← Адаб

Адаб · id 8675

خزانة الأدب وغاية الأرب لابن حجة الحموي

الحموي، ابن حجة

Полный текст (986 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

لم أنس بالأمس خبازًا مررت به ... يدحو الرقاقة وشك اللمح بالبصر١ ما بين رؤيتها في كفه كرة ... وبين رؤيتها قوراء كالقمر٢ إلا بمقدار ما تنداح دائرة ... في صفحة الماء يرمى فيه بالحجر٣ وأجمعوا على أن قول أبي الطيب من الاختراعات التي لم يسبق إليها، وهو قوله: حلفت وفيًّا إن رُدِدْت إلى الصبا ... لفارقت شيبي موجع القلب باكيا قلت: أما أبو الطيب فإنه شن الغارات على معاني المتقدمين كثيرًا، وما خفي ما أورده عليه الحاتمي في الحاتمية، وكان قد عنَّ لي أن أورد، في هذا الشرح المبارك -له ولمن تقدمه ولمن تأخر عنه- جملة مستكثرة مما وقع لهم من معانيهم، من سلامة الاختراع بالنسبة إلى اطلاعي، وخفت أن يقع اختياري على معنى أعده لصاحبه من سلامة الاختراع، فيأتي من تبحر في اطلاعه على معنى له لغيره ممن تقدمه، فأضربت عن ذلك وجنحت إلى ذكر ما وقع لي في نظمي، من سلامة الاختراع التي لم أسبق إليها، ولا حام طائر فكر غيري عليها، فمن ذلك قولي من قصيدة رائية: وحمرة الخد أبدت خيط عارضه ... فخلت كأس مدام وهو مشعور٤ ومذ بدت نسمات الثغر باردة ... بدا بإغضاء ذاك الجفن تكسير وقلت منها في وصف القلم: له يراع سعيد في تقلبه ... إن خط خطًّا أطاعته المقادير ومنها: وأشقر يده البيضاء غرته ... له إلى الرزق فوق الطرس تيسير٥ بل أسمر عينه السوداء يلحظها ... وهدب أجفانها تلك المشاعير٦

стр. 842

ومثله قولي من القصيدة: كذا محابره سود العيون فإن ... دنت أياديه فهي الأعين الحور ومنه قولي من قصيدة ميمية: حين قابلت خده بدموعي ... أثرت خلت ثوب خز منمنم١ ومنه قولي في وصف حماة من قصيدة طائية: ينظم بالشطين دور ثمارها ... عقودًا لها العاصي رأيناه كالسمط٢ وقد مد ذاك النهر ساقًا مدملجًا ... وراح بنقش النبت يمشي على بسط٣ لوينا خلاخيل النواعير فالتوت ... وأبدت لنا دورًا على ساقة الشط وقلت من قصيدة أخرى: وعاص رحيب الصدر قد خر طائعًا ... ودولابه كالقلب يخفق في الصدر وقلت من قصيدة أخرى: وهززت فيه كل عود أراكةٍ ... أضحى بهاتيك الثغور مطيبا والمعنى المخترع قولي بعده: ودخلت كل خباء زهر قد غدا ... بدموع أجفان الغمام مطنبا٤ ومن اختراعاتي التي لم أسبق إليها، وسارت الركبان بها قولي في المدائح المؤيدية: فرج على الملجون نظم عسكرا ... وأطاعه في النظم بحر وافر٥ فانبت منه زحافه في وقعة ... يا من بأحوال الوقائع شاعر٦ وجميع هاتيك البغاة بأسرهم ... دارت عليهم من سطاك دوائر والمعنى المخترع فيها قولي: وعلى ظهور الخيل ماتوا خيفة ... فكأن هاتيك السروج مقابر

стр. 843

ومنها في سلامة الاختراع قولي: وإذا مددت يراع رمحك ماله ... إلا قلوب الدارعين محابر١ ونعال خيلك كالعيون ومالها ... إلا جماجم من قتلت محاجر ومنه قولي متغزلًا في مليح مشطوب: بالصدع أبدى شطبة ... من شكله محوّط٢ سألته عن أمرها ... فقال زاد اللغط٣ قلتم بدا لي عارض ... مشكل منقط جئت شطبت فوقه ... وقلت هذا غلط ولي من قصيدة بديعة مشتملة على وصف متنزهات حماة المحروسة: والنبت يضبطها بشكل معرب ... لما يزيد الطير في التلحين٤ والمعنى المخترع قولي بعده: والغصن يحكي النون في ميلانه ... وخياله في الماء كالتنوين وقلت في مطلع قصيدة: ألف القد مدها لي بعزه ... وعليها من عطفة الصدغ همزه وقلت من قصيدة فائية: وعارضه في الوضع لامٌ وصِدغه ... إذا مدها من فوقه تتكوف٥ ولعمري، إن الشرح قد طال، ولولا خشية الإطالة لذكرت من هذا الباب قدرًا وافيًا، بالنسبة إلى ما أدى إليه اجتهادي، وقلت: إني مخترعه، وبشهادة الله إني ما تطفلت بالنسبة إلى علمي على معنى لغيري، اللهم إلا أن تكون أحكام المواردة قد حكمت عليّ فالحكم لله العلي الكبير.

стр. 844

وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته على سلامة الاخترع قوله: كادت حوافرها تدمي جحافلها ... حتى تشابهت الأحجال بالرثم١ جحفلة الفرس شفته العليا، والرثم بياض شفتيه، وكأنه يقول: إن هذه الفرس لسرعة جريانها اتصلت أحجالها إلى شفتها فتشابها في البياض. والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي، ﵀ في بديعيته قوله: سلامة لاختراعي في علا هممي ... اسمي وفعلي كحرف عند رسمهم وقال في الشرح: اسمي علا، وفعلي علا، والحرف المشبه بهما على هذا المعنى على الذي هو معدود من حروف الجر، قلت: لو ألحق الشيخ عز الدين ما قاله هنا بالألغاز لكان أقرب وأليق، فإن سلامة الاختراع وغرابة المعنى عنه بمعزل. وبيت بديعيتي تقدمه قولي في الألغاز بالرمح بقولي: وكلما ألغزوه حله لسن ... مذ طال تعقيده أزرى بفهمهم ولم أخرج عن الرمح بل قلت مخترعًا فيه اختراعًا بعد من المرقص والمطرب، بعد بيت الألغاز، وهو: وقده باختراع سالم ألف ... يبدو بترويسه من رأس كل كمي٢ تقدم قولي: أنه كان عنّ لي أن أورد هنا، من سلامة الاختراع للمتقدمين والمتأخرين، جمل مستكثرة ولم يصدني عن ذلك إلا الخيفة ممن تبحر علي في المطالعة، فيورد ما أثبت من المعنى المخترع لزيد، أنه مسبوق إليه من عمرو، فأردت أن أخلص من هذا الاعتراض، وأورد هنا نبذة من مخترعات ابن حجاج، فإنه منوال ما نسج عليه غيره، وقد تقدم قول الشيخ جمال الدين بن نباتة في ديباجة كتابه المسمى: "بتلطيف المزاج من شعر ابن الحجاج"، وأما أشعار أبي عبد الله الحسيني بن حجاج، فإنه أمة غريبة تبعث وحدها، وذرية تبلغ بإتقان اللهو رشدها، فمن ذلك قوله: يا ديمة الصفع صبي ... على قفا المتنبي

