ذكر الإغراق:
لو شاء إغراق من ناواه مد له ... في البر بحرًا بموج فيه ملتطم
قد تقرر في نوع المبالغة أنها إفراط وصف الشيء بالممكن القريب وقوعه عادة. وهذا النوع، أعني الإغراق، فوق المبالغة، ولكنه دون الغلو، وهو في الاصطلاح إفراط وصف الشيء بالممكن البعيد وقوعه عادة. وقل من فرق بينهما. وغالب الناس عندهم المبالغة والإغراق والغلو نوع واحد. وهنا لم يعمل بقول الحريري: سامح أخاك إذا خلط.
وكل من الإغراق والغلو لا يعد من المحاسن إلا إذا اقترن بما يقربه إلى القبول، كقد، للاحتمال، ولولا، للامتناع، وكاد، للمقاربة، وما أشبه ذلك من أنواع التقريب.
وما وقع شيء من الإغراق والغلو، في الكتاب العزيز، ولا في الكلام الفصيح، إلا مقرونًا بما يخرجه من باب الاستحالة، ويدخله في باب الإمكان، مثل: كاد ولو، وما يجري مجراهما، كقوله تعالى: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَار﴾ ١ إذ لا يستحيل في العقل أن البرق يخطف الأبصار، لكنه يمتنع عادة ما زاد وجه الإغراق هنا جمالًا إلا تقريبه بكاد، واقتران هذه الجملة بها هو الذي صرفها إلى الحقيقة، فقلبت من الامتناع إلى الإمكان.
ومن شواهد تقريب نوع الإغراق، بلو، قول زهير:
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا
стр. 492
فاقتران هذه الجملة أيضًا بامتناع قعود القوم فوق الشمس، المستفاد بلو، هو الذي أظهر بهجة شمسها في باب الإغراق.
ومما استشهدوا به على هذا النوع، بغير أداة التقريب، قول امرئ القيس:
تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عالي١
وبين المكانين بعد تام، فإن أذرعات من الشام، والنار التي تنورها من أذرعات كانت بيثرب مدينة النبي ﷺ وقد أثبتوا هذا الشاهد في باب الإغراق، لأنهم قالوا: لا يمتنع عقلًا أن ترى النار من بعد هذه المسافة، وأن لا يكون ثم حائل من جبل أو غيره، من عظم جرم النار، ولكن ذلك ممتنع عادة، هذا إن جعلنا تنورتها نظرت إلى نارها حقيقة، وأما إن جعلناه بمعنى توهمت نارها وتخيلتها في فكري، فلا يكون في البيت إغراق.
ومثله قول أبي الطيب المتنبي في صباه:
روح تردد في مثل الخلال إذا ... أطارت الريح عنه الثوب لم يبن٢
كفى بجسمي نحولًا أنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لَم ترني
وقالوا: هنا لا يمتنع عقلًا أن ينحل الشخص، حتى يصير مثل الخلال، ولا يستدل عليه إلا بالكلام، إذ الشيء الدقيق إذا كان بعيدًا لا يرى، بخلاف الصوت. ولكن صيرورة الشخص، في النحول، إلى مثل هذه الحال، ممتنع عادة. ولعمري، إن الشيخ شرف الدين بن الفارض ضم خصر هذا المعنى الرقيق، ورشحه بنفائس العقود، حيث قال:
كأني هلال الشك لولا تأوّهي ... خفيف لم تُهد العيون لرؤيتي
قلت: إذا قابلنا نحول المتنبي بهلال الشك الذي أبرزه ابن الفارض، لم تبعد المقارنة، لكن من قابل قول المتنبي: إنني رجل لولا مخاطبتي، بقول الشيخ شرف الدين بن الفارض، في بيته، كأني هلال الشك لولا تأوهي، لا بد أن يقابله الله على ذلك، وأين لطف: لولا تأوهي، من ثقل: لولا مخاطبتي. فالفرق بين خطاب الرجل وتأوه هلال الشك لا يخفى على حذاق أهل الأدب.
стр. 493
ومنه قول بعضهم:
قد سمعتم أنينه من بعيد ... فاطلبوا الشخص حيث كان الأنين
قلت: ما برح طائر فكري يحوم على ورد هذا المعنى الذي حصلت فيه المواردة، على أن الشخص لا يرى لشدة نحوله إلا بأنين أو تأوه، وأريد أن أرشحه بنكتة، إلى أن قلت من قصيدتي التي عارضت بها كعب بن زهير، وامتدحت بها النبي ﷺ :
وفوق طرس مشيتي أرَّخو تلفي ... وذلك الطرس فوق الرأس محمول
وقد تجاوز جسمي حد كل ضني ... وها أنا اليوم في الأوهام تخييل
وقد تقدم وتقرر، أن أداة المقاربة ما استعملت في الإغراق إلا لتنقله من الامتناع إلى الإمكان، وهذا الذي أوردته بغير أداة المقاربة هنا، إن كان يبعد عادة، لا يبعد عقلًا.
ومما استشهدوا به على نوع الإغراق، بلو، التي يمكن الإغراق بها عقلًا ويمتنع عادة، قول القائل:
ولو أن ما بي من جوى وصبابة ... على جمل لم يبق في النار كافر
يريد أنه لو كان ما به من الحب بجمل لنحل حتى يدخل في سم الخياط، وذلك لا يستحيل عقلًا، إذ القدرة قابلة لذلك لكنه ممتنع عادة. وهذا غاية في الإغراق.
وأورد الشيخ شهاب الدين ابن جعفر المغربي الأندلسي، في شرحه الذي كتبه على بديعية صاحبه شمس الدين محمد بن جابر الأندلسي، على هذا البيت حكاية لطيفة، وهي أن إبليس تعرض لبعض الأولياء فلم ينل منه غرضًا. فقال له الولي: من أشد عليك: العابد الجاهل، أو العالم المسرف على نفسه؟ فقال: العالم المسرف، وأما العابد الجاهل فهو في قبضتي أدخل عليه في دينه من حيث شئت. وأنا أريك ذلك. فانطلق به إلى أعبد الجهال في ذلك الزمان، فطرق عليه الباب، فخرج إليهما. فقال له إبليس: جئت أستفتيك: هل الله قادر على أن يدخل الجمل في سم الخياط أو لا. فتوقف وتحير وغلق الباب. فقال إبليس للولي: ها هو قد كفر بالشك في قدرة الله تعالى، ثم انطلق به إلى عالم مسرف على نفسه، وطرق عليه الباب، وكان في القائلة١، فقال الرجل العالم: من هذا الشيطان الذي يضرب بابي في القائلة، وقد قال ﵊:
стр. 494
"قيلوا فإن الشياطين لا تقيل؟ فقال إبليس: ها هو قد عرفني قبل رؤيتي، فلما خرج قال له إبليس: هل في قدرة الله تعالى أن يدخل الجمل في سم الخياط؟ فقال له: أتشك في قدرة الله تعالى أن يوسع سم الخياط حتى يدخل فيه الجمل، أو يرقق الجمل حتى يصير كالخيط فيدخل في سم الخياط! فانصرفا، وقال إبليس لرفيقه: معرفة هذا بالله تمحو ذنوبه، وحاله خير من حال العابد الجاهل بالله. انتهى.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته، على نوع الإغراق:
في معرك لا تثير الخيل عثيره ... مما تروي المواضي تربه بدم١
بيت الشيخ صفي الدين الحلي على هذا النوع أبرزه بغير أداة التقريب، وهو بيت عامر قريب من العقل بعيد من الوقوع عادة، على شرط الإغراق، لكنه غير صالح للتجريد وقد تقرر وتكرر: أن بيوت البديعيات شواهد على الأنواع، فلا ينبغي أن يكون البيت متعلقًا بما قبله، ولا بما بعده.
وبيت بديعية العميان يقولون فيه عن النبي ﷺ وقد أتوا فيه بأداة التقريب حيث قالوا:
لو قابل الشهب ليلًا في مطالعها ... خرّت حياء وأبدت برّ محترم
لو شاء إغراق وجه الأرض أجمعه ... ندى يديه لأحياها ولم يضم٢
وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي ﷺ :
لو شاء إغراق من ناواه مد له ... في البر بحرًا بموج فيه ملتطم٣
على كل تقدير، مقام النبي ﷺ صالح للمغالاة بالإغراق في مديحه، والله أعلم.
стр. 495
ذكر الغلو:
بلا غلو إلى السبع الطباق سرى ... وعاد والليل لم يجفل بصبحهم١
قد تقدم القول على المبالغة، وتقرر أنها في الاصطلاح إفراط وصف الشيء بالممكن القريب وقوعه عادة. وتقرر أن الإغراق فوقها في الرتبة، وهو في الاصطلاح إفراط وصف الشيء بالممكن البعيد وقوعه عادة.
والغلو، فوقهما فإنه الإفراط في وصف الشيء بالمستحيل وقوعه عقلًا وعادة وهو ينقسم إلى قسمين: مقبول، وغير مقبول. فالمقبول لا بد أن يقر به الناظم إلى القبول بأداة التقريب، اللهم إلا أن يكون الغلو في مديح النبي ﷺ فلا غلو.
ويجب على ناظم الغلو أن يسبكه في قوالب التخيلات الحسنة، التي يدعو العقل إلى قبولها في أول وهلة، كقوله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَار﴾ ٢ فإن إضاءة الزيت من غير مس نار، مستحيلة عقلًا، ولكن لفظة يكاد، قربته فصار مقبولًا.
