← Адаб

Адаб · id 8675

خزانة الأدب وغاية الأرب لابن حجة الحموي

الحموي، ابن حجة

Полный текст (986 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

الصناعة مطهر من الأرجاس، لقال لهم لسان البلاغة مروا أبا بكر فليصل بالناس، وكيف يسوغ للمملوك أن يدعي غير هذا، وكيف ولِمَ ولماذا؟ أحسدًا على الأدب فما أهجرني له من عصر الصبا بحمد الله وما أغناني، أو تفاخرًا بالنظم فما أشغلني عنه بتدبير الممالك بما عناني. نعم, وإن كان جوهر الألفاظ مما يحسد عليه فما أزهدني والله في هذا العرض الفاني. "ومنها" والمسئول من إحسانه أمران: الجواب فإنه يقوم عند المملوك مقام الفرج من هذه الشدة، والآخر رد كل فاسق عن الباب العالي فإن أبا بكر أول من تصلب في الرِدَّة١. وبلغ المملوك أن هذا الضرير قصد بعض الأصحاب برمية كهذه فأصمى، وتردد إليه مرة أخرى فـ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ ٢. "ومن ذلك" ما كتبت به إلى المقر الصاحبي الفخر المشار إليه بعد توجهي من خدمته إلى دمشق المحروسة، ومشاهدتي ما قدر الله عليها من الحريق والحصار من قبل الملك الظاهر، سنة إحدى وتسعين وسبعمائة. وهذه الرسالة التي سارت بها الركبان، وجاء لبديع الاقتباس في معانيها بيان، "وهي": يقبل الأرض التي من يممها أو تيمم ترابها حصل له الفخر والمجد، فلا برح هيام الوفود إلى أبوابها أكثر من هيمان العرب إلى ربا نجد، ولا زالت فحول الشعراء تطلق أعنة ألفاظها، وتركض في ذلك المضمار، وتهيم بواديها الذي يجب أن ترفع فيه على أعمدة المدائح بيوت الأشعار، وينهى بعد أشواق أمست العين بها في مجاري العين معثرة، ولو لم يقر إنسانها بمرسلات الدمع لقلت في حقه ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ ٣ وصول المملوك إلى دمشق المحروسة فيا ليته قبض قبل أن يكتب عليه ذلك الوصول، ودخوله إليها والله لقد تمنى خروج الروح عند ذلك الدخول. "ومنها": وتطرقت بعد ذلك إلى الحدادين ولقد نادتهم النار بلسانها من مكان بعيد ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ ٤. لقد كان يوم حريقها يومًا عبوسًا قمطريرًا، ضج المسلمون فيه من الخيفة وقد رأوا سلاسل وأغلالًا وسعيرًا. يا مولاي لقد لبست دمشق في هذه المآتم السواد، وطبخت قلوب أهلها وسلقوا من الأسنة بألسنة حداد، ولقد نشفت عيونهم من الحريق واستنشقوا فلم ينشقوا رائحة الغادية، وكم رؤي في ذلك اليوم ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ، عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ، تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ ٥، وكم رجل تلا عند لهيب بيته: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ ٦ وخرج هاربًا، وامرأته حمالة الحطب.

стр. 947

"ومنها": ونظرت بعد ذلك إلى القلعة المحروسة، وقد قامت قيامة حربها حتى قلنا: ﴿أَزِفَتْ الآزِفَةُ﴾ ١ وستروا بروجها من الطارق بتلك الستائر وهم يقولون ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ ١. "ومنها": وتطاول إلى السور المشرف، وقد فضل في علم الحرب وحفظ أبوابه المقفلات، فما وقفنا على باب إلا وجدناه لم يترك خلفه لصاحب المفتاح تلخيصًا لما أبداه من المشكلات، فلا وأبيك لو نظرته يوم الحرب وقد تصاعدت فيه أنفاس الرجال، لقلت ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد، وإلى المحاصرين وقد جاءوا فارسًا وراجلًا ليشهدوا القتال لقلت: ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ ٢، وإلى كواكب الأسنة وقد انتثرت وإلى قبور الشهداء وهي تحت أرجل الخيل قد بعثرت، وإلى كر الفوارس وفرها لقلت: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ ٣. "ومنها": وتصفحت بعد ذلك فاتحة باب النصر فعوذته بالإخلاص٤ وزدت الله شكرًا وحمدًا، وتأملت أهل الباب وهم يتلون لأهل البلد سورة الفتح وللمحاصرين ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ ٥ وكم طلبوا فتحه ولم يجدوا لهم طاقة وضرب بينهم بسور له باب ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ ٦. "ومنها": هذا وكم من مؤمن قوم خرج من دياره حذر الموت وهو يقول النجاة وطلب الفرار، وكلما دعاه قوم لمساعدتهم على الحريق ناداهم وقد عدم الاصطبار: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ ٧. "ومنها": فأعيذ ما بقي من السبعة بالسبع المثاني والقرآن العظيم، فكم رأينا بها يعقوب حزن رأي سواد بيته فاصفر لونه ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ٨. "ومنها": وتوصلت إلى ظاهر كيسان، فأنفقت كيس الصبر لما افتقرت من دنانير تلك الأزهار والدراهم رباها، وكابرت إلى أطراف الباب الصغير فوجدت فاضل النار لم يغادر منها ﴿صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ ٩. "ومنها": هذا وكم خائف قبل اليوم آويناه بها إلى ربوة ذات قرار، وكم كان بها مطرب طير خرج بعدما كان يطرب على عود وطار.

стр. 948

وأوضحت أوقات الربوة بعد ذلك العيش الخضل واليسر عسيرة، لقد كان أهلها في ظل ممدود ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ، وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ١. ومن ذلك، ما أنشأته قديمًا في توقيع لمولانا قاضي القضاة، علاء الدين عالم المسلمين، أبي الحسن علي الحنبلي -جمل الله الوجود بوجوده- بنظر البيمارستان٢ النوري بحماة المحروسة. والذي أوردته في التوقيع، من الاقتباسات البديعة, قولي: وصفت مشارب الصفا بعد الكدر ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ ٣ وتلا من سعى لهم في ذلك وجزى بالخيرات، إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورًا، ودار شرب العافية على أهل تلك الحضرة بالطاس والكاس، وحصل لهم البرء من تلك البراني٤ التي يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس، وتمشت الصحة في مفاصل ضعفائه وقيل لهم: جوزيتم بما صبرتم، وامتدت مقاصيرهم ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ ٥. "ومن ذلك"، ما اقتبسته في ديباجة عهد مولانا أمير المؤمنين المعتضد بالله، زاده الله شرفًا وتعظيمًا، وهو: الحمد لله الذي شد عضد هذه الأمة بمن أمسى به معتضدا، وأسعفنا من البيت النبوي بخليفة ما برح شيخ الملوك في تقديم بيته الشريف مجتهدًا، وأقام العلم العباسي بعد أبي مسلم بأبي النصر فأكرم بحسن الختام وحسن الابتدا، وتكرر حمده على سلطان مؤيد أتحف به العلماء الأعلام، وظهر لجلالهم في أيامه الزاهرة بهجة فقال: هذا زمان مشايخ الإسلام، ونحمده على حكمته التي اقتضت أن تكون الخلافة عمدة الأحكام يزول بها الالتباس، وهو القائل تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ﴾ ٦. "من ذلك" ما اقتبسته في عهد مولانا السلطان الملك الظاهر ططر، بقولي منه: فإن البغاة لاحتجاب السلطنة عنه سدا أسسته على الطغيان، فقيل لأهل البيعة: قد فتح الله لأبي الفتح ﴿فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ ٧.

стр. 949

"من ذلك"، ما اقتبسته في مثال شريف مؤيدي، كان جوابًا لقرا يوسف: وتبدّى لعلمه الشريف ورود البشير بالقرب اليوسفي، وقل حل بالأسماع قبل رؤيته تشنف، وهبت نسمات قبوله فأطفأت ما في القلوب من التلهف، وضاع نشرها اليوسفي فقال شوقنا اليعقوبي ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ ١ وهذه ألفة خولتنا في نعم الله وزمام الأخوة منقاد إلينا، وقد تعين على المقر أن يقول: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ ٢. "واتفق لي" في تقليد قاضي القضاة، ولي الدين العراقي اقتباسات بديعية "منها": وكم قال هذا المنصب رب قد أضعفني اليتم وصار الباطل قويًّا فهب لي من لدنك وليًّا. "ومنها": وأعاذنا الله من ولاية قوم يسمعون بينة الحق وإذا اجتمعوا على الرشوات، تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات. "ومن ذلك"، ما كتبته على ديوان المقر البارعي الكاملي الأديبي العماد ي، إسماعيل بن الصائغ الحلبي، أحد الأعيان كتاب الإنشاء الشريف الذي عارض به ديوان الصبابة، للشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة ﵀ وهو: وقفت على هذا الكتاب الذي رفع عماد الأدب في هذا الجيل، وشرعت في ذكر محاسنه فقال لسان القلم واذكر في الكتاب إسماعيل. "ومنه": وأما ابن حجة فقد ندب إلى الواقعة على عرفات هذا الفضل المعروف، والامتثال هنا واجب ولكن الكف صفر والطريق مخوف. هذا وقد ذوت من حدائق فكري زهرة الشباب، واختفى لساني كما قال ابن نباتة وأغلق عليه من شفتيه مصراعي باب، وخمد جمر القريحة وجمد ذلك الذهن السيال، ونأى عن خدمتي كافور الطروس وعنبر المداد وصواب المقال، ولكن هبت علَيَّ نسمات الشبيبة من دوحة هذا المصنف الجليل، فقلت وقد شبت نار القريحة وأملت عليَّ هذا الوصف الجميل: الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل. وهذا القدر الذي أوردته كافٍ هنا في الاقتباس من القرآن، فإني أخشى باب الملالة، ولكن عنَّ لي أن أفرد كتابًا وأسميه: "رفع الالتباس عن بديع الاقتباس"، وقد تقدم وتقرر أيضًا أنه إن جاء في المنظوم فهو عقد وتضمين، وإن كان في المنثور فهو اقتباس. وقد أوسع بعض علماء هذا الفن المجال في ذلك، فذكر أن الاقتباس يكون في مسائل الفقه، وقال بعضهم: إذا قلنا بذلك فلا معنى للاقتصار على مسائل الفقه، بل يكون في غيره من العلوم. وعلى هذا التقدير تعين أن نورد هنا ما وقع من الاقتباس في الحديث

