← Адаб

Адаб · id 8675

خزانة الأدب وغاية الأرب لابن حجة الحموي

الحموي، ابن حجة

Полный текст (986 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

ومن اختراعاته قوله: على وجنتيه جنة ذات بهجة ... ترى لعيون الناس فيها تزاحما حمى ورد خديه حماة عذاره ... فيا حسن ريحان العار حماحما١ "حمى حمى" ومثله قوله: أرسلت عينَيّ بدمعيهما ... بين يدي من قد تمادى جفاه أسأله في فمه قبلة ... فلم يميلاه ولم يعطفاه "يعطِ فاه" ومثله قوله: سألتها رشف ريق ... مستعذب الطعم حلو قالت فصفني ارتجالًا ... فقلت بعد التروي٢ ومن لطائف نكته في هذا الباب، قوله: ازداد خدك شعرًا ... فازداد قلبي حبًّا إذ كان وردك جمري ... فيه فصار مربى٣ ومن لطائفه قوله: ألا لا تلوموني فلست بمقلع ... إذا انحدرت من كأسها الراح في حلقي سآوي إلى بحر من الخمر مترع ... أحط المراسي عنده فأمل لي واسقي "وسقي"٤ وقوله: ذكرك لي في اللوم مستحسن ... واللوم عندي غير مستحسن كم قلت للمعرب في لومه ... إن جئت نحوي قط لا تلحنِ "ني"٥ ومن لطائف مجونه مع حسن التضمين: وخلّ سمته صفعًا بمال ... فقال توازعوه يا صحابي٦ إذا الحمل الثقيل توازعته ... أكف القوم هان على الرقاب

стр. 702

ومن أغراضه قوله: تعنت دهر لج فينا بخطبه ... وذللنا من بعد عز وأنكانا١ قسا وانثنى يختال في جبروته ... وجرر أذيالًا علينا وأردانا٢ وأنشدني، من لفظه لنفسه، الشيخ شمس الدين المتنبي، قوله في مليح اسمه حمزة ترى يبدو لحمزة بعض ما بي ... ويرثي لي وينظر في بلائي وأشفي بالمبرد من لماه ... واجمع بين حمزة والكساء "ي"٣ ومن لطائف علّامة الوجود فريد الدهر بدر الدين بن الدماميني المخزومي المالكي، قوله: قلت له والدجى مولٍّ ... ونحن في مجلس التلاقي قد عطس الصبح يا حبيبي ... فلا تشمته بالفراق٤ وقوله: يقول بديوان المحبة وردوا ... محاسن حبي فهو في الحسن مفرد فوردت في الديوان عامل قدّه ... فقال وذاك الخد قلت مورد وقوله: وبي وجنة حمراء زاد صفاؤها ... وأبدت صفات أبدع الحسن كونها فدع لائمي ينهى عن الحب جهده ... فما أنا بالسالي صفاها ولونها "نهى" وقوله: يا عذولي في مغن مطرب ... حرك الأوتار لما سفرا٥ كم تهز العطف منه طربًا ... عندما تسمع منه وترى "ا"٦ وقوله: أذاب أحشائي هوى صائغ ... قلت له والقلب رهن لديه إني على فيك أرى خاتما ... فهل ترى يقعد نقشي عليه

стр. 703

وقد زاد النكتة حسنًا بقوله: بدا وقد كان اختفى ... وخاف من مراقبه فقلت هذا قاتلي ... بعينه وحاجبه١ وقوله: أمنيتي أنت يا مليح ... ما مثله في الزمان ثاني فكيف تبدي جفاك خوفًا ... وأنت في غاية الأمان "ني" وقوله: وعزيز الجمال أوجب ذلي ... وهواه عليَّ أصبح فرضا فهو في الحسن والجمال سماء ... صرت يا صاح منه بالذل أرضا "ضى" وقوله: تناسبت أوصاف من وصله ... ينفي عن القلب جمع الكرب٢ في الخد تسهيل ومن ثغره ... يطيب للصب ارتشاف الضرب وقوله: لا ما عذاريك هما أوقعا ... قلب المحب الصب في الحين٣ فجد له بالوصل واسمح به ... ففيك قد هام بلامين وقوله: قلت لعطار به صبوتي ... محمودة والصبر لا يستطاب أسقيتني كأس غرام به ... ذبت ومن فيك براني الشراب وقوله: لله منه ملثم أشنب ... قد طاب فيه العشق للمغرم٥ قلت لعذالي لا تعجبوا ... طيب الهوى ما زال في الملثم وقوله: في ليلة البدر أتى ... حبي فقرت مقلتي وقال لي يا بدر قم ... فقلت هذه ليلتي وقوله: قم بنا نركب طرف ... اللهو سيقًا للمدام٦ واثن يا صاحي عناني ... لكميت ولجام٧

стр. 704

ومن أغراضه اللطيفة قوله: أقول لخل جن من فرط ماله ... ورابى فأسق الناس كأس عذاب صفاتك يا هذا لعمري تناقضت ... فإنك ذو مال وأنت ترابي ومن مدائحه، ما كتب به إلى قاضي القضاة ناصر الدين التنيسي، قوله: قد نلت يا قاضي القضاة مطالبي ... بكنوز ود منك أورثت الغنى وأخافني الدهر الظلوم فمذ رآني ... داعيًا لجناب جودك أمنا ومن مدائحه فيه قوله، وقد ولاه وظيفة العقود في مبادي العمر: يا حاكمًا ليس يلفى ... نظيره في الوجود١ قد زدت في الفضل حتى ... قلدتني بالعقود٢ وكتب إلى برهان الدين المحلي: يا سر يا معروفه ليس يحصى ... ورئيسًا ذكا بفرع وأصل مذ علا في الورى محلك عزا ... قلت هذا هو العزيز المحلِ "ي"٣ وكتب إلى شهاب الدين الفارقي: قل للذي أضحى يعظم حاتِمًا ... ويقول ليس لجوده من لاحق إن قسته بسماح أهل زماننا ... أخطا قياسك مع وجود الفارقِ "ي" ويعجبني من أغراضه البديعة قوله: لئن عقدت بنت الكروم عقودها ... على حمل نفي الهم والهم زائد فنحن شهود في المقام لعقدها ... على أولياء اللهو واللوز عاقد٤ ومن لطائف مجونه قوله: أمنت صدوده فدنوت منه ... على مهل بشيء زاد حسنا وعاجلني الرقيب فخاف أيري ... وأنزل إذ رأى خوفًا وأمنا "ي"

стр. 705

ومما اختاره سيدنا الشيخ العالم العلامة، أبو الفضل أحمد بن حجر العسقلاني، روى الله من سحاب الرحمة ثراه، من نظمه لنفسه -رحمه الله تعالى- في باب التورية، ورسم لي أن يكون واسطة لهذا العقد، وكتب ذلك بخطه الكريم في كراسة، وأتحف بها العبد لأنظمها في عقود هذه الأسلاك، وكتب في ديباجة الكراسة قوله: يا سيدًا طالعه ... إن راق معناه فعد وافتح له باب الرضا ... وإن تجد عيبًا فسد وقوله: سألت من لحظه وحاجبه ... كالقوس والسهم موعدًا حسنا ففوق السهم من لواحظه ... وانقوس الحاجبان واقترنا١ "وقت رنا" وقوله: سألوا عن عاشق في ... قمر باد سناه أسقمته مقلتاه ... قلت لا بل شفتاه وقوله: أتى من أحبائي رسول فقال لي ... ترفق وهن واخضع تفز برضانا فكم عاشق قاسى الهوان بحبنا ... فصار عزيزًا حين ذاق هوانا٢ وقوله: ضنيت جوى فواصلني حبيبي ... وعاد إلى الجفاء فعاد ما بي فقلت أعد وصالًا قال كلا ... فها أنا ذبت من رد الجوابِ "بي" وقوله، مع بديع الاقتباس: خاض العواذل في حديث مدامعي ... لما رأوا كالبحر سرعة سيره فحبسته لأصون سر هواكم ... حتى يخوضوا في حديث غيره٣ وقوله: يا عاذلي وسهام اللحظ ترشقني ... عن قوس حاجب بدر خدّه قبسي إن تستطع لنجاتي في الهوى سببًا ... فاستنبط السلم لي من أسهم وقسِ "ي" وقوله: ولم أنس إذ زار الحبيب بروضة ... فغارت من المعشوق أعينها المرضى ولاحت بخد الورد حمرة خجلة ... حياء رأينا طرف نرجسها غضا

