← Адаб

Адаб · id 8675

خزانة الأدب وغاية الأرب لابن حجة الحموي

الحموي، ابن حجة

Полный текст (986 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

لحصل له ما أراد من المطابقة بين المؤمنين والكافرين، وخلص من ثقل ناواه وتجشم الإنس والنعم التي زلزلت أركان بيته، وأما قوله: أطاعه وعصاه فهذه المطابقة تحصيل الحاصل؛ لأنها تسمية النوع الذي هو المراد هنا، وجل القصد: أن عصيان الوزن في بيت أبي الطيب، وبيت الشيخ صفي الدين وبيت الشيخ عز الدين محال. وبيت بديعيتي أقول فيه، عن الصحابة ﵃ أجمعين: طاعاتهم تقهر العصيان قدرهم ... له العلو فجانسه بمدحهم هذا البيت أردت أن أجانس فيه بين العلوّ والغلوّ، فلم يطع فيهما الوزن، فلما عصى ذلك عدلت إلى لفظة مجانسة، فحصل الجناس المعنوي بإشارة ردفه إليه، فهذا البيت مشتمل على الطاعة والعصيان حقيقة، فإن الناظم أراد فيه جناس التصحيف، فعصاه الوزن وأطاعه الجناس المعنوي. والعميان ما نظموه في بديعيتهم، والله أعلم.

стр. 877

ذكر المدح في معرض الذم: في معرض الذم إن رمت المديح فقل ... لا عيب فيهم سوى إكرام وفدهم هذا النوع، أعني المدح في معرض الذم، من أنواع ابن المعتز، وهو أن ينفي صفة ذم ثم يستثني صفة مدح، كقولك: لا عيب في زيد سوى أنه يكرم الضيف. وأعظم الشواهد على هذا النوع قوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا، إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ ١ ومن الشواهد الشعرية قول النابغة الذبياني: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب٢ ومنه قول الشاعر: ولا عيب فيكم غير أن ضيوفكم ... تعاب بنسيان الأحبة والوطن ومنه أيضًا قول الشاعر: ولا عيب في هذا الرشا غير أنه ... له معطف لدن وخد منعم٣ وبيت الشيخ صفي الدين الحلي: لا عيب فيهم سوى أن النزيل بهم ... يسلو عن الأهل والأوطان والحشم

стр. 878

وبيت العميان في بديعيتهم: لا عيب فيهم سوى أن لا ترى لهم ... ضيفًا يجوع ولا جارًا بمهتضم١ قلت: بين قول الشيخ صفي الدين، عن الضيف أنه يسلو عن الأهل والأوطان والحشم، وبين قول العميان عن الضيف، أنه لا يجوع، بون بعيد. وبيت الشيخ عز الدين: في معرض الذم إن رمت المديح فهم ... لا عيب فيهم سوى الإعدام للنعم وبيت بديعيتي: في معرض الذم إن رمت المديح فقل ... لا عيب فيهم سوى إكرام وفدهم

стр. 879

ذكر البسط: هم معشر بسطوا جودًا سقاه حيًّا ... فأخضر العيش في أكتاف أرضهم١ هذا النوع، أعني البسط، من مستخرجات ابن أبي الأصبع، والبسط بخلاف الإيجاز لكونه عبارة عن بسط الكلام، لكن شروطه زيادة الفائدة، كقول النبي ﷺ : "الدين النصيحة"، فقيل: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ولنبيه ولأئمة المسلمين وعامتهم". فبسط هذه اللفظة الجامعة، ليفرد الأئمة بالذكرمن جملة المسلمين، ولم يكن الاقتصار على الأئمة لأجل نقص المعنى، إذ تمامه لا يكون إلا بذكر عامة المسلمين، فأتى بذلك البسط ليفيد تتميم المعنى، بعد تخصيص من يجب تخصيصه بالذكر. ومن الأمثلة الشعرية المستحسنة على البسط، قول البحتري في الخيري وهو المنثور الأصفر: قد نفض العاشقون ما صنع الـ ... ـهجر بألوانهم على ورقه فإن حاصل هذا الكلام الإخبار بصفرة الخيري، فبسط اللفظ الذي لو اقتصر عيه لما حصل به المراد، لما في البسط من حسن إدماج الغزل في الوصف، بغير لفظ التشبيه ولا قرينة، إذ مفهوم اللفظ أن صفرة المنثور تشبيه ألوان المهجورين. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته: سهل الخلائق سمح الكف باسطها ... منزه قوله عن لا ولئن ولم

стр. 880

والعميان ما نظموه في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته: ذو بسط كف وخلق زانه خلق ... أثنى عليه إله العرش بالعظم وبيت بديعيتي، أنا مستمر فيه على مدح الصحابة، ﵃ أجمعين: هم معشر بسطوا جودًا سقاه حيًّا ... فأخضر العيش في أكناف أرضهم

стр. 881

ذكر الاتساع: نور القبائل ذو النورين ثالثهم ... وللمعالي اتساع في عليهم هذا النوع، أعني الاتساع، يتسع فيه التأويل على قدر قوى الناظم فيه، وبحسب ما يحتمل ألفاظه من المعاني، كقول امرئ القيس: إذا قامتا تضوّع المسك منهما ... نسيم الصبا جاءت بريّا القرنفل فإن هذا البيت اتسع النقد في تأويله، فمن قائل: تضوع المسك منهما بنسيم الصبا، ومن قائل: تضوع المسك منهما بفتح الميم، يعني الجلد بنسيم الصبا، وهو أضعف الوجوه، والوجه الثاني مذهب ابن أبي الأصبع، وهو أنور الوجوه. ومن ذلك فواتح السور التي أقسم الله بها، فإنهم اتسعوا في تأويلها، ولم يترجح من ذلك إلا أنها أسماء للسور. وبيت الحلي في بديعيته قوله: بيض المفارق لا عار يدنسهم ... شم الأنوف طوال الباع والأمم١ والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته قوله:

стр. 882

بان اتساع المعالي في الصحابة كالفاروق ثم شهيد الدار ذي الحرم١ وبيت بديعيتي، أنا مستمر فيه على مدح الصحابة، ﵃ أجمعين: نور القبائل ذو النورين ثالثهم ... وللمعالي اتساع في عليهم

стр. 883

ذكر جمع المؤتلف والمختلف: جمعت مؤتلفًا فيهم ومختلفًا ... مدحًا وقصرت عن أوصاف شيخهم هذا النوع -أعني جمع المؤتلف والمختلف- ذكر المؤلفون فيه أقوالًا كثيرة غير سديدة، ومثلوه بأمثله غير مطابقة، ولم يحرره ويطابقه بالأمثلة الصحيحة اللائقة غير الشيخ زكي الدين بن أبي الأصبع، والذي تحرر عنده: أن هذا النوع عبارة عن أن يريد الشاعر التسوية بين ممدوحين، فيأتي بمعانٍ مؤتلفة في مدحهما، ويروم بعد ذلك ترجيح أحدهما على الآخر، بزيادة فضل لا ينقص بها مدح الآخر، فيأتي لأجل الترجيح بمعانٍ تخالف معنى التسوية، كقوله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ ١ فحصلت المساواة في الحكم والعلم، فساوى بينهما في أهلية الحكم، ثم رجح سليمان فقال: ففهمناها سليمان، ثم راعى حق الوالد فقال: وكلًّا آتينا حكمًا وعلمًا، فحصلت المساواة في الحكم والعلم. وكقول الخنساء في أخيها، وقد أرادت مساواته بأبيها مع مراعاة حق الوالد بزيادة مدح لا ينقص به حق الولد: جارى أباه فأقبلا وهما ... يتعاوران ملاءة الفخر٢ وهما وقد برزا كأنهما ... صقران قد حطا على وكر حتى إذا نزت القلوب وقد ... لزت هناك العذر بالعذر

стр. 884

وعلا طباق الأرض أيهما ... قال المجيب هناك لا أدري برقت صفيحة وجه والده ... ومضى على غلوائه يجري أولى فأولى أن يساويه ... لولا جلال السن والكبر وبيت الشيخ صفي الدين الحلي ﵀ في بديعيته قوله: هم هم في جميع الفضل ما عدموا ... سوى الإخاء ونص الذكر والرحم قلت: الحلي أساء الأدب في نظم هذا البيت، وكان يجب أن يؤدب على نظمه، فإنه بخس فيه حق صحابة رسول الله ﷺ وكذب في الثلاثة التي استثناها، وقال: إن الصحابة ﵃ عدموها وقوله: هم هم في جميع الفضل، لا يفهم منه مدح؛ لأنه سلبهم الفضل في الشطر الثاني من البيت، ولهذا قال الشيخ عز الدين في بديعيته مشيرًا إلى هذا البيت: هم هم في جميع الفضل ما عدموا ... ما قاله الرافضي النذل في الكلم١ وعلى هذا الترتيب الفاسد. فما اجتمع في بيت الصفي غير المختلف؛ لأن المؤتلف عنه بمعزل. والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم، وبيت الشيخ عز الدين في بديعيته قوله: جمع لمؤتلف فيهم ومختلف ... في العلم والحلم مع تقديم ذي قدم وبيت بديعيتي يجب أن لا يستشهد على هذا النوع بغيره، فإني قلت فيه، عن الصحابة ﵃: جمعت مؤتلفًا فيهم ومختلفًا ... مدحًا وقصرت عن أوصاف شيخهم

