← Адаб

Адаб · id 8675

خزانة الأدب وغاية الأرب لابن حجة الحموي

الحموي، ابن حجة

Полный текст (986 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وعطف بعضهما على بعض، بحسن ترتيب، وائتلاف المعنى؛ لأن كل لفظة لا يصلح معها غيرها، والإيجاز؛ لأنه قص القصة بأقصر عبارة، والتسهيم؛ لأنه من أول الآية إلى قوله: أقلعي، يقتضي آخرها، والتهذيب؛ لأن مرادات الألفاظ موصوفة بصفات الحسن، وعليها رونق الفصاحة لسلامتها من التعقيد والتقديم والتأخير، والتمكين؛ لأن الفاصلة مستقرة في قرارها مطمئنة في مكانها، والانسجام، وهو تحدر الكلام بسهولة، كما ينسجم الماء، وباقي مجموع الآية الشريفة هو الإبداع الذي هو المراد هنا، مع تكرار الأنواع البديعية. وسهوت عن تقديم حسن البيان، وهو أن السامع لا يتوقف في معرفة معنى الكلام، ولا يشكل عليه شيء من هذه النظائر، وهذا الكلام تعجز عنه قدرة البشر. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته على الإبداع قوله: ذل النضار كما عز النظير لهم ... بالفضل والبذل في علم وفي كرم١ الشيخ صفي الدين في بيته من أنواع البديع: التجنيس، والتسجيع، واللف والنشر، والكناية عن الكرم، في قوله: ذل النضار، وائتلاف المعنى مع المعنى. والعميان ما نظموا هذا في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي ذكر فيه ستة عشر نوعًا، ما أمكن العبد استيعابها، وتركته لحذاق الأدب، وهو قوله: كم أبدعوا روض عدل بعد طولهم ... وأترعوا حوض فضل قبل قولهم وبيت بديعيتي، أقول فيه عن النبي ﷺ : إبداع أخلاقه إبداع خالقه ... في زخرف الشعر فاسجع بها وهم الشطر الأول من هذا البيت مشتمل على: التورية، وعلى جناس التصحيف، وعلى الجناس المطلق، وعلى الترصيع، والمماثلة، والتسجيع، وائتلاف المعنى مع المعنى، والسهولة. والشطر الثاني فيه: التورية، ومراعاة النظير، والاعتراض، والانسجام ظاهر في البيت بكماله، والإبداع الذي هو المراد هنا، والله أعلم.

стр. 772

ذكر المماثلة: فالخير ماثله والعفو جاوره ... والعدل جانسه في الحكم والحكم هذا النوع، أعني المماثلة: هو أن تتماثل ألفاظ الكلام، أو بعضها، في الزنة دون التقفية، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ، النَّجْمُ الثَّاقِبُ، إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ ١ وقد تأتي ألفاظ المماثلة مقفاة من غير قصد؛ لأن التقفية في هذا الباب غير لازمة، كقول امرئ القيس: كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر العطر وأما الشاهد الذي هو على أصل هذا الباب في الزنة دون التقفية، فهو كقول الشاعر: صفوح صبور كريم رزين ... إذا ما العقول بدا طيشها٢ والفرق بين المماثلة والمناسبة توالي الكلمات المتزنة وتفرقها في المناسبة، قلت: هذا النوع، أعني المماثلة، ما تستحق عقود أنواع البديع، بسموها، أن ينتظم النوع السافل في أسلاكها، وما أعلم وجه الإبداع فيه ما هو، ولا نرى من استخراجه وعده بديعًا غير الكثرة، وقد حسن أن أنشد ههنا: وكثر فارتابت ولو شاء قلّلا وبالله ما اختلج في فكري من حين تأدبت أن أرصعه في قصيدة من قصائدي، ولكن حكم المعارضة أوجب ذلك.

стр. 773

وبيت الشيخ صفي الدين الحلي: سهل خلائقه صعب عرائكه ... جم غرائبه في الحكم والحكم١ والعميان ما نظموا. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي: يبدي مماثلة يعطي مناسبة ... يجزي مجانسة في الكلم والكلم وبيت بديعيتي: فالخير ماثله والعفو جاوره ... والعدل جانسه في الحكم والحكم

стр. 774

ذكر حصر الجزئي وإلحاقه بالكلي: الحق بحصر جميع الأنبياء به ... فالجزء يحلق بالكلي للعظم هذا النوع الغريب اخترعه الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع، وهو أن يأتي المتكلم إلى نوع فيجعله، بالتعظيم له، جنسًا، بعد حصر أقسام الأنواع فيه والأجناس، كقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ١ فإنه يعلم ما في البر والبحر، من أصناف الحيوانات والجماد حاصر الجزئيات المولدات، فرأى الاقتصار على ذلك لا يكمل به التمدح، لاحتمال أن يظن ضعيف أنه ﷻ يعلم الكليات دون الجزئيات، فإن المولدات، وإن كانت جزئيات بالنسبة إلى جملة العالم، فكل واحد منها كلي بالنسبة إلى ما تحته من الأجناس والأنواع والأصناف، فقال، لكمال التمدح: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ ٢. وعلم أن علم ذلك يشاركه فيه كل ذي إدراك، فتمدّح بما لا يشاركه فيه أحد فقال عز من قائل: ﴿وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ ٣ ثم ألحق هذه الجزئيات بالكليات فقال: ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٤ وأمثاله من النظم قول الشاعر: إليك طوى عرص البسيطة جاعل ... قصارى المطايا أن يلوح لها القصر فكنت وعزمي في الظلام وصارمي ... ثلاثة أشباه كما اجتمع النشر فبشرت آمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر

стр. 775

المراد من النوع، البيت الثالث، فإن الشاعر قصد تعظيم الممدوح وتفخيم أمر داره التي قصد فيها، ومدح يومه الذي لقيه فيه، فجعل الممدوح جميع الورى، وجعل داره الدنيا، ويومه الدهر، فجعل الجزء كليًّا بعد حصر أقسام الجزئي، أما جعله الجزئي كليًّا فلأن الممدوح جزء من الورى، والدار جزء من الدنيا، واليوم جزء من الدّهر، وأما حصر أقسام الجزئي؛ فلأن العالم عبارة عن أجسام وظروف زمان وظروف مكان، وقد حصر ذلك، وهذا النوع صعب المسالك في نظمه، عزيز الوقوع والتحصيل، وقد فر العميان من نظمه. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي فيه: شخص هو العالم الكلي في شرف ... ونفسه الجوهر القدسي في عظم الشيخ صفي الدين جعل الجزئي كليًّا فقط، وهو القسم الأول، لكون الواحد لا يسع جميع القيود وبيت الشيخ عز الدين: فألحق الجزء بالكلي منحصرًا ... إذ دينه الجنس للأديان كلهم هذا البيت ما وجدت فيه للكلام فسحة لأمور، وبيت بديعيتي: ألحق بحصر جميع الأنبياء به ... فالجزء يلحق بالكلي للعظم النبي ﷺ صالح أن يكون هنا كليًّا، العلو مقداره وعظمه، فقولي عن الأنبياء: فالجزء يلحق بالكلي للعظم، لا يخفى ما فيه من المبالغة والمغالاة في وصف الممدوح، ﷺ ، هذا مع تحرير هذا النوع الذي يدق عن أفهام كثيرة، وإيضاحه مع التورية باسمه، وسهولة تركيبه وانسجامه، وما أعلم له في هذا الباب نظيرًا، وما أوضحه وزاده طلاوة وحسنًا إلا تشريفه بالمديح النبوي.