ومنه قول أبي العلاء المعري:
تكاد قسيه من غير رام ... تمكن في قلوبهم النبالا
تكاد سيوفه من غير سل ... تجد إلى رقابهم انسلالا
ويعجبني هنا قول ابن حمديس الصقلي، في وصف فرس:
ويكاد يخرج سرعة من ظله ... لو كان يرغب في فراق رفيق
стр. 496
ومنه قول الفرزدق، في على بن الحسين بن على بن أبي طالب ﵃ أجمعين:
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم١
ومن الغلو المقبول، بغير أداة التقريب، قول أبي الطيب المتنبي في ممدوحه:
عقدت سنابكها عليه عثيرًا ... فلو ابتغى عنقًا عليه أمكنا
معنى هذا البيت: أن سنابك الخيل، وهي أطراف الحوافر، عقدت على هذا الممدوح عثيرًا، وهو الغبار، حتى لو أراد أنه يمشي عليه عنقًا لأمكن، والعنق هو المشي السريع، وانعقاد الغبار في الهواء حتى يمكن المشي عليه، مستحيل عقلًا وعادة إلا أنه تخيل حسن مقبول.
وقد وقع٢ للقاضي الأرجاني، جمع فيه بين الشيئين الموجبين للقبول والتقريب، وهما ما جرى بهما مجرى كاد، والتخيل الحسن، وذلك قوله:
يخيل لي أنْ سُمّر الشهب في الدجا ... وشدت بأهدابي إليهن أجفاني
فقوله: يخيل لي، هو الجاري مجرى كاد، فإنه جعل الأمر توهمًا لا حقيقة، وأما التخيل الحسن، فهو ما ذكر من تسمير الشهب، وشد أجفانه إليها بأهدابه، وجعل الأهداب بمنزلة الحبال، ولا يخفى ما في هذا من التخييل الحسن.
وأما الغلو الذي هو غير مقبول فكقول أبي نواس:
فلما شربناها ودب دبيبها ... إلى موضع الأسرار قلت لها قفي
مخافة أن يسطو عليَّ شعاعها ... فيطلع ندماني على سري الخفي
قالوا: إن سطوة شعاع الخمر عليه، بحيث يصير جسمه شفّافًا يظهر لنديمه ما في باطنه لا يمكن عقلًا ولا عادة.
ومنه قول بعضهم:
أسكر بالأمس إن عزمت على ... الشرب غدًا إنَّ ذا من العجب
стр. 497
فسكره بالأمس، بسبب عزمه على الشرب غدًا، مما لا يمكن عقلًا ولا عادة أيضًا.
ومنه قول أبي نواس:
وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق
وهذا الذي قاله أبو نواس أيضًا، أمر مستحيل، فإن قيام العرض الموجود، وهو الخوف بالمعدوم، وهي النطف التي لم تخلق، لا يمكن عقلًا ولا عادة. ومن ألطف ما يحكى هنا أن العتابي الشاعر لقي أبا نواس، فقال له: أما تستحي من الله بقولك:
وأخفت أهل الشرك البيت؟ فقال له أبو نواس: وأنت أيضًا ما استحيت من الله بقولك:
ما زلت في غمرات الموت مطرحًا ... يضيق عني وسيع الرأي من حيل
لم تزل دائبًا تسعى بلطفك لي ... حتى اختلست حياتي من يدي أجلي١
فقال العتابي: قد علم الله، وعلمت أن هذا ليس مثل قولك، ولكنك أعددت لكل سؤال جوابًا.
ومنه قول بعضهم:
قد كان لي فيما مضى خاتم ... واليوم لو شئت تمنطقت به٢
وذبت حتى صرت لو زج بي ... في مقلة النائم لم ينتبه٣
ومثل هذا أيضًا لا يقبله العقل، ولا عليه رونق القبول.
قلت: ومراتب الغلو تتفاوت إلى أن تئول بقائلها إلى الكفر. فمن ذلك قول ابن دريد:
مارست من لو هوت الأفلاك من ... جوانب الجو عليه ما شكا
قيل: إنه لأجل هذا البيت، والإدعاء العظيم الذي ادعى فيه ابتلي بمرض كان فيه يخاف من الذباب أن يقع عليه.
стр. 498
ومنه قوله:
ولو حمى المقدار عنه مهجة ... لرامها أو تستبيح ما حمى
تغدو المنايا طائعات أمره ... ترضى الذي يرضى وتأبى ما أبى
ومثله قول أبي الطيب:
كَأَنّي دَحَوتُ الأَرضَ مِن خِبرَتي بِها ... كَأَنّي بَنى الإِسكَندَرُ السَدَّ مِن عَزمي١
هذا أيضًا من الغلو الذي يؤدي إلى سخافة العقل، مع ما فيه من قبح التركيب، وبعده عن البلاغة.
وأقبح من هذا كله قول عضد الدولة:
ليس شرب الراح إلا في المطر ... وغناء من جوارٍ في السحر
غانيات سالبات للنهى ... ناغمات من تضاعيف الوتر٢
مبرزات الكأس من مطلعها ... ساقيات الراح من فاق البشر٣
عضد الدولة بان ركنها ... ملك الأملاك غلاب القدر
روي أنه لم يفلح بعد هذا القول، وكان لا ينطق إلا بقوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ ٤.
ولولا الإطالة، وهو نظم غير مقبول، لأوردت كثيرًا من نظم الذين كانوا يتساهلون في هذا النوع، كأبي نواس، وابن هانئ الأندلسي، والمتنبي، وأبي العلاء المعري، وغيرهم من المتأخرين، كابن نبيه ومن جرى مجراه. وكنت من المبادئ أستقبح قول الشيخ صفي الدين الحلي، وأستقل أدبه بقوله، في موشحه الذي أوله: دارت على الدوح سلاف القطر. وذلك قوله في ممدوحه:
لو قابل الأعمى غدا بصيرا ... ولو رأى ميتًا غدًا منشورا٥
ولو يشا كان الظلام نورا ... ولو أتاه الليل مستجيرا
آمنه من سطوات الفجر
стр. 499
وبيته في بديعيته على هذا النوع، أعني الغلو، قوله:
عزيز جار لو الليل استجار به ... من الصباح لعاش الناس في الظلم
قلت هذا الغلو هنا مقبول، في مديح النبي ﷺ غير لائق بممدوحه الذي أشار إليه في موشحه بقوله:
ولو أتاه الليل مستجيرًا ... آمنه من سطوات الفجر
فقد تقرر أن الناظم إذا قصد الغلو في مديح النبي ﷺ فلا غلو.
وبيت العميان في بديعيتهم يقولون فيه، عن النبي ﷺ :
تكاد تشهد أن الله أرسله ... إلى الورى نطف الأبناء في الرحم
فنسبة الشهادة إلى النطف، وهي في الأرحام، لا تمكن عقلًا، وما استحال عقلًا استحال عادة، وهذا الغلو هنا مقبول في مديح النبي ﷺ وقد زاد الناظم تقريبه بكاد، ولكن ذكر الأرحام والنطف في المدائح النبوية ما يخلو من قلة أدب.
وبيت الشيخ عز الدين في بديعيته، يقول فيه عن النبي ﷺ :
في مدحه نفحات لا غلوّ بها ... يكاد يحيي شذاها بالي الرمم١
نفحات هذا البيت عطرت الوجود بالمديح النبوي، وغلوها فيه ملحوظ بعين القبول، وتقريبها بكاد أحرز قصبات السبق، ولا أقول كاد، وهذا البيت عندي مقدم على بيت الشيخ صفي الدين، وبيت العميان، لالتزامه بتسمية النوع البديعي مورى به من جنس المديح، مع انسجامه ورقته.
وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي، ﷺ :
بلا غلو إلى السبع الطباق سرى ... وعاد والليل لم يجفل بصحبهم
هذا الغلوّ يرخص عنده بانتظامه في سلك المدائح النبوية كل غلو، فإنه لو كان في غير النبي ﷺ استحال عقلًا وعادة، ونعوذ بالله من نسبته إلى غيره، فإنها تؤدي إلى الكفر المحض، وحصره في النبي ﷺ متفق عليه عقلًا ونقلًا. وقولي عند نظم هذا النوع بلا غلو، ويعلم طالب هذا العلم طريق سلوك الأدب، وهذا البيت من خلاصات المدائح النبوية، فنرجو الله أن تشملنا بركة ممدوحه، ﷺ ، والله أعلم.
стр. 500
ذكر ائتلاف المعنى مع المعنى:
سهل شديد له بالمعنيين بدا ... تألف في العطا والدين للعظم
هذا النوع، وهو ائتلاف المعنى مع المعنى، ضربان: فالأول في الاصطلاح، هو أن يشتمل الكلام على معنى معه أمران: أحدهما ملائم، والآخر بخلافه، فيقرنه بالملائم. واستشهدوا عليه بقول أبي الطيب المتنبي:
فالعرب منه مع الكدري طائرة ... والروم طائرة منه مع الحجل١
وقالوا: إن تقوية المعنى الأول، مناسبة القطا الكدري مع العرب، لأنه يلائمهم بنزوله في السهل من الأرض، وينفر من العمران ويستأنس بالمهمة، ولا يقرب العمران إلا إذا زاد به العطش وقل الماء في البر. ومناسبة الحجل مع الروم، أنها تسكن الجبال، وتنزل في المواضع المعروفة بالشجر.