стр. 845

وأنت يا ريح بطني ... على عذاريه هبي ويا قفاه تقدم واقعد ... قليلًا بجنبي وإن صفعتك ألفا ... فلا تقولن حسبي وقد تعشقت معنى ... طرطورك المتعبي١ يا لحية هي عن أهـ ... ـل شيخنا النذل تنبي قومي ادخلي جوف بطني ... فقد وقعت بقلبي وأنت عندي مكان ... السواد من عين صلبي ومنه قوله: كأنما باب سور مبعرها ... عنقود كرم مزبب العنب٢ كأنما الأير فوق عصعصها ... راكب حمارة على قتب ومنه قوله: جارية قد سمطت فيشتي ... بوهج حمى سرمها الصالب٣ أخذت في الليل مجس استها الـ ... ـحامي وقد نامت إلى جانبي أوجب إخراج دم فاسد ... من عين قيفال استها الضارب٤ لبظرها الأسود دنية ... تصلح للقاضي أبي السائب خطبت بالأمس عليها استها ... فأنعمت للخاطب الراغب وبات أيري رافضي الخصى ... يعطي قفا مبعرها الناصب وقال أيضًا: قوموا افتحوا باب سرمها ولجوا ... فكل عضو من استها شرج قوموا فعين استها لرؤيتكم ... بالليل فوق الفراش تختلج إن لم يسعكم ممر عصعصها ... فثم بالطول تحته أزج وفي استها خاتم للولبه ... طوق محلى وفصه سبج٥ إذا الخصي صافح استها خريت ... تحتي وبالبيض تعمل العجج وقال أيضًا: بأبي من تمكنت من فؤادي ... فأنا الدهر كله في اجتهاد قدها في القياس من قوم يأجو ... ج ولكن بظرها قوم عاد

стр. 846

وقفت لي فبستها من قعود ... بوسة بردت غليل فؤادي١ ولها شعرة ولا زبد البحـ ... ـر بياضًا وعصعص كالمداد وحر أشمط العذارين الحي ... فيه سمت النساك والعباد بظرها فوقه كدنية الحا ... كم يوم انحداره في السواد ما توهمته وحقك إلا ... بعض أصحابنا بني حماد يوم حاملتها فلما أحست ... في خراها بمثل شرط الفصاد٢ جذبت لحيتي وقالت أيا شيخ ... ترى أنت كافر بالمعاد أنت ممن يبغي خلافًا على الله ... ويسعى في أرضه بالفساد قلت كفي إنا وجدنا على هـ ... ـذا أيور الآباء والأجداد عرفيني وخبريني متى كا ... نت سيوف الخصي بلا أغماد ومن غاياته في هذا الباب قوله: مولاي يدعوك شيخ لا وقار له ... حتى القيامة سكران ومخمور ما فيه للشيب إكرام فيزجره ... عن الخمور ولا للسن توقير يقول بالأمرد المصقول عارضه ... مقسمًا فيه تأنيث وتذكير وبالفتاة التي تنور مدخلها ... بعد العشا لشوى الخصيان مسجور٣ وبالعجوز التي في أصل عنبلها ... غداة بعث المخاصي ينفخ الصور زبال زرع استها يسقى بدالية ... وبظرها واقف في الزرع ناطور٤ لها حر أشمط قد شاب مفرقه ... عليه بظر طويل فيه تدوير كأنه شاعر قد جاء من حلب ... شيخ على رأسه المحلوق طرطور٥ هذا الاستطراد في البيت الأخير استطرد فيه إلى أبي الطيب، وهو في غاية اللطف والظرف، وقد تقدمت إشارته إلى طرطوره في الأبيات المتقدمة البائية، ومن اختراعاته في هذا الباب قوله: أحب من الكس تقبيله ... إذا كان في شفتيه لعس٦

стр. 847

ويعجبني منه أني إذا ... نقرت أنفه بقمدي عطس١ وواسعة السرم تشكو استها ... إذا مسها النيك ضيق النفس فتاة لدرب إستها حارس ... يعلق من خصيتيه جرس ويعجبني قوله من قصيدة: في إستها سدرة إذا نفضوها ... جمعوا لي من تحتها كف نبق٢ وهو نبق بلا نوى أسود اللو ... ن إذا لكته تحمض شدقي٣

стр. 848

ذكر التفسير: وصحبه بالوجوه البيض يوم وغى ... كم فسروا من بدور في دجى الظلم هذا النوع، أعني التفسير، من مستخرجات قدامة، وسماه قوم التبيين، وهو أن يأتي المتكلم أو الشاعر في بيت بمعنى لا يستقل الفهم بمعرفة فحواه دون تفسيره، إما في البيت الآخر، أو في بقية البيت، إن كان الكلام يحتاج إلى التفسير في أوله. والتفسير يأتي بعد الشرط وما هو في معناه، وبعد الجار والمجرور، وبعد المبتدأ الذي يكون تفسيره خبره، بشرط أن يكون المفسَّر مجملًا والمفسر مفصلًا. فمن بديع التفسير الذي وقع في بيت واحد قول بعض المغاربة: صالوا وجادوا وضاءوا واحتبوا فهم ... أسد ومزن وأقمار وأجبال فإنه أحسن الترتيب في عجز البيت كله، وجعل المفسَّر في الصدر، بحيث أتى كل قسم مستقلًا بنفسه. ومثال ما وقع من التفسير بعد الحروف المتضمنة معنى الشرط، قول الفرزدق: لقد جئت قومًا لو لجأت إليهم ... طريد دم أو حاملًا ثقل مغرم لألفيت منهم معطيًا ومطاعنًا ... وراءك شزرًا بالوشيج المقوّم١ والفرزدق ما راعى حسن الترتيب في بيته، فإن عندهم عدم الترتيب مع حسن الجوار، وقرب الملائم، لا ينقص حسن الكلام البليغ. ألا ترى إلى قوله تعالى:

стр. 849

﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ ١. ثم قال بعد ذلك: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ ٢. ومن الأمثلة الواقعة بعد الجار والمجرور في باب التفسير، قول شرف الدين القيرواني: لمختلفي الحاجات جمع ببابه ... فهذا له فن وهذا له فن فللخامل العليا وللمعدم الغنى ... وللمذنب العقبى وللخائف الأمن ومما جاء من التفسير بعد المبتدأ، قول ابن الرومي: آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم ... في الحادثات إذا دجون نجوم منها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدجى والأخريات رجوم٣ قالوا إن هذا أبلغ ما وقع في التفسير من الأمثلة الشعرية، فإنه راعى فيه الترتيب أحسن مراعاة. ومن بديع هذا النوع قول محمد بن وهيب في المعتصم: ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر ومثله في الحسن قول محمد بن شمس الخلافة: شيئان حدِّثْ بالقساوة عنهما ... قلب الذي يهواه قلبي والحجر وثلاثة بالجود حدث عنهم ... البحر والملك المعظم والمطر ومن معجز التفسير، ما جاء في الكتاب العزيز، وهو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ ٤ فذكر سبحانه الجنس الأعلى أولًا، حيث قال: كل دابة فاستغرق أجناس كل ما دب ودرج، ثم فسر سبحانه هذا الجنس، بعد ذلك، بالأجناس المتوسطة والأنواع، حيث قال: فمنهم ومنهم ومنهم، مراعيًا للترتيب، وذلك أنه قدم ما يمشي على غير آلة لكون الآية سيقت لبيان القدرة وتعجب السامع، وما يمشي بغير آلة أعجب مما يمشي

