← Адаб

Адаб · id 8675

خزانة الأدب وغاية الأرب لابن حجة الحموي

الحموي، ابن حجة

Полный текст (986 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وبيت الصفي الحلي: سناه كالبرق يجلو كل مظلمة ... والعزم كالنار يفني كل مجترم١ وبيت العميان في تركيبه قلق، حيث قالوا: فلذ بمن كفه والبحر ما افترقا ... إلا بكف وبحر في كلامهم٢ وبيت الشيخ عز الدين، شن فيه الغارة على بيت الشيخ صفي الدين الحلي، بقوله: وعزمه النار في جمع يفرقه ... ووجهه النور يجلو ظلمة الغشم٣ وبيت بديعيتي أقول فيه، عن النبي، ﷺ : سناه كالبرق إن أبدوا ظلام وغى ... والعزم كالبرق في تفريق جمعهم

стр. 737

ذكر الإشارة: من إشارته في الحرب كم فهم ألـ ... أنصار معنى به فازوا بنصرهم هذا النوع، أعني الإشارة، مما فرّعه قُدَامة من ائتلاف اللفظ مع المعنى، وشرحه بأن قال: هو أن يكون اللفظ القليل مشتملًا على المعنى الكثير، بإيماء ولمحة تدل عليه، كما قيل في صفة البلاغة، هي لمحة دالة. وتلخيص هذا الشرح: إنه إشارة المتكلم إلى المعاني الكثيرة بلفظ يشبه، لقلته واختصاره، بإشارة اليد. فإن المشير بيده يشير دفعة واحدة إلى أشياء، لو عبر عنها بلفظ لاحتاج إلى ألفاظ كثيرة. ولا بد في الإشارة من اعتبار صحة الدلالة، وحسن البيان مع الاختصار؛ لأن المشير بيده، إن لم يفهم المشار إليه معناه، فإشارته معدودة من العبث. وكان النبي، ﷺ : سهل الإشارة، كما كان سهل العبارة وهذا ضرب من البلاغة يمتدح به. والإشارة قسمان: قسم للسان، وقسد لليد. ومن شواهد الإشارة في الكتاب العزيز قوله: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ ١ فإنه سبحانه أشار بهاتين اللفظتين إلى انقطاع مادة الماء من نبع الأرض ومطر السماء، وذهاب الماء الذي كان حاصلًا على وجه الأرض قبل الإخبار، ولو لم يكن كذلك لما غاض الماء. ومنه قوله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ ٢ فالمح أيها المتأمل كل ما تميل النفوس إليه من اختلاف الشهوات، وملاذ الأعين في اختلاف المرئيات لتعلم أن بلاغة هذا اللفظ القليل جدًّا، عبرت عن المعاني

стр. 738

التي لا تنحصر عدا. ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ١. ومن المنظوم قول زهير في هذا النوع: فإني لو لقيتك فاتجهنا ... لكان لكل منكرة لقاء يعني قابلت كل منكرة بمثلها. ومن أمثلة هذا النوع قول امرئ القيس: بعزهم عززت فإن يذلوا ... فذلهم أنالك ما أنالا فانظر كم تحت قوله: أنالك ما أنالا، من أنوع الذل ومثله قوله: فلأشكرن غريب نعمته ... حتى أموت وفضله الفضل أنت الشجاع إذا هم نزلوا ... عند المضيق وفعلك الفعل فالحظ كم تحت قوله: وفضله الفضل، بعد إخباره بأنه يشكر غريب نعمته حتى يموت، من أصناف المدح وترجيح فضله على الشكر، وفي قوله: غريب نعمته، غاية المدح، إذ جعل نعمته غريبة لم يقع مثلها في الوجود، وكم تحت قوله: وفعلك الفعل، بعد إخباره بنزول القوم عند المضيق الدال على صبرهم وشجاعتهم، وما في ذلك من ترجيح شجاعته عليهم. ومنه قوله في صفة الفرس: على هيكل يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جري غير كز ولا واني٢ فإنه أشار بقوله: أفانين، إلى جمع صنوف عدو الخيل المحمودة، والذي يدل على ذلك قوله: قبل سؤاله، فإن الأفانين المحمودة كانت منه عفوًا من غير طلب ولا حث، وهذا كمال الوصف. ولو عدت هذه المعاني بألفاظها الموضوعة لها، لاحتاجت في العبارة إلى ألفاظ كثيرة. وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته: يولي الموالين من جدوى شفاعته ... ملكًا كبيرًا عدا ما في نفوسهم والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته: ما تشتهي النفس يهدي في إشارته ... يعطي فنونًا بلا من ولا سأم وبيت بديعيتي: ومن إشارته في الحرب كم فهم ... الأنصار معنى به فازوا بنصرهم

стр. 739

ذكر التوليد: ليد نصرتهم يبدو بطلعته ... ما السبعة الشهب ما توليد رملهم قلت: هذا النوع أعني، التوليد: ليس تحته كبير أمر، وهو على ضربين من الألفاظ والمعاني، فالذي من الألفاظ تركه أولى من استعماله؛ لأنه سرقة ظاهرة، وما ذاك إلا أن الناظم يستعذب لفظة من شعر غيره، فيقتضبها ويضمنها غير معناها الأول في شعره، كقول امرئ القيس في وصف الفرس: وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل١ فاستعذب أبو تمام قيد الأوابد فنقلها إلى الغزل فقال: لها منظر قيد الأوابد لم يزل ... يروح ويغدو في خفارته الحب٢ والتوليد من المعاني، هو الأجمل والأستر٣، وهو الغرض ههنا، وذلك أن الشاعر ينظر إلى معنى من معاني من تقدمه، ويكون محتاجًا إلى استعماله، في بيت من قصيدة له، فيورده ويولد منه معنى آخر، كقول القطامي: قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل٤ وقال من بعده، ونقص الألفاظ، وزاد تمثيلًا وتوكيدًا وتذييلًا:

стр. 740

فمعنى صدر هذا البيت معنى بين القطامي بكماله، ومعنى عجزه نوع التذييل، وما تقدم ذكره، وهو مولد. قال ابن أبي الأصبع في "تحرير التحبير": أغرب ما سمعت في التوليد قول بعض العجم: كأن عذاره في الخد لام ... ومبسمه الشهي العذب صاد وطرة شعره ليل بهيم ... فلا عجب إذا سرق الرقاد١ فإن هذا الشاعر ولد من تشبيه العذار باللام، وتشبيه الفم بالصاد لصًّا، وولد من معناه ومعنى تشبيه الطرة بالليل ذكر سرقة النوم، فحصل في البيت توليد وإغراب وإدماج. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته على هذا النوع. من سبّق لا يرى سوط لها سملا ... ولا جديد من الأرسان واللجم٢ بيت صفي الدين هنا غير صالح للتجريد، وقد تكرر عليه هذا النقد في كثير من الأبيات، فإن بيته لم يظهر له معنى إن لم ينشد البيت الذي قبله، وهذا العيب سماه علماء هذا الفن التضمين، ويأتي الكلام عليه في موضعه، ولكن هو أقبح ما يكون في البديعيات؛ لأن المراد من بيت البديعيات أن يكون بمجرده شاهدًا على النوع المذكور، ليس له تعلق بما قبله ولا بما بعده. وبيت صفي الدين مولد من قول أبي عبد الله بن الحجاج: خرقت صفوفهم بأقب نهد ... مراح السوط متعوب العنان٣ والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين: ما لي بتوليد مدحي في سواه هدى ... لمعشر شبهوا الهندي بالجلم٤ وبيت عز الدين هنا صالح للتجريد، فإن ضميره عائد إلى النبي ﷺ وأما قوله:

стр. 741

لمعشر شبهوا الهندي بالجلم، فإن ذكر في شرحه أنه ولده من قول أبي الطيب المتنبي: فالعيس أعقل من قوم رأيتهم ... عما أراه من الإحسان عميانا١ ثم قال في الشرح: ما شبه السيف بالمقص إلا أعمى. قلت: ومن أين لنا أن تشبيه السيف بالجلم مولد من بيت المتنبي، وألفاظها ومعانيها ظاهرة للمتأمل. وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي، ﷺ : توليد نصرتهم يبدو بطلعته ... ما السبعة الشهب ما توليد رملهم معنى هذا البيت ولدته من قول أبي تمام: والنصر من شهب الأرماح لامعة ... بين الخميس علا في السبعة الشهب٢ ولكن ذكر التوليد هنا، وهو اسم النوع البديعي، مع النصرة لا تخفى محاسنه على حذاق الأدب، فإنه التوليد في التوليد، وذكر الرمل هنا توليد آخر، وقد جمعت في صدر هذا البيت وعجزه بين التوليد الذي هو المراد من التورية في تسمية النوع، وبين التذييل بقولي، بعد تتمة الفائدة: ما توليد رملهم، وبين مراعاة النظير، بذكر التوليد والرمل والسبعة الشهب والنصرة، وجمعت بين قسمي التوليد في اللفظ والمعنى، والذي بينهما من توليد المحاسن الظاهرة الزائدة على بيت أبي تمام غير خاف على المتأمل المنصف، والله أعلم.

стр. 742

ذكر الكناية: قالوا طويل نجاد السيف قلت وكم ... لناره ألسن تكني عن الكرم١ الكناية: هي الإرداف بعينه، عند علماء البيان، وإنما علماء البديع أفردوا الإرداف عنها، والكناية هي أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني، فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة، ولكن يجيء إلى معنى ردفه في الوجود فيومئ إليه، ويجعله دليلًا عليه، مثال ذلك قولهم: طويل النجاد، كثير الرماد، يعنون بذلك أنه طويل القامة، كثير القرى٢. فلم يذكروا المراد بذكره الخاص به، ولكن توصلوا إليه بمعنى آخر هو رديفه في الوجود، ألا ترى أن القامة إذا طالت طال النجاد، وإذا كثر القرى كثر الرماد؟ ومن أحسن الأمثلة على هذا النوع قول الشاعر: بعيدة مهوى القرط أما لنوفل ... أبوها وأما عبد شمس وهاشم٣ أراد أن يذكر طول جيدها فأتى بتابعه وهو بعد مهوى القرط. ومثله قول ليلى الأخيلية: ومخرّق عنه القميص تخاله ... وسط البيوت من الحياء سقيما كَنّتْ عن الإفراط في الجود بخرق القميص، لجذب العفاة له عند ازدحامهم عليه لأخذ العطاء. والأبلغ في هذا الباب والأبدع، أن يكني المتكلم عن اللفظ القبيح باللفظ الحسن.

стр. 743

والمعجز في ذلك قوله تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ ١ كناية عن الحدث، وقوله ﷻ : ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ ٢ يريد بذلك ما يكون بين الزوجين. وعلى الجملة لا تجد معنى من هذه المعاني في الكتاب العزيز إلا بلفظ الكناية؛ لأن المعنى الفاحش متى عبر المتكلم عنه بلفظه الموضوع له كان الكلام معيبًا، من جهة فحش المعنى، ولهذا عاب قدامة على امرئ القيس قوله: فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذي تمائم محول٣ إذا ما بكى من تحتها انصرفت له ... بشق وتحتي شقها لم يحول قال، أعني قدامة: عيب هذا الشعر من جهة فحش المعنى، والقرآن منزه عن ذلك. ولو استعار امرؤ القيس لمعناه الفاحش لفظ الكناية لسلم من العيب، وهذا القدر ينتقد على مثله. وفي السنة النبوية من الكنايات ما لا يحصى، كقوله ﷺ : لا يضع العصا عن عاتقه كناية عن الضرب، أو كثرة السفر. وحكى ابن المعتز أن العرب كانت تقول لمن به أُبنة٤ أنت تحت العصا وأنشد: زوجك زوج صالح ... لكنه تحت العصا ومن نخوة العرب وغيرتهم كانت كنايتهم عن حرائر النساء بالبيض، وقد جاء القرآن العزيز بذلك، فقال سبحانه: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ٥. وقال امرؤ القيس في معلقته: وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهواتها غير معجل٦ أي بيضة خدر يعني امرأة كالبيضة في صيانتها لا يرام خباؤها لعزتها. ومن لطائف الكنايات قول بعض العرب: ألا يا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمه الله السلام

стр. 744

سألت الناس عنك فخبروني ... هناة ذاك تكرهه الكرام١ وليس بما أحلّ الله بأس ... إذا هو لم يخالطه الحرام فإن هذا الشاعر كنى بالنخلة عن المرأة، وبالهناة عن الرفث، فإن العرب كانت تكني بها عن مثل ذلك. وأما الكناية بالنخلة عن المرأة من ألطف الكنايات. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته عن الكناية قوله: كل طويل نجاد السيف يطربه ... وقع الصوارم كالأوتار والنغم٢ والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي: داع كثير رماد القدر إن وصفت ... كناية بطنها والظهر بالدسم قول الشيخ عز الدين: كثير رماد القدر، معلوم أنه أراد بذلك الكرم، وأما تتمة البيت، فالدسم الظاهر من القدر في ظاهرها تعافه النفس، ولفظة الدسم سافلة بعيدة عن حشمة الألفاظ. وبيت بديعيتي: ؤقالوا طويل نجاد السيف قلت وكم ... لناره ألسن تكني عن الكرم تقدم القول إن الناس كنوا بطول النجاد عن طول القامة، وبكثرة الرماد عن كثرة القرى، ولكن الكناية بألسن النار عن كثرة الكرم والقرى لا تخفى استعارتها التي كادت تقوم مقام الحقيقة من المحاسن الظاهرة، والله أعلم بالصواب.