стр. 776

ذكر الفرائد وشم وميض بروق من فرائده ... وانظم حنانيك عقدًا غير منفصم الفرائد: نوع لطيف مختص بالفصاحة دون البلاغة؛ لأن المراد منه أن يأتي الناظم، أو الناثر، بلفظة فصيحة من كلام العرب العرباء تتنزل من الكلام منزلة الفرائد من العقد، وتدل على فصاحة المتكلم بها، بحيث أن تلك اللفظة لو سقطت من الكلام لم يسد غيرها مسدها، كقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ١ قوله تعالى: الرفث، فريدة لا يقوم غيرها مقامها، وكقوله تعالى: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ ٢ فقوله : أهش بها على غنمي، فريدة يعز على الفصحاء أن يأتوا بمثلها في مكانها، ومنه قول عنترة في معلقته: يا دار عبلة بالجواء تكلمي ... وعمي صباحًا دار عبلة واسلمي فعمي صباحًا، فريدة في مكانها. وروي أن أبا ذر أتى النبي ﷺ فقال: عم صباحًا، فقال النبي، ﷺ : "إن الله قد أبدلني ما هو خير منها". فقال: ما هي؟ قال: "السلام". وبيت الشيخ صفي الدين الحلي: ومن له جاور الجزع اليبيس ومن ... بكفه أورقت عجزاء ذي سلم٣

стр. 777

الفريدة في بيت الحلي هي العجزاء، والعجزاء هي العصا المعقدة. والعميان ما نظموا هذا النوع. وبيت الشيخ عز الدين: كم حصحص الحق إذ وافت فرائده ... وفي الوطيس بدا ثبًتا بلا برم١ الفريدة في بيت الشيخ عز الدين هي لفظة الوطيس، وأما برم فما أبرم فيها أمرًا. وبيت بديعيتي أقول فيه، وأنا مستمر على خطابي لمن رام مديح النبي ﷺ فإني قلت في البيت الذي قبله: ألحق بحصر جميع الأنبياء به ... فالجزء يلحق بالكلي للعظم وقلت بعده في الفرائد: وشم وميض بروق من فرائده ... وانظم حنانيك عقدًا غير منفصم٢ الفرائد في هذا البيت ثلاثة وهي شم وحنانيك ومنفصم والوميض صالح لذا، والله أعلم بالصواب.

стр. 778

ذكر الترشيح: يس زادت على لقمان حكمته ... وبان ترشيحه في نون والقلم هذا النوع، أعني الترشيح: هو أن يأتي المتكلم بكلمة لا تصلح لضرب من المحاسن، حتي يؤتى بلفظة ترشحها وتؤهلها لذلك، كقول التهامي في مرثيته المشهورة: وإذا رجوت المستحيل فإنما ... تبني الرجاء على شفير هار١ فلولا ذكر الشفير، لما كان في الرجاء تورية برجا البئر، ولكان من رجوت الأمر، لقوله أولًا: وإذا رجوت المستحيل. قلت: وهذا النوع تقدم ذكره، في باب التورية المرشحة، وقد تقدم أيضًا أن التورية أربعة أنواع: مجردة ومرشحة ومهيأة ومبينة، فالمرشحة هي التي يذكر فيها لازم من لوازم المورى به قبل لفظ التورية أو بعده، وسميت مرشحة لترشيحها وتقويتها بذكر لازم المورى به، وتقدم هذا في باب التورية المرشحة، ولكن ذكروا في تكرير الترشيح هنا فائدة لم يكن لمكررها حلاوة، وهي إذا قيل: ما الفرق بين التورية والترشيح، وقد جعلت مثاليهما واحدًا؟ قلت: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما من أنواع البديع ما لا يحتاج إلى ترشيح، وهي التورية المجردة المحضة، والثاني أن الترشيح لا يختص بالتورية دون بقية الأبواب، بل يعم المطابقة والاستعارة وغيرهما، في كثير من الأبواب، ألا ترى إلى قول أبي الطيب المتنبي: وخفوق قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنتي لرأيت فيه جهنما

стр. 779

فإن قوله: يا جنتي، رشحت لفظة جهنم للمطابقة، ولو قال مكانها: يا منيتي، لم يكن في البيت مطابقة البتة، وأما ترشيح الاستعارة، فكقول بعض العرب: إذا ما رأيت النسر عزى ابن دأية ... وعشش في وكريه طارت له نفسي فإنه شبه الشيب بالنسر لاشتراكهما في البياض، وشبه الشعر الأسود بابن دأية، وهو الغراب، لاشتراكهما في السواد، واستعار التعشش من الطائر للشيب، لما سماه نسرًا ورشح به إلى ذكر الطيران الذي استعاره لنفسه من الطائر، فقد ترشح باستعارة إلى استعارة، ولولا خشية الإطالة لذكرت ترشيح التشبيه، وترشيح غيره من الأنواع. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي يقول فيه عن النبي، ﷺ : إن حل أرض أناس شد أزرهم ... بما أباح لهم من حط وزرهم١ لفظة شد، في البيت، للشيخ صفي الدين، رشحت لفظة حل، للمطابقة، ولو أبقاها على حالها في معنى الحلول، لم يكن في البيت مطابقة البتة. والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين في بديعيته قوله: في الفتح ضم من الأنصار شملهم ... جبرًا لكسر بترشيح من الرحم الترشيح في بيت الشيخ عز الدين ظاهر، فإنه رشح الفتح للتورية بصريح الضم، ورشح الضم للتورية بذكر الكسر. وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي ﷺ : يس زادت على لقمان حكمته ... وبان ترشيحه في نون والقلم فذكر لقمان رشح يس للتورية، وذكر النون والقلم رشح لقمان للتورية والفريق بين قولي: وبان ترشيحه في نون والقلم، وبين قول الشيخ عز الدين: بترشيح من الرحم، ظاهر، وأما سهولة التركيب وعذوبة الانسجام وتمكين القافية، فلم أحتج معهما إلى إقامة دليل، والله تعالى أعلم.

стр. 780

ذكر العنوان النبي ﷺ يوم التباهل: ﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ ١ وكان قد خرج النبي ﷺ محتضنًا الحسين آخذًا بيد الحسن ﵉ وفاطمة تمشي خلفهما -سلام الله عليهم أجمعين- فحين رآهم العاقب قال للنصارى: لا تباهلوا محمدًا فإني أرى معه وجوهًا لو أقسم على الله أن يزيل بها الجبال لأزالها، فانصرفوا وقبلوا الجزية. والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته قوله: بشرى المسيح أتت عنوان دعوته ... وقبله كل هاد صادق القدم وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي ﷺ : هبه العصا أثمرت عزًّا لصاحبها ... موسى وكم قد محت عنوان سحرهم هذا البيت عنوانه ظاهر لم يحتج فيه إلى شرح، ولكن التورية في العنوان وترشيحها، بلفظة محت، لا يخفي ما فيها من المحاسن؛ لأنها اسم النوع الذي هو القصد هنا، وأما قولي: به العصا أثمرت، فهي مناسبة ليس لها في الحسن مناسب.

стр. 781

ذكر التسهيم: كذا الخليل بتسهيم الدعاء به ... أصابهم ونجا من حر نارهم هذا النوع مأخوذ من الثوب المسهم، وهو الذي يدل أحد سهامه على الآخر الذي قبله، لكون لونه يقتضي أن يليه لون مخصوص به، لمجاورة اللون الذي قبله. ومن المؤلفين من جعل التسهيم والترشيح شيئًا واحدًا، والفرق بينهما: أن الترشيح لا يدل على غير القافية، والتسهيم تارة يدل على عجز البيت، وتارة يدل على ما دون العجز، وتعريفه أن يتقدم من الكلام ما يدل على ما يتأخر، تارة بالمعنى وتارة باللفظ، كأبيات أخت عمرو ذي الكلب، فإن الحذاق بمعاني الشعر وتأليفه يعلمون معنى قولها: فأقسم يا عمرو لو نبهاك. يقتضي أن يكون تمامه: إذا نبها منك داء عضالًا، دون غيره من القوافي؛ لأنه لو قال، مكان داء عضالًا: ليثًا غضوبًا، أو أفعى قتولًا، أو ما ناسب ذلك، لكان الداء العضال أبلغ، إذ كل منهما ممكن مغالبته والتوقي منه، والداء العضال لا دواء له، هذا مما يعرف بالمعنى، وأما ما يدل على الثاني دلالة لفظية فهو قولها بعده: إذا نبها ليث عرّيسة ... مقيتًا مفيدًا نفوسًا ومالًا١ وكذلك قولها: وخرق تجاوزت مجهولة ... بوجناء حرف تشكي الكلالا٢ فكنت النهار به شمسه

стр. 782

يقتضي أن يتلوه: وكن دجا الليل فيه الهلالا. ومنه قول البحتري: أحلت دمي من غير جرم وحرمت ... بلا سبب يوم اللقاء كلامي فليس الذي قد حللت بمحلل ومن هنا يعرف المتأدب أن تمامه: وليس الذي قد حرمت بحرام. الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته قوله: كذلك يونس ناجي ربه فنجى ... من بطن حوت له في اليم ملتقم١ والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي، في بديعيته يقول فيه عن النبي ﷺ . تسهيمه في الوغى حسم لمتصل ... تسليمه في الرضا وصل لمحتشم قلت: الشيخ عز الدين رماه التسهيم في العكس، فتشوش إذ صار كل من النوعين يتجاذبه، وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي ﷺ : كذا الخليل بتسهيم الدعاء به ... أصابهم ونجا من حر نارهم لفظة التسهيم، في هذا البيت، انحصر فيها ثلاثة أنواع أحدها تسمية النوع، والثاني الاستعارة البديعية، والثالث التورية المرشحة، فإن لفظة التسهيم رشحت التورية، بذكر الإصابة وتحرير النوع ظاهر في دلالة الأول على الثاني.

