ذكر الالتزام:
لأن مدح رسول الله ملتزمي ... فيه مدح سواه ليس من لزمي١
هذا النوع الذي سماه قوم: الالتزام، ولزوم ما لا يلزم، ومنهم من سماه: الإعنات، والتضييق، وهو في الاصطلاح أن يلتزم الناثر في نثره، أو الناظم في نظمه، بحرف قبل حرف الروي أو بأكثرمن حرف، بالنسبة إلى قدرته مع عدم التكلف، وقد جاء في الكتاب العزيز في مواضع تجل عن الوصف، كقوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ ٢ وكقوله تعالى: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ ٣ ومثله قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ، وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ ٤، وأما الشعراء فأبو العلاء كان أكثرهم في هذا النوع التزامًا، حتى إنه صنع كتابًا وسماه: "اللزوميات" جاء فيه بأشياء بديعة، إلا أن فيه من عثرات لسانه كثيرًا، كقوله:
ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة ... وحق لسكان البسيطة أن يبكوا
يحطمنا صرف الزمان كأننا ... زجاج ولكن لا يُعادُ لنا سبك
ومنه قوله:
لا تطلبن بآلة لك رفعة ... قلم البليغ بغير حظ مغزل
سكن السماكان السماء كلاهما ... هذا له رمح وهذا أعزل
стр. 912
ومنه قوله:
يقولون في البستان للعين لذة ... وفي الراح والماء الذي غير آسن١
إذا شئت أن تلقى المحاسن كلها ... ففي وجه من تهوى جميع المحاسن
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي على لزوم ما لا يلزم قوله:
من كل مبتدر للموت مقتحم ... في مارق بغبار الحرب ملتجم٢
وبيت العميان:
وميل سمعي لنيل القرب من شيمي ... وسيل دمعي بذبل الترب كالديم٣
وبيت الشيخ عز الدين قوله:
لي التزام بمدحي خير معتصم ... بربه وارتباط غير منفصم
وبيت بديعيتي أقول فيه:
لأن مدح رسول الله ملتزمي ... فيه ومدح سواه ليس من لزمي
стр. 913
ذكر المزاوجة:
إذا تزاوج ذنبي وانفردت له ... بالمدح منّ ونجّاني من النقم
هذا النوع، سمّوه المزاوجة والازدواج، وهو في اللغة مصدر زاوج بين الشيئين، إذا قارب بينهما، وفي الاصطلاح قال السكاكي ومن تبعه: هو أن يزاوج المتكلم بين معنيين في الشرط والجزاء، كقول البحتري:
إذا ما نهى الناهي فلج لي الهوى ... أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر١
ومنه قوله:
إذا احتربت يومًا ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها٢
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته قوله:
ومن إذا خفت في حشري فكان له ... مدحي نجوت وكان المدح معتصمي
وبيت العميان:
إذا تبسم في حرب وصاح بهم ... يبكي الأسود ويرمي اللسن بالبكم٣
стр. 914
وبيت الشيخ عز الدين:
إذا تزاوج خوف الذنب في خلدي ... ذكرت أن نجاتي في مديحهم
وبيت بديعيتي أقول فيه:
إذا تزاوج ذنبي وانفردت له ... بالمدح منّ ونجّاني من النّقم١
стр. 915
ذكر التجزئة:
ورّيت في كلمي جزيت من قسمي ... أبديت من حكمي جليت كل عمي
التجزئة: هي أن يأتي المتكلم ببيت ويجزئه جميعه أجزاء عروضية، ويسجعها كلها على وزنين مختلفين جزءًا بجزء، أحدهما على روي يخالف روي البيت، والثاني على روي البيت، كقول الشاعر:
هندية لحظاتها خطية ... خطراتها دارية نفحاتها١
وبيت الشيخ صفي الدين:
ببارق خذم في مارق أمم ... أو سابق عرم في شاهق علم٢
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين قوله:
ذي فضل أندية عدل تجزئة ... فالذئب في ظلم يمشي مع الغنم
الشيخ عز الدين سها في هذا البيت عن رتبة التجزئة في الشطر الثاني، بالنسبة إلى التقرير، في شرط الرتبة.
وبيت بديعيتي أشير فيه إلى ما أبديته من المحاسن في المديح النبوي، بقولي:
وريت في كلمي جزيت من قسمي ... أبديت من حكمي جليت كل عمي
стр. 916
ذكر التجريد:
لي المعاني جنود في البديع وقد ... جردت منها لمدحي فيه كل كمي١
التجريد، عرفه صاحب التلخيص بأن قال: هو أن ينتزع من أمر ذي صفة آخر مثله، وفائدته المبالغة في تلك الصفة، كقولك: مررت بالرجل الكريم، والنسمة المباركة. فجردت من الرجل نسمة متصفة بالبركة، وعطفتها عليه كأنها غيره، وهي هو.
ومن أمثلته الشعرية قول الشاعر:
أعانق غصن البان من لين قدّها ... وأجني جنيَّ الورد من وجناتها
فإنه جرد من قدها غصنًا ومن وجنتيها وردًا.
وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته قوله:
شوس ترى منهم في كل معترك ... أسد العرين إذا حر الوطيس حمي٢
والشيخ صفي الدين جرد في بيته أسد العرين من الشوس.
وبيت العميان في بديعيتهم:
من وجه أحمد لي بدر ومن يده ... بحر ومن لفظه در لمنتظم
стр. 917
وبيت الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
من لفظه واعظ بالنصح جرد لي ... يا نفس توبي وللتجريد فالتزمي
وبيت بديعيتي في المديح النبوي قولي:
لي في المعاني جنود في البديع وقد ... جردت منها لمدحي فيه كل كمي
стр. 918
ذكر المجاز:
وهو المجاز إلى الجنات إن عمرت ... أبياته بقبول سابغ النعم
المجاز: هو عبارة عن تجوز الحقيقة، فإن المراد منه أن يأتي المتكلم بكلمة يستعملها في غير ما وضعت له في الحقيقة في أصل اللغة، هذا رأي السكاكي وأصحاب المعاني والبيان، وقال البديعيون: المجاز عبارة عن تجوز الحقيقة، بحيث يأتي المتكلم إلى اسم موضوع لمعنى فيخصه، إما أن يجعله مفردًا بعد أن كان مركبًا، أو غير ذلك من وجوه الاختصاص.
والمجاز جنس يشتمل على أنواع كثيرة، كالاستعارة والمبالغة والإرداف والتمثيل والتشبيه، وغير ذلك مما عدل فيه عن الحقيقة الموضوعة للمعنى المراد. وهذه الأنواع وإن كانت من المجاز، فكونها متعددة لخلوها عن معنى زائد عن تجوز الحقيقة، كالاستعارة والتشبيه وبقية ما ذكره من الأنواع، فلما لم يكن له غير تجوز الحقيقة اختصارًا، أفرد باسم المجاز إذ لا يليق به غيره.
وعمل الشريف الرضي كتابًا سماه: "مجاز القرآن" ومات قبل استيفائه، ومن أمثلته الشعرية قول العتابي:
يا ليلة لي بحوّارين ساهرة ... حتى تكلم في الصبح العصافير
قوله: ساهرة، مجاز.
وبيت الشيخ صفي الدين قوله:
صالوا فنالوا الأماني من مرادهم ... ببارق في سوى الهيجاء لم يشم
стр. 919
المجاز في بيت الشيخ صفي الدين في لفظة بارق.
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين قوله:
أحيا فؤادي مجازي نحو حجرته ... وقد دهشت لجمع فيه مزدحم
وبيت بديعيتي تقدمه قولي: إني تجردت لمدح النبي ﷺ وقلت بعده في المجاز:
وهو المجاز إلى الجنات إن عمرت ... أبياته بقبول سابغ النعم
стр. 920
ذكر الائتلاف:
وهو أربعة أنواع هي:
١- ائتلاف اللفظ مع المعنى:
تألف اللفظ والمعنى بمدحته ... والجسم عندي بغير الروح لم يقم
هذا النوع ذكره قدامة -أعني ائتلاف اللفظ مع المعنى- وترجمه منفردًا ولم يبين معناه وشرحه الآمدي وأطال، ولم توف عبارته بإيضاحه. وأوضحه ابن أبي الأصبع وقال: مختصر عبارة هذه التسمية أن تكون ألفاظ المعاني المطلوبة ليس فيها لفظة غير لائقة بذلك المعنى، إن كان اللفظ جزلًا كان المعنى فخمًا، أو رشيقًا رقيقًا كان المعنى غريبًا، كقول زهير بن أبي سلمى:
أثافيّ سفعًا في معرس مرجل ... ونؤيا كجذم الحوض لم يتثلم١
فلما عرفت الدار قلت لربعها ... ألا انعم صباحًا أيها الربع واسلم
فإن زهيرًا قصد تركيب البيت الأول من ألفاظ تدل على معنى غريب، لكن المعنى غير غريب، فركبه من ألفاظ متوسطة بين الغرابة والاستعمال، ولما جنح في البيت الثاني إلى معنى أبين من الأوّل وأغرب، ركبه من ألفاظ مستعملة معروفة.