стр. 885

ذكر التعريض: تعريض مدح أبي بكر يقدّمني ... في سبق حُليِّهم مع موصليهم هذا النوع -أعني التعريض- نوع لطيف في بابه، وهو عبارة عن أن يكني المتكلم بشيء عن آخر، لا يصرح به، ليأخذه السامع لنفسه ويعلم المقصود منه، كقول القائل: ما أقبح البخل، فيعلم أنك أردت أن تقول له: أنت بخيل. وكقول بعضهم للآخر: لم تكن أمي زانية، يعرض بأن أمه زانية، والتعريض نوع من الكناية، ومن أمثلته الشعرية قول الحجاج، يعرض بمن تقدمه من الأمراء: لست براعي إبل ولا غنم ... ولا بجزار على ظهر وضم١ والشواهد على هذا النوع كثيرة، ولكن أردت أن أجعل العمدة فيه على بيتي المنتظم في سلك بديعيتي، فإنه من الأمثلة البديعة، وليس في هذا النوع له مثال، ولكن نبدأ ببيت الشيخ صفي الدين ﵀ لأجل الترتيب، وهو: ومن أتى ساجدًا لله ساعته ... ولم يكن ساجدًا في العمر للصنم والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي ﵀ قوله: تطويل تعريض شانئهم يعظمهم ... والرفض أقبح شيء موجب الأضم٢

стр. 886

وبيتي الذي أطنبت في وصفه، هو قولي بعد: جمعت مؤتلفًا فيه ومختلفًا ... مدحًا وقصرت عن أوصاف شيخهم تعريص مدح أبي بكر يقدمني ... في سبق حليهم مع موصليهم

стр. 887

ذكر الترصيع: نعم ترصع شعري واعتلت هممي ... وكم ترفع قدري وانجلت غممي هذا النوع، أعني الترصيع: هو عبارة عن مقابلة كل لفظة من صدر البيت، أو فقرة النثر، بلفظة على وزنها ورويها، وهو مأخوذ من مقابلة ترصيع العقد، ومن أمثلته الشريفة في الكتاب العزيز قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ١ ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ ٢ ومنه قول الحريري في المقامات: يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه. وإن كان مع الترصيع زيادة بديع، كطباق أو مقابلة أو جناس، كان ذلك زيادة حسنة. ومن أمثلته الشعرية قول أبي فراس: وأفعالنا للراغبين كرامة ... وأموالنا للطالبين نهاب ومنه قول الشاعر: فيا يومها كم من مناف منافق ... ويا ليلها كم من مواف موافق والمبرز في هذا النوع هو الذي يخلي نظم بيته من الحشو، والحشو فيه عبارة عن تكرار الألفاظ التي ليست من الترصيع، بحيث لا يأتي في صدر بيته بلفظة إلا ولها أخت تقابلها في العجز حتى في العروض والضرب، كقول ابن النبيه: فحريق جمرة سيفه للمعتدي ... ورحيق خمرة سيبه للمعتفي٣ فهذا البيت وقع الترصيع في جميع ألفاظه فإن المقابلة فيه حاصلة بين حريق

стр. 888

ورحيق، وبين جمرة وخمرة، وبين سيفه وسيبه، وبين المعتدي والمعتفي، وأبو فراس بيته خال من ترصيع العروض والضرب. والشاهد الثاني كرر فيه ناظمه حرف النداء، فدخل عليه الحشو. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في الترصيع قوله: من حاسر بغرار العضب ملتحف ... وسافر بغبار الحرب ملتثم١ صفي الدين فاته في هذا البيت ترصيع العروض والضرب وقد تسامحوا فيهما ولكن الغاية ما قررته في نظم هذا النوع، وأيضًا فإن الشيخ صفي الدين غير عاجز عن ذلك. فإن أتى في بيته بالحشو مع عدم ترصيع العروض والضرب، وناهيك أن العميان تبصروا له ونظموه في بديعيتهم، وهو: فهجر ربعي لذاك الربع مغتنمي ... ونثر جمعي لذاك الجمع معتصمي هذا البيت استشهد به العميان على الترصيع الواقع في جميع ألفاظ البيت، ولكن ذاك في مقابلة ذاك اعتذر عنهما الشيخ شهاب الدين أبو جعفر الشارح، وقال: إن معناهما مختلف، فإن الإشارة الأولى للربع، والثانية للجمع، وعلى كل تقدير فالنظر فيهما مجال. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته قوله: كم رصعوا كلمًا من در لفظهم ... كم أبدعوا حكمًا في سر علمهم الشيخ عز الدين رصع، حتى في العروض والضرب، ولكن كرر في بيته لفظة كم. ودخل عليه الحشو وهو من وفى، والكمال لله. وبيت بديعيتي أقول فيه بعد قولي في بيت التعريض: نعم ترصع شعري واعتلت هممي ... وكم ترفع قدري وانجلت غممي التنبيه على محاسن هذا البيت، كالتنبيه على محاسن بيت ابن النبيه، وفي حقوق هذا النوع في نظمه، وأما الجماعة المذكورون معه، فما منهم إلا من بخسه بعض حقه، لما أدخله في بيته. وقد تميز بيتي على بيت ابن النبيه أيضًا في ترصيع نظمه بزيادة جوهرتين، فإني قابلت فيه خمسة بخمسة، وابن النبيه وبقية القوم قابلوا أربعة بأربعة، والزيادة على ابن النبيه أيضًا في تسمية النوع الذي هو الترصيع، ولعمري إنها تورية ما رصع في العقود نظيرها، وهذا البيت مشتمل على الترصيع، والتورية، والجناس اللاحق، واللزوم، والتمكين، والموازنة، ومراعاة النظير، والسهولة والانسجام، والله أعلم.

стр. 889

ذكر السجع: سجعي ومنتظمي قد أظهرا حكمي ... وصرت كالعلم في العرب والعجم السجع: مأخوذ من سجع الحمام، واختلف فيه، هل يقال في فواصل القرآن أسجاع أو لا؟ فمنهم من منعه ومنهم من أجازه، والذي منع تمسك بقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ ١ فقال: قد سماه فواصل، وليس لنا أن نتجاوز ذلك. والسجع ينقسم أربعة أقسام: المطرف، والموازي، والمشطر، والمرصع. القسم الأول: المطرف، وعلى منواله نسج نظام البديعيات، وهو أن يأتي المتكلم في أجزاء كلامه، أو في بعضها بأسجاع غير متزنة بزنة عروضية، ولا محصورة في عدد معين، بشرط أن يكون روي الأسجاع روي القافية، كقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ ٢ وكقولهم: جنابه محط الرحال، ومخيم الآمال. ومن الأمثلة الشعرية قوله أبي تمام: تجلّى به رشدي وأثرت به يدي ... وفاض به ثمدي وأورى به زندي٣ الثاني: الموازي، وهو أن تتفق اللفظة الأخيرة من القرينة مع نظيرتها في الوزن والروي، كقوله تعالى: ﴿سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ ٤. ومنه قول النبي، ﷺ : "اللهم أعط منفقًا خلفًا، وأعط ممسكًا تلفًا". ومنه قول الحريري في المقامات: ألجأني

стр. 890

حكم دهر قاسط، إلى أن أنتجع أرض واسط. وقوله: وأودى بي الناطق والصامت، ورثى لي الحاسد والشامت. ومن أمثلته الشعرية قول أبي الطيب المتنبي: فنحن في جذل والروم في وجل ... والبر في شغل والبحر في خجل القسم الثالث: المشطر، وهو أن يكون لكل نصف من البيت قافيتان مغايرتان لقافيتي النصف الأخير، وهذا القسم مختص بالنظم، كقول أبي تمام: تدبير معتصم بالله منتقم ... لله مرتقب في الله مرتعب الرابع: المرصع، وقد تقدم الكلام عليه. قلت: وإذ كنت منشئ ديوان الإنشاء الشريف، أنشأت جميع ما يحتاجون إليه من الفوائد التي أخذتها عن علماء هذا الفن، فإن قصر الفقرات يدل على قوة المنشئ، وأقل ما يكون من كلمتين، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ١ وأمثال ذلك كثيرة في القرآن العزيز، لكن الزائد على ذلك هو الأكثر وكان بديع الزمان يكثر من ذلك، كقوله: كميت نهد٢، كأن راكبه في مهد، يلطم الأرض بزبر٣، وينزل من السماء بخبر. لكن قالوا: التذاذ السامع بما زاد على ذلك أكثر، لتشوقه إلى ما ورد منه متزايدًا على سمعه. وأما الفقر المختلفة، فالأحسن أن تكون الثانية أزيد من الأولى بقدر غير كثير، لئلا يبعد على السامع وجود القافية فتذهب اللذة، وإن زادت القرائن على اثنتين، فلا يضر تساوي القرينتين الأوليين، وإن زادت الثانية على الأولى يسيرًا، والثالثة على الثانية، فلا بأس، ولا يكون أكثر من المثل. ولا بد من الزيادة في آخر القرائن. مثاله في القرينتين: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدّا، تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّا﴾ ٤ فالثانية أطول من الأولى، ومثاله في الثالثة قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا، إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا، وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ ٥ ومن قواعد الإنشاء، أن تكون كل فاصلة مخالفة لنظيرتها في المعنى؛ لأن اللفظ إذا كان