стр. 745

ذكر الجمع: آدابه وعطاياه ورأفته ... سجية ضمن جمع فيه ملتئم هذا النوع، أعني الجمع: هو أن يجمع المتكلم بين شيئين فأكثر في حكم واحد، كقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ١ جمع المال والبنون في الزينة. ومنه قوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ ٢ فجمع بين الشمس والقمر في الحسبان، وجمع بين النجم والشجر في السجود. ومنه قوله ﷺ : "من أصبح آمنًا في سربه معافَىً في بدنه -ويروى في جسده- عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها". فجمع الأمن ومعافاة البدن وقوت اليوم في حوز الدنيا بحذافيرها، وهي النواحي والواحد حذفار، ومنه قول الشاعر: إن الشباب والفراغ والجدة ... مفسدة للمرء أي مفسدة فجمع بين الشباب والفراغ والجدة في المفسدة. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في الجمع قوله: آراؤه وعطاياه ونقمته ... وعفوه رحمة للناس كلهم وبيت العميان في بديعيتهم: قد أحرز السبق والإحسان في نسق ... والعلم والحلم قبل الدرك للحلم

стр. 746

وبيت الشيخ عز الدين: للفصل والفضل والألطاف منه يرى ... والعلم والحلم جمع غير منخرم١ قلت: حشو لفظة يرى، في بيت الموصلي، أذهب طلاوة الانسجام. وبيت بديعيتي: آدابه وعطاياه ورأفته ... سجية ضمن جمع فيه ملتئم

стр. 747

ذكر السلب والإيجاب: إيجابه بالعطايا ليس يسلبه ... ويسلب المنّ منه سلب محتشم هذا النوع، أعني: السلب والإيجاب، ذكر ابن أبي الأصبع في "تحرير التحبير": أنه من مستخرجاته. ولكن رأيت لأبي هلال العسكري تقريرًا حسنًا على هذا النوع، وهو أن يبني المتكلم كلامه على نفي شيء من جهة، وإثباته من جهة أخرى، والذي قرَّره ابن أبي الأصبع، هو أن يقصد المادح إفراد ممدوحه بصفة لا يشركه فيها غيره، فينفيها في أوّل كلامه عن جميع الناس، ويثبتها لممدوحه بعد ذلك، كقول الخنساء في أخيها: وما بلغت كف امرئ متطاولًا ... من المجد إلا والذي نلت أطول ولا بلغ المهدون للناس مدحة ... وأن أطنبوا إلا الذي فيك أفضل قال الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع: ويروى متناولًا، ونصبها على أنها مفعول به، وما هنا أبلغ، وعلى هذه الرواية رسمنا هذا الشاهد. وأخذ أبو نواس معنى البيت الثاني، ولكن لم يتمكن منه إلا في بيتين، ومع ذلك قصر عنه تقصيرًا زائدًا، فقال: إذا نحن أثنينا عليك بصالح ... فأنت كما نثني وفوق الذي نثني وإن جرت الألفاظ منا بمدحة ... لغيرك إنسانًا فأنت الذي نعني هذا كله عين كلام الخنساء، ولكن فاته وإن أطنبوا في بيت الخنساء، وقولها: وما بلغ المهدون، وكل هذه المبالغات قصر عنها أبو نواس، والفرق بين فأنت الذي نعني، وبين الذي فيك أفضل ظاهر وأعظم الشواهد علي هذا النوع قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ ٢ ومنه قول امرئ القيس:

стр. 748

هضيم الحشا لا يملأ الكف خصرها ... ويملأ منها كل حجل ودملج١ وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته على هذا النوع: أغرّ لا يمنع الراجلين ما طلبوا ... ويمنع الجار من ضيم ومن حرم والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين قوله: لم ينف ذمًا بإيجاب المديح فتى ... إلا وعاقدت فيه الدهر بالسلم وبيت بديعيتي: إيجابه بالعطايا ليس يسلبه ... ويسلب المن منه سلب محتشم

стр. 749

ذكر التقسيم: هداه تقسيمه حالي به صلحت ... حيًّا وميتًا ومبعوثًا مع الأمم التقسيم أول أبواب قدامة، وهو في اللغة مصدر قسمت الشيء إذا جزأته، وفي الاصطلاح اختلفت فيه العبارات والكل راجع إلى مقصود واحد، وهو ذكر متعدد ثم إضافة ما لكل إليه على التعيين ليخرج اللف والنشر، هذه عبارة صاحب التلخيص وذكر بعضها في الإيضاح. وقال السكاكي: هو أن يذكر المتكلم شيئًا ذا جزأين أو أكثر ثم يضيف إلى واحد من أجزائه ما هو له عنده. ومنهم من قال: هو أن يريد المتكلم متعددًا، أو ما هو في حكم المتعدد، ثم يذكر لكل واحد من المتعددات حكمه على التعيين. وتعجبني بلاغة زكي الدين بن أبي الأصبع، فإنه قال: التقسيم عبارة عن استيفاء المتكلم أقسام المعنى الذي هو آخذ فيه، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ ١ ليس في رؤية البرق غير الخوف من الصواعق، والطمع في الأمطار، ولا ثالث لهذين القسمين. ومن لطيف ما وقع في هذه الجملة من البلاغة، تقديم الخوف على الطمع، إذ كانت الصواعق لا يحصل فيها المطر في أول برقة، ولا يحصل إلا بعد تواتر البرقات، فإن تواترها لا يكاد يكذب، ولهذا كانت العرب تعد سبعين برقة ثم تنتجع، فلا تخطئ الغيث والكلأ، وإلى هذا المعنى أشار المتنبي بقوله: وقد أرد المياه بغير هاد ... سوى عدي لها برق الغمام

стр. 750

فلما كان الأمر المخوف، من البرق، يقع في أول برقة، أتى ذكر الخوف في الآية الكريمة أولًا، ولما كان الأمر المطمع إنما يقع من البرق بعد الأمر المخوف، أتى ذكر الطمع في الآية الكريمة ثانيًا، ليكون الطمع ناسخًا للخوف، لمجيء الفرج بعد الشدة ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ ١ فاستوفت الآية الكريمة جميع الهيئات الممكنات. ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّه﴾ ٢ فاستوفت الآية الكريمة جميع الأقسام التي يمكن وجودها، فإن العالم جميعه لا يخلو من هذه الأقسام الثلاثة. ومنه قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ ٣ فالآية الشريفة جامعة لأقسام الزمان الثلاثة، ولا رابع لها، والمراد الحالي والماضي والمستقبل فله ما بين أيدينا المراد به المستقبل، وما خلفنا المراد به الماضي، وما بين ذلك الحال. وفي الحديث النبوي قوله ﷺ : "ما لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أوتصدقت فأبقيت". ومنه قوله ﷺ : "من أقام الصلاة كان مسلمًا ومن آتى الزكاة كان محسنًا ومن شهد أن لا إله لا الله كان مخلصًا". فإنه صلوات الله عليه استوعب الوصف الذي من الدرجات العليا والوسطى والسفلى. ومنه قول على بن أبي طالب، كرم الله وجهه: "أنعم على من شئت تكن أميره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره". فإنه استوعب أقسام الدرجات، وأقسام أحوال الإنسان بين الفضل والكفاف والنقص. ويحكى أن بعض وفود العرب قدم على عمر بن عبد العزيز ﵁ وكان فيهم شاب فقام وتقدم في المجلس وقال: يا أمير المؤمنين أصابتنا سنون. سنة أذابت الشحم، وسنة أكلت اللحم، وسنة أنقت العظم، وفي أيديكم فضول أموال، فإن كانت لنا لا تمنعونا، وإن كانت لله ففرقوها على عباده، وإن كانت لكم فتصدقوا إن الله يجزي المتصدقين. قال عمر بن عبد العزيز: ما ترك لنا الأعرابي في واحدة عذرًا. ووقف أعرابي على حلقة الحسن البصري فقال: رحم الله من تصدق من فضله، أو واسى من كفاف، أو آثر من قوت: قال الحسن: ما ترك الأعرابي في واحدة عذرًا.