وبيت الحلي في بديعيته قوله:
كأنما حلق السعدي منثرًا ... على الثرى بين منقض ومنقصم
стр. 921
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
تؤلف اللفظ والمعنى فصاحته ... تبارك الله منشي الدرّ في الكلم
بيت الشيخ عز الدين في هذا النوع عامر، وبيت الشيخ صفي الدين خراب؛ لأنه غير صالح للتجريد، ولم يظهر له معنى حتى يأتي بالمشبه به في البيت، وعلى هذا التقرير لم يحصل في بيته ائتلاف بين اللفظ والمعنى.
وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي ﷺ :
تآلف اللفظ والمعنى بمدحته ... والجسم عندي بغير الروح لم يقم
٢- ائتلاف اللفظ مع الوزن:
واللفظ والوزن في أوصافه ائتلفا ... فما يكون مديحي غير منسجم
هذا النوع، أعني ائتلاف اللفظ مع الوزن، قال قدامة: هو أن تكون الأسماء والأفعال تامة لم يضطر الشاعر في الوزن إلى نقصها في البنية، ولا إلى الزيادة، ولا إلى التقديم والتأخير. ومنهم من قال: هذا النوع لا مثال له بصورة معينة؛ لأنه عبارة عن أنه لا يضطر إلى ما لا يلزمه منه فساد صورة المعنى وذهاب رونق اللفظ، كقول الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا ملكًا ... أبو أمه حي أبوه يقاربه
وفي رواية: أخو أمه: فإن اضطرار الوزن حمله على رداءة السبك، فحصل في الكلام تعقيد يمنع من فهم معناه بسرعة، ولو قال: ما مثله إلا مملك أبوه يقارب خاله، لسهل مأخذه وقرب تناوله.
وبيت الشيخ صفي الدين في بديعيته قوله:
في ظل أبلج منصور اللواء له ... عدل يؤلف بين الذئب والغنم
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي قوله:
أؤلف اللفظ مع وزن بمدحة مو ... لانا وذم عدوّ بين الثلم
قلت: ثقل الهمزة في اللفظة أؤلف، والوقوف لتحرير الوزن عند قوله: بمدحة مولانا، كان سببًا في عدم ائتلاف اللفظ مع الوزن في بيت الشيخ عز الدين
стр. 922
وبيت بديعيتي قلت فيه، عن النبي ﷺ بعد قولي فيه في ائتلاف اللفظ مع المعنى:
تألف اللفظ والمعنى بمدحته ... والجسم عندي بغير الروح لم يقم
وقلت بعده:
واللفظ والوزن في أوصافه ائتلفا ... فما يكون مديحي غير منسجم
٣- ائتلاف المعنى مع الوزن:
والوزن صح مع المعنى تألّفه ... في مدحه فأتى بالدرّ في الكلم
هذا النوع -أعني ائتلاف المعنى مع الوزن- هو أن تأتي المعاني في الشعر صحيحة، لا يضطر الشاعر في الوزن إلى قلبها عن وجهها، ولا إلى خروجها عن صحتها، كقول عروة بن الورد:
فإني لو شهدت أبا سعاد ... غداة غد بمهجته يفوق١
فديت بنفسه نفسي ومالي ... وما آلوه إلا ما يطيق٢
فإنه أراد أن يقول: فديت نفسي بنفسي ومالي، فألجأته ضرورة الوزن إلى قلب المعنى. ومهما كان الشعر سليمًا من مثل هذا، كان الشعر الذي ائتلف معناه مع وزنه.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته قوله:
من مثله وذراع الشاة حذره ... عن سمه بلسان صادق الرتم٣
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته قوله:
تؤلف اللفظ والمعنى مدائحه ... فللمعاني ترى الألفاظ كالخدم
قلت: بيت الشيخ صفي الدين، في هذا النوع، قاصر عن بيت الشيخ عز الدين فإن الشيخ عز الدين أتى أولًا بالانسجام والسهولة مع التورية بتسمية النوع وتمكين القافية، فإن لفظة رتم، في بيت الشيخ صفي الدين غير ممكنة، وأيضًا فإن الوزن والمعنى في بيت الموصلي في غاية الائتلاف.
وبيت بديعيتي قلت فيه:
واللفظ والوزن في أوصافه ائتلفا ... فما يكون مديحي غير منسجم
стр. 923
وقلت بعده في ائتلاف المعنى مع الوزن:
والوزن صح مع المعنى تألفه ... في مدحه فأتى بالدرّ في الكلم
٤- ائتلاف اللفظ مع اللفظ:
هذا النوع، أعني ائتلاف اللفظ مع اللفظ: هو أن يكون في الكلام معنى يصح معه هذا النوع، ويأخذ عدة معانٍ فيختار منها لفظة بينها وبين الكلام ائتلاف، كقول البحتري في الإبل النحيلة:
كالقسي المعطفات بل الأسـ ... ـهم مبرية بل الأوتار١
فإن تشبيه الإبل بالقسي كناية عن هزالها، فلو شبهها بغير ذلك كالعرجون والدال جاز، ولكن المناسبة والائتلاف بين الأسهم والأوتار والقسي حسنت التشبيه.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته:
خاضوا عباب الوغى والخيل سابحة ... في بحر حرب بموج الموت ملتطم
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الموصلي في بديعيته:
ساروا وجدوا النوى واللفظ مؤتلف ... من لسنِ دمعي بلفظ جِدُ منسجم٢
الذي فهمته من هذا النوع معنى الشطر الأول، وأما الشطر الثاني فما حصل بينه وبين هذا النوع ائتلاف.
وبيت بديعيتي قلت قبله:
والوزن صح مع المعنى تألفه ... في مدحه فأتى بالدرّ في الكلم
وقلت بعده، في ائتلاف اللفظ مع اللفظ:
واللفظ باللفظ في التأسيس مؤتلف ... في كل بيت بسكان البديع حمي
стр. 924
ذكر التمكين:
تمكين سقمي بدا من خيفة حصلت ... لكن مدائحه قد أبرأت سقمي
هذا النوع -أعني التمكين- وهو ائتلاف القافية، منهم من سماه بالتمكين، منهم من سماه بائتلاف القافية: وهو أن يمهد الناثر لسجعه فقرة، أو الناظم لقافية بيته تمهيدًا تأتي به القافية ممكنة في مكانها، مستقرة في قرارها، غير نافرة ولا قلقة، ولا مستدعاة بما ليس له تعلق بلفظ البيت ومعناه، بحيث إن منشد البيت، إذا سكت دون القافية، كملها السامع بطباعه بدلالة من اللفظ عليها. وأكثر فواصل القرآن على هذه الصورة، والذي عقد البديعيون عليه الخناصر في هذا الباب، قول أبي الطيب:
يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم
وقال ابن أبي الأصبع: لم نسمع لمتقدم شعرًا متمكنًا في قافية أشد من تمكين النابغة الذبياني، حيث قال:
كالأقحوان غداة غب سمائه ... جفت أعاليه وأسفله ندي
زعم الغمام ولم أذقه بأنه ... يروي بريقته من العطش الصدي
قلت: ويعجبني هنا قول صدر الدين بن عبد الحق، ولعمري إنه أمكن وألطف وأظرف، وهو:
ورب ظبي آنس ... حشاشتي ملّكته
أسقيته أسكرته ... حركته نبهته
نادمته أعجبته ... حدثته أطربته
مددته كشفته ... بلا طويل نكته
стр. 925
وبيت الحلي على تمكين القافية قوله:
به استغاث خليل الله حين دعا ... رب العباد فنال البرد في الضرم١
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته قوله:
تمكين حبك في قلبي نسخت به ... محبة الكل من عرب ومن عجم٢
وبيت بديعيتي أقول فيه عن النبي، ﷺ :
تمكين سقمي بدا من خيفة حصلت ... لكن مدائحه قد أبرأت سقمي
стр. 926
ذكر الحذف:
وقد أمنت وزال الخوف منحذفًا ... نحو العدوّ ولم أحقر ولم أضم١
هذا النوع، أعني الحذف، عبارة عن أن يحذف المتكلم من كلامه حرفًا من حروف الهجاء، أو جميع الحروف المهملة، بشرط عدم التكلف والتعسف، وهذا هو الغاية، كما فعل الحريري في المقامة السمرقندية، بالخطبة المهملة التي أجمع الناس على أنها نسيج وحدها، وواسطة عقدها. "وقد عن لي" أن أوردها ههنا بكمالها، وأورد معها ما نسج المتأخرون على منوالها، وهي قوله:
الحمد لله الممدوح الأسماء والمحمود الآلاء، الواسع العطاء، المدعوّ لحسم اللأواء، مالك الأمم، ومصور الرمم٢، وأهل السماح والكرم، ومهلك عاد وإرم، أدرك كل سرّ علمه، ووسع كل مصر حلمه، وعمّ كل عالم طوله، وهدّ كل مارد حوله، أحمده حمد موحد مسلم، وأدعوه دعاء مؤمل مسلم، وهو الله لا إله إلا هو الواحد الصمد، لا والد ولا ولد، أرسل محمدًا للإسلام ممهدًا، وللملة موطدًا، ولأدلة الرسل مؤكدًا، وللأسود والأحمر مسدّدًا، وصل الأرحام، وعلّم الأحكام، ووسم الحلال والحرام، ورسم الإحلال والإحرام، كرَّم الله محله، وكمل الصلاة والسلام له، ورحم آله الكرماء، وأهله الرحماء، ما همر ركام٣ وهدر حمام، وسرح سوام٤، وسطا حسام.