стр. 783

ذكر التطريز: شملي بتطريز مدحي فيه منتظم ... يا طيب منتظم يا طيب منتظم هذا النوع، أعني التطريز: هو أن يبتدئ المتكلم، أو الشاعر، بذكر جمل من الذوات غير منفصلة، ثم يخبر عنها بصفة واحدة من الصفات مكررة بحسب العدد الذي قرره وقدره، في تلك الجملة الأولى، وعدد الجمل التي وصفت بالذوات عدد تكرر واتحاد لا عدد تغير، كقول ابن الرومي: قرون في رءوس في وجوه ... صلاب في صلاب في صلاب ومثله قوله: كأن الكأس في يدها وفيها ... عقيق في عقيق في عقيق١ ومثله قول ابن المعتز: فثوبي والمدام ولون خدي ... شقيق في شقيق في شقيق وأبدع من الجميع وألطف، قولي من قصيدتي المصغرة: لفيظك والمقيلة مع نظيمي ... سحير في سحير في سحير وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته على التطريز: فالجيش والنقع تحت الظل مرتكم ... في ظل مرتكم في ظل مرتكم

стр. 784

قلت: هذا البيت لا يخلو أن يكون للعقادة فيه بعض تراكم. والعميان ليس في بديعيتهم تطريز: وبيت الشيخ عز الدين الموصلي -رحمه الله تعالى- في بديعيته قوله: الدين والنقع تطريز لمحترم ... في نصر محترم في نصر محترم هذا البيت لم أفهم منه غير لفظة التطريز، الذي هو اسم النوع. وبيت بديعيتي أقول عن النبي ﷺ . شملي بتطريز مدحي فيه منتظم ... يا طيب منتظم يا طيب منتظم هذا البيت بهجة التطريز ظاهرة على أركانه، وقد جمعت فيه بين التطريز الذي هو المراد، والتورية، واللف والنشر، والترشيح، والاستعارة، ومراعاة النظير، والسهولة، والانسجام، والجناس التام، والله أعلم.

стр. 785

ذكر التنكيت: وأله البحر آل إن يقس بندى ... كفوفهم فافهموا تنكيت مدحهم١ هذا النوع، أعني التنكيت، يستحق لغرابته أن ينتظم في أسلاك البديع، ويغار عليه أن يعد مع المماثلة والموازنة ومع التطريز والترصيع، وقد تقدم الكلام على سفالة هذه الأنواع. والتنكيث: عبارة عن أن يقصد المتكلم شيئًا بالذكر دون أشياء كلها تسد مسده، لولا نكتة في ذلك الشيء المقصود، ترجح اختصاصه بالذكر. وعلماء هذا الفن أجمعوا على أنه لولا تلك النكتة التي انفرد بها، لكان القصد إليه دون غيره خطأ ظاهرًا عند أهل النقد، وجاء من ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ ٢ فإنه سبحانه خص الشعرى بالذكر، دون غيره من النجوم، وهو رب كل شيء؛ لأن من العرب من عبد الشعرى، وكان يعرف بابن أبي كبشة، ودعا خلقًا إلى عبادتها، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ التي ادعيت فيها الربوبية دون سائر النجوم، وفي النجوم ما هو أعظم منها. ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ ٣ فإنه خص تفقهون دون تعلمون، لما في الفقه من الزيادة على العلم، والمراد الذي يقتضيه معنى هذا الكلام: الفقه في معرفة كنه التسبيح من

стр. 786

الحيوان البهيمي والنبات والجماد، الذي تسبيحه بمجرد وجوده الدال على قدرة موجده ومخترعه. ومن الأمثلة الشعرية قول الخنساء: يذكرني طلوع الشمس صخرًا ... وأذكره بكل غروب شمس فخصت هذين الوقتين بالذكر، وإن كانت تذكره كل وقت، لما في هذين الوقتين من النكتة المتضمنة للمبالغة، في وصفه بالشجاعة والكرم؛ لأن طلوع الشمس وقت الغارات على العدا، وغروبها وقت وقود النيران للقرى. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته، على التنكيت: وآله أمناء الله من شهدت ... لقدرهم سورة الأحزاب بالعظم الشيخ صفي الدين خصص سورة الأحزاب هنا بالذكر؛ لأن فيها تصريحًا بمدح آل البيت ﵈ بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ١ ولولا هذا الاختصاص كانت كغيرها من السور. والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي، ﵀: ففي براءة تنكيت بمدحته ... معناه في الشرح يشفي داء ذي البكم٢ ذكر الشيخ عز الدين، في شرحه، أن النكتة المقصودة في بيته، في سورة براءة، هي قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ٣ وبيت بديعيتي أشير فيه إلى النبي ﷺ : وآله البحر آل إن يقس بندى ... كفوفهم فافهموا تنكيت مدحهم التنكيت، في هذا البيت بديع وغريب في بابه، فإنني خصصت الندى بالذكر عند مقايسته بالبحر، في قولي: إن البحر عند ندى كفوفهم كالآل، والآل هو الذي يحسبه الظمآن ماء، ولو قلت: أنهاركفوفهم أو جداول كفوفهم لسد كل واحد منهما مسده بزيادة زائدة، ولكن في الندى نكتة ليست فيهما، وهي الغلو في أن البحر يصير عند هذا الندى سرابًا، وهذا الذي أوجب تخصيص الندى بالذكر دون غيره، وقد اجتمع في هذا البيت التنكيت الذي هو القصد هنا، والتورية، والغلو، ومراعاة النظير، والجناس، والله أعلم.

стр. 787

ذكر الإرداف: وفي الوغى رادفوا لسن القنا سكنًا ... من العدا في محل النطق بالكلم نوع الإرداف: قالوا إنه هو والكناية شيء واحد. قلت: وإذا كان الأمر كذلك كان الواجب اختصارهما. وإنما أئمة البديع، كقدامة والحاتمي والرماني، قالوا: إن الفرق بينهما ظاهر، والإرداف: هو أن يريد المتكلم معنى، فلا يعبر عنه بلفظه الموضوع له، بل يعبر عنه بلفظ هو رديفه وتابعه، كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ ١ فإن حقيقة ذلك جلست على المكان، فعدل عن اللفظ الخاص بالمعنى إلى لفظ هو رديفه، وإنما عدل عن لفظ الحقيقة، لما في الاستواء الذي هو لفظ الإرداف، من الإشعار بجلوس متمكن لا زيغ فيه ولا ميل، وهذا لا يحصل من لفظ جلست وقعدت، ومن الأمثلة الشعرية على الإرداف قول أبي عبادة البحتري يصف طعنة: فأوجرته أخرى فأحللت نصلها ... بحيث يكون اللب والرعب والحقد ومراده القلب، فذكره بلفظ الإرداف، والفرق بين الإرداف وبين الكناية أن الإرداف قد تقرر أنه عبارة عن تبديل الكلمة بردفها، والكناية هي العدول عن التصريح بذكر الشيء إلى ما يلزم؛ لأن الإرداف ليس فيه انتقال من لازم إلى ملزوم، والمراد بذلك انتقال المذكور إلى المتروك كما يقال: فلان كثير الرماد، ومراده نقله إلى ملزومه، وهي كثرة الطبخ للأضياف.

стр. 788

وبيت الشيخ صفي الدين -رحمه الله تعالى- على الإرداف قوله: بقتبة أسكنوا أطراف سمرهم ... من الكماة محل الضغن والأضم١ الشيخ صفي الدين زاحم البحتري في بيته، إلى أن نزع قلبه من صدره، بل جل قصده في إردافه هنا القلب وكان الواجب العدول عنه لشهرته في هذا الباب عند أهل البديع. والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي: للطعن والضرب إرداف يحل به ... في موضع العقل يحكيه ذوو الحكم وبيت بديعيتي، قلت قبله عن آل النبي ﷺ مشيرًا إلى الغلوّ في كرمهم: وآله البحر آل أن يقس بندى ... كفوفهم فافهموا تنكيت مدحهم وأردفته بقولي في الشجاعة: وفي الوغى رادفوا لسن القنا سكنا ... من العدا في محل النطق بالكلم انظر أيها المتأمل في بديع هذا الإرداف الغريب الذي ميزته على أقرانه من البحتري إلى الشيخ عز الدين، بحسن مراعاة النظير الذي أسكنت به الألسنة بالأفواه، بقولي: في محل النطق بالكلم، مع التورية بتسمية النوع، والله سبحانه أعلم.