стр. 891

من القرينة بمعنى نظيره من الأخرى كان معيبًا، كقول الصاحب بن عباد يصف منهزمين: طاروا واقين بظهورهم صدورهم، وبأصلابهم نحورهم. فالظهور بمعنى الأصلاب والصدور بمعنى النحور, ومنه قول الصابي: يسافر رأيه وهو لا يبرح، ويسير وهو ثاوٍ لا ينزح. ويبرح وينزح بمعنى واحد، ويسافر ويسير كذلك. ومن فوائد الإنشاء التي يطول بها باع المنشئ، أن السجع مبني على الوقف، وكلمات الأشجاع بين القرائن ويزاوج، ولا يتم له ذلك إلا بالوقف، إذ لو ظهر الإعراب، لفات ذلك الغرض، وضاق ذلك المجال على قاصده، ألا ترى أنهم لو بينوا الإعراب، مثل قولك: ما أبعد ما فاتَ، وما أقرب ما هو آتٍ، للزم أن تكون التاء الأولى مفتوحة، والثانية مكسورة منونة فيفوت غرض الاتفاق؟ ومن ذلك أن السجع مبني على التغيير، فيجوز أن تغير لفظة الفاصلة لتوافق أختها، فيجوز فيها حالة الازدواج ما لا يجوز فيها حالة الانفراد. فمن ذلك: الإمالة، فقد يكون في الفواصل ما هو من ذوات الياء وما هو من ذوت الواو، فتمال التي هي من ذوات الواو وتكتب بالياء حملًا على ما هو من ذوات الياء، لأجل الموافقة، نحو قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ ١. أميلت والضحى وكتبت بالياء حملًا على ما هي من ذوات الياء، لأجل الموافقة، وكذلك: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ٢ أميلت فيها ذوات الواو وكتبت بالياء حملًا على ما هي من ذوات الياء. ومن ذلك، حذف المفعول، نحو قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ٣. الأصل وما قلاك. حذفت الكاف لتوافق الفواصل. ومن ذلك، صرف ما لا ينصرف، كقوله تعالى: ﴿قَوَارِيرَا، قَوَارِيرَا﴾ ٤ صرفه بعض القراء السبعة، ليوافق فواصل السورة الكريمة. ولو تتبع المتأمل ذلك في الكتاب العزيز، لوجده كثيرًا. ومما جاء من الحديث٥، قوله ﷺ : "أعيذه من الهامة والسامة، ومن كل عين لامة". والأصل: عين ملمة؛ لأنه من ألم، ولكنه لأجل الموافقة قيل: لامة، ومنه قوله ﷺ : "ارجعن مأزورات غير مأجورات". الأصل: موزورات بالواو؛ لأنه من الوزر، ولكن ليوافق مأجورات. ومنه قوله ﷺ : "دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم". الأصل: ما وادعوكم، ولكن حذف الألف ليحصل الاتفاق مع تركوكم.

стр. 892

وسمعت أن بعض علماء الإنشاء صنع مؤلفًا في أحكام الفواصل. ومن ذلك أن المراد من علم الإنشاء: البلاغة في المقاصد. والبلاغة هي أن يبلغ المتكلم بعبارته كنه مراده، مع إيجاز بلا إخلال، وإطالة من غير إملال. والفصاحة خلوص الكلام من التعقيد. وقيل: البلاغة في المعاني والفصاحة في الألفاظ، فيقال: لفظ فصيح ومعنى بليغ. والفصاحة خاصة تقع في المفرد، يقال كلمة فصيحة ولا يقال كلمة بليغة، وأنت تريد المفرد، فإنه يقال للقصيدة كلمة، كما قالوا: كلمة لبيد. ففصاحة المفرد خلوصه من تنافر الحروف، والفصاحة أعم من البلاغة؛ لأن الفصاحة تكون صفة للكلمة والكلام، يقال: كلمة فصيحة وكلام فصيح. والبلاغة لا يوصف بها إلا الكلام، فيقال: كلام بليغ، ولا يقال: كلمة بليغة. واشتركا في وصف المتكلم بهما فيقال: متكلم فصيح بليغ. فمن الإنشاء الفصيح البليغ، قول ابن عباد، وقد قيل له: ما أحسن السجع! فقال: ما خف على السمع. فقيل: مثل ماذا؟ قال: مثل هذا ومنه، ما كتب به عبد الحميد، عند ظهور الخراسانية بشعار السواد: فاثبتوا ريثما تنجلي به هذه الغمرة، وتصحو هذه السكرة، فينصب السيل وتمحى آية الليل. ومنه قول أبي نصر العتبي: دب الفشل في تضاعيف أحشائهم، وسرى الوشل١ في تفاريق أعضائهم، فجيوب الأقطار عنهم مزرورة٢، وذيول الخذلان عليهم مجرورة. ومنه قول الصابي: نزغ به شيطانه، وامتدت في الغي أشطانه٣. ومنه قول بديع الزمان: كتابي إلى البحر وإن لم أره، فقد سمعت خبره، والليث وإن لم ألقه، فقد تصورت خلقه، ومن رأى من السيف أثره، فقد رأى أكثره. ومنه قول القاضي الفاضل ﵀: ووافينا قلعة نجم وهي نجم في سحاب، وعقاب في عقاب، وهامة لها الغمامة عمامه، وأنملة إذا خضبتها أيدي الأصيل كان الهلال لها قلامة. ويعجبني في هذا الباب، من إنشاء الشهاب محمود قوله في وصف مقدم سرية: لا زال في مقاصده أخف من وطأة ضيف، وفي مطالبه أخفى من زورة طيف، وفي تنقله أسرع من سحابة صيف، وأروع للعدا من سلة سيف. ومثله في الحسن قوله في صدر مثال شريف سلطاني: أصدرناها والسيوف قد أنفت من الغمود ونفرت من قربها، والأسنة قد ظمئت إلى موارد القلوب وتشوقت إلى الارتواء من قلبها، والسيوف قد أضرمت الحمية.

стр. 893

للدين نار غضبها، وعداها حر الإشفاق على ثغور المسلمين فأعرضت عن برد الثغور وطيب شنبها، والحماة ما منهم إلا من استظهر بإمكان قوته وقوة إمكانه، والأبطال ما فيهم من يسأل عن عدد العدو بل عن مكانه. قلت: ما أوردت كثيرًا من الإنشاء ههنا إلا لأن يطيب للتأمل تنقله من شطوط البحور، إلى التنزه في رياض المنثور. فمن ذلك ما أنشأته في تقليد مولانا المقر الأشرف المرحومي القاضوي الناصري، محمد بن البارزي الشافعي، بصحابة دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية المحروسة، وهو قولي: وقد أوصلناه إلى رتبة استحقاقه من رتب المعالي، ورقيناه إلى درجات الكمال، علمًا أن الكمال ما خرج عن بيته العالي، فإنه المنشئ الذي ما للصاحب دخول إلى ديوانه، ولا لابن عبد الظاهر بلاغته وقوة سلطانه، ولا للشهاب محمود أن يباهي كماله في طارفه وتليده، ولا للقاضي الفاضل شرف البارزي وتمييزه ولو بالغ في كثرة شهوده، ما نثر في كمام طرسه١ زهره إلا وأرانا ذيول زهر المنثور، ولا قرع أبواب المصطلح إلا فتحت ودخل بيتها بغير دستور، ولا تسنم منبرًا إلا أجاد بألفاظ كان مزاجها من تسنيم، وقالت البلغاء للفصاحة المحمدية ما ثم إلا الرضا والتسليم. ومنه ما أنشأته في تقليد ولده، وهو مولانا المقر الأشرف الكمالي عظم الله شأنه، بصحابة دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية المحروسة، وهو قولي: فإنه من البيت الذي وهبه الله شرف العلم ورحم منه كل ميت، فقل لكل من مشايخ الإسلام ناشدتك الله هل تنكر هبة الله لهذا البيت، وما خفي أن إمامكم الأعظم أول من راعى حقوقه وبادر إلى رفع مثاله، وشرع في رفع قواعده وتشييد كماله، ولهم هذا الفرع الذي زكت أصوله وسقيناه ماء القرب فأتمر، وقد أنبته الله نباتًا حسنًا والنبات الحموي حسنه لا ينكر. غاب نيره الأكبر فأبدر بعده وهذا البدر في كماله ما أبهاه، ولجأ إلى الله ثم إلينا فزاده الله كمالًا وعلمنا أن الكمال لله، وسلكناه في حياة والده فكان لمشيختنا الشريفة نعم المريد، وأخذ عنا الأدب فجاد نظمه وها هو في البيوت البارزية بيت القصيد، والكتابة دون كماله ومحاسنه تجل أن تقابل بمثال، وإن كان الكمال زها بحاشيته فحاشيتنا زهت بهذا الكمال، وكان والده عقدًا فرط فيه الزمان ولكن استدرك فارطه، وقد نظمناه في عقد سلكنا الشريف إلى أن صار به نعم الواسطه. وامتدت ألسن الأقلام إلى ثغور المحابر فقبلتها، وانشرحت صدور الأوراق وعلق فيها عنابر سطور فحملتها، وقالت لحمر أقلامه: أهلًا بالعربيات التي ليس لها إلا الأيدي الجهينية غرر، ومرحبًا بعد النوبة بقهوة الإنشاء