стр. 927
اعملوا رحمكم الله عمل الصلحاء، واكدحوا لمعادكم كدح الأصحاء، واردعوا أهواءكم ردع الأعداء، وأعدوا للرحلة إعداد السعداء، وادّرعوا حلل الورع، وداووا علل الطمع، وسووا أود العمل، وعاصوا وساوس الأمل، وصوّروا لأوهامكم حئول الأحوال، وحلول الأهوال، ومساورة الأعمال، ومصارمة المال والآل، وادّكروا الحمام وسرعة مصرعه١، والرمس وهول مطلعه٢، واللحد ووحدة مودعه، والملك وروعة سؤاله ومطلعه، والمحوا الدهر ولؤم كرّه، وسوء محاله ومكره، كم طمس معلمًا، وأمّر مطعمًا، وطحطح عرمرمًا، ودمر ملكًا مكرمًا، همه سك المسامع، وسح المدامع، وإكداء المطامع، وإرداء المسمع والسامع، عم حكمه الملوك والرعاع، والمسود والمطاع، والمحسود والحساد، والأساود والآساد، ما موّل الآمال، وعكس الآمال، ولا وصل الأوصال، وكلم الأوصال، ولا سر إلا وسا٣، ولؤم وأسا٤، ولا أصح إلا ولّد الداء، وورع الأودّاء.
الله الله، رعاكم الله، إلام مداومة اللهو، ومواصلة السهو، وطول الإصرار، وحمل الإصار، واطّراح كلام الحكماء، ومعاصاة إله السماء، أما الهرم حصادكم، والمدر٥ مهادكم، أما الحِمام مدرككم، والصراط مسلككم، وأما الساعة موعدكم، والساهرة موردكم، أما أهوال الطامة٦ لكم مرصده، أما دار العصاة الحطمة المؤصدة٧، حارسهم مالك، ورواؤهم حالك، وطعامهم السُّموم، وهواؤهم السَّموم٨، لا مال أسعدهم ولا ولد، ولا عدد حماهم ولا عدد، وألا ﵀ امرأً ملك هواه، وأَكَّم مسالك هداه، وأحكم طاعة مولاه، وكدح لروح مأواه، وعمل ما دام العمل مطاوعًا، والعمر موادعًا والصحة كاملة، والسلامة حاصلة، ولا دهمه عدم المرام، وحصر الكلام، وإلمام الآلام، وحموم الحمام، وهدوء الحواس، ومراس الأرماس، آهًا لها حسرة ألمها مؤكد، وأمدها سرمد، وممارسها مكمد٩، ما لولهه حاسم، ولا لسدمه١٠ راحم، ولا له
стр. 928
مما عراه عاصم، ألهمكم الله أحمد الإلهام، وردأكم رداء الإكرام، وأحلكم دار السلام، وأسأله الرحمة لكم ولأهل ملة الإسلام، وهو أسمح الكرام والمسلم والسلام.
قلت: رحم الله أبا القاسم الحريري، أتى في عاطل هذه الخطبة بالسهل الممتنع، ولكن ألجأته ضرورة العاطل، في مواضع، إلى الإتيان بألفاظ تفتقر إلى الحل. وقد تعين هنا تفسيرها، لئلا يتعذر على الطالب مرام، ولا يحصل هذا الإشكال في مرآة الأفهام.
فاللأواء: الشدة. والأحمر والأسود: العرب والعجم، ووسم بمعنى علم. وهمر بمعنى صب والركام: السحاب المتراكم. والكدح: عمل الإنسان، من الخير والشر.
والأود: المعوّج، والمساورة: المواثبة, وطحطح بمعنى هدّ وأهلك. والسَّكك ضيق الصماخ. والرعاع: السفلة. والأساود: الحيات. والآصار: جمع إصر، وهو الثقل. والساهرة: قيل إنها عرصات القيامة، وقيل إنها وجه الأرض. انتهى.
"وأوقفني" رجل من طلبة العلم بحلب المحروسة، يقال له الشيخ بدر الدين بن محمد بن الضعيف، سنة أربع عشرة وثمانمائة، على رسالة مشتملة على حِكَم ومواعظ، على طريق الفقهاء لا على طريق الأدباء، وسألني الكتابة عليها فامتنعت من ذلك، فتوصل إلى أن رسم لي مولانا المقر الأشرف القاضوي الناصري محمد بن البارزي الجهني الشافعي، صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية، روَّح الله روحه، وجعل من الرحيق المختوم غبوقه وصبوحه، أن أكتب له على رسالته العاطلة تقريظًا عاطلًا، فقلت: هذا النوع من المستحيلات، فإن الخطب والوعظيات ثمرات، ألفاظها دانية القطوف. وأما التقريظ فالتوصل إلى تحصيل ألفاظه العاطلة غير ممكن؛ ولأن كف المتناول من ذلك صفر، والطريق مخوف، فلم يحصل عن المرسوم رجوع، وعلمت، أن الصرف إلى غير الامتثال، ممنوع. "فكتبت" هذا التقريظ الذي ما سبقني ناثر إليه، ولا حام طائر فكره عليه، وهو:
طالع المملوك رسالة محمد وسلم، وأحكم السمع والطاعة لكلامها المحكم. والله ما سمعها عالم إلا وهام، ولا ردع سحرها الحلال مسلمًا إلا كره الحرام، وعاد عاملًا وأعد للصلاح حواصله، وصار له مع الله معاملة, ما أحلى ما كرر عاطلها المحلى، وأهلًا لسهولة مسلكها وسهلًا، ما لولد ساعة سعد أحكامها، ولا أهل العصر سكر إلا ما أدار كأس مدامها، ولا لعمارة عامر صرحها ورهطه، ولا للصرّ در كلؤلؤها وسمطه١، ولا لولد مطروح مع طرحها المحرر مطارحه، ولا صار لولادة رسالة مسموعة ولا لسرحها آرام
стр. 929
سارحه، ولا مسارح الماء الحلو لملحها إلا كالآل١، وما عامر ما أسه المعمار إلا أطلال، وما المطاعم الحلوة معها إلا مالحة، وما صوادح الكلام الصادح إلا حول دوجها صادحة، وما لطعم الراح مع حلاوة وردها راحة، ولا لسلسل الورد معها طلاوة ولو كلل الطلُّ٢ أدواحه، ولا لسلوك الدر در سلوكها، ولا للمسوك العاطرة عطر مسوكها.
ولم لا ومحكمها حرسه الله صارملكًا ولحكمه أحكام، وكلام الملوك ملوك الكلام، لا إله إلا الله ما أسرار ولد آدم إلا حكمة، وما كلام الحكماء وما أحكموه إلا حرمة، وما أمة رسول الملك العلام إلا سادة الأمم، وما سماه صدورهم إلا مطالع أهل الحكم، أطال الله عمره وما ملها سامع، وأطلع هلال دالها١ وسعد السعود لها طالع، وحصل للعالم لما هل هلالها سرور، وأكرموا محلها وأحلوها الصدور. أحكامها عمدة لأمة محمد، وما أعادها السامع إلا صار العود أحمد:
سلسلوا دورها لسمع كساه ... درّها وهو عاطل كل حلّه
لا سماع إلا لها لا كلام ... لسواها كرره كرره الله
وع ما حكاه، ولد همام أو رواه، واسمع مسامرة همام صعد طور الحكم وساعده الله، وحسم كل كلامه مادة العواطل، وسلسل لطروسه وسطوره سلاسل الدور ودور السلاسل، ولو سمعها ملك العواطل أمال رءوس رماحه، وكلَّ حدُّ سلاحه، وسع معالم العلم ومعاهده صدره، وأدرّ لأهل الموارد الحلوة ولله دره، ما للكمال أصول سطوره الكاملة، ولا ورد مع رسول كرسال محمد مراسلة، رحم الله امرأً أطاع أوامر حكمها، وسمع مرسوم رسمها، ودارس ما أحكمه ممهدها وأملاه، أمد الله عمره والحمد لله.