стр. 789

ذكر الإيداع: وأودعوا للثرى أجسامهم فشكت ... شكوى الجريح إلى العقبان والرخم١ هذا النوع أعني الإيداع، يغلب عليه التضمين، والتضمين غيره، فإنه معدود من العيوب، والعيب المسمى بالتضمين هو أن يكون البيت متوقفًا في معناه على البيت الذي بعده، كقول النابغة: وهم وردوا الجفار على تميم ... وهم أصحاب يوم عكاظ إني شهدت لهم مواطن صادقات ... أنبئهم بود الصدر مني والإيداع الذي نحن بصدده: هو أن يودع الناظم شعره بيتًا من شعر غيره، أو نصف بيت أو ربع بيت، بعد أن يوطئ له توطئة تناسبه بروابط متلائمة، بحيث يظن السامع أن البيت بأجمعه له. وأحسن الإيداع ما صرف عن معنى غرض الناظم الأول، ويجوز عكس البيت المضمن، بأن يجعل عجزه صدرًا أو صدره عجزًا، وقد تحذف صدور قصيدة بكمالها وينظم لها المودع صدورًا، لغرض اختاره وبالعكس. وقد تقدم وتقرر أن الأحسن، في هذا الباب، أن يصرف الشاعر ما أودعه في شعره عن معناه الذي قصد صاحبه الأول، ويجوز تضمين البيتين بشرط أن ينقلهما من معناهما الأول إلى صيغة أخرى، كما حكي أن الحيص بيص قتل جرو كلب وهو سكران، فأخذ بعض الشعراء كلبة وعلق في رقبتها قصة وأطلقها عند باب الوزير، فإذا فيها مكتوب: يا أهل بغداد إن الحيص بيص أتى ... بخزية ألبسته العار في البلد

стр. 790

أبدى شجاعته بالليل مجترئًا ... على جريّ ضعيف البطش والجلد١ فأنشدت أمه من بعد ما احتسبت ... دم الأبليق عند الواحد الأحد٢ أقول للنفس تأساء وتعزية ... إحدى يدي أصابتني ولم ترد كلاهما خلف من بعد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي البيتان الأخيران لامرأة من العرب قتل أخوها ابنها، فقالت ذلك تسلية. ومنهم من أودع شعره بيتين، وكل بيت منهما لشاعر، كقول القاضي شهاب الدين محمود: وبتنا على حكم الصبابة مطعمي ... زفيري وأشجاني وشربي المدامع وخلي يعاطيني كئوس ملامة ... وينشدني والهم للقلب صادع أتطمع من ليلى بوصل وإنما ... تقطع أعناق الرجال المطامع فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع البيت الأخير للنابغة، قلت غاية الأوائل أن ينقلوا المعنى الأول في الإيداع إلى معنى آخر، إن كان في بيتين أو بيت واحد أو نصف بيت، ولكن الفرقة التي مشت تحت العلم الفاضلي، وتحلت بالقطر النباتي وهلم جرًا، لم يرضوا بنقله مجردًا من التورية أو ما يناسبها من أنواع البديع، ومما يؤيد قولي هذا قول القاضي جلال الدين القزويني، في التلخيص وأحسنه ما زاد على الأصل بنكتة، كالتورية والتشبيه، وممن أبدع في نقله إلى التورية علامة هذا الفن، الشيخ جمال الدين بن نباتة -رحمه الله تعالى- بقوله: أتاني على البانياسيّ منشدًا ... فيا لك من شعر ثقيل مطوّل مكر مفر مقبل مدبر معًا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل ومثله قوله في مليح اسمه حبيب وهو: حبيب حبيب القلب أخلى منيزلًا ... به كان في عرس المسرة ينجلي فيا صاحبي الذكر قد لذ بالبكا ... قفا نبك من ذكري حبيب ومنزل وما يشك من عنده ذوق أن المقطوعين في الإيداع تميز المحاسن التورية، وغريب النقل إلى غرض كل من الناظمين وكذلك تقطيع أعناق الرجال، في إيداع الشهاب محمود، فإنهم نقلوه إلى الصفع، وجاءت توريته في غاية الحسن، وهذا هو المذهب

стр. 791

الذي انتهت غايات المتأخرين إليه، ومن ذلك قول الشيخ جمال الدين بن نباتة أيضًا وهو: أقول لمعشر جلدوا ولاطوا ... وباتوا عاكفين على الملاح ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح وقولي: ومذ كلمت قلبي سيوف لحاظها ... شكوت إليها قصتي وهي تبسم فلم أر بدرًا ضاحكًا قبل وجهها ... ولم تر قبلي ميتًا يتكلم وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة: دنوت إليها وهو كالفرخ راقد ... فيا خجلتي لما دنوت وإذلالي فقلت امعكيه بالأنامل فالتقى ... لدى وكرها العناب والحشف البالي١ وقولي طاول الليل بالذؤابة قبس ... وتثنى عجبًا بلطف وكيس٢ فحلا لي السهاد مذ طال ليلي ... يا خليليّ من ذؤابة قيس وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة: تصدى إلى أيري فقلت له اتئد ... وحقك لو عاينته وهو ثائر٣ رأيت الذي لاكله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أن صابر وأنشدني، من لفظه لنفسه الكريمة، مولانا المقر الأشرف المرحومي القاضوي الناصري محمد بن البارزي الجهني الشافعي، صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية المحروسة، كان، تغمده الله برحمته، ما اختلف هو والشيخ جمال الدين بن نباتة في إيداعه واتفقا في معناه، والمعنى في البيتين المذكورين قبل. وأما الترشيح فعندي أن التورية في بيتي المقر الناصري أرجح، وهما قوله: أقول وقد أبى عن أخذ أيري ... وسالت من محاجره دموع إذا لم تستطع شيئًا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع

стр. 792

الذي ترجع عندي أن قوله: وجاوزه أعقد من قول الشيخ جمال الدين: لا كله، والذي أقوله: إن كلًّا منهما في بابه بديع وغريب، وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة: لم أنس موقفنا بكاظمة ... والعيش مثل الدار مسود والدمع ينشد في مسائله ... هل بالطلول لسائل ردّ ومثله قولي: قف واستمع طربًا فليلى في الدجى ... باتت معانقتي ولكن في الكرى وجرى لدمعي رقصة بخيالها ... أترى دري ذاك الرقيب بما جرى ومن إيداعاتي الغريبة قولي من إعجاز الملحة: تنكر الحال علينا عندما ... سال عليه العارض المسلسل فعنه سلني إن ترد تعريفه ... فإنه منكر يا رجل ومما انفرد به الشيخ جمال الدين بن نباتة -رحمه الله تعالى- تضمين أعجاز الملحة، والذي يؤيد انفراده حسن تخلصه من الغزل، وهو ماش على التضمين، إلى مدح قاضي القضاة، ولم يزل مستمرًا على غرر المدائح اللائقة بالقاضي إلى حسن الختام. وضمن الشيخ زين الدين بن الوردي نبذة من أعجاز الملحة، ولم يفرغها في غير قوالب الغزل، فإن التخلص من الغزل إلى المدح من المستحيلات في هذا الباب، ولكن الشيخ جمال الدين بن نباتة كان في ذلك العصر نسيج وحده، ومن المعلوم أن الجماعة مثل الشيخ زين الدين بن الوردي، والشيخ صلاح الدين الصفدي، والشيخ برهان الدين القيراطي، وغيرهم ممن عاصره، ما منهم إلا من تطفل على موائد حلاواته النباتية. وقد عنَّ لي أن أورد هنا نبذة من التضمين للشيخين، وأجعل كلًّا من أبيات الشيخين وقفًا محبسًا على أصحاب الذوق السليم. قال الشيخ جمال الدين في المطلع: صرفت فعلي في الأسى وقولي ... بحمد ذي الطول الشديد الحول١ وقال الشيخ زين الدين ﵀ تعالي- في المطلع: يا سائلي عن الكلام المنتظم ... هو الذي في لفظ من أهوى قسم هذا المطلع من إيداع الذي قصر فيه باع الشيخ زين الدين بن الوردي، فإنه صدر