стр. 850

بآلة، فلذلك كان تقديمه ملائمًا لمقصود الآية الشريفة، ثم ثنى بالأفضل فأتى بما يمشي على رجلين وهو الآدمي والطير لتمام خلق الإنسان وكمال صورته ولما في الطير من عجب الطيران الدال على الخفة مع ما فيه من الكثافة الأرضية، وثلّث بما يمشي على أربع؛ لأنه أحسن الحيوان البهيمي وأقواه، فتضمنت هذه الكلمات، التي هي بعض آية، عدة من المحاسن، وهي صحة التفسير وصحة التقسيم مع مراعاة الترتيب والإشارة وائتلاف اللفظ مع المعنى وحسن النسق. والفرق بين التفسير والإيضاح: أن التفسير تفصيل الإجمال، والإيضاح رفع الإشكال؛ لأن المفسر من الكلام لا يكون فيه إشكال. وبيت صفي الدين على التفسير قوله: هم النجوم بهم يهدى الأنام ... وينجاب الظلام ويهمي صيب الديم١ والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي قوله: ذكر الإمام وابنيه يفسره ... عليّ والحسنان أكرم بذكرهم الشيخ عز الدين ما أفادنا في التفسير هنا شيئًا وبيت بديعيتي أقول فيه، عن الصحابة، ﵃ أجمعين: وصحبه بالوجوه البيض يوم وغى ... كم فسروا من بدور في دجى الظلم هذا هو التفسير الذي لا يستقل الفهم بمعرفة فحواه، في الشطر الأول من البيت، إلا بتفسيره من الشطر الثاني على الترتيب. وأما ذكر الإمام عليّ -كرّم الله وجهه- وذكر ولديه ﵄ في بيت الشيخ عز الدين ﵀ فإنه غير محتاج إلى تفسير والله أعلم.

стр. 851

ذكر حسن الاتباع: ذكراه يطربهم والسيف ينهل من ... أجسامهم لم يشن حسن اتباعهم١ هذا النوع، أعني حسن الاتباع، هو أن يأتي المتكلم إلى معنى اخترعه غيره فيحسن اتّباعه فيه، بحيث يستحق بوجه من الوجوه الزائدة التي توجب للمتأخرين استحقاق معنى التقدم، إما باختصار لفظه، أو قصر وزن أو عذوبة لفظ، أو تمكين قافية، أو تتميم نقص، أو تحلية من البديع توجب الاستحقاق، كاتباع أبي نواس جريرًا في قوله: إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا فنقل أبو نواس المعنى من الفخر إلى المدح بقوله: وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد فزاد على جرير زيادات، منها: قصر الوزن، وحسن السبك، وإخراج كلامه من الظن إلى اليقين، وأيضًا فإن ذكر العالم، أعم من ذكر الناس في بيت جرير. وعدوا من الشواهد الحسنة في حسن الاتباع، قول منصور النميري، في زينب أخت الحجاج وأترابها، وهو: وهي اللواتي إن برزن قتلنني ... وإن غبن قطّعن الحشا حسرات

стр. 852

فأحسن اتباعه ابن الرومي بقوله: ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت ... وقع السهام ونزعهن أليم قلت: وقع السهام ونزعهن، بعد ويلاه، في بيت ابن الرومي، تركت بيت النميري أطلالًا بالية: وقال أبو عبادة البحتري: أخجلتني بندى يديك فسودت ... ما بيننا تلك اليد البيضاء صلة غدت في الناس وهي قطيعة ... عجبًا وبرُّ راح وهو جفاء وأحسن أبو العلاء وقال: لو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... والعذب يهجر للإفراط في الخصر لأنه استوعب معنى البيتين في صدر بيته، وأخرج العجز مخرج المثل السائر، مع الإيجاز والإيضاح وحسن البيان. وقال عنترة: إني امرؤ من خير عبس منصبًا ... شطري وأحمي سائري بالمنصل١ فأحسن اتباعه منصور الفقير في شريف نسبه، وكان شرفه من جهة أبيه لا من جهة أمه، بقوله: إن فاتني بأبيه ... فلم يفتني بأمه٢ ورام شتمي ظلمًا ... سكت عن نصف شتمه فإن هذا الفقيه أحسن غاية الإحسان، من وجوه: أحدها الإيجاز، فإنه عمل معنى عنترة الذي جاء به في بيت تام من الكامل، في بيت من المجتث، وأتى بالمطابقة المعنوية، فأما قوله سكت عن نصف شتمه، ففيه من التأدب الديني مع رسول الله ﷺ والاحتراس، ما يزيد على الوصف. وقال ابن الرومي: تخذتكم درعًا حصينًا لتدفعوا ... نبال العدا عني فكنتم نصالها

стр. 853

وكنت أرجي منكم خير ناصر ... على حين خذلان اليمين شمالها فإن كنتم لا تحفظون مودتي ... ذماما فكونوا لا عليها ولا لها قفوا وقفة المعذور عني بمعزل ... وخلوا نبالي للعدا ونبالها فأحسن ابن سنان الخفاجي اتباعه بقوله: أعددتكم لدفاع كل ملمة ... عونًا فكنتم عون كل ملمة وتخذتكم لي جنة فكأنما ... نظر العدو ومقاتلي من جنتي١ فلأنفضن يدي يأسًا منكم ... نفض الأنامل من تراب الميت ويعجبني هنا قول القائل: وأخوان حسبتهم دروعًا ... فكانوها ولكن للأعادي وخلتهم سهامًا صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي وقالوا قد صفت منا قلوب ... لقد صدقوا ولكن من ودادي وقال ابن الرومي: سد السداد فمي عما يريبكم ... لكن فم الحال عني غير مسدود وأحسن زكي الدين بن أبي الأصبع اتباعه فقال: هبني سكت فما لسان ضرورتي ... أهجى لكل مقصر عن منطقي وقال سليك بن سلكة: وتبسم عن ألمي اللثاة مفلج ... خليق الثنايا بالعذوبة والبرد٢ وما ذقته إلا بعيني تفرسًا ... كما شيم برق في السحابة من بعد٣ وقال نصيب: كأن على أنيابها الخمر شجها ... بما الندى في آخر الليل عابق٤ وما ذقته إلا بعيني تفرسًا ... كما شيم في أعلى السحابة بارق