والحلي بنى بيت بديعيته، في باب الحذف، على العاطل، وهو:
آل الرسول محل العلم ما حكموا ... لله إلا وُعدوا أعدل الأمم
والعميان ما نظموا نوع الحذف في بديعيتهم، وأنا والشيخ عز الدين تعذر علينا نظم الحذف عاطلًا، لأجل تسمية النوع في البيت، إذ فيه الذال والفاء ولا بد من التورية بتسمية النوع، كما شرط أولًا، فكل منا جنح في باب الحذف إلى جهة. أما الشيخ عز الدين فإنه ذكر أنه نظم بيته من الحروف النورانية المقطعة، وسمى الحذف في بيته إسقاطًا، فقال:
стр. 930
أروم إسقاط ذنبي بالصلاة على ... محمد وعلى صديقه العلم١
وبيت بديعيتي حذفت منه الأحرف التي تنقط من تحت، وهو الذي نظمته بعد قولي:
تمكين سقمي بدا من خيفة حصلت ... لكن مدائحه قد أبرأت سقمي
فقلت:
وقد أمنت وزال الخوف منحذفًا ... نحو العدوّ ولم أحقر ولم أضم
стр. 931
ذكر التدبيج:
واخضر أسود عيشي حين دبجه ... بياض خطي ومن زرق العداة حمي
نوع التدبيج من مستخرجات ابن أبي الأصبع، وهو عبارة عن أن يذكر الناظم أو الناثر ألوانًا يقصد بها التورية والكناية بذكرها عن أشياء، من تشبيب أو مدح أو وصف أو غير ذلك من الأغراض, فمن التدبيج على طريق التورية قول الحريري، في المقامة الزورائية: فمذ اغبرّ العيش الأخضر، وازور المحبوب الأصفر، اسودّ يومي الأبيض، وابيض فودي الأسود، حتى رثا لي العدوّ الأزرق، فحبذا الموت الأحمر.
ومنه، ما كتبت به جوابًا عن مولانا السلطان الملك المؤيد ﵀ إلى الجناب العالي الناصري محمد بن أبي يزيد بن عثمان. فإن المجاهد الذي جعل حظ بني الأصفر، في البحر الأزرق من بيض سيوفه أسود، فأذاقهم الله به الموت الأحمر، وكمال التدبيج يقول: أهلًا بعيش أخضر يتجدد.
ومن الأمثلة الشعرية في باب التدبيج قول ابن حيوس:
إن ترد خبر حالهم عن يقين ... فالقهم في منازل أو نزال١
تلق بيض الوجوه سود مثار النـ ... ـقع خضر الأكناف حمر النصال
ومثله قوله:
ببياض عزم واحمرار صوارم ... وسواد نقع واخضرار رحاب٢
стр. 932
وظريف هنا قول الشيخ زين الدين بن الوردي، من أبيات:
ولي صاحب بالمدح والهجو كسبه ... يقول أتدري كيف أصنع بالخلق
إذا حَمَّروا وجهي وما بيضوا يدي ... ازرقّ لهم رجلي ولو خضروا عنقي١
ويعجبني قول الشيخ عز الدين في هذا الباب:
خضرة الصدغ والسواد من العيـ ... ـن بياض المشيب قد أورثاني
واحمرار الدموع صفّر خدي ... كل ذا من تلونات الزمان
قلت: تلونات الزمان، في باب التدبيج، غاية في الحسن.
وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في التدبيج قوله:
خضر المرابع حمر السمر يوم وغى ... سود الوقائع بيض الفعل والشيم٢
والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم, وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته:
خضر المرابع حمر البيض سوى ردى ... بيض الثنا فاستمع تدبيج وصفهم
قلت: ما يليق بالشيخ عز الدين ما اعتمده في بيت الشيخ صفي الدين، من أخذ لفظه ومعناه، والحق أنه تلون في باب التدبيج على الصفي، وتحرم على الحلي: وبيت بديعيتي قولي:
واخضر أسود عيشي حين دبجه ... وبياض حظي ومن زرق العداة حمي
стр. 933
ذكر الاقتباس:
وقلت يا ليت قومي يعلمون بما ... قد نلت كي يلحظوني باقتباسهم
الاقتباس: هو أن يضمن المتكلم كلامه كلمة من آية، أو آية من آيات كتاب الله خاصة، هذا هو الإجماع. والاقتباس من القرآن على ثلاثة أقسام: مقبول، ومباح، ومردود. فالأول: ما كان في الخطب والمواعظ والعهود ومدح النبي ﷺ ونحو ذلك. والثاني: ما كان في الغزل والرسائل والقصص. والثالث: على ضربين: أحدهما، ما نسبه الله تعالى إلى نفسه، ونعوذ بالله ممن ينقله إلى نفسه، كما قيل عن أحد بني مروان أنه وقّع على مطالعة فيها شكاية من عماله: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ ١ والآخر تضمين آية كريمة في معنى هزل، ونعوذ بالله من ذلك، كقول القائل:
أوحى إلى عشاقه طرفه ... ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ ٢
وردفه ينطق من خلفه ... ﴿لمثل ذا فليعمل العاملون﴾ ٣
ومن الاقتباسات التي هي غير مقبولة، قول ابن النبيه في مدح الفاضل:
قمت ليل الصدود إلا قليلًا ... ثم رتلت ذكركم ترتيلًا
ووصلت السهاد أقبح وصل ... وهجرت الرقاد هجرًا جميلًا
مسمعي كَلَّ عن سماع عذول ... حين ألقى عليه قولًا ثقيلًا
وفؤادي قد كان بين ضلوعي ... أخذته الأحباب أخذًا وبيلًا٤
стр. 934
قل لراقي الجفون إن لعيني ... في بحار الدموع سبحًا طويلًا
ماس عجبًا كأنه ما رأى غصـ ... ـنًا طليحًا ولا كثيبًا مهيلا
وحمى عن محبه كاس ثغر ... كان منه مزاجها زنجبيلا١
بان عني فصحت في أثر العيـ ... ـس ارحموني ومهلوهم قليلا
أنا عبد للفاضل بن علي ... قد تبتلت بالثنا تبتيلا٢
لا تسميه وعد بغير نوال ... ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولا﴾ ٣
ونعوذ بالله من قوله بعد ذلك:
جل عن سائر الخلائق فضلًا ... فاخترعنا في مدحه التنزيلا
واعلم أن الاقتباس على نوعين: نوع لا يخرج به المقتبس عن معناه، كقول الحريري: فلم يكن إلا كلمح البصر أو أقرب، حتى أنشد فأغرب. فإن الحريري كنى به عن شدة القرب، وكذلك هو في الآية الشريفة. ونوع يخرج به المقتبس عن معناه، كقول ابن الرومي:
لئن أخطأت في مدحيـ ... ـك ما أخطأت في منعي
لقد أنزلت حاجاتي ... ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ ٤
فإن الشاعر كنى به عن الرجل الذي لا يرجى نفعه، والمراد به في الآية الكريمة أرض مكة، شرفها الله وعظمها.
ثم اعلم أنه يجوز أن يغير لفظ المقتبس منه، بزيادة أو نقصان أو تقديم أو تأخير أو إبدال الظاهر من المضمر أو غير ذلك، فالزيادة وإبدال الظاهر من المضمر، كقول الشاعر:
كان الذي خفت أن يكونا ... إنا إلى الله راجعونا
فزاد الألف في راجعون على جهة الإشباع وأتى بالظاهر مكان المضمر في قوله: إنا إلى الله، ومراده آية التعزية في المصيبة، وهي قوله تعالى:
стр. 935
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ١. والنقصان ما تقدم من قول الحريري: فلم يكن إلا كلمح البصر أو أقرب، فإنه أسقط لفظة هو، إذ الآية الكريمة لفظها: ﴿كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ ٢. والتقديم والتأخير، كقول الشاعر:
قال لي إن رقيبي ... سيئ الخلق فداره
قلت دعني وجهك ... الجنة حفت بالمكاره
هذا الاقتباس من الحديث، فإنه تقدم أن الإجماع على جواز الاقتباس من القرآن ومنهم من عد المضمن في الكلام من الحديث النبوي اقتباسًا، وزاد هنا الطيبي في الاقتباس من مسائل الفقه، والشاعر قدم في لفظ الحديث وأخر؛ لأن لفظ الحديث: "حفت الجنة بالمكاره"، ومن هنا يتبين لك قطع نظرهم في الاقتباس عن كونه نفس المقتبس منه، ولولا ذلك للزمهم الكفر في لفظ القرآن، والنقص منه، ولكنهم يأتون به على أنه لفظ القرآن، ومن أمثلته الشعرية قول الحماسي:
إذا رمت عنها سلوة قال شافع ... من الحب ميعاد السلو المقابر
سيبقى لها في مضمر الحب والحشا ... سرائر تبقى يوم تبلى السرائر٣
ومنه:
أهدى إليكم على بعد تحيته ... حيّوا بأحسن منها أو فردوها
ويعجبني هنا قول ابن سنا الملك في بعض مطالعه:
رحلوا فلست مسائلًا عن دارهم ... أنا باخع نفسي على آثارهم٤
ومن لطائف هذا الباب قول القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر في معشوقه المسمى بالنسيم:
إن كانت العشاق من أشواقهم ... جعلوا النسيم إلى الحبيب رسولا
فأنا الذي أتلو لهم ﴿يا ليتني ... كنت اتخذت مع الرسولا سبيلا﴾ ٥
ومثله في الحسن، قول شيخ شيوخ حماة المحروسة رحمه الله تعالى:
стр. 936
يا نظرة ما جلت لي حين طلعته ... حتى انقضت وأدامتني على وجل
عاتبت إنسان عيني في تسرعه ... فقال لي ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ ١
ومثله:
إن دمعت عيني فمن أجلها ... بكى على حالي من لا بكى
أوقعني إنسانها في الهوى ... يا أيها الإنسان ما غركا
ومثله:
قسمًا بشمس جبينه وضحاها ... ونهار مبسمه إذا جلاها
وبنار خديه المشعشع نورها ... وليل ضدغيه إذا يغشاها
لقد ادعيت دعاويًا في حبه ... صدقت وأفلح من بذا زكّاها
فنفوس عذّالي عليه وعذّري ... قد ألهمت بفجورها تقواها
فالعذر أسعدها مقيم دليله ... والعذل منبعث له أشقاها
ومنه قول القاضي محيي الدين بن قرناص:
إن الذين ترحلوا ... نزلوا بعين باصره
أنزلتهم في مقلتي ... فإذا هم بالساهرة٢
ومنه قول الشيخ جمال الدين بن نباتة، رحمه الله تعالى:
وأغيد جارت في القلوب لحاظه ... وأسهرت الأجفان أجفانه الوسنى٣
أجل نظرًا في حاجبيه وطرفه ... ترى السحر منه قاب قوسين أو أدنى
ومنه قول الشيخ زين الدين بن الوردي، رحمه الله تعالى:
رب فلاح مليح ... قال يا أهل الفتوّة
كفلي أضعف خصري ... فأعينوني بقوّة٤
ومنه قول المعمار:
ابن الجمالي مات حقًّا ... برّح بي موته وآذى
ورحت أقرأ عليه جهرًا ... ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ ٥
стр. 937
ويعجبني في هذا الباب قول سيدنا الإمام القدوة، الحافظ الشيخ شهاب الدين بن حجر العسقلاني الشافعي -تغمده الله برحمته- وهو:
خاض العواذل في حديث مدامعي ... لما جرى كالبحر سرعة سيره
فحبسته لأصون سر هواكم ... ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ ١
وقلت:
ناحت مطوّقت الرياض وقد رأت ... تلوين دمعي بعد فرقة حبه
لكن له لما سمحت تباخلت ... فغدت مطوقة بما بخلت به
وهنا فائدة يتعين ذكرها في هذا الباب، وهي أن العلماء في هذا الباب قالوا: إن الشاعر لا يقتبس بل يعقد ويضمن، أما الناثر فهو الذي يقتبس كالمنشئ والخطيب، فمن ذلك قول الحريري: فطوبى لمن سمع ووعى، وحقق ما ادّعى، ﴿ونَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ ٢، وعلم أن الفائز من ارعوى، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ ٣، وقوله: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِْ﴾ ٤، وأميز صحيح القول من عليله. وكقول ابن نباته الخطيب في الخطب التي في ديوانه: أما أنتم بهذا الحديث تصدقون، ما لكم لا تشفقون، ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ ٥.
