من استجيد كذبه، وضحك من رديئه. واستدلوا أيضًا برد النابغة المذكور على مثل حسان بن ثابت، في قوله: لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما٢ والرد الذي رده النابغة على هذا البيت في ثلاثة مواضع: الأول منها أنه قال له: قلت لنا الجفنات والجفنات تدل على قليل، فلا فخر لك ولا مبالغة إذا كان في ساحتك ثلاث جفان أو أربع. والثاني: أنك قلت: يلمعن، واللمعة بياض قليل ليس في كبير شانٍ. والثالث: أنك قلت في السيوف: يقطرن، والقطرة تكون للقليل فلا تدل على فرط نجدة، ولا مبالغة. وترشيح جانب المبالغة مذهب ابن رشيق، في العمدة، ومنهم من لم يَعُدَّ المبالغة من حسنات الكلام، ومشى في ذلك على مذهب حسان بن ثابت ﵁ فإنه قال: وإنما الشعر عقل المرء يعرضه ... على الأنام فإن كيسا وإن حمقا٣

стр. 487

وإن أشعر بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا وعند أهل هذا المذهب، أن المبالغة لم تسفر عن غير التهويل على السامع، ولم يفر الناظم إلى التخييم عليها إلا لعجزه، وقصور همته عن اختراع المعاني المبتكرة؛ لأنها في صناعة الشعر كالاستراحة من الشاعر، إذ أعياه إيراد المعاني الغريبة، فيشغل الأسماع بما هو محال وتهويل. وقالوا: ربما أنها أحالت المعاني فأخرجتها عن حد الكلام الممكن إلى حد الامتناع. والمبالغة تعاب في بابها إذا خرجت عن حد الإمكان إلى الاستحالة، ويأتي الكلام على حدها في موضعه. والذي أقوله: إن المبالغة من محاسن الاستحالة، ويأتي الكلام على حدها في موضعه. والذي أقوله: إن المبالغة من محاسن أنواع البديع، ولم يستطرد في حلبات سبقها إلا فحول هذه الصناعة، ولولا سَمّو رتبتها ما وردت في القرآن العظيم والسنة النبوية، ولو سلمنا إلى من يهضم جانبها ولم يعدها من حسنات الكلام، بطلت بلاغة الاستعارة، وانحطت رتبة التشبيه. وتسمية المبالغة منسوبة إلى قدامة، ومنهم من سمى هذا النوع التبليغ، وسماه ابن المعتز الإفراط في الصفة، وهذه التسمية طابقت المسمى ولكن أكثر الناس رغبوا في تسمية قدامة لخفتها. وهذا النوع، أعني المبالغة، شركة قوم مع الإغراق والغلو لعدم معرفة الفرق، وهو مثل الصبح ظاهر. والمبالغة في الاصطلاح هي إفراط وصف الشيء بالممكن القريب وقوعه عادة. والإغراق وصف الشيء الممكن البعيد وقوعه عادة. والغلو، وصفه بما يستحيل وقوعه. ويأتي الكلام على كل واحد من الثلاثة في موضعه. وقد تقرر أولًا أن المبالغة، نوعها مبني على وصف الشيء بالممكن القريب وقوعه. وحد قدامة المبالغة فقال: هي أن يذكر المتكلم حالًا من الأحوال لو وقف عندها لأجزأت، فلا يقف حتى يزيد في معنى ما ذكره ما يكون أبلغ من معنى قصده، كقول عمير بن كريم التغلبي: ونكرم جارنا ما دام فينا ... ونتبعه الكرامة حيث مالا وقال: إن هذا البيت من أحسن المبالغة عند الحذاق، فإن الشاعر بلغ فيه إلى أقصى ما يمكن من وصف الشيء، وتوصل إلى أكثر ما يقدر عليه، فتعاطاه. ولخص بعضهم عبارة الحد الذي حده قدامة، وقال: المعنى إذا زاد على التمام سُمّي مبالغة.