стр. 854

وأحسن بشار بن برد اتباعهما بإيجازه، وقال: يا أطيب الناس ريفًا غير مختبر ... إلا شهادة أطراف المساويك١ وقال السموأل: يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول فأحسن بشار اتباعه بزيادة محاسن، فقال: أفناهم الصبر إذ أبقاهم الجزع. وقال الأسود ابن يعفر: يسعى بها ذو توأمين كأنما ... قنأت أتأمله من الفرصاد٢ وأحسن أبو نواس اتباعه، بزيادة من المحاسن، وقال: تبكي فتذري الدمع من نرجس ... وتلطم الورد بعناب استوفى أبو نواس المعنى في نصف بيت، وأخذه الوأواء الدمشقي من أبي نواس، وزاد عليه زيادة عجيبة، بقوله: وأمطرت لؤلؤًا من نرجس فسقت ... وردًا وعضت على العناب بالبرد وقال مسلم بن الوليد: تجري محبتها في قلب عاشقها ... مجرى المعافاة في أعضاء منتكس٣ فأحسن أبو نواس اتباعه فقال: فتمشت في مفاصلهم ... كتمشي البرء في السقم وجميع ذلك مأخوذ من قول بعض الملوك باليمن: منع البقاء تقلب الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسي تجري على كبد السماء كما ... يجري حمام الموت في النفس نقل أبو هلال العسكري في "الصناعتين" عن الصولي أنه قال: حدثني أبو بكر بن هارون بن عبد الله المهلبي، قال: كنا في حلقة دعبل الشاعر، فجرى ذكر أبي تمام،

стр. 855

فقال دعبل: كان يتبع معانِيَّ فيأخذها، فقال له رجل في مجلسه: مثل ماذا أعزك الله؟ فقال: قلت: وإنّ امرأ أسدى إلَيَّ بشافع ... إليه ويرجو الشكر مني لأحمق فأخذه أبو تمام، وقال: وإذا امرؤ أسدى إليك صنيعة ... من جاهه فكأنها من ماله فقال الرجل: أحسن والله! فقال دعبل: كذبت والله، قبحك الله. فقال الرجل: إن كان سبقك بهذا المعنى وتبعته فما أحسنت، وإن كان أخذه منك فقد أجاد فصار أولى به منك على الحالين، فغضب دعبل وقام. وقال بشار: من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج١ فأحسن اتباعه سلم الخاسر، وقال: من راقب الناس مات غمًا ... وفاز باللذة الجسور فلما سمع بشار هذا البيت قال: قد ذهب ابن الفاعلة ببيتي. وممن زاد على المتقدمين بحسن سبكه وعذوبة لفظه، ابن المعتز ﵀ بقوله: ولا ضوء هلال كاد يفضحه ... مثل القلامة قد قدت من الظفر٢ وهو مأخوذ من قول الأول: كأن ابن ليلته جانح ... إلى مسقط الأفق من خنصر٣ وقال أبو العتاهية: كم نعمة لا تستقل بشكرها ... لله في طي المكاره كامنه فأحسن أبو تمام اتباعه فقال: قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلى الله أدنى القوم بالنعم

стр. 856

فزاد عليه، إلا أنه أتى بعكس المعنى، وما يعرف للمتقدمين معنى شريف، إلا نازعهم إياه المتأخرون وطلبوا الشركة معهم فيه، إلا قول عنترة: وخلا الذباب بها فليس بنازح١. فإنه ما نوزع في هذا المعنى، على جودته، وقد رامه بعض المجتهدين فافتضح، وتقرر ذلك في بيت سلامة الاختراع. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي، على حسن الاتباع قوله: ينازع السمع فيها الطرف حين جرت ... فيرجعان إلى الآثار في الأكم٢ بيت الشيخ صفي الدين مأخوذ من قول القائل: وطرف يفوت الطرف في جريانه ... ولكن للأسماع فيه نصيب والعميان ما نظوا هذا النوع في بديعيتهم، وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته قوله: والجزع حن إليه بعد فرقته ... حسن اتباع لتلك الأربع الحرم ذكر الشيخ عز الدين، في شرحه، أنه اتبع الفرزدق في قوله، في مديح الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن عليّ ﵄ وهو هذا: هذا ابن من تعرف البطحاء وطأته ... والركن يعرفه والبيت والحرم وبيت بديعيتي تقدمه قولي، في حق الصحابة، ﵃ أجمعين: وصحبه بالوجوه البيض يوم وغى ... كم فسروا من بدور في دجى الظلم ثم إني قلت بعده، في حسن الاتباع عن الصحابة: ذكراه يطربهم والسيف ينهل من ... أجسامهم لم يشن حسن اتباعهم هذا المعنى سبقني إليه الشيخ شرف الدين بن الفارض، وكنت في صغري أترنم به وهو قوله: فلي ذكرها يحلو على كل صيغة ... ولو مزجوه عذلي بخصام الشيخ شرف الدين قرر: إن ذكر محبوبه يحلو، ولو كان في محل خصام من

стр. 857

العذال، وقولي أبلغ في حق الصحابة ﵃ لأن ذكر النبي ﷺ يطربهم والسيوف تنهل من أجسامهم، وأين الطرب في هذا المقام؟ من يحلو في ذلك المقام؟ وأين المخاصمة بالألسن من التكليم بألسنة السيوف؟ والزيادة التي ما على حسنها من مزيد، قولي: لم يشن حسن اتباعهم، فإن شدة الحرب وتكليم النفوس، ما شان حسن السيوف وذهاب الأنفس، ما شان حسن اتباعهم للنبي ﷺ يومًا من الأيام. والتورية، في حسن الاتباع الذي هو المراد من تسمية النوع، محاسنها لا تخفى على المنصفين من أهل الأدب، والله أعلم.

стр. 858

ذكر المواردة: نما الهام أحداق مسهدة ... ونومها واردته في سيفوهم١ هذا النوع، أعني المواردة: هو أن يتوارد الشاعران على بيت، أو بعض بيت، بلفظه ومعناه: فإن كان أحدهما أقدم من الآخر وأعلى رتبة في النظم حكم له بالسبق، وإلا فلكل منهما ما نظمه كما جرى لامرئ القيس وطرفة بن العبد في معلقتيهما، وهو قول امرئ القيس: وقوفًا بها صحبي عليَّ مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل قال طرفة: أسى وتجلد. فلما تنافسا في ذلك وأحضر طرفة بن العبد خطوط أهل بلده في أي يوم نظم هذا البيت، كان اليوم الذي نظما فيه واحدًا. وقد يقع مثل ذلك أو دونه في بيت يخالف وزن البيت الأصلي. وبيت الشيخ صفي الدين على الواردة قوله: تهوى الرقاب مواضيهم فتحسبها ... حديدها كان أغلالًا من القدم وبيت الشيخ صفي الدين ذكر في شرحه أنه نظم بيتًا من جملة أبيات، وهو: تهوى مواضيك الرقاب كأنما ... من قبل كان حديدها أغلالا ثم ذكر أنه سمع بعد ذلك بيتًا لا يعلم قائله وهو: تهوى الرقاب مواضيه فتحسبها ... تود لو أصبحت أغلال من أسرا فأسقط البيت الذي له، فلما تعددت عليه الأنواع في نظم البديعية، ووصل إلى