стр. 950

النبوي وبقية العلوم، بحيث لا يخلو هذا الشرح الغريب من الغرائب، فإن الظاهر من كلامهم أن الاقتباس مقصور على القرآن والحديث. فمما وقع من الحديث النبوي قول الصاحب بن عباد: أقول وقد رأيت له سحابا ... من الهجران مقبلة إلينا وقد سحت غواديها بهطل ... حوالينا الصدود ولا علينا الصاحب اقتبس من قوله ﵊، حين استسقى وحصل نزول مطر عظيم: "اللهم حوالينا ولا علينا". "ومنه" قول أبي الحسن علي بن المفرج المنجم، لما احترقت دار الوجيه بن صورة بمصر: أقول وقد عاينت دار ابن صورة ... وللنار فيها مارج يتضرم١ كذا كل مال أصله من نهاوش ... فعما قليل في نهاير يعدم٢ وما هو إلا كافر طال عمره ... فجاءته لما استبطأته جهنم اقتبس من قوله ﷺ : "من أصاب مالًا من نهاوش أهلكه الله في نهابر". النهاوش: بالنون المظالم. والنهابر: المهالك، الواحد نهبور. "ومنه" قول شمس الدين محمد بن عبد الكريم الموصلي: ومنكر قتل شهيد الهوى ... ووجهه ينبئ عن حاله اللون لون الدم من خده ... والريح ريح المسك من خاله اقتبس من قوله ﷺ ، في وصف دم الشهيد: "اللون لون الدم، والريح ريح المسك". ومن اقتباسات الحديث في النثر، قول الحريري في المقامات: إنما الأعمال بالنيات، وبها انعقاد العقود الدينيات. ومنه قوله: شاهت٣ الوجوه. وقبح اللكع٤ ومن يرجوه. اقتبس من قوله ﷺ يوم حنين، وقد رمى الكفار بكف من الحصى: "شاهت الوجوه".

стр. 951

ويعجبني من المنظوم، هنا، قول الشيخ شهاب الدين أبي جعفر بن مالك الأندلسي الغرناطي: لا تعاد الناس في أوطانهم ... قلما يرعى غريب في الوطن وإذا ما شئت عيشًا بينهم ... خالق الناس بخلق ذي حسن اقتبس من قوله ﷺ ، لأبي ذر: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن". وهذا الحديث صحيح. ومن الاقتباس في مسائل الفقه، في المنظوم، قول بعضهم: أقول لشادن في الحسن أضحى ... يصيد بلحظه قلب الكمي١ ملكت الحسن أجمع في نصاب ... فأدر زكاة منظرك البهي فقال أبو حنيفة لي إمام ... يرى أن لا زكاة على الصبي وإن تك مالكيّ الرأي أو من ... يرى رأي الإمام الشافعي فلأنك طالبًا مني زكاة ... فإخراج الزكاة على الولي ومثله قول أبي العلاء، أحمد بن سليمان المعري: أيا جارة البيت الممنع جاره ... غدوت ومن لي عندكم بمقيل لغيري زكاة من جمال فإن تكن ... زكاة جمال فاذكري ابن سبيل ومما ينسب إلى الإمام الشافعي ﵀: خذوا بدمي هذا الغزال فإنه ... رماني بسهمَيْ مقلتيه على عمد ولا تقتلوه إنني أنا عبده ... وفي مذهبي لا يقتل الحر بالعبد ومنه قول القاضي عبد الوهاب المالكي: يزرع وردًا ناضرًا ناظري ... في وجنة كالقمر الطالع فلم حرمتم شفتي قطفها ... والحكم أن الزرع للزارع وله أيضًا: ونائمة قبلتها فتنبهت ... وقالت تعالوا فاطلبوا اللص بالحدّ٢ فقلت لها إني فديتك غاصبّ ... وما حكموا في غاصبٍ بسوى الرد٣

стр. 952

ومنه قول أبي الطيب المتنبي: بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها ... وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه قفي تغرمي الأولى من اللحظ مهجتي ... بثانية والمتلف الشيء غارمه١ المعنى أن النظرة الأولى أتلفت مهجتي، فلزم غرمها بنظرة ثانية؛ لأنه من أتلف شيئًا حكم عليه بغرمه، ولكن في التركيب قلق وعقادة. "ومنه": قول شمس الدين محمد بن جابر الأندلسي رحمه الله تعالى: طلبت زكاة الحسن منها فجاوبت ... إليك فهذا ليس تدركه مني عليَّ ديون للعيون فلا ترم ... زكاة فإن الدين يسقطها عني ومنه قول الشيخ صدر الدين بن الوكيل: يا سيدي إن جرى من مدمعي دمي ... للعين والقلب مسفوح ومسفوك لا تخش من قود يقتص منك به ... فالعين جارية والقلب مملوك٢ ومن الاقتباسات في علم المنطق، قول شمس الدين محمد بن العفيف التلمساني: للمنطقيين أشتكي أبدًا ... عين رقيب فليته هجعا صادرها من أحبه فأبى ... أن نختلي ساعة ونجتمعا كيف غدت دائمًا وما انفصلت ... مانعة الجمع والخلو معا وهذه الأبيات في غاية الحسن، ولكن أورد بعضهم إيرادًا وقال: ظاهر كلامه التعجب من هذه القضية، والمراد في مثل هذا أن يتعجب مما خرج عن القواعد, وهذه القضية موجودة مستعملة، وذلك قولهم: العدد إما زوج وإما فرد، فهذه القضية مانعة الجمع فإن الزوجية والفردية لا يجتمعان، ومانعة الخلو فإن العدد لا يخلو من أحدهما، فلا معنى للتعجب. ومنه قول بعضهم: مقدمات الرقيب كيف غدت ... عند لقاء الحبيب متصلة تمنعنا الجمع والخلو معا ... وإنما ذاك حكم منفصله

стр. 953

هذا تعجب مما يسوغ التعجب منه؛ لأن منع الجمع لا يكون في المتصلة؛ وإنما هو في حكم المنفصلة. وأما الاقتباس، في علم الجدل، فمنه قول شمس الدين بن العفيف: وما بال برهان العذار مسلمًا ... ويلزمه دور وفيه تسلسل وعندي أن الشمس بالصحو آذنت ... وسكري أراه من محياك يقبل وأما الاقتباس، من علم النحو، فقد اتسع مجالهم فيه، حتى غلب على غالبهم التوجيه، فمنه قول أبي الطيب: حولي بكل مكان منهم حلق ... تخطي إذا جئت في استفهامها بمن أبو الطيب يقول إذا استفهمت عن مثل هؤلاء الأقوام لا تستفهم بمن لأن من لمن بعقل وهؤلاء عندي بمنزلة ما لا يعقل، فحقهم أن يستفهم عنهم بما. ومنه قوله: إذا كان ما ينويه فعلًا مضارعًا ... مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم يقول إذا هم بفعل أوقعه، قبل أن يمنع وينهى عنه, ويقال له: لا تفعل، أو ينفى فيقال: لم يفعل. ومنه قول ابن عنين في معزول: فلا تغضبن إذا ما صرفت ... فلا عدل فيك ولا معرفة ومنه قول ابن أبي الأصبع في ذلك: أيا قمرًا من حسن وجنته لنا ... وظلّ عذاريه الضحى والأصائل جعلتك للتمييز نصبًا لناظري ... فهلا رفعت الهجر فالهجر فاعل قلت: ومن أغرب ما وقع في هذا الباب، أن شرف الدين محمد بن عنين مرض فكتب إلى الملك المعظم هذين البيتين: أنظر إليَّ بعين مولى لم يزل ... يولي الندى وتلاف قبل تلافي١ أنا كالذي أحتاج ما يحتاجه ... فاغنم ثنائي والدعاء الوافي٢ فجاءه الملك المعظم يعوده ومعه ألف دينار، وقال له: أنت الذي، أنا العائد، وهذه الصلة.