стр. 706

وقوله: يا مبدعًا في حسنه واصل أخا ... همّ له عام وما واصلنا فقال هل ضيف في مشتاته ... قلت نعم وفي هموم شتى وقوله: محبوبتي واصلتني ... والهم عني تشتت وذاب قلب حسودي ... لما وفت وتفتت وقوله: أحبب بوقاد كنجم طالع ... أنزلته برضا الغرام فؤادي وأنا الشهاب فلا تعاند عاذلي ... إن ملت نحو الكوكب الوقاد وقوله: نحن أهل الهوى بلوناه قدما ... بين خوف من أهله وأمان وشربنا خمر الهوى كل حين ... بكئوس قد أترعت وأوان "ني"١ وقوله: ورشا مذ نشا وعينا التصابي ... بعدما كان ذا اشتباه علينا٢ وجهلنا الغرام حتى أرانا ... منه تحت اللثام خدًّا وعينا وقوله: سرت وخلفتني غريبًا ... في الربع أصلى جوى بنارك٣ أغث حشا أحرقت غرامًا ... في ربعك المعتلي ودارك وقوله: وبدر تَمّ جميل ... محجب بالدلال إذا هممت بأني ... أسلو هواه بدا لي وقوله: نهاني حبيبي أن أطيع عواذلي ... لكي أتهنى بالوصال الذي سرا فقلت فدتك النفس سمعًا وطاعة ... فلم أرَ نهيًا منه أهنى ولا أمرا٤ وقوله: وأهيف حياتي بطيب وصاله ... ومن ريقه الخمر الحرام حلالي أدار لي الكأسين خمرًا وريقة ... ونزهني عن جفوة وملالِ "لي" وقوله: تجرد من أحب فقال لي من ... يلوم وأظهر الحسد المكتم أجاد لك الحبيب بلمس جسم ... له كالخز قلت نعم وأنعم

стр. 707

وقوله: تيه فلان الدين مع فقره ... أقوى دليل أنه جاهل١ لثوبه بالصقل من فوقه ... قعاقع ما تحتها طائل٢ ومن أغراضه اللطيفة قوله: أشكو إلى الله ما بي ... وما حوته ضلوعي قد طابق السقم جسمي ... بنزلة وطلوع وقوله، وهو مما كتبه على مجموع الكرماني: نظرت لما سطرته من فوائد ... لها الفضل إذ وافت محاسنها يعزى فللَّه ما سطرت منها لخاطري ... فلم يكف طرفي منه شيء ولا أجزا٣ وقوله: قد جئت في علم الأصول لنا وفي ... علم الفروع بخالص الإبريز٤ وبرزت في هذا وفي هذا على الر ... ازي بالإحسان والتبريز "ي" ويعجبني من وعظياته قوله: يا أيها الشيخ المطيع هواه دع ... هذي الدعاية قد أتى داعي الردى٥ وخيوط هذا الشيب لا تنسج بها ... ثوب التصابي فهي ما خلقت سدى٦ وقوله: خليليّ ولي العمر منا ولم نتب ... وننوي فعال الصالحين ولكنا فحتى متى نبني بيوتًا مشيدة ... وأعمارنا منا تهد وما تبنى "تبنا" ومن نظم الشيخ بدر الدين البشتكي ﵀ في هذا النوع قوله: بدا بوجه جميل ... قد شرف الحسن قدره في شمسه كل صب ... يود يبذل بدره

стр. 708

هذا الذي ظفرت به من أغزاله في هذا الباب. ومن مجونه قوله: وافى بذقن بعد أن ... قاسيته حلوًا ومرًا فقبضت لحيته وأيـ ... ـري في استه وهلم جرا١ وقال من كتابه المسمّى "برفع شان العمشان": أقول لناتف خديه مهلًا ... أترضى اللائطين مدى الدهور٢ فدع نتف العوارض عنك كيما ... تناك بلحية مثل الحرير "ي" ومثله قوله في الشيخ بدر الدين بن الدماميني المخزومي: تبًّا لقاض جار في أحكامه ... حتى على المنثور والمنظوم خان الشريعة مذ أطاع بني وفا ... وانقاد للفساق كالمخزوم٣ "ي" ومن مدائحه قوله: وقاس الورى بالنيل نائلك الذي ... حلا وصفا والنيل يبدو مرنقا٤ فقلت وهل ينقاس من خلقه الوفا ... بمن بالوفا في العام يومًا تخلقا وكتب إليه سيدنا ومولانا قاضي القضاة شهاب الدين بن حجر العسقلاني، في رمضان: أليس عجيبًا بأنا نصوم ... ولا تشتكي من أذى الصوم غما ونسغب والله في نسكنا ... إذا نحن لم نرو نثرًا ونظما٥ فأجابه بقوله: ألا يا شهابًا رقى في العلا ... فأمطرنا نوؤه العذب قطرا٦ إلى فقرة منك يا فقرنا ... ونستغن إن قلت نظمًا ونثرا٧

стр. 709

ومما فضل لي من صابات هؤلاء الفضلاء في مناهل التورية قولي: هويته أعجميًا فوق وجنته ... لامية عوذتها أحرف القسم في وصفها ألسن الأقلام قد نطقت ... وطال شرحي في لامية العجم وقولي: خال الحبيب يقول لي لما بدا ... من تحت عارضه كسر غامض أنا فارضيّ في الغرام بخده ... فغدا مقامي تحت ذيل العارض وقولي: عزمت على السلو لطول هجري ... فجاءتني عوارضه تعارض وكان العذر يقبل في سلوّي ... ولكن ما سلمت من العوارض وقولي: دويرة العارض عني حميت ... برشقة من جفنه مشتقة فاترك ملامي يا عذولي إنني ... قتلت بين دورة ورشقة وقولي: ولما رآني الشعر وهو مذيل ... وجانب ذاك الصدغ وهو مطرّف بدا بخمار من خمار بريقه ... فقلت لهم هذا الجناس المحرف وقولي: أقول لثغر الحب مت ولم أجد ... سبيلًا إلى برد الحشايا أخا الصفا فقال ارتشف من خمر ريقي نهلة ... ألم تره من برده قد تقرقفا١ وقولي: لما تعذر من أحب تعذر الصـ ... ـبر الجميل فلم أطق أن أصبرا قال العذول الصبر أعظم مسعد ... في العشق قلت أما تراه تعذرا وقوله، مع بديع الاقتباس: ناحت مطوقة الرياض وقد رأت ... تلوين دمعي بعد فرقة حبه لكن به لما سمحت تباخلت ... فغدت مطوقة بما بخلت به٢ وقولي في مدح حماة: ذكرت أحبتي بالمرج يومًا ... فقوّت أدمعي نيران وهجي وبت أكابد الأحزان وحدي ... وكل الناس في هرج ومرج٣

стр. 710

وقولي فيه أيضًا: مرج حماة بنواعيره ... زاد على المقياس في روضته واغتاظ نمروذ دمشق لذا ... فقلت لا أفكر في غيظته١ وجلست يومًا في قطاف السفرجل على عين الغيضة الموصوفة بست الشام، مع جماعة من أهل العلم والأدب، فنظم كل منهم ما يليق بذلك المقام على قدر مقامه، فنظمت قولي: تقول ست الشام لما غازلت ... بعينها فأنعشت حياتي وانتقشت بمرجها وأبرزت ... نهدًا حلا لأنه نباتي خذني بغير ضرة فإنني ... بديعة في الحسن والصفات واستجلني عروسة يتيمة ... شامية وعش بلا حماة وقولي في وادي رشعين وعينه، بظاهر مدينة طرابلس: أرض وادي رشعين مفتوحة العيـ ... ـن لها نقطة على النيرين٢ ما حللنا هناك إلا وقالت ... أجلسوهم على محاجر عيني وقولي بوادي المنافس، بظاهرها أيضًا: وادي المنافس من مغنى طرابلس ... بطيب أنفاسه أبدى نفائسه وكاد يلحق بالشقرا وأبلقها ... فلا تلوموا إذ أقوى منافسه٣ وقولي برأس العين ببعلبك: ولما نزلنا بعلبك تفكهت ... عيوني وأذواقي وصلت على البين وطالبتها يومًا برؤية مرجها ... وخضرته قالت على الرأس والعين٤ ومن أغزالي البديعة قولي: ماس في الروض وانثنى ... بخدود مورده فرأينا غصونه ... وهي خشب مسنده

стр. 711

وقلت موريًا ومقتبسًا ومكتفيًا: قالوا وقد فرطت في تصبري ... وما برى بوصله سقاما اصبر عسى تسقى بماء ريقه ... قلت لهم يا حسرتا على ما١ وقولي: أرخت لنا ذوائبًا من شعرها ... عشرًا وفرق الفجر فيهم يسري فصرت بالفجر لها معوّذًا ... لما بدا بين ليال عشر٢ وقولي: موريًا مع بديع التضمين: سرنا وليل شعره منسدل ... وقد غدا بنومنا مضفرا٣ فقال صبح ثغره مبتسمًا ... عند الصباح يحمد القوم السرى٤ وقولي: قف واستمع طربًا فليلي في الدجى ... باتت معانقتي ولكن في الكرى وجرى لدمعي رقصة بخيالها ... أتُرى درى هذا الرقيب بما جرى وقولي: كم صحت في ظلمة الليالي ... ويلاه من نومي المشرد والدمع في وجنتي ينادي ... أواه من شملي المبدد وقولي: يقول معذبي حسن تخير ... سواي فقلت قد عز اصطباري وكم في الناس من حسن ولكن ... عليك لشقوتي وقع اختياري وقولي: أرشفني ريقه وعانقني ... وخصره يلتوي من الدقه فصرت من خصره وريقته ... أهيم بين الفرات والرقه٥ وقولي: أبصروا عند وداعي ... عقدها وهو مفرط لمتها في ذاك قالت ... برح الشوق وأفرط٦