стр. 859

المواردة، ألجأته الضرورة إلى نظمها، ليكون البيت المنظوم منتظمًا في سلك شواهد بديعيته، بحيث لا تخلو من هذا النوع. وبيت الشيخ عز الدين في بديعيته قوله: بيت المدائح تستوفي علاه ولو ... تواردت في مديح غير منصرم الشطر الأول من هذا البيت، ذكر الشيخ عز الدين، في شرحه، أنه توارد هو وأبو الطيب المتنبي عليه. والعميان لم ينظموا هذا النوع في بديعيتهم. ومعنى المواردة في بيت بديعيتي أني كنت مدحت تمر بغاء الأفضلي الشهير بمنطاش، ورياحين الشبيبة غضة، ونشوة الابتداء تحث على دور كاسات الأدب، وكان المشار إليه إذ ذاك كافل المملكة الحموية، بقصيدة رائية سارت ببديع محاسنها الركبان، واحتوت على معان لم أسبق إليها، وتمثلت في غصون نظمها بين يدي شيخي، وهو مولانا قاضي القضاة علاء الدين أبو الحسن على القضامي الحنفي ﵀ وقد علق بخاطري منها أبيات، فأنشدته في ذلك الوقت ما علق بخاطري، وهو قولي منها: له مطالعة في الحرب حين يرى ... دم العدا فوق طرس الأرض قد سطرا إن راسل القوم أنشا في رسائله ... سجعات ضرب بها الهامات قد نثرا كتابه السيف والخطي له قلم ... والرسل أسهم حتف توضح الخبرا١ إن كان قد نظم الأعدا مكيدتهم ... فقل لهم إنه من قبلهم شعرا لأنه ببديع الحسن لف لنا ... شملًا ولكن لأرقاب العدا نشرا وخط من فوق ألواح الصدور لهم ... بابًا من الخوف في أحشائهم وقرا وصار يكتب بالهندي ويعجم بالـ ... ـخطي فعل شجاعٍ قد قرا ودرى٢ تراه بالرمح بدرًا حاملًا غصنًا ... وبالتريسة غصنًا حاملًا قمرا٣ إن جس عودًا لضرب مال سامعه ... والخيل يرقصها إن حرك الوترا وصار٤ كلما أنشدته بيتًا من هذه الأبيات يترنم كثيرًا، ويرسم لي بإعادته حتى انتهيت إلى قولي:

стр. 860

كأنما الهام أحداق أضرّ بها ... سهد وأسيافه في الحرب طيب كرى فلما سمع هذا البيت لم يترنم كما ترنم للأبيات التي قبله، وقال: أبو الطيب هو أبو عذرة هذا المعنى ولكن أحسنت الاتباع، بقولك: أضر بها سهد، وبقولك في الشطر الثاني: طيب كرى، فإن فيهما زيادتين حسنتين، فالتزمت له بيمين أنني ما ملكت ديوان المتنبي يومًا من الأيام، ولا طالعته عند غيره، وما كنت في ذلك الوقت أطالع غير ديوان الشيخ جمال الدين بن نباتة، وديوان الشيخ صفي الدين الحلي، فتعجب مولانا قاضي القضاة من ذلك وبالغ في الجبر والثناء، ولكني أسقطت البيت من القصيدة، خوفًا من قدح حاسد، فلما وصلت بديعيتي إلى نوع المواردة ألجأت الضرورة إلى نظمه في سلك أنواعها. وبيت المتنبي الذي حصلت المواردة به قوله: كأنّ الهام في الهيجا عيون ... وقد طبعت سيوفك من رقاد١ وبيت بديعيتي: كأنما الهام أحداق مسهدة ... ونومها واردته في سيوفهم والترشيح أيضًا هنا ظاهر في قولي: مسهدة، والترشيح، في تورية المواردة، بتسمية النوع وزيادة المعنى، غير خاف على أهل الأدب.

стр. 861

ذكر الإيضاح: هذا تزداد إيضاحًا مخافتهم ... في كل معترك من بطش ربهم هذا النوع، أعني الإيضاح: هو أن يذكر المتكلم كلامًا في ظاهره لبس، فلا يفهم من أول وهلة، حتى يوضحه في بقية كلامه، كقول الشاعر: يذكرنيك الخير والشر كله ... وقيل الخنى والحلم والعلم والجهل١ فألقاك عن مكروهها متنزهًا ... وألقاك في محبوبها ولك الفضل معنى البيت الأول ملتبس، وما ذاك إلا أنه يقتضي المدح والذم ولكنه أوضحه بقوله: فألقاك عن مكروهها متنزهًا ... وألقاك في محبوبها ولك الفضل وقد يكون الإيضاح في الوصف الذي لا يتعلق به مدح ولا هجاء، وذلك أن يخبر المتكلم بخبر واحد عن شيء واحد يحصل فيه الإشكال، فيوضح ذلك الإشكال بما يفهم منه كشف اللبس عن الحد الأول، كقول ابن حيوس: ومقرطق يغني النديم بوجهه ... عن كأسه الملأى وعن إبريقه٢ فعل المدام ولونها ومذاقها ... في مقلتيه ووجنتيه وريقه فإنه لو اقتصر على البيت الأول أشكل الأمر من جهة الوجه، فإنه وإن كان حسنًا لا يغني النديم عن الخمر، فأزال اللبس في البيت الثاني وأوضحه، وقد تقدم وتقرر الفرق بين الإيضاح والتفسير.

стр. 862

وبيت الشيخ صفي الدين قوله: قادوا الشواذب كالأجبال حاملة ... أمثالها ثبتة في كل مصطدم١ العميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته قوله: للخير والشر إيضاحًا به فبذا ... أمر وعن ذاك نهيٌ حب نصحهم والذي أقوله: إن الشيخ عز الدين -غفر الله له- لم يتضح في بيته غير الإشكال. وبيت بديعيتي تقدم قولي قبله في وصف الصحابة ﵃ أجمعين- بحسن الاتباع والصبر والإقدام، إلى أن قلت في المواردة: كأنما الهام أحداق مسهدة ... ونومها واردته في سيوفهم ثم إني قلت بعده في الإيضاح: هذا وتزداد إيضاحًا مخافتهم ... في كل معترك من بطش ربهم الإطناب والمبالغة، في وصف الصحابة ﵃ قد تقدم بالشجاعة التي هي فوق الوصف، فلما قلت في هذا البيت: إن مخافتهم تزداد إيضاحًا في كل معترك، ظهر اللبس فأوضحته بقولي: من بطش ربهم. والتورية بتسمية النوع، الذي هو المطلوب هنا، محاسنها لم تفتقر إلى الإيضاح، والله الموفق.