стр. 954

ومنه قول البهاء زهير: يا ألفًا من قده أقبلت ... بالله كوني ألف الوصل ومنه قول الأمير أمين الدين علي السليماني: أضيف الدجى معنى إلى لون شعره ... فطال ولولا ذاك ما خص بالجر وحاجبه نون الوقاية ما وقت ... على شرطها فعل الجفون من الكسر ومنه قول شمس الدين بن العفيف: يا ساكنًا قلبي المعنى ... وليس فيه سواه ثاني لأي معنى كسرت قلبي ... وما التقى فيه ساكنان أما البيتان، فإنهما في غاية اللطف، ولكن أوردوا عليها أيضًا إيرادًا حسنًا، وهو أن الساكنين إذا اجتمعا كسر أحدهما، وهو الأول وكلامه في البيتين أن المكسور غير الاثنين. ومنه قول ابن الوردي: شاعر أخرج نصفًا زغلًا ... عند خباز فلما أن عرف١ قال لم تصرف هذا قال مه ... يصرف الشاعر ما لا ينصرف قلت: قد أتيت في معنى هذه النكتة، بما هو أبدع من بيت زين الدين بن الوردي، وما ذاك إلا أن مولانا المقر الأشرف القاضوي الناصري، محمد بن البارزي الجهني الشافعي، صاحب دواوين الإنشاء الشريف ﵀ وأحالني على شهاب الدين الذهبي بخمسين دينارًا، ومطل بها مدة، فكتبت إليه: قد منعتم صرف الدنانير عني ... ولكم في الورى هبات كثيرة وأنا شاعر وفي شرع نظمي ... صرفها جائز لأجل الضرورة ويعجبني في هذا الباب إلى الغاية، قول الشيخ زين الدين بن الوردي، رحمه الله تعالى: وأغيد يسألني ... ما المبتدا والخبر مثَّلهما لي مسرعًا ... فقلت أنت القمر وحكي أنه كان بالعراق غلامان، أحدهما اسمه عمر، والآخر أحمد، فعزل عمر عن عمله وولي أحمد مكانه بسبب ما وزنه، فقال بعض الشعراء في ذلك:

стр. 955

أيا عمر استعد لغير هذا ... فأحمد في الولاية مطمئن وكل منكما كفوء كريم ... ومنع الصرف فيه كما يظن فيصدق فيك معرفة وعدل ... وأحمد فيه معرفة ووزن ومنه قول الفاضل: لي عندكم دين ولكن هل له ... من طالب وفؤادي المرهون فكأنني ألف ولام في الهوى ... وكأن موعد وصلك التنوين ويعجبني، في الاقتباس من علم العروض، قول القائل: وبقلبي من الجفاء مديد ... وبسيط ووافر وطويل لم أكن عالِمًا بذاك إلى أن ... قطّع القلب بالفراق الخليل وهذا القدر كافٍ، في الاقتباس من القرآن والحديث النبوي ومسائل الفقه والمنطق وعلم العربية والعروض وغيره، وقد تقدم أن الاقتباس مقصور على القرآن والحديث في النثر، وأما في النظم فهو عبارة عن عقد وتضمين. ونظام البديعيات لم يقتبسوا من غير القرآن، وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته قوله: هذي عصاي التي فيها مآرب لي ... وقد أهش بها طورًا على غنمي١ وبيت العميان: ذو مرة فاستوى حتى دنا فرأى ... وقيل سل تعط قد خيرت فاحتكم٢ وبيت الشيخ عز الدين: فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم ... ولا اقتباس يرى من هذه الأطم٣ وبيت بديعيتي قولي: وقلت يا ليت قومي يعلمون بما ... قد نلت كي يلحظوني باقتباسهم٤

стр. 956

ذكر السهولة: يا رب سهل طريقي في زيارته ... من قبل أن تعتريني شدة الهرم السهولة: ذكرها التيفاشي مضافة إلى باب الظرافة، وشركها قوم بالانسجام، وذكرها ابن سنان الخفاجي في كتاب: "سر الفصاحة"، فقال في مجمل كلامه: هو خلوص اللفظ من التكلف، والتعقيد والتعسف في السبك. وقال التيفاشي: السهولة أن يأتي الشاعر بألفاظ سهلة تتميز على ما سواها عند من له أدنى ذوق من أهل الأدب، وهي تدل على رقة الحاشية، وحسن الطبع وسلامة الروية. ومن ألطف الأمثلة، "عليها" قول الشاعر: أليس وعدتني يا قلب أني ... إذا ما تبت عن ليلى تتوب فها أنا تائب عن حب ليلى ... فما لك كلما ذكرت تذوب ومنه قول أبي العتاهية: أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرر أذيالها فلم تكن تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها ومذهبي: أن البهاء زهير، قائد عنان هذا النوع وفارس ميدانه، فمن ذلك قوله: ومدام من رضاب ... بحباب من ثنايا كان ما كان ومنه ... بعد في النفس بقايا مثله قوله: إن أمري لعجيب ... ما يُرى أعجب منه كلّ أرض لي فيها ... غائب أسأل عنه

стр. 957

ومثله قوله: شوقي إليك شديد ... كما علمت وأزيد وكيف تنكر شيئًا ... به ضميرك يشهد ومثله قوله: أوحشتني والله يا مالكي ... قطعت يومي كله لم أرك هذا جفاء منك ما اعتدته ... فليتني أعرف من غيرك ومثله قوله: سيدي قلبي عندك ... سيدي أوحشت عبدك أترى تذكر عهدي ... مثل ما أذكر عهدك أترى تحفظ ودي ... مثل ما أحفظ ودك قم بنا إن شئت عندي ... مسرعًا أو شئت عندك أنا في داري وحدي ... فتفضل أنت وحدك ومنه قوله: هذا كتاب محب ... قد زاد فيك غرامه أضناه فرط اشتياق ... فرقّ حتى كلامه أما ترى كيف أضحى ... مثل النسيم سلامه ومنه قوله: كلمني والمدام في فمه ... قد نفحت من حباب مبسمه١ وماس كالغصن في تمايله ... سكران يشتط في تحكمه٢ بالله يا برق هل تحدثه ... عن نار وجدب وعن تضرّمه٣ وهل نسيم سري يبلغه ... رسالة من فمي إلى فمه عجبت من بخله عليّ وما ... يذكره الناس من تكرمه هم علموه فصار يهجرني ... رب خذ الحق من معلمه وقال، ويكاد يسيل رقة وسهولة: كتبت إليك أشكو في كتابي ... أمورًا من فراقك أشتكيها وفي سوق الهوان عرضت نفسي ... رخيصًا لم أجد من يشتريها فهل وعد إلى سنة فإن لم ... يكن فيها يكن فيما يليها وقد أنهيت من شوقي فصولًا ... لمولانا علوُّ الرأي فيها ومثله في الرقة والسهولة قوله: ملكتموني رخيصًا ... فانحط قدري لديكم

стр. 958

فأغلق الله بابًا ... دخلت منه إليكم حتى ولا كيف أنتم ... ولا السلام عليكم وألطف منه قوله: أنا أدري بأنني ... قل قسمي لديكم فإلى كم تطلعي ... والتفاتي إليكم كان ما كان بيننا ... وسلام عليكم وألطف منه قوله: أما تقرّر أنا ... فلم تأخرت عنا وما الذي كان حتى ... حللت ما قد عقدنا ولم يكن لك عذر ... ولو يكون علمنا فلا تلمنا فإنا ... قلنا وقلنا وقلنا ومنه قوله: قال ما ترجع عني قلت لا ... قال ما تطلب مني قلت شيّ فانثنى يحمر مني خجلًا ... وثناه التيه عني لا إليّ١ كدت بين الناس أن ألثمه ... آه لو أفعل ما كان عليّ ومنه قوله: قالوا كبرت عن الصبا ... وقطعت تلك الناحية فدع الصبا لرجاله ... واخلع ثياب العارية ونعم كبرت وإنما ... تلك الشمائل باقية ويميلني نحو الصبا ... قبل رقيق الحاشية فيه من الطرب القديـ ... ـم بقية في الزاوية وقال، وزنًا وقافية وسال برقته: من لي بقلب أشتريـ ... ـه من القلوب القاسيه وإليك يا ملك الملا ... ح وقفت أشكو حاليه وإني لأطلب حاجة ... ليست عليك بخافيه أنعم علي بقبلة ... هبة وإلا عاريه٢

стр. 959

وأعيدها لك لا عدمـ ... ـت بعينها وكما هيه وإذا أردت زيادة ... خذها ونفسي راضيه ومنه قوله: إن شكا القلب هجركم ... مهد الحب عذركم لو أمرتم بما عسى ... ما تعديت أمركم قصروا عمر ذا الجفا ... طوّل الله عمركم كنت أرجو بأنكم ... شهركم لي ودهركم قد نسيتم وإنما ... أنا لم أنس ذكركم قد رأيتم محلكم ... من فؤادي لسركم لو وصلتم محبكم ... ما الذي كان ضركم ومن المرقص في هذا الباب قوله: تعيش أنت وتبقى ... أنا الذي مت عشقا حاشاك يا نور عيني ... تلقى الذي أنا ألقى ولم أجد بين موتي ... وبين هجرك فرقا يا أنعم الناس بالًا ... إلى متى فيك أشقى سمعت عنك حديثًا ... يا رب لا كان صدقا وما عهدتك إلا ... من أكرم الناس خلقا لك الحياة فإني ... أموت لا شك حقّا يا ألف مولاي مهلًا ... يا ألف مولاي رفقا١ قد كان ما كان مني ... والله خير وأبقى وبيت الشيخ صفي الدين في السهولة قوله: وقلت هذا قبول جاءني سلفًا ... ما ناله أحد قبلي من الأمم والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. ولا وجدته في بديعية الشيخ عز الدين الموصلي، إلا أن يكون في نسخة غير التي نقلت منها، وعلى كل تقدير فالشيخ عز الدين قدم العقادة في بيته على السهولة. وبيت بديعيتي: يا رب سهّل طريقي في زيارته ... من قبل أن تعتريني شدة الهرم