стр. 712

وقولي: سجدت جفوني هيبة لما بدا ... محراب حاجبه بغير حجاب الله أكبر وهو يغزو مهجتي ... حربًا ولم أخرج عن المحراب١ وقولي: طلبت منه قبلة فقال لي ... وقد بدا يشرع في الإعراض نسيت فعل سيف لحظي قلت لا ... يا قاتلي وكيف أنسى الماضي وقولي: قيل لي لما عرتني شدة ... وتناءى فرجٍ عني مده يا أخا الأشواق ماذا تبتغي ... قلت أبغي فرجًا من بعد شده وقولي: مذ جفاني ممرض القلب ولم ... ألق في الضعف وفي الكسر انجبارا قلت للعارض يا آسي إذا ... درت داري ممرض القلب فدارا وقولي: طلبت تقبيل من أحب وقد ... أنكرت في الخد نقطة حسنه فرق لي قلبه وقال إذا ... قبلت خدي لا تنكر الحسنه وقولي موريًا ومضمنًا: حثثت عزمي شوقًا إليكم ... فلم أطق مكثه بأرض وحيث لم أحظ بالتلاقي ... فغايتي أن ألوم حظي وقولي: جاء بصبح ثغره مبتسمًا ... يمشي بليل الشعر في دلال قلت له دمت لقلبي هكذا ... ما دامت الأيام والليالي وقولي مرتجلًا في جبهة دمشق، من دو بيت: لما ملأ الجبهة بالأنوار ... لمناه على ذلك خوف العار قال انصرفوا سئمت من بلدتكم ... والجبهة من منازل الأقمار وقولي: مذ أظهر ورده لنا ريحانه ... ناديت لتلك المقلة الكسلانه قد دب عذاره على وجنته ... قومي انتبهي قالت أنا نعسانه وقولي: أحببته متأدبًا ونظمت في ... حسن ابتدائي فيه نظم المرقص وأشار في حسن الختام أجبته ... حسن الختام يكون بعد تخلصي

стр. 713

وقولي: يحاضرني بأبيات ولكن ... يعيرني إذا طال اجتماعي فإن أنشدت أشعار السلام ... يطارحني بأبيات الوداعِ "عي" وقولي: قلت للخال إذ بدا ... في نقا جيده السعيد فزت يا عبد قال لي ... أنا عبد لكل جيد وقولي: قال أراك الحمى تعوّض ... بغصن قدي إذا جفاكا فقلت من بعد قد حبي ... والله ما أشتهي أراكا وقولي: رمت يوم العيد منه وقفة ... ليرى من بعده حالي وضعفه فطر القلب وولى قائلًا ... يا معنى ما لعيد الفطر وقفه١ وقولي: قال نهد الحب صفني مذ غدا ... قاعدًا في الصدر بالتصدير يجهر قلت إذ برز في تحقيقه ... أنت بالتحقيق والله مصدر وقولي: أسياف لحظ قاتلي ... لما تعدت حدها وعربدت من سكرها ... قلت استحي فردّها٢ وقال لي موريًا ... لا بد أن أحدها٣ وقولي: عاتبته ودموعي غير جارية ... لأن دمعي من طول البكى نشفا فقال لم أر وكف الدمع قلت له ... حسيبك الله يا بدر الدجى وكفا٤ وقولي: قالت وقد قبلتها في جيدها ... تصبو إلى غيري وتخلص من يدي فأجبت حين تقلدت بمدامعي ... يا هند خوضي في دمي وتقلدي٥ وقولي: بنقطة الخال وطعم اللمى ... وخضرة الشارب يا عاتبي قد ملت للنقطة بعد التقى ... وقلت بالمشروب والشارب

стр. 714

وقولي: أرداف من أهواه قد تثاقلت ... لما تجافى الشعر يوم البين بعد ذا وجنته تلوّنت ... وساقه والله ذو وجهين وقولي: برامة لي ظبي ... تخشى الأسود مرامه كم هام قلبي فيه ... بين العذيب ورامه وقولي: هويت غصنًا لأطيار القلوب على ... قوامه في رياض الوجد تغريد قالت لواحظه أنا نسود على ... بيض الظبا قلت أنتم أعين سودوا١ "د" وقولي: قلت له إن جفن مقلته ... يشبه سهمًا بجعبة رشقه٢ خفت من الفتك رحت أملقه ... سابقني مدمعي جرى ملقه٣ وقولي: في سويداء مقلة الحب نادى ... لحظه وهو يقنص الأسد صيدا٤ لا تقولوا ما في السويدا رجال ... فأنا اليوم من رجال السويدا وقولي: بروحي أفتدي ظبيًا نفورًا ... يحق له بروحي أن يفدى جلا لصدا قليبي فرد يوم ... بوصل منه ثم جفا وصدا وقولي مورّيًا مضمنًا: ومذ كلمت جسمي سيوف لحاظها ... شكوت إليها قصتي وهي تبسم٥ فلم أر بدرًا ضاحكًا قبل وجهها ... ولم تر قبلي ميتًا يتكلم وقولي: جاد النسيم على الربا ... بندى يديه وقال لي أنا ما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي٦ وقولي: رأيت مع المنثور بعض وقاحة ... ولم أدر ما بين الغدير وبينه تلوّن منه ثم مد أصابعًا ... إلى وجهه قصدا وخضر عينه

стр. 715

وقولي: حيا بها عاصرها في كأسها ... مشرقة باسمة كالثغر وقال هذي تحفة في عصرنا ... قلت اسقنيها يا إمام العصر وقولي: لما غدا حباب كأسي شاعرًا ... لنظم خمرياته يحرّر١ أوقفت ساقينا على نظامه ... فقال لي والله هذا جوهر وقولي: لما غدا راحي نحيلًا باليًا ... وكاد أن لم يك في الزجاج وجاز بالماء إلى بحرانه ... ورق قالوا صنه بالعلاج فجئته مستقصيًا أعراضه ... وجدته معتدل المزاج٢ وقولي: في حب كأسي لامني ... من ليس يدري حالتي فقلت دعني إنني ... وجدت فيها راحتي وقولي مماجنًا: أعنابكم إن حرموا ماءها ... وحرفوا فيها على الشارب لا تحرموني التين إني امرؤ ... أعشقه بالقلب والقالب وقولي: أدخلت أيري فيه ... أصبت منه المقاتل فقلت كيف تراه ... فقال والله داخل وقولي: العلم ابن الكوير قال معي ... لطف وظرف حواهما الكرم وقامتي بانة مهفهفة ... فقلت لا بانة ولا علم وقولي: قالوا صفي الدين أشعاره ... ما للورى في طرقها ممشى وهكذا إنشاؤه مسكر ... قلت لهم والله ما أنشا وقولي: ديوان نظمي جاء وهو محرّر ... برقيق نظم لفظه يستعذب فإذا بدى لا تستقلوا حجمه ... وحياتكم فيه الكثير الطيب انتهى ما أوردته في باب التورية من كتاب الله وحديث نبيه ﷺ وكلام أصحابه ﵃ أجمعين- ومن نظم فحول العرب والمولدين، إلى أن ارتفع العلم الفاضلي وأوردت محاسنه، ومحاسن من مشى تحت علمه المحمدي، إلى أن اتصل هذا السند بأعيان أهل العصر. قلت ولولا الحياء من العصابة النباتية، وأنا منها، لعززت العلمين من الوداعي