стр. 863

ذكر التفريع: ما العود إن فاح نشرًا أو شدا طربًا ... يومًا بأطرب من تفريع وصفهم هذا النوع، أعني التفريع، وهو ضد التأصيل، هو أن يصدّر الشاعر أو المتكلم كلامه باسم منفي، بما خاصة، ثم يصف ذلك الاسم المنفي بأحسن أوصافه المناسبة للمقام، إما في الحسن وإما في القبح، ثم يجعله أصلًا يفرع منه جملة، من جار ومجرور، متعلقة به تعلق مدح أو هجاء أو فخر أو نسيب أو غير ذلك، ثم يخبر عن ذلك الاسم بأفعل التفضيل، فتحصل المساواة بين الاسم المجرور بمن وبين الاسم الداخل عليه ما النافية؛ لأن حرف النفي قد نفى الأفضلية. فتبقى المساواة بين ذلك أن تقول: ما الزهر إذا بكى الغمام فضحك، بأحسن من أخلاق زيد. فالمساواة بين الزهر والأخلاق ههنا ثابتة، بالشروط المذكورة، ومن الأمثلة الشعرية قول الأعشى: ما روضة من رياض الحسن معشبة ... غناء جاد عليها مسبل هطل١ يضاحك الزهر منها كوكب شرق٢ ... مؤزر بعميم النبت مكتهل يومًا بأطيب منها طيب رائحة ... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل٣

стр. 864

وقد يجيء الفرع والأصل في بيت واحد، كقول أبي تمام: ما ربع مية معمورًا يطيف به ... غيلان أبهى ربا من ربعها الخرب١ ولا الخدود وإن أدمين من خجل ... أشهى إلى ناظري من خدها الترب فذكر في البيت الأول الأصل والفرع، وكذلك في البيت الثاني، فالأصل هو الاسم المنفي مع ما ذكر من أوصافه، والفرع هو أفعل التفضيل مع ما يتعلق به. ويعجبني في هذا الباب قول إبراهيم بن سهل الأشبيلي، من قصيدة، وهو: وما وَجْدُ أعرابية بان دارها ... وحنت إلى بان الحجاز ورنده٢ إذا آنست ركبًا تكفل شوقها ... بنار قراه والدموع بورده وأن أوقدوا المصباح ظنوه بارقًا ... يحيي فهشت للسلام ورده بأعظم من وجدي بموسى وإنما ... يرى أنني أذنبت ذنبًا لوده ومن إنشاء القاضي شهاب الدين محمود، في هذا الباب، قوله: وما أم طفل قذفها الزمن العنيد، في بعض البيد، في أرض موحشة المسالك، قليلة السالك، قد لمع صوابها، وتوقدت هضابها، وصرخ بومها، ونفر ظليمها٣، وحضر سمومها٤، وغاب نسيمها، فلما خافت على ولدها من الظمأ الهلاك، أجلسته إلى جنب كثيب هناك، ثم ذهبت في طلب الماء للغلام، لئلا يقضي عليه الأوام٥، فانتهى بها المسير إلى روضة وغدير، وآثار مطي بوارك، تدل على أن الطريق هنالك، فعادت إلى ولدها مسرعة، وكل أعضائها إليه عيون متطلعة، فلما شارفت جنب الكثيب، رأت ولدها في فم الذيب: بأكثر مني حسرة وتلهفًا ... وأعظم مني حرقة وتأسفًا وأغزر دمعًا عندما قيل لي الذي ... كلفت به أضحى على البعد مزمعًا وذكر صاحب الإيضاح، للتفريع، قسمًا ثانيًا لم يذكره غيره، ولا نسج على منواله أصحاب البديعيات فألغيته أيضًا، والشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع اخترع قسمًا ثالثًا،

стр. 865

ولكن وجدت هذا النوع الذي نحن بصدده أحلى في الأذواق، وأوقع في القلوب، وعلى سننه مشى أصحاب البديعيات، فألغيت أيضًا ما اخترعه ابن أبي الأصبع، ﵀. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي على هذا النوع في وصف الصحابة، ﵃ أجمعين: ما روضة وشع الوسمي بردتها ... يومًا بأحسن من آثار سعيهم١ والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين في بديعيته قوله: ما الدوح تفريعه بالزهر متسق ... نظمًا بأطيب من تعريف ذكرهم وبيت بديعيتي أقول فيه عن الصحابة، ﵃ أجمعين: ما العود إن فاح نشرًا أو شدا طربًا ... يومًا بأطيب من تفريع وصفهم هذا البيت فيه نوع التفريع، الذي هو القصد هنا، والتورية بتسميته، والاستخدام، ومرعاة النظير، وفيه الانسجام، والتمكين، والله أعلم.

стр. 866

ذكر حسن النسق: من ذا يناسقهم من ذا يطابقهم ... من ذا يسابقهم في حلبة الكرم هذا النوع، أعني حسن النسق، ويسمى التنسيق، من محاسن الكلام، وهو أن يأتي المتكلم بالكلمات من النثر، والأبيات من الشعر، متتاليات متلاحمات تلاحمًا مستحسنًا مستبهجًا، وتكون جملها ومفرداتها منسقة متوالية، إذا أفرد منها البيت قام بنفسه واستقل معناه بلفظه، كقوله شرف الدين القيرواني: جاور عليًّا ولا تحفل بحادثة ... إذا ادّرعت فلا تسأل عن الأسل١ سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد ... ملء المسامع والأفواه والمقل فالحظ حسن النسق، وصحة هذا التركيب فيه، واستيعاب هذا التقسيم، ووضوح هذا التفسير. ومنه قول أبي نواس: وإذا جلست إلى المدام وشربها ... فاجعل حديثك كله في الكاس وإذا نزعت عن الغواية فليكن ... لله ذاك النزع لا للناس حسن النسق، هنا، لأمرين بين فنين متضادين، في هذين البيتين، وهما المجون والزهد، حتى صارا كأنهما فن واحد.

стр. 867

وبيت الشيخ صفي الدين الحلي قوله: والذئب سلم والجني أسلم والثـ ـعبان كلم والأموات في الرحم١ والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته قوله: فالضيق أذهب والتوفيق سبب والتنـ ... ـسيق رتب في تصديق حكمهم وبيت بديعيتي أنا مستمر فيه على وصف الصحابة -رضوان الله عليهم- بقولي: من ذا يناسقهم من ذا يطابقهم ... من ذا يسابقهم في حلبة الكرم

стр. 868

ذكر التعديد: تعديد فضلهم بيدي لسامعه ... علمًا وذوقًا وشوقًا عند ذكرهم هذا النوع، أعني التعديد، ذكره الإمام فخر الدين الرازي وغيره، وسماه قوم الإعداد، وهو عبارة عن إيقاع أسماء منفردة على سياق واحد، فإن روعي في ذلك ازدواج، أو مطابقة، أو تجنيس، أو مقابلة، فذلك الغاية في حسن النسق. مثاله قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ ١ ومن الأمثلة الشعرية قول أبي الطيب المتنبي: الخيل والليل والبيداء تعرفني ... والسيف والرمح والقرطاس والقلم وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته على هذا النوع قوله: يا خاتم الرسل يا من علمه ... والعدل والفضل والإيفاء للذمم والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت عز الدين في بديعيته قوله: تعديد أوصافهم في المدح يعجزنا ... أهل التقى والنقا والمجد والهمم وبيت بديعيتي أنا مستمر فيه على مدح الصحابة ﵃ أجمعين- بقولي: تعديد أوصافهم بيدي لسامعه ... علمًا وذوقًا وشوقًا عند ذكرهم