стр. 894

فإن شباب الزمان قد عاد وزهر المنثور قد زهر، وجاء الإمام الذي إن كتب تقليدًا قالت البلغاء هذا الإمام الذي يجب تقليده، وهذا هو الخليفة على السر الشريف وأمينه ومأمونه ورشيده. إن تحمس في إنشائه قال الجبان لا أقعد الجبن عن الهيجا، أو استطرد إلى وصف روض ممرج زاد هرجًا ومرجا، أو ترسل غراميًا فما حديقة زهير عند زهر منثوره، أو كتب عنا تهديدًا سال جامد الصخر، ولو سمعت الجوزاء حديثه لسقطت مع الحصى عند خريره فإنه المنشئ الذي ما اعتقل رمح فمه بيمينه وهزه هزه، إلا قال كل منشئ دخلت أصبع قلمي. من دواتي تحت رزه١. ولا حرك من دوح أقلامه فرعًا إلا تساقط بين الأوراق ثمرات شهيه، فلو أدركها الصاحب لقدمها وأخر الفواكه البدرية، ولو ناسبه الفتح لقابله المؤمنون بالقتال، وكان والده قد اعترف بكماله وهذا هو التقليد لثبوت ذلك الاعتراف أسجال٢، فإنه الأمين الذي إن تصرف في مزررتنا٣، الشريفة، فقد ثبت أن توثيق العرا٤ لبيته العالي، أو أملى في ديواننا الشريف كانت أماليه أمالي المحب لا أمالي القالي٥ ولولا خشية الإطالة، لأوردت هذا التقليد الشريف بكماله؛ لأنه في صناعة الإنشاء لنسيج وحده. ومنه ما أنشأته عن ملانا السلطان الملك المؤيد، سقى الله ثراه من غيث الرحمة جوابًا عن مكاتبة الملك الناصر صاحب اليمن، وهو: لا زال جناس مجده سعيد الحركة بين اليمن واليمن، وسيفه اليماني لم يرض بمجانسة سيف بن ذي يزن، والأمة بأحمدها تهنأ بجنات عدنٍ٦ في عدن، ولا برحت صنائعه بصنعاء محبرة حتى في سطور الطروس، وأقلام الثناء سود اللمم بمدحه ولو تركت لاعتراها شيب الرءوس، وتحياته المكرمة مخصوصة منا بشرف التسليم، وبدور مودته سافرة في ليالي سطورها بين بديعي التكميل والتتميم، أصدرناها وشاهد المودّة قد وضع رسم شهادته وكتب، وأثبت مقدمات الإخلاص فحكم له قاضي المحبة بالموجب، وأودعناها من السلام ما تعمه رحمة الله وبركاته، ومن طيب الثناء ما يتأرج بين إدراك ذلك المندل٧ الرطب نفحاته، ومن خالص المودة ما يضم به بعد حسن المخلص من طيب أعرافه حسن الختام، ومن سجعات

стр. 895

الأشواق كل مصونة ليس لها غير سواد النقس لثام. وتبدى لعلمه ورود المثال العالي بطيب تلك المعادن التي ود النسيم أن يقيدها ويحتبس، ولقد رافقها الاكتساب اللطيف ولكن سرق من طيب عرفها وتكلم بنفس، فأكرم به مثالًا أرانا خفر الملك على كل قرينة لها من حجب البلاغة ستور، وخدامها من سود سطورها وبيض طروسها عنبر وكافور، ورد صحف الصفاء صقيلة فتمثل فيها، وأظهر من أوراقه ثمرات المودة ونحن بيد القبول نجنيها، وقدم من ذلك الحرم الأحمدي فكان أكرم وافد قوبل منا بالإكرام، وفتح أبواب الدخول إلى السلام فسلمنا وقلنا لخواصنا ادخلوها بسلام. ولقد ثملنا بكأس إنشائه وهو بحضرتنا الشريفة دائر، وعلمنا أن هذا الإنشاء لا يصدر إلا من فاضل والفاضل لا ينسب إلا إلى الناصر، وتغزلنا في محاسنه بحيرة اليمن بعد تغزلنا بحيرة العلم، وراعنا تحمس بلاغته فقلنا هذا لا يصدر إلا من رب سيف وقلم، وود كل دوح أن يملأ طروس أوراقه بريحان سطوره، وتطفل كل روض أريض١ عند وروده على زهر منثوره، وقالت فصاحته وتلك البلاغة التي جاءت بسحر البيان، هل يفتى لنا بصدق المحبة فقال لهما القلب: قضي الأمر الذي فيه تستفتيان، فهذا نفس طيب عرفنا معدن طيبه فلم نقل من أين، وهذه سلافة إنشاء دارت سلطانياتها فأنشأت أهل الخافقين٢، وهذا سحر صدقت عزائمه في العطف والقبول بين الملكين، وأبطل هذا السحر الحلال ما حرم ببابل من سحر الملكين٣، واشتمل على نظم ونثر رأينا شعار السلطنة عليهما عيانا٤، كأن البلاغة قالت لهما قديمًا سنجعل لكما سلطانا٥، فيا له من مثال تدرع زرد ميماته فقلنا لا طعن فيك لطاعن، وتشرع طباق بديعه فكانت على أكناف النيل من أثره مساكن، وأطرب بأنفاس علمنا أنها من يراع ما برح بالسعادة موصولًا، وطاف في حضرتنا الشريفة بكاس يمانية كان مزاجها زنجبيلا٦. ولقد أكثر هذا المقال في كتابه المبين من إيناس الخطاب، وقضت به الوحشة أجلها فقلنا لكل أجل كتاب. وهذا الجواب أيضًا، لولا خشية الإطالة لاستوعبته بكماله، فإن اليمن ما دخل إليها من الديار المصرية نظيره، والله أعلم.

стр. 896

ومنه ما أنشأته عن مولانا السلطان الملك المؤيد -سقى الله ثراه- جوابًا عن مكاتبة وردت من صاحب تونس، وهو المتوكل على الله أبو فارس عبد العزيز ﵀ وهو: لا زالت سيوف عزائمه في الجهاد ماضية الضرب، ولا برح جوده وإقدامه متطابقين في السلم والحرب، تخصه بسلام هو لنا والشوق برد وسلام، وسقاية وداد ماء زمزم تسنيم قبولها إلا تعالى ذلك المقام، وتحيات تنطق بها عن مواظبة الخمس١ ألسنة الأقلام، وثناء يقلد بخالص عقوده جيد الزمان، وينسى قلائد العقيان، ومحبة يقمر صدقها في ذلك الأفق الغربي ويشمس، وتزيل وحشة من سلا عن غيرها في المغرب وتونس ... واستطردت مفاوضتكم إلى الوصية بحاج المغرب فبادرنا إلى قبول ذلك، فإن هذا قد يتبرك من النجب السائرة به بالمبارك، وقد أعدناه مصحوبًا بالسلامة وحداته٢ تطرب بنغمتها الحجازية، وتهيم اشتياقًا عند تشبيبها بذكرالطلعة المتوكلية، وأعدنا جواب ذلك على يد رسولكم الذي لم يقابل منا بغير القبول، ليكون خالص ودنا متمسكًا بالكتاب والرسول. ومنه ما كتبته جوابًا عن مكاتبة وردت من الجناب العالي، الناصري محمد بن أبي يزيد بن عثمان، وهو: لا زالت تحياته مخصوصة منا بشرف التسليم، وسيره العثماني محفوظًا في بيعة المودة بالتقديم، وشعراء الإخلاص في كل بيت من معاني محبته تهيم، وفروض الجهاد بسيوفه المسنونة في كل وقت تقام، وبلاده الإسلامية محروسة بالجناب المحمدي ﵇، وهمزات عوامله بصدور الكفار موصوله، وألسن سيوفه بثغور بلادهم من رشف أرياق دمائهم مبلولة، ولا برح يجاهد في سبيل الله برًّا ويتخذ في البحر سبيله، فإنه من الذي علا بمحمد مقامه، وانسجم بالخلف العثماني نظامه، واقتدى بمشيختنا المؤيدية والنجح في هذا الاقتداء له شريك، وساعدته تورية السعادة لما تمسك بقول من قال: ولا بد من شيخ يريك، ولم يبق بعد الاقتداء بهذه المشيخة إلا الفتوحات المقبوله، والمشاركة في القبول على ما يرضي الله ورسوله، صدرت هذه المفاوضة إلى الجناب المحمدي تأرّج بطيب السلام عليه، وتنسم نسيمات القبول من أخبارها الطيبة ما تنقله إليه، وحملناها ثناء أطلقنا عنان كميت القلم وهو غرة في جبهته، وتوجهت رءوس الأقلام قبل ركوعها إلى قبلته، "ومن الإنشاء الملوكي ما أطلق به فصيح القلم لسانه وخضر الشباب على عوارض نفسه ومحاسن سجعاته، وقال الفاضل الناصر هذا الإنشاء الذي ما خرس لسانه قلمه ولا شابت لمة دواته" وتبدى لعلمه الكريم ورود ما أهداه من

стр. 897

ثمرات المودة يانعًا في أوراقه، مختالًا في شعار الإخلاص فعلمنا أنه عنوان لعهده وميثاقه، وقد أتحف من نبات الإيناس ما غرس بأكناف النيل فحلا نباته، ودنت قطوف أنسه وظهر في فروع المحبة ثمراته، فاقتطفنا زهر المنثور من رياضه عند الورود١، وتغزلنا في رقم سطوره على بياض طروسه بين العوارض٢ والخدود. وطالعنا مجموع محاسنه الذي لم ينس فعلمنا أنه للملوك تذكرة، وتبصرنا فيما أدهش من حكمه فرأينا المدهش في التبصرة، وقلنا هذه لمعة لو أدركها السراج لقصر لسانه وقال: سراج الملوك حرمته قوية، أو القاضي السعيد لقال: ما لسناء الملك بهجة عند هذه الأنوار المحمدية ... وقد تيقظت عيون عزمنا الشريف للجهاد وعن قريب تهدر مقل السيوف أجفانها، وتتجرد لقتال المشركين وقد تكنى لها النصر بأبيه فأيد سلطانها، وإذا قدحت سيوف الدولتين في عباب البحر على الكفار نارًا، تلا لسان النصر: ﴿لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ ٣. "ومن إنشاء الفاضل عن الناصر هنا ما يحسن أن يشنف به سمعه الكريم، فإنه عن أبي الفتوحات الذي مشى على هذا الصراط المستقيم" وهو: إذا كان الله قد أعطانا البلاد وهي آلة المقيم الراتب٤. وأعطاهم المراكب وهي آلة الظاعن٥ الهارب، فقد علمنا لمن عقبى الدار، ومن ينقله الله تعالى انتقال قوم نوح من الماء إلى النار. فالجناب يوطن نفسه على حسن المآل في الحالين، ويعلم أنه من المكرمين في الدارين٦، وقد تلمظت٧ ألسن سيوفنا شوقًا لحلاوة نصره، وتحركت عيدان رماحنا طربًا عند سماع ذكره، ونفضت جوارح سهامنا ريش أجنتها لاقتناص تلك الغربان، وهامت فرساننا المؤيدية إلى منازل الأحباب لتريه من أعدائه مقاتل الفرسان، فإنه المجاهد الذي حظ بني الأصفر في البحر الأزرق من بيض سيوفه أسود، وكم أذاقهم الموت الأحمر، وكمال التدبيج يقول أهلًا بعيش أخضر يتجدد، وتتولد نصرتنا عنده برفع راية الفرح في كل وقت عليه مبارك، ويتأيد بعز نصرنا المؤيدي حتى يقول له لسان الحال: أعز الله أنصارك، فتقديمه العثماني من جهة الاستحقاق قد ثبت عندنا وتقرر، وهو اليوم إمام المجاهدين الذي ما صلت سيوفه في محراب القتال إلا قال مرقي النصر الله أكبر. والله