стр. 716

بثالث، فأوردت هنا من مطرب عطر مفرداته ما يغني عن المثاني والمثالث، فإنه أحد أئمة هذا المذهب، وإذا ذكرت التورية فهو عذيقها المرجب، وعلى كل تقدير ففرسان العلمين المشهورين الفاضلي والنباتي هم الذين أبرزوا عروس التورية من خدرها، وحققوا للناس من تساذج عن نقوش القاعدة وسفل عن علوّ قدرها، ولم أخل بذكر الشهاب محمود، وكان محمود الحشمة في ألفاظه على كل ناظم وناثر، إلا أن التورية كانت غير مذهبه، ووقوعها في نظمه ونثره من النوادر، وتمذهب بها القاضي شهاب الدين بن فضل الله، ولكن ما تفقه في هذا المذهب ولا حرره، ولا أبدر فيها بدر الدين بن حبيب، وكانت ليالي سطورها بنظمه غير مقمرة، ولهذا خدمها حذاق الأدب وحافظوا على الخدمة وثابروا وأنشدوا من رضي بالشعر الموزون: إذا كنت لا تدري سوى الوزن وحده ... فقل أنا وازن وما أنا شاعر١ قلت: ومما تخيرته من نظم القاضي شهاب الدين بن فضل الله ﵀ من النكت التي وقعت له عفوًا من غير كد ولا تكلف، قوله: جاءوا بأنواع من الطيب لنا ... تحملها معشوقة ممشوقه٢ قلت خذوا الطيب لكم جميعه ... بشرط أن لا تأخذوا المعشوقه ومما اخترته من نظم بدر الدين بن حبيب -رحمه الله تعالى- قوله: وجنته الحمراء لما اكتست ... خضرة أذناب الطواويس عابوا لفرط الحسن دينارها ... فقلت خلوه على كيسي قلت: وقد عنَّ لي أن أورد هنا نبذة من نظم من كانت التورية غير مذهبه، لأجعلها في مهالك الأشكال وموانع العقادة جل مطلبه، وما عليَّ ممن تأخر عصرًا أو تقدم، فإن الغرض أن يصير عقد التورية وهو بنظم من شعر بها منظم، وما خفي أن من حذاق الأدب من وقعت له التورية عفوًا، وصار العفو محلًا عند القدرة، ومنهم من نقب عنها وعسعس عليه ظلام التكليف، فلم يبرزها نيرة، كالشيخ صفي الدين، فإنها كانت غير مذهبه، وحاولوا مرارًا فأتى بها مغصوبة، ولم يبلغ من اقتناص شواردها بحبائل فكره مطلوبه، كقوله:

стр. 717

وساق من بني الأتراك طفل ... آتيه به على جمع الرقاق١ أملكه قيادي وهو رقي ... وأفديه بعيني وهو ساقي٢ قلت: لا شك أن مراده بالمعنى الواحد من التورية ساقي الراح، وهو ظاهر صحيح، وبالمعنى الآخر أن يكون هذا الساقي ساقًا للشيخ صفي الدين، وهو غير ممكن ولعمري إن هذا مسلك من ليس له في باب التورية مدخل، وهذه النكتة أبرزتها معلمة الطرفين، وأنا إذ ذاك مبتدئ لم أبلغ من البلاغة أشدي، ولا ثبت عند قضاة الأدب رشدي، بقولي موريًا ومضمنًا: يا حسن ساق يقول إن ذهبت ... مدامكم تكيفوا بأحداقي شمر عن ساقه لنا وسقى ... قامت حروب الهوى على ساق قلت: ومما عقده الشيخ صفي الدين، في هذا الباب، بيت بديعيته الذي نظمه شاهدًا على هذا النوع، وهو قوله في مدح النبي، ﷺ : خير النبيين والبرهان متضح ... في الحجر عقلًا ونقلًا واضح اللقم٣ قلت: ومن تواريه التي يستشهد بها على رفضه، ولا بد أن الله تعالى يقابله فيها على قبح سريرته وقلة أدبه، قوله: إذا شاهدت عيناك وجه معذبي ... وقد زارني بعد القطيعة والهجر رأيت بقلبي من تلقيه مرحبًا ... وسيف عليَّ في لحاظ أبي بكر وكذلك الشيخ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن جابر الأندلسي، ناظم البديعية، كان عن نظم التورية بمعزل، ولم ترض أن تنزل من أبياته بمنزل، وبيت نظمه في بديعيته، شاهدًا على هذا النوع، في غاية العقادة والسفالة، وهو قوله: لا يرفع العين للراجين يمنحهم ... بل يخفض الرأس قولًا هاك فاحتكم وهذه البديعية غالبها سافل على هذا النمط، والتورية تجل عن أن تكون من مخدرات هذا البيت. ولكن أورد له الشيخ أبو جعفر، في شرحه الذي كتبه على بديعيته، ما هو منقول في هذا الباب، وهو قوله:

стр. 718

وقفت للوداع زينب لما ... رحل الركب والمدامع تسكب مسحت بالبنان دمعي وحلو ... سكب دمعي على أصابع زينب قلت: ورتبة الشيخ صفي الدين بالنسبة إلى ابن جابر معلوم أنها عالية، ولكن التورية ما دخلت إلى بيت من بيوته إلا خرجت غير راضية. ومن التواري التي وقعت لناظمها عفوًا، بل سحرًا من غير كد، قول القائل: قاسوك بالغصن في التثني ... قياس جهل بلا انتصاف فذاك غصن الخلاف يدعى ... وأنت غصن بلا خلاف١ ومن ذلك قول جلال الدين شاعر ماردين قديمًا: ويوم برد يد أنفاسه ... تخمس الأوجه من قرصها٢ يوم تودّ الشمس من برده ... لجرت النار إلى قرصها ومثله قوله شرف الدين بن منقذ: ولرب ليل تاه فيه نجمه ... وقطعته سهرًا فطال وعسعسا٣ وسألته عن صبحه فأجابني ... لو كان في قيد الحياة تنفسا ومثله قول ابن نبيه، وكانت التورية غير مذهبه: تعلمت علم الكيمياء بحبه ... غزال بجسمي ما بعينيه من سقم فصعدت أنفاسي وقطرت أدمعي ... فصح بذا التدبير تصفية الجسم ومثله قول ظهير الدين بن البارزي: يا لحية الحب التي ... طال لها تلفتي هل أنت مسك الترك أو ... هل أنت مسك تبت ومثله قول أمين الدين السليماني: أضيف الدجى معنى إلى لون شعره ... فطال ولولا ذاك ما خص بالجر وحاجبه نون الوقاية ما وقت ... على شرطها فعل الجفون من الكسر

стр. 719

ومثله قول محاسن الشواء: ولما أتاني العاذلون عدمتهم ... وما منهم إلا للحمى قارض وقد بهتوا لما رأوني ساهيًا ... وقالوا به عين فقلت وعارض٢ ومثله قول سعد الدين الفارقي: قف بي على نجد فإن قبض الهوى ... روحي فطالب خد ليلى بالدم وإذا دجى ليل الفراق فناده ... يا كافرًا أحللت قتل المسلم ومثله قول شهاب الدين بن أبي الحوف: أقول لعقد أذهل الطرف حسنه ... على جيد خود وصلها كل مقصودي٣ أخذت نظامًا راق معنى فقال لي ... وما زلت في عمري أدور على الجيد ومثله قول إبراهيم بن عبد الله الغرناطي: يا رب كأس لم تشج شمولها ... فأعجب لها جسمًا بغير مزاج لما رأينا السحر من أشكالها ... جملًا نسبناه إلى الزجاج٥ ومثله قول مجير الدين بن حبان الشاطبي: تؤمون الحجاز وما علمتم ... بأن القلب بيتكم العتيق وألفاظي العذيب وأضلعي المنـ ... ـحنى ودموع مقلتي العقيق٦ ومثله قول الشريف محمد بن قاضي الجماعة بغرناطه، وهو: حدائق أنبتت فيها الغوادي ... ضروب النور رائقه البهاء فما يبدو بها النعمان إلا ... نسبناه إلى ماء السماء٧

стр. 720

ومنه قول لسان الدين بن الخطيب: جلس المولى لتسليم الورى ... ولفضل البرد في الجوّ احتكام فإذا ما سألوا عن يومنا ... قلت هذا اليوم برد وسلام ومنه قول الشيخ شمس الدين الأدفوي: كم للنسيم على الربا من نعمة ... وفضيلة بين الورى لن تجحدا١ ما زارها وشكت إليه فاقة ... إلا وهز لها الشمائل بالندى٢ ومثله، في الحسن واللطف، قول الشيخ موفق الدين الحكيم: لله أيامنا والشمل مجتمع ... نظمًا به خاطر التفريق ما شعرا وا لهف قلبي على عيش ظفرت به ... قطعت مجموعه المختار مختصرا ومنه قول عبد العزيز الآمدي: إن الذي في وجهه جنة ... حفت بمكروه من العذل مقلته في وسط قلبي غدت ... أرملة تأكل بالغزل ومنه قول القائل وأجاد: ويد الشمال عشية مذ أرعشت ... دلت على ضعف النسيم بخطها كتبت سقيمًا في صحيفة جدول ... فيد الغمامة صححته بنقطها ومثله، في الحسن، قول علاء الدين بن البطريق ناظر الجيش ببغداد: دار السراج بديعة ... فيها تصاوير بمكنه تحكي كتاب كليلة ... فمتى أراها وهي دمنه٣ ويعجبني في هذا الباب قول القائل في حمام: إن حمامك التي نحن فيها ... أي ماء لها وأية نار قد نزلنا فيها على ابن معين ... وروينا عنه صحيح البخارِ "ي"