والضرب الثاني هو أن يشتمل الكلام على معنى وملائمين له، فيقرن بهما ما لاقترانه مزية. واستشهدوا على هذا الضرب الثاني، بقول أبي الطيب المتنبي أيضًا:
وقفت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم٢
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضاح وثغرك باسم٣
وقالوا: إن عجز كل من البيتين يلائم كلا من الصدرين، وما اختار ذلك الترتيب إلا
стр. 501
لأمرين: أحدهما أن قوله: كأنك في جفن الردى وهو نائم، تمثيل السلامة في مقام العطب، ولهذا قرر له الوقوف والبقاء في موضع يقطع على صاحبه فيه بالهلاك، أنسب من جعله مقررًا لثباته في حال هزيمة الأبطال. والثاني، أن في تأخير التتميم بقوله: ووجهك وضاح وثغرك باسم، عن وصف الممدوح بوقوفه ذلك الموقف، وبمرور أبطاله كلمى بين يديه، ما يفوت بالتقديم. ولعمري إن الضرب الثاني من ائتلاف المعنى مع المعنى أبدع من الضرب الأول، وأوقع في القلوب، وأقرب إلى مواقع الذوق، وعيه نظمت بيت بديعيتي ويأتي الكلام عليه في موضعه، ولكن هنا نكتة تزيد بديع الضرب الثاني إيضاحًا، وترشح قصد المتنبي في ترتيبه الذي تقدم عليه الكلام.
حكي أن سيف الدولة بن حمدان ممدوح المتنبي قال، عن إنشاده إياه هذين البيتين: يا أبا الطيب قد انتقدنا عليك، كما انتقد على امرئ القيس في قوله:
كأني لم أركب جوادًا لغارة ... ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال١
ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كرّي كرة بعد إجفال٢
فقال المتنبي: أيها الأمير إن صح أن البزاز أعلم بالثوب من حائكه، فقد صح ما انتقد على امرئ القيس وعليّ، فإن امرأ القيس أحب أن يقرن الشجاعة باللذة في بيت واحد، وهو الأول، وقد وقع مثل هذا في الكتاب العزيز، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ ٣ فإنه تعالى لم يراع فيه مناسبة الري بالشبع والاستظلال باللبس، في تحصيل نوع المنفعة، بل راعى مناسبة اللبس للشبع في حاجة الإنسان إليه وعدم استغنائه عنه، ومناسبة الاستظلال للري في كونهما تابعين اللبس والشبع.
قلت وأما جواب المتنبي عن قول امرئ القيس:
كأني لم أركب جوادًا لغارة ... ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال
فهو الافتنان بعينه، وهو نوع من أنواع البديع العالية، وقد تقدم.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي، في بديعيته على هذا النوع، قوله:
من مفرد بغرار السيف منتشر ... ومروج بسنان الرمح منتظم٤
стр. 502
قد كثر تكرار القول، بأن المراد من بيت البديعية أن يكون شاهدًا على نوعه، وإن لم يكن صالِحًا للتجريد لم يصح الاستشهاد به على ذلك النوع. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي، هنا، غير صالح للتجريد، وعدم صلاحه للتجريد هو الذي عقده وحجب إيضاح معناه عن مواقع الذوق.
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته، يقول فيه عن النبي، ﷺ :
ذو معنيين بصحب والعدا ائتلفا ... للخلف ما أشهب البازي كالرخم١
قلت: إن هذين المعنيين، لشدة العقادة، أتعبت الفكر فيهما على أن يتضح لي منهما معنى فعجزت عن ذلك، والله أعلم. وبيت بديعيتي، أقول فيه عن النبي ﷺ :
سهل شديد له بالمعنيين بدا ... تألف في العطا والدين للعظم
وقد تقدم قولي: إن بيت بديعيتي منظوم في سلك الضرب الثاني، لكونه أبدع وأوقع في الذوق من الضرب الأول، وهو أن يشتمل الكلام على معنى وملائمين فيقرن بهما ما يلائم ويظهر باقترانه مزية فسهولة النبي ﷺ قرنتها بالعطاء وناهيك بهذه الملاءمة وشدته، ﷺ ، قرنتها بالدين لعظمه، فأكرم بها ملاءمة وشرف قران. وقد ورد نص الكتاب بذلك في قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ٢ وقولي في القافية: للعظم، بعد ثبوت الشدّة للدين، في غاية التمكين. والله أعلم.
стр. 503
ذكر نفي الشيء بإيجابه
لا ينتفي الخير من إيجابه أبدا ... ولا يشين العطا بالمن والسأم١
نفي الشيء بإيجابه، هو أن يثبت المتكلم شيئًا في ظاهر كلامه، وينفي ما هو من سببه مجازًا، والمنفي في باطن الكلام حقيقة هو الذي أثبته، كقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ ٢ فإن ظاهر الكلام نفي الذي يطاع من الشفعاء، والمراد نفي الشفيع مطلقًا، وكقوله تعالى: ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ ٣ فإن ظاهر الكلام نفي الإلحاف في المسألة، والباطن نفي المسألة بتة، وعليه إجماع المفسرين.
وذكر ابن أبي الأصبع، في كتابه المسمى: "بتحرير التحبير" أنه منقول عن ابن عباس، ﵄. وهذا هو الحد الذي قرره ابن رشيق، في العمدة، فإنه قال: نفي الشيء بإيجابه إذا تأملته وجدت باطنه نفيًا وظاهره إيجابًا واستشهد عليه بقول زهير:
بأرض خلاء لا يسد وصيدها ... عليَّ ومعروفي بها غير منكر٤
قأثبت لها في الظاهر وصيدًا، ومراده في الباطن أن ليس لها وصيد فيسد.
وألطف ما رأيت، من شواهد هذا النوع، أعنى نفي الشيء بإيجابه، قول مسلم بن الوليد:
стр. 504
لا يعبق الطيب خديه ومفرقه ... ولا يسمح عينيه من الكحل١
فإن ظاهر الكلام نفي عبق الطيب ومسح الكحل، والمراد نفي الطيب والكحل مطلقًا.
ومثله قول أبي الطيب المتنبي:
أفدى ظباء فلاة ما عرفن بها ... مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
ولا برزن من الحمام مائلة ... أوراكهن صقيلات العراقيب٢
فظاهر الكلام عدم بروزهن من الحمام على تلك الهيئات، والمراد، في باطن الكلام، عدم الحمام مطلقًا، فإنهن عربيات كظباء الفلاة، ولهذا قال ذو الرمة:
بالله يا ظبيات قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلى من البشر
والقصد أن حسنهن لم يفتقر إلى تصنع ولا إلى تطرية بدخول الحمام.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته على هذا النوع، أعني نفي الشيء بإيجابه، يقول فيه عن النبي ﷺ :
لا يهدم المن منه عمر مكرمة ... ولا يسوء أذاه نفس متهم
فظاهرة الكلام، في بيت الشيخ صفي الدين الحلي، أن النبي ﷺ لا يتبع المكرمة بمن وحاشاه من ذلك، ولا يصدر منه لنفس متهم إساءة. والمراد، في الباطن، نفي المن والإساءة مطلقًا، فإن مقام النبي ﷺ في الكرم والحلم، فوق ذلك.
والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين، غفر الله له، يقول فيه عن النبي ﷺ :
لم ينف ذمًا بإيجاب المديح فتى ... إلا وعاقدت فيه الدهر بالسلم
هذا البيت ليس له تعلق بهذا النوع، فإن مشايخ البديع تواردوا في حده على عبارة واحدة لم تختلف بحرف، بل الجميع قالوا: نفي الشيء بإيجابه، هو أن يثبت المتكلم شيئًا في ظاهر كلامه، وينفي ما هو سببه مجازًا، والمنفي في باطن الكلام حقيقة لو
стр. 505
الذي أثبته. وأوردوا على ذلك ما تقدم من شواهد القرآن العظيم، والشواهد الشعرية التي زادت النوع إيضاحًا. ولم يتضح لي في بيت الشيخ عز الدين -غفر الله له- لمعة استضيء بها في ظلمة هذه العقادة إلى تقرير هذا النوع في البيت المذكور، فلم يسعنى غير النظر في شرحه، فوجدته قد قال: ما نفي الذم بإيجاب المديح كريم، إلا وكان النبي ﷺ قد عاقد الدهر بالسلم على ذلك المعنى قبل الذي فعل هذا الفعل المحمود، فإنه هو الأصل في الأسباب الخيرية جميعها، فما علمت ما مراده في النظم، ولا في الشرح، ولا أين استقر نفى الشيء بإيجابه، والله أعلم.
وبيت بديعيتي، أقول فيه عن النبي، ﷺ :
لا ينتفي الخير من إيجابه أبدا ... ولا يشين العطا بالمن والسأم
الذي أقوله: إن محاسن هذا البيت، ببركة ممدوحه، ﷺ ، تغني عن التطويل في شرحه، وسهولة مأخذ النوع منه لم تفتقر إلى زيادة إيضاح، وما أحقه هنا بقول القائل:
وقد ظهرت فلا تخفى على أحد ... إلا على أكمه لا يعرف القمرا
стр. 506
ذكر الإيغال:
للجود في السير إيغال إليه وكم ... حبا الأنام بودٍ غير منصرم
هذا النوع، مأخوذ من إيغال السير. فإنه يقال: أوغل في المسير، إذا بلغ غاية قصده بسرعة. ولهذا قلت: للجود في السير إيغال إليه، ومعنى ذلك: أن المتكلم، أو الشاعر، إذا انتهى إلى آخر القرينة، أو البيت، استخرج سجعة أو قافية يريد معنى زائدًا أو كلًّا منهما، فكأن المتكلم، أو الشاعر، قد تجاوز حد المعنى الذي هو آخذ فيه، وبلغ مراده فيه إلى زيادة عن الحد.
وهذا النوع مما فرعه قدامة، وفسره بأن قال: هو أن يستكمل الشاعر معنى بيته بتمامه، قبل أن يأتي بقافيته، فإذا أراد الإتيان بها ليكون الكلام شعرًا، أفاد بها معنى زائدًا على معنى البيت، كقول ذي الرمة:
قف العيس في آثار مية واسأل ... رسومًا كأخلاق الرداء المسلسل١
فتم كلامه قبل القافية، فلما احتاج إليها أفاد بها معنى زائدًا، وكذلك صنع في البيت الذي بعده، حيث قال:
أظن التي يجدي عليك سؤالها ... دموعًا كتبديد الجمان المفصل٢
فإنه تم كلامه بقوله:
كتبديد الجمان، واحتاج إلى القافية فأتى بما يفيد معنى زائدًا، ولو لم يأت بها لم يحصل. انتهى.