стр. 898

يجريه على أجمل العوائد من هذا النصر، ليصير الكافرون في زلزلة من قارعة سيوفه بهذا العصر. ومنه ما كتبته جوابًا عن مولانا السلطان الملك المؤيد -سقى الله عهده- عن مثال كريم ورد من قرى يوسف صاحب العراقين، وهو: أعز الله أنصار المقر الكريم العالي الجمالي اليوسفي، لا زالت زوراء العراق في أيامه القويمة مستقيمة الجانبين، وحلتها الفيحاء عالية المنار وشمل الدين بها مجتمعًا في الجامعين، وعراق العرب والعجم بارزين من محاسنه اليوسفية في حلتين، فلامية العرب تقول: ولولا اجتناب الذم لم يلف مشرب ... يعاش به إلا لديّ ومأكل ولامية العجم تقول: حلو الفكاهة مر الجد قد مزجت ... بشدة البأس منه رقة الغزل فأكرم بهما لامين دارا على وجنات الطروس لكمال المحاسن اليوسفية، وفتحت لها الميمات أفواه الشكر؛ لأنها من الأحرف المؤيدية، أصدرناها إلى المقر وسواجعها تغرد بالثناء بين أوراقها، وألسن الأقلام قد أودعت صدور طروسها سر أشواقنا عند انطلاقها، فإنها الصدور التي تعرب من نفثاتها عن ضمائر الأشواق، وإذا أطلقت من فض الختم خففت أجنحتها بذلك الثناء على الإطلاق، ونبدي لكريم علمه ورود البشير بالقرب اليوسفي، وقد حل بالأسماع قبل رؤيته تشنف، وهبت نسمات قبوله فأطفأت ما في القلوب من التلهف، وضاع نشرها١ اليوسفي، فقال شوقنا اليعقوبي: إني لأجد ريح يوسف، وتأملنا كريم مثاله فوجدناه قد مد أطناب المحبة وخيم على معاني المودة، وحام عليه صادي الأشواق فوجده منها قد أعذب الله في مناهل الصفاء ورده، وأومض البرق في الظلمات من رقم سطوره فما شككنا أنه نظم برده، فهو مثال يوسفي ولكن ظهر السر الداودي من فصل خطابه، وصدقنا رسوله لما جاءنا بكريم كتابه، والتفتت من كناس سطوره آرام الإيناس فاقتنصنا منها ما هو عن العين شارد، وألفت القلوب على الولاء فضربت الأعداء من جماد الجسد في حديد بارد، وأمست الدجلة والنيل لامتزاجهما بسلاف المحبة كالماء الراكد، وهذه ألفة خولتنا في نعم الله وزمام الأخوة منقاد إلينا، وقد تعين على المقر أن يقول: أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا، وسرتنا الإشارة الكريمة بالتمكين من أرض الأعداء ومطابقة الطول بالعرض، وعلمنا أن هذا الاسم الكريم قد

стр. 899

شملته العناية قديمًا بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ ١ وأما قرا عثمان فمقل سيوفنا ما غمضت عنه في أجفانها، وأنامل أسنتنا، ما ذكرت نوبته إلا شرعت في جس عيدانها، وجوارح سهامنا ما برحت تنفض ريش أجنحتها للطيران إليه، وإن كان معنى سافلًا فلا بد لأجل الغرض اليوسفي أن نخيم عليه، وننزل سلطان قهرنا بأرضه، ونغرس فيها عوامل المران٢، وإن كانت من الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يهمل إلا لاشتغال الدولتين بالدخول في تطهير الأرض من الخوارج، وإيقاع الضرب الداخل بعد جس العيدان في كل خارج، وقد آن سله لئلا يكون بين المحب والمحبوب رقيبًا، ولا بد أن يجانسه العكس ويرى ذلك قريبًا، ويدهمه من أبي النصر أبناء حرب شرف في أنساب الوقائع جدهم، ورد الجموع الصحيحة إلى التكسير فردهم، وإذا كثرت الخدود وتوردت بالدماء غردت بورق الحديد الأخضر مردهم٣، وإذا امتدوا إلى أمد تلالهم حصنهم سورة الفتح قبل القتال، فإنهم مريدون ولهم شيخ منحه الله بكثرة الفتوح والإقبال، وإذا صرفوا الهمم المؤيدية لم تكن لهم حصونهم عند ذلك الصرف مانعة، ولم يسمع لساكنها مجادلة إذا صدموا بالحديد وتلت تلك الحصون الواقعة٤، وإن كانت المنايا غابت عنه مدة، كلمته ألسنة سيوفهم وقالت حصرت، وإذا طرق بروجه منهم طارق رأى سماء تلك البروج قد انفطرت، وما خفي عن كريم علمه ما جمعه الناصر من الجموع التي مزقها الله أيدى سبأ، وكم سائل سأل وقد رآهم في النازعات عن ذلك النبأ. وقد أشار بعض شعراء دولتنا الشريفة إلى ذلك بقصيدة كامل بحرها مديد، ولكن القصد هنا من أبيات تلك القصيدة: يا حامي الحرمين والأقصى ومن ... لولاه لم يسمر بمكة سامر والله إن الله نحوك ناظر ... هذا وما في العالمين مناظر فرج على اللجون نظم عسكرا ... وأطاعه في النظم بحر وافر٥ فانبت منه زحافه في وقعة ... يا من بأحوال الوقائع شاعر٦ وجميع هاتيك البغاة بأسرهم ... دارت عليهم من سطاك دوائر وعى ظهور الخيل ماتوا خيفة ... فكأن هاتيك السروج مقابر

стр. 900

وما خفي عن علمه الكريم أمر الذين نقضوا بيعتنا بعد الناصر فاشتروا الضلالة بالهدى، ودعوا سيوفهم الصقيلة لما حاق١ بهم المكر السيئ فأجابهم الصدا، ولم يكن لحرارة عزمنا الشريف عند عصيانهم البارد فترة٢، حتى أظهرنا تلون الشام من دمائهم على تدبيج الدروع ألوان النصرة، وأخذوا سريعًا شبان حرب ما شابت عوارضهم إلا بغبار الوقائع، وحكم برشدهم ولم يخرجوا من تحت حجر المقامع٣، وقد أسبع الله ظلال الملك وخيم به على الدولتين، ولم يظهرلمحراب بهجة إلا بهاتين القبيلتين، ولو صلت السيوف لغيرهما ما قبلت، أو صرفت العوامل٤ للإعراب عن سواهما ما عملت، وقد فهمنا كريم الالتفات إلى أن تدار كئوس الإنشاء بيننا ممزوجة بصافي المودة، وعلمنا أنها أحكام صحيحة في شرع الأخوة. وهذه الأحكام عندنا عمدة، وتالله لقد سابق القصد اليوسفي بسهام مراده إلى الغرض، وقضى حاجة في نفس يعقوب لي عنها عوض، ولم يبق إلا اتصال شمل الأوصال بكل رسالة سطور الأخوة في رقاعها محققة، وتصديق ما يقصه في الجواب فإن القصة اليوسفية ما برحت مصدقة، والله تعالى يمتع الأسماع والأبصار بمشاهدة مثلته وطيب أخباره، ويفكهنا من بين أوراقها بشهي ثماره. ومما أنشأته بالديار المصرية، وحصل إجماع الأمة على أنه من الأفراد، تقليد مولانا قاضي القضاة جلال الدين شيخ الإسلام البلقيني -نور الله ضريحه- بعد عزل الهروي، ويوم قراءته بالجامع المؤيدي أرخه المؤرخون، وذكروا أنه لم يتفق بملك مصر يوم نظيره، وهو: الحمد لله الذي أبان فضل العرب على العجم في الكتاب والسنة، وأظهر جلال سراجهم المنير فأوضح بحسن تدريبه طريق الجنة، وأزال ظلم الجهل بنور هذا الجلال فله الحمد على هذه المنة، ونكرر حمده على نصرة أصحاب الشافعي وعود جيرته إلى منازلها العالية، ونشكره على نيل الغرض بسهام ابن إدريس فمن جهل أحكام القضاء أمست عليه قاضية، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نستعين بحسن أدائها على القضاء والقدر، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي من قابل شريعته المطهرة بدنس الجهل فقد كفر، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين أزالوا بفصاحتهم