стр. 721

ومن المخترعات في هذا الباب، قول الشيخ شمس الدين الواسطي يهجو عوادًا وزامرًا: شبهت ذا العوّاد والزامر إذ ... ضاقت علينا بهم المناهج بعقرب يضرب وهو ساكت ... وأرقم بنفخ وهو خارج١ ويعجبني قوله، من دو بيت: إن ضرمني بجذوة التذكار ... حبي وبرى عظمي شكرت الباري فالعاذل في هواه لا عقل له ... ما أبلد عاذلي وأذكى ناري ومنه قول القاضي علاء الدين بن الجويني صاحب الديوان ببغداد: يا طيب مبيتنا بواد السمر ... في بهجة ليلة بضوء القمر وافى بفراقنا نسيم سحرًا ... ما أبرد ما جاء نسيم السحر ومن الغايات في هذا الباب، قول الشيخ صدر الدين بن الوكيل: كم قال معاطفي حكتها الأسل ... والبيض سرقن ما حوته المقل٢ والآن أوامري عليهم حكمت ... البيض تُحدُّ والقنا تعتقل٣ ومثله قوله: يا غاية منيتي ويا معشوقي ... من بعدك لم أمل إلى مخلوق يا خير نديم كان لو يؤنسني ... من بعدك صليت على الراووق٤ ويعجبني، من نظم المواليا في هذا الباب، قول القائل: حبي ومحبوبتي مذ بان يوم البين ... زاروا عشا ليلة الاثنين قبل الحين فصرت أنظر إلى زينه وألمح زين ... وأقول يا قلب ما أحلى ليلة الاثنين ومثله، في اللطف، قول الآخر: سمعتها وهي داخل دارها في الصحن ... تنشد رمل صحنت قلبي المعنى صحن٥ يا ليتها مع تغنيها وطيب اللحن ... ترفع أجر ودع يدخل على اللحن٦

стр. 722

ومثله قول الآخر: قالت لها أختها قصدي يسمعنا ... ما النحو قالت لها نحن بأجمعنا للرفع والنصب أنا وأنتِ ومن معنا ... للجر والزوج حرف جاء للمعنى ومنه قوله: ستي الكبيرة لها الخدام والحرمه ... تحلف على النيك بالمصحف وبالختمه جاها الطواشي أفشخت لو ناك من كلمه ... راحت يمين القواقية على قرمه ومثله في اللطف قول القائل: يا منيتي زدت لهواتي تنشفها ... واحرمتني الشفة الحمراء أرشفها تحب بيضا وأجفانك تحشفها ... بالله أنظر ظلاماتي وكشفها ويعجبني قول الشيخ حامد الحكاك: ثار الغرام الذي في مهجتي خامد ... وسال دمعي الذي كنت أعهده جامد وأنا ببغداد والمحبوب في آمد ... مصيبتي عظمت وأنا لها حامد وقد طال الشرح، وأوردت في باب التورية من المحاسن ما يكفي، قديمًا وحديثًا، وأوردت بعد ذلك ما وقع فيها من النظم، عفوًا وتكليفًا. وقد تعين على إيراد ما وعدت به في ديباجة هذا الباب، من فقه التورية والكلام على أنواعها وأقسامها، فإن القول على اختلاف عبارات الحدود قد تقدم، والكل راجع إلى مقصود واحد، إذ القصد من لفظ التورية أن يكون مشتركًا بين معنيين أحدهما قريب ودلالة اللفظ عليه ظاهرة، والآخر بعيد ودلالة اللفظ عليه خفية، فيريد المتكلم المعنى البعيد، ويوري عنه بالقريب، فيوهم السامع أول وهلة أنه يريد القريب وليس كذلك، ولهذا سمي هذا النوع إيهامًا. أنواع التورية: والتورية أربعة أنواع: مجردة، ومرشحة، ومبينة، ومهيأة. النوع الأول التورية المجردة: وهي التي لم يذكر فيها لازم من لوازم المورى به، وهو المعنى القريب، ولا من لوازم المورى عنه، وهو المعنى البعيد. وأعظم أمثلة هذا النوع قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [ط: ٥/ ٢٠] ؛ لأن الاستواء على معنيين: أحدهما الاستقرار في المكان، وهو المعنى القريب، والثاني الاستيلاء والملك، وهو المعنى

стр. 723

البعيد المورى عنه، وهو المراد؛ لأن الحق سبحانه منزه عن المعنى الأول، ولم يذكر من لوازم هذا شيئًا، ولا من لوازم ذاك، فالتورية مجردة بهذا الاعتبار. ومنه قول النبي ﷺ في خروجه إلى بدر، وقد قيل له: ممن أنتم؟ فلم يرد أن يعلم السائل، فقال: من ماء، وأراد أنّا مخلوقون من ماء، فورى عنه بقبيلة من العرب يقال لها ماء. ومن ذلك قول أبي بكر الصديق ﵁ في الهجرة وقد سئل عن النبي ﷺ فقيل من هذا؟ فقال هذا هاد يهديني. أراد أبو بكر هاديًا يهديني إلى الإسلام، فورى عنه بهادي الطريق الذي هو الدليل في السفر. ومنه قول القاضي عياض، في سنة كان فيها شهر كانون معتدلًا فأزهرت فيه الأرض: كأن نيسان أهدى من ملابسه ... لشهر كانون أنواعًا من الحلل أو الغزالة من طول المدى خرفت ... فما تفرق بين الجدي والحمل١ فالتورية هنا مجردة، والشاهد في الغزالة والجدي والحمل، فإن الناظم لم يذكر قبل الغزالة ولا بعدها شيئًا من لوازم المورى به، كالأوصاف المختصة بالغزالة الوحشية، من طول العنق وسرعة الالتفات وسرعة النفرة وسواد العين، ولا من أوصاف المورى عنه، كالأوصاف المختصة بالغزالة الشمسية، من الإشراق والسمو والطلوع والغروب. فإن قيل إن الغزالة قد رشحت بذكر الجدي والحمل، وهما مرشحان بالغزالة، فالجواب إن لازم التورية من شرطه أن يكون لفظه غير مشترك، والغزالة هنا مشتركة وكذلك الجدي والحمل. ومنه قول القاضي محيي الدين بن زيلاق، وقد أهدى لصاحب الموصل حملًا: يا أيها المولى الذي ... ببابه كل أمل لو لم تكن بدرًا لما ... أهدى لك الثور حمل فالتورية وقعت بين البدر والثور والحمل، ولم يذكر لواحد منها لازمًا، فالبدر مشترك بين اسم الممدوح وبدر السماء، والثور مشترك بين الحيوان والبرج في السماء، وكذلك الحمل. ومنه قول بعضهم، من كان وكان: لو سنبله خلف ظهرو ... ناظر إليها المشتري٢ ولو ذنب ما يقارن ... حتى يرى الميزان٣

стр. 724

ومنه قوله القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر يصف واديًا: وبطحاء من واد يروقك حسنه ... ولا سيما إن جاد غيث مبكر١ به الفضل يبدو والربيع وكم غدا ... به العيش يحيى وهو لا شك جعفر٢ فالتورية وقعت هنا في الفضل والربيع ويحيى وجعفر، والاشتراك في كل من الأربعة ظاهر. النوع الثاني: التورية المرشحة: وهي التي يذكر فيها لازم المورى به، سميت بذلك لتقويتها بذكر لازم المورى به، ثم تارة يذكر اللازم قبل لفظ التورية، وتارة بعده، فهي بهذا الاعتبار قسمان: فالقسم الأول منها، هو ما ذكر لازمة قبل لفظ التورية، وأعظم أمثلته قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ ٣ فإن قوله بأيد يحتمل الجارحة، وهذا هو المعنى القريب المورى به، وقد ذكر من لوازمه على جهة الترشيح، البنيان، ويحتمل القوة وعظمة الخالق، وهذا المعنى البعيد المورى عنه وهو المراد، فإن الله سبحانه منزه عن المعنى الأول. ومنه قول يحيى بن منصور من شعراء الحماسة: فلما نأت عنّا العشيرة كلها ... أنخنا فخالفنا السيوف على الدهر فما أسلمتنا عند يوم كريهة ... ولا نحن أغضينا الجفون على وقر٤ الشاهد في الجفون فإنها تحتمل جفون العين، وهذا هو المعنى القريب المورى به، وقد تقدم لازمًا من لوازمه على جهة الترشيح، وهو الإغضاء؛ لأنه من لوازم العين، وتحتمل أن تكون جفون السيوف أي أغمادها، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه، وهو مراد الناظم. ومن ألطف ما وقع في هذا القسم قول شمس الدين الحكيم بن دانيال الكحال: يا سائلي عن حرفتي في الورى ... وصنعتي فيهم وإفلاسي ما حال من درهم إنفاقه ... يأخذه من أعين الناس الشاهد هنا، في أعين الناس، فإنها تحتمل الحسد وضيق العين، وهو المعنى