стр. 507
والفرق بين الإيغال والتتميم، أن التتميم يأتي إلى المحتاج فيتممه، كقول الشاعر وقد تقدم:
أناس إذا لم يقبل الحق منهم ... ويعطوه غاروا بالسيوف القواضب
فإن المعنى بدون قوله:
ويعطوه ناقص، والإيغال لا يرد إلا على المعنى التام، فيزيده كمالًا ويفيد فيه معنى زائدًا، غير أن بين الإيغال والتكميل تجاذبًا يكاد أن ينتظم كل منهما في سلك الآخر. ولكن رأيت الناس قد سلموا إلى قدامة ما اختاره وفرعه هنا، فمشيت مع الناس. واستشهدوا على الإيغال بقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ١ فإن الكلام تم بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ ثم احتاج الكلام إلى فاصلة تناسب القرينة الأولى، فلما أتي بها أفاد معنى زائدًا. قلت: ولعمري لو طلب التكميل حقه من هذا الشاهد، لم يمنعه الذوق السليم. ومثله قوله تعالى: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ٢ فإن المعنى تم بقوله تعالى: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ ثم أراد، وهو أعلم، إتمام الكلام بالفاصلة، فقال: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ .
وقد حكي عن الأصمعي أنه سئل من أشعر الناس؟ فقال: الذي يأتي إلى المعنى الخسيس فيجعله بلفظه كثيرًا، وينقضي كلامه قبل القافية، فإن احتاج إليها أفاد معنى زائدًا. فقيل له: نحو من؟ فقال: نحو الفاتح لأبواب المعاني، وهو امرؤ القيس، حيث قال:
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب٣
ومثله قول زهير:
كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم٤
فكلام امرئ القيس انتهى إلى وله الجزع، وزيادة المعنى في قوله: الذي لم يثقب، ولا يخفى على حذاق الأدب ما فيها من المحاسن. ومعنى قول زهير انتهى في
стр. 508
كلامه إلى قوله: حب الفنا، وزيادة المعنى في قوله: لم يحطم، فيها نكتة بديعية غريبة، وأنا أذكرها هنا تنبيهًا على ما قرره الأصمعي، وما ذاك إلا أن زهيرًا شبه ما تفتت من العِهن بحب الفنا، والفنا شجر ثمره حب أحمر وفيه نقط سود، وقال الفراء: هو عنب الثعلب. فلما قال زهير، بعد تمام معنى بيته: لم يحطم، أراد أن يكون حب الفنا صحيحًا، لأنه إذا كسر ظهر له لون غير الحمرة.
وقال ابن أبي الأصبع في كتابه المسمّى "بتحرير التحبير": ولقد أحسن ابن المعتز في إيغاله، بقوله لابن طباطبا العلوي:
فأنتم بنو بنته دوننا ... ونحن بنو عمه المسلم
فإنه تحيل على المساواة، بأن قال: ونحن بنو عمه المسلم، والكلام تم قبل الإتيان بالقافية، فلما أتى بها أفلت معنى، إذ لا طريق له إلى التفضيل بزيادة في حسن الجد.
والذي وقع اتفاق البديعيين عليه: أن أعظم ما وقع في هذا الباب وأبلغ، قول الخنساء أخت صخر:
وإن صخرًا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار١
فإن معنى جملة البيت كامل دون القافية، فوجدوها زيادة لم تكن له قبلها. وهذه المرأة لم ترض لأخيها أن يأتم به جهال الناس، حتى جعلته يأتم به أئمة الناس، وهذا تتميم. ولم ترض تشبيهه بالعلم، وهو الجبل المرتفع المعروف بالهداية، حتى جعلت في رأسه نارًا.
ويعجبني، من أمثلة هذا النوع في شعر المتأخرين، قول الباخرزي من قصيدة:
أنا في فؤادك فارم طرفك نحوه ... ترني فقلت لها وأين فؤادي
ومثله قول الآخر:
تعجبت من ضنى جسمي فقلت لها ... على هواك فقالت عندي الخبر
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته، يقول عن النبي ﷺ :
كأن مرآه بدر غير مستتر ... وطيب رياه مسك غير مكتتم
стр. 509
الإيغال مع الشيخ صفي الدين في غير مستتر وغير مكتتم. والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم.
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي، في بديعيته يقول فيه عن النبي، ﷺ :
أضحت أعاديه في الأقطار طائرة ... وأوغلت في الهوى خوفًا مع العصم١
قال الشيخ عز الدين غفر الله له في شرحه: إن الإيغال الذي أفاد في بيته معنى زائدًا بعد تمامه، قوله: خوفًا مع العصم. وذكر أن العصم هي الجوارح من الطيور التي تفرخ في العوالي، والله أعلم.
وبيت بديعيتي أشير فيه إلى النبي ﷺ بقولي:
للجود في السير إيغال إليه وكم ... حَبَا الأنام بود غير منصرم
فمعنى بيتي انتهى إلى قولي عنه ﷺ : حبا الأنام بود. ولما قلت بعد ذلك: غير منصرم إشارة إلى ود النبي ﷺ ظهر لي من زيادة المعنى ما أقام قواعد بيتي، وملأ الدنيا بهجة بمحاسن الصفات النبوية، والله أعلم.
стр. 510
ذكر التهذيب والتأديب:
تهذيب تأديبه قد زاده عظمًا ... في مهده وهو طفل غير منفطم
نوع التهذيب والتأديب ما قرروا له شاهدًا يخصه؛ لأنه وصف يعم كل كلام منقح محرر، وهو عبارة عن ترداد النظر في الكلام بعد عمله، والشروع في تهذيبه وتنقيحه، نظمًا كان أو نثرًا، وتغيير ما يجب تغييره، وحذف ما ينبغي حذفه وإصلاح ما يتعين إصلاحه، وكشف ما يشكل من غريبه وإعرابه وتحرير ما يدق من معانيه، وإطراح ما يتجافى عن مضاجع الرقة من غليظ ألفاظه، لتشرق شموس التهذيب في سماء بلاغته، وترشف الأسماع على الطرب رقيق سلافته، فإن الكلام إذا كان موصوفًا بالمهذب، منعوتًا بالمنقح، علت رتبته وإن كانت معانيه غير مبتكرة. وكل كلام قيل فيه: لو كان موضع هذه الكلمة غيرها، أو لو تقدم هذا المتأخر وتأخر هذا المتقدم، أو لو تمم هذا النقص بكذا، أو لو تكمل هذا الوصف بكذا، أو لو حذفت هذه اللفظة، أو لو اتضح هذا المقصد، وسهل هذا المطلب لكان الكلام أحسن، والمعنى أبين، كان ذلك الكلام غير منتظم في سلك نوع التهذيب والتأديب.
وكان زهير بن أبي سلمى معروفًا بالتنقيح والتهذيب، وله قصائد تعرف بالحوليات، قيل: إنه كان ينظم القصيدة في أربعة أشهر، ويهذبها وينقحها في أربعة أشهر، ويعرضها على علماء قبيلته في أربعة أشهر. ويروى، أنه كان يعمل القصيدة في شهر وينقحها ويهذبها في أحد عشر شهرًا. ولا جرم أنه قلما يسقط منه شيء، ولهذا كان الإمام عمر بن الخطاب ﵁ مع جلالته في العلم، وتقدمه في النقد، يقدمه على سائر الفحول من طبقته، وما أحسن ما أشار أبو تمام إلى التهذيب بقوله:
стр. 511
خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى ... والليل أسود رقعة الجلباب١
فإنه خص تهذيب الفكر بالدجى، لكون الليل تهدأ فيه الأصوات وتسكن الحركات، فيكون الفكر فيه مجتمعًا ومرآة التهذيب فيه صقيلة، لخلو الخاطر وصفاء القريحة، لا سيما وسط الليل والنفس قد أخذت حظها من الراحة، بعد نيل قسطها من النوم، وخف عليها ثقل الغذاء، وصح ذهنها وصار صدرها منشرحًا، وقلبها بالتأليف منبسطًا، وما قدموا وسط الليل في التأليف على السحر، مع ما فيه من رقة الهواء وخفة الغذاء وأخذ النفس سهمها من الراحة، إلا لما يكون فيه من انتباه أكثر الحيوان الناطق وارتفاع معظم الأصوات، وجرس الحركات، وتقشع الظلماء بطلائع الأضواء، وبدون ذلك ينقسم الفكر، ويشتغل القلب، ووسط الليل خال مما ذكرناه. ولهذا خص أبو تمام تهذيب الفكر بالدجى عادلًا عن الطرفين، لما فيهما من الشواغل المذكورة.
وحكت الثقات عن أبي عبادة البحتري الشاعر قال: كنت في حداثتي أروم الشعر، وكنت أرجع فيه إلى طبع سليم، ولم أكن وقفت له على تسهيل مأخذ ووجوه اقتضاب، حتى قصدت أبا تمام وانقطعت إليه واتكلت في تعريفه عليه، فكان أول ما قال لي: يا أبا عبادة تخير الأوقات، وأنت قليل الهموم صفر من الغموم، واعلم أن العادة في الأوقات، إذا قصد الإنسان تأليف شيء أو حفظه أن يختار وقت السحر، وذلك أن النفس تكون قد أخذت حظها من الراحة وقسطها من النوم، وخف عنها ثقل الغذاء، وصفًا من أكثر الأبخرة والأدخنة جسم الهواء، وسكنت الغماغم٢، ورقت النسائم، وتغنت الحمائم.