стр. 901

العربية كل عجمة، وتميزوا على العجم بقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ وهذا التمييز نصبه مرفوع على كل أمة، صلاة نسن بها سيوف السنة على من تسربل بدروع ضلاله، ونقيم حدودها على من بدل حديث النبي ﷺ وجهل أسماء رجاله، وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فالهناء بنصرة هذا الدين القيم بين هذه الأمة مشترك، وكيف لا وقد ظهر جلاله مقمرًا وأنشدوا: يا ليل طل أو لا تطل ... فليس نرعى قمرك وقد حلا مكرر الحمد بنشر الأعلام المؤيدية على أئمتنا الأعلام٢، وحلت أيضًا مواقع التورية بنصرة شيخ الإسلام، فهو الليث الذي كان لظما العلماء إلى إمامهم نعم الغوث والغيث، حتى تأيدوا بمؤيدهم وأعز الله أنصارهم بالشافعي والليث، حجبناه عن غيوم العزل، وقلنا وقد ساعدنا رأينا الشريف في إظهاره: أصالة الرأي صانتني عن الخطل ... وحلية الفضل زانتني لدى العطل٣ وولى غيره فأنشد كل عالم أظلم ضوء نهاره: ما كنت أوثر أن يمتد بي زمني ... حتى أرى دولة الأنذال والسفل واعتلت كتب العلم فقالت وعيون سطورها باكية: لعل إلمامة بالجذع ثانية ... يدب منها نسيم البرء في عللي وأنشد لسان حال شيخ الإسلام وقطوف قربه دانية: تقدمتني رجال كان شوطهم ... وراء خطوي لو أمشي على مهل وأشار إلينا وقال وخواطرنا الشريفة بإشارته راضية: لعله إن بدا فضلي ونقصهم ... لعينه نام عنهم أو تنبّه لي فتنبهنا له وقلنا لضده وقد أهبطناه من تلك الرتبة العالية: فإن جنحت إليه فاتخذ نفقًا ... في الأرض أو سلمًا في الجو فاعتزل وكيف يطلب من نار خامدة هدى، أو يجعل السراب ماء، وإذا دعونا الري جاوبنا الصدى، ويأبى الله أن يطابق سحبان بباقل، أو يجاري فارس العلم براجل: ومن يقل للمسك أين الشذى ... كذبه في الحال من شما

стр. 902

وتالله لقد زادنا بحجبه في غيوم العزل علمًا بعلو مقداره، وكان عزلًا أظلمت بسببه الدنيا إلى أن من الله على المسلمين بإبداره، وقالت الأمة ذلك ما كنا نبغي، واستوفى كل عالم شروط المحبة واستوعب، وعلمنا أن الحكم العدل حكم بتقديم هذا الإمام بالموجب، أنلنا وظيفته غيره فزلزلت الأرض زلزالها، وقلنا يخف على قلبنا فأخرجت الأرض أثقالها، وأظهرنا جلال العرب فأطلقوا أعنة بلاغتهم في ميادين الفصاحة، وما أحقهم هنا بقول الفاضل: وتناجدت أهل نجد فكل صاح يا صباحه، وعلمنا أن هذا فضل رفل به أبناء العرب في حلل التقديم، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، وامتلأ صحن جامع القلعة بحلاوة هذه البشرى، وهلل مؤذنوه وذكروا طلعته الجلالية فكبروا وأنشدوا: لو أن مشتاقًا تكلف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر وأزهرت هذه البشرى في ربيع ولكنه ربيع الأبرار الذي نزه الله روحه وريحانه عن كل نمام، وصان فيه المسلمين ممن يأكل أموال الناس بالباطل ويدلي بها إلى الحكام. ونشر الله أعلام كتب العلم وزاد الله بالسيف المؤيدي إسعافها. وكانت ستور الجهل قد أسبلت على التفاسير فأظهر السر للآي كشافها، أما القراءات فهي في قرى١ شيخ الإسلام وفضله فيها عاصم من الجهل ونافع٢ وأما الحديث فهو مجلي مبهماته بنور جلاله الساطع. وأما العربية فقد ظهر بعد وعر العجم تسهيلها، وشرعت بيوت العرب لشواهدها وأكرم نزيلها. وأما المعاني فقد أظهر الله بيانها وجليت بها عروس الأفراح واهتدينا بنور جلالها ففتحت لنا أبوابها بغير مفتاح. وأما المنطق فمقدمات منطقه العذب أرتنا نتائجه يقينًا، وأما العقليات فما رأينا لمن ناظره فيها في هذه المدة عقلًا ولولا الحياء لقلنا ولا دينا، وها هو قد نبه الفقه من سنة الغفلة بعدما أمرض الجهل عيونه وأرمد، والحاوي أظهر ما حواه من العلم بعدما كان هلك أسى وتجلد، والروضة أزهرت في حدائق هذه المسرة بين أوراقها فأينعت، ومدة الشافعية أصول دوحتها فتفرعت، وظهرت رفعة الرافعي في أفق كماله، ونور الله ضريح الشافعي بنور سراجه وبهجة جلاله. "ولما كان" الجناب الكريم الجلالي هو الذي ناظرناه بغيره فقال نور الشريعة وهو أشهر من نار على علم:

стр. 903

وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم فعلمنا أنه حجة للشافعي الذي منه الاستقاء وإليه منتهى السؤال، وما أبدر في أفق درس لا أزال ظلم الشك بأنواره وأسفر أبداره عن التتمة والإكمال، وهو أبو العلماء الذي ولد من الأم أفراحهم، وأبو المهمات الذي شهر من العدة الكاملة في ميدان الفرسان سلاحهم، وإليه انتهت الغاية فإنه ما برح يأتينا في وجيز تقريبه بالعجاب، ويغنينا عن موضح القشيري فإنه يغذينا في إبانته باللباب. اقتضت آراؤنا الشريفة أن نعيده إلى منال شرفه بعد التحجب وها هو قد ظهر، ويتسلسل في أيامنا الشريفة عند الرواة حديث ابن عمر، فلذلك رسم بالأمر الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي المؤيدي السيفي، لا زالت الشافعية في أيامه الشريفة بجلالهم في ترشيح بهجة وابتهاج، وثبت الله القواعد وأقامها في ملكه عي التحرير ومشى الرعية فيها على أوضح منهاج، أن تفوض إلى الجناب المشار إليه وظيفة كذا وكذا. وقد وقع التمويه في الفروق بينه وبين غيره عند أهل التبصرة والهداية وهو نهاية المطلب، وعيون المسائل وتاج رءوسها والمذهب الذي تهذيبه في أدب القاضي كفاية، وهو البحر الذي ما دخلنا بسيطه المبسوط، إلا قالت التورية إنه في البسيط كامل، ولا نظرنا إلى حليته الجلالية إلا غنينا عن المصباح بنوره الشامل، وقد ميزناه على مناظريه لما أقروا له بالتعجيز، وقرت عيون ابن البارزي -نور الله ضريحه- بهذا التمييز، وألغينا ذكر علوم يجل قدره عن نسبتها إليه، ولكن ثغور سيناتها تبسم عند ذكره وأفواه ميماتها تكثر الثناء عليه، فليتلق ذلك فإنه العزيز عندنا والمنتقى لهذا التشريف الذي هو ديباجة رقمه، وإذا ذكرنا الأصول فأصوله محفوظة، وهو المعتمد عليه في التمهيد والمستصفى ببديع عمله، ولو عاشن ابن الحاجب ما تغزل في رفع حاجبه وخفض له جانبه، وعلم أن جلالنا عين الإسلام فلم نرفع على العين حاجبه، والوصايا كثيرة ولكن جواهر ذخائرنا تلتقط من إملائه وأماليه، وهو جامع مختصراتها ومظهر زوائدها ببيانه ومعانيه، لا زال حديث فضله يتسلسل مع الرواة ويسند، ولا برح أجل من أوضح الرسالة في مسند محمد وأحمد. "ورسم" لي في الأيام الشريفة المؤيدية، سنة تسع عشرة وثمانمائة، أن أنشئ رسالة بوفاء النيل المبارك لم أسبق إليها، ولا حام طائر فكر عليها، وأحضر مولانا المقر الأشرف القاضوي الناصر محمد بن البارزي الجهني الشافعي، صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية -تغمده الله بالرحمة والرضوان- قطعة من إنشاء القاضي الفاضل بوفاء النيل وقرئت على المسامع الشريفة المؤيدية، وحذرت من التعرض إلى شيء من ألفاظها ومعانيها فأنشأت رسالة حكم لأبي بكر بها على كل فاضل بالتقديم، وإن