стр. 725

القريب المورى به، وقد تقدم لازمه على جهة الترشيح، وهو درهم الإنفاق لأنه من لوازم الحسد، ويحتمل العيون التي يلاطفها بالكحل، وهذا هو المعنى المورى عنه، وهو مراد الناظم الكاحل. انتهى القسم الأول من التورية المرشحة، والقسم الثاني منها، هو ما ذكر لازمه بعد لفظ التورية، ومن أمثلته اللطيفة قول الشاعر: مذ همت من وجدي في خالها ... ولم أصل منه إلى اللثم قالت قفوا واستمعوا ما جرى ... خالي قد هام بي عمي الشاهد في الخال، فإنه يحتمل خال النسب، وهذا هو المعنى القريب المورى به، وقد ذكر لازمه بعد لفظ التورية على جهة الترشيح وهو العم. ومنه قول الشاعر: أقلعت عن رشف الطلا ... واللثم في ثغر الحبب١ وقلت هذي راحة ... تسوق للقلب التعب الشاهد هنا في الراحة التي هي ضد التعب، وقد ذكر التعب بعدها على جهة الترشيح لها، وهذا هو المعنى القريب المورى به، ويحتمل الراحة التي هي من أسماء الخمر، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه، وهو مراد الناظم. النوع الثالث: التورية المبينة: وهي ما ذكر فيها لازم المورى عنه، قبل لفظ التورية أو بعده، فهي بهذا الاعتبار أيضًا قسمان: فالقسم الأول: هو ما ذكر لازمه من قبل، واستشهدوا عليه بقول البحتري: وراء تسدية الوشاح ملية ... بالحسن تملح في القلوب وتعذب الشاهد هنا في تملح، فإنه يحتمل أن يكون من الملوحة التي هي ضد العذوبة، وهذا هو المعنى القريب المورى به، ويحتمل أن يكون من الملاحة التي هي عبارة عن الحسن، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه، وهو مراد الناظم، وقد تقدم من لوازمه على جهة التبيين ملية بالحسن. قلت: هذا الشاهد الذي استشهدوا به من نظم البحتري فيه نظر، ولكن يأتي

стр. 726

الكلام عليه في موضعه. ومن أحسن الشواهد على هذا القسم قول الشيخ شرف الدين بن عبد العزيز شيخ شيوخ حماة، رحمه الله تعالى: قالوا أما في جلق نزهة ... تنسيك من أنت به مغرى يا عاذلي دونك من لحظه ... سهمًا ومن عارضه سطرا الشاهد هنا في موضعين، وهما: السهم وسطرا، فإن المعنى البعيد هما الموضعان المشهوران بمتنزهات دمشق، وذكر النزهة بجلق قبلهما هو المبين لهما، وأما المعنى القريب فسهم اللحظ وسطر العارض. القسم الثاني من التورية المبينة: هو الذي يذكر فيه لازم المورى عنه بعد لفظ التورية، ومن أمثلته البديعة قول الشاعر: أرى ذنب السرحان في الأفق ساطعًا ... فهل ممكن أن الغزالة تطلع١ الشاهد هنا في موضعين٢: أحدهما ذنب السرحان، فإنه يحتمل أول ضوء الفجر، وهذا هو المعنى البعيد المورّى عنه وهو مراد الناظم، وقد بينه بذكر لازمه بعده بقوله ساطعًا، ويحتمل ذنب الحيوان المعروف، وهذا هو المعنى القريب المورّى به. واستشهدوا على هذا القسم بقول ابن سناء الملك، وهو: أما والله لولا خوف سخطك ... لهان عليَّ ما ألقى برهطك ملكت الخافقين فتهت عجبًا ... وليس هما سوى قلبي وقرطك الشاهد هنا في: الخافقين، فإنه يحتمل أن يريد قلبه وقرط محبوبه، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه وهو مراد الناظم، وقد بينه بالنص عليه فإنه صرح بعد الخافقين بذكر القلب والقرط، ويحتمل أن يريد ملك المشرق والمغرب وهذا هو المعنى القريب المورى به. النوع الرابع: التورية المهيأة: وهي التي لا تقع فيها التورية ولا تتهيأ إلا باللفظ الذي قبلها، أو باللفظ الذي بعدها، أو تكون التورية في لفظين لولا كل منهما لما تهيأت في الآخر. فالمهيأة، بهذا الاعتبار، ثلاثة أقسام: القسم الأول من التورية المهيأة: وهو

стр. 727

الذي تتهيأ فيه التورية من قبل، وقد استشهدوا على ذلك، بقول ابن سناء الملك يمدح الملك المظفر صاحب حماة: وسيرك فينا يسرة عمرية ... فروحت عن قلب وأفرجت عن كرب١ وأظهرت فينا من سميك سنة ... فأظهرت ذاك الفرض من ذلك الندب الشاهد هنا في الفرض والندب، وهما يحتملان أن يكونا من الأحكام الشرعية، وهذا هو المعنى القريب المورى به، ويحتمل أن يكون الفرض بمعنى العطاء، والندب صفة الرجل السريع في قضاء الحوائج الماضي في الأمور، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه، ولولا ذكر السنة لما تهيأت التورية فيهما، ولا فهم من الفرض والندب الحكمان الشرعيان اللذان صحت بهما التورية. القسم الثاني من التورية المهيأة: وهو الذي تتهيأ فيه التورية بلفظة من بعد، ومن أمثلته نثرًا قول الإمام على بن أبي طالب -كرم الله وجهه- في الأشعث بن قيس: "إنه كان يحول الشمال باليمين". فالشمال يحتمل أن يكون جمع شملة، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه، ويحتمل أن يراد بها الشمال التي هي إحدى اليدين، وهذا هو المعنى القريب المورى به، ولولا ذكر اليمين بعد الشمال لما تنبه السامع لمعنى اليد. ومنه نظمًا قول الشاعر: لولا التطير بالخلاف وأنهم ... قالوا مريض لا يعود مريضا لقضيت نحبًا في جنابك خدمة ... لأكون مندوبًا قضى مفروضا٢ فالمندوب هنا يحتمل الميت الذي يبكى عليه، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه وهو المراد، ويحتمل أن يكون أحد الأكام الشرعية، وهو المعنى القريب المورى به، ولولا ذكر المفروض بعده لم يتنبه السامع لمعنى المندوب، ولكنه لما ذكر تهيأت التورية بذكره. ومثله قول أبي الحسين الجزار: يا عذولي دعني من العذل إن ... النصح في مذهب الهوى تحريض مت لما نأى فها أنا مندو ... ب فراق وحبه مفروض الكلام على هذا الشاهد كالكلام على الذي قبله.

стр. 728

القسم الثالث من التورية المهيأة: وهو الذي تقع التورية فيه في لفظين، لولا كل منهما لما تهيأت التورية في الآخر، واستشهدوا على ذلك بقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي، وهو: أيها المنكح الثريا سهيلًا ... عمرك الله كيف يلتقيان هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يماني الشاهد، في البيت الأول، في الثريا وسهيل، فإن الثريا يحتمل أن يكون أراد بها بنت على بن عبد الله بن الحرث بن أمية الأصغر، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه، وهو المراد، والقريب ثريا السماء، وهذا هو المعنى القريب المورى به، وسهيل يحتمل أيضًا سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل كان رجلًا مشهورًا من اليمن، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه، ويحتمل النجم المعروف بسهيل، وهذا هو المعنى القريب المورى به، ولولا ذكر الثريا التي هي النجم لم يتنبه السامع لسهيل، وكل واحد منهما صالح للتورية. والتورية هنا، لا تصلح أن تكون مرشحة ولا مبينة؛ لأن الترشيح والتبيين لا يكون كل منهما إلا بلازم خاص، والفرق بين اللفظ الذي تتهيأ به التورية واللفظ الذي تترشح به واللفظ الذي تتبين به، أن اللفظ الذي تقع به التورية مهيأة، لو لم يذكر لما تهيأت التورية أصلًا، واللفظ المرشح والمبين إنما هما مقوّيان للتورية، فلو لم يذكرا لكانت التورية موجودة. وسبب نظم هذين البيتين أن سهيلًا المذكور تزوَّج الثريا المذكورة، وكان بينهما بون بعيد في الخلق، فإن الثريا كانت مشهورة في زمانها بالجمال، وسهيل بالعكس، وهذا مراد الناظم بقوله: عمرك الله كيف يلتقيان. وأيضًا هي شامية الدار، وسهيل يماني. انتهى الكلام على التورية المهيأة وهي آخر أنواع التورية. وهنا تنبيه فيه فائدة: وهو أن مشايخ هذا العلم قالوا: ليس كل لفظ مشترك بين معنيين تتصور فيه التورية، كاللغات التي تدور على الألسنة، وإنما تتصور حيث يكون المعنيان ظاهرين، إلا أن أحدهما أسبق إلى الفهم من الآخر. وقد عنَّ لي أن أختم باب التورية بفائدة تكون مسكًا لختامها وبدرًا لتمامها، وهي أن بعض علماء هذا الفن قالوا، إن التورية، إذا جاءت بلازمين فتكافآ ولم يترجح أحدهما على الآخر، فكأنهما لم يذكرا وصار المعنى القريب والمعنى البعيد بذلك في درجة