стр. 751

ومن النظم قول زهير بن أبي سلمى في معلقته: وأعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم١ ونقل أبو نواس جد زهير إلى الهزل، فقال: أمر غدٍ أنت منه في لبس ... وأمس قد فات فاله عن أمس فإنما الشأن شأن يومك ذا ... فباكر الشمس بابنة الشمس٢ وقال ابن حيوس، وأجاد في تقسيمه: ثمانية لم يفترقن جميعها ... فلا افترقت ما ذب عن ناظر شقر٣ ضميرك والتقوى وكفك والندى ... ولفظك والمعنى وسيفك والنصر ومنه قول الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض، قدس الله روحه: يقولون لي صفها فأنت بوصفها ... خبير أجل عندي بأوصافها علم صفاء ولا ماء ولطف ولا هوى ... ونور ولا نار وروح ولا جسم وأنشد سيبويه بيتًا بديعًا على هذا الباب، وهو قوله: فقال فريق القوم لا وفريقهم ... نعم وفريق أيمن الله ما ندري ويعجبني قول الحماسي في هذا الباب. وهبها كشيء لم يكن أو كنازح ... عن الدار أو من غيبته المقابر ويعجبني قول، أبي تمام في مجوسي أحرق النار: صلى لها حيًّا وكان وقودها ... ميتًا ويدخلها مع الفجار ومنه قول عمرو بن الأهتم: اشربا ما شربتهما فهذيل ... من قتيل أو هارب أو أسير وبيت صفي الدين مأخوذ من قول عمرو بن الأهتم: أفنى جيوش العدا غزوًا فلست ترى ... سوى قتيل ومأسور ومنهزم

стр. 752

وبيت النعمان في بديعيتهم غيثان أما الذي من فيض أنمله ... فدائم والذي للمزن لم يدم وبيت الشيخ عز الدين: تقسيمه الدهر يومًا أمسه كغد ... في الحلم والجود والإيفاء للذمم قلت: قد تقدم شرح هذا النوع، وتقرر أن الاثنين في التقسيم لا يمكن أن يكون لهما ثالث، والثلاثة لا يجوز أن يكون لها رابع. وقد تقدم في الاثنين قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ ١ وليس في رؤية البرق إلا الخوف من الصواعق والطمع في المطر. وتقدم في تقسيم الثلاثة قول النبي ﷺ : "ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت". ولا رابع لهذه الثلاثة. ورأيت باب الزيادة في بيت الشيخ عز الدين مفتوحًا، فإنه يحتمل الحلم والجود وإيفاء الذمم والشجاعة والصبر والقناعة والدين وهلم جرًا. وتقدم أن بيت صفي الدين الحلي مأخوذ من بيت عمرو بن الأهتم. اشربا ما شربتما فهذيل ... من قتيل أو هارب أو أسير فهذه الثلاثة لا تحتمل رابعًا. وكذلك بيت صفي الدين، فإنه مأخوذ من هنا. وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي ﷺ : هداه تقسيمه حالي به صلحت ... حيًّا وميتًا ومبعوثًا مع الأمم وهذه الثلاثة أيضًا لا يمكن أن يكون لها رابع، وهذا النوع ليس في تحصيله على واضعه مشقة زائدة على حذاق الأدب، لا سيما مثل الشيخ عز الدين. والذي أقوله: إنه لم تضق عليه المسالك إلا بالتزام التورية في تسمية النوع، والله أعلم.

стр. 753

ذكر الإيجاز: أوجز وسل أوّل الأبيات عن مدح ... فيه وسل مكة يا قاصد الحرم هذا النوع، أعني الإيجاز، اعتنت به فصحاء العرب وبلغاؤها كثيرًا، فإنهم كانوا إذا قصدوا الإيجاز أتوا بألفاظ استغنوا بواحدها عن ألفاظ كثيرة، كأدوات الاستفهام والشرط وغير ذلك. فقولك: أين زيد؟ مغن عن قولك: أزيد في الدار أم في المسجد، إلى أن تستقري جميع الأماكن. وقولك: من يقم أقم معه، مغن عن: إن يقم زيد أو عمرو أقم معه. وما بالدار من أحد، مغن عن قولك: ليس فيها زيد ولا عمرو. فغالب كلام العرب مبني على الإيجاز والاختصار، وأداء المقصود من الكلام بأقل عبارة. وهذا النوع على ضربين: إيجاز قصر، وإيجاز حذف. فإيجاز القصر: اختصار الألفاظ، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ١ فهذا اللفظ الوجيز المعجز المختصر، غاية في الإيجاز والإيضاح والإشارة والكناية والطباق وحسن البيان والإبداع ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٢ وعظ في ذلك بألطف موعظة، وذكر بألطف تذكرة، واستوعب جميع أقسام المعروف والمنكر، وأتى بالطباق اللفظي والمعنوي، وحسن النسق والتسهيم، وحسن البيان والإيجاز، وائتلاف اللفظ ومعناه، والمساواة وصحة المقابلة وتمكين الفاصلة. ومن ذلك قول الشاعر: يا أيها المتحلي دون شيمته ... إن التخلق يأتي دونه الخلق

стр. 754

وإيجاز الحذف: عبارة عن حذف بعض لفظه، لدلالة الباقي عليه كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ ١ وكقول الشاعر: ورأيت زوجك في الوغى ... متقلدًا سيفًا ورمحا أي ومعتقلًا رمحا. ومثله قول الشاعر: علفتها تبنًا وماء باردًا، أي: وسقيتها ماء باردًا. وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته على الإيجاز: واستخدم الموت ينهاه ويأمره ... بعزم مغتنم في زي مغترم تقديره بعزم رجل مغتنم، ومثله في زي مغترم، ولكنه ما تحته في بلاغة الإيجاز كبير أمر. والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وقول الشيخ عز الدين: وسل زمانك تلف الكتب راوية ... إيجاز معنى طويل الذكر مرتسم٢ الشيخ عز الدين إيجازه: وسل زمانك، أي أهل زمانك، وأما بقية البيت فلا أفهم له معنى، فإن البيت الذي قبله متعلق بمدح النبي ﷺ ماش في أثر الأبيات التي قبله، وأما رواية الكتب لإيجاز هذا المعنى الطويل المرتسم، فإنه نوع من المعميات، والله أعلم. وأما بيت بديعيتي فهو قولي عن النبي، ﷺ : أوجز وسل أول الأبيات عن مدح ... فيه وسل مكة يا قاصد الحرم الضمير في لفظة فيه عائد إلى النبي ﷺ والإيجاز البديع البليغ الغريب في قولي: وسل أول الأبيات، فإنه إشارة إلى أول بيت وضع للناس، والإيجاز الثاني في قولي: وسل مكة أي وسل أهل مكة، فهذا البيت المبارك فيه إيجازان بليغان، وفيه التورية بتسمية النوع، وفيه المناسبة البديعة بين مكة والبيت والحرم، ومراعاة النظير أيضًا بين الإيجاز والمدح والإثبات، وفي الأبيات تورية أخرى، ونوع التمكين في القافية ظاهر.