стр. 960

ذكر حسن البيان: حتى يبث بديعي في محاسنه ... حسن البيان وأشدو في حجازهم حسن البيان: قالوا هو عبارة عن الإبانة عما في النفس، بعبارة بليغة بعيدة عن اللبس، إذ المراد منه إخراج المعنى إلى الصورة الواضحة، وإيصاله إلى فهم المخاطب بأسهل الطرق، وقد تكون العبارة عنه تارة من طريق الإيجاز، وطورًا من طريق الإطناب، بحسب ما يقتضيه الحال، وهذا بعينه هو البلاغة وحقيقتها. وفي البيان: الأقبح والأوسط، والأحسن, فالأقبح، كبيان باقل وقد سئل عن ثمن ظبي في يده، فأراد أن يقول أحد عشر، فأدركه العي، حتى فرق أصابعه وأدلع لسانه فأفلت الظبي. ومن هنا يعلم أنه ليس كل إيجاز بلاغة, ولا كل إطالة عيًّا، فإنه لا إيجاز في الأفهام أوجز من بيان باقل؛ لأن المخاطب فهم عنه بمجرد نظرة واحدة. وقد ضرب به المثل بالعي في بيانه. وكان الأحسن أن يقول: أحد عشر. والأوسط: أن يقول: ستة وخمسة، أو عشرة وواحد. والنور المبين في هذا الباب، بيان القرآن الكريم، كقوله تعالى، وقد أراد أن يحذر من الاغترار بالنعم: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ، وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ ١. وكقوله سبحانه، وتعالى: وقد أراد أن يبين عن الوعد: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ ٢، وكقوله سبحانه، وقد أراد أن يبين عن الوعيد: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٣، وكقوله تعالى، في الاحتجاج القاطع للخصم: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ

стр. 961

خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ١. كقوله تعالى، وقد أراد أن يبين عن العدل: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ ٢، وأمثال هذا الباب كثيرة لمن يتتبعها في القرآن. ومما جاء من ذلك في الشعر قول أبي العتاهية: يضطرب الخوف والرجاء إذا ... حرك موسى القضيب أو فكرا وكقول الآخر: له لحظات في خفايا سريرة ... إذا كرّها فيها عتاب ونائل٣ فإن هذين الشاعرين أرادا مدح هذين الممدوحين بالخلافة، ووصفهما بالقدرة المطلقة وعظم المهابة، بعد الله ، فإذا نظر أحدهما نظرة أو حرك القضيب مرة أو أطرق مفكرًا، اضطرب الخوف والرجاء في قلوب الناس، فأبانا عن هذه المعاني بأحسن إبانة. وبيت الشيخ صفي الدين رحمه الله تعالى: وعدتني في منامي ما وثقت به ... مع التقاضي بمدح فيك منتظم والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين قوله: حسن البيان بحمد الله بين لي ... هدي النبي الرضي الواضح اللقم٤ وبيت بديعيتي قلت قبله، في السهولة: يا رب سهل طريقي في زيارته ... من قبل أن تعتريني شدة الهرم وقلت بعده، في حسن البيان: حتى يبث بديعي في محاسنه ... حسن البيان وأشدو في حجازهم

стр. 962

ذكر الإدماج قد عز إدماج شوقي والدموع لها ... على بهار خدودي صبغة العنم١ هذا النوع، أعني الإدماج: هو أن يدمج المتكلم غرضًا له في ضمن معنى قد نحاه من جملة المعاني، ليوهم السامع أنه لم يقصده، وإنما عرض في كلامه لتتمة معناه الذي قصده، كقول عبد الله بن عبيد الله لعبد الله بن سليمان بن وهب، حين وَزِر للمعتمد، وكان ابن عبيد الله قد اختلّت حاله فكتب لابن سليمان: أبي دهرنا إسعافنا في نفوسنا ... وأسعفنا في من نحب ونكرم فقلت له نعماك فيهم أتمها ... ودع أمرنا إن المهم المقدم فأدمج شكوى الزمان، وشرح ما هو عليه من الاختلال في ضمن التهنئة، وتلطف في التلويح، ورقق التخيّل لبلوغ الغرض، مع صيانة نفسه عن التصريح بالسؤال. لا جرم أن ابن سليمان فطن لذلك ووصله واستعمله. ومن لطيف الإدماج قول ابن نباته السعدي: ولا بد لي من جهلة في وصاله ... فهل من حليم أودع الحلم عنده ابن نباتة أدمج الفخر في الغزل فإنه جعل حلمه لا يفارقه البتة، ولا يرغب عنه بنفسه جملة، وإنما عزم على أن يودعه، إذ كان لا بد له من وصل هذا المحبوب لأن الودائع تستعاد، ثم استفهم عن الخل الصالح الذي يصلح لهذه الوداعة استفهامًا إنكاريًّا،

стр. 963

فيكون مفهوم الخطاب: بقيا حلمه لعدم من يصلح للوداعة، ثم أدمج في ضمن الفخر الذي أدمجه في الغزل شكوى الزمان لقلة الإخوان، بحيث إنه لم يبق منهم من يصلح لهذا الشأن، ومنه قول ابن المعتز في وصف الخيري: قد نقض العاشقون ما صنع الـ ... ـدهر بألوانهم على ورقه قصد وصف الخيري بالصفرة، وأدمج فيه وصف ألوان العشاق. وبيت الحلي في الإدماج قوله: لصدق قولك لو حب امرؤ حجرًا ... لكان في الحشر عن مثواه لم يرم هذا البيت فيه إدماج سؤاله حسن المحشر في زمرة النبي ﷺ في طي تصديقه الحديث المأثور عنه. وبيت العميان: لهم أحاديث مجد كالرياض إذا ... أهدت نواسم أحيت دارس السلم قال الشيخ أبو جعفر الشارح: إن الناظم جعل لهم أولًا أحاديث مجد طيبة. وأدمج في ذلك وصف الرياض. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي: أدمجت شكواي من ذنبي بمدحته ... عساك تشفع لي يا شافع الأمم الشيخ عز الدين ذكر أنه أدمج الشكوى من ذنبه، لكن نوع الإدماج البديعي لا أعلم أين أدمجه. والله أعلم. وبيت بديعيتي: قد عز إدماج شوقي والدموع لها ... على بهار خدودي صبغة العنم هذا البيت أبدع من بيت ابن المعتز، وفيه زيادة وإدماج آخر. فإن ابن المعتز غاية قصده وصف الخيري١ بالصفرة، وأدمج فيه ألوان العشاق. وأنا قصدت شرح الحال في غرة إدماج الشوق بواسطة جريان الدمع، وأدمجت في ذلك صفرة اللون وحمرة الدموع. هذا محاسن التورية بتسمية النوع غير خافية على أهل الإنصاف من حذاق الأدب. والله أعلم.

стр. 964

ذكر الاحتراس: فإن أقف غير مطرود بحجرته ... لم أحترس بعدها من كيد مختصم الاحتراس: هو أن يأتي المتكلم بمعنى يتوجه عليه فيه دخل فيفطن له، فيأتي بما يخلصه من ذلك ومثاله في كتاب الله : ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ ١ فاحترس بقوله تعالى: من غير سوء، عن إمكان أن تدخل في البرص والبهق٢ وغير ذلك، ومثال ذلك في الشعر، قول طرفة: فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الغمام وديمة تهمي فقوله: عير مفسدها احتراس من مقابله وهو محو معالمها، والفرق بين الاحتراس والتتميم والتكميل أن المعنى قبل التكميل صحيح تام، ثم يأتي التكميل بزيادة تكمل حسنه، إما بفن زائد أو معنى، والتتميم يأتي لتتميم نقص المعنى ونقص الوزن معًا، والاحتراس إنما هو لدخل يتطرق إلى المعنى وإن كان تامًّا كاملًا ووزن الشعر صحيحًا. وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته قوله: فوفني غير مأمور وعودك لي ... فليس رؤياك أضغاثًا من الحلم٣ احتراس الشيخ صفي الدين، في قوله: غير مأمور، فإن لفظة وفني في البيت فعل أمر، ومرتبة الآمر فوق مرتبة المأمور، فاحترس بقوله: غير مأمور.

стр. 965

والعميان ما نظموا هذا النوع. وبيت الشيخ عز الدين: حبي له يتمشى في المفاصل قل ... بالاحتراس تمشي البرء في السقم١ قلت: الشيخ صفي الدين احترس في بيته، بقوله: غير مأمور. واحتراس الشيخ عز الدين عجزت عن تحقيقه بل عن تحقيق معناه، فإن هذا البيت مأخوذ من قول أبي نواس، في وصف الخمرة: فتمشت في مفاصلهم ... كتمشي البرء في السقم وبيت بديعيتي: فإن أقف غير مطرود بحجرته ... لم أحترس بعدها من كيد مختصم فقولي: غير مطرود، هو الاحتراس الذي يليق بمقام المادح، بالنسبة إلى مقام النبي ﷺ والتورية باسم النوع في قولي: لم أحترس بعدها، محاسنها توري. والتكميل، بقولي: من كيد مختصم، هو الذي زاد محاسنها بهجة وكمالًا.