стр. 729

واحدة، وتلحق هذه التورية بالمجردة وتعد فيها قسمًا ثانيًا، وتصير مجردة بهذا الاعتبار. واستشهدوا على ذلك بقول الشاعر: غدوت مفكرًا في سرّ أفق ... أرانا العلم من بعد الجهاله فما طويت له شبك الدراري ... إلى أن أظفرته بالغزاله وقالوا: إن الشبك من لوازم الغزالة الوحشية، والدراري من لوازم الغزالة الشمسية. قلت: أما قوله في تقريره: إن اللازمين إذا تكافآ ولم يترجح أحدهما على الآخر تصير التورية كالمجردة، فقريب. وأما الشاهد ففيه نظر، فإنه صدر بقوله: غدوت مفكرًا في سرّ أفق فالتفكر في سرّ هذا الأفق الذي أراه العلم من بعد الجهالة؛ لازم خاص يرجح جانب الغزالة الشمسية، وأما الشبك فاستعارة مرشح بالحسن لنجوم الدراري، وهي أيضًا مما يرشح جانب الشمس عند طيها، الذي أراد به الناظم غيابها، ولو كانت الشمس مجردة من الدراري، ربما كان للغزالة الوحشية بعض مقاربة، وعين الشمس هنا ما تغطى على الترجيح، والله أعلم. واستشهدوا أيضًا على هذا بقول مجير الدين بن تميم: وليلة بت أسقى في غياهبها ... راحًا تسل شبابي من يد الهرم١ ما زلت أشربها حتى نظرت إلى ... غزالة الصبح ترعى نرجس الظلم وقالوا أيضًا: إن الصبح من لوازم الغزالة الشمسية، والرعي من لوازم الغزالة الوحشية. قلت: أما الصبح فمن لوازم الغزالة الشمسية، كما قالوا، وأما رعي نرجس الظلم فليس من لوازم الغزالة الوحشية، وإنما هو استعارة مرشحة بالحسن للنجوم، وهي مثل استعارة الشباك والدراري، والغزالة الوحشية ليس لها هنا مرعى، فإنها أجنبية من رعي نرجس الظلم الذي هو عبارة عن النجوم، والله أعلم. وقد تقدم قولي على الشاهد الذي أوردوه للبحتري، في التورية المبينة، بذكر لازم المورى عنه من قبل وقلت: فيه نظر، وهو قوله: ووراء تسدية الوشاح ملية ... بالحسن تملح في القلب وتعذب هذا الشاهد تعارض فيه اللازمان وتكافآ، وهو أقرب إلى المجردة، وما ذاك إلا أن الشاهد في قوله: تملح، يحتمل أن يكون من الملوحة، ولازمه تعذب، وهو المعنى.

стр. 730

القريب، ويحتمل أن يكون من الملاحة، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه، ولازمه ملية بالحسن، وقد تعارض اللازمان، وهذا هو الشاهد على هذا القسم الذي اختاروه أن يكون قسمًا ثانيًا للتورية المجردة، وأقرب منه قول الشيخ زين الدين بن الوردي: قالت إذا كنت تهوى ... أنسي وتخشى نفوري صد ورد خدي وإلا ... أجور ناديت جوري ومثله قول الشيخ جمال الدين بن نباتة: حملت خاتم فيه فصًّا أزرقا ... من كثرة اللثم الذي لم أحصه لولاه ما علم الرقيب فيا له ... من خاتم نقل الحديث بفصه والأشباه والنظائر من هذا القسم كثير، والغرض أن اللازمين، إذا تعارضا وتكافآ في التورية، يلحق هذا القسم بالتورية المجردة. انتهى الكلام على التورية، وقد قدمت من نظم الجماعة الذين مشوا تحت العلمين المشهورين ما هو أشهر من الأعلام، فالمتأمل إذا جمع بين طرفي هذا الباب، وعرف الأنواع والأقسام، وضع كل شيء في محله فإني كشفت له اللثام عن وجه التورية، وأما أبيات البديعيات فقد تقدم ذكرها، والله أعلم بالصواب.

стр. 731

ذكر المشاكلة: ن اعتدى فبعدوان يشاكله ... لحكمة هو فيها خير منتقم المشاكلة: في اللغة هي المماثلة، والذي تحرر في المصطلح، عند علماء هذا الفن، أن المشاكلة هي ذكر الشيء بغير لفظه، لوقوعه في صحبته، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ١، فالجزاء عن السيئة في الحقيقة، غير سيئة، والأصل: وجزاء سيئة عقوبة مثلها، ومثله قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ٢ والأصل: تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما عندك، فإن الحق، تعالى وتقدس، لا يستعمل في حقه لفظ النفس، إلا أنها استعملت هنا مشاكلة لما تقدم من لفظ النفس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ ٣ والأصل: أخذهم بمكرهم، ومنه قوله تعالي: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ ٤ أي: فعاقبوه، فعدل عن هذا لأجل المشاكلة اللفظية. وفي الحديث، قوله ﷺ : "فإن الله لا يمل حتى تملوا". الأصل: فإن الله لا يقطع عنكم فضله حتى تملوا عن مسألته، فوضع لا يمل موضع لا يقطع الثواب، على جهة المشاكلة، وهو مما وقع فيه لفظ المشاكلة أولًا. ومنه قول عمرو بن كلثوم في معلقته: ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا

стр. 732

أي فنجازيه على جهله، فجعل لفظة نجهل موضع فنجازيه، لأجل المشاكلة. ومثله قول الشاعر، وتلطف ما شاء: قالو اقترح شيئًا نجد لك طبخه ... قلت اطبخوا لي جبة وقميصا أراد خيطوا، فذكره بلفظ اطبحوا، لوقوعه في صحبة طبخه. قلت: قد تقرر أن هذا النوع، أعني المشاكلة، اللفظية، أن يأتي المتكلم في كلامه باسم من الأسماء المشتركة في موضعين، فتشاكل إحدى المشاكلتين اللفظيتين الأخرى في الخط واللفظ ومفهومها مختلف. ومن إنشادات التبريزي في هذا الباب، قول أبي سعيد المخزومي: حدق الآجال آجال ... والهوى للمرء قتال فلفظة الآجال الأولى: أسراب البقر الوحشية، والثانية: منتهى الأعمار، وبينهما مشاكلة في اللفظ والخط. قال الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع، في كتابه المسمى: "بتحرير التحبير"، هذا الشاهد وأمثاله داخل في باب التجنيس. قلت: قول الشيخ زكي الدين ظاهر ليس في صحته سقم، وهذا البيت الذي أنشده التبريزي من أحسن الشواهد على الجناس التام، ولو اعتمد البديعيون على المشاكلة المعنوية لخلصوا من هذا الاعتراض. وعلى كل تقدير، فالمعارضة تعدّت حكم الالتزام في نظم هذا النوع، أعني المشاكلة اللفظية. وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته، على هذا النوع، قوله عن النبي، ﷺ : يجزي إساءة باغيهم بسيئة ... ولم يكن عاديًا منهم على إرم١ وبيت العميان: سقاهم الغيث ماء إذ سقى ذهبًا ... فغير كفيه إن أمحلت لا تشم٢ وبيت الشيخ عز الدين: يجزي بسيئة للضد سيئة ... معنى مشاكلة من خير منتقم وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي، ﷺ : من اعتدى فبعدوان يشاكله ... لحكمة هو فيها خير منتقم

стр. 733

ذكر الجمع مع التقسيم: مع الأعادي بتقسيم يفرّقه ... فالحي للأسر والأموات للضرم١ هذا النوع، أعني الجمع مع التقسيم، هو أن يجمع الناظم بين شيئين فأكثر، ثم قسم. كقول أبي الطيب المتنبي: الدهر معتذر والسيف منتصر ... وأرضهم لك مصطاف ومرتبع للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا ... والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا وقد يتقدم التقسيم ويتأخر، كقول حسان بن ثابت: قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حالوا النفع في أشياعهم نفعوا٢ سجية تلك منهم غير محدثة ... إن الخلائق فاعلم شرها البدع٣ فالأول أحسن وأوقع في القلوب، وعليه مشى أصحاب البديعيات. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته قوله: أبادهم فلبيت المال ما جمعوا ... والروح للسيف والأجساد للرخم٤

стр. 734

وبيت العميان في بديعيتهم: والمال والماء في كفيه قد جريًا ... هذا لراج وذا للجيش حين ظمي وبيت الشيخ عز الدين في بديعيته قوله: علم ومال على جمع تقسمه ... هذا لغمر وهذا نفع مغترم٤ وبيت بديعيتي: جمع الأعادي بتقسيم يفرقه ... فالحي للأسر والأموات للضرم