стр. 755

ذكر المشاركة: بالحجر ساد فلا ند يشاركه ... حجر الكتاب المبين الواضح اللقم١ هذا النوع، أعني الاشتراك، جعله ابن رشيق وابن أبي الأصبع ثلاثة أقسام: قسمان منها من العيوب والسرقات، وقسم من المحاسن: وهو أن يأتي الناظم في بيته بلفظة مشتركة بين معنيين اشتراكًا أصليًّا، أو فرعيًّا، فيسبق ذهن سامعها إلى المعنى الذي لم يرده الناظم، فيأتي في آخر البيت بما يؤكد أن المقصود غير ما توهمه السامع، كقول كثير عزة: وأنت الذي حببت كل قصيرة ... إلَيّ ولم تعلم بذاك القصائر٢ عنيت قصيرات الحجال ولم أرد ... قصار الخطا شر النساء الحباتر٣ فإنه أثبت في البيت الثاني ما أزال به وهم السامع من أنه أراد القصار مطلقًا، وقد يلتبس الاشتراك بالتوهيم على من لا يحققه، والفرق بينهما أن الاشتراك لا يكون إلا باللفظة المشتركة، والتوهيم يكون بها وبغيرها من تحريف أو تصحيف أو تذييل، والفرق بينه وبين الإيضاح أن الإيضاح في المعاني خاصة، لا تعلق له بالألفاظ، وهذا نوع اشتراك اللفظة. وبيت الشيخ صفي الدين على هذا النوع قوله: شيب المفارق يروى الضرب من دمهم ... ذوائب البيض بيض الهند لا اللمم

стр. 756

هذا البيت الاشتراك فيه بين البيض، فلولا بيض الهند التي ترشح بها جانب السيوف، بذكر الهند، لسبق ذهن السامع إلى أنه أراد الذوائب البيض، ولكن بيت الشيخ صفي الدين لم يخل من بعض عقادة. والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم وبيت الشيخ عز الدين الموصلي: وللغزالة تسليم به اشتركت ... مع التي هي ترعى نرجس الظلم هذا البيت يصلح أن يعد من باب الإشارة في الجناس المعنوي، فإن الشيخ عز الدين أضمر أحد الركنين وأظهر الآخر، وهذا حد جناس الإشارة من المعنوي، فإنه ذكر الغزالة في أول البيت وأضمر الغزالة الشمسية في الشطر الثاني، وهذا النوع تقدم تقريره، ولو صرح الشيخ عز الدين في الشطر الثاني بلفظة الغزالة، وذكر معها الإشراق والنور بحيث يزيل وهم السامع أن المراد الغزالة الوحشية، ويتحقق أن المراد الغزالة الشمسية، أو بالعكس، كان نوع الاشتراك في بيته خالصًا، مع ما فيه من النظر، وهو أن كلًّا من الغزالتين سلم على النبي ﷺ ولكنه أظهر لفظ الغزالة الثانية، فتحتم أنه صار جناسًا معنويًّا، ولعمري إنه أحسن من بيته الذي استشهد فيه على الجناس المعنوي في أول بديعيته: وكافر نعم الإحسان في عذل ... كظلمة الليل عن ذا المعنوي عمي فإن أظهر في أول البيت لفظة كافر، والليل يسمى كافرًا، فأضمر لفظة كافر الذي هو الليل، وتالله إن بيته الذي نظمه شاهدًا على نوع الاشتراك يستحق الجناس المعنوي، استحقاقًا ذوقيًّا وهو أسجم من هذا البيت وأرق للمعنى وأوقع في الأسماع. وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي، ﷺ : بالحجر ساد فلا ند يشاركه ... حجر الكتاب المبين الواضح اللقم هذا البيت يجب أن يعتمد عليه في هذا النوع، ولا يخفى على أهل الذوق السليم ما في تركيبه. والعميان ما نظموه في بديعيتهم. وبيت عز الدين تقرر أن الجناس المعنوي أحق به، واشتراك بيتي في لفظة الحجر، فإني قلت في أول بيتي بالحجر ساد وهذه اللفظة مشتركة بين العقل وسورة الحجر، فلما قلت في الشطر الثاني: حجر الكتاب المبين، زال الالتباس عن السامع وعلم المراد، وترشح عنده جانب السورة المنزلة على الممدوح فيه، ﷺ .

стр. 757

ذكر التصريع: تصريع أبواب عدن يوم بعثهم ... يلقاه بالفتح قبل الناس كلهم هذا النوع، أعني التصريع: هو عبارة عن استواء آخر جزء في صدر البيت، وآخر جزء في عجزه في الوزن والروي والإعراب، وهو أليق ما يكون بمطالع القصائد، وفي وسطها ربما تمجه الأذواق والأسماع. وهذا وقع في معلقة امرئ القيس فإنه صرع المطلع بقوله: قفا نبك من ذكري حبيب ومنزل ... بسقط اللوي بين الدخول فحومل١ وقال في أثناء هذه القصيدة: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلِ ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل قلت: وعلى كل تقدير، ليس في نوع التصريع كبير أمر حتى يعد من أنواع البديع، ولكن القوم كلما تغالوا في الرخص رغبوا في الكثرة. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي: لاقاهم بكماة عند كرهم ... على الجسوم دروع من قلوبهم٢ والعميان ما نظموه. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي: لا زال بالعزمات العز والهمم ... يصرع الضد بالتشطير في القمم

стр. 758

وبيت بديعيتي أشير فيه إلى النبي، ﷺ : تصريع أبواب عدن يوم بعثهم ... يلقاه بالفتح قبل الناس كلهم انظر أيها المتأمل المنصف إلى بديع التورية وترشيحها، عند ذكر الأبواب بالفتح، هو فتوح في هذا الباب، مع سهولة التركيب، وحسن الانسجام، وتمكين القافية.

стр. 759

ذكر الاعتراض: فلا اعتراض علينا في محبته ... وهو الشفيع ومن يرجوه يعتصم هذا النوع، أعني الاعتراض، هو عبارة عن جملة تعترض بين الكلامين، تفيد زيادة في معنى غرض المتكلم. ومنهم من سماه الحشو، وقالوا في المقبول منه: حشو اللوزينج، وليس بصحيح، والفرق بينهما ظاهر، وهو أن الاعتراض يفيد زيادة في غرض المتكلم والناظم، والحشو إنما يأتي لإقامة الوزن لا غير. وفي الاعتراض من المحاسن المكملة للمعاني المقصودة ما يتميز به على أنواع كثيرة، ومن معجزه في القرآن: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ ١. ومنه قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ٢ ومن الشواهد الشعرية قول بعضهم: إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان فقوله: وبلغتها، من الاعتراضات التي زادت المعنى فائدة في غرض الشاعر، وهو الدعاء للمخاطب، وأمثلته كثيرة، وبيت الشيخ صفي الدين الحلي يقول فيه عن النبي، ﷺ . فإن من أنفذ الرحمن دعوته ... وأنت ذاك لديه الجار لم يضم٣

стр. 760

فقوله: وأنت ذاك، هو الاعتراض بعينه، فإنه زاد المعنى. وسماه قدامة التفاتًا، وهو قريب. والعميان ما نظموه. وبيت الشيخ عز الدين: فلا اعتراض علينا في السؤال به ... أعني الرسول لكي ننجو من الضرم١ فقول الشيخ عز الدين: أعني الرسول، هو الاعتراض الذي أراده. وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي، ﷺ : فلا اعتراض علينا في محبته ... وهو الشفيع ومن يرجوه يعتصم فقولي، بين الكلامين: هو الشفيع، هو الاعتراض البديع المتمكن، فإن في قول عز الدين: أعني الرسول، ركة تدل على ضعف التركيب، وكذلك قول الشاعر في مخلص مديحه: أعني فلانًا، يدل على ضعف رويته وقلة تصرفه، فإنهم عدوا ذلك من المخالص الواهية، ولم يجنح إليه إلا عوام أهل الأدب، ومثل الشيخ عز الدين ينتقد عليه ذلك والله أعلم.