стр. 793

مطلعه بالصدر وهو جائز، ولكنه غير المراد، فإن الشيخ جمال الدين تقدمه بتضمين الإعجاز ونسج إبداعه على هذا المنوال، ومن أغزال الشيخ جمال الدين البديعة في هذا الباب قوله: أفدي غزالًا مثلوا جماله ... في مثل قد أقبلت الغزاله ما قال مذ ملك قلبي واسترق ... كقولهم رب غلام لي أبق١ للقمرين وجهه مطالع ... فهي ثلاث ما لهن رابع لأحرف الحسن على خديه خط ... وقال قوم إنها اللام فقط منفرد بالوصل في دار الهنا ... مثاله الدار وزيد وأنا لا يختشي تلاعب الظنون ... والأمر مبني على السكون في خده التبري هان نشبي ... وقيمة الفضة دون الذهب٢ فاصرف عليه ثروة تسام ... فما على صارفها ملام وإن رأيت قدّه العالي فصف ... وقف على المنصوب منه بالألف والعارض النوني ما أنصفته ... وإن تكن باللام قد عرّفته واهاله من حرف نون قد عرف ... كمثل ما تكتبه لا يختلف يأتي بنقط الخال في الإعجام ... وتارة يأتي بمعنى اللام للحظه المسكر فعل يطرب ... مفعوله نحو سقى ويشرب ولا تلم فيه عويشقًا تلف ... ولا سكيران الذي لا ينصرف جسمي وذاك الخصر والجفن الدنف ... هن حروف الاعتلال المكتنف٢ فيا مليحًا عنه أخرت القمر ... أما لا هوان وإما لصغر كرر فما أحلى بسمعي السامي ... قولك يا غلام يا غلامي وارفق بمضناك فما سوى اسمه ... ولا تغير ما بقي من رسمه وقد حكى العذار في الوقوف ... فاعطف على سائلك الضعيف وافخر بمعنى لحظك المعشوق ... في كل ما تأنيثه حقيقي يا لك لحظًا بسعاد أزرى ... وجاء في الوزن مثال سكرى يا ناصبًا أوصاف ذياك الصبي ... تم الكلام عنده فلتنصب هيهات بل دع عنك ما أضنى وما ... وعاص أسباب الهوى لتسلما

стр. 794

وكرر الأمداح في علي ... قاضي القضاة الطاهر النقي بكل معنى قد تناهى واستوى ... في كلم شتى رواها من روى بادر بنا ذاك الحمى العالي وصف ... إذا اندرجت قائلًا ولا تقف دونك والمدح زكيًا معجبًا ... نحو لقيت القاضي المهذبا فالجود والعلم عليه أرسي ... وهكذا أصبح ثم أمسي واهرع إلى قارٍ قراه نافع ... وافزع إلى حام حماه مانع١ يقول للضيف نداه جب وجل ... ومثله ادخل وانبسط واشرب وكل وإن ظفرت عنده بموعد ... تقول كم مال أفادته يدي لله ما ألينه عند العطا ... وما أحد سيفه إذا سطا إن قال قولًا بين الغرائبا ... وقام قس في عكاظ خاطبًا وإن سخا أتى على ذي العدد ... والكيل والوزن ومذروع اليد معطل السمع عن العذال ... فما له مغير بحال الفضل جنس بيته المهنا ... ونوعه الذي عليه يبنى سام به أهل العلا جميعًا ... وارفع ولا رد ولا تقريعًا٢ وإن ذكرت أفق بيت قد نما ... فانصب وقل كم كوكب تحوي السما بيت عظيم المجد والعلاء ... عند جميع العرب العرباء٣ إذا اجتليت في العطا جبينه ... أو استثرت للرجا يمينه منها والبيت مضمن بكماله: تقول قد خلت الهلال لائحًا ... وقد وجدت المستشار ناصحًا كم بالغنى عنه تولى راجل ... وواقف بالباب أضحى سائل قال له الشرع امض ما تحاوله ... واقض قضاء لا يرد قائله وأنت يا قاصده سر في جدد ... واسع إلى الخيرات لقيت الرشد٤ ولا تقل كان غمامًا ورحل ... كان وما انفك الفتى ولم يزل باب سواه اهجر عداك عيب ... وصغر الباب وقل بويب أود به أنسى أحاديث المطر ... فليس يحتاج لها إلى خبر

стр. 795

خذ بحر شعر جبته للذكر ... وغصت في البحر ابتغاء الدر حتى ملا عيني نداه عينًا ... وطبت نفسًا إذ قضيت الدينا دونكها معسولة الآداب ... ممزوجة بملحة الإعراب١ مضى بها الليل مضيّ الأنجم ... وبات زيد ساهرًا لم ينم فافتح لها باب القبول تجتلى ... وإن تجد عيبًا فسد الخللا لا زلت مسموع الثنا ذا منن ... جائلة دائرة في الألسن ما لعداك راية تقام ... فليس إلا الكسر والسلام وقال الشيخ زين الدين بن الوردي: في صدغه للحسن آيات تخط ... وقال قوم إنها اللام فقط قلت: الشيخ جمال الدين تقدمه في هذا البيت بالإيداع، وهنا بحث لطيف أبحثه مع حذاق الأدب، قال الشيخ جمال الدين بن نباتة: "لأحرف الحسن على خديه خط" ومراده بذكر الأحرف هنا مخالفة القوم له، على أنها ليست بأحرف وإنما هي حرف اللام فقط. وقال الشيخ زين الدين: "في خده للحسن آيات تخط" فلم يبق لقول من خالفه بقوله. وقال قوم إنها اللام فقط موضع ولا محل، وأين الآيات التي تخط من اللام، ولعمري إن هذا الإيداع، على هذا التقدير، يصير بينه وبين العجز من بيت الملحة بعض مباينة، وكان الأليق للشيخ زين الدين الإعراض عن إيداع هذا البيت بعد الشيخ جمال الدين، فإنه لم يترك لغيره مجالًا فيه، والله أعلم. وقال الشيخ زين الدين بن الوردي، رحمه الله تعالى: زمانه غض فلا يخشى فرط ... إذ أَلِفُ الوصل متى يدرج سقط بسيف حفنه قتلت نفسي ... فإنه ماض بغير لبس٢ فيا غزال إن أبنت ما اعتدى ... فأسقط الحرف الأخير أبدا قلت لمذكر لحي خلّ الفند ... واسع إلى الخيرات لقيت الرشد وهذا الإيداع أيضًا نسخه الشيخ زين الدين من قول الشيخ جمال الدين، وسبكه في غير قالبه، وأين هذا من قول الشيخ جمال الدين في إشاراته إلى قاصد ممدوحه: وأنت يا قاصده سر في جدد ... واسع إلى الخيرات لقيت الرشد

стр. 796

قال الشيخ زين الدين: وإن يكن عدلك في المؤنث ... فقل لها خافي رجال العبث منها وأجاد إلى الغاية: قوامه أشبه شيء بالألف ... كمثل ما تكتبه لا يختلف ومثله في الحسن قوله: يا خصره من ردفه بالمنح ... ولا تسل أخف وزنًا أم رجح تركيب هذا البيت غاية في هذا الباب؛ لأنه قدم ذكر الألف في الأول، وقال في عجز بيت الملحة كمثل ما تكتبه لا يختلف، بخلاف قوله في ذلك البيت آيات، وقوله في عجز بيت الملحة. وقال قوم إنها اللام فقط وقال: عذاره الرقيم فز بلثمه ... ولا تغير ما بقي من رسمه١ ولكن مرسوم الشيخ جمال الدين أمثل، وأين قول الشيخ جمال الدين: "وارفق بمضناك فما سوى اسمه" حتى يقول بعد التوطئة: "ولا تغير ما بقي من رسمه". من قول الشيخ زين الدين: "عذاره الرقيم فز بلثمه". وقال الشيخ زين الدين بعد بيته الأول: تقول فيه خضرة يسيره ... كما تقول ناره منيره دينار وجهه به شححت ... وكم دنينير به سمحت٢ يا ليته يعطف بالوصال ... والعطف قد يدخل في الأفعال لا ما حلا لي في هواه العذل ... لشبهه الفعل الذي يستقبل منها وأجاد: عيناه أفنت أكثر العشاق ... وهكذا تفعل في البواقي في ثغره جواهر غوالي ... جلوتها منظومة اللآلي صورته كالبدر فوق الغصن ... فانظر إليها نظر المستحسن وخل عنك يا عذول العذلا ... وإن تجد عيبًا فسد الخللا وهذا البيت أيضًا منسوخ من إيداع الشيخ جمال الدين، والبون بينهما بعيد، فإن