وإذا شرعت في التأليف تغن بالشعر، فإن الغناء مضماره الذي يجري فيه، واجتهد في إيضاح معانيه، فإن أردت التشبيب فاجعل اللفظ رقيقًا، والمعنى رشيقًا، وأكثر فيه من بيان الصبابة، وتوجع الكآبة، وقلق الأشواق، ولوعة الفراق، والتعلل باستنشاق النسائم، وغناء الحمائم، والبروق اللامعة، والنجوم الطالعة، والتبرم من العذال، والوقوف على الأطلال.
وإذا أخذت في مدح سيد فأشهر مناقبه، وأظهر مناسبه، وأرهب من عزائمه ورغب في مكارمه. واحذر المجهول من المعاني، إياك أن تشين شعرك بالعبارة الردية والألفاظ الوحشية، وناسب بين الألفاظ والمعاني في تأليف الكلام، وكن كأنك خياط تقدر الثياب على مقادير الأجسام، وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك، ولا تعمل إلا وأنت فارغ
стр. 512
القلب، ولا تنظم إلا بشهوة فإن الشهوة نعم المعين على حسن النظم، وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سلف من أشعار الماضين، فما استحسن العلماء فاقصده، وما استقبحوه فاجتنبه. انتهت وصية أبي تمام.
وأورد العلامة زكي الدين بن أبي الأصبع، في كتابه المسمّى "بتحرير التحبير" وصية لنفسه أوردها أيضًا على نوع التهذيب والتأديب، فاخترت منها ما هو اللائق بالحال، وأولها: ينبغي لك أيها الراغب في العمل، السائل عن أوضح السبل، أن تحصل المعنى قبل الشروع في النظم، والقوافي قبل الأبيات. قلت: وهذا مذهبنا. ثم قال ابن أبي الأصبع: ولا تكره الخاطر على وزن مخصوص وروي مقصود، وتوخ الكلام الجزل دون الرذل، والسهل دون الصعب، والعذب دون المستكره، والمستحسن دون المستهجن. ولا تعمل نظمًا ولا نثرًا عند الملل، فإن الكثير معه قليل، والنفس معه خسيس، والخواطر ينابيع، إذا رفق بها جمت١، وإذا كثر استعمالها نزحت٢. واكتب كل معنى يسنح، وقيد كل فائدة تعرض، فإن نتائج الأفكار كلمعة البرق ولمحة الطرف إن لم تقيدها شردت وندت٣، وإن لم تستعطف بالتكرار عليها صدت. والترنم بالشعر مما يعين عليه، فقد قال الشاعر:
تغن بالشعر إما كنت قائله ... إن الغناء لقول الشعر مضمار٤
وقد يكل خاطر الشاعر ويعصى عليه الشاعر زمانًا، كما روي عن الفرزدق أنه قال: لقد يمر على زمان وقلع ضرس من أضراسي أهون عليَّ أن أقول بيتًا واحدًا. وإذا كان كذلك، فاتركه حتى يأتيك عفوًا، وينقاد إليك طوعًا، وإياك وتعقيد المعاني وتقصير الألفاظ، وتوخ حسن النسق عند التهذيب، ليكون كلامك بعضه آخذ بأعناق بعض، وكرر التنقيح، وعاود التهذيب، ولا يخرج عنك ما نظمته إلا بعد تدقيق النقد وإمعان النظر. انتهى.
قلت وهذا لعمري هو المراد من النوع الذي نحن في شرحه، أعني نوع التهذيب والتأديب، لا كقول الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملكًا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه
стр. 513
فإن الممدوح إبراهيم بن هشام المخزومي، خال هشام بن عبد الملك وأما التقديم والتأخير ففي قوله وما مثله، البيت، فإن تقديره: وما مثله في الناس حي يقاربه إلا مملكًا أبو أمه أبوه. وسلوك طريق التعقيد في قوله أبو أمه أبوه، وكان يجزيه قوله جده. وهذا لعمري هو التعقيد الذي بينه وبين التهذيب والتأديب الذي قررناه، بعد المشرقين. وقد تقدم قولي: إن البديعيين أجمعوا على أن هذا النوع ليس له شاهد يخصه؛ لأنه وصف يعم كل كلام منقح فاختصرت الشواهد، ليظهر للمتأمل من أحرز قصبات السبق من نظام البديعيات في هذا النوع، أعني التهذيب والتأديب.
ولكن رأيت العلامة زكي الدين بن أبي الأصبع قد استحسن من الشواهد اللائقة بهذا النوع قول القاضي السعيد بن سنا الملك.
تغنى عليها حليها طربًا بها ... وفاحت فقلنا هذه الروضة الغنا
قال: وقوله صحيح، لو لم تقدم في صدر البيت لفظة مشتقة من الغناء، حصل بها في البيت من الرونق ما لا يحسن بدونها، وكان البيت خاليًا من التهذيب، فإن بوجودها حصل في بيته تصدير وتجنيس وائتلاف وتهذيب، وانتفى عنه من العيوب عدم الائتلاف وقلق القافية، وبذلك تقدم التهذيب فإنه لو قال:
زهت بأزاهير الجمال وحسنها ... وفاحت فقلنا هذه الروضة الغنا
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته على هذا النوع، يقول فيه عن النبي، ﷺ :
هو النبي الذي آياته ظهرت ... من قبل مظهره للناس في القدم
قد تكرر قولي أنني لم أكثر من شواهد هذا النوع، إلا ليظهر فيه من أحرز قصبات السبق من نظام البديعيات.
والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته يقول فيه عن النبي ﷺ :
والله هذبه طفلًا وأدبه ... فلم يحل هديه الزاكي ولم يرم١
وبيت بديعيتي، أقول فيه عن النبي، ﷺ :
تهذيب تأديبه قد زاده عظمًا ... في مهده وهو طفل غير منفطم
стр. 514
هذا البيت يشتمل، ببركة من أدبه فأحسن تأديبه، وهو الممدوح ﷺ ، على عشرة أنواع من البديع: أولها النوع الذي هو شاهد عليه وهو التهذيب والتأديب، والانسجام والسهولة، والتورية بتسمية النوع، والتتميم، والتكميل، والتمكين، والإيغال، والائتلاف، والمبالغة. ولولا الخوف من الإطالة لذكرت كل نوع في موضعه، ولكن في نظر أصحاب الذوق السليم من علماء هذا الفن ما يغني عن ذلك. والله أعلم.
стр. 515
ذكر ما لا يستحيل بالانعكاس:
بحر وذو أدب بدا وذو رحب ... لم يستحل بانعكاس ثابت القدم
هذا النوع سماه قوم المقلوب والمستوي، وسماه السكاكي مقلوب الكل، وعرفه الحريري في مقاماته بما لا يستحيل بالانعكاس، وهو أن يكون عكس البيت، أو عكس شطره، كطرده.
وهذا النوع، أعني ما لا يستحيل بالانعكاس، غايته أن يكون رقيق الألفاظ سهل التركيب منسجمًا، في حالتي النثر والنظم. وجاء منه في الكتاب العزيز: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾ ١ و ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ٢ ومن الكلام الذي رق لفظه: "أرض خضرا". وأورد الحريري في مقاماته: "ساكب كاس" وزاد في العدة: "كبر رجاء أجر ربك". وزاد في العدة أيضًا فقال: "لذ بكل مؤمل إذا لم وملك بذل". قلت هذا الكلام الذي زاد الحريري في عدة كلماته صحيح التركيب، في طرده وعكسه، ولكن لم يخف على الحذاق وأصحاب السجايا الرقيقة أن التكلف طوق جيده بطوق العقادة.
وذكروا أن العلامة القاضي فتح الدين بن الشهيد، صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالشام المحروس، تغمده الله برحمته ورضوانه، وصل في تركيب هذا النوع إلى أكثر من هذه العدة، ولكن ما وقفت له على شيء من ذلك، وإنما مولانا، المقر الأشرف القاضوي الناصري محمد بن البارزي الجهني الشافعي، صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالممالك المحروسة الإسلامية. عظم الله تعالى شأنه، أخبر المملوك أنه وقف على ما نثره القاضي.
стр. 516
فتح الدين المشار إليه في هذا النوع، قبل تيمورلنك، وذكر أنه في غاية العقادة، وقد تقدم القول وتقرر: أن المراد من تركيب هذا النوع نثرًا كان أو نظمًا غير كثرة العدد، والمبرز فيه هو الذي يأتي به رقيق الألفاظ سهل التركيب، رافلًا في حلل الانسجام. وممن استوعب هذه الشروط في كلام منثور، مولانا قاضي القضاة شرف الدين شيخ الإسلام ابن البارزي الجهني الشافعي نور الله ضريحه بقوله: "سور حماه بربها محروس" ومن الغايات أيضًا، في هذا النوع، قول العماد الكاتب، وقد مر عليه القاضي الفاضل راكبًا: "سر فلا كبابك الفرس". فأجابه الفاضل على الفور، وقد علم القصد: "دام علا العماد". وقال الحريري في المقامات:
إن أحببت أن تنظم ... فقل للذي تعظم
آس أرملا إذا عرا ... وارع إذا المرء أسا١
قلت: وهذا النظم أيضًا، لا يخفى أنه يتجافى عن الرقة بغليظ لفظه. ومن الشواهد المقبولة على هذا النوع في النظم، قول الشاعر:
عج تنم قربك دعد آمنًا ... إنما دعد كبرق منتجع٢
ومنها:
أراهنَّ نادَمْنه ليلَ لهوٍ ... وهل ليلهن مدان نهارًا
والذي وقع عليه الإجماع، أن أبلغ الشواهد على هذا النوع، الذي استوعب ناظمه فيه الشروط التي تقدم ذكرها، قول القاضي الأرجاني:
مودته تدوم لكل هول ... وهل كل مودته تدوم
ومثال شطر البيت الذي نسجت أبيات البديعيات على منواله: "أرانا الإله هلالًا أنارا".