стр. 488

وقال ابن رشيق، في العمدة: المبالغة: بلوغ الشاعر أقصى ما يمكن في وصف الشيء. قلت: وعلى هذا التقرير، فجل القصد في المبالغة الإمكان والخروج عن المستحيل. والمذهب الصحيح فيها أنها ضرب من المحاسن، إذا بعدت عن الإغراق والغلو، وإن كان الإغراق والغلو ضربين من المحاسن ونوعين من أنواع البديع، فقد شرط علماؤه أن النوع لا يتجاوز حده بحيث يزول الإلتباس. ويعجبني من أمثلة المبالغة في المديح قول القائل. أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه١ فالمعنى تم للناظم لما انتهى في بيته إلى قوله: دجى الليل. ولكن زاد بما هو أبلغ وأبدع وأغرب في قوله: حتى نظم الجزع ثاقبه. ومثله قول أبي الطيب المتنبي في وصف جواد وأصرع أي الوحش قفيته به ... وأنزل عنه مثله حين أركب قال زكي الدين بن أبي الأصبع، في كتابه المسمّى "بتحرير التحبير": أبلغ شعر سمعته في باب المبالغة، قول شاعر الحماسة، إذ بالغ في مدح ممدوحه بقوله: رهنت يدي بالعجز عن شكر بره ... وما فوق شكري للشكور مزيد ولو كان مما يستطاع استطعته ... ولكنَّ ما لا يستطاع شديد فانظر ما أحلى احتراسه عن ذلك بقوله: وما فوق شكري للشكور مزيد، وانظر كيف أظهر عذره في عجزه مع قدرته، بأن قال في البيت الثاني: ولو كان مما يستطاع استطعته. ثم أخرج بقية البيت للمبالغة، مخرج المثل السائر، حيث قال: ولكنّ ما لا يستطاع شديد. ومن هنا قال أبو نواس: لا تسدين إلِيّ عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفنا٢ ومن معجز المبالغة، في القرآن العظيم، قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَار﴾ ٣، فجعل كل واحد منهم أشد

стр. 489

مبالغة في معناه وأتم صفه، وجاء من المبالغة، في السنة النبوية، قوله ﷺ مخبرًا عن ربه: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به". وقوله في بقية هذا الحديث: "والذي نفس محمد بيده لخلوف١ فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك". ففي الحديث الشريف مبالغتان: إحداهما، كون الحق أضاف الصيام إلى نفسه دون سائر الأعمال، لقصد المبالغة في تعظيمه وشرفه، وأخبر أنه يتولى مجازاة الصائم بنفسه، مبالغة في تعظيم الجزاء وشرفه، ونحن نعلم أن الأعمال كلها لله ولعبده باعتبارين: أمّا كونها للعبد، فلأنه يثاب عليها، وأما كونها لله، فلأنها عملت لوجهه الكريم، ومن أجله، فتخصيص الصائم، بالإضافة للرب سبحانه، وتخصيص ثوابه بما خصص به إنما كان للمبالغة في تعظيمه. والمبالغة الثانية، إخبار النبي ﷺ بعد تقديم القسم، لتأكيد الخبر، بأن خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك، ففضل تغير فم الصائم، بالإمساك عن الطعام والشراب، على ريح المسك الذي هو أعطر الطيب، على مقتضى ما يفهم من ريح المسك، وأتى بصيغة أفعل للمبالغة، فجمع هذا الكلام بين قسمي المبالغة: المجازي والحقيقي ولذلك ورد أن دم الشهيد كريح المسك، للمبالغة. وهذا النوع، أعني المبالغة، ممكن الناظم منه في المدائح النبوية والصفات المحمدية، فإن المادح إذا بالغ في وصفه ﷺ ، كانت تلك المبالغة ممكنة قريبة من معجزاته وعظمه عند ربه، فمن ذلك، قولي من قصيدة نبوية أقول فيها عن النبي، ﷺ : إذا ما سرى فردًا لفرط جلاله ... يقول الورى قد سار جيش عرمرم فالمبالغة تمت لما انتهيت إلى قولي: سار جيش، وزدت بعد ذلك بما هو أبلغ منه وأعظم، لقولي: عرمرم. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته، يقول فيه عن النبي ﷺ : كم قد جلت جنح ليل النقع طلعته ... والشهب أحلك ألوانًا من الدهم٢ المبالغة تمت للشيخ صفي الدين، في الشطر الأول. بقوله: كم قد جلت جنح ليل النقع طلعته. ولكن زاد بما هو أبلغ منها، حيث قال: والشهب أحلك ألونًا من الدهم.