قلت: وأما عبد المؤمن الأصفهاني، صاحب أطباق الذهب، فإنه عنوان هذا الكتاب، وإمام هذا المحراب، فمن قوله في الأطباق: فمن عاين تلوين الليل والنهار لا يغتر بدهره، ومن علم أن بطن الثرى مضجعه لا يمرح على ظهره، فيا قوم لا تركضوا خيل الخيلاء في ميدان العرض، ﴿أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ﴾ ٦. وقوله: ولو علم الجذل صولة النجار، وعضة المنشار، لما تطاول شبرًا، ولا تخايل كبرًا، وسيقول البلبل المعتقل ليتني كنت غرابًا، ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ ٧، وقوله:
لله تحت قباب العز طائفة ... أخفاهم في رداء الفقر إجلالا
стр. 938
هم السلاطين في أطمار مسكنة ... استعيدوا من ملوك الأرض أقيالا١
هذي المكارم لا ثوبان من عدن ... خيطا قميصًا فعادا بعد أسمالا
هذي المناقب لا قعبان من لبن ... شيبًا بماء فعادا بعد أبوالا٢
هم الذين جبلوا براء من التكلف، ﴿يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ﴾ ٣
وقوله أهل التسبيح والتقديس، لا يؤمنون بالتربيع والتسديس، والإنسان بعد علو النفس، يجل عن ملاحظة السعد والنحس، وإن في الدين القويم، لشغلًا عن الزيج٤ والتقويم. الإيمان بالكهانة, باب من أبواب المهانة، فأعرض من الفلاسفة، وغض بصرك عن تلك الوجوه الكاسفة، فأكثرهم عبدة الطبع، وحرسة الكواكب السبع، فما للمنجم الغبي، وما للكاهن الأجنبي، وسر حُجِبَ عن غير النبي، وهل ينخدع بالفال إلا قلوب الأطفال، وإن امرأ جهل حال قومه، وما الذي يجري عليه في يومه، كيف يعرف حال الغد وبعده، ونحس الفلك وسعده، وإن قومًا يأكلون من قرصة الشمس٥ لمهزولون، وإنهم عن السمع لمعزولون، ما السموات إلا مجاهل والكواكب ضواها، وما النجوم إلا هياكل سبعة ومن الله قواها، كلُّ يسري لأمر معمى، ﴿وَكُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ٦.
وقوله: الحرص يسبل على وجوه الظلمة براقعًا، والظلم يدع الديار بلاقعًا٧، يرضون طيب الحياة وينسون يوم النشور، ويفتكون فتك البزاة ويؤملون عمر النسور. فلا تغرنك من الظلمة كثرة الجيوش والأنصار، ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ ٨. وقوله: اغتنم فودك٩ الفاحم قبل أن يبيض، فإنما الدنيا جدار يريد أن ينقض، فلا يغرنك قطفها النضيج هو ﴿غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ﴾ ١٠. قوله في آخر مقالة من الأطباق: تلك أمة قد خلت ذكروا الله في الخلوات،
стр. 939
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ ١. وقوله: أصدق الأرواح روحان ممتزجان، وأخلص القلوب قلبان يزدوجان، يتصاحبون ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ ٢، وآخرون ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ٣. وقوله لله دره: فيا هذا لا تحسد المتنعم على ترفه، ولا تغبط المتكبر على شرفه، وقل له إذا برزت الجحيم وقدم له الحميم، ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ ٤. وقوله: أليس من الخسران جزار يأكل الميت، ومكّيّ لا يزور البيت، فلا تكن كالجمل الطليح٥ يحمل لغيره أسفارًا، ولأنك كـ ﴿الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ ٦.
قلت: هذا القدر الذي أوردته هنا كافٍ في الاقتباسات التي تليق بمواعظ الخطب، فيتعلم بليغ الخطباء منها سلوك الأدب، ولم يبق إلا إظهار نور الاقتباس من مشكاة نور المترسلين، فإنهم ملوك هذا الشأن، ومن استضاء بسحر اقتباسهم قال: إن هذا إلا سحر مبين. "ومن ذلك" قول مالك أزمة هذا الفن القاضي الفاضل من تقريظ ورأيت كل معتاض غيره لصناعة البديع لاهجًا بالبدعة خارجًا عن الشرعة، دارجًا في غير عشه، مخرجًا ميت القول من طرسه على نعشه، فهي المدام وما دون فهم عنها قدام، ووفود بلاغة لو وجهت إلى الجنة لقال رضوانها: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ﴾ ٧ وكل ابنة فكر ما طالعت فكره إلا صاح لسان طربه: ﴿يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ﴾ ٨ وكل غصن ألف وكل همزة حمام، وفيها وفيها، وأخاف أن أقول ولا أوفيها، وليت هذه المحاسن وليت الأسماع، وألقت القناع، وفي العمر مستمتع، وفي قوس الشبيبة منزع، ولكن ضاق فتر عن مسير، وجاء فضلها الأوَّل في الزمن الأخير، وقد حان أن تخيب في البلاغة القدحان٩، وأنى وإنه ﴿قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ ١٠.
وقوله: لا زالت الملوك تنزل لركوبه، والسيوف تضحك لقطوبه، وأسبغ عليه نعمه باطنة وظاهرة، وكتب له في الدنيا حسنة وفي الآخرة، وغض عيون أعدائه فإذا هم
стр. 940
بالساهرة١. وقوله: وقف الخادم على الكتاب فارتقى إلى سماء المكرمات وكانت سطوره درجا، وأضاءت في خاطره فما استمدت مدادًا ولكن أذكت سرجًا، ونهجت له طريق السعادة فللَّه من كتاب لولا الغلو لقلنا من كتاب ﴿لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ ٢. وقوله: ورد على الخادم الكتاب الكريم فشكره وقربه نجيا ورفعه مكانًا عليا، وأعاد عليه عصر الشباب وقد بلغ من الكبر عتيا. وقوله: كتبها الخادم وقد أخرجت السماء أثقالها، وفتحت من العز إليَّ أقفالها، وركضت الرعود لابسة من الغيم جلالها، وثوب الليل بالغمام غسيل، وسبج٣ الظلام بسيف البروق قتيل. وقد زادت السيول إلى أن صارت الخيام عليها فواقع، وهمهم الرعد قارئًا فاستقبلت قبابها بين ساجد وراكع، وكأن الصباح قد ذاب في الليل قطرا، وكأن البرق لما ساوى الغمام بين صدفي الليل والنهار قال: آتوني أفرغ عليه قطرا. وقوله: ونفذت بلاغته بسلطانها، ونفثت بسحر بيانها، وصلى القلم من يده في محراب، ومن طرسه على سجادة وجاء منه كتاب، لو كان البحر مدادًا لما زاده، وكم كتاب لا يساوي مداده و ﴿أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ ٤ وحملت من الأسلحة أحرفها، وشنت الغارة على السمع والبصر، فسلم لها من سلم وبهت الذي كفر. وقوله: النوبة البغدادية الحديث فيها زائد وناقص، والخبر عنها مشوب وخالص، وابن أبي عصرون قوم يقولون قد وزر، ويوم يقولون كلا لا وزر. وقوله: وقفت على تلك الألفاظ المجنسة التي هي ذرية بعضها من بعض، وثمرات الجنة فكلما رزقت منها رزقًا قلت كقول أهلها: الحمد لله الذي أورثنا الأرض.