стр. 966

ذكر براعة الطلب: وفي براعة ما أرجوه من طلب ... إن لم أصرح فلم أحتج إلى الكلم هذا النوع من مستخرجات الشيخ عز الدين الزنجاني، في كتاب: "المعيار". وهو أن يلوّح الطالب بالطلب، بألفاظ عذبة مهذبة منقحة مقترنة بتعظيم الممدوح خالية من الإلحاف١ والتصريح، بل يشعر بما في النفس دون كشفه، كقول أبي الطيب المتنبي: وفي النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب٢ والفرق بين براعة الطلب وبين الإدماج، أن الإدماج أن يقدر معنى من المعاني، ثم يدمج غرضه ضمنه ويوهم أنه لم يقصده، وهذا مقصور على الطلب فقط، وهو أيضًا فرق بينه وبين الكناية. وبيت الشيخ صفي الدين قوله: وقد علمت بما في النفس من أرب ... وأنت أكرم من ذكري له بفمي٣ والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم وبيت الشيخ عز الدين الموصلي ﵀ قوله: براعة بان فيها منتهى طلبي ... وأنت أكرم من نطق بلا ولم وبيت بديعيتي: وفي براعة ما أرجوه من طلب ... إن لم أصرح فلم أحتج إلى الكلم

стр. 967

ذكر العقد: قد صح عقد بياني في مناقبه ... وإنّ منه لسحرًا غير سحرهم العقد ضد الحل؛ لأن العقد نظم المنثور والحل نثر المنظوم. ومن شرائط العقد أن يؤخذ المنثور بجملة لفظه أو بمعظمه، فيزيد الناظم فيه وينقص ليدخل في وزن الشعر، ومتى أخذ بعض المنثور دون لفظه كان ذلك نوعًا من أنواع السرقات، ولا يسمى عقدًا إلا إذا أخذ الناظم المنثور برمته، وإن غير منه طريقًا من الطرق التي قدمناها كان المتبقي منه أكثر من المغير، بحيث يعرف من البقية صورة الجميع، كما فعل أبو تمام، في كلام عزى به الإمام علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- الأشعثَ بن قيس، في ولده، وهو: إن صبرت صبر الأحرار، وإلا سلوت سلوّ البهائم، فعقده أبو تمام شعرًا فقال: وقال علي في التعازي لأشعثٍ ... وخاف عليه بعض تلك المآثم أتصبر للبلوى عزاءً وحِسبة ... فتؤجر أم تسلو سلوّ البهائم١ وبيت الشيخ صفي الدين قوله: ما شب من خصلتي حرصي ومن أملي ... سوى مديحك في شيبي وفي هرمي المقصود، في هذا البيت، من العقد، قول النبي، ﷺ : يشيب ابن آدم ويشب فيه خصلتان: الحرص وطول الأمل. والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين في بديعيته قوله:

стр. 968

عقد اليقين صلاتي والسلام على ... محمد دائمًا مني بلا سأم قلت: أما الشيح صفي الدين فإني لم أصادف في بيته من عقد الحديث النبوي محلًا، ولكن ذكر فيه حكاية حاله. وأما الشيخ عز الدين -غفر الله- له فإنه ذكر، في شرحه أن الصحابة ﵃ قالوا: يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال ﷺ : "قولوا اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم". وفي حديث آخر: "قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم". وفي الحديث: "أكثروا من الصلاة عليَّ". ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ١. وذكر أنه عقد الآية والحديث، ولم يظهر لي حل هذا العقد في أي موضع هو من البيت. وبيت بديعيتي: قد صح عقد بياني في مناقبه ... وإن منه لسحرًا غير سحرهم العقد هنا قوله ﷺ : "إن من البيان لسحرًا". والله أعلم.

стр. 969

ذكر المساواة: تمت مساواة أنواع البديع به ... لكن يزيد على ما في بديعهم هذا النوع -أعني: المساواة- مما فرعه قدامة من ائتلاف اللفظ مع المعنى، وشرحه بأن قال: هو أن يكون اللفظ مساويًا للمعنى، بحيث لا يزيد عليه ولا ينقص عنه، وهذا من البلاغة التي وصف بها بعض الوصاف بعض البلغاء فقال: كأن ألفاظه قوالب لمعانيه، ومعظم آيات الكتاب العزيز كذلك. واعلم أن البلاغة قسمان: إيجاز وإطناب، والمساواة معتبرة في القسمين معًا. فأما الإيجاز فكقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ ١. والإطناب في هذا المعنى كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ ٢. وقال ، في قسم الإيجاز من غير هذا المعنى: ﴿خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ٣. وقال عز من قائل، في الإطناب: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ ٤. الآية. ولا بد من الإتيان بهذا الفصل، لئلا يتوهم المتأمل أن الإطناب لا يوصف بالمساواة. ومن الشواهد على المساواة قول امرئ القيس: فإن تكتموا الداء لا نخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد وإن تقتلونا نقتلكم ... وإن تقصدوا الذم لا نقصد

стр. 970

وقول زهير: ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم١ وقول طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد وبيت الشيخ صفي الدين الحلي في بديعيته قوله: وقد مدحت بما تم البديع به ... مع حسن مفتتح منه ومختتم والعميان ما نظموا هذا النوع في بديعيتهم. وبيت الشيخ عز الدين الموصلي في بديعيته قوله: خطت مساواة معناه وصورته ... في الحسن شاهده في نون والقلم٢ وبيت بديعيتي في المساواة قولي: تمت مساواة أنواع البديع به ... لكن يزيد على ما في بديعهم

стр. 971

ذكر حسن الختام حسن ابتدائي به أرجو التخلص من ... نار الجحيم وهذا حسن مختتمي هذا النوع ذكر ابن أبي الأصبع أنه من مستخرجاته، وهو موجود في كتب غيره بغير هذا الاسم، فإن التيفاشي سماه: "حسن المقطع"، وسماه ابن أبي الأصبع: "حسن الخاتمة". وهذا النوع الذي يجب على الناظم والناثر أن يجعلاه خاتمة لكلامهما، مع أنهما لا بد أن يحسنا فيه غاية الإحسان، فإنه آخر ما يبقى في الأسماع، وربما حفظ من دون سائر الكلام في غالب الأحوال، فلا يحسن السكوت على غيره. وغاية الغايات، في ذلك، مقاطع الكتاب العزيز في خواتم السور الكريمة. فمن المعجز في ذلك، قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا، وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا، وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا، يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا، بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا، يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ ١. انظر أيها المتدبر هذه البلاغة المعجزة. فإن السورة الكريمة بدأت بأهوال يوم القيامة، وختمت بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ "ومثله" قوله تعالى، في سورة عبس: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ، ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ، وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ، تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ، أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ ٢. ومن ذلك قوله تعالى:

стр. 972

﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١. ومن كلام أمير المؤمنين، عليّ بن أبي طالب -كرم الله وجهه- وهو المقدم في فنون البلاغة على بلغاء البدو والحضر، في ختام جواب كتاب كتب به إلى معاوية: ثم ذكرت أن ليس لي ولأصحابي عندك إلا السيف، فلقد أضحكت بعد استعبار، وإني مرقل٢ إليك بجحفل من المهاجرين والأنصار، وقد صحبتهم ذرية بدرية، وسيوف هاشمية، عرفت مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدك، وما هي من الظالمين ببعيد. وأجمعوا، بعد ذلك، على أن فواصل المقامات تقوم غالبها مقام المثل السائر، وحسن خواتمها تعقد عليه الخناصر. "وقد عنّ لي" أن أورد هنا مقامة كاملة، فإذا نظر المتأمل إلى براعة استهلالها، وفهم القصد الذي جنح إليه الحريري، عرف مقدار حسم الختام الذي تمت به الفائدة؛ وحسن السكوت عليه. "وقد اخترت المقامة الثالثة عشرة"، وهي الزورائية؛ لأنه ثبت عن القاضي الفاضل أنه شرع في معارضة المقامات، وعارض منها كل فصل بفصل أحسن منه، إلى أن وصل إلى فصل هذه المقامة الذي سيأتي وأنبه عليه في موضعه. والمقامة الموعود بإيرادها هو قوله: "حكى الحرث بن همام" قال: ندوت٣ بضواحي الزوراء، مع مشيخة من الشعراء، لا يعلق لهم مبار بغبار، ولا يجري معهم ممار٤ في مضمار، فأفضنا في حديث يفضح الأزهار، إلى أن نصفنا النهار، فلما غاض در الأفكار، وصبت النفوس إلى الأوكار، لمحنا عجوزًا تقبل من البعد، وتحضر إحضار الجرد٥، وقد استتلت صبية أنحف من المغازل، وأضعف من الجوازل، فما كذبت إذ رأتنا أن عرتنا، حتى إذا ما حضرتنا، قالت حيا الله المعارف. وإن لم يكن معارف. اعلموا يا مآل الآمل، وثمال الأرامل، أني من سروات القبائل، وسريات العقائل. "والفصل الذي عجز الفاضل عنه، هو": لم يزل أهلي وبعلي يحلون الصدر، ويسيرون القلب ويمطون الظهر، ويولون اليد. فلما أردى الدهر الأعضاء، وفجع