стр. 490

وبيت العميان في بديعيتهم: يعم نبيًّا تباري الريح أنمله ... والمزن من كل هامي الودق مرتكم١ المجمع عليه أن المبالغة في الأوصاف المحمدية ممكنة عقلًا وعادة، ولكن الأبلغ في مبالغة العميان أن الريح والمزن كان يحب كل منهما أن يتطفل على أنامل النبي ﷺ في المباراة، لعلو رتبته وعظم مقامه. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته: امدح وجز كل حد في مبالغة ... حقًّا ولا تطر تقبل غير متهم٢ هذا البيت لم ينتظم في سلك ما قبله من أبيات المديح النبوي، ولا بينه وبين المبالغة أدنى وصلة، ولم يظهر لي في بيته، غفر الله له، إلا وصيته للمادح أنه إذا مدح يتجاوزكل حد، وأنه لا يطري فيقبل، وما أحقه هنا بقول القائل: تمنيتهم بالرقمتين ودارهم ... بوادي الغضى يا بعد ما أتمناه وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي -صلى الله ليه وسلم: بالغ وقل كم جلا بالنور ليل وغى ... والشهب قد رمدت من عثير الدهم فالمبالغة تمت في شطر البيت الأول، بقولي: بالغ وقل كم جلا بالنور ليل وغى. والزيادة بما هو أبلغ منها قولي: والشهب قد رمدت من عثير الدهم. وتسمية النوع هنا هي ديباجة المبالغتين على هذه الصيغة، والله أعلم.

стр. 491

ذكر الإغراق: لو شاء إغراق من ناواه مد له ... في البر بحرًا بموج فيه ملتطم قد تقرر في نوع المبالغة أنها إفراط وصف الشيء بالممكن القريب وقوعه عادة. وهذا النوع، أعني الإغراق، فوق المبالغة، ولكنه دون الغلو، وهو في الاصطلاح إفراط وصف الشيء بالممكن البعيد وقوعه عادة. وقل من فرق بينهما. وغالب الناس عندهم المبالغة والإغراق والغلو نوع واحد. وهنا لم يعمل بقول الحريري: سامح أخاك إذا خلط. وكل من الإغراق والغلو لا يعد من المحاسن إلا إذا اقترن بما يقربه إلى القبول، كقد، للاحتمال، ولولا، للامتناع، وكاد، للمقاربة، وما أشبه ذلك من أنواع التقريب. وما وقع شيء من الإغراق والغلو، في الكتاب العزيز، ولا في الكلام الفصيح، إلا مقرونًا بما يخرجه من باب الاستحالة، ويدخله في باب الإمكان، مثل: كاد ولو، وما يجري مجراهما، كقوله تعالى: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَار﴾ ١ إذ لا يستحيل في العقل أن البرق يخطف الأبصار، لكنه يمتنع عادة ما زاد وجه الإغراق هنا جمالًا إلا تقريبه بكاد، واقتران هذه الجملة بها هو الذي صرفها إلى الحقيقة، فقلبت من الامتناع إلى الإمكان. ومن شواهد تقريب نوع الإغراق، بلو، قول زهير: لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا

стр. 492

فاقتران هذه الجملة أيضًا بامتناع قعود القوم فوق الشمس، المستفاد بلو، هو الذي أظهر بهجة شمسها في باب الإغراق. ومما استشهدوا به على هذا النوع، بغير أداة التقريب، قول امرئ القيس: تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عالي١ وبين المكانين بعد تام، فإن أذرعات من الشام، والنار التي تنورها من أذرعات كانت بيثرب مدينة النبي ﷺ وقد أثبتوا هذا الشاهد في باب الإغراق، لأنهم قالوا: لا يمتنع عقلًا أن ترى النار من بعد هذه المسافة، وأن لا يكون ثم حائل من جبل أو غيره، من عظم جرم النار، ولكن ذلك ممتنع عادة، هذا إن جعلنا تنورتها نظرت إلى نارها حقيقة، وأما إن جعلناه بمعنى توهمت نارها وتخيلتها في فكري، فلا يكون في البيت إغراق. ومثله قول أبي الطيب المتنبي في صباه: روح تردد في مثل الخلال إذا ... أطارت الريح عنه الثوب لم يبن٢ كفى بجسمي نحولًا أنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لَم ترني وقالوا: هنا لا يمتنع عقلًا أن ينحل الشخص، حتى يصير مثل الخلال، ولا يستدل عليه إلا بالكلام، إذ الشيء الدقيق إذا كان بعيدًا لا يرى، بخلاف الصوت. ولكن صيرورة الشخص، في النحول، إلى مثل هذه الحال، ممتنع عادة. ولعمري، إن الشيخ شرف الدين بن الفارض ضم خصر هذا المعنى الرقيق، ورشحه بنفائس العقود، حيث قال: كأني هلال الشك لولا تأوّهي ... خفيف لم تُهد العيون لرؤيتي قلت: إذا قابلنا نحول المتنبي بهلال الشك الذي أبرزه ابن الفارض، لم تبعد المقارنة، لكن من قابل قول المتنبي: إنني رجل لولا مخاطبتي، بقول الشيخ شرف الدين بن الفارض، في بيته، كأني هلال الشك لولا تأوهي، لا بد أن يقابله الله على ذلك، وأين لطف: لولا تأوهي، من ثقل: لولا مخاطبتي. فالفرق بين خطاب الرجل وتأوه هلال الشك لا يخفى على حذاق أهل الأدب.

стр. 493

ومنه قول بعضهم: قد سمعتم أنينه من بعيد ... فاطلبوا الشخص حيث كان الأنين قلت: ما برح طائر فكري يحوم على ورد هذا المعنى الذي حصلت فيه المواردة، على أن الشخص لا يرى لشدة نحوله إلا بأنين أو تأوه، وأريد أن أرشحه بنكتة، إلى أن قلت من قصيدتي التي عارضت بها كعب بن زهير، وامتدحت بها النبي ﷺ : وفوق طرس مشيتي أرَّخو تلفي ... وذلك الطرس فوق الرأس محمول وقد تجاوز جسمي حد كل ضني ... وها أنا اليوم في الأوهام تخييل وقد تقدم وتقرر، أن أداة المقاربة ما استعملت في الإغراق إلا لتنقله من الامتناع إلى الإمكان، وهذا الذي أوردته بغير أداة المقاربة هنا، إن كان يبعد عادة، لا يبعد عقلًا. ومما استشهدوا به على نوع الإغراق، بلو، التي يمكن الإغراق بها عقلًا ويمتنع عادة، قول القائل: ولو أن ما بي من جوى وصبابة ... على جمل لم يبق في النار كافر يريد أنه لو كان ما به من الحب بجمل لنحل حتى يدخل في سم الخياط، وذلك لا يستحيل عقلًا، إذ القدرة قابلة لذلك لكنه ممتنع عادة. وهذا غاية في الإغراق. وأورد الشيخ شهاب الدين ابن جعفر المغربي الأندلسي، في شرحه الذي كتبه على بديعية صاحبه شمس الدين محمد بن جابر الأندلسي، على هذا البيت حكاية لطيفة، وهي أن إبليس تعرض لبعض الأولياء فلم ينل منه غرضًا. فقال له الولي: من أشد عليك: العابد الجاهل، أو العالم المسرف على نفسه؟ فقال: العالم المسرف، وأما العابد الجاهل فهو في قبضتي أدخل عليه في دينه من حيث شئت. وأنا أريك ذلك. فانطلق به إلى أعبد الجهال في ذلك الزمان، فطرق عليه الباب، فخرج إليهما. فقال له إبليس: جئت أستفتيك: هل الله قادر على أن يدخل الجمل في سم الخياط أو لا. فتوقف وتحير وغلق الباب. فقال إبليس للولي: ها هو قد كفر بالشك في قدرة الله تعالى، ثم انطلق به إلى عالم مسرف على نفسه، وطرق عليه الباب، وكان في القائلة١، فقال الرجل العالم: من هذا الشيطان الذي يضرب بابي في القائلة، وقد قال ﵊:

стр. 494

"قيلوا فإن الشياطين لا تقيل؟ فقال إبليس: ها هو قد عرفني قبل رؤيتي، فلما خرج قال له إبليس: هل في قدرة الله تعالى أن يدخل الجمل في سم الخياط؟ فقال له: أتشك في قدرة الله تعالى أن يوسع سم الخياط حتى يدخل فيه الجمل، أو يرقق الجمل حتى يصير كالخيط فيدخل في سم الخياط! فانصرفا، وقال إبليس لرفيقه: معرفة هذا بالله تمحو ذنوبه، وحاله خير من حال العابد الجاهل بالله. انتهى. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته، على نوع الإغراق: في معرك لا تثير الخيل عثيره ... مما تروي المواضي تربه بدم١ بيت الشيخ صفي الدين الحلي على هذا النوع أبرزه بغير أداة التقريب، وهو بيت عامر قريب من العقل بعيد من الوقوع عادة، على شرط الإغراق، لكنه غير صالح للتجريد وقد تقرر وتكرر: أن بيوت البديعيات شواهد على الأنواع، فلا ينبغي أن يكون البيت متعلقًا بما قبله، ولا بما بعده. وبيت بديعية العميان يقولون فيه عن النبي ﷺ وقد أتوا فيه بأداة التقريب حيث قالوا: لو قابل الشهب ليلًا في مطالعها ... خرّت حياء وأبدت برّ محترم لو شاء إغراق وجه الأرض أجمعه ... ندى يديه لأحياها ولم يضم٢ وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي ﷺ : لو شاء إغراق من ناواه مد له ... في البر بحرًا بموج فيه ملتطم٣ على كل تقدير، مقام النبي ﷺ صالح للمغالاة بالإغراق في مديحه، والله أعلم.

стр. 495

ذكر الغلو: بلا غلو إلى السبع الطباق سرى ... وعاد والليل لم يجفل بصبحهم١ قد تقدم القول على المبالغة، وتقرر أنها في الاصطلاح إفراط وصف الشيء بالممكن القريب وقوعه عادة. وتقرر أن الإغراق فوقها في الرتبة، وهو في الاصطلاح إفراط وصف الشيء بالممكن البعيد وقوعه عادة. والغلو، فوقهما فإنه الإفراط في وصف الشيء بالمستحيل وقوعه عقلًا وعادة وهو ينقسم إلى قسمين: مقبول، وغير مقبول. فالمقبول لا بد أن يقر به الناظم إلى القبول بأداة التقريب، اللهم إلا أن يكون الغلو في مديح النبي ﷺ فلا غلو. ويجب على ناظم الغلو أن يسبكه في قوالب التخيلات الحسنة، التي يدعو العقل إلى قبولها في أول وهلة، كقوله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَار﴾ ٢ فإن إضاءة الزيت من غير مس نار، مستحيلة عقلًا، ولكن لفظة يكاد، قربته فصار مقبولًا. ومنه قول أبي العلاء المعري: تكاد قسيه من غير رام ... تمكن في قلوبهم النبالا تكاد سيوفه من غير سل ... تجد إلى رقابهم انسلالا ويعجبني هنا قول ابن حمديس الصقلي، في وصف فرس: ويكاد يخرج سرعة من ظله ... لو كان يرغب في فراق رفيق
следующие страницы →