стр. 797

الشيخ جمال الدين اعتذر للممدوح في آخر القصيدة، عن التقصير، كما جرت عادة الشعراء بقوله: فافتح لها باب القبول تجتلى ... وإن تجد عيبًا فسد الخللا هذا، مع مطابقة الفتح بالسد في هذا الباب، وهذا غاية، وأما اعتذار الشيخ زين الدين للعاذل، وقوله له عن محبوبه: "وإن تجد عيبًا فسد الخللا" فالمحبوب عند محبه أجل من هذا القدر، والله أعلم، وختام الشيخ زين الدين بن الوردي ﵀ قوله: حتى رثى لي وألان القولا ... والحمد لله على ما أولى ولعمري إني اختصرت من إيداع الشيخ زين الدين بن الوردي جانبًا لم أرضه له. ومن الإيداعات التي برز فيها الشيخ زين الدين بن الوردي، قصيدته التي امتدح بها النبي ﷺ وضمن فيها أعجاز قصيدة أبي العلاء المعري وبعض صدورها، وهي القصيدة الرائية التي امتدح بها أبو العلاء المعري ابن القصيصي، ونقلها الشيخ زين الدين بن الوردي إلى مستحقها ﷺ ، وقد عنَّ لي أن أجمع هنا بين الأصل والفرع، لتظهر مزية الشيخ زين الدين، فإنه أظهر في إيداعه العجائب وأتى بالغرائب، ومطلع الشيخ زين الدين خال من الإيداع، وهو: أدر أحاديث سلع والحمى أدر ... والهج بذكر اللوى أو بانة العطر١ ومطلع الشيخ أبي العلاء المعري: يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر ... لعل بالجزع أعوانًا على السهر قال الشيخ زين الدين بعد المطلع: وقف على الجزع واذكرني لساكنه ... لعل بالجزع أعوانًا على السهر وقال في إيداع صدر مطلع أبي العلاء: إذا تبسم ليلًا قل لمبسمه ... يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر قال أبو العلاء يخاطب البرق: وإن بخلت على الأحياء كلهم ... فاسق المواطرَ حيًّا من بني مطر

стр. 798

وقال أبو العلاء، في قصر الليل على العاشق ليلة الوصل: يود أن ظلام الليل دام له ... وزيد فيه سواد القلب والبصر نقله الشيخ زين الدين إلى المديح، وأجاد إلى الغاية، بقوله عن النبي ﷺ : تشرف الركن إذا قبلت أسوده ... وزيد فيه سواد القلب والبصر قال أبو العلاء: لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر فنقله الشيخ زين الدين إلى المديح النبوي، فقال يخاطب النبي، ﷺ : عذبت وردًا فلم تهجر على خصر ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر١ قال أبو العلاء يخاطب محبوبته: قلدت كل مهاة عقد غانية ... وفزت بالشكر في الآرام والعفر٢ نقله الشيخ زين الدين إلى المديح النبوي، وما أحق المادح والممدوح به، فقال: إن الغزالة لما أن شفعت نجت ... وفزت بالشكر في الأرآم والعفر قال الشيخ أبو العلاء: أقول والوحش ترميني بأعينها ... والطير تعجب مني كيف لم أطر نقله الشيخ زين الدين وقال: ضمنت مدح رسول الله مبتهجًا ... والطير تعجب مني كيف لم أطر قال أبو العلاء: في بلدة مثل ظهر الضب بت بها ... كأنني فوق روق الظبي من حذر٣ نقله الشيخ زين الدين وقال: ولي ذنوب متى أذكر سوالفها ... كأنني فوق روق الظبي من حذر

стр. 799

قال أبو العلاء يخاطب صاحبيه: لا تطويا السير عني يوم نائبة ... فإن ذلك ذنب غير مغتفر قال الشيخ زين الدين بعد قوله: ولي ذنوب: ومطمعي أنها لا شراك "إلا" بشركها ... فإن ذلك ذنب غير مغتفر قال أبو العلاء: يا روع الله سوطي كم أروع به ... فؤاد وجناء مثل الطائر الحذر١ نقله الشيخ زين الدين وقال: ولي فؤاد متى تفخر سوى مضر ... فؤاد وجناء مثل الطائر الحذر قال أبو العلاء في المخلص، بعد روع الوجناء: باهت بمهرة عدنانا فقلت لها ... لولا القصيصيّ كان المجد في مضر قال الشيخ زين الدين لله دره: والله لو أن أهل الأرض قاطبة ... مثل القصيصيّ كان المجد في مضر قال أبو العلاء مشيرًا إلى ممدوحه، وأساء الأدب: وقد تبين قدري أن معرفتي ... من تعلمين سيرضيني عن القدر نقله الشيخ زين الدين بن الوردي إلى المديح النبوي، وقال بحق: يا نفس لا تيأسي يوم المعاد فلي ... من تعلمين سيرضيني عن القدر قال أبو العلاء، وكذب عن القصيصي في قوله: ولو تقدم في عصر مضى نزلت ... في وصفه معجز الآيات والسور نقله الشيخ زين الدين إلى المديح النبوي، وقال ﵀ حيث قال: وأين شعري من الهادي الذي نزلت ... في وصفه معجزات الآي والسور

стр. 800

قال الشيخ أبو العلاء يخاطب ممدوحه: وافقتهم في اختلاف من زمانكم ... والبدر في الوهن مثل البدر في السحر١ نقله الشيخ زين الدين إلى المديح النبوي، وقال يخاطب النبي ﷺ وسبى العقول بقوله: وأنت في القبر حي ما اعتراك بلى ... والبدر في الوهن مثل البدر في السحر قال أبو العلاء يخاطب ممدوحه: أعاذ مجدك عبد الله خالقه ... من أعين الشهب لا من أعين البشر والبيت نقله الشيخ زين الدين إلى المديح النبوي بكماله، ولكن كان فارس ميدانه وقائد عنانه، وكأنه كان معدًّا لقصيدته حتي يبرزه في محله من مديح النبي ﷺ وهو: لله قولي لعبد الله والده ... قولًا إلى فص علياه على قدر٢ أعاذ مجدك عبد الله خالقه ... من أعين الشهب لا من أعين البشر قال أبو العلاء يخاطب ممدوحه: سافرت عنا فظل الناس كلهم ... يراقبون إياب العيد من سفر٣ نقله الشيخ زين الدين إلى المديح، فقال يخاطب النبي، ﷺ : كم راقبت أمم منك القدوم كما ... يراقبون إياب العيد من سفر قال أبو العلاء يخاطب الممدوح: لو غبت شهرك موصولًا بتابعه ... وأُبت لانتقل الأضحى إلى صفر٤ قال الشيخ زين الدين يخاطب النبي، ﷺ : سل تعط واشفع تشفع ما ترده يكن ... لو شئت لانتقل الأضحى إلى صفر

стр. 801

قال أبو العلاء في ختام قصيدته: ولا تزال بك الأيام ممتعة ... بالآل والحال والعلياء والعمر١ قال الشيخ زين الدين في ختامه: وارتجي بك من ذي العرض عافية ... في الآل والحال والعلياء والعمر رحم الله الشيخ زين الدين، هذه القصيدة معدودة من محاسنه، ولولا خشية الإطالة لاستوعبتها بكمالها، فإنها بديعة في باب الإيداع. انتهى. وأما أعجاز قصيدة امرئ القيس اللامية المعلقة، فإن جماعة من أهل الأدب ثابروا على تضمينها وتضمين البعض منها، وسبكوها في قوالب مختلفة الأنواع. كتب إلَيّ مولانا قاضي القضاة، صدر الدين بن الآدمي الحنفي -سقى الله ثراه- من دمشق المحروسة إلى حماة المحروسة، في صدر رسالته: أحن إلى تلك السجايا وإن نأت ... حنين أخي ذكرى حبيب ومنزل وأهدي إليها من سلامي معطرًا ... بمسكٍ سحيق لا بريّا القرنفل٢ وأذكر ليلات بكم قد تصرّمت ... بدار حبيب لا بدارة جلجل٣ شكوت إلى صبري اشتياقي فقال لي ... ترفق ولا تهلك أسى وتجمل وقلت له إني عليك معول ... وهل عند رسم دارس من معول٤ فأجبته وصدرت الرسالة بقولي: سرت نسمة منكم إلَيّ كأنها ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل فقلت لليلي مذ بدا صبح طرسها ... ألا أيها الليل الطويل ألا انجلِ جنت ما حلا ذوقًا فقلت تقربي ... ولا تبعدينا عن جناكِ المعلل ورقت فأشعار امرئ القيس عندها ... كجلمود صخر حطه السيل من علِ فقلت قفا نضحك لرقتها على ... قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