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته على هذا النوع:
هل من ينم بحب من ينم له ... بما رموه كمن لم يدر كيف رمى
قلت الشيخ صفي الدين الحلي، غفر الله له، غير مشكور في نظم هذا البيت فإن الطرد والعكس لم يأت به إلا في الشطر الأول، وهو غير ملتزم تسمية النوع، فإن تسمية
стр. 517
هذا النوع بما لا يستحيل بالانعكاس، تستوعب جزءًا كبيرًا من البيت، ومع عدم التزامه بشيء من ذلك، جاء بيته في غاية العقادة، ولظلمة عقادته لم يلح لي فيه لمعة اهتدى بها إلى فهم معناه. وأعجب من ذلك أن البيت مبني على مديح النبي ﷺ والبيت الذي قبله:
من مثله وذراع الشاة كلمه ... عن سمه بلسان صادق الرنم
والبيت الذي بعده:
هو النبي الذي آياته ظهرت ... من قبل مظهره للناس في القدم
فبيت ما لا يستحيل بالانعكاس بينهما أجنبي، ونسبه بعيد من شرف هذين البيتين المنتسبين إلى النبي، ﷺ :
لم يستحل بانعكاس في سجيته ... مدنٍ أخا طعم معط أخا ندم١
قلت الشيخ عز الدين -رحمه الله تعالى- يعذر هنا إذا احتجبت عنه مسالك الرقة، لالتزامه بتسمية النوع الذي استوعب جزءًا كبيرًا من بيته.
وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي، ﷺ :
بحر وذو أدب بدا وذو رحب ... لم يستحل بانعكاس ثابت القدم
وقد حبست عنان القلم هنا، عن الإطناب في انسجام هذا البيت ورقة ألفاظه وتمكين قافيته، علمًا أن في إنصاف الذوق السليم من أهل الأدب ما يغني عن ذلك، والله أعلم.
стр. 518
ذكر التورية:
أوصافه الغر قد حلت بتورية ... جيدي وعقد لساني بعد ذا وفمي
التورية، يقال لها: الإيهام والتوجيه والتخيير. والتورية أولى في التسمية لقربها من مطابقة المسمّى، لأنها مصدر وريت الخبر تورية إذا سترته وأظهرت غيره، كأن المتكلم يجعله وراءه بحيث لا يظهر. وهي في الاصطلاح، أن يذكر المتكلم لفظًا مفردًا له معنيان حقيقيان، أو حقيقة ومجازًا، أحدهما قريب ودلالة اللفظ عليه ظاهرة والآخر بعيد ودلالة اللفظ عليه خفية، فيريد المتكلم المعنى البعيد ويوري عنه بالمعنى القريب، فيتوهم السامع أول وهلة، أنه يريد القريب وليس كذلك، ولأجل هذا سُمّي هذا النوع إيهامًا، ومثل ذلك قول أبي العلاء المعري:
وحرف كنون تحت راء ولم يكن ... بدال يؤم الرسم غيَّره النقط
فمن سمع هذا البيت توهم أنه يريد براء ودال حرفي الهجاء؛ لأنه صدر بيته بذكر الحروف وأتبع ذلك بالرسم والنقط، وهذا هنا هو المعنى القريب المتبادر أولًا إلى ذهن السامع، والمراد غيره وهو المعنى البعيد المورى عنه بالقريب؛ لأن مراده بالحرف الناقة، وبحرف النون تشبيه الناقة به في تقويسها وضمورها، وبراء اسم الفاعل من رأى إذا ضرب الرئة، وبدال اسم الفاعل من دلا يدلو إذا رفق في السير، وبالرسم أثر الدار، وبالنقط المطر. ومعنى هذا البيت أن هذه الناقة لضعفها وانحنائها مثل نون تحت رجل يضرب رئتيها ولم يرفق بها في السير فهو غير دال، وقد تقدم أن الدالي هو الرفيق ويؤم بها دارًا غَيَّر المطر رسمها. واجتماع هذه الأوصاف دليل على ضعف الناقة؛ لأنها لو كانت قوية لما احتاجت إلى ضرب رئتيها، وإلى الرفق بها مع شدة شوقه إلى ديار أحبابه، وذلك باعث على شدة السير.
стр. 519
قال حذاق الأدب تراكيب التورية، في هذا البيت بالنسبة إلى ديباجة المتأخرين وطلاوة ألفاظهم، وزخارف بيوتهم تستحق قول القائل:
وما مثله إلا كفارغ حمص ... خليّ من المعنى ولكن يفرقع
لأن هذا النوع، أعني التورية، ما تنبه لمحاسنه إلا من تأخر من حذاق الشعراء وأعيان الكتاب، ولعمري إنهم بذلوا الطاقة في حسن سلوك الأدب إلى أن دخلوا إليه من باب، فإن التورية من أغلى فنون الأدب وأعلاها رتبة، وسحرها ينفث في القلوب، ويفتح بها أبواب عطف ومحبة، وما أبرز شمسها من غيوم النقد إلا كل ضامر مهزول، ولا أحرز قصبات سبقها من المتأخرين غير الفحول، ومما يؤيد قولي هذا، قول الشيخ صلاح الدين الصفدي -رحمه الله تعالى- في ديباجة كتابه المسمّى: "بفض الختام عن التورية والاستخدام". ومن البديع ما هو نادر الوقوع، ملحق بالمستحيل الممنوع، وهو نوع التورية والاستخدام، فإنه نوع تقف الأفهام حسرى دون غايته عن مرامي المرام.
نوع يشق على الغبي وجوده ... من أي باب جاء يغدو مقفلا
لا يفرَع هضبته فارع١، ولا يقرع بابه قارع، إلا من تنحو البلاغة نحوه في الخطاب، وتجري ريحها بأمره رخاء حيث أصاب.
وقال الزمخشري، وهو حجة في هذا العلم: ولا نرى بابًا في البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب، ولا أنفع ولا أعون على تعاطي تأويل المشتبهات من كلام الله، وكلام نبيه ﷺ وكلام صحابته ﵃ أجمعين- فمن ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢ لأن الاستواء على معنيين، أحدهما، الاستقرار في المكان، وهو المعنى القريب المورى به، الذي هو غير مقصود؛ لأن الحق تعالى وتقدس منزه عن ذلك، والثاني الاستيلاء والملك وهو المعنى البعيد المقصود الذي وُرّي عنه بالقريب المذكور. انتهى. ومنه قول النبي ﷺ حين سئل في مجيئه عند خروجه إلى بدر فقيل لهم: ممن أنتم؟ لم يرد أن يعلم السائل فقال: "من ماء". أراد أننا مخلوقون من ماء، فورى عنه بقبيلة يقال لها ماء. ومنه ما روي عن النبي، ﷺ : أنه قال: "لا يزال المنام طائرًا حتى يقص فإذا قص وقع". ففي الكلام توريتان: لفظة طائر، ولفظة يقص، ويحتمل أيضًا أن يكون في لفظة وقع تورية ثالثة. ومنه قول أبي بكر ﵁ في الهجرة، وقد
стр. 520
سئل عن النبي ﷺ من هذا؟ فقال: هادٍ يهديني. أراد أبو بكر ﵁ هاديًا يهديني إلى الإسلام، فورى عنه بهادي الطريق، وهو الدليل في السفر.
وكانت خواطر المتقدمين عن نظم التورية بمعزل، وأفكارهم مع صحتها ما خيمت عليها بمنزل، لكنها ربما وقعت لهم عفوًا من غير قصد، لأنهم على كل حال ولاة هذا الشأن، وأدلة هذا الركب. وقيل إن أول من كشف غطاءها، وجلا ظلمة إشكالها، أبو الطيب المتنبي بقوله:
برغم شبيب فارق السيف كفه ... وكانا على العلات مصطحبان
كأن رقاب الناس قالت لسيفه ... رفيقك قيسي وأنت يماني
يريد أن كف شبيب وسيفه متنافران فلا يجتمعان؛ لأن شبيبًا كان قيسيًّا والسيف يقال له يماني، فورى به عن الرجل المنسوب إلى يمن، ومعلوم ما بين قيس ويمن من التنافر. قلت: وكأن من قال: إن أبا الطيب أول من كشف غطاء التورية، ما لمح قول عمرو بن كلثوم في معلقته عن الخمرة:
مشعشعة كأن الحص فيها ... إذا ما الماء خالطها سخينا١
الشاهد هنا في سخينا، فإن العرب كانوا يسخنون الماء في الشتاء لشدة برده، ثم يمزجونها به فسخينا على هذا التقدير نعت لموصوف محذوف والمعنى: فأضحى شرابًا سخينًا، وهذا هو المعنى القريب المورى به. ويحتمل السخاء الذي هو عبارة عن الكرم، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه. ومراد الناظم ومما يؤيد قولي أنه المراد، قول الجوهري في الصحاح: قول من قال سخينًا من السخونة، نصب على الحال ليس بشيء فإن المراد لما خالطها الماء ومزجت به طبنا وسخينا بأموالنا: كقول عنترة:
وإذا سكرت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم٢
والحص هو الزعفران على أحد الأقوال، وهو الذي شبه صفرتها به، فإن قيل: سخا
стр. 521
مضارعه يسخو، ويسخو من ذوات الواو فلا يجوز أن يكون سخينًا فعلًا على هذا التقدير، فالإجماع عند أهل اللغة أنه يقال: سخا يسخا وسخا يسخو، وهذا مذهب الجوهري في الصحاح، وعلى هذا التقدير، فاشتراك التورية في سخينا صحيح ممكن من الوجهين. انتهى.