стр. 761

ذكر الرجوع: وما لنا من رجوع عن حماة بلى ... لنا رجوع عن الأوطان والحشم١ هذا النوع، أعني الرجوع، ذكره ابن المعتز وأبو هلال العسكري، وسماه بعضهم استدراكًا واعتراضًا، وليس بصحيح. قال القاضي جلال الدين القزويني في "التلخيص والإيضاح": هو العود على الكلام بالنقض لنكتة، كقول زهير: قف بالديار التي لم يعفها القدم ... بلى وغيرها الأرواح والديم٢ والنكتة فيه، كأنه لما وقف بالديار عرته روعة ذهل بها عن رؤية ما حصل لها من التغير، فقال لم يعفها القدم، ثم رجع إلى عقله وتحقق ما هي عليه من الدروس، فقال بلى عفت، وعليه بيت الحماسة: أليس قليلًا نظرة إن نظرتها ... إليك وكل ليس منك قليل ويعجبني هنا قول أبي البيداء: وما لي انتصار إن غدا الدهر جائرًا ... عليَّ بلى إن كان من عندك النصر وأما من سَمّى هذا النوع استدراكًا واعتراضًا، فتسميته غير صحيحة، والذي أقول: إن هذا الرجوع لا فرق بين السلب والإيجاب، وقد تقدم قول أبي هلال العسكري: إن السلب والإيجاب هو أن يبني المتكلم كلامه على نفي شيء من جهة، وإثباته من جهة.

стр. 762

أخرى. وقال القاضي جلال الدين: الرجوع هو العود على الكلام السابق بالنقض، وكل من التقريرين لائق بالنوعين، وللمتأمل أن ينظر في ذلك ليحسن ذوقه. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي: أطلتها ضمن تقصيري فقام بها ... عذري وهيهات إن العذر لم يقم وبيت العميان: قلوا ببدر ففلوا غرب شانئهم ... به وما قل جمع بالرسول حمي١ وبيت الشيخ عز الدين: رمت الرجوع عن الأمداح أنظمها ... سوى مديح سديد القول محترم٢ قلت: ليس في بيت الشيخ عز الدين رجوع، إلا عن حشمة الألفاظ وفخامتها في مديح النبي ﷺ فإن قوله: سديد القول، دون من أنزل الله القرآن في أوصافه. ويعجبني قول ابن نباتة في لاميته: ماذا عسى الشعراء اليوم مادحة ... من بعد ما مدحت حم تنزيل٣ وأيضًا، فإنه كان يجب على الشيخ عز الدين أن يقول في النوع البديعي، الذي هو الرجوع: رجعت عن الأمداح، حتى يصح النقض في الشطر الثاني، وإنما قال: رمت، كأنه يرى أن يرجع. وعلى الجملة، فالبيت قاصر من كل وجه. وبيت بديعيتي أشير فيه إلى النبي ﷺ بقولي: وما لنا من رجوع عن حماة بلى ... لنا رجوع عن الأوطان والحشم هذا البيت لم يحتج إلى إطلاق عنان القلم في ميادين الطروس، بوصف ما فيه من المحاسن، إذ في مدح أهل الذوق، من علماء هذا الفن، ما يغني عن ذلك والله أعلم.

стр. 763

ذكر الترتيب: ترتب الحيوانات السلام له ... والنبت حتى جماد الصخر في الأكم١ هذا النوع، أعني الترتيب، من استخراجات التيفاشي، ذكره في كتابه وسماه بهذا الاسم، وقال: هو أن يجنح الشاعر إلى أوصاف شتى في موضوع واحد، أو في بيت وما بعده على الترتيب، ويكون ترتيبها في الخلقة الطبيعية، ولا يدخل الناظم فيها وصفًا زائدًا عما يوجد علمه في الذهن أو في العيان، كقول مسلم بن الوليد: هيفاء في فرعها ليل على قمر ... على قضيب على حقف النقا الدهس٢ فإن الأوصاف الأربعة على ترتيب خلقة الإنسان، من الأعلى إلى الأسفل. وبيت صفي الدين الحلي: كالنار منه رياح الموت إن عصفت ... روى صرى مائه أرض الوغى بدم٣ ترتيب بيت صفي الدين على العناصر الأربعة، وهي الماء والنار والهواء والتراب. والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين: له الملائك والإنسان أجمعهم ... والجن والوحش في الترتيب كالخدم

стр. 764

هذا البيت، ذكر الشيخ عز الدين في شرحه أنه على ترتيب المخلوقات: الملائك والإنس والجن والوحش، ولكن وضع هذا الترتيب غير منتظم على ما قرره التيفاشي. وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي ﷺ : ترتب الحيوانات السلام له ... والنبت حتى جماد الصخر في الأكم معلوم أن الموجودات ثلاثة، وهي حيوان ونبات وجماد، والثلاثة على ترتيب خلقة الإنسان من الأعلى إلى الأسفل، فإذا قلنا: جسم نام، خرج الجماد لأنه لا ينمو، وإذا قلنا: جسم نام متحرك بإرادته، خرج النبات، وإذا قلنا: جسم نام متحرك بإرادته ناطق، خرج باقي الحيوان وبقي الإنسان، وهذا حده. والله أعلم بالصواب.

стр. 765

ذكر الاشتقاق: محمد أحمد المحمود مبعثه ... كل من الحمد تبيين اشتقاقهم هذا النوع، أعني الاشتقاق، استخرجه الإمام أبو هلال العسكري، وذكره في آخر أنواع البديع من كتابه المعروف "بالصناعتين"، وعرفه بأن قال: هو أن يشتق المتكلم من الاسم العلم معنى، في غرض يقصده، من مدح أو هجاء أو غيره، كقول ابن دريد في نفطويه: لو أوحي النحو إلى نفطويه ... ما كان هذا العلم يعزى إليه أحرقه الله بنصف اسمه ... وصير الباقي صياحًا عليه١ وهذا النوع، ما ذكره القاضي جلال الدين القزويني في "التلخيص" ولا في "الإيضاح"، ولا ذكره الشهاب محمود في "حسن التوسل"، ولا نظمته العميان ولا غيرهم من أصحاب البديعيات، غير الشيخ صفي الدين الحلي، وبيت بديعيته، التي ذكر أنه جمعها من سبعين كتابًا، قوله: لم يلق مرحب مني مرحبًا ورأى ... ضد اسمه عند هدّ الحصن والأطم٢ الشيخ صفي الدين اشتق من اسم مرحب، الترحاب، حتى يقابله بضده، وهذا هو الغرض الذي أراده الناظم، وبيت الشيخ عز الدين في المعارضة قوله:

стр. 766

ميم وحا في اشتقاق الاسم محوُ عِدا ... والميم والدال مد الخير للأمم هذا البيت يشق عليّ أن أشرح اشتقاقه، وأذكر ما فيه من التعسف والزيادة، وعدم القبول للتجريد، فإنه أراد أن يمشي على طريق ابن دريد في الاشتقاق، فلم يأتِ بغير الشقاق، وما ذاك إلا أن اسم نفطويه سداسي، قسمه الناظم في الاشتقاق نصفين: جعل النصف الأول نفطًا، والثاني صياحًا، وهذا الاشتقاق صحيح على هذا التفصيل، وقالوا هو في محمد رباعي من أين للشيخ عز الدين -غفر الله له- هذا حتى تصح معه لفظة محو، مع أني راجعت شرحه فوجدته قال: الميم والحاء، من اسم محمد ﷺ فيهما محو لأعدائه، وأيضًا فلم نجد أحدًا استشهد، في بيت من بيوت بديعيته وصدر بيته، بقوله: ميم وحا في اشتقاق الاسم محو عدا، إلا الشيخ عز الدين، فإن المراد من بيت البديعية أن يكون صالِحًا للتجريد خاليًا من العقادة، ليصح الاستشهاد به على ذلك النوع. وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي ﷺ : محمد أحمد المحمود مبعثه ... كل من الحمد تبيين اشتقاقهم قد تقدم تقرير أبي هلال العسكري، في هذا النوع، وهو أن يشتق المتكلم معنى لغرض يقصده. والغرض هنا، إن كلًّا من محمد وأحمد وصفتهما المحمودة مشتق من الحمد، وشرف هذا المدح ظاهر. والله أعلم.

стр. 767

ذكر الاتفاق: ووصفه لابنه قد جاء تسمية ... فإنه حسن حسب اتفاقهم الاتفاق: عزيز الوقوع جدًّا، وهو أن تتفق للشاعر واقعة وأسماء مطابقة لتلك الواقعة تعلمه العمل في نفسها، إما بالمشاهدة، أو بالسماع، فإن السبق إلى معاني الوقائع، يشترك الناس في مشاهدتها وفي سماعها فضل لا يجحد، وإن حصل للشاعر في ذلك قران سعادة، سارت الركبان بقوله، وترنم الحادي والملاح به، كما اتفق للرضي بن أبي حصينة المصري، في حسام الدين لؤلؤ صاحب الملك الناصر، يوسف، حين غزا الفرنج الذين قصدوا الحجاز من بحر القلزم، فظفر الحاجب بهم فقال ابن أبي حصينة يخاطب الفرنج: عدوكم لؤلؤ والبحر مسكنه ... والدر في البحر لا يخشى من الغير وأحسن من ذلك وأبدع، ما اتفق للشيخ شمس الدين الكوفي، الواعظ، في الوزير مؤيد الدين العلقمي حيث قال: يا عصبة الإسلام نوحي والْطمي ... حزنًا على ما حل بالمستعصم دَستُ الوزارة كان قبل زمانه ... لابن الفرات فصار لابن العلقمي١ فاتفق أن المذكورين كانا وزيرين، وأن المورى بهما: "الفرات والعلقمي" نهران معروفان، وقد طابق الناظم بينهما بالفرات الحلو والعلقم المر.

стр. 768

ومنه قول ابن الساعاتي، وقد حضر الملك الناصر بيت يعقوب من حصون الشام يخاطب الفرنج: دعوا بيت يعقوب فقد جاء يوسف. ومنه قول ابن أبي الأصبع، وقد اجتمع الملك الأشرف موسى بالملك الظاهر، وهو الخضر بن يوسف بن أيوب: غدا مجمع البحرين شاطي فراتنا ... ألم تر موسى فيه قد لقي الخضرا واتفق لي مع الملك ما يناسب هذه الاتفاقات البديعية، فإني أنشدته، وقد كسر النيل في شهر مسرى، وبلغه في يوم الكسران نوروز قد وصل من الشام إلى غزة، وقصد الديار المصرية، فقلت: أيا ملكًا بالله أضحى مؤيدًا ... ومنتصبًا في ملكه نصب تمييز كسرت بمسرى نيل مصر وتنقضي ... وحقك بعد الكسر أيام نيروز١ الاتفاق البديع الغريب، في هذا البيت، أن كسر نوروز بعد كسر مسرى، ويسميه المصريون: الكسر النيروزي، ولم يبق بعده كسر. واتفق لي نظير ذلك بالحضرة المؤيدية وهو أن المقر التاجي، نائب السلطنة الشريفة، نقل عنه إلى المسامع الشريفة كلام، فثبت فيه براءته فأنشدته الحضرة الشريفة المؤيدية ما حصل به للخواطر الشريفة الرضا الزائد، وهو قولي: سبع وجوه لتاج مصر ... تقول ما في الوجوه شبهي وعندنا ذو الوجوه يهجى ... وأنت تاج بفرد وجه وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته على هذا النوع: ومن غدا اسم أمه نعتًا لأمته ... فتلك آمنة من سائر النقم اتفاق هذا البيت في اشتراك لفظي آمنة وآمنة. والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته قوله: محمد واسمه بالاتفاق له ... وصف يشاكله في اسمه العلم وبيت بديعيتي، أقول فيه عن النبي ﷺ وأذكر فيه وصفه الشريف لابنه الحسن٢

стр. 769

رضي الله عنه: ووصفه لابنه قد جاء تسمية ... فإنه حسن حسب اتفاقهم اتفاق هذا البيت في اشتراك لفظي: حسن وحسن الوصف، هو أن النبي ﷺ أشار إلى الحسن ﵁ وقال: "إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين". اهـ.

стр. 770

ذكر الإبداع: إبداع أخلاقه إيداع خالقه ... في زخرف الشعر فاسجع بها وهِمِ١ الإبداع: هو أن يأتي الشاعر في البيت الواحد بعدة أنواع، أو في القرينة الواحدة من النثر وربما كان في الكلمة الواحدة ضربان من البديع، ومتى لم يكن كذلك فليس بإبداع، كقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ٢. هذه الآية الشريفة استخرج منها زكي الدين بن أبي الأصبع أنواعًا كثيرةً من البديع منها: المناسبة التامة بين ابلعي وأقلعي، والمطابقة اللطيفة بين الأرض والسماء، والمجاز في قوله: ويا سماء، ومراده مطر السماء، والاستعارة في قوله: أقلعي، والإشارة في قوله تعالى: وغيض الماء، فإنه بهاتين اللفظتين عبر عن معانٍ كثيرة، والتمثيل في قوله تعالى: وقضي الأمر، فإنه عبر عن هلاك الهالكين ونجاة الناجين بغير لفظ الموضوع له، والإرداف في قوله تعالى: واستوت على الجودي، فإنه عبر عن استقرارها في المكان بلفظ قريب من لفظ المعنى، والتعليل؛ لأنه قوله تعالى: غيض الماء، علة الاستواء، وصحة التقسيم، إذ قد استوعب سبحانه أقسام أحوال الماء حالة نقصه، والاحتراس، في قوله تعالى: وقيل بعدًا للقوم الظالمين، إذ الدعاء عليهم مشعر بأنهم مستحقون الهلاك، احتراسًا من ضعيف يتوهم أن الهلاك شمل من يستحق ومن لا يستحق، فأكد بالدعاء على المستحقين، والمساواة؛ لأن لفظ الآية الشريفة لا يزيد على معناها، وحسن النسق؛ لأنه قص القصة،