وقوله: ومما يجب أن يعانيه تربية الحمام التي سكنت في البروج فهي أنجم، وأعدت كنانتها للحاجات فهي أسهم، وقد كادت أن تكون من الملائكة فإذا نيطت بها الرقاع، صارت أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع. وقوله: وعملوا الأبرجة الخشبية، وزحفوا بها إلى الأبراج الحجرية، وخصوصًا إلى برج يعرف بالذباب، ولكن حماه ذباب السيف الإسلامي من الذباب، فلم يقدروا أن يستنقذوه، وضعفوا عنه فسلبهم أرواحهم ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ﴾ ٥. وقوله: والإسلام مد إلى ترابه باعًا طويلًا، ألقى عليه الشرك من ألسنة السيوف قولًا ثقيلًا، وحصون العدوّ قامت قيامتها فحالها اليوم كيوم
стр. 941
تكون الجبال كثيبًا مهيلًا. وقوله، مما كتب به عن السلطان الملك الناصر إلى أمير المؤمنين المستضيء بالله، وهو: سلام قولًا من رب رحيم و ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ ١، مملوك العتبات الشريفة وعبدها، ومن اشتمل على خاطره ولاؤها وودها، ينهى أن الله سبحانه شرف ملة الإسلام على الملل، ودولة أمير المؤمنين على الدول، وقد أقام سيفه حسان الكفرة فأظهر تحريف حسابها، ونقلها من ظهور أسرتها إلى بطون ترابها، فهل ترى لهم من باقية، أو تسمع لهم من لاغية، وظلت أقحاف بني حام تحت غربان الفلاة غربانًا، وشوهدت ظلمات بعضها فوق بعض أفعالًا وألوانًا. وعزّت سيوف الإسلام فظلت أعناقهم لها خاضعين، وعوتبت منهم الأنفس والرءوس فقالتا أتينا طائعين.
ومن اقتباسات القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر البديعة، قوله, من رسالته التي كتبها عن السلطان الملك الظاهر إلى شمس الدين آق سنقر الفارقاني، جوابًا عن كتابه الذي أرسله بفتوح النوبة، لما توجه إليها من الديار المصرية، "وهو": أدام الله نعمة المجلس ولا زالت عزائمه مرهوبة، وغنائمه مجلوبة ومحبوبة، وسطاه وخطاه هذي تكفي النوب٢ وهذه تفتح أرض النوبة، ولا برحت وطأته على الكفار مشتدة، وآمالها لهلاك الأعداء كرماحه ممتدة، ولا عدمت الدولة بيض سيوفه التي يرى بها الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة. صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس تثني على عزائمه التي دلت على كل أمر رشيد، وأتت على كل جبار عنيد، وحكمت بعدل السيف في كل عبد سوء ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ٣ والله يشكر تفاصيل همم المجلس وجملها, وآخر غزواته وأولها, وإذا انسلخ نهار سيفه من ليل هذا العدو يعود سالِمًا إلى مستقره، ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ ٤.
وقوله: في وصية العهد الشريف الذي أنشأه السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل، عن والده الملك المنصور قلاوون الصالحي ﵀ وهو: والشرع الشريف هو قانون الحق المتبع، ومأمون الأمر المستمع، به يتمسك من يمتار٥ ويمتاز، وهو جنة والباطل نار، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز.
"ومن ذلك" اقتباس العلامة أبي طاهر إسماعيل بن عبد الرزاق الأصفهاني، في
стр. 942
رسالة القوس وهو صورة مركبة، وليس لها من تركيب النظم، إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا أو ما اختلط بعظم.
"ومن ذلك" ما أورده الشيخ جمال الدين بن نباته من الاقتباسات البديعية، في رسالة السيف والقلم، فرقى الأنامل على أعواده وقام خطيبًا بمحاسنه في خلعة سواده، والتفت إلى السيف فقال: ﴿بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ، ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ ١. الحمد لله الذي علم بالقلم، وشرفه بالقسم، وخط به ما قدر وقسم، وصلى الله على سيدنا محمد القائل: "جف القلم بما هو كائن"، وعلى آله وصحبه ذوي المجد البين وكل مجد بائن، صلاة واضحة السطور، فاتحة أدراج الصدور، ما نقلت عن صحائف البحار غواديها، كتبت أقلام النور على مهارق الرياض حكمة باريها.
أما بعد: فإن القلم منار الدين والدنيا، وقصبة سباق ذوي الدرجة العليا، ومفتاح باب اليمن المجرب إذا أعيى، وسفير الملك المحجب، وعذيق الملك المرجب٢، وزمام أموره السائرة، وقادمة أجنحته الطائرة، وأنملة الهدى المشيرة إلى ذخائر الدنيا والآخرة، به رقم كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل، وسنة نبيه ﷺ التي تهذب الخواطر والخواطل٣. فبينه وبين من يفاخره الكتاب والسنة، وحسبه ما جرى على يده الشريفة من منّه، إن نظمت فرائد العلوم فالقلم سلكها، وإن علت أسرة الكتب فإنما هو ملكها. هذا، وهو الجاري بما أمر الله به من العدل والإحسان، والمسود الناظر فكأنما هو ملكها. هذا، إنسان، طالما قاتل على البعد والصوارم في القرب، وأوتي من العجزات نوعًا من النصر والرعب، لا يعاديه إلا من سفه نفسه، ولبس لبسه، وطبع على قلبه، وفل الجدال من غربه، وكيف يعادي من إذا كرع من نفسه٤. فقل: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ٥ وإذا ذكر شانئه فقل: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ ٦. فعند ذلك نهض السيف عجلًا، وتلمظ لسانه للقول مرتجلًا، وقال: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ ... وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٧.
стр. 943
الحمد لله الذي جعل الجنة تحت ظلال السيوف، وشرع حدها في ذوي العصيان فأغصتهم بماء الحتوف، وشيد بها مراتب الذين يقاتلون في سبيله صفًّا، كأنهم بنيان مرصوص وعقد مرصوف، صلى الله سيدنا محمد هازم الألوف، وعلى آله وأصحابه الذين طالما محوا بريق الصوارم من سطور الصفوف، وسلم.
أما بعد فإن السيف زند الحق القوي وزنده الوري، به أظهر الله الإسلام وقد جنح خفاء، وجلا شخص الدين الحنيفي وقد جمح جفاء، وأجرى سيوله بالأباطح فأما الحق فمكث وأما الباطل فذهب جفاء، وحملته اليد الشريفة النبوية، وخصته على الأقلام بهذه المزية، وأطلعته في ليالي النقع١ والشك سراجًا وهاجًا، وفتح باب الدين إلى أن دخلت فيه الناس أفواجًا، فهو ذو العزم الثاقب، وسماء المجد الذي زينت آثاره بزينة الكواكب، والحد الذي كأنه ماء دافق يخرح من بين الصلب والترائب، تحسم به أدواء الفتن المضلة، وتحذف هممه الجازمة حروف العلة، ويحيا من سماء القتام بالضرب فقل: يسألونك عن الأهلة، يجلس على رءوس الأعداء قهرًا، ويصرع أبناء الشجاعة قائلًا للقلم: ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرًا. وهل يفاخر من وقف الموت على بابه وعضت الحرب الضروس بنابه، وقذف شياطين القراع بشهبه، ومنح آيات شريفة منها طلوع الشمس من غربه، ومنها أن الله أنشأ برقه، وكان للمارد مصرعا، وللرائد مرتعا، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ ٢ فقام القلم في دواته وقعد، واضطرب على وجه القرطاس وارتعد، وانحرف إلى السيف وقال أيها المضر بطبعه، المغر بلمعه، الناقض حبل الأنس بقطعه، الناسخ بهجيره من ظلال العيش فيأ السراب الذي ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ ، الحبيس الذي طالما عادت عليه عوائد شره الكمين، الإبليس الذي لو أمر لي بالسجود لقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ ٣، فاقطع عنك أسباب المفاخرة واستر من نابك في هذه المكاشرة، فما يحسن بالصامت محاورة المفصح، والله يعلم المفسد من المصلح، أولست الذي قيل فيه:
شيخ يرى الصلوات الخمس نافلة ... ويستحل دم الحجاج في الحرم؟!