стр. 869

ذكر التعليل: نعم وقد طاب تعليل النسيم لنا ... لأنه مر في آثار تربهم هذا النوع، أعني التعليل: هو أن يريد المتكلم ذكر حكم واقع، أو متوقع، فيقدم قبل ذكره علة وقوعه، لكون رتبة العلة تتقدم على المعلول، كقوله تعالى: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١ فسبق الكتاب من الله تعالى علة النجاة من العذاب، وكقوله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، فخوف المشقة على الأمة، هو علة في التخفيف عنهم من الأمر بالسواك عند كل صلاة. ومن أمثلته الشعرية قول البحتري: ولو لم تكن ساخطًا لم أكن ... أذم الزمان وأشكو الخطوبا فوجود سخط الممدوح، هو علة في شكوى الشاعر. ومنه قول ابن هانئ الأندلسي: ولو لم تصافح رجلها صفحة الثرى ... لما صح عندي علة للتيمم وفي رواية: لما كنت أدري، وعلى كلتا الروايتين، ففي الغلو قبح وإساءة أدب، كيف أنه لم يدر علة للتيمم إلا بما ذكر، وقد علمت صحة التيمم من نص الكتاب والسنة. ولقد أحسن ابن رشيق القيرواني، في تعليل قوله ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورا"، حيث قال:

стр. 870

سألت الأرض لم جعلت مصلى ... ولم كانت لنا طهرًا وطيبا فقالت غير ناطقة لأني ... حويت لكل إنسان حبيبا فتخلص مما وقع فيه ابن هانئ، لكونه سأل الأرض عن العلة، وتلطف في استخراج علة مناسبة لا حرج عليه في إيرادها. وقد يتقدّم المعلول على العلة في هذا الباب، وعلى هذا المنوال نسج ابن رشيق. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته على التعليل قوله: لهم أسام سوام غير خافية ... من أجلها صار يدعى الاسم بالعلم١ وبيت العميان: لم تبرق السحب إلا أنها فرحت ... إذ ظللته فأبدت حسن مبتسم وبيت الشيخ عز الدين قوله: تعليل طيب نسيم الروض حين سرى ... بأنه نال بعضًا من ثنائهم وبيت بديعيتي أقول فيه عن الصحابة: نعم وقد طاب تعليل النسيم لنا ... لأنه مر في آثار تربهم

стр. 871

ذكر التعطف: تعطف الخير كم أبدوا لمذنبهم ... والخبر ما زال في أبواب صفحهم١ التعطف شبيه بالترديد في إعادة اللفظة بعينها في البيت، والفرق بينهما أن التعطف شرطه أن تكون إحدى كلمتيه في مصراع، والأخرى في مصراع آخر. قلت: وهذا النوع أيضًا من الأنواع التي تقدمت، وقررت أن ليس تحتها كبير أمر، وأن رتبة البديع أعلى من هذه الأنواع السافلة، ولكن تقدم قولي: إن القوم كلما طلبوا الكثرة تغالوا في الرخيص، والشروع في المعارضة ملزم، وقد استشهدوا على هذا النوع -أعني: التعطف- بقول أبي الطيب المتنبي: فساق إلَيَّ العرف غير مكدر ... وسقت إليه المدح غير مذمم وبيت الشيخ صفي الدين على هذا النوع الرخيص قوله: وصحبه من لهم فخر إذا افتخروا ... ما أن يقصر عن غايات فضلهم والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته قوله: تعطفوا برضا أحبابهم وعلى ... أعدائهم عطفوا بالصارم الخذم٢ وبيت بديعيتي أنا مستمر فيه على وصف الصحابة ﵃ بقولي: تعطف الخير كم أبدوا لمذنبهم ... والخير ما زال في أبواب صفحهم وقلت بعده مشيرًا إليهم.

стр. 872

ذكر الاستتباع: يحمون مستتبعين العفو إن ظفروا ... ويحفظون وفاهم حفظ دينهم الاستتباع: هو استفعال من تتبع الرجل، إذا اقتفى أثره. وفي الاصطلاح: هو أن يذكر الناظم أو الناثر معنى مدح أو ذم أو غرض من أغراض الشعر، فيستتبع معنى آخر من جنسه يقتضي زيادة في وصف ذلك الفن، كقول أبي الطيب المتنبي: نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد فإنه مدحه بالشجاعة، على وجه استتبع مدحه بكونه سببًا لإصلاح الدنيا، حيث جعلها مهنأة بخلوده ومثله قوله: إلى كم ترد الرسل فيما أتوا به ... كأنهم فيما وهبت ملام فمدحه بالشجاعة إيماء، وألغز في رد الرسل عما أتوا به وصدهم عن مطلوبهم والتهاون بمرسلهم، واستتبع في آخر البيت مدحه بالكرم، لعصيان الملام في الهبات. ويعجبني هنا قول أبي بكر الخوارزمي: سمح البديهة ليس يمسك لفظه ... فكأنما ألفاظه من ماله فإنه مدحه بذلاقة اللسان على وجه استتبع الكرم. وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته على هذا النوع قوله: الباذلو النفس بذل الزاد يوم قرى ... والصائنو العرض صون الجار والحرم١

стр. 873

وبيت العميان: تجري دماء الأعادي من سيوفهم ... مثل المواهب تجري من كفوفهم وبيت الشيخ عز الدين: يستتبعون ببذل العلم بذل ندى ... ويحفظون المعالي حفظ عرضهم وبيت بديعيتي: يحمون مستتبعين العفو إن ظفروا ... ويحفظون وفاهم حفظ دينهم

стр. 874

ذكر الطاعة والعصيان: اعاتهم تقهر العصيان قدرهم ... له العلوّ فجانسه بمدحهم هذا النوع، أعني الطاعة والعصيان، استنبطه أبو العلاء المعري في شرحه الذي سماه: "معجز أحمد" عند نظره في شعر أبي الطيب، وهو قوله: يرد يدًا عن ثوبها وهو قادر ... ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد وسماه الطاعة والعصيان، وقال: إنما أراد أبو الطيب أن يقول: يرد يدًا عن ثوبها وهو مستيقظ، بحيث تطيعه المطابقة في قافية البيت، بقوله: راقد، فلم يطعه الوزن في ذلك، ولما عصاه الوزن عدل إلى لفظة: قادر، وجعلها مكان مستيقظ، لما فيها من معنى اليقظة وزيادة، فأطاعه التجنيس المقلوب، بين قادر وراقد، وعصته المطابقة، بين راقد ومستيقظ، فلم يخل بيته عن معنى بديعي، وقيل إن هذا النوع لم يسمع له مثال قبل أبي العلاء، ولا بعده في سائر كتب البديع، لقلة وقوعه وتعذر اتفاقه، وإنما وقع للمتنبي نادرًا. قلت: أنا تابع، في هذا النوع، مذهب علامة هذا العلم، وهو الشيخ زكي الدين ابن أبي الأصبع -تغمده الله برحمته ورضوانه- فإنه كشف عن وجه الإشكال، وأرشد من كان متعلقًا بحبال المحال، فإن القوم أضربوا عن هذا النوع وهو ظاهر؛ لأن الشيخ زكي الدين قال: إضرابهم عن النظر فيه، إما لحسن ظنهم بالمعري وموضعه من الأدب، واعتقادهم فيه العصمة من الخطأ والسهو، وإما أن يكون مر عليهم ما مر عليه في هذا البيت، إذ ليس في البيت شيء أطاع الشاعر ولا شيء عصاه، ودليل ذلك قول المعري: إن المتنبي أراد مستيقظًا، ليحصل بينها وبين لفظة راقد طباقًا، فعصته لفظة مستيقظ.