стр. 802

وتطارح الشيخ جمال الدين، والشيخ صلاح الدين قبلنا، في جانب كثير منها، ولكن الشيخ جمال الدين تنازل فيها إلى الغاية فقال: رأى فرسي إصطبل عيسى فقال لي ... قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل وأما الشيخ صلاح الدين فإنه كتب إلى الشيخ جمال الدين، في معنى العتب المفرط: أفي كل يوم منك عتب يسوؤني ... كجلمود صخر حطه السيل من عل وترمي على طول المدى متجنيًا ... بسهميك في أعشار قلب مقتل١ فأمسى بليل طال جنح ظلامه ... عليّ بأنواع الهموم ليبتلي وأغدو كأن القلب من وقدة الجوى ... إذا جاش فيه حميه غلي مرجل٢ تطير شظاياه بصدري كأنها ... بأرجائه القصوى أنابيش عنصل٣ وسالت دموعي من همومي ولوعتي ... على النحر حتى بل دمعي محملي إذا عاين الأخوان ما بي من الأسى ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل ترفق ولا تجزع على فائت الوفا ... فما عند رسم دارس من معول ولي فيك ود طال ما قد شددته ... بأمراس كتان إلى صم جندل٤ ولي خطرات فيك منها جوانحي ... صبحن سلافًا من رحيق مفلفل كأن أمانيها كئوس مدامة ... غذاها نمير الماء غير محلل٥ سلوت غوايات الشبيبة والصبا ... وليس فؤادي عن هواها بمنسلي وأجلو محيا الودّ فيك لأهله ... متي ما ترق العين فيه يسهل فكر على جيش الجناية عائدًا ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل٦ تجد خفرات الأنس منها كواعبًا ... ترائبها مصقولة كالسجنجل٧

стр. 803

وخل الجفا وارجع إلى معهد الوفا ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجمل١ حلا ودك الماضي وإن لم تعد أعد ... لدى سمرات الحي ناقف حنظل٢ فأجابه الشيخ جمال الدين متهكمًا في المطلع، والتهكم فيه غاية لا تكاد تخفى على حذاق الأدب، بقوله: فطمت ولائي ثم أقبلت عاتبًا ... أفاطم مهلًا بعض هذا التدلل بروحي ألفاظ تعرض عتبها ... تعرض أثناء الوشاح المفصل فأحييت ودًّا كان كالرسم عافيًا ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل٣ تعفي رياح العذر منك رقومه ... لما نسجتها من جنوب وشمأل٤ نعم قوّضت منك المودة وانقضت ... فيا عجبًا من رحلها المتحمل أمولاي لا تسلك من الظلم والجفا ... بنا بطن خبت ذي قفاف عقنقل٥ ولا تنس مني صحبة تصدع الدجى ... بصبح وما الإصباح مني بأمثل صحبتك لا ألوي على صاحب عطا ... بجيد معم في العشيرة مخول٦ وحاولت من إدناء ودك ما نأى ... فأنزلت فيه العصم في كل منزل يقلب لي وجدي به سوط سائق ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل٧ وكم خدمة عجلتها ومحبة ... تمتعت من لهو بها غير معجل وكم أسطر مني ومنك كأنها ... عذاري دراري في ملاء مذيل٨ وقلب خليل ينشد الودّ همه ... ألا أيها الليل الطويل ألا انجلِ

стр. 804

وكم ناصح كذبت دعواه إذ غدت ... عليّ وآلت حلفة لم تحلل١ ولحية لاح غاظها ضحكي على ... أثيث كقنو النخلة المعثكل٢ ترى بعر الآرام في عرصاتها ... وقيعانها كأنه حب فلفل نزعت لسكري ساحبًا من صبابتي ... على إثرها أذيال مرط مرحل٣ إلى أن تبدى عذره متمطيًا ... وأردف أعجازًا وناء بكلكل٤ فلاطفته في حالتيه ولم أقل ... فسلي ثيابي من ثيابك تنسل وضن بأسطار كأن يراعها ... أساريع ظبى أو مساويك إسحل٥ ويقرع سمعي من معاريض لفظه ... مداك عروسك أو صلاية حنظل٦ وعدنا لود يملأ القلب عوده ... بشحم كهداب الدمقس المفتل أعدت صلاح الدين عهد مودة ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل٧ فدونك عتبي اللفظ ليس بفاحش ... إذا هي نصته ولا بمعطل٨ وعادات حب هن أشهر فيك من ... قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل والذي أقوله: المهيع الذي اخترعه الصاحب فخر الدين بن مكانس، ومشى عليه في تضمين هذه المعلقة، يعد من المعلقات في بابه، فإنه ضمنها في مداعبة رجل من أصحابه، كان كبير الأنف وأتى بما لا اختلج في صدر متأدب، ولا سمع بعده المرقص والمطرب، وهو قوله: تأنف عن وصف الغزال تغزلي ... بلحية أنف ذي عقاص ومرسل انظر أيها المتأدب ما ألطف تأنف هنا، وألطف منه قوله بلحية أنف، فإن العقاص

стр. 805

جمع عقيصة وهو ما جمع من الشعر، والمرسل الشعر المسرح، ومراده أن لحية هذا الأنف غزيرة الشعر مسرحة وقال مشيرًا إليها: من البقّ فيها جملة قد تعرضت ... تعرض أثناء الوشاح المفصل١ فيا قبح شعر فوق أنف معرقص ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل٢ الأثيث الكثير، والمتعثكل الذي دخل بعضه في بعض لكثرته وتدلى وهكذا قنو النخلة الذي شبه به الصاحب فخر الدين هذا الأنف، ولعمري إن هذا الإيداع من السحر في نقله إلى هذه الصفة الغريبة وقال بعده: وقالوا اختبا في شعره فكأنه ... كبير أناس في بجاد مزمل هذا التشبيه بالنسبة إلى كبر الأنف نوع من الغلوّ، وهو من المخترعات في بابه، فإن امرأ القيس شبه به جبل ثبير فقال: كأن ثبيرًا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل والعرانين جمع عرنين وهو الأنف، والوبل ما عظم من المطر، والبجاد كساء مخطط من الشعر الأبيض والأسود، فنقله الصاحب فخر الدين في إيداعه إلى الأنف، لما فيه من الشعر الأبيض والأسود الذي انتسج في أنفه كالبجاد، ولما اختفى في ذلك الشعر، بكبير أناس في بجاد مزمل أي ملتف، وقد تقدم قولي إنه من المخترعات. مقلص كلتا الجانبين كأنه ... لدى سمرات الحي ناقف حنظل وهذا التشبيه أيضًا من العجائب، فإن هذا الأنف لم يبرح سائلًا، فشبهه الصاحب برجل ناقف حنظل، فإن ناقف الحنظل كثير الدمع لشدة حرارته. وقال: ترى القمل والصيبان في عرصاته ... وقيعانه كأنه حب فلفل٣ وفي جوفه شعر طويل كأنه ... بأرجائه القصوى أنابيش عنصل فيا لك شعرًا فوق أنف معظم ... يلوح كهداب الدمقس المفتل وكم قلت إذ أرخى ذوائب أنفه ... عليّ بأنواع الهموم ليبتلي ألا أيها الليل الطويل ألا انجلِ ... بصبح وما الإصباح منك بأمثلِ