فدع عنك هذا الفخر المديد، وتأمل قدري إذا كشف عنك الغطاء ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ ٤.
стр. 944
قلت: لولا خشية الإطالة لأوردت هنا رسالة السيف والقلم بكمالها، ولكن في هذا القدر من نور اقتباسه ما يهتدي به الأعشى، ويستغني بإنشائه عن سلافة الإنشا.
ومن غريب اقتباسات الشيخ جمال الدين أيضًا، ما كتب به مع منقد نحاس، "وهو قوله فيه": طالما حمدت معاشرته ولذت في الليالي مسامرته، وأطلع من أفقه نجومًا سعيدة القران، وتلا على الريح والثلج ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ﴾ ١. "ومن ذلك" بديع الاقتباس للشيخ زين الدين بن الوردي في خطبته في الكلام على المائة غلام. "وهو": لعمري ما أنصفني من أساء بي الظن، وقال إني رضيت مع درجة العلم بهذا الفن، والصحابة كانوا ينظمون وينثرون، ونعوذ بالله من قوم لا يشعرون. "ومن ذلك" قوله في توقيع عدالة بعض الشهود بحلب المحروسة، "وهو": الحمد لله الذي شاد رتبة العدالة وحماها، وجعلها همة من شرفت نفسه فزكت ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ ٢ وعصمة من فرقة في قلوب الحكام من نار تدليسهم وقود، ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ ٣. "ومن ذلك" ما كتب به عنه وعن أخيه يوسف: وإذا عني الصاحب بالأخ رفقًا وإحسانًا، تلونا ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ ٤، والله يعلينا بعلوك، ويبلغنا مرجونا ببلوغ مرجوك، حتى يقول أولاد الصاحب عنا ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ ٥. "ومن ذلك" ما كتب به بقية السلف، الشيخ زين الدين أبو بكر العجمي، على قصيدتي الكافية البرهانية، تقريظًا أشرفت أقطار الأدب بنور اقتباسه، والاقتباس في التقريظ: فيا له من قصيد رد عيون أعيان هذه الصناعة من الحياء مطرقة، تالية على من قاسها بامرئ القيس ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ ٦. "ومن ذلك" ما كتب به الشيخ برهان الدين القيراطي إلى الشيخ جمال الدين بن نباته: يقبل الأرض التي سقت السماء نباتها، وعمر الله بمعانى الحسن أبياتها.
"منها": فلا غرو أن فصح بديع الزمان بلفظه البديع، وأزهرت الأوراق بمنثور رسائله التي كل فصل منها ربيع، وخجلت صفحة الخد المنمنمة بطراز العذار المرقوم، وقالت الكئوس حين شبهت في إمالة الأعطاف بألفاظه وما منا إلا له مقام معلوم. "ومنها":
стр. 945
فسبحان من أسرى بها في ليل نقسها إلى المحل الأقصى، وحباها بالفضل الذي لا يحصى، وأنبت دوحتها في رياض الفصاحة، ونمق حدائقها التي لو فتح النرجس عينه في عينها لنسب إلى الوقاحة. فتبارك الذي جعل في سماء دوحته لشمس بلاغته بروجًا، وأعلى هممه التي لا ترضى الشهب جيادًا والأهلة سروجًا، حتى أقام يراع قلمه لسوق الأدب قصبه، وشاد من قصائده كل بيت إذا مر الحاسد ببابه قبل العتبة، وسارت كالسبعة السيارة مصنفاته، وعلت من قصره المشيد بسينات سطوره شرفاته، وفديت بالمباسم والقدود ميماته وألفاته، وزهت أمداحه المؤيدية فأصبت بيوته المرفوعة ذات العماد، وراقت محاسنها التي لم يخلق مثلها في البلاد، وفضحت لسهلها الممتنع أدباء العصر الذين جابوا الصخر بالواد. "ومنها": طالما سرح الناظر في بستانها منظره، ورام ابن سكرة فتح الأبواب لمعارضة قطرها النباتي فوجدوها مسكره، وعلم المتنبي أن هذا خاتم الأدباء لا محالة، والمترسل الذي نهض دونه بأعباء كل رسالة، وأقام بتقديمها على غيرها براهين الاحتجاج، وقال الملحي عندما قابل بحرها الحلو ببحره ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ ١.
ومن ذلك ما نقلته من خط الصاحب فخر الدين بن مكانس، تغمده الله برحمته "وهو": ورد علينا شخص من أهل القيروان ضرير، يسمى عبد الله الزغبي يتعاطى نظم الشعر المقفى الموزون الخالي عن المعاني، فتردد إلَيَّ في مجالس متفرقة، ثم بلغني أنه وشى إلى صاحبنا الشيخ زين الدين بن أبي بكر العجمي، عين كتاب الإنشاء الشريف، أني اهتضمت جانبه، وانتقصته وغضيت منه بالنسبة إلى الأدب، وأنه يستعين بكلام غيره كثيرًا فتأذى من ذلك. وتأذيت من كذب الناقل، فكتبت: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ﴾ ٢ بلغني، بلغ الله سيدنا ومولانا الإمام العالم العلامة الأديب الشاعر الناظم الناثر المحقق الأمة الكاتب الحجة زين الدنيا والدين هرة عين الكرام والكاتبين، أقصى ما ينتهي إليه تنافس المتنافس، وتبتهج به صدور الأولياء والرؤساء والمجالس، ولا زال زينة يحلى به العاطل، ويظل تحت جناح أدبه القائل، من غيبة ذلك الضرير، ما لا خشي الله فيه بظهر الغيب، ونقل إلى المسامع الكريمة ما لا يحتاج للاعتذار عنه لما فيه من الريب، ولكن لا غناء لسيف ذهن المملوك الكليل من التنصل، ولا بد من نهلة اعتذار على سبيل التعلل. وكان المملوك يترقب سببًا للمطارحة، فهذا المغتاب الآن صار عنده محمودًا، إذ كان السبب لحسن التوسل إلى صناعة الترسل. "ومنها" فلو اختلف الأدباء على إمام لأهل هذه
стр. 946
الصناعة مطهر من الأرجاس، لقال لهم لسان البلاغة مروا أبا بكر فليصل بالناس، وكيف يسوغ للمملوك أن يدعي غير هذا، وكيف ولِمَ ولماذا؟ أحسدًا على الأدب فما أهجرني له من عصر الصبا بحمد الله وما أغناني، أو تفاخرًا بالنظم فما أشغلني عنه بتدبير الممالك بما عناني. نعم, وإن كان جوهر الألفاظ مما يحسد عليه فما أزهدني والله في هذا العرض الفاني. "ومنها" والمسئول من إحسانه أمران: الجواب فإنه يقوم عند المملوك مقام الفرج من هذه الشدة، والآخر رد كل فاسق عن الباب العالي فإن أبا بكر أول من تصلب في الرِدَّة١. وبلغ المملوك أن هذا الضرير قصد بعض الأصحاب برمية كهذه فأصمى، وتردد إليه مرة أخرى فـ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ ٢.
"ومن ذلك" ما كتبت به إلى المقر الصاحبي الفخر المشار إليه بعد توجهي من خدمته إلى دمشق المحروسة، ومشاهدتي ما قدر الله عليها من الحريق والحصار من قبل الملك الظاهر، سنة إحدى وتسعين وسبعمائة. وهذه الرسالة التي سارت بها الركبان، وجاء لبديع الاقتباس في معانيها بيان، "وهي": يقبل الأرض التي من يممها أو تيمم ترابها حصل له الفخر والمجد، فلا برح هيام الوفود إلى أبوابها أكثر من هيمان العرب إلى ربا نجد، ولا زالت فحول الشعراء تطلق أعنة ألفاظها، وتركض في ذلك المضمار، وتهيم بواديها الذي يجب أن ترفع فيه على أعمدة المدائح بيوت الأشعار، وينهى بعد أشواق أمست العين بها في مجاري العين معثرة، ولو لم يقر إنسانها بمرسلات الدمع لقلت في حقه ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ ٣ وصول المملوك إلى دمشق المحروسة فيا ليته قبض قبل أن يكتب عليه ذلك الوصول، ودخوله إليها والله لقد تمنى خروج الروح عند ذلك الدخول. "ومنها": وتطرقت بعد ذلك إلى الحدادين ولقد نادتهم النار بلسانها من مكان بعيد ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ ٤. لقد كان يوم حريقها يومًا عبوسًا قمطريرًا، ضج المسلمون فيه من الخيفة وقد رأوا سلاسل وأغلالًا وسعيرًا. يا مولاي لقد لبست دمشق في هذه المآتم السواد، وطبخت قلوب أهلها وسلقوا من الأسنة بألسنة حداد، ولقد نشفت عيونهم من الحريق واستنشقوا فلم ينشقوا رائحة الغادية، وكم رؤي في ذلك اليوم ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ، عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ، تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ ٥، وكم رجل تلا عند لهيب بيته: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ ٦ وخرج هاربًا، وامرأته حمالة الحطب.