стр. 875

لامتناعها من الدخول في هذا الوزن، وهذا محال؛ لأن المتنبي لو أراد أن يقول: يردُّ يدًا عن ثوبها وهو ساهر، لحصل له غرضه من الطباق، ولم يعصه الوزن، وإنما المتنبي قصد أن يكون في بيته طباق وجناس، فعدل عن لفظة ساهر إلى قادر؛ لأن القادر ساهر وزيادة، وحصل بين راقد وقادر الطباق المعنوي، وجناس العكس؛ لأن الطباق أنواع: منها المعنوي: كما أن الجناس أنواع: منها العكس، ومذهب المتنبي ترجيح المعاني على الألفاظ، ولا سيما وبالعدول عن الطباق اللفظي، حصل في البيت الطباق والجناس معًا، وما كان فيه الطباق والجناس معًا أفضل مما ليس فيه سوى الطباق. ولو عدل المتنبي إلى ما ذكره المعري، لفاته هذا الفضل، والله أعلم. وقد ثبت من هذا البحث، أن بيت المتنبي لا يصلح أن يكون شاهدًا على هذا الباب؛ لأنه لم يعصه فيه شيء ولم يطعه غيره، وكذلك بيت الشيخ صفي الدين في بديعيته وهو قوله: لهم تهلل وجه بالحياء كما ... مقصوره مستهل من أكفهم١ فإنه ذكر، في شرحه، أنه أراد الجناس، بين الحياء والحيا، ولما عصاه الوزن وتعذر التجنيس عدل إلى لفظة مقصوره، وهي ردف لفظة الحيا، فأطاعه الجناس المعنوي بإشارة ردفه إليه. اهـ. قلت: والذي قرره الشيخ صفي الدين أيضًا محال، ولو قال: لهم تهلل وجه بالحياء كما ... لنا الحيا مستهل من أكفهم لحصل له ما أراد من الجناس، وخلص من ثقل مقصوره، وحصل لبيته طلاوة في الأذواق، وخلا من العقادة، وتحقق المتأمل أن عصيان الوزن هنا محال، وكذلك بيت الشيخ عز الدين وهو: أطاعه وعصاه المؤمنون ومن ... ناواه ذا الفرق بين الإنس والنعم٢ فإنه ذكر، في شرحه، أنه أراد الطباق بين المؤمنين والكافرين، فعصاه الوزن وتعذرت المطابقة، فأتى بلفظة ناواه، فأطاعته المطابقة وعصاه الوزن. قلت: والذي قرره الشيخ عز الدين أيضًا ههنا محال، ولو قال: أطاعه وعصاه المؤمنون وجمـ ... ـع الكافرين ولم يحفل بجمعهم

стр. 876

لحصل له ما أراد من المطابقة بين المؤمنين والكافرين، وخلص من ثقل ناواه وتجشم الإنس والنعم التي زلزلت أركان بيته، وأما قوله: أطاعه وعصاه فهذه المطابقة تحصيل الحاصل؛ لأنها تسمية النوع الذي هو المراد هنا، وجل القصد: أن عصيان الوزن في بيت أبي الطيب، وبيت الشيخ صفي الدين وبيت الشيخ عز الدين محال. وبيت بديعيتي أقول فيه، عن الصحابة ﵃ أجمعين: طاعاتهم تقهر العصيان قدرهم ... له العلو فجانسه بمدحهم هذا البيت أردت أن أجانس فيه بين العلوّ والغلوّ، فلم يطع فيهما الوزن، فلما عصى ذلك عدلت إلى لفظة مجانسة، فحصل الجناس المعنوي بإشارة ردفه إليه، فهذا البيت مشتمل على الطاعة والعصيان حقيقة، فإن الناظم أراد فيه جناس التصحيف، فعصاه الوزن وأطاعه الجناس المعنوي. والعميان ما نظموه في بديعيتهم، والله أعلم.

стр. 877

ذكر المدح في معرض الذم: في معرض الذم إن رمت المديح فقل ... لا عيب فيهم سوى إكرام وفدهم هذا النوع، أعني المدح في معرض الذم، من أنواع ابن المعتز، وهو أن ينفي صفة ذم ثم يستثني صفة مدح، كقولك: لا عيب في زيد سوى أنه يكرم الضيف. وأعظم الشواهد على هذا النوع قوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا، إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ ١ ومن الشواهد الشعرية قول النابغة الذبياني: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب٢ ومنه قول الشاعر: ولا عيب فيكم غير أن ضيوفكم ... تعاب بنسيان الأحبة والوطن ومنه أيضًا قول الشاعر: ولا عيب في هذا الرشا غير أنه ... له معطف لدن وخد منعم٣ وبيت الشيخ صفي الدين الحلي: لا عيب فيهم سوى أن النزيل بهم ... يسلو عن الأهل والأوطان والحشم

стр. 878

وبيت العميان في بديعيتهم: لا عيب فيهم سوى أن لا ترى لهم ... ضيفًا يجوع ولا جارًا بمهتضم١ قلت: بين قول الشيخ صفي الدين، عن الضيف أنه يسلو عن الأهل والأوطان والحشم، وبين قول العميان عن الضيف، أنه لا يجوع، بون بعيد. وبيت الشيخ عز الدين: في معرض الذم إن رمت المديح فهم ... لا عيب فيهم سوى الإعدام للنعم وبيت بديعيتي: في معرض الذم إن رمت المديح فقل ... لا عيب فيهم سوى إكرام وفدهم

стр. 879

ذكر البسط: هم معشر بسطوا جودًا سقاه حيًّا ... فأخضر العيش في أكتاف أرضهم١ هذا النوع، أعني البسط، من مستخرجات ابن أبي الأصبع، والبسط بخلاف الإيجاز لكونه عبارة عن بسط الكلام، لكن شروطه زيادة الفائدة، كقول النبي ﷺ : "الدين النصيحة"، فقيل: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ولنبيه ولأئمة المسلمين وعامتهم". فبسط هذه اللفظة الجامعة، ليفرد الأئمة بالذكرمن جملة المسلمين، ولم يكن الاقتصار على الأئمة لأجل نقص المعنى، إذ تمامه لا يكون إلا بذكر عامة المسلمين، فأتى بذلك البسط ليفيد تتميم المعنى، بعد تخصيص من يجب تخصيصه بالذكر. ومن الأمثلة الشعرية المستحسنة على البسط، قول البحتري في الخيري وهو المنثور الأصفر: قد نفض العاشقون ما صنع الـ ... ـهجر بألوانهم على ورقه فإن حاصل هذا الكلام الإخبار بصفرة الخيري، فبسط اللفظ الذي لو اقتصر عيه لما حصل به المراد، لما في البسط من حسن إدماج الغزل في الوصف، بغير لفظ التشبيه ولا قرينة، إذ مفهوم اللفظ أن صفرة المنثور تشبيه ألوان المهجورين. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته: سهل الخلائق سمح الكف باسطها ... منزه قوله عن لا ولئن ولم

стр. 880

والعميان ما نظموه في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته: ذو بسط كف وخلق زانه خلق ... أثنى عليه إله العرش بالعظم وبيت بديعيتي، أنا مستمر فيه على مدح الصحابة، ﵃ أجمعين: هم معشر بسطوا جودًا سقاه حيًّا ... فأخضر العيش في أكناف أرضهم
следующие страницы →