وكشف أيضًا عن قناع التورية في شعره النابغة الذبياني بقوله:
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما١
أراد بالصيام ههنا القيام، وورى بقوله: تعلك اللجما، عن الصيام.
وأورد السكاكي، في المفتاح، للعرب من هذا الباب.
حملناهم طرًا على الدهم بعدما ... خلعنا عليهم بالطعان ملابسًا
أراد بالحمل على الدهم، تقييدهم، وأوهم بالركوب على دهم الخيل.
قلت: وقبل المتنبي أيضًا بزمن طويل قال أبو نواس:
فتنت قلبي محببة ... وجهها بالحسن منتقب٣
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي، في كتابه المسمى: "بفض الختام عن التورية والاستخدام" امتحنت، ببيت أبي نواس جماعة ممن حاضرتهم وذاكرتهم وعاطيتهم كئوس الأدب وعاشرتهم، فبعضهم استخرج منه النكتة، وبعضهم لم أجد له إليها لفتة.
وقال البحتري:
ووراء تسدية الوشاح ملية ... بالحسن تملح في القلوب وتعذب٤
الشاهد في قوله: تملح، فإنه يحتمل أن يكون من الملوحة التي هي ضد العذوبة، وهو المعنى القريب المورى به، ويحتمل أن يكون من الملاحة وهو المعنى البعيد المورى عنه، وقد تقدم من لوازمه على جهة التبيين قوله: ملية بالحسن.
стр. 522
وأما أبو العلاء، فإنه أتى في التورية بلمعة خفية الإيماء شديدة العقادة والتكلف، وذلك في قوله:
حروف السرى جاءت لمعنى أردته ... برتني أسماء لهن وأفعال
إذا صدق الجدّ افترى العم للفتى ... مكارم لا تخفى وإن كذب الخال
الجد هنا مشترك بين أبي الأب والسعد، ومراده السعد. والعم مشترك بين أخي الأب والجماعة من الناس، ومراده الجماعة. والخال مشترك بين أخي الأم والظن، ومراده الظن. قلت زحوف١ هذا البيت أيضًا لا تخفى إنه مكسوف بدخان العقادة، أين هذا من قول الشيخ تقي الدين السروجي:
في الجانب الأيمن من خدها ... نقطة مسك اشتهى شمها
حسبته لما بدا خالها ... وجدته من حسنه عمها٢
ومثله في اللطف والظرافة قول الشيخ عز الدين الموصلي:
لحظت من وجنتها شامة ... فابتسمت تعجب من حالي
قالت قفوا واستمعوا ما جرى ... قد هام عمي الشيخ من خالي٣
قلت: ولهذا وقع الإجماع على أن المتأخرين هم الذين سموا إلى أفق التورية وأطلعوا شموسها، ومازجوا بها أهل الذوق السليم لم أداروا كئوسها، وقيل إن الفاضل هو الذي عصر سلافة التورية لأهل عصره، وتقدم على المتقدمين بما أودع منها في نظمه ونثره، فإنه رحمه الله تعالى كشف بعد طول التحجب ستر حجابها، وأنزل الناس بعد تمهيدها بساحاتها ورحابها. وممن شرب من سلافة عصره، وأخذ عنه وانتظم في سلكه بفرائد دره، القاضي السعيد ابن سنا الملك، ولم يزل هو ومن عاصره مجتمعين على دور كأسها، ومتمسكين بطيب أنفاسها، إلى أن جاءت بعدهم حلبة صاروا فرسان ميدانها، والواسطة في عقد جمانها، كالسراج الوراق وأبي الحسين الجزار، والنصير الحمامي وناصر الدين حسن بن النقيب، والحكيم شمس الدين بن دانيال، والقاضي محيي الدين بن عبد الظاهر.
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي، في كتابه المسمى: "بفض الختام عن التورية
стр. 523
والاستخدام". وجاء من شعراء الشام جماعة تأخر عصرهم، وتأزر نصرهم، ولأن في هذا النوع هصرهم١ وبعد حصرهم، كل ناظم تود الشعرى٢، لو كانت له شعرًا، ويتمنى الصبح لو كان له طرسًا والغسق مددًا والنثرة٣ نثرًا، ما حلا من بنات فكره خودًا٤ إلا شاب لحسنها الوليد، وسيرها في الآفاق وبين يديها من النجوم جوارٍ٥ ومن الشعراء عبيد، كالشيخ شرف الدين عبد العزيز الأنصاري شيخ شيوخ حماة، والأمير مجير الدين بن تميم، وبدر الدين يوسف بن لؤلؤ الذهبي، ومحيي الدين بن قرناض الحموي، وشمس الدين محمد بن العفيف، وسيف الدين بن المشد. وقال الشيخ صلاح الدين في أواخر ديباجة كتابه المذكور. ومع هؤلاء جماعة يحضرني ذكرهم عند شعرهم، ويعز عليّ إذ لم أرهم على تكاثرهم لفوات عصرهم. وتلطف بقوله بعد ذلك: ولا تقل أيها الواقف على هذا التأليف، لقد أفرطت في التعصب لأهل مصر والشام، على من دونهم من الأنام، وهذا باطل ودعوى عدوان، وحمية لأوطانك ومن جاورها من البلدان. فالجواب أن الكلام في التورية لا غير، ومن هنا تنقطع المادة في السير، ومن ادعى أنه يأتي بدليل وبرهان. فالمقياس بيننا والشقراء٦ والميدان. انتهى كلام الشيخ صلاح الدين الصفدي.
قلت: قد تقدم وتقرر أن التورية عند علماء هذا الفن بمنزلة الإنسان٧ من العين، وسموها في البلاغة سموّ الذهب على العين٨، وقد ثبت أن خواطر المتقدمين كانت بها شحيحة، وأفكارهم لا تقصد مظانها٩ وإن كانت سليمة صحيحة، لكنها ربما وقعت لهم عفوًا من غير مرام١٠، فنقول إنها رمية من غير رامٍ. وقد علم أن المتأخرين من الفاضل إلى من فضل بعدهم نور مشكاتها١١، والمتفكهين في أدواح الأدب بثمراتها، فإذا جليت عرائس أفكارهم على اختلاف أنواع التورية لا يمل المتأمل، اللهم إلا أن يكون سيف
стр. 524
ذهنه كليلًا١ فيقول إنه من هذا الفن متنصل٢، فإن هذه العرائس لم تبرز لمتأمل إلا من خدور هذا الكتاب، وإذا طلبها من غيره توارت عنه بالحجاب، فإذا سرح المتأمل طرفه وأمسى في كل واد من محاسنها يهيم، وتنوعت حلاوات أنواعها لذوقه السليم، جردت سيف العزم وأقمت لكل نوع حدًّا، ونظمت له من أنواع التورية وأقسامها في سلك هذا النوع عقدًا، فإن الشيخ صفي الدين الحلي لم يذكر في شرح بديعيته نوعًا من أنواع التورية، ولا قسمًا من أقسامها، بل ذكر حد التورية الذي أجمع الناس عليه وقال: هي أن يأتي المتكلم بلفظة مشتركة بين معنيين قريب وبعيد، فيذكر لفظًا يوهم القريب إلى أن يجيء بقرينة يظهر منها أن مراده البعيد.
قلت: ومن أين يعرف الطالب من هذا الحد التورية المجردة، والتورية المرشحة وقسميها، والمبنية وقسميها، والمهيأة وأقسامها.
وكذلك العلامة زكي الدين بن أبي الأصبح، لم يذكر في كتابه المسمى "بتحرير التحبير" نوعًا من أنواعها ولا قسمًا من أقسامها، مع أن كتابه ما وضع في هذا الفن له نظير، بل قال: التورية، وتسمى التوجيه، وهي أن يكون الكلام يحتمل معنيين، فيستعمل المتكلم أحد احتماليه ويهمل الآخر، ومراده ما أهمله لا ما استعمله.
وأما صاحب التلخيص فإنه قال، مشيرًا إلى البديع: ومنه التورية، وتسمى الإيهام أيضًا، وهي أن يطلق لفظ له معنيان، قريب وبعيد، وهي ضربان: مجردة ومرشحة. ولم يزد على هذا القدر شيئًا.
وإذا أردت ما وعدت بإيراده من طلاوة المتأخرين في التورية، شرعت في الكلام على أنواعها وأقسامها، ليسير ركب الأدب في طرقها المتشعبة بدليل، ويصير لديباجة هذا النوع تفصيل، وقد قدمت ذكر الفاضل ومن فضل بعده، في باب الاستخدام، ولكن لم يمكن اختصارهم في باب التورية، فإنهم فرسان حلباتها، وأجل من سكن غريب نظمه بأبياتها، وكل ما أوردته لهم ولغيرهم من التورية في غير بابه، تعين نظم شمله هنا، ليجتمع كل غريب بأقاربه وأنسابه. فمن مخترعات القاضي الفاضل في التورية قوله من مديح قصيدة طائية، وهي نكتة لم تختل في صدر غيره، وهو:
أما الثريا فنعل تحت أخمصه ... وكل قافية قالت لذلك طا٣
стр. 525
ومثله قوله:
في خده فخ لعطفة صدغه ... والخال حبته وقلبي الطائر
ومثله قوله:
وكنت وكنا والزمان مساعد ... فصرت وصرنا وهو غير مساعد
وزاحمني في ورد ريقك شارب ... ونفسي تأبى شركها في الموارد
ومن هنا أخذ الشيخ عز الدين الموصلي، وقال:
لقد كنت لي وحدي ووجهك حضرتي ... وكنا وكانت للزمان مواهب
فعارضني في ورد خدك عارض ... وزاحمني في ورد ثغرك شارب
ومن نظم الفاضل أيضًا، في بوّاب يلقب بالبحري:
وهب أن هذا الباب للرزق قبلة ... فها أنا قد وليته دونكم ظهري١
وهب أن البحر الذي يخرج الغنى ... فكلّ خرافي الشط في لحية البحر"ي"٢
ومثله قوله:
عاتبته فتضرجت وجناته ... والقلب صخر لا يلين لقاصد٣
فنظرت من ذا في حرير ناعم ... وضربت من ذا في حديد بارد
ومن اختراعاته التي لم تجل في فكر غيره، قوله من مديح قصيدة عادلية.