стр. 904

كان لسان القلم قد طال فأنا أقطه١ ههنا تأدبًا مع عبد الرحيم، وقد وصلنا ههنا شمل القطعتين، ليتفكه المتأمل في جنى الجنتين، ويتنزه نظره في حدائق الروضتين، ويطرب لسجع حمام الدوحتين. "قال القاضي الفاضل": نعم الله من أصوبها بزوغًا، وأضفاها سبوغًا، وأصفاها ينبوعًا، وأسناها منفوعًا، وأمدها بحر مواهب، وأضمنها حسن عواقب، النعمة بالنيل المصري الذي يبسط الآمال ويقبضها مده وجزره، ويربي النبات حجره، ويجري على سواد الأرض بفضته البيضا، ويهنأ بيده الخصيبة نقب الجرب من الحربي، ويحيي مطلعه أنواع الحيوان، ويجني ثمرات الأرض صنوان وغير صنوان، وينشر مطوي حريرها وينشر مواتها، ويوضح معنى قوله تعالى: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ ، وكان وفاء النيل المبارك في تاريخ كذا وكذا، فأسفر وجه الأرض وإن كان قد تنقب، وأمن يوم بشراه من كان خائفًا يترقب فرأينا الإبانة عن لطائف الله وقد حققت الظنون، ووفت بالرزق المضمون، إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون، وقد أعلمناك لتوفي حقه من الإذاعة، وتبعده من الإضاعة، وتتصرف فيه على ما يصرفك من الطاعة، وتشهر ما أورده البشير من البشرى بإبانته، وتمده بإيصال رسمه إليه على عادته. "فقلت بعد الفاضل": ونبدي لعلمه ظهور آية النيل المبارك الذي عاملنا الله فيه بالحسنى وزيادة، وأجراه لنا في طرق الوفاء على أجمل عادة، وحلق أصابعه ليزيل الإبهام فأعلن المسلمون بالشهادة، كسر بمسرى فأصبح كل قلب بهذا الكسر مجبورًا، وأتبعناه بنوروز٢ ما برح هذا الاسم بالسعد المؤيدي مسكوًّا، دق قفا السودان فالراية البيضاء من كل قلع٣ عليه، وقبل ثغور الإسلام وأرشفها ريقه الحلو فمالت بأعطاف غصونها إليه وشبب خريره في الصعيد بالقصب، ومد سبائكه الذهبية إلى جزيرة الذهب، فضرب الناصرية واتصل بأم دينار، وقلنا إنه صبغ بقوة لما جاء وعليه الاحمرار، وأطال الله عمر زيادته فتردد الناس على الآثار، وعمته البركة فأجرى سواقي مكة إلى أن غدت جنة تجري من تحتها الأنهار، وحصن مشتهى الروضة في صدره وحنى عليه حنوّ المرضعات على الفطيم. وأرشفه على ظمأ زلالا ... ألذ من المدامة للنديم٤

стр. 905

وراق مديد بحره لما انتظمت عليه تلك الأبيات، وسقى الأرض سلافته الخمرية فخدمته بحلو النبات وأدخله إلى جنات النخيل والأعناب فالق النوى والحب، فأرضع جنين النبت وأحيا لها أمهات العصف والأب١، وصافحته كفوف الموز فختمها بخواتيمه العقيقية، ولبس الورد تشريفه وقال أرجو أن تكون شوكتي في أيامه قوية، ونسي الزهري بحلاوة لقائه مرارة النوى، وهامت به الشقراء فأرخت ضفائر فروعها عليه من شدة الهوا، واستوفت الأشجار ما كان لها في ذمة الري من الديون، ومازج الحوامض بحلاوته فهام الناس بالسكّر والليمون، وانجذب إليه الكباد٢ وامتد ولكن قوي قوسه لما حظي منه بنصيب سهم لا يرد، ولبس شربوش الأترج٣ وترفع إلى أن لبس بعده التاج، وفتح منشور الأرض لعلامته بسعة الرزق وقد نفذ أمره وراج. فتناول معالم الشنبر٤ وعلم بأقلامها ورسم لمحبوس كل سد بالإفراج، وسرح بطائق السفن فخفقت بمخلق بشائره، وأشار بأصابعه إلى قتل المحل فبادر الخصب إلى امتثال أوامره، وحظي بالمعشوق وبلغ من كل أمنية مناه، فلا سكن على البحر إلا تحرك ساكنه للمطالعة بعدما تفقه وأتقن باب المياه، ومد شفاه أمواجه إلى تقبيل فم الحور، وزاد بسرعته فاستحلى المصريون زائده على الفور. ونزل بركة الحبش فدخل التكرور٥ تحت طاعته، وحمل على الجهات البحرية فكسر المنصورة وعلا على الطويلة بشهامته، وأظهر في مسجد الخضر عين الحياة فأقر الله عينه، وصار أهل دمياط في برزخ بين المالح وبينه، وطلب المالح رده بالصدر وطعن في حلاوة شمائله، فما شعر إلا وقد ركب عليه ونزل في ساحله، وأمست واوات دوائره على وجنات الأرض عاطفة، وثقلت أردافه على خصور الجواري فاضطربت كالخائفة، ومال إليه باسق النخل فلثم طلعه وقبل سوالفه، وأمست سود السفن كالحسنات في حمرة وجناته، وكلما زاد زاد الله في حسناته، فلا فقير سد إلا وحصل له من فيض نعمائه الفتوح، ولا ميت خليج إلا عاش به ودبت فيه الروح. ولكنه احمرت عيونه على الناس بزيادة وترفع، فقال له المقياس عندي قبالة كل عين أصبع، فنشر النيل أعلام قلوعه وحمل وله من ذلك الخرير زمجره، ورام أن يهجم

стр. 906

على عير بلاده فبادر إليه عزمنا المؤيدي وكسره، وقد أثرنا المقر بهذه البشرى التي عم فضلها برًّا وبحرًا، وحدثناه عن البحر ولا حرج وشرحنا له حالًا وصدرًا، ليأخذ حظه من هذه البشرى البحرية بالزيادة الوافرة وينشق من طيها نشرًا، فقد حملت له من طيبات ذلك النسيم أنفاسًا عاطره، والله تعالى يوصل بشائرنا الشريفة لسمعه الكريم ليصير بها في كل وقت مشنفًا، ولا برح من نيلنا المبارك وإنعامنا الشريف على كلا الحالين في وفا. ومما انفردت بإنشائه: رسالة السكين، فإن الشيخ جمال الدين بن نباته سبق إلى رسالة السيف والقلم، وتقدمه أبو طاهر إسماعيل بن عبد الرزاق الأصفهاني إلى رسالة القوس. وكتاب الإنشاء لا بد لهم من سكين فقلت: وينهى وصول السكين التي قطع المملوك بها أوصال الجفاء، وأضافها إلى الأدوية فحصل بها البرء والشفاء، وتالله ما غابت إلا وصلت الآلام من تعثرها إلى الجفاء زرقاء١، كم ظهر للبيض منها ألوان، خرساء ومن العجائب أنها لسان كل عنوان، ما شاهدها موسى إلا سجد في محراب النصاب، وذل بعد أن خضعت له الرءوس والرقاب. كم أيقظت طرف القلم بعدما خط، وعلى الحقيقة ما رؤي مثلها قط، وكم وجد بها الصاحب في المضائق نفعًا، وحكم بحسن صحبتها قطعًا، ماضية العزم قاطعة السن فيها حدة الشباب من وجهين؛ لأنها بالناب والنصاب معلمة الطرفين، وأنملة صبح تقمعت بسواد الدجى، فعوذتها بالضحى والليل إذا سجى، ولسان برق امتد في ظلمات الليل، فتنكرت الأشعة الأنجم وما عرف منها سهيل٢، هذا وتقطيعها موزون إذ لم يتجاوز في عروض ضربها الحد، ومعلوم أن السيف والرمح لم يعرفا غير الجزر والمد. من أجل ذا تدخل في مضائق ليس فيها قط مدخل، وكلما تفعله ترجزه والرمح في تعقيده مطول. إن هجعت بجفنها كانت أمضى من الطيف، وكم لها من خاصة جازت بها الحد على السيف. تنسى حلاوة العسال٣ فلا يظهر لطوله طائل، ويغني عن آله الحرب بإيقاع ضربها الداخل. إن مرت بكلها المحلى تركت المعادن عاطلة، ولم يسمع للحديد في هذه الواقعة مجادلة. شهد الرمح بعدالته أنها أقرب منه إلى الصواب، وحكم لها بصحة ذلك قبل أن يستكمل النصاب. ما طال في رأس القلم شعرة إلا سرحتها بإحسان، ولا طالعت كتابًا إلا أزالت غلطه بالكشط من رأس اللسان.

стр. 907

تعقد عليها الخناصر لأنها عِدَة، وتالله ما وقعت في قبضة إلا أطالت لسانها وتكلمت بحدّة. إن أدخلت إلى القراب كانت قد سبكت١ على الدخول، أو أبرزت من غيمه كان على طلعتها قبول. تطرف بأشعتها الباهرة عين الشمس، وبإقامتها الحد حافظت الأقلام على مواظبة الخمس٢. وكم لها من عجائب صار بها جدول السيف في بحر غمده كالغريق، ولو سمع بها قبل ضربه ما حمل التطريق, فلو عارضها أبو طاهر لعراك من قوسه الأذنين، وقال له جحدت رسالتك يا ذا القرنين. فإن جذبت إلى مقاومتها وكان لك يد تمتد، وصلت السكين إلى العظم وصار عليك قطع وانتهى أمرك إلى هذا الحد. وهل تعاند السكين صورة ليس لها من تركيب النظم، إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا أو ما اختلط بعظم. ولو لمحها الفاضل لحقق قوله إن خاطر سكينه كل، أو أدركها ابن نباتة ما أقر برسالة السيف وفل، وقال لقلم رسالته أطلق لسانك بشكر مواليك، وأخلص الطاعة لباريك، وما قصد المملوك الإيجاز في رسالة السكين ونظمها، إلا لتكون مختصرة كحجمها، لا زالت صدقات مهديها تنحف بما يذبح نحر فقري، وتأتي بما يشفي وإيهام التورية يقول ويبري. قلت: الذي أوردته ههنا من إنشائي وإنشاء غيري، كان من الواجب؛ لأن الباب الذي تحتم عليّ شرحه وبيانه وإيضاحه، باب التسجيع، وهو عبارة عن علم الإنشاء، وقد تقدم تقرير السجع وأقسامه، وعلم أنها أربعة أقسام، وهي المطرّف والموازي والمشطر والمرصع، وذكرت فيه الفوائد التي منها أحكام الفواصل، وأوردت المباحث في الإنشاء الذي فيه نظر بالنسبة إلى الحالة التي هي المطلوب، وأوردت من بديع الإنشاء وغريبه، هذه النبذة التي هي من إنشائي وإنشاء غيري، ولولا خشية الإطالة لأوردت من ذلك ما يذبل عنده زهر المنثور، ويقرط٣ في قلائد النحور، ومن أراد البحث عن صحة ذلك فعليه بمصنفي المسمى: "بقهوة الإنشاء"، فإنه خمسة مجلدات، منها مجلد أنشأته بالبلاد الشامية، قبل أن أستقر منشئ دواوين الإنشاء الشريف بالديار المصرية والممالك الإسلامية، وثلاثة مجلدات أنشأتها عن مولانا السطان الملك المؤيد -سقى الله ثراه- ومجلد أنشأته عن الملك المظفر والملك الظاهر والملك الصالح، وعن مولانا السلطان الملك الأشرف، وعن مولانا أمير المؤمنين المعتضد بالله -زاده الله شرفًا وتعظيمًا. انتهى.