стр. 735

ذكر الجمع مع التفريق: ناه كالبرق إن أبدوا ظلام وغى والعزم كالبرق في تفريق جمعهم هذا النوع، أعنى الجمع مع التفريق: هو أن يجمع الشاعر بين شيئين في حكم واحد، ثم يفرق بينهما في ذلك الحكم، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ ١ فكأنه يقول: الشمس والقمر كوكبان، فهذا نهاري، وهذا ليلي، فجمع بينهما إذ هما كوكبان، ثم فرق بأن هذا يضيء نهارًا وهذا يضيء ليلًا، فوقع الفرق في الشيء الذي وقع به الجمع. واستشهدوا على هذا النوع بقول الفخر عيسى: تشابه دمعانا غداة فراقنا ... مشابهة في قصة دون قصة فوجنتها تكسو المدامع حمرة ... ودمعي يكسو حمرة اللون وجنتي هذا الناظم جمع بين الدمعين في الشبه، ثم فرق بينهما بأن دمعها أبيض، فإذا جرى على خدها صار أحمر بسبب احمرار خدها , وأن دمعه أحمر؛ لأنه يبكي دمًا وجسده من النحول أصفر، فإذا جرى عليه الدمع حمره. ومنه قول البحتري: ولما التقينا والنقا موعد لنا ... تعجب رائي الدر منا ولاقطه٢ فمن لؤلؤ تجلوه عند ابتسامها ... ومن لؤلؤ عند الحديث تساقطه

стр. 736

وبيت الصفي الحلي: سناه كالبرق يجلو كل مظلمة ... والعزم كالنار يفني كل مجترم١ وبيت العميان في تركيبه قلق، حيث قالوا: فلذ بمن كفه والبحر ما افترقا ... إلا بكف وبحر في كلامهم٢ وبيت الشيخ عز الدين، شن فيه الغارة على بيت الشيخ صفي الدين الحلي، بقوله: وعزمه النار في جمع يفرقه ... ووجهه النور يجلو ظلمة الغشم٣ وبيت بديعيتي أقول فيه، عن النبي، ﷺ : سناه كالبرق إن أبدوا ظلام وغى ... والعزم كالبرق في تفريق جمعهم

стр. 737

ذكر الإشارة: من إشارته في الحرب كم فهم ألـ ... أنصار معنى به فازوا بنصرهم هذا النوع، أعني الإشارة، مما فرّعه قُدَامة من ائتلاف اللفظ مع المعنى، وشرحه بأن قال: هو أن يكون اللفظ القليل مشتملًا على المعنى الكثير، بإيماء ولمحة تدل عليه، كما قيل في صفة البلاغة، هي لمحة دالة. وتلخيص هذا الشرح: إنه إشارة المتكلم إلى المعاني الكثيرة بلفظ يشبه، لقلته واختصاره، بإشارة اليد. فإن المشير بيده يشير دفعة واحدة إلى أشياء، لو عبر عنها بلفظ لاحتاج إلى ألفاظ كثيرة. ولا بد في الإشارة من اعتبار صحة الدلالة، وحسن البيان مع الاختصار؛ لأن المشير بيده، إن لم يفهم المشار إليه معناه، فإشارته معدودة من العبث. وكان النبي، ﷺ : سهل الإشارة، كما كان سهل العبارة وهذا ضرب من البلاغة يمتدح به. والإشارة قسمان: قسم للسان، وقسد لليد. ومن شواهد الإشارة في الكتاب العزيز قوله: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ ١ فإنه سبحانه أشار بهاتين اللفظتين إلى انقطاع مادة الماء من نبع الأرض ومطر السماء، وذهاب الماء الذي كان حاصلًا على وجه الأرض قبل الإخبار، ولو لم يكن كذلك لما غاض الماء. ومنه قوله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ ٢ فالمح أيها المتأمل كل ما تميل النفوس إليه من اختلاف الشهوات، وملاذ الأعين في اختلاف المرئيات لتعلم أن بلاغة هذا اللفظ القليل جدًّا، عبرت عن المعاني

стр. 738

التي لا تنحصر عدا. ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ١. ومن المنظوم قول زهير في هذا النوع: فإني لو لقيتك فاتجهنا ... لكان لكل منكرة لقاء يعني قابلت كل منكرة بمثلها. ومن أمثلة هذا النوع قول امرئ القيس: بعزهم عززت فإن يذلوا ... فذلهم أنالك ما أنالا فانظر كم تحت قوله: أنالك ما أنالا، من أنوع الذل ومثله قوله: فلأشكرن غريب نعمته ... حتى أموت وفضله الفضل أنت الشجاع إذا هم نزلوا ... عند المضيق وفعلك الفعل فالحظ كم تحت قوله: وفضله الفضل، بعد إخباره بأنه يشكر غريب نعمته حتى يموت، من أصناف المدح وترجيح فضله على الشكر، وفي قوله: غريب نعمته، غاية المدح، إذ جعل نعمته غريبة لم يقع مثلها في الوجود، وكم تحت قوله: وفعلك الفعل، بعد إخباره بنزول القوم عند المضيق الدال على صبرهم وشجاعتهم، وما في ذلك من ترجيح شجاعته عليهم. ومنه قوله في صفة الفرس: على هيكل يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جري غير كز ولا واني٢ فإنه أشار بقوله: أفانين، إلى جمع صنوف عدو الخيل المحمودة، والذي يدل على ذلك قوله: قبل سؤاله، فإن الأفانين المحمودة كانت منه عفوًا من غير طلب ولا حث، وهذا كمال الوصف. ولو عدت هذه المعاني بألفاظها الموضوعة لها، لاحتاجت في العبارة إلى ألفاظ كثيرة. وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته: يولي الموالين من جدوى شفاعته ... ملكًا كبيرًا عدا ما في نفوسهم والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته: ما تشتهي النفس يهدي في إشارته ... يعطي فنونًا بلا من ولا سأم وبيت بديعيتي: ومن إشارته في الحرب كم فهم ... الأنصار معنى به فازوا بنصرهم

стр. 739

ذكر التوليد: ليد نصرتهم يبدو بطلعته ... ما السبعة الشهب ما توليد رملهم قلت: هذا النوع أعني، التوليد: ليس تحته كبير أمر، وهو على ضربين من الألفاظ والمعاني، فالذي من الألفاظ تركه أولى من استعماله؛ لأنه سرقة ظاهرة، وما ذاك إلا أن الناظم يستعذب لفظة من شعر غيره، فيقتضبها ويضمنها غير معناها الأول في شعره، كقول امرئ القيس في وصف الفرس: وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل١ فاستعذب أبو تمام قيد الأوابد فنقلها إلى الغزل فقال: لها منظر قيد الأوابد لم يزل ... يروح ويغدو في خفارته الحب٢ والتوليد من المعاني، هو الأجمل والأستر٣، وهو الغرض ههنا، وذلك أن الشاعر ينظر إلى معنى من معاني من تقدمه، ويكون محتاجًا إلى استعماله، في بيت من قصيدة له، فيورده ويولد منه معنى آخر، كقول القطامي: قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل٤ وقال من بعده، ونقص الألفاظ، وزاد تمثيلًا وتوكيدًا وتذييلًا:

стр. 740

فمعنى صدر هذا البيت معنى بين القطامي بكماله، ومعنى عجزه نوع التذييل، وما تقدم ذكره، وهو مولد. قال ابن أبي الأصبع في "تحرير التحبير": أغرب ما سمعت في التوليد قول بعض العجم: كأن عذاره في الخد لام ... ومبسمه الشهي العذب صاد وطرة شعره ليل بهيم ... فلا عجب إذا سرق الرقاد١ فإن هذا الشاعر ولد من تشبيه العذار باللام، وتشبيه الفم بالصاد لصًّا، وولد من معناه ومعنى تشبيه الطرة بالليل ذكر سرقة النوم، فحصل في البيت توليد وإغراب وإدماج. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته على هذا النوع. من سبّق لا يرى سوط لها سملا ... ولا جديد من الأرسان واللجم٢ بيت صفي الدين هنا غير صالح للتجريد، وقد تكرر عليه هذا النقد في كثير من الأبيات، فإن بيته لم يظهر له معنى إن لم ينشد البيت الذي قبله، وهذا العيب سماه علماء هذا الفن التضمين، ويأتي الكلام عليه في موضعه، ولكن هو أقبح ما يكون في البديعيات؛ لأن المراد من بيت البديعيات أن يكون بمجرده شاهدًا على النوع المذكور، ليس له تعلق بما قبله ولا بما بعده. وبيت صفي الدين مولد من قول أبي عبد الله بن الحجاج: خرقت صفوفهم بأقب نهد ... مراح السوط متعوب العنان٣ والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين: ما لي بتوليد مدحي في سواه هدى ... لمعشر شبهوا الهندي بالجلم٤ وبيت عز الدين هنا صالح للتجريد، فإن ضميره عائد إلى النبي ﷺ وأما قوله:
следующие страницы →