стр. 806

الصاحب فخر الدين ﵀ ضمن هنا عجزًا وبيتًا كاملًا بنصف بيت واحد، وفي هذا من الروية والقوة ما يزيد على الوصف، وأما قوله بعدما أرخى هذا الرجل ذوائب أنفه: ألا أيها الطويل ألا انجل، فإن هذا نوع من السحر بل السحر بعينه، ومن المبالغة المفرطة في هذا الباب قوله: كأن الفسا إن قس مع ريح أنفه ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل١ ترى شعرات الأنف سدت خدوده ... لما نسجتها من جنوب وشمأل وقد درست بالأنف آثار وجهه ... فهل عند رسم دارس من معوّل كأني بمولانا على وصف أنفه ... تولى بأعجاز وناء بكلكل وجرد شعر الأنف منه وجاءنا ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل مكر مفر مقبل مدبر معًا ... كجلمود صخر حطه السيل من علِ هذا الذي وقع عليه الاختيار من اختراع الصاحب فخر الدين -تغمده الله برحمته ورضوانه- ولعمري إنه من الاختراع الذي لم يسبق إليه، ولا حام فكر من قبله عليه، انتهى. وكان الأمير مجير الدين بن تميم يجنح إلى نوع الإيداع كثيرًا، وأتى فيه بالعجائب والغرائب، وقال من شغفه بالتضمين: أطالع كل ديوان أراه ... ولم أزجر عن التضمين طيري أضمن كل بيت فيه معنى ... فشعري نصفه من شعر غيري ومن تضامينه: أفدي الذي أهوى بفيه شاربًا ... من بركة راقت وطابت مشرعًا أبدت لعيني وجهه وخياله ... فأرتني القمرين في وقت معًا وله أيضًا: وشبابة قد كنت أهوى سماعها ... وقد صرت منها بعدما تبت أنفر٣ وها أنا قد فارقتها غير نادم ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفر

стр. 807

وأورد العميان في شرح بديعيتهم بيتين ذكروا أن تضمينهما لبعض المتقدمين المغاربة، وهما على طريقتهم، ولكن أعجباني، وهما: وفرع كان يوعدني بأسر ... وكان القلب ليس له قرار فنادى وجهه لا خوف فاسكن ... كلام الليل يمحوه النهار ومن التضامين البديعة قول زكي الدين بن أبي الأصبع، وقد جعل مطلع أبي الطيب عجزين لبيتين، فلم يلحق فيهما، فإنه نقلهما من فخامة التحمس إلى زخارف الغزل بقوله: إذا الوهم أبدى لي لماها وثغرها ... تذكرت ما بين العذيب وبارق ويذكرني من قدها ومدامعي ... مجرّ عوالينا ومجرى السوابق ومن تضامين ابن تميم: عاينت في الحمام أسود واثيًا ... من فوق أبيض كالهلال المسفر١ فكأنما هو زورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر وقال في الفانوس: يقول لي الفانوس حين أتوا به ... وفي قلبه نار من الوجد تسعر خذوا بيدي ثم اكشفوا الثوب تنظروا ... ضنى جسدي لكنني أتستر وله: أزهر اللوز أنت لكل زهر ... من الأزهار يأتينا إمام لقد حسنت بك الأيام حتى ... كأنك في فم الدهر ابتسام وقال: لو كنت إذ أبصرتها موارة ... للشمس في أمواهها لألاء٢ لرأيت أعجب ما ترى من بركة ... سال النضار بها وقام الماء وقال غيره، وسبكه في غير هذا القالب: لو كنت في الحمام والحنا على ... أعطافه ولجسمه لألاء لرأيت ما يسبيك منه بقامة ... سال النضار بها وقام الماء

стр. 808

وقال: يا من يقول بأن رشـ ... ـف لمى الحبائب لم يرق وغدا يعنفني به ... دع عنك تعنيفي وذق وقال: لما رأيت البدر في ساعدي ... ونرجس الأنجم قد صوّحا١ أفنيت رشفًا فيه ريق الدجى ... من قبل أن ترشف شمس الضحى وقوله: صهباء ريقته رشفت سلافها ... وتغلبت فعجزت أن أتكلما وإذا سئلت أقل لمن هو سائل ... إني لأعلم ما تقول وإنما٢ ومن محاسن الشيخ سراج الدين الوراق قوله: توارت من الواشي بليل ذوائب ... له من جبين واضح تحته فجر فدل عليها شعرها بظلامه ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر نقله الشيخ شمس الدين بن الصائغ إلى المداعبة، وزاده تورية، بقوله: تطلبت حجرًا في الظلام فلم أجد ... ومن يك مثلي حية دأبة الحجر٣ فناداني البدر الأديب إلى هنا ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر ويعجبني من تضمين ابن أبي الأصبع قوله، وهو منقول من الحماسة إلى الغزل: له من ودادي مثل كفيه صافيًا ... ولي منه ما ضمت عليه الأنامل ومن قده الزاهي ونبت عذاره ... صدور رماح أشرعت وسلاسل وقوله: هذا الذي أنا قد سمحت بحبه ... كرمًا بلؤلؤ دمعي المتنظم لا تحرموني ضم أسمر قدّه ... ليس الكريم على القنا بمحرم ومن تضامين الشيخ محمود البديعة قوله: من حاتم عدّ عنه واطرح فيه ... في الجود لا بسواه يضرب المثل لو مثل الجود سرحًا قال حاتمهم ... لا ناقة لي في هذا ولا جمل٤

стр. 809

ومن محاسن تضامين شمس الدين محمد بن العفيف البديعة قوله: قالوا غدا تندم عن لثمه ... في خده إذ يغلب السكر فقال لي مبسمه دعهم ... اليوم خمر وغدًا أمر١ وقال: جلا ثغرًا وأطلع لي ثنايا ... يسوق بها المحب إلى المنايا وأنشد ثغره يبغي افتخارًا ... أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ومن تضامين مجير الدين بن تميم التي تطفل الناس عليها بعده قوله: إن تاه ثغر الأقاحي إذ تشبهه ... لله حبك واستولى به الطرب فقل له عندما يحكيه مبتسمًا ... لقد حكيت ولكن فاتك الشنب٢ ومن تضامين القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر البديعة قوله: وناطقة بالروح عن أمر ربها ... تعبر عما عندها وتترجم سكتنا وقالت للقلوب فأطربت ... فنحن سكوت والهوى يتكلم ومن تضامين الشيخ صلاح الدين الصفدي قوله: ملكت كتابًا أخلق الدهر رسمه ... وما أحد في دهره بمخلد إذا عاينت كتبي الجديدة جلده ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد وقال: قل للرقيب يسترح من عذلي ... ما أصبح المعشوق عندي مشتهى وارتد قلبي عن سيوف لحظه ... وكل شيء بلغ الحد انتهى وقال مضمنًا ومكتفيًا: رشفت ريقك حلوًا ... فلم يكن لي صبر وسوف أحظى بوصل ... وأوّل الغيث قطر ومن تضامين الشيخ عز الدين الموصلي: وعلق يرى للترك فيه تحمس ... يقود عليه أحدب ويعاشره٣ إذا جاءه اللوطي يطلب وصله ... ثنى طرفه نحو الحسام يشاوره

стр. 810

وله أيضًا: جاد لنا كالشادن الربيب ... لحظته بالنظر المريب فقال في السكرة عند نومه ... يا رب سلمها من الدبيب١ وقال: نادمت قومًا لا خلاق لهم ولا ... ميل إلى طرب ولا سمار يستيقظون إلى نهيق حميرهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار وقال: لحديث نبت في العذار حلاوة ... وطلاوة هامت بها العشاق فإذا نهاني المرد قلت تمهلوا ... فإليكم هذا الحديث يساق٢ ومن تضامين الشيخ برهان الدين المعمار التي أجاد فيها قوله: عزمت على رقيى محاسن وجهه ... بأنوار آيات الضحى حين أقبلا فلما بدا يفتر عن نظم ثغره ... بدأت ببسم الله في النظم أوّلا٣ وكتب الشيخ شرف الدين عبد العزيز الأنصاري، إلى الشيخ سيف الدين الآمدي: لئن تقدم قوم عصر سيدنا ... فكم تقدم خير المرسلين نبي وإن يكن علمه فرعًا لعلمهم ... فإن في الخمر معنى ليس في العنب وإن أتت قبله كتب مؤلفة ... فالسيف أصدق إنباء من الكتب ومن الغايات في هذا الباب، قول الشيخ بدر الدين بن الصاحب: لله يوم الوفا والناس قد جمعوا ... كالروض تطفوا على نهر أزاهره وللوفاء عمود من أصابعه ... مخلق تملأ الدنيا بشائره ومما جاد به الشيخ برهان الدين القيراطي، في تضمينه: قل في اخضرار عذاره وقوامه ... خلع الربيع على غصون البان وانشر من الأغزال في أردافه ... حللًا فواصلها على الكثبان٤ ومن غايات الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة في هذا الباب قوله: قل للهلال وغيم الأفق يستره ... حكيت طلعة من أهواه بالبلج لك البشارة فاخلع ما عليك فقد ... ذكرت ثم على ما فيك من عوج
следующие страницы →