стр. 908

والفرق بين التسجيع والتجزئة، اختلاف زنة أجزائه ومجيئه على قافية واحدة، من غير عدد معين محصور. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته على التسجيع قوله: فعال منتظم الأحوال مقتحم ... الأهوال ملتزم بالله معتصم وبيت العميان: من لي بمستلم لليد معتصم ... بالعيش لا مسئم يومًا ولا سئم١ وبيت الشيخ عز الدين الموصلي قوله: كم قاتل بصحيح الجمع مقتحم ... وقائل لنظيم السجع ملتزم قلت: الذي يظهر لي أن الشيخ عز الدين لم يمش في نظم بديعيته مشي محقق، لأنه تقرر عنده وعند الجماعة في شروحهم: أن التسجيع هو أن يأتي المتكلم في أجزاء بيته أو كلامه أو في بعضها، بأسجاع غير متزنه، والشيخ أتى في شطر بيته الأول بأسجاع قابل كلًّا منها في الشطر الثاني بوزنه، مثل: قاتل وقائل، وصميم ونظيم، وجمع وسجع، ومقتحم وملتزم، وهذا هو الترصيع بعينه. فإن الترصيع من شرطه أن تقابل كل لفظة من البيت بوزنها ورويها وليته نقل هذا البيت إلى الترصيع فإن بيته في الترصيع ناقص بالذي أظهره، مع قصر باعه فيه من الحشو، وهو: كم رصعوا كلِمًا من درّ لفظهم ... كم أبدعوا حِكمًا في سر علمهم مع أنه نظر في بيت الشيخ صفي الدين الحلي، وهو: فعال منتظم الأحوال مقتحم ... الأهوال ملتزم بالله معتصم ورأى اختلاف الوزن بين ملتزم ومعتصم. وبيت بديعيتي أقول فيه: سجعي ومنتظمي قد أظهرا حكمي ... وصرت كالعلم في العرب والعجم

стр. 909

ذكر التسميط: تسميط جوهره يلقى بأبحره ... ورشف كوثره يروي لكل ظمي١ هذا النوع -أعني التسميط- هو أن يجعل الشاعر كل بيت، بسمطه، أربعة أقسام ثلاثة منها على سجع واحد، بخلاف قافية البيت، كقول مروان بن أبي حفصة: هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا ... أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا والفرق بين التسميط والتسجيع، كون أجزاء التسميط غير ملتزم أن تكون على روي البيت، وكون أجزائه متزنة فيكون عددها محصورًا، والفرق بين التفويف وبينه تسجيع بيت التسميط. قال ابن أبي الأصبع: ما خالفوا بين قافية البيت وأسجاع التسميط إلا لتكون القافية كالسمط، والأجزاء المسجعة بمنزلة حب العقد؛ لأن السمط يجمع حب العقد، والمراد بأجزاء التسميط بعض أجزاء التقطيع ويسمى تسميط التبعيض، ومن التسميط نوع آخر يسمى تسميط التقطيع، وهو أن تسجع جميع أجزاء التفعيل على روي يخالف القافية، كقول ابن أبي الأصبع: وأسمر مثمر من مزهر نضر ... من مقمر مسفر عن منظر حسن فجاءت جميع أجزاء التفعيل من هذا البيت، من سباعيها وخماسيها، مسجعة على خلاف سجعة الجزء الذي هو قافية البيت.

стр. 910

وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته على التسميط: فالحق في أفق والشرك في نفق ... والكفر في فرق والدين في حرم والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته قوله: تسميط ذي أدب تنظيم ذي أرب ... تحقيق ذي غلب بالنصر ملتزم١ وبيت بديعيتي أشرت فيه إلى نظمي ونثري، ترفعًا بمدح النبي ﷺ وصحابته ﵃ بقولي: سجعي ومنتظمي قد أظهرا حكمتي ... وصرت كالعلم في العرب والعجم وقلت بعده مشيرًا إلى النظم: تسميط جوهره يلفى بأبحره ... ورشف كوثره يروي لكل ظمي التورية في التسميط هنا منتظمة في سلك الجواهر، وقد تقرر أن السمط هو الذي يجمع حب العقد، ولهذا قلت: تسميط جوهره، والمناسبة البديعية حاصلة بقولي: يلفى بأبحره، فمحاسنه غير خافية بعد ذكر الجوهر، مثل ذلك الرشف للكوثر والري للظامئ، وتمكين القافية ظاهر. والله أعلم.

стр. 911

ذكر الالتزام: لأن مدح رسول الله ملتزمي ... فيه مدح سواه ليس من لزمي١ هذا النوع الذي سماه قوم: الالتزام، ولزوم ما لا يلزم، ومنهم من سماه: الإعنات، والتضييق، وهو في الاصطلاح أن يلتزم الناثر في نثره، أو الناظم في نظمه، بحرف قبل حرف الروي أو بأكثرمن حرف، بالنسبة إلى قدرته مع عدم التكلف، وقد جاء في الكتاب العزيز في مواضع تجل عن الوصف، كقوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ ٢ وكقوله تعالى: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ ٣ ومثله قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ، وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ ٤، وأما الشعراء فأبو العلاء كان أكثرهم في هذا النوع التزامًا، حتى إنه صنع كتابًا وسماه: "اللزوميات" جاء فيه بأشياء بديعة، إلا أن فيه من عثرات لسانه كثيرًا، كقوله: ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة ... وحق لسكان البسيطة أن يبكوا يحطمنا صرف الزمان كأننا ... زجاج ولكن لا يُعادُ لنا سبك ومنه قوله: لا تطلبن بآلة لك رفعة ... قلم البليغ بغير حظ مغزل سكن السماكان السماء كلاهما ... هذا له رمح وهذا أعزل

стр. 912

ومنه قوله: يقولون في البستان للعين لذة ... وفي الراح والماء الذي غير آسن١ إذا شئت أن تلقى المحاسن كلها ... ففي وجه من تهوى جميع المحاسن وبيت الشيخ صفي الدين الحلي على لزوم ما لا يلزم قوله: من كل مبتدر للموت مقتحم ... في مارق بغبار الحرب ملتجم٢ وبيت العميان: وميل سمعي لنيل القرب من شيمي ... وسيل دمعي بذبل الترب كالديم٣ وبيت الشيخ عز الدين قوله: لي التزام بمدحي خير معتصم ... بربه وارتباط غير منفصم وبيت بديعيتي أقول فيه: لأن مدح رسول الله ملتزمي ... فيه ومدح سواه ليس من لزمي

стр. 913

ذكر المزاوجة: إذا تزاوج ذنبي وانفردت له ... بالمدح منّ ونجّاني من النقم هذا النوع، سمّوه المزاوجة والازدواج، وهو في اللغة مصدر زاوج بين الشيئين، إذا قارب بينهما، وفي الاصطلاح قال السكاكي ومن تبعه: هو أن يزاوج المتكلم بين معنيين في الشرط والجزاء، كقول البحتري: إذا ما نهى الناهي فلج لي الهوى ... أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر١ ومنه قوله: إذا احتربت يومًا ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها٢ وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته قوله: ومن إذا خفت في حشري فكان له ... مدحي نجوت وكان المدح معتصمي وبيت العميان: إذا تبسم في حرب وصاح بهم ... يبكي الأسود ويرمي اللسن بالبكم٣

стр. 914

وبيت الشيخ عز الدين: إذا تزاوج خوف الذنب في خلدي ... ذكرت أن نجاتي في مديحهم وبيت بديعيتي أقول فيه: إذا تزاوج ذنبي وانفردت له ... بالمدح منّ ونجّاني من النّقم١

стр. 915

ذكر التجزئة: ورّيت في كلمي جزيت من قسمي ... أبديت من حكمي جليت كل عمي التجزئة: هي أن يأتي المتكلم ببيت ويجزئه جميعه أجزاء عروضية، ويسجعها كلها على وزنين مختلفين جزءًا بجزء، أحدهما على روي يخالف روي البيت، والثاني على روي البيت، كقول الشاعر: هندية لحظاتها خطية ... خطراتها دارية نفحاتها١ وبيت الشيخ صفي الدين: ببارق خذم في مارق أمم ... أو سابق عرم في شاهق علم٢ والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين قوله: ذي فضل أندية عدل تجزئة ... فالذئب في ظلم يمشي مع الغنم الشيخ عز الدين سها في هذا البيت عن رتبة التجزئة في الشطر الثاني، بالنسبة إلى التقرير، في شرط الرتبة. وبيت بديعيتي أشير فيه إلى ما أبديته من المحاسن في المديح النبوي، بقولي: وريت في كلمي جزيت من قسمي ... أبديت من حكمي جليت كل عمي
следующие страницы →