стр. 973

بالجوارح الأكباد، وانقلب ظهرًا لبطن، نبا الناظر، وجفا الحاجب، وذهبت العين، ونفدت الراحة، وصلد الزند، ووهت اليمين، وبانت المرافق، ولم يبق لنا ثنية ولا ناب. قلت: وهذا الفصل الذي أحجم القاضي عن معارضته، قلت في معناه، وكتبت إلى سيدنا قاضي القضاة صدر الدين بن الآدمي -نوّر الله ضريحه- رسالة مجسدة، مشتملة على ذلك جيدة، راعيت فيها النظير، لأجل الصدر من الرأس إلى القدم، ولم أخرج فيها عن حسن الختام الذي ما ختمت رسالة بنظيره، والتزمت فيها السجع الذي فر الحريري منه في فصله. "وقد عنّ لي" أن أثبت الرسالة هنا بكمالها، وأرجع إلى ما كنا فيه من حسن الختام في المقامة الحريرية. "والرسالة هي": يقبل أرضًا بالعلا قد تجسدت ... بأرواح أهل العلم روضة مشتهى وهبت بأنفاس العلوم قبولها ... ولا زال صدر الدين منشرحًا بها وينهى أن الصدر رأس العلوم، وكم له من فرق دق على الأفهام، وهو كالغرة في جباه الأيام، لا زال المجد له حاجيًا١ مقرونًا بسعده الشامل، ولا برح بعلمه عينًا لوجوه المسائل. فللَّه أهداب معانيه التي هي أسحر من عيون الغزلان، وأمضى من السيوف إذا برزت من الأجفان، وأصداغ فضائله التي هي عاطفة على وجنات الوجود، لأنها كالعوارض الماطرة، وكم أنست عند ذكره من سالفة، وكم لها في قلوب الأعداء من خدود وندى جوده الذي إذا جاءه الشارب وجد عنده شفاه، حلاوة نظمه الذي أنسانا ذكر العذيب وثناياه، وعنق مكارمه التي ألفت من البديع الالتفات؛ وأوصافه التي غدت على خد الدهر شامات، حتى تبدلت سيئاته حسنات. كف عنا تعب الفقر بكرم راحته المتزايد، من غير أن يقال له ساعد، وشهدنا بأن أياديه بحر يفيض بصنائعه. فأشار النيل إلى قبول هذه الشهادة بأصابعه. فللَّه ندى يمينه الذي لم يزل المملوك به في بلاد الشام مكفى، وكم فاض منه قلب النيل وجهد أن يوفيه بالباع والذراع فما وفى. جبلت على محبته القلوب فصار حبه ظاهرًا في كل باطن، وحنت إليه الجوارح لما سارت مناقبه إلى جانب فحركت كل ساكن، ورفع المملوك أدعيته التي هي إن شاء الله تعالى نعيم للبدن الكريم، واعتدال اللطيف ذلك المزاج، وأثنيته التي هي كالمناطق على خصور الحسان وبها لكل قلب ابتهاج, لكن تثاقلت٢ عليه أرداف النوى، وأسكنت في وسط لبه الجوى وقده الانقطاع بسيفه الذي زاد في حده, ولكن جار في قده, ولو حصر المملوك

стр. 974

ما ساق إليه البعد من الاشتياق إلى تقبيل الأقدام لم تسعه قائمة، وهو يعد القلب بالصبر، ولكن كما ذكر كعب عن مواعيد عرقوب، فنسأل الله حسن الخاتمة. "رجع" إلى ما كنا فيه من تكملة المقامة الحريرية، والتنبيه على حسن ختامها. قال بعد الفصل المجسد الذي آخره: ولم يبق لنا ثنية ولا ناب. فمذ اغبرّ العيش الأخضر وازور المحبوب الأصفر، اسود يومي الأبيض، وابيض فودي الأسود، حتى رثى لي العدو الأزرق، فحبذا الموت الأحمر. وتلوى من ترون عينه فراره، وترجمانه اصفراره، قصور بغية أحدهم ثرده١، وقصارى أمنيته برده. وكنت آليت أن لا أبذل الحر إلا للحر، ولو أني مت من الضر، وقد ناجتني القرونة، بأن توجد عندكم المعونة، وآذنتني فراسة الحوباء، بأنكم ينابيع الحباء، فنضر الله امرأ أبر قسمي، وصدق توسمي ونظر إليَّ بعين يقذيها الجمود، ويقذيها الجود. "قال الحرث بن همام": فهمنا لبراعة عبارتها وملح استعارتها، وقلنا لها: قد فتن كلامك، فكيف إلحامك. فقالت: يفجر الصخر ولا فخر، فقلنا لها: إن جعلتنا من رواتك، لم نبخل بمواساتك. فقالت: لأرينكم أولًا شعاري، ثم لأروينّكم أشعاري. فأبرزت ردن درع دريس٢ وبرزت عجوز دردبيس، وأنشأت تقول: أشكو إلى الله اشتكاء المريض ... جور الزمان المعتدي البغيض يا قوم إني من أناس غنوا ... دهرًا وجفن الدهر عنهم غضيض فخازهم ليس له دافع ... وصيتهم بين الورى مستفيض كانوا إذا ما نجعة أعوزت ... في السنة الشهباء روضًا أريض تشب للسارين نيرانهم ... ويطعمون الضيف لحمًا غريض ما بت جار لهم ساغبًا ... ولا لروع قال حال الجريض فغيضت منهم صروف الردى ... بحار جود لم أخلها تغيض٣ وأودعت منهم بطون الثرى ... أسد التحامي وأساة المريض فمحملي بعد المطايا المطا ... وموطني بعد اليقاع الحضيض وافرخي ما تأتلي تشتكي ... بؤسًا له في كل يوم وميض٤ إذا دعا القانت في ليله ... مولاه نادوه بدمع يفيض يا رازق النعاب في عشه ... وجابر العظم الكسير المهيض

стр. 975

أتح لنا اللهم من عرضه ... من دنس اللؤم نقي رحيض يطفئ نار الجوع عنا ولو ... بمذقة من جازر أو مخيض١ فهل فتى يكشف ما نابهم ... ويغنم الشكر الطويل العريض فوالذي تعنو النواصي له ... يوم وجوه الجمع سود وبيض٢ لولاهم لم تبد لي صفحة ... ولا تصديت لنظم القريض "قال الراوي": فوالله لقد صدعت بأبياتها أعشار القلوب، واستخرجت خبايا الجيوب، حتى ماحها من دينه الامتياح، وارتاح لرفدها من لم تخله يرتاح، فلما افعوعم جيبها تبرا، وأولاه كل منا برا تولت يتلوها الأصاغر، وفوها بالشكر فاغر، فاشرأبت الجماعة بعد ممرها إلى سبرها، لتبلو مواقع برها، فكفلت لهم باستنباط السر المرموز، ونهضت أقفو أثر العجوز، حتى انتهت إلى سوق مغتصة بالأنام، مختصة بالزحام، فانغمست في الغمار، وأملست من الصبية الأغمار، ثم عاجت بخلو بال، إلى مسجد خال، فأماطت الجلباب، ونضت النقاب، وأنا ألمحها من خصاص الباب وأرقب ما ستبدي من العجاب، فلما انسرت أهبة الخفر، رأيت محيا أبي زيد قد سفر، فهممت بأن أهجم عليه، لأعنفه على ما أجرى إليه، فاستلقى استلقاء المتمردين، ثم رفع عقيرة المغردين، واندفع ينشد: يا ليت شعري أدهري ... أحاط علمًا بقدري وهل درى كنه غوري ... في الخدع أم ليس يدري كم قد قمرت بنيه ... بحيلتي وبمكري وكم برزت بعرف ... عليهم وبنكر أصطاد قومًا بوعظ ... وآخرين بشعر واستفز بخل ... عقلًا وعقلًا بخمر وتارة أنا صخر ... وتارة أخت صخر٣ ولو سلكت سبيلًا ... مألوفة طول عمري لخاب قدحي وقدحي ... ودام عسري وخسري فقل لمن لام هذا ... عذري فدونك عذري "قال الحرث بن همام": فلما ظهرت على جلية أمره. وبديعة أمره، وما زخرف في

стр. 976

شعره من عذره، علمت أن شيطانه المريد لا يسمع التفنيد١، ولا يفعل إلا ما يريد، فثنيت إلى أصحابي عناني، وأبثثتهم ما أثبته عياني، فوجموا لضيعة الجوائز، وتعاهدوا على محرمة العجائز. "قلت": قد علمت أيها المتأمل أن هذا المقامة البديعة بنيت على ترهات هذه العجوز، وما زخرفته من الباطل، في نظمها ونثرها، الذي خلب كل منهما القلوب وسلب عقول السامعين إلى أن بالغوا في إكرامها. فلما كشف لهم الغطاء عن جميع ما نمقته، وتحققوا أنه بني على الباطل، كانت الخاتمة, فوجموا لضيعة الجوائز، وتعاهدوا على محرمة العجائز. والألفاظ المحتاجة إلى الحل، في هذه المقامة، هي قوله: ندوت أي حضرت النادي، والجوازل: فراخ الحمام، واحدها جوزل. وعرتنا قصدتنا: يقال عراه واعتراه. والمعارف: الوجوه. المعارف الثانية: من المعرفة. وثمال القوم: من يقول بأمرهم. وسروات القبائل: السرو: وهو السخاء والمروأة. واحد السروات سراة، لا يجوز أن يكون سراة بالضم، وسريات: جمع سرية، وهي العقيلة السخية. والقلب: هنا قلب العسكر ويمطون الظهر: أي يحملون المنقطع. ويولون اليد: أي النعمة، وأردى: أهلك. والأعضاد: جمع عضد، وهو ما يمسك الشيء ويقويه. والجوارح: هنا الأعضاء التي تجرح. وقوله: وانقلب ظهرًا لبطن: المراد به عكس الحال. ونبا: ارتفع. والحاجب: صاحب الأمير. وصلد الزند: أي لم يور. ووهت: أي ضعفت. واليمين: القوة. والثنية: الناقة التي لها ستة أعوام. والناب: المسنة. واغبرّ العيش: أي تكدر. وازورّ: مال والمحبوب الأصفر: هو الدينار. وفودي: صدغي. والموت الأحمر كناية عن الفقر. والعدو الأزرق الشديد العداوة، والأصل فيه: العطش، وبه فسر قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ ٢ أي عطاشًا. وتلوى تابعي عينه فراره: أي عيانه يغنيك عن اختباره، وفي المثل: إن الجواد عينه فرارة. أي عيانه. وقصارى أمره: أي آخر أمره. وآليت: أي حلفت. وأبذل الحر: أي الوجه. والقرونة: النفس. والحوباء: النفس أيضًا. ونضر: بمعنى حسن. ويقذيها: يلقي فيها القذى. والجمود: الإمساك. ويقذيها الجود: يخرج عنها القذى. والحامك: بمعنى نظمك الشعر. والشعار: الثوب الذي يلي الجسد. والدثار: ما فوقه. والردن: الكم ودردبيس: من أسماء الداهية. والسنة الشهباء:

стр. 977

المجدبة. وتشب: توقد، وغريض: طري. وساغب: جائع. والجريض: العصص والأساة: الأطباء. والمطايا: الإبل. والمطا: الظهر. واليفاع: التل المشرف. والحضيض: القرار من الأرض. تأتلي: تترك. والنعاب: فرخ الغراب. والمهيض: الذي كسر بعد جبر. وأتح: وفق. ورحيض: مغسول. وبمذقة: أي بجرعة. وأعشار القلوب: أي قطع القلوب. وحتى ماحها من دينه الامتياح: أي أعطاها من عادته يعطي. وافعوعم: امتلأ، وفاغر: مفتوح. فاشرأبت: تطلعت. وسبرها: اختبارها. واستنباط: استخراج. والمرموز: المبهم. والغمار: الزحام. والأغمار: البله. وعاجت: عطفت. وأماطت الجلباب: باعدته، وهو الرداء. ونضت: جردت. وخصاص: جمع خصاصة، وهو الثقب في الباب، وكذلك الصبر. وفي الحديث: من نظر إلى قوم من صير باب فقئت عينه. وانسرت: انكشفت. والخفر: الحياء. وسفر: انكشف. وأسفر: أضاء. وأجرى: قصد. واستلقى: رقد على ظهره ورفع رجلًا على رجل. والمغردين: المطربين. والعقيرة: الصوت. وكنه غوري: حقيقة أمري. والخل والخمر: هنا كنايتان عن الخير والشر. وقدحي: سهمي. وقدحي: استخراجي أمره العجيب. والمريد: العاتي. والمرادة: العتو. وجموا: أي سكتوا. ا. هـ. تفسير الألفاظ المحتاجة إلى البيان من هذه المقامة. "ومن صناعات القاضي الفاضل، في حسن الخواتم، قوله": في حسن خاتمة رسالة كتب بها إلى الديوان العزيز الخليفي، وهو: لا برحت راياته السود سويدات١ قلوب العساكر، وأجنحة الدعاء المحلق إلى السماء من أفق المنابر. ومثله قوله: لا برحت الأقدار له جنودًا، والجديدان٢ يسوقان إليه في أيامهما ولياليهما إماء٣ وعبيدًا؟ ومثله قوله: والله تعالى يرده رد السحب الهاطلة إلى الأمكنة الجدوب٤، والمغفرة الشاملة إلى مواقع الذنوب، والمسرة إلى مستقرها من مطالع القلوب. "ومن ذلك" قوله، في ختام جواب كتاب ناصري: ولا زال كالئًا٥ للإسلام بسيفه الذي جفنه كجفنه ساهر، ولا أخلى الله منه الدين بقوة منه ولا ناصر.

стр. 978

"ومنه قوله": والله تعالى يغني عن المكاتبات بلقائه، كما أغنى عن بقية الخلق ببقائه. "ومن ذلك قول العلامة الشهاب محمود في ختام رسالة": والله تعالى يجعل الآمال منوطة به وقد فعل، ويجعله كهفًا للأولياء وقد جعل. "وصرع" ابن الصاحب أمين الدين مرزمًا، وهو من أصناف الطير الجليل، ومن طيور الواجب، وسأل الشيخ جمال الدين في إنشاء مطالعة إلى الحضرة الشريفة المقدسة الخليفية، يسأل فيها القبول فيما صرعه من الواجب، فأنشأ الشيخ جمال الدين بن نباتة رسالة بديعة، في هذا المعنى، وحسن ختامها أبدع "وهو": والله المسئول سبحانة أن يمتع المملوك في ولاء المواقف المقدسة باتباع طرقه، وأن ينفعه بالانتماء إذا ألزمته الدنيا طائره في يديه، وألزمته الآخرة طائره في عنقه. "ومن ذلك"، حسن ختام العهد الذي أنشأه القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، عن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون، لولده الملك الأشرف صلاح الدين خليل، "وهو": والله تعالى يجعل استخلافه هذا للمتقين إمامًا، وللمعتدين انفصامًا١، ويطفئ بماء سيوفه نار كل حطب حتى تصبح كما أصبحت نار سميِّه بردًا وسلامًا. "ومن ذلك"، حسن ختام رسالتي، التي تقدم ذكرها في باب الاقتباس، والمشتملة على الكائنة التي قدرها الله تعالى على دمشق المحروسة، من الحريق وغيره، "وهو": فوصل المملوك إلى البلاد وقد ودّ يومه لو تبدل بالأمس، ولم يسلم له في وقعة الحرب غير الفرس والنفس! فأعاذ الله مولانا وبلاده من هذه القيامة القائمة، وبدأه في الدنيا ببراعة الأمن وفي الآخرة بحسن الخاتمة. "ومن أبدع الأمثلة، التي ليس لها مثال في حسن الختام، قولي في تقليد بالإشارة الشريفة": والوصايا كثيرة ولكن لا يهدى تمر إلى هجر، فإننا إلى مشورته أحوج من المبتدأ إلى الخبر. والله تعالى يديمه ركنًا لهذا البيت الشريف، الذي تطوف الناس حوله ويُسعى إليه، ولا برح كلامه في المشورة، لفظًا ومعنى، تتم الفائدة به ويحسن السكوت عليه. "وقلت في خاتمة تقليد بنظر الكسوة": فليباشر ذلك علماؤنا أنه من تقرب إلى الله بخدمة بيوته فقد فاز، ولا بد أن يصير لديباجة هذا البيت بحسن توشيحه دار الطراز، فقد

стр. 979

أسعده الله وظهر له في توشيح هذا البيت نظم مفيد، ولا ينكر حسن هذا التوشيح للقاضي السعيد، والله تعالى يكرم مثواه في الآخرة بتشييد هذا البيت وقيام شعاره، ولا زالت أنامل بره تتختم بخواتيم الخبر وتنقل أحاديث المحاسن بفصها في أخباره. "ومثله قولي": في تقريظ كتبته لأقضى القضاة، ولي الدين القرشي، على كتابه المسمى: "بعمدة المناسك" "وهو": والله تعالى يزيد صناعة هذا النسك بهجة على كل ناظم، ويجعله لأعماله الصالحة المقبولة من أحسن الخواتم. "وتقدم لي بالديار المصرية" بشارة بوضع المقر الأشرف، سيدي موسى ولد المقام الشريف المؤيدي -سقى الله من غيث الرحمة ثراه- من رأس القلم بالحضرة الشريفة جاءت نسيج وحدها، وواسطة عقدها. "منها": حملت به أمه وأبرزته كشمس الحمل١ بهجة ونورًا، وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا ولكن ملأ الدنيا سرورًا. "وتوجهت"، بعد ذلك التاريخ، إلى المقر ثغر الإسكندرية المحروسة في مهم شريف، فورد على نائب الثغر المحروس بشارة شريفة، بمولد سيدي المقر الأشرف الناصري، محمد ولد المقام الشريف المؤيدي -نوّر الله ضريحه- فركب نائب السلطنة الشريفة بالثغر منها، "وهو": أكرم بها صحيفة محمدية أمسى بها كل قلب مأنوسًا، وتلت مسرتها من تقدم قبلها من الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى. فالحمد لله على تواتر هذه التهاني التي أتهم بها كل حادٍ وأنجد، وعمت بركتها بإبراهيم وموسى ومحمد، والله تعالى يوصل أحاديث التهاني المؤيدية ليتسلسل كل حديث بمسنده، ولا برحت الخواطر الشريفة مسرورة بمحمد وحديثه ومولده. "ومن ذلك"، قولي في ختام تقليد قاضي القضاة ولي الدين العوافي بقضاء قضاة الشافعية، بالديار المصرية والممالك الإسلامية، "وهو": والله تعالى يطلق له أعنة الإقبال، وينيله من نعمه ما لا يخطر قبل وقوعه ببال، ويحلي به جيد الدهر وقد تحلى بعدما ذهب رونقه وزال، كما أحسن له في البداية، أن يحسن إليه في النهاية، حتى يقول الحمد لله على كل حال. "ومثله" في الحسن، ختام تقليد قاضي القضاة أبي البقاء علم الدين صالح البلقيني، "وهو": والله يرفع علم علمه على كل غاد ورائح، ويجعل كلًّا من عمله وحكمه واسمه الكريم صالِحًا في صالح في صالح.