وهذا الترب أم خد لثمنا ... فآثار الشفاه عليه شامه
وهذا الدر منثور ولكن ... أروني غير أقلامي نظامه
وهذي روضة تندى وسطري ... بها غصن وقافيتي حمامه
ومنه قوله أيضًا:
بالله قل للنيل عني إنني ... لم أشف من ماء الفرات غليلا
وسل الفؤاد فإنه لي شاهد ... إن كان طرفي بالبكاء بخيلا
стр. 526
يا قلب كم خلفت ثم بثينة ... وأظن صبرًا أن يكون جميلا١
ومنه قوله وأجاد إلى الغاية
وقائل وثب الأعداء قلت له ... كما الفراش على نيرانه يثب
فإن ثوب الذي عاداكم كفن ... كما بيوت الذي عاصاكم ترب٢
بلغتموهم مناهم في ترفعهم ... والقوم ما ارتفعوا إلا وقد صلبوا
هل السيوف عيون في الجفون لكم ... فإنها لقراب البغي ترتقب٣
ومن نثره، في هذا الباب، قوله في يوم شديد المطر والبرد: والخادم في رأس جبل يتلقى الرحمة غضة قبل أن يبتذلها الناس، ويصافح الرياح عاصفة قبل أن تقتسمها الأنفاس، ويتلقى الرعد بالرعدة٤، وإذا السماء انشقت استصحاها المملوك بالسجدة٥.
وقد تقدم القول إن ممن أخذ عنه ونهل من موارده العذبة، القاضي السعيد ابن سنا الملك فمن نظمه في هذا الباب قوله:
أما والله لولا خوف سخطك ... لهان عليّ ما ألقى برهطك٦
ملكت الخافقين فتهت عجبًا ... وليس هما سوى قلبي وقرطك٧
ومنه قوله أيضًا:
وفي الحي من صيرتها نصب خاطري ... فما آذنت في نازل الشوق بمرفع
تتيه بفر منه أصل بليتي ... ولم أر أصلًا قط يسعى إلى فرع
ومنه قوله:
ليس إلا دمعي الذي من رأي جفـ ... ـني رآه كأن دمعي هدبي
أنجم الدمع لا تغيب شروقًا ... مع أني رأيتها في الغرب
стр. 527
ومنه قوله:
صفاتك في كل الوجوه صحيحة ... فلحظك نصبي وهو إن صحفوا يصبي١
حرست الحشا من ناظريك بصارم ... فكسرة ذاك الجفن من ذلك الضرب
ومما سبق إليه الناس، في هذا الباب، قوله:
وفي القلب تصديع وفي الوصل جبره، وفي الخد دينار وفي الجفن كسره
وأخذه الشيخ جمال الدين بن نباتة فقال:
في خده وجفونه ... للحسن دينار وكسر
وتلاعب الناس، بعد ابن سنا الملك، بهذا المعنى كثيرًا حتى وصل إلى المعمار فقال:
كم حوى جفني معنى ... قلت ألفًا وكسورا
ولم يزل ابن سنا الملك يتلاعب في التورية باختراعاته، ويسكنها في عامر أبياته، إلى أن ظهر بعده السراج فجلا غياهبها بنور مشكاته، وتعاصر هو وأبو الحسين الجزار والنصير الحمامي، وتطارحوا كثيرًا وساعدتهم صنائعهم وألقابهم في نظم التورية، حتى إنه قيل للسراج الوراق لولا لقبك وصناعتك لذهب نصف شعرك، فمن ذلك قوله:
شعريتي مذ رمدت قد حبست ... طرفي عنكم فصرت محبوسًا٢
الحمد لله زادني شرفًا ... كنت سراجًا فصرت فانوسًا
وقال من أبيات، فيمن تلقب بالضياء، وأجاد:
أمولانا ضياء الدين دم لي ... وعش فبقاء مولانا بقائي
فلولا أنت ما أغنيت شيئًا ... وما يغني السراج بلا ضياء٣
ومثله قوله فيه:
وما أنا سائر في ليل خطب ... تساوى الصبح فيه والمساء٤
فلا أنا مثل ما أدعى سراج ... ولا هو مثل ما يدعى ضياء
стр. 528
ومنه قوله:
وكنت حبيبًا إلى الغانيات ... فألبسني الشيب هجر الشبيب١
وكنت سراجًا بليل الشباب ... فأطفأ نوري نهار المشيب
وكتب إلى بعض الرؤساء:
بكتبك راج لي أملي وقصدي ... وفي يدك النجاح لكل راج
ولولا أنت لم ترفع مناري ... ولا عرف الورى قدر السراج٢
ومنه قوله، يتقاضى من بعض الرؤساء شمعًا:
ما علينا ضوء وقد أبطأ السمـ ... ـع فقوض به خيام الدياجي
وتدارك بيتًا عليه ظلام ... لم يكد ينجلي بنور السراج
وقال، وقد اجتمع شمس الدين بيلبك وبدر الدين آق سنقر:
لما رأيت الشمس والبدر معًا ... قد انجلت دونهما الدياجي
حقرت نفسي ومضيت هاربًا ... وقلت ماذا موضع السراج
وظريف قوله في هذا الباب:
بُنِيّ اقتدى بالكتاب العزيز ... وراح لبري سعيًا ولاجا٣
فما قال لي أف مذ كان لي ... لكوني أبًا ولكوني سراجا
ومنه قوله:
أقول في يوم شتاء له ... من سحبه ما خلف النيلا
خرجت من بيتي سراجًا وقد ... عدت بحمد الله قنديلا
وكتب إلى أبي حسين الجزار في عيد الأضحى:
أجبت بعيد النحر من كان سائلي ... عن الحال في عيدي وقد مر ذكره٤
إذا بطل الجزار والعيد عيده ... فلا تسأل الوراق فالعذر عذره
стр. 529
ومنه قوله:
إلهي لقد جاوزت سبعين حجة ... فشكرًا لنعماك التي ليس تكفر
وعمرت في الإسلام فازددت بهجة ... ونورًا لذا قالوا السراج المعمر١
وعمم نور الشيب رأسي فسرني ... وما ساءني أن السراج منوَّر
ومن أظرف ما وقع له في هذا الباب قوله:
كم قطع الجود من لسان ... قلّد في نظمه النحورا
فها أنا شاعر سراج ... فاقطع لساني أزدك نورا
ومثله قوله:
أثنى عليَّ الأنام أني ... لم أهج خلقًا ولا هجاني
فقلت لا خير في سراج ... إن لم يكن دافئ اللسان٢
ومثله قوله:
إذا بحت بالشكوى عنيت معاشرًا ... بلا راحة في مدحهم أتعبوا ذهني
يريدونني رطب اللسان ومن رأى ... سراجًا غدا رطب اللسان بلا دهن
وكتب إليه الأمير نصير الدين الحمامي، وهو مقيم بالروضة:
كم قد ترددت للباب الكريم لكي ... أبل شوقي وأحيي ميت أشعاري
وأثني خائبًا مما أؤمله ... وأنت في روضة والقلب في نار
فكتب إليه السراج:
الآن نزهتني في روضة عبقت ... أنفاسها بين أزهار وأثمار
أسكرتني بشذاها فانثنيت بها ... وكل بيت أراه بيت خمار
فلا تغالط فمن فينا السراج ومن ... أولى بأن قال إن القلب في نار
وقال النصير يومًا للسراج الوراق:
قد عملت قصيدة في الصاحب تاج الدين، وأشتهى أن تثني عليها بحضرته، وسيرها إلى الصاحب. فلما أنشدت بحضرة السراج، قال السراج بعدما فرغ منها:
стр. 530
شاقني للنصير شعر بديع ... ولمثلي في الشعر نقد بصير
ثم لما سمعت باسمك فيه ... قلت نعم المولى ونعم النصير
ومنه قوله:
طوت الزيارة إذ رأت ... عصر الشباب طوى الزياره
ثم انثنت لَمّا انثنى ... بعد الصلابة كالحجارة
وبقيت أهرب وهي تسـ ... ـأل جارة من بعد جاره
وتقول يا ستي استرحـ ... ـنا لا سراج ولا مناره١
ومما وَرّى به عن صناعة الوراقة قوله:
نصب الحشا غرضًا فقرطس إذ رمى ... وهي القلوب سهامها الأحداق٢
وسألته وصلا فقال يحجني ... يا ليت شعري من هو الوراق
ومثله قوله:
يا خجلتي وصحائفي سود غدت ... وصحائف الأبرار في إشراق
وموبخ لي في القيامة قال لي ... أكذا تكون صحائف الوراق٣
ومن لطائفه، في غير لقبه وصناعته، قوله:
قالوا وقد ضاعت جميع مصالحي ... لهموم نفس ليت لا حملتها
قد كان عندك يا فلان صريمة ... فأجبتهم بعت الحمار وبعتها٤
ومنه قوله:
رفضوا الشعر جهدهم ورموه ... بينهم بالهوان والإزدراء
فلو أن الكتاب كان بأيديـ ... ـهم محوا منه آية الشعراء٥
وله في المعنى وأجاد:
يا بني الآمال قد خاب الرجا ... وقد اشتدت وقد عز العزاء
سفن الآمال في بحر المنى ... وحلت منا فأين الرؤساء