стр. 947
"ومنها": ونظرت بعد ذلك إلى القلعة المحروسة، وقد قامت قيامة حربها حتى قلنا: ﴿أَزِفَتْ الآزِفَةُ﴾ ١ وستروا بروجها من الطارق بتلك الستائر وهم يقولون ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ ١. "ومنها": وتطاول إلى السور المشرف، وقد فضل في علم الحرب وحفظ أبوابه المقفلات، فما وقفنا على باب إلا وجدناه لم يترك خلفه لصاحب المفتاح تلخيصًا لما أبداه من المشكلات، فلا وأبيك لو نظرته يوم الحرب وقد تصاعدت فيه أنفاس الرجال، لقلت ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد، وإلى المحاصرين وقد جاءوا فارسًا وراجلًا ليشهدوا القتال لقلت: ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ ٢، وإلى كواكب الأسنة وقد انتثرت وإلى قبور الشهداء وهي تحت أرجل الخيل قد بعثرت، وإلى كر الفوارس وفرها لقلت: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ ٣. "ومنها": وتصفحت بعد ذلك فاتحة باب النصر فعوذته بالإخلاص٤ وزدت الله شكرًا وحمدًا، وتأملت أهل الباب وهم يتلون لأهل البلد سورة الفتح وللمحاصرين ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ ٥ وكم طلبوا فتحه ولم يجدوا لهم طاقة وضرب بينهم بسور له باب ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ ٦. "ومنها": هذا وكم من مؤمن قوم خرج من دياره حذر الموت وهو يقول النجاة وطلب الفرار، وكلما دعاه قوم لمساعدتهم على الحريق ناداهم وقد عدم الاصطبار: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ ٧. "ومنها": فأعيذ ما بقي من السبعة بالسبع المثاني والقرآن العظيم، فكم رأينا بها يعقوب حزن رأي سواد بيته فاصفر لونه ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ٨. "ومنها": وتوصلت إلى ظاهر كيسان، فأنفقت كيس الصبر لما افتقرت من دنانير تلك الأزهار والدراهم رباها، وكابرت إلى أطراف الباب الصغير فوجدت فاضل النار لم يغادر منها ﴿صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ ٩. "ومنها": هذا وكم خائف قبل اليوم آويناه بها إلى ربوة ذات قرار، وكم كان بها مطرب طير خرج بعدما كان يطرب على عود وطار.
стр. 948
وأوضحت أوقات الربوة بعد ذلك العيش الخضل واليسر عسيرة، لقد كان أهلها في ظل ممدود ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ، وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ١.
ومن ذلك، ما أنشأته قديمًا في توقيع لمولانا قاضي القضاة، علاء الدين عالم المسلمين، أبي الحسن علي الحنبلي -جمل الله الوجود بوجوده- بنظر البيمارستان٢ النوري بحماة المحروسة. والذي أوردته في التوقيع، من الاقتباسات البديعة, قولي: وصفت مشارب الصفا بعد الكدر ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ ٣ وتلا من سعى لهم في ذلك وجزى بالخيرات، إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورًا، ودار شرب العافية على أهل تلك الحضرة بالطاس والكاس، وحصل لهم البرء من تلك البراني٤ التي يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس، وتمشت الصحة في مفاصل ضعفائه وقيل لهم: جوزيتم بما صبرتم، وامتدت مقاصيرهم ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ ٥.
"ومن ذلك"، ما اقتبسته في ديباجة عهد مولانا أمير المؤمنين المعتضد بالله، زاده الله شرفًا وتعظيمًا، وهو: الحمد لله الذي شد عضد هذه الأمة بمن أمسى به معتضدا، وأسعفنا من البيت النبوي بخليفة ما برح شيخ الملوك في تقديم بيته الشريف مجتهدًا، وأقام العلم العباسي بعد أبي مسلم بأبي النصر فأكرم بحسن الختام وحسن الابتدا، وتكرر حمده على سلطان مؤيد أتحف به العلماء الأعلام، وظهر لجلالهم في أيامه الزاهرة بهجة فقال: هذا زمان مشايخ الإسلام، ونحمده على حكمته التي اقتضت أن تكون الخلافة عمدة الأحكام يزول بها الالتباس، وهو القائل تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ﴾ ٦.
"من ذلك" ما اقتبسته في عهد مولانا السلطان الملك الظاهر ططر، بقولي منه: فإن البغاة لاحتجاب السلطنة عنه سدا أسسته على الطغيان، فقيل لأهل البيعة: قد فتح الله لأبي الفتح ﴿فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ ٧.
стр. 949
"من ذلك"، ما اقتبسته في مثال شريف مؤيدي، كان جوابًا لقرا يوسف: وتبدّى لعلمه الشريف ورود البشير بالقرب اليوسفي، وقل حل بالأسماع قبل رؤيته تشنف، وهبت نسمات قبوله فأطفأت ما في القلوب من التلهف، وضاع نشرها اليوسفي فقال شوقنا اليعقوبي ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ ١ وهذه ألفة خولتنا في نعم الله وزمام الأخوة منقاد إلينا، وقد تعين على المقر أن يقول: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ ٢.
"واتفق لي" في تقليد قاضي القضاة، ولي الدين العراقي اقتباسات بديعية "منها": وكم قال هذا المنصب رب قد أضعفني اليتم وصار الباطل قويًّا فهب لي من لدنك وليًّا. "ومنها": وأعاذنا الله من ولاية قوم يسمعون بينة الحق وإذا اجتمعوا على الرشوات، تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات.
"ومن ذلك"، ما كتبته على ديوان المقر البارعي الكاملي الأديبي العماد ي، إسماعيل بن الصائغ الحلبي، أحد الأعيان كتاب الإنشاء الشريف الذي عارض به ديوان الصبابة، للشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة ﵀ وهو: وقفت على هذا الكتاب الذي رفع عماد الأدب في هذا الجيل، وشرعت في ذكر محاسنه فقال لسان القلم واذكر في الكتاب إسماعيل. "ومنه": وأما ابن حجة فقد ندب إلى الواقعة على عرفات هذا الفضل المعروف، والامتثال هنا واجب ولكن الكف صفر والطريق مخوف. هذا وقد ذوت من حدائق فكري زهرة الشباب، واختفى لساني كما قال ابن نباتة وأغلق عليه من شفتيه مصراعي باب، وخمد جمر القريحة وجمد ذلك الذهن السيال، ونأى عن خدمتي كافور الطروس وعنبر المداد وصواب المقال، ولكن هبت علَيَّ نسمات الشبيبة من دوحة هذا المصنف الجليل، فقلت وقد شبت نار القريحة وأملت عليَّ هذا الوصف الجميل: الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل.
وهذا القدر الذي أوردته كافٍ هنا في الاقتباس من القرآن، فإني أخشى باب الملالة، ولكن عنَّ لي أن أفرد كتابًا وأسميه: "رفع الالتباس عن بديع الاقتباس"، وقد تقدم وتقرر أيضًا أنه إن جاء في المنظوم فهو عقد وتضمين، وإن كان في المنثور فهو اقتباس. وقد أوسع بعض علماء هذا الفن المجال في ذلك، فذكر أن الاقتباس يكون في مسائل الفقه، وقال بعضهم: إذا قلنا بذلك فلا معنى للاقتصار على مسائل الفقه، بل يكون في غيره من العلوم. وعلى هذا التقدير تعين أن نورد هنا ما وقع من الاقتباس في الحديث
стр. 950
النبوي وبقية العلوم، بحيث لا يخلو هذا الشرح الغريب من الغرائب، فإن الظاهر من كلامهم أن الاقتباس مقصور على القرآن والحديث. فمما وقع من الحديث النبوي قول الصاحب بن عباد:
أقول وقد رأيت له سحابا ... من الهجران مقبلة إلينا
وقد سحت غواديها بهطل ... حوالينا الصدود ولا علينا
الصاحب اقتبس من قوله ﵊، حين استسقى وحصل نزول مطر عظيم: "اللهم حوالينا ولا علينا".
"ومنه" قول أبي الحسن علي بن المفرج المنجم، لما احترقت دار الوجيه بن صورة بمصر:
أقول وقد عاينت دار ابن صورة ... وللنار فيها مارج يتضرم١
كذا كل مال أصله من نهاوش ... فعما قليل في نهاير يعدم٢
وما هو إلا كافر طال عمره ... فجاءته لما استبطأته جهنم
اقتبس من قوله ﷺ : "من أصاب مالًا من نهاوش أهلكه الله في نهابر". النهاوش: بالنون المظالم. والنهابر: المهالك، الواحد نهبور.
"ومنه" قول شمس الدين محمد بن عبد الكريم الموصلي:
ومنكر قتل شهيد الهوى ... ووجهه ينبئ عن حاله
اللون لون الدم من خده ... والريح ريح المسك من خاله
اقتبس من قوله ﷺ ، في وصف دم الشهيد: "اللون لون الدم، والريح ريح المسك".
ومن اقتباسات الحديث في النثر، قول الحريري في المقامات: إنما الأعمال بالنيات، وبها انعقاد العقود الدينيات. ومنه قوله: شاهت٣ الوجوه. وقبح اللكع٤ ومن يرجوه. اقتبس من قوله ﷺ يوم حنين، وقد رمى الكفار بكف من الحصى: "شاهت الوجوه".