стр. 980

"وقد عنَّ لي" أن أختم ما تقدم لي من الأمثلة في حسن الخواتم، بختام كتاب المسك من أقل عبيده، ويود منثور الدر أن ينتظم في سلك عقوده، وذلك أني كتبت للمقر المرحومي الفتحي، فتح الله صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية، كان على لسان قاضي القضاة شرف الدين مسعود الشافعي وأعيان طرابلس المحروسة، وقد وصلوا إلى الديار المصرية في البحر قسرًا، مما عاينوه من أهوال تلك المحنة المشهورة، التي قدرها الله تعالى على طرابلس المحروسة. وحسن الختام في القصة المذكورة قولي: والقوم يا نظام الملك قد دهمهم من لم يفرق بين التحليل والتحريم، إلى أن صرحوا بالطلاق، ووقعوا في التغابن، وشمت المنافقون، ومنعوا في الجمعة الصف، ومست فرقتهم الممتحنة في الحشر، ولم يسمع لهم مجادلة، لما فزعوا بالحديد في هذه الواقعة، ولكن منّ الرحمن، وطلع قمر الأمن، ولاحظهم نجم السعد وصعدوا طور النجاة، وكفكفوا ذاريات الدموع، وطردت عنهم العداة إلى قاف، لما دخلوا حجرات مصر، وحظوا من مولانا السلطان بعد سد المذاهب بالفتح١. "قلت": هذا الختام جعلته خاتمة للأمثلة المنثورة في هذا الباب. وأما الأمثلة الشعرية، فمن المجيدين فيها أبو نواس، حيث قال في خاتمة قصيدة مدح بها الخصيب: وإني جدير إذ بلغتك بالمنى ... وأنت بما أملت منك جدير فإن تولني منك الجميل فأهله ... وإلا فإني عاذر وشكور ومنه قول أبي تمام معتذرًا في آخر قصيدة: فإن يك ذنب عنَّ أو تكُ هفوة ... على خطإٍ مني فعذري على عمد١ ومنه قول أبي الطيب، في ختام قصيدة: فلا حطت لك الهيجاء سَرْجًا ... ولا ذاقت لك الدنيا فراقا٢ وقال أبو العلاء، من ختام قصيدة: ولا تزال بك الدنيا ممتعة ... بالآل والحال والعلياء والعمر٣

стр. 981

وقول الأرجاني في ختام قصيدة: بقيت ولا أبقى لك الدهر كاشحًا ... فإنك في هذا الزمان فريد١ عُلاك سوار والممالك معصم ... وجودك طوق والبرية جيد٢ وقول ابن نبيه، في ختام قصيدة أشرفية: دمتم بني أيوب في نعمة ... تجوز في التخليد حد الزمان والله لا زلتم ملوك الورى ... شرقًا وغربًا وعلى الضمان وقال شيخ شيوخ حماة، في ختام مديح مظفري: فلا زلت ذا ملك جديد مؤيد ... تدين لك الدنيا وتصفو لك الأخرى ولا زال للأيام طول على الورى ... وما الطول إلا أن يطيل لك العمرا وقال ابن سنا الملك، في ختام مديح عادلي: بقيت حتى يقول الناس قاطبة ... هذا أبو إلياس أو هذا أبو الخضر٣ وقال الشيخ جمال الدين بن نباته ﵀ في ختام مديح مؤيدي: فابق عالي المقام داني العطايا ... قاهر الباس ظاهر الأنباء يتمنى عدوّك العيش حتى ... أتمنى له امتداد البقاء وقال الشيخ برهان الدين القيراطي -رحمه الله تعالى- في ختام مديح نبوي: يا إمام الهدى عليك الصلاة ... وسلام في الصبح ثم العشاء ما صبا في أصائل قلب صب ... ذكر الملتقى على الصفراء ومثله قول الشيخ زين الدين عمر بن الوردي، في ختام قصيد نبوي: صلى عليك الله يا خير الورى ... ما نار نور من ضريحك في الدجى ومثلهما قولي، في ختام مديح نبوي، لكن مسك هذا الختام أضوع من ختامهما في المديح النبوي، وهو:

стр. 982

عسى وقفة أو قعدة لابن حِجة ... على بابكم يسعى بها وهو مُحرِم فقد جاء يشكو من ذنوب تعاظمت ... وقدرك في يوم الشفاعة أعظم وقد ناله في عنفوان شبابه ... هموم وسيف الهم للظهر يقصم وعارضه قد شاب في زمن الصبا ... عسى بك من ذا العارض الصعب يسلم فيا وردنا الصافي طيور قلوبنا ... عليك إذا ما نابها الضيم حُوَّم وقلت بعده في حسن الختام: عليك سلام نشره كلما بدا ... به يتغالى الطيب والمسك يختم وبيت الشيخ صفي الدين في حسن الختام "هو": فإن سعدت فمدحي فيك موجبه ... وإن شقيت فذنبي موجب النقم وبيت العميان فيه "هو": لكن وإن طال مدحي لا أفي أبدًا ... فاجعل العذر والإقرار مختتمي وبيت الشيخ عز الدين الموصلي قوله: فجعل له مخلصًا من قبح زلته ... في حسن مفتتح منه ومختتم وبيت العميان في حسن الختام أبدع من بيت الشيخ صفي الدين الحلي في حسن ختامه، وموجب ذلك التورية بتسمية النوع، وتمكين القافية في آخر البيت. وبيت الشيخ عز الدين وأبدع من بيت العميان، إذ فيه الترشيح بذكر التخلص والافتتاح والمختتم، ولكن فاته الترتيب، فإنه قدم ذكر التخلص على الافتتاح. وبيت بديعيتي: حسن ابتدائي به أرجو التخلص من ... نار الجحيم وهذا حسن مختتمي هذا البيت العامر بمدح النبي ﷺ ختامه مسك، لكونه جاء خاتمة لما وصلت إليه القدرة من الأوصاف النبوية، واجتمع فيه: حسن الابتداء مورى به، مع حسن التخلص، وحسن الختام على الترتيب. ولو قال الشيخ عز الدين في بيته: بحسن مبتدأ، ساعدته التورية بتسمية النوع الذي هو حسن الابتداء.

стр. 983

قال المؤلف، رحمه الله تعالى: هذا المصنف المبارك، أعني البديعية وشرحها، وإذا ملكه متأدب شرفت نفسه عن النظر في غيره من تذاكر الآداب، فإني ما تركت نوعًا من أنواع البديع إلا أطلقت عنان القلم في ميادين الطروس، مستطردًا إلى استيعاب ما وقع من جيده ورديئه، ونصبت فيه البحث بين المقصرين والمجيدين. بيد أني أقول وبالله المستعان: إن العميان اختصروا جانبًا كبيرًا من البديع، وما أجادوا النظم فيما وقع اختيارهم عليه. والشيخ صفي الدين الحلي أجاد في الغالب، لخلاصه من التورية في تسمية النوع، ولكنه قصَّر في مواضع نبهت عليها في مظانها. والشيخ عز الدين ﵀ قصّر في غالب بديعيته، لالتزامه بتسمية النوع البديعي ومراعاة التورية. والبحث مقرر مع كل منهم في إجادته وتقصيره، عند إيراد بيته على ذلك النوع الوارد. وقد تقدم الإطناب في تقرير حسن الابتداء وبراعة الاستهلال، وفي الفرق بينهما، وأوردت في حسن التخلص ما وقع من غريبه وبديعه، وما تقرر من البحث مع المقصر في نظمه، وما يتفرق به شمل مجاميع الأدب وينسى تذاكره، وقد انتهت الغاية بحمد الله إلى حسن الختام. وأوردت فيه ما لا خفيت محاسنه على المتأمل، ولا ضمه صدر كتاب، وأنا أسأل الله حسن الخاتمة، وببركة الممدوح عليه أفضل الصلاة وأتم السلام. وقد فرغت من تأليف الكتاب في شهر ذي الحجة الحرام سنة ست وعشرين وثمانمائة، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله العلي العظيم، وسبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، وأستغفر الله العظيم وأتوب إليه، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 984

فهرس الموضوعات ٣ ذكر النوادر ٧ ذكر المبالغة ١١ ذكر الإغراق ١٦ ذكر الغلو ٢١ ذكر ائتلاف المعنى مع المعنى ٢٤ ذكر نفي الشيء بإيجابه ٢٧ ذكر الإيغال ٣١ ذكر التهذيب والتأديب ٣٦ ذكر ما لا يستحيل بالانعكاس ٣٩ ذكر التورية ٢٥٢ ذكر المشاكلة ٢٥٤ ذكر الجمع مع التقسيم ٢٥٦ ذكرالجمع مع التفريق ٢٥٨ ذكر الإشارة ٢٦٠ ذكر التوليد ٢٦٣ ذكر الكناية ٢٦٦ ذكر الجمع ٢٦٨ ذكر السلب والإيجاب ٢٧٠ ذكر التقسيم ٢٧٤ ذكر الإيجاز

стр. 985

٢٧٦ ذكر المشاركة ٢٧٨ ذكر التصريع ٢٨٠ ذكر الاعتراض ٢٨٢ ذكر الرجوع ٢٤٨ ذكر الترتيب ٢٨٦ ذكر الاشتقاق ٢٨٨ ذكر الاتفاق ٢٩١ ذكر الإبداع ٢٩٣ ذكر المماثلة ٢٩٥ ذكر حصر الجزئي وإلحاقة بالكلي ٢٩٧ ذكر الفرائد ٢٩٩ ذكر الترشيح ٣٠١ ذكر العنوان ٣٠٣ ذكر التسهيم ٣٠٥ ذكر التطريز ٣٠٧ ذكر التنكيت ٣٠٩ ذكر الإرداف ٣١١ ذكر الإيداع ٣٩٩ ذكر التوهيم ٣٤٢ ذكر الألغاز ٣٦٢ ذكر سلامة الاختراع ٣٧٠ ذكر السير ٣٧٣ ذكر حسن الاتباع ٣٨٠ ذكر المواردة ٣٨٣ ذكر الإيضاح ٣٨٥ ذكر التفريع ٣٨٨ ذكر حسن النسق ٣٩٠ ذكر التعديد ٣٩١ ذكر التعليل ٣٩٣ ذكر التعطف
следующие страницы →