стр. 771

وعطف بعضهما على بعض، بحسن ترتيب، وائتلاف المعنى؛ لأن كل لفظة لا يصلح معها غيرها، والإيجاز؛ لأنه قص القصة بأقصر عبارة، والتسهيم؛ لأنه من أول الآية إلى قوله: أقلعي، يقتضي آخرها، والتهذيب؛ لأن مرادات الألفاظ موصوفة بصفات الحسن، وعليها رونق الفصاحة لسلامتها من التعقيد والتقديم والتأخير، والتمكين؛ لأن الفاصلة مستقرة في قرارها مطمئنة في مكانها، والانسجام، وهو تحدر الكلام بسهولة، كما ينسجم الماء، وباقي مجموع الآية الشريفة هو الإبداع الذي هو المراد هنا، مع تكرار الأنواع البديعية. وسهوت عن تقديم حسن البيان، وهو أن السامع لا يتوقف في معرفة معنى الكلام، ولا يشكل عليه شيء من هذه النظائر، وهذا الكلام تعجز عنه قدرة البشر. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته على الإبداع قوله: ذل النضار كما عز النظير لهم ... بالفضل والبذل في علم وفي كرم١ الشيخ صفي الدين في بيته من أنواع البديع: التجنيس، والتسجيع، واللف والنشر، والكناية عن الكرم، في قوله: ذل النضار، وائتلاف المعنى مع المعنى. والعميان ما نظموا هذا في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي ذكر فيه ستة عشر نوعًا، ما أمكن العبد استيعابها، وتركته لحذاق الأدب، وهو قوله: كم أبدعوا روض عدل بعد طولهم ... وأترعوا حوض فضل قبل قولهم وبيت بديعيتي، أقول فيه عن النبي ﷺ : إبداع أخلاقه إبداع خالقه ... في زخرف الشعر فاسجع بها وهم الشطر الأول من هذا البيت مشتمل على: التورية، وعلى جناس التصحيف، وعلى الجناس المطلق، وعلى الترصيع، والمماثلة، والتسجيع، وائتلاف المعنى مع المعنى، والسهولة. والشطر الثاني فيه: التورية، ومراعاة النظير، والاعتراض، والانسجام ظاهر في البيت بكماله، والإبداع الذي هو المراد هنا، والله أعلم.

стр. 772

ذكر المماثلة: فالخير ماثله والعفو جاوره ... والعدل جانسه في الحكم والحكم هذا النوع، أعني المماثلة: هو أن تتماثل ألفاظ الكلام، أو بعضها، في الزنة دون التقفية، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ، النَّجْمُ الثَّاقِبُ، إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ ١ وقد تأتي ألفاظ المماثلة مقفاة من غير قصد؛ لأن التقفية في هذا الباب غير لازمة، كقول امرئ القيس: كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر العطر وأما الشاهد الذي هو على أصل هذا الباب في الزنة دون التقفية، فهو كقول الشاعر: صفوح صبور كريم رزين ... إذا ما العقول بدا طيشها٢ والفرق بين المماثلة والمناسبة توالي الكلمات المتزنة وتفرقها في المناسبة، قلت: هذا النوع، أعني المماثلة، ما تستحق عقود أنواع البديع، بسموها، أن ينتظم النوع السافل في أسلاكها، وما أعلم وجه الإبداع فيه ما هو، ولا نرى من استخراجه وعده بديعًا غير الكثرة، وقد حسن أن أنشد ههنا: وكثر فارتابت ولو شاء قلّلا وبالله ما اختلج في فكري من حين تأدبت أن أرصعه في قصيدة من قصائدي، ولكن حكم المعارضة أوجب ذلك.

стр. 773

وبيت الشيخ صفي الدين الحلي: سهل خلائقه صعب عرائكه ... جم غرائبه في الحكم والحكم١ والعميان ما نظموا. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي: يبدي مماثلة يعطي مناسبة ... يجزي مجانسة في الكلم والكلم وبيت بديعيتي: فالخير ماثله والعفو جاوره ... والعدل جانسه في الحكم والحكم

стр. 774

ذكر حصر الجزئي وإلحاقه بالكلي: الحق بحصر جميع الأنبياء به ... فالجزء يحلق بالكلي للعظم هذا النوع الغريب اخترعه الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع، وهو أن يأتي المتكلم إلى نوع فيجعله، بالتعظيم له، جنسًا، بعد حصر أقسام الأنواع فيه والأجناس، كقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ١ فإنه يعلم ما في البر والبحر، من أصناف الحيوانات والجماد حاصر الجزئيات المولدات، فرأى الاقتصار على ذلك لا يكمل به التمدح، لاحتمال أن يظن ضعيف أنه ﷻ يعلم الكليات دون الجزئيات، فإن المولدات، وإن كانت جزئيات بالنسبة إلى جملة العالم، فكل واحد منها كلي بالنسبة إلى ما تحته من الأجناس والأنواع والأصناف، فقال، لكمال التمدح: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ ٢. وعلم أن علم ذلك يشاركه فيه كل ذي إدراك، فتمدّح بما لا يشاركه فيه أحد فقال عز من قائل: ﴿وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ ٣ ثم ألحق هذه الجزئيات بالكليات فقال: ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٤ وأمثاله من النظم قول الشاعر: إليك طوى عرص البسيطة جاعل ... قصارى المطايا أن يلوح لها القصر فكنت وعزمي في الظلام وصارمي ... ثلاثة أشباه كما اجتمع النشر فبشرت آمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر

стр. 775

المراد من النوع، البيت الثالث، فإن الشاعر قصد تعظيم الممدوح وتفخيم أمر داره التي قصد فيها، ومدح يومه الذي لقيه فيه، فجعل الممدوح جميع الورى، وجعل داره الدنيا، ويومه الدهر، فجعل الجزء كليًّا بعد حصر أقسام الجزئي، أما جعله الجزئي كليًّا فلأن الممدوح جزء من الورى، والدار جزء من الدنيا، واليوم جزء من الدّهر، وأما حصر أقسام الجزئي؛ فلأن العالم عبارة عن أجسام وظروف زمان وظروف مكان، وقد حصر ذلك، وهذا النوع صعب المسالك في نظمه، عزيز الوقوع والتحصيل، وقد فر العميان من نظمه. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي فيه: شخص هو العالم الكلي في شرف ... ونفسه الجوهر القدسي في عظم الشيخ صفي الدين جعل الجزئي كليًّا فقط، وهو القسم الأول، لكون الواحد لا يسع جميع القيود وبيت الشيخ عز الدين: فألحق الجزء بالكلي منحصرًا ... إذ دينه الجنس للأديان كلهم هذا البيت ما وجدت فيه للكلام فسحة لأمور، وبيت بديعيتي: ألحق بحصر جميع الأنبياء به ... فالجزء يلحق بالكلي للعظم النبي ﷺ صالح أن يكون هنا كليًّا، العلو مقداره وعظمه، فقولي عن الأنبياء: فالجزء يلحق بالكلي للعظم، لا يخفى ما فيه من المبالغة والمغالاة في وصف الممدوح، ﷺ ، هذا مع تحرير هذا النوع الذي يدق عن أفهام كثيرة، وإيضاحه مع التورية باسمه، وسهولة تركيبه وانسجامه، وما أعلم له في هذا الباب نظيرًا، وما أوضحه وزاده طلاوة وحسنًا إلا تشريفه بالمديح النبوي.
следующие страницы →